← Джавами‘

Джавами‘ · id 17100

الفوائد الذهبية من سير أعلام النبلاء جـ 2

فهد بن عبد الرحمن العثمان

Полный текст (131 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الْفَوَائِد الذهبية من سير أَعْلَام النبلاء تأليف الإِمَام الْحَافِظ الذَّهَبِيّ جمع وإعداد فَهد بن عبد الرَّحْمَن العثمان دَار الشريف

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمد لله، والصلاة والسلام على نبيه الصادق الأمين .. نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: أخي القارئ الكريم .. بعون الله وتوفيقه أضع بين يديك المجموعة الثانية من الفوائد الذهبية والمنتقاة من سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي ﵀. وقبل قراءة هذه المجموعة أرجو ملاحظة ما يلي: ١ - وضعت الإحالة للأصل بين قوسين (المجلد/ الصفحة) وقد تشمل الإحالة أكثر من فائدة بشرط أن تكون من نفس الترجمة. ٢ - ما سبق بكلمة قلت أو قلنا. فالقائل هو الإمام الذهبي ﵀. ٣ - ما كان من قول المحقق فذكرته قائلاً: قال المحقق وفقه الله. ٤ - ما قمت بإضافته؛ لاستقامة المعنى وضعته بين معكوفتين. أخي الكريم: لقد سعدت كثيرًا بملاحظات بعض الأخوة على المجموعة الأولى، والتي كان من أهمها عدم تخريج الأحاديث، وعدم عزو الفائدة إلى موضعها في الأصل، وعدم وضع ترجمة للإمام الذهبي ﵀ واعترافًا مني بهذا الخطأ والتقصير أعد بتنفيذ ذلك عند إعادة طباعة المجموعة الأولى إن شاء الله.

стр. 3

وأخيرًا. المجموعة الثالثة والأخيرة من (الفوائد الذهبية) تصدر قريبًا إن شاء الله، وهي بانتظار المزيد من نصحك وإرشادك لا حرمك الله الأجر والثواب. الله أسأل الإخلاص في القول والعمل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. كتبه أبو عبد الرحمن فهد بن عبد الرحمن العثمان

стр. 4

حسن الظن بالله عبد الله بن إدريس بن يزيد، الإمام، الحافظ، المقرئ، القدوة، شيخ الإسلام أبو محمد الأودي الكوفي (٩/ ٤٢). عن حسين العنقزي قال: لما نزل بابن إدريس الموت، بكت بنته .. فقال: لا تبكي يا بُنية، فقد ختمت القرآن في هذا البيت أربع آلاف ختمة. قال ابن عمار: كان ابن إدريس إذا لحن أحد في كلامه لم يحدثه. قال أبو خيثمة: سمعت ابن إدريس يقول: كل شراب مسكر كثيره ... فإنه محرم يسيره إني لكم من شره نذيره الحسن بن الربيع البوراني قال: قرئ كتاب الخليفة إلى ابن إدريس، وأنا حاضر: من عبد الله هارون أمير المؤمنين إلى عبد الله بن إدريس قال فشهق ابن إدريس شهقة وسقط بعد الظهر فقمنا إلى العصر، وهو على حاله، وانتبه قبيل المغرب وقد صببنا عليه الماء فلا شيء، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون صار يعرفني حتى يكتب إلي! أي ذنب بلغ بي هذا؟! عن وكيع أن عبد الله بن إدريس امتنع عن القضاء، وقال للرشيد: لا أصلح، فقال الرشيد: وَددْتُ أني لم أكن رأيتك، فقال: وأنا وددت أني لم أكن رأيتك فخرج ثم ولي حفص بن غياث، وبعث الرشيد بخمسة الآف إلى ابن إدريس فقال للرسول وصاح به: مُرَّ من هنا، فبعث إليه الرشيد: لم تَل لنا، ولم تقبل صلتنا فإذا جاءك ابني المأمون، فحدثه، فقال: إن جاء مع الجماعة حدثناه، وحلف ألا يكلم حفص بن غياث حتى يموت.

стр. 5

فهل من معتبر الوزير الملك، أبو الفضل، جعفر، ابن الوزير الكبير أبي علي يحيى ابن الوزير خالد بن برمك الفارسي (٩/ ٥٩). جعفر، وما أدراك ما جعفر؟ له نبأ عجيب، وشأن غريب، بقي في الارتقاء في رتبة، شارك الخليفة في أمواله ولذاته وتصرفه في الممالك، ثم انقلب الدست في يوم فقُتل وسُجن أبوه وإخوته إلى الممات، فما أجهل من يغتر بالدنيا. قال الأصمعي: سمعت يحيى بن خالد يقول: الدنيا دول، والمال عارية، ولنا بمن قبلنا أسوة وفينا لمن بعدنا عبرة. قيل: إن ولدًا ليحيى قال له وهم في القيود: يا أبةِ بعد الأمر والنهي والأموال صرنا إلى هذا؟ قال: يا بني دعوةُ مظلوم غفلنا عنها، لم يغفل الله عنها. قيل: كان في خزائن جعفر دنانير, زنة الواحد مئة مثقال، كان يرمي بها إلى أصطحة الناس سكته: واصفر من ضرب دار الملوك ... يلوح على وجهه جعفر يزيد على مئة واحدًا ... متى يعطه مُعسرُ يوسرُ وقيل: بل الشعر لأبي العتاهية، وكان على الدينار صورة جعفر. قيل إن امرأة كلابية انشدت جعفرًا: إني مررت على العقيق وأهله ... يشكون من مطر الربيع نُزورًا ما ضرهم إذ مر فيهم جعفر ... أن لا يكون ربيعهم ممطورًا سُئل سعيد بن سالم عن ذنب البرامكة، فقال: ما كان منهم بعض ما يوجب ما فعل الرشيد، لكن طالت أيامُهم وكل طويل يمل.

стр. 6

وقيل: رفعت قصة إلى الرشيد فيها: قل لأمين الله في أرضه ... ومن إليه الحل والعقدُ هذا ابن يحيى قد غدا مَالكًا ... مثلك ما بينكما حدُ أمرك مردود إلى أمره ... وأمره ما إن له رد ونحن نخشى أنه وارث ... ملك إن غيبك اللحدُ وقيل: إن أخته قالت له: ما رأيتُ لك سرورًا منذ قتلت جعفرًا، فلم قتلته؟ قال: لو علمت أن قميصي يعلم السبب لمزقته. عن محمد بن عبد الرحمن الهاشمي خطيب الكوفة، قال: دخلت على أمي يوم الأضحى وعندها عجوز في أثواب رثة، فقالت: تعرف هذه؟ قلت: لا. قالت: هذه والدة جعفر البرمكي، فسلمت عليها، ورحبت بها، وقلت: حدثينا ببعض أمركم، قالت: لقد هجم علي مثل هذا العيد، وعلى رأسي أربع مئة جارية وأنا أزعم أن ابني عاق لي، وقد أتيتكم يقنعني جلد شاتين أجعل أحدهما فراشًا لي، قال: فأعطيتها خمسة مئة درهم، فكادت تموت فرحًا. * * * كتاب الملكين المعافى بن عمران بن نفيل، الإمام، شيخ الإسلام، ياقوتة العلماء أبو مسعود الأزدي (٩/ ٨٠). قال بشر الحافي: كان المعافى صاحب دنيا واسعة وضِياع كثيرة، قال مرة رجل: ما أشد البرد اليوم، فالتفت إليه المعافى وقال: آستدفأتَ الآن؟ لو سكت، لكان خيرًا لك. قلت: قولُ مثل هذا جائز لكنهم كانوا يكرهون فضول الكلام، واختلف

стр. 7

العلماء في الكلام المباح، هل يكتبه الملكان، أم لا يكتبانه إلا المستحب الذي فيه أجر، والمذموم الذي فيه تبعه؟ والصحيح كتابة الجميع لعموم النص في قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] ثم ليس إلى الملكين اطلاع على النيات والإخلاص، بل يكتبان النطق، وأمر السرائر الباعثة للنطق الله يتولاها. * * * الإنفاق علانية محمد بن جعفر، الحافظ المجود، الثبت غُنْدَر أبو عبد الله الهذلي أحد المتقنين (٩/ ٩٨). قلت: ابن جريج هو الذي سماه غُنْدرًا وذلك لأنه تعنتَ ابن جريج في الأخذ، وشَغَبَ عليه أهل الحجاز، فقال: ما أنت إلا غندر. عن يحيى بن معين قال: كان غندر يجلس على رأس المنارة يفرق زكاته، فقيل له: لما تفعل هذا؟ قال: أُرغِّب الناس في إخراج الزكاة، فاشترى سمكًا وقال لأهله، أصلحوه ونام فأكل عياله السمك ولطخوا يده. فلما انتبه، قال: هاتوا السمك. قالوا: قد أكلت. فقال: لا. قالوا: فشم يدك. ففعل ثم قال: صدقتم ولكن ما شبعتُ. وقال: صمت يومًا فأكلت ثلاث مرات ناسيًا ثم أتممت صومي.

стр. 8

اجتهاد العلماء وكيع بن الجراح بن مليح، الإمام الحافظ، محدث العراق، أبو سفيان أحد الأعلام (٩/ ١٤٠). (عن) يحيى بن أكثم (قال) صحبتُ وكيعًا في الَحضَر والسفر وكان يصوم الدهر، ويختم القرآن كل ليلة. قلت: هذه عبادة يخضع لها، ولكنها من مثل إمام من الأئمة الأثرية مفضولة فقد صح نهيه ﵇ عن صوم الدهر، وصح أنه نهى أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث، والدين يُسر، ومتابعة السنة أولى، فرضي الله عن وكيع، وأين مثل وكيع، ومع هذا فكان ملازمًا لشرب نبيذ الكوفة الذي يُسكر إلاكثار منه فكان متأولًا في شربه، ولو تركه تورعًا لكان أولى به، فإن من توقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، وقد صح النهي والتحريم للنبيذ المذكور، وليس هذا موضع هذه الأمور، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك فلا قدوة في خطأ العالم، نعم ولا يوبخ بما فعله باجتهاد نسأل الله المسامحة. * * * ومن الشعر لحكمة أبو نواس، رئيس الشعراء أبو علي الحسن بن هانئ الحكمي، مدح الخلفاء والوزراء ونظمه في الذروة (٩/ ٢٧٩). قيل: لقب بهذا؛ لضفيرتين كانتا تنوسان على عاتقيه، أي: تضطرب وهو القائل: ألا كل حي هالك وابن هالك ... وذو نسب في الهالكين عريق إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق

стр. 9

نصح الولاة الخليفة أبو جعفر هارون الرشيد بن المهدي محمد بن المنصور أبي جعفر (٩/ ٢٨٦). كان من أنبل الخلفاء، وأحشم الملوك، ذا حج وجهاد، وغزو وشجاعة ورأي. عن خرزاذ العابد قال: حدَّث أبو معاوية الرشيد بحديث: «احتج آدم وموسى» فقال رجل شريف: فأين لقيه؟ فغضب الرشيد، وقال: النطع والسيف زنديق يطعن في الحديث فما زال أبو معاوية يُسكنه ويقول: بادرة منه يا أمير المؤمنين حتى سكن. وعن أبي معاوية الضرير قال: صبَّ على يدي بعد الأكل شخص لا أعرفه فقال الرشيد: تدري من يصب عليك؟ قلت: لا؟. قال: أنا؛ إجلالا للعلم. وعن الأصمعي: قال لي الرشيد وأمر لي بخمسة آلاف دينار وقرنا في الملأ وعلمنا في الخلا. وخلف عدة أولاد منهم تسعة بنين اسمهم محمد، أجلهم الأمين المعتصم (ومنهم) أبو العباس، وكان بليدًا مغفلاً دمنوه مدة في قول: أعظم الله أجركم فذهب ليعزي فأرتج عليه. وقال: ما فعل فلان؟ قالوا: مات. قال: جيد، وإيش فعلتم به؟

стр. 10

قالوا: دفناه. قال: جيد. * * * التوبة الصادقة أبو علي، شقيق بن إبراهيم الأزدي، الإمام الزاهد، شيخ خراسان البلخي (٩/ ٣١٣). عن شقيق قال: مثل المؤمن مثل من غرس نخلة يخاف أن تحمل شوكًا ومثل المنافق مثل من زرع شوكًا يطمع أن يحمل تمرًا هيهات. وعنه: ليس شيء أحب إليَّ من الضيف لأن رزقه على الله وأجره لي. وعنه: علامة التوبة البكاء على ما سلف، والخوف من الوقوع في الذنب وهجران إخوان السوء، وملازمة الأخيار. * * * ذم الجدل معروف الكرخي، عَلَم الزهاد، بركة العصر، أبو محفوظ البغدادي، واسم أبيه فيروز، وقيل فيرزان من الصائبة (٩/ ٣٣٩). قيل كان أبواه نصرانيين، فأسلماه إلى مؤدب كان يقول له، قل ثالث ثلاثة فيقول معروف: بل هو الواحد فيضربه فيهرب فكان والداه يقولان: ليته رجع ثم إن أبويه أسلما. ذُكر معروف عند الإمام أحمد فقيل: قصير العلم، فقال: أمسك وهل يراد بالعلم إلا ما وصل إليه معروف. عن معروف قال: إذا أراد الله بعبد شرًا أغلق عنه باب العمل وفتح عليه باب

стр. 11

الجدل. وقص إنسان شارب معروف، فلم يفتر عن الذكر، فقال: كيف أقص؟ فقال: أنت تعمل وأنا أعمل. قال عبيد بن محمد الوراق: مر معروف، وهو صائم بسقّاء يقول: رحم الله من شرب، فشرب رجاء الرحمة. * * * آداب الطلب عبد الله بن داود بن عامر بن ربيع، الإمام، الحافظ، القدوة، أبو عبد الرحمن الهمذاني ثم الشعبي المشهور بالخريبي (٩/ ٣٣٤٦). قال: ليس الدين بالكلام، أما الدين بالآثار. وقال في الحديث: «من أراد به دنيا فدنيا، ومن أراد به آخرة، فآخرة». وقال: ما كذبت إلا مرة واحدة، قال لي أبي: قرأت على المعلم؟ قلتُ: نعم، وما كنت قرأت عليه. وقال: كانوا يستحبون أن يكون للرجل خبيئة من عمل صالح لا تعلم به زوجته ولا غيرها. أبو العيناء قال: أتيتُ عبد الله بن داود، فقال: ما جاء بك؟ قلت: الحديث. قال: اذهب فتحفظ القرآن. قلت: قد حفظت القرآن. قال: اقرأ ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾ [يونس: ٧١] فقرأت العشر حتى أنفذته.

стр. 12

فقال لي: اذهب الآن فتعلم الفرائض. قلت: قد تعلمت الصلب والجد والكُبَر. قال: فأيما أقرب إليك ابن أخيك أو عمك؟ قلت: ابن أخي. قال: ولما؟ قلت: لأن أخي من أبي، وعمي من جدي. قال: اذهب الآن فتعلم العربية. قلت: قد علمتها قبل هذين. قال: فلما قال عمر يعني حين طعن؟: يالَله، يا لِلمسلمين، لما فتح تلك وكسر هذه؟ قلتُ: فتح تلك اللام على الدعاء، وكسر هذه على الاستغاثة والاستنصار فقال: لو حدثتُ أحدًا لحدثتك. قال أبو نصر بن ماكولا: كان الخريبي عسرًا في الرواية. * * * زيارة القبور عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى» (١). قال الإمام الذهبي ﵀: معناه: لا تشدُّ الرحال إلى مسجد ابتغاء الأجر سوى المساجد الثلاثة فإن لها فضلاً خاصًا فمن قال: لم يدخل في النهي شد الرحل إلى زيارة قبر نبي أو

стр. 13

ولي، وقف مع ظاهر النص، وإن الأمر بذلك والنهي خاص بالمساجد، ومن قال بقياس الأولى، قال: إذا كان أفضل بقاع الأرض مساجدها، والنهي ورد فيها، فما دونها في الفضل كقبور الأنبياء والصالحين، أولى بالنهي، أما من سار إلى زيارة قبر فاضل من غير شد رحل فقربة بالإجماع بلا تردد، سوى ما شذ به الشعبي ونحوه، فكان بلغهم النهي عن زيارة القبور، وما علموا بأنه نسخ ذلك (٩/ ٣٦٨). * * * من افتراءات الرافضة علي الرضي، الإمام السيد، أبو الحسن الهاشمي العلوي المدني (٩/ ٣٨٧). عن علي بن موسى الرضى، عن أبيه قال: إذا أقبلت الدنيا على إنسان، أعطته محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه. الشعبي قال: أفخر بيت قيل قول الأنصار يوم بدر: وببئر بدر إذ يردُّ وُجُوْهَهم ... جبريل تحت لوائنا ومحمدُ وقال الصولي: افخر منه قول الحسن بن هانئ في علي بن موسى الرضي: قيل لي أنت واحد الناس ... في كل كلام من المقال بَديه لك في جوهر الكلام بديع ... يثمر الدر في يدي مجتنيه فعلام تركت مدح ابن موسى ... بالخصال التي تجمعن فيه قلت: لا أهتدي لمدح إمام ... كان جبريل خادمًا لأبيه قلت: لا يسوغ إطلاق هذا الأخير إلا بتوقيف، بل كان جبريل معلم نبينا ﷺ وعلى جبريل الصلاة والسلام. وقد كان على الرضي كبير الشأن، أهلاً للخلافة ولكن كذبت عليه وفيه

стр. 14

الرافضة وأطروه بما لا يجوز، وادعوا فيه العصمة وغَالتْ فيه، وقد جعل الله لكل شيء قدرًا. وهو بريء من عهدة تلك النسخ الموضوعة عليه، فمنها: عن أبيه عن جده عن آبائه مرفوعًا «السبت لنا، والأحدُ لشيعتنا، والأثنين لبني أمية، والثلاثاء لشيعتهم، والأربعاء لبني العباس والخميس لشيعتهم، والجمعة للناس جميعًا». وبه: «لما أُسري بي، سقط من عَرَقي، فنبتت منه الورد». وبه: «ادَّهنوا بالبنفسج فإنه بارد في الصيف حار في الشتاء». وبه: «من أكل رمانة بقشرها، أنار الله قلبه أربعين ليلة». وبه: «الحناءُ بعد النورة أمان من الجذام». وبه: «كان النبي ﷺ إذا عطس، قال له علي: رفع الله ذكرك، وإذا عطس علي، قال له النبي ﷺ : «أعلى الله كعبك». فهذه أحاديث وأباطيل من وضع الضلال. * * * الحذر من أهل البدع أحمد بن عطاء الهجيمي، شيخ الصوفية، العابد، القدري، البصري المبتدع، فما أقبح بالزهاد ركوب البدع (٩/ ٤٠٨). قال عبد الرحمن بن عمر رسته: رآني ابن مهدي يوم جمعة جالسًا إلى جنب أحمد بن عطاء، وكان يتكلم في القدر، وكان أزهد من رأيت فاعتذرت إلى عبد الرحمن، فقال: لا تجالسه، فإنَّ أهون ما ينزل بك أن تسمع منه شيئًا يجب لله عليك أن تقول له: كذبت، ولعلك لا تفعل.

стр. 15

وكان ابن عطاء قد نصب نفسه للأستاذية، ووقف دارًا في بَلْهُجَيْم للمتعبدين والمريدين يقص عليهم، قال ابن الأعرابي: وأحسبها أول دار وقفت بالبصرة للعبادة. * * * لزوم السنة عبد المجيد ابن الإمام عبد العزيز بن أبي رَوَّاد، العالم، القدوة الحافظ الصادق، شيخ الحرم، أبو عبد المجيد المكي (٩/ ٤٣٤). قال ابن عدي: عامَّةُ ما أُنكر عليه الإرجاء. وقال هارون بن عبد الله الحمَّال: ما رأيتُ أخشع لله من وكيع وكان عبد المجيد أخشع منه. قلت: خشوع وكيع مع إمامته في السنة جعله مقدمًا، بخلاف خشوع هذا المرجئ عفا الله عنه أعاذنا الله وإياكم من مخالفة السنة، وقد كان على الإرجاء عدد كثير من علماء الأمة، فهلا عُدّ مذهبًا، وهو قولهم: أنا مؤمن حقًا عند الله الساعة، مع اعترافهم بأنهم لا يدرون بما يموت عليه المسلم من كفر أو إيمان، وهذه قولة خفيفة، وإنما الصعب من قول غلاة المرجئة: إن الإيمان هو الاعتقاد بالأفئدة وإن تارك الصلاة والزكاة وشارب الخمر، وقاتل الأنفس والزاني، وجميع هؤلاء يكونون مؤمنين كاملي الإيمان، ولا يدخلون النار، ولا يعذبون أبدًا فردوا أحاديث الشفاعة المتواترة وجسروا كل فاسق وقاطع طريق على الموبقات نعوذ بالله من الخذلان. قيل: (أن أزهر بن سعد) كان صاحبًا للمنصور أبي جعفر قبل أن يلي الخلافة فلما ولي، قدم إليه أزهر مهنئًا له، فقال: أعطوه ألف دينار، وقولا له: لا تعد، فأخذها، ثم عاد إليه من قابل، فحجبوه ثم دخل إليه في المجلس

стр. 16

العام فقال: ما جاء بك؟ قال: سمعتُ أنك مريض، فجئت أعودك. فقال: أعطوه ألف دينار، قد قضيتَ حق العيادة فلا تعد، فإني قليل الأمراض. قال: فعاد من قابل، ودخل في المجلس العام. فقال له: ما جاء بك. قال: دعاءُ سمعته منك، جئت لأحفظه. قال: يا هذا إنه غير مستجاب، إني في كل سنة أدعو به أن لا تأتيني، وأنت تأتيني (٩/ ٤٤٢). * * * أحاديث الواقدي محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، مولاهم الواقدي، المديني، القاضي صاحب التصانيف والمغازي، العلامة الإمام أبو عبد الله، أحد أوعية العلم على ضعفه المتفق عليه (٩/ ٤٥٤). جمع فأوعى، وخلط الغث بالسمين، والخَرَزَ بالدر الثمين فأطرحوه لذلك ومع هذا فلا يستغنى عنه في المغازي وأيام الصحابة وأخبارهم. عن الواقدي قال: كانت الألواح تضيع، فأُتي بها من شهرتها بالمدينة، يقال: هذه ألواح ابن واقد. وعنه قال: ما من أحد إلا وكتبه أكثر من حفظه، وحفظي أكثر من كتبي (قال الإمام الذهبي) وقد تقرر أن الواقدي ضعيف، يحتاج إليه في الغزوات والتاريخ ونورد آثاره من غير احتجاج أما في الفرائض فلا ينبغي أن

стр. 17

يذكر فهذه الكتب الستة، ومسند أحمد، وعامة من جمع في الأحكام، نراهم يترخصون في إخراج أحاديث أناس ضعفاء بل ومتروكين ومع هذا لا يخرجون لمحمد بن عمر شيئًا، مع أن وزنه عندي أنه مع ضعفه يكتب حديثه، ويروي لأني لا أتهمه بالوضع، وقول من أهدره فيه مجازفة من بعض الوجوه، كما أنه لا عبرة بتوثيق من وثقه، كيزيد وأبي عبيد والصاغاني، والحربي، ومعن، وتمام عشرة محدثين، إذ قد انعقد الإجماع اليوم على أنه ليس بحجة، وأن حديثه في عداد الواهي ﵀. * * * الإمام الشافعي محمد بن إدريس بن العباس، عالم العصر، ناصر الحديث أبو عبد الله القرشي (١٠/ ٥). عن الشافعي قال: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة، وعنه قال: بئس الزاد إلى المعاد, العدوان على العباد. وعنه: ضياع العالم أن يكون بلا أخوان، وضياع الجاهل قلة عقله، وأضيع منهما مَن واخى من لا عقل له. وعنه قال: أيما أهل بيت لم يخرج نساؤهم إلى رجال غيرهم ورجالهم إلى نساء غيرهم إلا وكان في أولادهم حمق. وقد صنف الحافظ أبو بكر الخطيب كتابًا في ثبوت الاحتجاج بالإمام الشافعي. وما تكلم فيه إلا حاسد أو جاهل بحاله، فكان ذلك الكلام الباطل منهم موجبًا لارتفاع شأنه وعلو قدره، وتلك سنة الله في عباده: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا * يَا

стр. 18

أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٦٩/ ٧٠]. عن أحمد بن صالح قال: قال لي الشافعي: تعبَّد من قبل أن ترأس فإنك إن ترأست لم تقدر أن تتعبد. قال أحمد بن سلمة النيسابوري: تزوج إسحاق بن راهويه بامرأة رجل كان عنده كتب الشافعي، مات ولم يتزوج بها إلا للكتب، قال: فوضع «جامع الكبير» على كتاب الشافعي ووضع «جامع الصغير» على «جامع سفيان» فقدم أبو إسماعيل الترمذي نيسابور، وكان عنده كتب الشافعي عن البويطي، فقال له إسحاق، لا تحدث بكتب الشافعي ما دمتُ هنا فأجابه. روى أبو الشيخ الحافظ وغيره من غير وجه: أن الشافعي لما دخل مصر أتاه جلة أصحاب مالك، وأقبلوا عليه، فلما أن رأوه يخالف مالكًا وينقض عليه، جفوه وتنكروا له فأنشأ يقول: أأنثر درًا بين سارحة النَّعم ... وأنظم منثورًا لراعية الغَنَم لعمري لئن ضُيَّعتُ في شر بلدة ... فلستُ مُضيعًا بينهم غُرَرَ الحكم فإن فرج الله اللطيف بلطفه ... وصادفت أهلاً للعلوم وللحكم بثثت مفيدًا واستفدت ودادهم ... وإلا فمخزون لدي ومكتتم ومن منح الجهال علمًا أضاعه ... ومن منع المستوجبين فقد ظلم وكاتم علم الدين عمن يريده ... يبوءُ بإثم زاد وإثم إذا كتم عن الربيع قال: رأيتُ أشهب بن عبد العزيز ساجدًا يقول في سجوده: اللهم أمت الشافعي لا يذهب علم مالك، فبلغ الشافعي، فأنشأ يقول: تمنّى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى ... تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد

стр. 19

وقد علموا لو ينفع العلم عندهم ... لئن متُ ما الداعي علي بمخلد ولابن عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي في الشافعي: ومن شعب الإيمان حب ابن شافع ... وفرض أكيد حُبُّه لا تطوعُ وإني حياتي شافعي فإن امت ... فتوصيتي بعدي أن يتشفعوا قال المحقق وفقه الله: إن الأئمة المجتهدين كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم، رحمهم الله تعالى لم يقل واحد منهم لأتباعه: اتبعوني وخذوا بجميع أقوالي، وآثروني على من سواي، وإنما ثبت عن كل واحد منهم قوله: «إذا خالف قولي قول رسول الله ﷺ فالحجة في قول رسول الله ﷺ «واضربوا بقولي عرض الحائط» وجميعهم أصحاب فضل وعلم، وقد بذلوا جهدهم في التماس الحق في المسائل التي اجتهدوا فيها، فأصاب كل واحد منهم في بعضها، وله في ذلك أجران، وأخطأ في البعض الآخر، وله فيها أجر واحد فالمحب الصحيح هو الذي يوالي الجميع ويقدر جهودهم ويشيد بفضلهم ولا يعتقد العصمة فيهم، وإذا رأى أحدهم أنه يفضل على الآخرين بشيء قد خصه الله به، فلا يتخذه وسيلة للتعصب، أو الإفراط في الحب الذي قد يدعوه إلى العدول عن الصواب، لأن هذا الإمام الذي يحبه لم يقل به. وليضع كل واحد منا نصب عينيه كلمة الإمام مالك ﵀: «ما منا إلا من رَدَّ أو رُد عليه إلا صاحب هذا القبر» وأشار إلى قبر النبي ﷺ فالنبي ﷺ هو وحده الذي افترض الله علينا الأخذ بجميع أقواله وليس ذلك لأحد سواه (١٠/ ٧٣). وعن المزني قال: دخلت على الشافعي في مرضه الذي مات فيه. فقلت: يا أبا عبد الله، كيف أصبحت؟

стр. 20

فرفع رأسه، وقال: أصبحت من الدنيا راحلاً, ولإخواني مفارقًا، ولسوء عملي ملاقيًا، وعلى الله واردًا, ما أدري روحي تصير إلى جنة فأهنيها أو إلى نار فأعزيها ثم بكى وأنشأ يقول: ولما قسى قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت رجائي دون عفوك سُلما تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما قلت: كلام الأقران إذا تبرهن لنا أنه بهوى وعصبية لا يلتفت إليه بل يطوى ولا يروى كما تقرر عن الكف عن كثير مما شجر بين الصحابة وقتالهم ﵃ أجمعين، وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء، ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف، وبعضه كَذب وهذا فيما بأيدينا وبين علمائنا، فينبغي طيه وإخفاؤه بل إعدامه لتصفوا القلوب، وتتوفر على حب الصحابة والترضي عنهم، وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء، وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف العري من الهوى، بشرط أن يستغفر لهم، كما علمنا الله تعالى حيث يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] فالقوم لهم سوابق. وأعمال مكفرة لما وقع منهم، وجهاد مَحاءُ وعبادة ممحصة، ولسنا ممن يغالي في أحد منهم، ولا ندعي فيهم العصمة، نقطع بأن بعضهم أفضل من بعض، ونقطع بأن أبا بكر وعمر أفضل الأمة، ثم تتمة العشرة المشهود لهم بالجنة، وحمزة وجعفر ومعاذ وزيد، وأمهات المؤمنين، وبنات نبينا وأهل بدر مع كونهم على مراتب، ثم الأفضل بعدهم مثل أبي الدرداء وسلمان الفارسي وابن عمر وسائر أهل بيعة الرضوان الذين ﵃ بنص آية سورة الفتح (١).

стр. 21

ثم عموم المهاجرين والأنصار كخالد بن الوليد والعباس وعبد الله بن عمرو، وهذه الحلبة ثم سائر من صحب رسول الله ﷺ وجاهد معه، أو حج معه، أو سمع منه ﵃ أجمعين وعن جميع صواحب رسول الله ﷺ المهاجرات والمدنيات وأم الفضل وأم هانئ الهاشمية وسائر الصحابيات، فأما ما تنقله الرافضة وأهل البدع في كتبهم من ذلك، فلا نعرج عليه، ولا كرامة فأكثره باطل وكذب وافتراء فدأب الروافض رواية الأباطيل أو رد ما في الصحاح والمسانيد ومتى إفاقة من به سُكْرُ؟ ثم قد تكلم خلق من التابعين بعضهم في بعض، وتحاربوا وجرت أمور لا يمكن شرحها، فلا فائدة في بثها، ووقعت في كتب التاريخ وكتب الجرح والتعديل أمور عجيبة، والعاقل خصمٌ لنفسه ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يَعنيه، ولحوم العلماء مسمومة وما نقل من ذلك لتبيين غلط العالم، وكثرة وهمه أو نقص حفظه، فليس من هذا النمط، بل لتوضيح الحديث الصحيح من الحسن والحسن من الضعيف. وإمامنا، فبحمد الله ثبت في الحديث حافظ لما وعى، عديم الغلط موصوف بالإتقان، متين الديانة فمن نال منه بجهل وهوى ممن عُلم أنه منافس له، فقد ظلم نفسه ومقته العلماء ولاح لكل حافظ تحامله، وجر الناس برجله ومن أثنى عليه واعترف بإمامته وإتقانه، وهم أهل العقد والحل قديمًا وحديثًا فقد أصابوا، وأجملوا، وهدوا ووفقوا. وأما أئمتنا اليوم وحكامنا فإذا أعدموا ما وُجَد من قدح بهوى فقد يقال: أحسنوا ووفقوا وطاعتهم في ذلك مفترضة لما قد رأوه من حسم مادة الباطل والشر. وبكل حال فالجُهَّالُ والضلالُ قد تكلموا في خيار الصحابة وفي الحديث الثابت: «لا أحد أصبرُ على أذى يسمعه من الله إنهم ليدعون له ولدًا، وإنه

стр. 22

ليرزقهم ويعافيهم» (١٠/ ٩٢). * * * السيدة نفيسة ابنة أمير المؤمنين الحسن بن زيد بن السيد سبط النبي ﷺ الحسن بن علي ﵄، العلوية الحسنية صاحبة المشهد الكبير المعمول بين مصر والقاهرة (١٠/ ١٠٦). لجهلة المصريين فيها اعتقاد يتجاوز الوصف ولا يجوز مما فيه من الشرك، ويسجدون لها، ويلتمسون منها المغفرة، وكان ذلك من دسائس دعاة العُبيدية. قيل: كانت من الصالحات العابدات، والدعاء مستجاب عند قبرها، بل وعند قبور الأنبياء والصالحين. قال المحقق وفقه الله تعليقًا على هذا ما نصه: لم يثبت عنه ﷺ شيء في كون الدعاء مستجابًا عند قبور الأنبياء والصالحين والسلف الصالح لا يعرف عنهم أنهم كانوا يقصدون قبور الأنبياء والصالحين للدعاء عندهم، ويرى ابن الجزري في "الحصن الحصين" أن استجابة الدعاء عند قبور الأنبياء والصالحين ثبتت بالتجربة وأقره عليه الشوكاني في "تحفة الذاكرين" ص ٤٦ لكن قيده بشرط ألا تنشأ عن ذلك مفسدة وهي أن يعتقد في ذلك الميت ما لا يجوز اعتقاده كما يقع لكثير من المعتقدين في القبور، فأنهم قد يبلغون الغلو بأهلها إلى ما هو شرك بالله فينادونهم مع الله، ويطلبون منهم ما لا يطلب إلا من الله ، وهذا معلوم من أحوال كثير من العاكفين على القبور خصوصًا العامة الذين لا يفطنون لدقائق الشرك (١٠/ ١٠٧).

стр. 23

أنواع الضحك قال محمد بن النعمان بن عبد السلام: لم أر أعبدَ من يحيى بن حماد وأظنه لم يضحك (١٠/ ١٤٠). قلت: الضحك اليسير والتبسم أفضل، وعدم ذلك من مشايخ العلم على قسمين: أحدهما: يكون فاضلاً لمن تركه أدبًا وخوفًا من الله، وحزنًا على نفسه المسكينة. والثاني: مذموم لمن فعله حمقًا وكبرًا وتصنعًا كما أن من أكثر الضحك استُخف به، ولا ريب أن الضحك في الشباب, أخفُّ منه وأعذر منه في الشيوخ. وأما التبسم وطلاقة الوجه فأرفع من ذلك كله، قال النبي ﷺ «تبسمك في وجه أخيك صدقة». وقال جرير: ما رآني رسول الله ﷺ إلا تبسم فهذا هو خلق الإسلام، فأعلى المقامات من كان بكَّاءً بالليل، بسامًا بالنهار. بقي هنا شيء: ينبغي لمن كان ضحوكًا بسامًا أن يقصر من ذلك ويلوم نفسه حتى لا تمجه الأنفس، وينبغي لمن كان عبوسًا منقبضًا أن يتبسم، ويحسن خُلقه ويمقت نفسه على رداءة خُلقه، وكل انحراف عن الاعتدال فمذموم ولا بد للنفس من مجاهدة وتأديب (١٠/ ١٤٠).

стр. 24

أمانة أهل الحديث أبو نعيم الفضل بن دكين الحافظ الكبير شيخ الإسلام كان شريكًا لعبد السلام بن حرب الملائي. كانا في حانوت بالكوفة يبيعان الملاء وغير ذلك، وكان كذلك غالب علماء السلف إنما ينفقون من كسبهم (١٠/ ١٤٢). قال أحمد بن منصور الرمادي: خرجتُ مع أحمد ويحيى إلى عبد الرزاق خادمًا لهما، قال: فلما عدنا إلى الكوفة، قال يحيى بن معين: أريد أن أختبر أبا نعيم. فقال أحمد: لا تُرد فالرجل ثقة. قال يحيى: لا بد لي، فأخذ ورقة فكتب فيها ثلاثين حديثًا وجعل على رأس كل عشرة منها حديثًا ليس من حديثه، ثم أنهم جاءوا إلى أبي نعيم فخرج وجلس على دكان طين، وأخذه أحمد بن حنبل وأجلسه عن يمينه ويحيى عن يساره، وجلست أسفل الدكان، ثم أخرج يحيى الطبق فقرأ عليه عشرة أحاديث فلما قرأ الحادي عشر، قال أبو نعيم: ليس هذا من حديثي، أضرب عليه، ثم قرأ العشر الثاني، وأبو نعيم ساكت، فقرأ الحديث الثاني، فقال أبو نعيم: ليس هذا من حديثي فأضرب عليه، ثم قرأ العشر الثالث، ثم قرأ الحديث الثالث، فتغير أبو نعيم وانقلبت عيناه، ثم أقبل على يحيى، فقال: أمَا هذا وذراع أحمد بيده فأورع من أن يعمل مثل هذا، وأما هذا يريدني فأقل من أن يفعل ذاك، ولكن هذا من فعلك يا فاعل، وأخرج رجله فرفس يحيى فرمى به من الدكان، وقام، فدخل داره، فقال أحمد بن حنبل ليحيى: ألم أمنعك وأقل لك إنه ثبت قال: والله لرفسته لي أحبُّ إلي من سفرتي. عن الحسين بن عمرو العنقزي قال: دق رجل على أبي نعيم الباب .. فقال: من ذا؟

стр. 25

قال: أنا. قال: من أنا؟ قال رجل من ولد آدم، فخرج إليه أبو نعيم، وقبله وقال: مرحبًا وأهلاً ما ظننت أنه بقي من هذا النسل أحد. قال أبو نعيم: كَثُر تعجبي من قول عائشة: ذهب الذين يعاش في أكنافهم لكني أقول: ذهب الناس فاستقلوا وصرنا ... خلفًا في أراذل النسناس في أناس نعدهم من عديد ... فإذا فتشوا فليسوا بناس كلما جئتُ ابتغي النيل منهم ... بَدَروني قبل السؤال بياس وبكوا لي حتى تمنيت أني ... منهم قد أفلتُ رأسًا براس * * * وقفة للقراءات يعقوب بن إسحاق بن زيد بن عبد الله الحضرمي الإمام المجود، مقرئ البصرة أحد العشرة (١٠/ ١٦٩). كان يقرئ الناس علانية بحرفة بالبصرة في أيام ابن عيينة وابن المبارك ويحيى القطان، وابن مهدي، والقاضي أبو يوسف، ومحمد بن الحسن ويحيى اليزيدي، وسليم، والشافعي، ويزيد بن هارون وعدد كثير من أئمة الدين، فما بلغنا بعد الفحص والتنقيب أن أحدًا من القراء ولا الفقهاء ولا الصلحاء ولا النحاة ولا الخلفاء كالرشيد والأمين والمأمون أنكروا قراءته، ولا منعوه منها أصلاً ولو أنكر أحدُ عليه لنقل ولاشتهر، بل مدحها غير واحد، وأقرأ بها أصحابه بالعراق، واستمر إمام جامع البصرة بقراءتها في المحراب سنين متطاولة فما أنكر

стр. 26

عليه مسلم، بل تلقاها الناس بالقبول، ولقد عومل حمزة مع جلالته بالإنكار عليه في قراءته من جماعة من الكبار، ولم يجر مثل ذلك للحضرمي أبدًا حتى نشأ طائفة متأخرون لم يألفوها، ولا عرفوها، فانكروها ومن جهل شيئًا عاداه، قالوا: لم تتصل بنا متواترة قلنا: اتصلت بخلق كثير متواترة، وليس من شرط التواتر أن يصل إلى كل الأمة، فعند القراء أشياء متواترة دون غيرهم، وعند الفقهاء مسائل متواترة عن أئمتهم لا يدريها القراء وعند المحدثين أحاديث متواترة قد لا يكون سمعها الفقهاء، أو أفادتهم ظنًا فقط، وعند النحاة مسائل قطعية، وكذلك اللغويون، وليس من جهل علمًا حجة على من علمه وأنما يقال للجاهل: تعلم، وسل أهل العلم إن كنت لا تعلم، لا يقال للعالم: اجهل ما تعلم، رزقنا الله وإياكم الإنصاف، فكثير من القراءات تدعون تواترها وبالجهد أن تقدروا على غير الآحاد فيها، ونحن نقول: نتلوا بها وإن كانت لا تعرف إلا عن واحد لكونها تلقيت بالقبول، فأفادت العلم، وهذا واقع في حروف كثيرة وقراءات عديدة ومن ادعى تواترها فقد كابر الحس، أما القرآن العظيم سوره وآياته فمتواتر ولله الحمد، محفوظ من الله تعالى، لا يستطيع أحد أن يُبدله ولا يزيد فيه آية ولا جملة مستقلة ولو فعل ذلك أحدُ عمدًا لانسلخ من الدين قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. وأول من ادعى أن حرف يعقوب من الشاذ أبو عمرو الداني، وخالفه في ذلك أئمة، وصار في الجملة في المسألة خلاف حادث والله أعلم. * * * من أخبار الأصمعي الإمام العلامة الحافظ عبد الملك بن قُريب الأصمعي اللغويُّ الأخباري، يقال اسم أبيه عاصم ولقبه قريب (١٠/ ١٧٥).

стр. 27

قال إسحاق الموصلي: دخلت على الأصمعي أعوده، فإذا قمطر فقلت: هذا علمك كله؟ فقال: إن هذا من حق لكثير. وقال ثعلب: قيل للأصمعي: كيف حفظتَ ونسوا؟ قال: دَرَستُ وتركوا. وعن ابن دريد: أن الأصمعي كان بخيلاً ويجمع أحاديث البخلاء. وعن الأصمعي قال: نلتُ ما نلتُ بالملح. * * * الفُتوةُ الإمام الكبير، زاهد العصر، أبو سليمان عبد الرحمن بن أحمد، وقيل: عبد الرحمن بن عطية، وقيل: ابن عسكر العنسي الداراني. قال أحمد: سمعته يقول لولا الليل لما أحببت البقاء في الدنيا، ولربما رأيت القلب يضحك ضحكًا. وعنه قال: من اشتغل بنفسه شُغل عن الناس، ومن اشتغل بربه شُغل عن نفسه وعن الناس. وعنه: الفُتوة أن لا يراك الله حيث نهاك. ولا يفقدك حيث أمرك. * * * الكريم لا تحنكه التجارب السيد الجواد، حاتم زمانه أمير البصرة، محمد بن محدث البصرة عباد بن عباد بن حبيب ابن الأمير المهلب بن أبي صفرة الأزدي المهلبي (١٠/ ١٨٩). قال أبو العيناء: قال المأمون لمحمد بن عباد: أردتُ أن أوَليك فمنعني

стр. 28

إسرافك. قال: منعُ الجود سوءُ ظن بالمعبود. فقال: لو شئتَ أبقيتَ على نفسك، فإنَّ ما تُنفقه ما أبعد رجوعه إليه، قال: من له مولى غني لم يفتقر فقال المأمون: من أراد أن يكرمني فليكرم ضيفي محمدًا، فجاءته الأموال فما ذخر منها درهمًا، وقال: الكريم لا تحنكه التجارب. وقيل للعتبي: مات محمد، فقال: نحن متنا بفقده ... وهو حي بمجده * * * رب كلمة قالت لصاحبها دعني فحل الشعراء، أبو الحسن، علي بن جبلة بن مسلم الخراساني العَكَوك وقد ولد أعمى وكان أسود أبرص (١٠/ ١٩٢). قال الجاحظ: كان أحسن خلق الله إنشادًا وهو القائل في أبي دلف الأمير! إنما الدنيا أبو دلف ... بين مغزاه ومحتضره فإذا ولي أبو دلف ... ولت الدنيا على أثره كل من في الأرض من عرب ... بين بادية إلى حضره مستعير منك مكرمة ... يكتسيها يوم مفتخره قال ابن المعتز في طبقات الشعراء: لما بلغ المأمون خبر هذه القصيدة غضب وقال: اطلبوه، فطلبوه، فلم يقدروا عليه لأنه كان مقيمًا بالجبل ففر إلى الجزيرة، ثم إلى الشامات، فظفروا به، فحمل مقيدًا إلى المأمون فقال: يا ابن اللخناء، أنت القائل

стр. 29

كل من في الأرض من عَربٍ ... . . . . . . . . . . جعلتنا نستعير منه المكارم؟ قال: يا أمير المؤمنين أنتم أهل بيت لا يقاس بكم. قال: والله ما أبقيت أحدًا، وإنما استحل دمك بكفرك، حيث تقول: أنت الذي تنزل الأيام منزلها ... وتنقل الدهر من حال إلى حال وما مددتَ مدى طرف إلى أحد ... إلا قضيت بأرزاق وآجال ذاك هو والله، اخرجوا لسانه من قفاه، ففعلوا به فمات. * * * ورحى المنية تطحن أبو العتاهية، رأس الشعراء، الأديب الصالح الأوحد، أبو إسحاق إسماعيل بن قاسم بن سويد بن كيسان العنزي لُقبَ بأبي العتاهية لاضطراب فيه، وقيل: كان يحب الخلاعة فيكون مأخوذًا من العُتُو. تنسك بأخرة، وقال في المواعظ والزهد فأجاد، وكان أبو نُواس يعظمه ويتأدب معه لدينه، ويقول: ما رأيته إلا توهمتُ أنه سماوي، وأني أرضي (١٠/ ١٩٥). وما أصدق قوله: إن الشباب والفراغ والجدة ... مفسدة للمرء أي مفسدة حسبك مما تبتغيه القوتُ ... ما أكثر القوتَ لم يموتُ هي المقادير فلمني أو فذر ... إنْ كنتُ أخطأتُ فما أخطأ القدر وهو القائل: الناس في غَفَلاتهم ... ورحى المنية تطحنُ وله في عمر بن العلاء:

стр. 30

لو يستطيعُ الناس من إجلاله ... اتخذوا له حر الخدود نعالا إن المطايا تشتكيك لأنها ... قطعت إليك سَبَاسبًا ورمالاً فإذا وردت بنا وردن خفائفًا ... وإذا صدرن بنا صدرن ثقالا * * * البراءة من البدع وأهلها المتكلم المناظر البارع أبو عبد الرحمن، بشر بن غياث المريسي (١٠/ ١٩٩) كان جهميًا وكان له قدر عند الدولة، وكان يشرب النبيذ، وقال مرة لرجل اسمه كامل: في اسمه دليل على أن الاسم غير المسمى. ومات سنة ثماني عشرة ومائتين، فهو بشر الشر وبشر الحافي بشر الخير كما أن أحمد بن حنبل هو أحمد السنة وأحمد بن أبي داود أحمد البدعة ومن كُفَّرَ ببدعة وإن جَلَّت ليس هو مثل الكافر الأصلي، ولا اليهودي والمجوسي، أبى الله أن يجعل مَن آمن بالله ورسوله واليوم الآخر، وصام وصلى وحج وزكى وإن ارتكب العظائم وضل وابتدع، كمن عاند الرسول وعبد الوثن، ونبذ الشرائع وكفر، ولكن نبرأ إلى الله من البدع وأهلها. * * * لذة النوم العلامة، أبو معن ثمامة بن أشرس النميري البصري المتكلم، من رؤوس المعتزلة القائلين بخلق القرآن جل منزله (١٠/ ٢٠٣). وهو القائل: المقلدون من أهل الكتاب وعبدة الأوثان لا يدخلون النار، بل يصيرون ترابًا، وإن من مات مسلمًا وهو مصر على كبيرة خُلد في النار، وإن أطفال المؤمنين يصيرون ترابًا، ولا يدخلون الجنة.

стр. 31

قلت: قبح الله هذه النخلة. قال المبرد: قال ثمامة: خرجت إلى المأمون، فرأيت مجنونًا شُدَّ. فقال: ما اسمك؟ قلت: ثُمامة. فقال: المتكلم؟ قلت: نعم، قال جلست على هذه الآجرة، ولم يأذن لك أهلها، فقلت: رأيتها مبذولة. قال: لعل لهم تدبيرًا غير البذل، متى يجد النائم لذة النوم؟ إن قلتَ: قبله أحَلْتَ لأنه يقظان وإن قلتَ في النوم أبْطَلْتَ إذ النائم لا يعقل، وإن قلتَ: بعده، فقد خرج عنه، ولا يوجد شيء بعد فقده. قال: فما كان عندي فيها جواب. * * * عَرامة الصبي أبو مسهر، عبد الأعلى بن مسهر بن عبد الأعلى، الإمام، شيخ الشام (١٠/ ٢٢٨). قال ابن زنجويه: سمعت أبا مسهر يقول: عَرامة (١) الصبي في صغره زيادة في عقله في كبره. قال ابن ديزيل: سمعتُ أبا مسهر يُنشد: هبك عُمرت مثل ما عاش نوحُ ... ثم لا قيت كل ذاك يَسَارا

стр. 32

هل من الموت لا أبالك بُدُّ ... أيُّ حي إلى سوى الموت صارا وكان لأبي مسهر حلقة في الجامع بين العشاءين عند حائط الشرقي، فبينا هو ليلة، إذ قد دخل الجامع ضوء عظيم، فقال أبو مسهر: ما هذا؟ قالوا: النار التي تُدلى من الجبل لأمير المؤمنين حتى تضيء له الغوطة. فقال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨، ١٢٩] وكان في الحلقة صاحب خبر للمأمون، فرفع ذلك إلى المأمون ، فحقدها عليه وكان قد بلغه أيضًا أنه على قضاء أبي العميطر. فلما رحل المأمون، أمر بحمل أبي مسهر إليه، فامتحنه بالرقة في القرآن. قلتُ: قد كان المأمون بأسًا وبلاء على الإسلام. قال الذهلي: سمعت أبا مسهر يُنشد: ولا خير في الدنيا لمن لم يكن له ... من الله في دار المقام نصيب فإن تعجب الدنيا رجال فإنه ... متاع قليل والزوال قريب المأمون الخليفة، أبو العباس، عبد الله بن هارون الرشيد بن محمد المهدي ابن أبي جعفر المنصور العباسي (١٠/ ٢٧٢). كان فصيحًا مفوهًا، وكان يقول: معاوية بن أبي سفيان بعمره، وعبد الملك بحَجاجه، وأنا بنفسي. قال يحيى بن أكثم: قال لي المأمون: أريد أن أحدث. قلت: ومَن أولى بهذا منك؟

стр. 33

قال: ضَعُوا لي منبرًا ثم صعد. قال: فأول ما حدثنا عن هشيم، عن أبي الجهم، عن الزهري، عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعًا، «أمرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار» (١). ثم حدَّث بنحو من ثلاثين حديثًا ونزل. فقال: كيف رأيت أبا يحيى مجلسنا؟ قلتُ: أجل مجلس تفقهه الخاصة والعامة. قال: ما رأيتُ له حلاوة، إنما المجلس لأصحاب الخلقان والمحابر. (عن) محمد بن سهل بن عسكر قال: تقدّم رجل غريب بيده محبرة إلى المأمون، فقال: يا أمير المؤمنين، صاحب حديث منقطع به. فقال: ما تحفظ في باب كذا وكذا؟ فلم يذكر شيئًا. فقال: حدثنا هشيم، وحدثنا يحيى، وحدثنا حجاج بن محمد، حتى ذكر الباب، ثم سأله عن باب آخر، فلم يذكر شيئًا. فقال: حدثنا فلان وحدثنا فلان. ثم قال لأصحابه: يطلب أحدهم الحديث ثلاثة أيام، ثم يقول: أنا من أصحاب الحديث. أعطوه ثلاثة دراهم. عن ابن عيينة أن المأمون جلس، فجاءته امرأة فقالت: مات أخي، وخلف ستمائة دينار، فأعطوني دينارًا واحدًا، وقالوا: هذا ميراثك، فحسب المأمون وقال هذا خلف أربع بنات، قالت: نعم. قال: لهن أربعمائة دينار. قالت: نعم. قال: وخلف أمًا فلها مائة دينار، وزوجة لها خمسة وسبعون دينارًا بالله ألك اثنا عَشَرَ أخًا؟ قالت: نعم. قال: لكل واحد ديناران ولك دينار.

стр. 34

وعن المأمون: من أراد أن يكتب كتابًا سرًا: فليكتب بلبن حُلبَ لوقته، ويرسله فيعمد إلى قرطاس فيحرقه ويذر رماده على الكتابه فيُقرأ له. وعن يحيى بن أكثم: كان المأمون يحلُم حتى يُغيظنا، قيل: مرَّ ملاح، فقال: أتظنون أنّ هذا ينبُل عندي وقد قتل أخاه الأمين. فسمعها المأمون، فتبسم وقال: ما الحيلة حتى أنبل في عين هذا السيد الجليل. قيل: أهدى ملك الروم للمأمون نفائس منها مائة رطل مسك ومائة خلة سمور. فقال المأمون: أضعفوها له ليعلم عز الإسلام. وعن المأمون قال: الناس ثلاثة: رجل منهم مثل الغذاء لا بُدَّ منه، ومنهم كالدواء يحتاج إليه في حال المرض، ومنهم كالداء مكروه على كل حال. وعنه: أعْيت الحيلة في الأمر إذا أقبل أن يُدبر، وإذا أدبر أن يُقبل. * * * المعتصم الخليفة أبو إسحاق محمد بن الرشيد هارون بن محمد المهدي بن المنصور العباسي (١٠/ ٢٩٠). قيل: كان معه غلام في المكتب، فمات الغلام، فقال له أبوه: يا محمد، مات غلامك. قال: نعم يا سيدي، واستراح من الكتاب. فقال: أو أن الكتاب ليبلغ منك هذا دعوه فكانت قراءته ضعيفة. قال الرياشي: كتب طاغية الروم إلى المعتصم يتهدده، فأمر بجوابه، فلما

стр. 35

عُرض عليه رماه، وقال للكاتب: اكتب: أما بعد. فقد قرأت كتابك، وسمعت خطابك، والجواب ما ترى لا ما تسمع: «وسيعلم الكافر لمن عقبي الدار». (قال المحقق وفقه الله): هي قراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو، وقرأ الباقون: «وسيعلم الكفار». قلت: وامتحن الناس بخلق القرآن، وكتب بذلك إلى الأمصار وأخذ بذلك المؤذنون وفقهاء المكاتب، ودام ذلك حتى إزالة المتوكل بعد أربعة عشر عامًا. قال نفطويه: يقال للمعتصم: المثمن فإنه ثامن بني العباس، وتملك ثماني سنين وثمانية أشهر. وله فتوحات ثمانية: بابك، وعمورية, والزط، وبحر البصرة، وقلعة الأجراف، وعرب ديار ربيعة، والشاري، وفتح مصر. يعني قهر أهلها قبل خلافته، وقتل ثمانية: بابك والأفشين ومازيار وباطيس ورئيس الزنادقة، وعجيفًا وقارون وأمير الرافضة. قيل: لما تجهز لغزو عمورية، زعم المنجمون أنه طالع نحس ويُكسَرُ، فانتصر فقال أبو تمام تلك القصيدة. السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب والعلم في شهب الأرماح لامعة ... بين الخميسين لا في السبعة الشهب عن أحمد بن أبي داود قال: كان المعتصم يخرج إلى ساعده ويقول: عَضَّه بأكبر قوتك. فأقول: ما تطيب نفسي. فيقول: لا يضرني، فأروم ذلك، فإذا هو لا تعمل فيه الأسنة فضلاً عن الأسنان وقبض على جندي ظالم، فسمعتُ صوت عظامه ثم أرسله فسقط. وقيل: إنه قال: اللهم أني أخافك من قبلي ولا أخافك من قبلك

стр. 36

وأرجوك من قبلك .. ولا أرجوك من قبلي. * * * الواثق الخليفة الواثق بالله أبو جعفر، وأبو القاسم هارون بن المعتصم بالله (١٠/ ٣٠٦). قال الخطيب: استولى أحمد بن أبي داود على الواثق، وحمله على التشدد في المحنة والدعاء إلى خلق القرآن. وقيل: أنه رجع عن ذلك قبيل موته. قال زرقان بن أبي داود: لما احتضر الواثق ردد هذين البيتين: الموت فيه جميع الخلق مشترك ... لا سوقة منهم يبقى ولا ملك ما ضر أهل قليل في تفرقهم ... وليس يغني عن الأملاك ما ملكوا ثم أمر بالبسط فطويت، وألصق خده بالتراب، وجعل يقول: يا من لا يزول ملكه، ارحم من قد زال ملكه. وروى أحمد بن محمد الواثقي أمير البصرة عن أبيه، قال: كنتُ أُمَرِّضُ الواثق فلحقته غشية، فما شككنا أنه مات فقال بعضنا لبعض: تقدموا، فما جسر أحد سواي. فلما أن أردت أن أضع يدي على أنفه، فتح عينيه فرُعبتُ ورجعت إلى خلف فتعلقت قبيعة سيفي بالعتبة فعثرتُ واندق السيف وكاد أن يجرحني واستدعيتُ سيفًا وجئت فوقفت ساعة فتلف الرجل فشدت لحييه وغمضته وسجيته وأخذ الفراشون ما تحته ليردوه إلى الخزائن وترك وحده، فقال ابن أبي داود: إنا نريد أن نتشاغل بعقد البيعة فأحفظه، فرددت باب المجلس، وجلست عند الباب فحسستُ بعد ساعة بحركة افزعتني فأدخلُ

стр. 37

فإذا بجرذون قد استل عين الواثق فأكلها، فقل: لا إله إلا الله، هذه العين التي فتحها من ساعة فاندق سيفي هيبة لها. * * * رحم الله المؤلف قال الإمام الذهبي ﵀ بعد سياقه لإسناد حديثين (١٠/ ٣١٧). في الإسنادين ضعفُ من جهة زاهر وعُمَر لإخلالهما بالصلاة فلوكان في ورع لما رويت لمن هذا نعته. قال المحقق وفقه الله تعليقًا على ذلك: رحم الله المؤلف فقد وصف نفسه بعدم الورع لأنه روى عمن هذا وصفه، مع أنه بين حاله، وكشف عن أمره فكيف يكون حال من يروي عن الكذابين والضعفاء، ويسكت عنهم، ولا يبين حالهم. * * * الجواب المسكت سليمان بن حرب، الإمام الثقة شيخ الإسلام أبو أيوب الواشحي قاضي مكة (١٠/ ٣٣٠). عن يحيى بن أكثم قال: قال لي المأمون: من تركت بالبصرة؟ فوصفتُ له مشايخ منهم سليمان بن حرب، وقلتُ: هو ثقة حافظ للحديث، عاقل في نهاية الستر والصيانة، فأمرني بحمله إليه فكتبت إليه في ذلك، فقدم، فاتفق أني أدخله إليه، وفي المجلس ابنُ أبي داود، وثمامة وأشباه لهما، فكرهت أن يدخل مثله بحضرتهم، فلما دخل، سلم فأجابه المأمون ورفع مجلسه، ودعا له سليمان بالعز والتوفيق. فقال ابن أبي داود: يا أمير المؤمنين، نسأل الشيخ عن مسألة؟

стр. 38

فنظر المأمون إليه نظر تخيير له. فقال سليمان: يا أمير المؤمنين حدثنا حماد بن زيد قال: قال رجل لابن شبرمه: أسألك؟ قال: إن كانت مسألتك لا تضحك الجليس، ولا تزري بالمسؤول، فسل. وحدثنا وهيب قال: قال إياس بن معاوية: من المسائل ما لا ينبغي للسائل أن يسأل عنها ولا للمجيب أن يجيب فيها فإن كانت مسألته من غير هذا، فليسأل، وإن كانت من هذا فليمسك. قال: فهابوه، فما نطق أحدُ منهم حتى قام، وولاه قضاء مكة فخرج إليها. * * * إلى هواة الصيد محمد بن كثير بن أبي عطاء، الإمام المحدث، أبو يوسف الصنعاني (١٠/ ٣٨٠). عن الأوزاعي قال: كان عندنا ببيروت صياد، يخرج يوم الجمعة يصطاد ولا يمنعه مكان الجمعة، فخرج يومًا فخسف به وببغلته، فلم يبقى منها إلى أذناها وذنبها. محمد بن عوف: سمعت محمد بن كثير ينشد: بُني كثير كثير الذنوب ... ففي الحل والبل من كان سبه بني كثير دهته اثنتان ... رياءُ وعجب يخالطن قلبه بني كثير أكول نؤوم ... وما ذاك من فعل من خاف ربه بني كثير يُعلم علمًا ... لقد أعوز الصوفُ من جز كلبه

стр. 39

شر البلية ما يُضحك حكى المدائني أنه أُدخل على المأمون، فحدثه بأحاديث عن علي، فلعن بني أمية. فقلت: حدثني المثنى بن عبد الملك الأنصاري قال: كنت بالشام، فجعلتُ لا أسمع عليًا ولا حسنًا إنما أسمع: معاوية يزيد، الوليد. فمررت برجل على بابه، فقال: اسقه يا حسن. فقلت: أسَمَّيت حسنًا؟ فقال: أولادي، حسن وحسين، وجعفر، فإن أهل الشام يسمون أولادهم بأسماء خلفاء الله، ثم يلعن الرجل ولده ويشتمه. قلت: ظننتك خير أهل الشام، وإذا ليس في جهنم شرُ منك. فقال المأمون: لا جَرم قد جعل الله من يلعن أحياءهم وأمواتهم يريد الناصبة (١٠/ ٤٠٢). * * * أقوال المبتدعة قال أحمد بن حنبل: أخبرني رجل من أصحاب الحديث أن يحيى بن صالح قال: لو ترك أصحاب الحديث عشرة أحاديث يعني هذه التي في الرؤية. ثم قال أحمد: كأنه نزع إلى رأي جهم. قلت: والمعتزلة تقول: لو أن المحدثين تركوا ألف حديث في الصفات والأسماء والرؤية والنزول لأصابوا، والقدرية تقول: لو أنهم تركوا سبعين حديثًا في إثبات القدر. والرافضة تقول: لو أن الجمهور تركوا من الأحاديث التي يدعون صحتها

стр. 40

ألف حديث، لأصابوا، وكثيرُ من ذوي الرأي يردون أحاديث شافه بها الحافظ المفتي المجتهد أبو هريرة رسول الله ﷺ ، ويزعمون أنه ما كان فقيهًا، ويأتوننا بأحاديث ساقطة أو لا يُعرف لها إسناد أصلاً محتجين بها. قلنا: وللكل موقف بين يدي الله تعالى: يا سبحان الله! أحاديث رؤية الله في الآخرة متواترة، والقرآن مصدق لها فأين الإنصاف؟ (١٠/ ٤٥٥). * * * أنا، أنا علي بن الجعد بن عبيد، الإمام الحافظ الحجة، مسند بغداد، أبو الحسن البغدادي (١٠/ ٤٥٩). قال عبد الرزاق بن سليمان بن علي بن الجعد: سمعت أبي يقول: أحضر المأمون أصحاب الجوهر، فناظرهم على متاع كان معهم، ثم نهض لبعض حاجته ثم خرج فقام له كل من في المجلس إلا علي بن الجعد، فنظر إليه كالمغضب، ثم استخلاه. فقال: يا شيخ، ما منعك أن تقوم؟ قال: أجللتُ أمير المؤمنين للحديث الذي نأثره عن النبي ﷺ . قال: وما هو؟ قال: سمعت مبارك بن فضالة، سمعت الحسن يقول: قال رسول الله ﷺ : «من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا، فليتبوأ مقعده من النار» (١). فأطرق المأمون، ثم رفع رأسه، فقال: لا يشترى إلا من هذا فاشتروا منه
следующие страницы →