← Джавами‘

Джавами‘ · id 17100

الفوائد الذهبية من سير أعلام النبلاء جـ 2

فهد بن عبد الرحمن العثمان

Полный текст (131 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وأرجوك من قبلك .. ولا أرجوك من قبلي. * * * الواثق الخليفة الواثق بالله أبو جعفر، وأبو القاسم هارون بن المعتصم بالله (١٠/ ٣٠٦). قال الخطيب: استولى أحمد بن أبي داود على الواثق، وحمله على التشدد في المحنة والدعاء إلى خلق القرآن. وقيل: أنه رجع عن ذلك قبيل موته. قال زرقان بن أبي داود: لما احتضر الواثق ردد هذين البيتين: الموت فيه جميع الخلق مشترك ... لا سوقة منهم يبقى ولا ملك ما ضر أهل قليل في تفرقهم ... وليس يغني عن الأملاك ما ملكوا ثم أمر بالبسط فطويت، وألصق خده بالتراب، وجعل يقول: يا من لا يزول ملكه، ارحم من قد زال ملكه. وروى أحمد بن محمد الواثقي أمير البصرة عن أبيه، قال: كنتُ أُمَرِّضُ الواثق فلحقته غشية، فما شككنا أنه مات فقال بعضنا لبعض: تقدموا، فما جسر أحد سواي. فلما أن أردت أن أضع يدي على أنفه، فتح عينيه فرُعبتُ ورجعت إلى خلف فتعلقت قبيعة سيفي بالعتبة فعثرتُ واندق السيف وكاد أن يجرحني واستدعيتُ سيفًا وجئت فوقفت ساعة فتلف الرجل فشدت لحييه وغمضته وسجيته وأخذ الفراشون ما تحته ليردوه إلى الخزائن وترك وحده، فقال ابن أبي داود: إنا نريد أن نتشاغل بعقد البيعة فأحفظه، فرددت باب المجلس، وجلست عند الباب فحسستُ بعد ساعة بحركة افزعتني فأدخلُ

стр. 37

فإذا بجرذون قد استل عين الواثق فأكلها، فقل: لا إله إلا الله، هذه العين التي فتحها من ساعة فاندق سيفي هيبة لها. * * * رحم الله المؤلف قال الإمام الذهبي ﵀ بعد سياقه لإسناد حديثين (١٠/ ٣١٧). في الإسنادين ضعفُ من جهة زاهر وعُمَر لإخلالهما بالصلاة فلوكان في ورع لما رويت لمن هذا نعته. قال المحقق وفقه الله تعليقًا على ذلك: رحم الله المؤلف فقد وصف نفسه بعدم الورع لأنه روى عمن هذا وصفه، مع أنه بين حاله، وكشف عن أمره فكيف يكون حال من يروي عن الكذابين والضعفاء، ويسكت عنهم، ولا يبين حالهم. * * * الجواب المسكت سليمان بن حرب، الإمام الثقة شيخ الإسلام أبو أيوب الواشحي قاضي مكة (١٠/ ٣٣٠). عن يحيى بن أكثم قال: قال لي المأمون: من تركت بالبصرة؟ فوصفتُ له مشايخ منهم سليمان بن حرب، وقلتُ: هو ثقة حافظ للحديث، عاقل في نهاية الستر والصيانة، فأمرني بحمله إليه فكتبت إليه في ذلك، فقدم، فاتفق أني أدخله إليه، وفي المجلس ابنُ أبي داود، وثمامة وأشباه لهما، فكرهت أن يدخل مثله بحضرتهم، فلما دخل، سلم فأجابه المأمون ورفع مجلسه، ودعا له سليمان بالعز والتوفيق. فقال ابن أبي داود: يا أمير المؤمنين، نسأل الشيخ عن مسألة؟

стр. 38

فنظر المأمون إليه نظر تخيير له. فقال سليمان: يا أمير المؤمنين حدثنا حماد بن زيد قال: قال رجل لابن شبرمه: أسألك؟ قال: إن كانت مسألتك لا تضحك الجليس، ولا تزري بالمسؤول، فسل. وحدثنا وهيب قال: قال إياس بن معاوية: من المسائل ما لا ينبغي للسائل أن يسأل عنها ولا للمجيب أن يجيب فيها فإن كانت مسألته من غير هذا، فليسأل، وإن كانت من هذا فليمسك. قال: فهابوه، فما نطق أحدُ منهم حتى قام، وولاه قضاء مكة فخرج إليها. * * * إلى هواة الصيد محمد بن كثير بن أبي عطاء، الإمام المحدث، أبو يوسف الصنعاني (١٠/ ٣٨٠). عن الأوزاعي قال: كان عندنا ببيروت صياد، يخرج يوم الجمعة يصطاد ولا يمنعه مكان الجمعة، فخرج يومًا فخسف به وببغلته، فلم يبقى منها إلى أذناها وذنبها. محمد بن عوف: سمعت محمد بن كثير ينشد: بُني كثير كثير الذنوب ... ففي الحل والبل من كان سبه بني كثير دهته اثنتان ... رياءُ وعجب يخالطن قلبه بني كثير أكول نؤوم ... وما ذاك من فعل من خاف ربه بني كثير يُعلم علمًا ... لقد أعوز الصوفُ من جز كلبه

стр. 39

شر البلية ما يُضحك حكى المدائني أنه أُدخل على المأمون، فحدثه بأحاديث عن علي، فلعن بني أمية. فقلت: حدثني المثنى بن عبد الملك الأنصاري قال: كنت بالشام، فجعلتُ لا أسمع عليًا ولا حسنًا إنما أسمع: معاوية يزيد، الوليد. فمررت برجل على بابه، فقال: اسقه يا حسن. فقلت: أسَمَّيت حسنًا؟ فقال: أولادي، حسن وحسين، وجعفر، فإن أهل الشام يسمون أولادهم بأسماء خلفاء الله، ثم يلعن الرجل ولده ويشتمه. قلت: ظننتك خير أهل الشام، وإذا ليس في جهنم شرُ منك. فقال المأمون: لا جَرم قد جعل الله من يلعن أحياءهم وأمواتهم يريد الناصبة (١٠/ ٤٠٢). * * * أقوال المبتدعة قال أحمد بن حنبل: أخبرني رجل من أصحاب الحديث أن يحيى بن صالح قال: لو ترك أصحاب الحديث عشرة أحاديث يعني هذه التي في الرؤية. ثم قال أحمد: كأنه نزع إلى رأي جهم. قلت: والمعتزلة تقول: لو أن المحدثين تركوا ألف حديث في الصفات والأسماء والرؤية والنزول لأصابوا، والقدرية تقول: لو أنهم تركوا سبعين حديثًا في إثبات القدر. والرافضة تقول: لو أن الجمهور تركوا من الأحاديث التي يدعون صحتها

стр. 40

ألف حديث، لأصابوا، وكثيرُ من ذوي الرأي يردون أحاديث شافه بها الحافظ المفتي المجتهد أبو هريرة رسول الله ﷺ ، ويزعمون أنه ما كان فقيهًا، ويأتوننا بأحاديث ساقطة أو لا يُعرف لها إسناد أصلاً محتجين بها. قلنا: وللكل موقف بين يدي الله تعالى: يا سبحان الله! أحاديث رؤية الله في الآخرة متواترة، والقرآن مصدق لها فأين الإنصاف؟ (١٠/ ٤٥٥). * * * أنا، أنا علي بن الجعد بن عبيد، الإمام الحافظ الحجة، مسند بغداد، أبو الحسن البغدادي (١٠/ ٤٥٩). قال عبد الرزاق بن سليمان بن علي بن الجعد: سمعت أبي يقول: أحضر المأمون أصحاب الجوهر، فناظرهم على متاع كان معهم، ثم نهض لبعض حاجته ثم خرج فقام له كل من في المجلس إلا علي بن الجعد، فنظر إليه كالمغضب، ثم استخلاه. فقال: يا شيخ، ما منعك أن تقوم؟ قال: أجللتُ أمير المؤمنين للحديث الذي نأثره عن النبي ﷺ . قال: وما هو؟ قال: سمعت مبارك بن فضالة، سمعت الحسن يقول: قال رسول الله ﷺ : «من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا، فليتبوأ مقعده من النار» (١). فأطرق المأمون، ثم رفع رأسه، فقال: لا يشترى إلا من هذا فاشتروا منه

стр. 41

يومئذ بثلاثين ألف دينار. عن جابر قال: أستأذنتُ على النبي ﷺ . فقال: «من هذا»؟ فقلتُ: أنا. فقال: «أنا، أنا ...» كأنه كرهه أخرجه البخاري. * * * أسانيد المحدثين بشر بن الحارث، الإمام العالم، الزاهد، شيخ الإسلام، أبو نصر المروزي البغدادي، المشهور بالحافي (١٠/ ٤٦٩). رُوي عن بشر أنه قيل له: ألا تحدث؟ قال: أنا أشتهي أن أحدث وإذا اشتهيت شيئًا تركته. وعن أيوب العطار: أنه سمع بشرًا يقول: حدثنا حماد بن زيد: ثم قال: أستغفر الله، إن لذكر الإسناد في القلب خيلاء. وعنه قال: إني لأشتهي شواء منذ أربعين سنة، ما صفا له درهمه. محمد بن نعيم قال: رأيتهم جاءوا إلى بشر فقال يا أهل الحديث علمتم أنه يجب عليكم فيه زكاة، كما يجب على من ملك مائتي درهم خمسة. قلت: هذا على المبالغة وإلا فإن كانت الأحاديث في الواجبات فهي موجبة، وإن كانت في فضائل الأعمال، فهي فاضلة، لكن يتأكد العمل بها على المحدث. وعن بشر قال: إذا أعجبك الكلام، فاصمت، وإذا أعجبك الصمت فتكلم.

стр. 42

السلف وآيات الصفات الإمام الحافظ المجتهد ذو الفنون، أبو عبيد القاسم بن سلام بن عبد الله، كان أبوه سلام مملوكًا روميًا لرجل هروي، يروى أنه خرج يومًا وولده أبو عُبيد مع ابن أستاذه في المكتب، فقال للمعلم: علِّمي القاسم فإنها كيسة. (١) (١٠/ ٤٩٠). العباس الدوري: سمعتُ أبا عبيد القاسم بن سلام، وذكر الباب الذي يروى فيه الروية، والكرسي موضع القدمين، وضحك ربنا، وأين كان ربنا. فقال: هذه أحاديث صحاح، حملها أصحاب الحديث والفقهاء بعضهم عن بعض، وهي عندنا حق لا نشك فيها، ولكن إذا قيل كيف يضحك؟ وكيف وضع قدمه؟ قلنا: لا نفسرُ هذا، ولا سمعنا أحدًا يفسره. قلتُ: قد فسر علماء السلف المهم من الألفاظ وغير المهم، وما أبقوا ممكنًا وآيات الصفات وأحاديثها لم يتعرضوا لتأويلها أصلاً، وهي أهم الدين، فلو كان تأويلها سائغًا أو حتمًا لبادروا إليه، فعُلم قطعًا أن قراءتها وإمرارها على ما جاءت هو الحق، لا تفسير لها غير ذلك، فنؤمن بذلك، ونسكت اقتداءً بالسلف معتقدين أنها صفات لله تعالى. استأثر الله بعلم حقائقها، وأنها لا تشبه صفات المخلوقين، كما أن ذاته المقدسة لا تماثل ذوات المخلوقين، فالكتاب والسنة نَطَقَ بها، والرسول ﷺ بلغ وما تعرض لتأويل. مع كون الباري قال ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] فعلينا الإيمان والتسليم للنصوص، والله يهدي من يشاءُ إلى صراط مستقيم.

стр. 43

فتاوى العلماء يحيى بن يحيى بن كثير، الإمام الكبير، فقيه الأندلس، أبو محمد الليثي البربري القرطبي (١٠/ ٥١٩). قيل إن عبد الرحمن بن الحكم المرواني صاحب الأندلس نظر إلى جارية له في رمضان نهارًا فلم يملك نفسه أن واقعها ثم ندم وطلب الفقهاء، وسألهم عن توبته. فقال يحيى بن يحيى: صم شهرين متتابعين. فسكت العلماء فلما خرجوا، قالوا ليحيى: مالك لم تُفته بمذهبنا عن مالك، أنه مخير بين العتق والصوم والإطعام؟ قال: لو فتحنا له هذا الباب، لسهل عليه أن يطأ كل يوم ويُعتق رقبة، فحملته على أصعب الأمور لئلا يعود. * * * كلام المتقعرين هشام بن عمرو، أبو محمد الفوطي، المعتزلي، الكوفي صاحب ذكاء وجدال وبدعة ووبال (١٠/ ٥٤٧). قال المبرد: قال رجل لهشام الفوطي: كم تعد من السنين؟ قال: من واحد إلى أكثر من ألف. قال: لم أرد هذا. كم لك من السن؟ قال: اثنان وثلاثون سنًا. قال: كم لك من السنين؟

стр. 44

قال: ما هي لي، كُلها لله. قال: فما سنك؟ قال: عظم. قال: فابن كم أنت؟ قال: ابنُ أم وأب. قال: فكم أتى عليك؟ قال: لو أتى على شيءُ لقتلني. قال: ويحك فكيف أقول؟ قال: قل كم مضى من عمرك. قلت: هذا غاية ما عند هؤلاء المتقعرين من العلم، عبارات وشقائق لا يعبأ الله بها، يحرفون بها الكلم عن مواضعه قديمًا وحديثًا، فنعوذ بالله من الكلام وأهله. * * * كتم العلم خلف بن هشام بن ثعلب، وقيل: طالب بن غراب، الإمام الحافظ الحجة شيخ الإسلام، أبو محمد البغدادي البزار المقرئ (١٠/ ٥٧٦). قال أبو الحسن عبد الملك الميموني: قال رجل لأبي عبد الله: ذهبتُ إلى خلف البزار أعظه، بلغني أنه حدث بحديث عن الأحوص عن عبد الله قال: «ما خلق الله شيئًا أعظم ..» وذكر الحديث فقال أبو عبد الله: ما كان ينبغي له أن يحدث بهذا في هذه الأيام يريد زمن المحنة والمتن: «ما خلق الله من سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي» (١) وقد قال أحمد بن حنبل لما أوردوا عليه

стр. 45

هذا يوم المحنة: إن الخلق واقع ههنا على السماء والأرض وهذه الأشياء، لا على القرآن. قلت: كذا ينبغي للمحدث أن لا يشهر الأحاديث التي يتشبث بظاهرها أعداءُ السنن من الجهمية وأهل الأهواء، والأحاديث التي فيها صفات لم تثبت فإنك لن تحدث قومًا بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم، فلا تكتم العلم الذي هو علم، ولا تبذله للجهلة الذين يشغبون عليك، أو الذين يفهمون منه ما يضرهم. * * * أقسام العلم عن أم الطفيل، امرأة أبي بن كعب: سمعتُ رسول الله ﷺ يذكر أنه رأى ربه في صورة كذا، فهذا خبر منكر جدًا. قلت: ولئن أجزنا أن النبي ﷺ قاله، فهو أدرى بما قال، ولرؤياه في المنام تعبير لم يذكره ﵇، ولا نحن نحسن أن نعبره، فإما أن نحمله على ظاهره الحسي، فمعاذ الله أن نعتقد الخوض في ذلك بحيث أن بعض الفضلاء قال: تصحف الحديث، وإنما هو: رأي رئيَّه بياء مشددة. وقد قال علي ﵁: حدثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون. وقد صح أن أبا هريرة كتم حديثًا كثيرًا مما لا يحتاجه المسلم في دينه وكان يقول: لو بثثته فيكم لقطع هذا البلعوم، وليس هذا من باب كتمان العلم في شيء، فإن العلم الواجب يجب بثه ونشره ويجب على الأمة حفظه، والعلم الذي في فضائل الأعمال مما يصح إسناده يتعين نقله ويتأكد نشره، وينبغي للأمة نقله، والعلم المباح لا يجب بثه ولا ينبغي أن يدخل فيه إلا خواص العلماء. والعلم الذي يحرم تعلمه ونشره علم الأوائل وإلهيات الفلاسفة وبعض

стр. 46

رياضتهم بل أكثره، وعلم السحر، والسيمياء، والكيمياء، والشعبذة، والحيل، ونشر الأحاديث الموضوعة، وكثير من القصص الباطلة أو المنكرة، وسيرةُ البطال المختلفة، وأمثال ذلك، ورسائل إخوان الصفا، وشعر يُعرض فيه إلى الجناب النبوي، فالعلوم الباطلة كثيرة فلتحذر، ومن ابتلي بالنظر فيها للفرجة والمعرفة من الأذكياء، فليقلل من ذلك، وليطالعه وحده، وليستغفر الله تعالى، وليلتجئ إلى التوحيد، والدعاء بالعافية في الدين، وكذلك أحاديث كثيرة مكذوبة وردت في الصفات لا يحل بثها إلا للتحذير من اعتقادها، وإن أمكن إعدامها فحسن، اللهم فاحفظ علينا إيماننا ولا قوة إلا بالله (١٠/ ٦٠٣). عن نُعيم بن حماد قال: من شبه الله بخلقه، فقد كفر، ومن أنكر ما وصف به نفسه فقد كفر، وليس في ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه. قلت: هذا الكلام حق، نعوذ بالله من التشبيه ومن إنكار أحاديث الصفات فما ينكر الثابت منها من فقه، وإنما بعد الإيمان بها هنا مقامان مذمومان: المقام الأول، تأويلها وصرفها عن موضع الخطاب، فما أولها السلف ولا حرفوا ألفاظها عن مواضعها، بل آمنوا بها، وأمروها كما جاءت. المقام الثاني: المبالغة في إثباتها وتصورها من جنس صفات البشر، وتشكلها في الذهن، فهذا جهل وضلال، وإنما الصفة تابعة للموصوف، فإذا كان الموصوف لم نره، ولا أخبرنا أحد أنه عاينه مع قوله لنا في تنزيله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. فكيف بقي لأذهاننا مجال في إثبات كيفية البارئ تعالى الله عن ذلك، فكذلك صفاته المقدسة، نقر بها ونعتقد أنها حق، ولا نمثلها أصلاً ولا نشكلها (١٠/ ٦١٥).

стр. 47

حلاوة العبادة أحمد بن حرب بن فيروز، الإمام القدوة، شيخ نيسابور، أبو عبد الله النيسابوري، الزاهد، كان من كبار الفقهاء والعباد (١١/ ٣٣). قال زكريا بن دلويه: كان أحمد بن حرب إذا جلس بين يدي الحجام ليحفي شاربه، يسبح فيقول له الحجام: اسكت ساعة. فيقول: اعمل أنت عملك وربما قطع من شفته وهو لا يعلم. قال أبو عمرو محمد بن يحيى: مر أحمد بن حرب بصبيان يلعبون، فقال أحدهم امسكوا فإن هذا أحمد بن حرب الذي لا ينام الليل فقبض على لحيته، وقال الصبيان يهابونك وأنت تنام؟ فأحيى الليل بعد ذلك حتى مات. قال أحمد بن حرب: عبدتُ الله خمسين سنة، فما وجدت حلاوة العبادة حتى ... تركت ثلاثة أشياء: تركت رضى الناس حتى قدرت أن أتكلم بالحق، وتركت صحبة الفاسقين حتى وجدت صحبة الصالحين، وتركت حلاوة الدنيا حتى وجدت حلاوة الآخرة. * * * إلا من أُكره علي بن المديني، الشيخ، الإمام، الحجة، أمير المؤمنين في الحديث، أبو الحسن مولى عروة بن عطية السعدي (١١/ ٤١). قال سفيان بن عيينة: تلوموني على حب علي، والله لقد كنت أتعلم منه أكثر مما يتعلم مني. وقال العباس العنبري: كان سفيان يسمي علي بن المديني حية الوادي. وقال إبراهيم بن معقل: سمعت البخاري يقول: ما استصغرت نفسي

стр. 48

عند أحد إلا عند علي بن المديني. قال زكريا الساجي: قدم ابن المديني البصرة: فصار إليه بندار فجعل علي يقول: قال أبو عبد الله، قال أبو عبد الله. فقال بندار على رؤوس الملأ: من أبو عبد الله، أأحمد بن حنبل؟ قال: لا أحمد بن أبي داود، فقال بندار: عند الله أحتسب خطاي، شبَّه علي هذا وغضب وقام. قال ابن عمار الموصلي في تاريخه: قال لي علي بن المديني: ما يمنعك أن تكفرَّ الجهمية، وكنت أنا أولًا لا أكفرهم؟ فلما أجاب علي إلى المحنة، كتبت إليه أذكره ما قال لي، وأذكره الله، فأخبرني رجل عنه أنه بكى حين قرأ كتابي، ثم رأيته بعد، فقال لي: ما في قلبي مما قلت، وأجبت إلى شيء، ولكني خفتُ أن أقتل وتعلم ضعفي أني لو ضربت سوطًا واحدًا لمت أو نحو هذا. * * * أبو تمام شاعر العصر حبيب بن أوس الطائي، أسلم وكان نصرانيًا، مدح الخلفاء والكبراء وشعره في الذروة (١١/ ٦٣). قال في المعتصم: تَغاير الشعرُ فيه إذا سهرت له ... حتى ظننت قوافيه ستَقْتَتلٌ وقد كان البحتري يرفع من أبي تمام، ويقدمه على نفسه، ويقول: ما أكلت الخبز إلا به، وإني تابع له. ومن شعره: وطولُ مقام المرء بالحي مُخلقُ ... لديباجتيه فاغترب تتجدد

стр. 49

فإني رأيت الشمس زيدت محبة ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد وهو القائل: ولو كانت الأرزاق تُجرى على الحجى ... هلكن إذا من جهلهن البهائمُ ولم يجتمع شرق وغرب لقاصد ... ولا المجدُ في كفَّ امرئ والدراهمُ وله في المعتصم أو ابنه: إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حُلم أحنفَ في ذكاء إياس فقال الوزير: شبهت أمير المؤمنين بأجلاف العرب فأطرق ثم زادها: لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلاً شرودًا في الندى والبأس فالله قد ضربَ الأقل لنوره ... مثلاً من المشكاة والنبراس رثاه الحسن بن وهب الوزير: فجع الفريضُ بخاتم الشعراء ... وغدير رَوّضتها حبيب الطائي ماتا معًا فجاورا في حفرة ... وكذاك كانا قبلُ في الأحياء * * * يحيى بن معين يحيى بن معين، أبو زكريا، هو الإمام الحافظ الجهبذ شيخ المحدثين (١١/ ٧١). قال ابن عدي: حدثني شيخ كاتب ذكر أنه قرابة يحيى بن معين قال: كان معين على خراج الري فمات فخلف ليحيى ابنه ألف ألف درهم فأنفقه كله

стр. 50

على الحديث حتى لم يبق له نعل يلبسه. ابن الرومي يقول: ما رأيت أحدًا قط يقول الحق في المشايخ غير يحيى، وغيره كان يتحامل بالقول. قلت: هذا القول من عبد الله بن الرومي غير مقبول، وإنما قاله باجتهاده ونحن لا ندعي العصمة في أئمة الجرح والتعديل، لكن هم أكثر الناس صوابًا، وأندرهم خطأ، وأشدهم إنصافًا وأبعدهم عن التحامل، وإذا اتفقوا على تعديل أو جرح فتمسك به، واعضض عليه بناجذيك ولا تتجاوزه فتندم ومن شذ منهم فلا عبرة به فخل عنك العناء. وأعطِ القوس باريها، فوالله لولا الحفاظ الأكابر، لخطبت الزنادقة على المنابر، ولئن خطب خاطب من أهل البدع، فإنما هو بسيف الإسلام وبلسان الشريعة، وبجاه السنة وبإظهار متابعة ما جاء به الرسول ﷺ فنعوذ بالله من الخذلان. قال الأبار في "تاريخه" قال ابن معين: كتبنا عن الكذابين، وسجرنا به التنور وأخرجنا به خبزًا نضيجًا. وقال: إذا كتبت فقمِّش، وإذا حدثت ففتش. قال جعفر بن أبي عثمان: كنا عند يحيى بن معين، فجاءه رجل مستعجل، فقال: يا أبا زكريا، حدثني بشيء أذكرك به، فقال يحيى: اذكرني أنك سألتني أن أحدثك فلم أفعل. أنشد يحيى بن معين: المال يذهب حلهُ وحرامهُ ... يومًا وتبقى في غد آثامُه ليس التقي بمتقي لإلهه ... حتى يطيبُ شرابه وطعامُه

стр. 51

ويطيب ما تحوي وتكسب كفه ... ويكون في حسن الحديث كلامهُ نطق النبي لنا به عن ربه ... فعلى النبي صلاته وسلامهٌ * * * أحمد بن حنبل هو الإمام حقًا وشيخ الإسلام صدقًا أبو عبد الله، أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني، المروزي ثم البغدادي، أحد الأئمة الأعلام (١١/ ١٧٧). عن ابن المديني قال: أعز الله الدين بالصديق يوم الردة، وبأحمد يوم المحنة. وقال أبو داود: كانت مجالس أحمد مجالس الآخره لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا. ما رأيته ذكر الدنيا قط. قال سليمان الشاذكوني: لقد حضرت من ورعه شيئًا بمكة، أنه أرهن سطلاً عند فاميِّ، فأخذ منه شيئًا ليقوته. فجاء، فأعطاه فكاكه، فأخرج إليه سطلين، فقال: انظر أيهما سطلك؟ فقال: لا أدري أنت في حل منه، وما أعطيتك ولم يأخذه. قال الفامي: والله إنه لسطله، وإنما أردت أن أمتحنه فيه. قال أحمد: ما كتبت حديثًا إلا وقد عملت به، حتى مر بي أن النبي ﷺ احتجم وأعطى أبا طيبة دينارًا فأعطيت الحجام دينارًا حين احتجمت. قال الإمام الذهبي ﵀: كان الناس أمة واحدة، ودينهم قائمًا في خلافة أبي بكر وعمر، فلما اُستشهد قُفْلُ باب الفتنة عمر ﵁، وانكسر الباب قام رؤوس الشر على الشهيد عثمان ﵁ حتى ذبح صبرًا وتفرقت الكلمة وتمت وقعة الجمل ثم وقعت صفين، فظهرت الخوارج وكفرت

стр. 52

سادة الصحابة ثم ظهرت الروافض والنواصب. وفي آخر زمن الصحابة ظهرت القدرية، ثم ظهرت المعتزلة بالبصرة، والجهمية والمجسمة بخراسان في أثناء عصر التابعين مع ظهور السنة وأهلها إلى بعد المائتين، فظهر المأمون الخليفة وكان ذكيًا متكلمًا له نظر في المعقول فاستجلب كتب الأوائل وعرَّب حكمة اليونان، وقام في ذلك وقعد، وخبَّ ووضع ورفعت الجهمية والمعتزلة رؤوسها بل والشيعة فإنه كان كذلك. وآل به الحال إلى أن حمل الأمة على القول بخلق القرآن، وامتحن العلماء فلم يُمْهَل وهلك لعامه، وخلي بعده شرًا وبلاء في الدين فإن الأمة ما زالت على أن القرآن العظيم كلام الله تعالى ووحيه وتنزيله لا يعرفون غير ذلك حتى نبغ لهم القول بإنه كلام الله تعالى مخلوق مجعول، وإنه إنما يضاف إلى الله تعالى إضافة تشريف، كبيت الله، وناقة الله، فأنكر ذلك العلماء، ولم تكن الجهمية يظهرون في دولة المهدي والرشيد والأمين فلما ولي المأمون كان منهم، وأظهر المقالة (١١/ ٢٣٦). قلت: ثم أن المأمون نظر في الكلام، وناظر وبقي متوقفًا في الدعاء إلى بدعته قال أبو الفرج بن الجوزي: خالطه قوم من المعتزلة، فحسنوا له القول بخلق القرآن وكان يتردد ويراقب بقايا الشيوخ ثم قوي عزمه وامتحن الناس. قال محمد بن إبراهيم البوشنجي: جعلوا يُذاكرون أبا عبد الله بالرقة في التقية وما روي فيها. فقال: كيف تصنعون بحديث خباب: «إن من كان قبلكم كان ينشر أحدهم بالمنشار، لا يصده ذلك عن دينه» (١) فأيسنا منه. وقال: لستُ أبالي بالحبس، ما هو ومنزلي إلا واحد، ولا قتلاً بالسيف.

стр. 53

وإنما أخاف فتنة السوط، فسمعه بعض أهل الحبس، فقال: لا عليك يا أبا عبد الله فما هو إلا سوطان، ثم لا تدري أين يقع الباقي، فكأنه سرى عنه. قال أبو عبد الله: ما رأيت أحدًا على حداثة سنه، وقدر علمه أقوم بأمر الله من محمد بن نوح، إني لأرجو أن يكون قد ختم له بخير، قال لي ذات يوم: يا أبا عبد الله, الله، الله، إنك لست مثلي، أنت رجل يُقتدى بك .. قد مد الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك فاتق الله واثبت لأمر الله، أو نحو هذا. قال رجل للحَكَم: ما حمل أهلَ الأهواء على هذا؟ قال: الخصومات. وقال معاوية بن قرة: إياكم وهذه الخصومات فإنها تحبط الأعمال، وقال أبو قلابة: لا تجالسوا أهل الأهواء، أو قال: أصحاب الخصومات، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، ويلبسوا عليكم بعض ما تعرفون. ودخل رجلان من أصحاب الأهواء على محمد بن سيرين، فقالا: يا أبا بكر نحدثك بحديث؟ قال: لا. قالا. أفنقرأ عليك آية؟ قال: لا لتقومان عني أو لأقومنَّ فقاما. فقال بعض القوم: يا أبا بكر، وما عليك أن تقرأ عليك آية؟ قال: خشيت أن تقرأ آية فيحرفانها فيقر ذلك في قلبي. وقال رجل من أهل البدع لأيوب: يا أبا بكر أسألك عن كلمة؟ فولى، وهو يقول بيده: لا، ولا نصف كلمة.

стр. 54

وقال ابن طاووس لابن له يكلمه رجل من أهل البدع: يا بني أدخل أصبعيك في أذنيك حتى لا تسمع ما يقول .. ثم قال: اشدُد اشدُد. وقال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غَرضًا للخصومات، أكثر التنقل وكان الحسن يقول: شرُّ داء خالط قلبًا يعني الأهواء. المهتدي بالله محمد بن الواثق، قال: كان أبي إذا أراد أن يقتل أحدًا. أحضرنا فأُتي بشيخ مخضوب مقيد. فقال أبي: أئذنوا لأبي عبد الله وأصحابه، يعني ابن أبي داود. قال: فأُدْخِلَ الشيخ. فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فقال: لا سلم الله عليك. فقال: يا أمير المؤمنين بئس ما أدبك مؤدبك قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]. فقال: ابن أبي داود: الرجل متكلم. قال له: كلمة. فقال: يا شيخ ما تقول في القرآن؟ قال: لم ينصفني ولي السؤال. قال: سل. قال: ما تقول في القرآن؟ قال: مخلوق. قال الشيخ: هذا شيء علمه النبي ﷺ وأبو بكر وعمر والخلفاء الراشدون

стр. 55

أم شيء لم يعلموه؟ قال: شيء لم يعلموه. فقال: سبحان الله شيءُ لم يعلمه النبي ﷺ علمته أنت؟ فخجل. فقال: أقلني. قال: المسألة بحالها. قال: نعم علموه. فقال: علموه، ولم يدعو الناس إليه. قال: نعم. قال: أفلا وسعك ما وسعهم؟ قال: فقام أبي، فدخل مجلسًا، واستلقى وهو يقول: شيءُ لم يعلمه النبي ﷺ ولا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ولا الخلفاء الراشدون علمته أنت! سبحان الله! شيء علموه ولم يدعوا الناس إليه، أفلا وسعك ما وسعهم؟! ثم أمر برفع قيوده، وأن يعطي أربعمائة دينار، ويؤذن له في الرجوع وسقط من عينه ابن أبي داود ولم يمتحن بعدها أحدًا .. هذه قصة مليحة وإن كان في طريقها من يجهل ولها شاهد (١١/ ٣١٢). قال إبراهيم الحربي: سئل أحمد عن المسلم يقول للنصراني أكرمك الله قال: نعم، ينوي بها الإسلام. قال ابن عقيل من عجيب ما سمعته عن هؤلاء الأحداث الجهال أنهم يقولون: أحمد ليس بفقيه لكنه محدث.

стр. 56

قال: وهذا غاية الجهل، لأن له اختيارات بناها على الأحاديث بناء لا يعرفه أكثرهم، وربما زاد على كبارهم. قلتُ: أحسبهم كانوا يظنونه محدثًا وبس، بل يتخيلونه من بابة محدثي زماننا ووالله لقد بلغ في الفقه خاصة رتبة الليث، ومالك والشافعي، وأبي يوسف، وفي الزهد والورع رتبة الفضيل، وإبراهيم بن أدهم وفي الحفظ رتبة شعبة، ويحيى القطان وابن المديني. ولكن الجاهل لا يعلم رتبة نفسه، فكيف يعرف رتبة غيره؟!! قال الإمام أحمد عن المسند: هذا الكتاب: جمعته وأنتقيته من أكثر من سبعمائة ألف وخمسين ألفًا فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله ﷺ فارجعوا إليه، فإن وجدتموه فيه، وإلا فليس بحجة. قلت: في الصحيحين أحاديث قليلة، ليست في المسند، لكن قد يقال: لا ترد على قوله. فإن المسلمين ما اختلفوا فيها ثم ما يلزم من هذا القول: أن ما وجد فيه أن يكون حجة ففيه جملة من الأحاديث الضعيفة مما يسوغ نقلُها، ولا يجب الاحتجاج بها، وفيه أحاديث معدودة شبه موضوعة، ولكنها قطرة في بحر، وفي غضون المسند زيادات جمة لعبد الله بن أحمد. قال الخلال: سمعت عبد الوهاب الوراق، يقول: ما بلغنا أن جمعًا في الجاهلية ولا الإسلام مثله يعني: من شهد جنازة الإمام أحمد، حتى بلغنا أن الموضع مسح وحزر على الصحيح، فإذا هو نحو من ألف ألف، وحزرنا على القبور نحوًا من ستين ألف امرأة، وفتح الناس أبواب المنازل في الشوارع والدروب ينادون من أراد الوضوء. قال الإمام أحمد: قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز. قال عبد الله بن أحمد: لما حضرت أبي الوفاة، جلست عنده وبيدي الخرقة لأشد بها لحييه، فجعل يَغْرَقُ ثم يفيق، ثم يفتح عينيه، ويقول بيده هكذا لا بعد لا بعد ثلاث مرات فلما كان في الثالثة قلت: يا أبتِ أي شيء هذا

стр. 57

الذي لهجت به في هذا الوقت؟ فقال: يا بني ما تدري؟ قلت: لا. قال: إبليس لعنه الله قائم بحذائي، وهو عاض على أنامله، يقول: يا أحمد فُتَّني وأنا أقول: لا بعد حتى أموت. هذه حكاية غريبة، تفرد بها ابنُ عَلم فالله أعلم. جمع ابن الجوزي فأوعي من المنامات في نحو ثلاثين ورقة وأفرد ابن البناء جزءًا في ذلك وليس أبو عبد الله ممن يحتاج تقرير ولايته إلى منامات ولكنها جندُ من جند الله تسر المؤمن ولا سيما إذا تواترت. * * * النفاق يزيد وينقص كما الإيمان إسحاق بن راهويه شيخ المغرب، سيد الحفاظ أبو يعقوب (١١/ ٣٥٨). عن أبي هريرة .. عن النبي ﷺ قال: «ثلاث من كن فيه فهو منافق: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان». قال رجل: يا رسول الله ذهبت اثنتان وبقيت واحدة. قال ﷺ : «فإن عليه شعبة من نفاق ما بقي فيه منهن شيء». قال الإمام الذهبي ﵀: هذا الحديث حسن الإسناد وأبو معشر نجيح السندي صدوق في نفسه وما هو بالحجة، وأما المتن فقد رواه جماعة عن أبي هريرة. وفيه دليل على أن النفاق يتبعض ويتشعب كما أن الإيمان ذو شعب ويزيد وينقص فالكامل الإيمان من اتصف بفعل الخيرات وترك المنكرات وله قُرب ماحية لذنوبه كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤].

стр. 58

وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠، ١١] ودون هؤلاء خلق من المؤمنين الذين خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا، ودونهم عصاة المسلمين ففيهم إيمان ينجون به من خلود عذاب الله تعالى وبالشفاعة، ألا تسمع إلى الحديث المتواتر «أنه يخرج من النار من في قلبه وزن ذرة من إيمان» (١) وكذلك شعب النفاق من الكذب والخيانة والفجور والغدر والرياء، وطلب العلم ليُقال وحب الرئاسة والمشيخة، ومُوادة الفجار والنصارى، فمن ارتكبها كلها، وكان في قلبه غل النبي ﷺ أو حَرج من قضاياه. أو يصوم رمضان غير محتسب أو يُجوز أن دين النصارى أو اليهود دين مليح، ويميل إليهم، فهذا لا تَرْتَبْ في أنه كامل النفاق وأنه في الدرك الأسفل من النار وصفاته الممقوتة عديدة في الكتاب والسنة من قيامه إلى الصلاة كسلان، وأدائه الزكاة وهو كاره، وإن عامل الناس فبالمكر والخديعة، قد اتخذ إسلامه جُنة نعوذ بالله من النفاق، فقد خافه سادة الصحابة على نفوسهم. فإن كان فيه شعبة من نفاق الأعمال، فله قسط من المقت حتى يدعها، ويتوب منها، أما من كان في قلبه شك من الإيمان بالله ورسوله فهذا ليس بمسلم وهو من أصحاب النار، كما أن من في قلبه جزم بالإيمان بالله ورسله وملائكته وكتبه وبالمعاد وإن اقتحم الكبائر فإنه ليس بكافر قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ وهذه مساءلة كبيرة جليلة قد صنف فيها العلماء كتبًا وجمع فيها الإمام أبو العباس (٢) شيخنا مجلدًا حافلاً. قد اختصرته نسأل الله تعالى أن يحفظ علينا إيماننا حتى نوافيه به. عن أبي عبد الله البصري قال: أتيت إسحاق بن راهويه، فسألته شيئًا فقال: صنع الله لك.

стр. 59

قلت: لم أسألك صنع الله، إنما سألتك صدقة، فقال: لطف الله بك. قلت: لم أسألك لطف الله إنما سألتك صدقة. فغضب وقال: الصدقة لا تحل لك. قلت: ولما؟ قال: لأن جريرًا حدثنا عن الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي» (١). فقلت: ترفق يرحمك الله فمعي حديث في كراهية العمل. قال إسحاق: وما هو؟ قلت: حدثني أبو عبد الله الصادق الناطق عن إفشين عن إيتاخ عن سيماء الصغير، عن عجيف بن عنبسة، عن زغلمج بن أمير المؤمنين، أنه قال: العمل شؤم، وتركه خير، تقعد تمني خير من أن تعمل تعني، فضحك إسحاق، وذهب غضبه، وقال: زدنا. فقلت: وحدثنا الصادق الناطق بإسناده عن عجيف. قال: قعد زغلمج في جلسائه فقال: أخبروني بأعقل الناس، فأخبر كل واحد بما عنده. فقال: لم تصيبوا بل أعقل الناس الذي لا يعمل لأن من العمل يجيء

стр. 60

التعب، ومن التعب يجيء المرض، ومن المرض يجيء الموت ومن عمل فقد أعان على نفسه والله يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. فقال: زدنا من حديثك. فقلت: حدثني أبو عبد الله الصادق الناطق بإسناده عن زغلمج. قال: من أطعم أخاه شواء، غفر الله له عدد النوى، ومن أطعم أخاه هريسة غفر له مثل الكنيسة، ومن أطعم أخاه جنبًا غفر الله له كل ذنب، فضحك إسحاق وأمر له بدرهمين ورغيفين. قال أحمد بن سلمة: سمعت إسحاق يقول: قال لي الأمير عبد الله بن طاهر: لِم قيل لك: ابن راهويه؟ وما معنى هذا؟ وهل تكره أن يقال لك ذلك؟ قال: اعلم أيها الأمير أن أبي ولد في طريق مكة. فقالت المراوزة: راهويه، لأنه ولد في الطريق، وكان أبي يكره هذا، وأما أنا فلا أكرهه. عن إسحاق قال: دخلتُ على ابن طاهر، وإذا عنده إبراهيم بن أبي صالح، فقال له: يا إبراهيم ما تقول في غسيل الثياب؟ قال: فريضة. قال: من أين تقول؟ قال: من قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] فكأن عبد الله بن طاهر استحسنه. فقلت: أعز الله الأمير، كذب هذا، أخبرنا وكيع، حدثنا إسرائيل عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قلبك فنقه. وأخبرنا روح، حدثا ابن أبي عروبة عن قتادة ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال:

стр. 61

علمك فأصلحه ثم ذكر إسحاق قول ابن عباس: «من قال في القرآن برأيه، فليتبوأ مقعده من النار» فقال ابن طاهر: يا إبراهيم إياك أن تنطق في القرآن بغير علم. قال قائل: ما دلت الآية على واحد من الأقوال المذكورة بل هي نص في غسل النجاسة من الثوب، فنعوذ بالله من تحريف كتابه. وورد عن إسحاق أن بعض المتكلمين قال له: كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء. فقال: آمنت برب يفعل ما يشاء. قلت: هذه الصفات من الاستواء والإتيان والنزول، قد صحت بها النصوص ونقلها الخلف عن السلف، ولم يتعرضوا لها برد ولا تأويل بل أنكروا على من تأولها مع إصفاقهم على أنها لا تشبه نعوت المخلوقين، وأن الله ليس كمثله شيء، ولا تنبغي المناظرة ولا التنازع فيها فإن في ذلك محاولة للرد على الله ورسوله أو حومًا على التكييف أو التعطيل. قال أبو عبد الله الحاكم: إسحاق، وابن المبارك, ومحمد بن يحييى هؤلاء دفنوا كتبهم. قلت: هذا فعله عدة من الأئمة وهو دال أنهم لا يرون نقل العلم وجادة فإن الخط قد يتصحف على الناقل، وقد يمكن أن يزاد في الخط حرف فيغير المعنى ونحو ذلك. وأما اليوم فقد اتسع الخرق وقل تحصيل العلم من أفواه الرجال، بل ومن الكتب غير المغلوطة، وبعض النقلة للمسائل قد لا يحسن أن يتهجى (١١/ ٣٧٧). قال المحقق وفقه الله:

стр. 62

الوجادة: هي أن يجد الشخص أحاديث بخط راويها، سواء لقيه أو سمع منه، أم لم يلقه ولم يسمع منه، أو أن يجد أحاديث في كتب المؤلفين المعروفين ففي هذه الأنواع كلها لا يجوز له أن يرويها عن أصحابها، بل يقول: وجدت بخط فلان، إذا عرف الخط ووثق منه، أو يقول قال فلان، أو نحو ذلك، والذي عليه المحققون من أهل العلم وجوب العمل بها عند حصول الثقة بما يجده القارئ أي يثق بأن هذا الخبر أو الحديث بخط الشيخ الذي يعرفه، أو يثق بأن الكتاب الذي ينقل منه ثابت النسبة إلى مؤلفه الثقة المأمون، وأن يكون إسناد الخبر صحيحًا (١١/ ٣٢٩). * * * دفن العلم محمد بن العلاء بن كريب الحافظ الثقة الإمام شيخ المحدثين أبو كريب الهمداني الكوفي (١١/ ٣٩٤). قال مُطين: أوصى أبو كريب بكتبه أن تدفن فدفنت، قلت: فعل هذا بكتبه من الدفن والغسل والإحراق عدة من الحفاظ خوفًا من أن يظفر بها محدث قليل الدين؛ فيغير فيها ويزيد فيها فينسب ذلك إلى الحافظ، أو أن أصوله كانت فيها مقاطيع وواهيات ما حدث بها أبدًا، وإنما انتخب من أصوله ما رواه، وما بقي فرغب عنه، وما وجدوا لذلك سوى الإعدام فلهذا ونحوه دفن ﵀ كتبه. * * * لقمان هذه الأمة حاتم بن عنوان بن يوسف، أبو عبد الرحمن الأصم، الزاهد القدوة الرباني الواعظ، الناطق بالحكمة، كان يقال له لقمان هذه الأمة (١١/ ٤٨٤)

стр. 63

قيل له: على ما بنيت أمرك في التوكل؟ قال: على خصال أربع: علمت أن رزقي لا يأكله غيري، فاطمأنت به نفسي، وعلمتُ أن عملي لا يعمله غيري فأنا مشغول به، وعلمت أن الموت يأتي بغتة، فأنا أبادره، وعلمت أني لا أخلو من عين الله، فأنا مستحي منه. وعنه: تعاهد نفسك في ثلاث: إذا عملت فاذكر نظر الله إليك وإذا تكلمت فاذكر سمع الله منك، وإذا سكت فاذكر علم الله فيك. وعنه قال: لو أن صاحب خير جلس إليك، لكنت تتحرز منه وكلامك يعرض على الله فلا تتحرز. * * * الانتصار للعلماء قال الحافظ أبو بكر الأعين: رجال خراسان أربعة: عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي ومحمد بن إسماعيل البخاري قبل أن يظهر منه ما ظهر ومحمد بن يحيى، وأبو زرعة. قلت: هذه دقة من الأعين، والذي ظهر من محمد أمر خفيف من المسائل التي اختلف فيها الأئمة في القول في القرآن، وتسمى مسألة أفعال التالين، فجمهور الأئمة والسلف والخلف على أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وبهذا ندين الله تعالى، وبدَّعوا من خالف ذلك، وذهبت الجهمية والمعتزلة والمأمون، وأحمد بن أبي داود القاضي، وخلق من المتكلمين والرافضة إلى أن القرآن كلام الله المنزل مخلوق. وقالوا: الله خالق كل شيء، والقرآن شيء. وقالوا: تعالى الله أن يوصف بأنه متكلم، وجرت محنة القرآن وعظم

стр. 64

البلاء، وضُرب أحمد بن حنبل بالسياط ليقول ذلك، نسأل الله السلامة في الدين. ثم نشأت طائفة فقالوا: كلام الله تعالى منزل غير مخلوق، ولكن ألفاظنا به مخلوقة، يعنون: تلفظهم وأصواتهم به، وكتابتهم له، ونحو ذلك، وهو حسين الكرابيسي ومن تبعه فأنكر ذلك الإمام أحمد، وأئمة الحديث، وبالغ الإمام أحمد في الحط عليهم وثبت عنه أنه قال: اللفظية جهمية. وقال: من قال لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي، ومن قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع، وسد باب الخوض في هذا، وقال أيضًا: من قال لفظي بالقرآن مخلوق يريد به القرآن فهو جهمي. وقالت طائفة: القرآن مُحدث كداود والظاهري ومن تبعه، فبدعهم الإمام أحمد وأنكر ذلك وثبت على الجزم بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه من علم الله، وكفر من قال بخلقه، وبدع من قال بحدوثه، وبدع من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، ولم يأت عنه ولا عن السلف القول، بأن القرآن قديم، ما تفوه أحدُ منهم بهذا فقولنا: قديم، من العبارات المحدثة المبتدعة، كما أن قولنا هو محدث بدعة. وأما البخاري فكان من كبار الأئمة الأذكياء، فقال: ما قلتُ: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، وإنما حركاتهم وأصواتهم وأفعالهم مخلوقة، والقرآن المسموع المتلو، الملفوظ المكتوب في المصاحف كلام الله غير مخلوق وصنف في ذلك كتاب «أفعال العباد» مجلد فأنكر عليه طائفة وما فهموا مرامه كالذهلي وأبي زرعة وأبي حاتم، وأبي بكر الأعين وغيرهم، ثم ظهر بعد ذلك مقالة الكُلابية، والأشعرية، وقالوا: القرآن معنى قائم بالنفس، وإنما هذا المنزل حكايته وعبارته ودال عليه، وقالوا: هذا المتلو معدود متعاقب وكلام الله

стр. 65

تعالى لا يجوز عليه التعاقب، ولا التعدد، بل هو شيء واحد قائم بالذات المقدسة واتسع المقال في ذلك، ولزم منه أمورُ وألوان، تركها والله من حسن الإيمان وبالله نتأيد (١١/ ٥٠٩). * * * الجاحظ أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب، البصري، المعتزلي، العلامة المتبحر ذو الفنون، صاحب التصانيف (١١/ ٥٢٦). عن الجاحظ: نسيتُ كنيتي ثلاثة أيام، حتى عرفني أهلي. قلت: كان ماجنًا قليل الدين له نوادر. قال المبرد: دخلت عليه. فقلتُ: كيف أنت؟ قال: كيف من نصفه مفلوج، ونصفه الآخر منقرس؟ لو طار عليه ذباب لآلمه، والآفة في هذا أني جزت التسعين، وقيل: طلبه المتوكل. فقال: وما يصنع أمير المؤمنين بشق مائل ولعاب سائل. قلت: كان من بحور العلم وتصانيفه كثيرة جدًا، قيل: لم يقع بيده كتاب قط إلا استوفى قراءته حتى أنه كان يكتري دكاكين الكتبيين ويبيت فيها للمطالعة وكان باقعة في قوة الحفظ. ومن كلام الجاحظ إلى محمد بن عبد الملك: المنفعة توجب المحبة، والمضرة توجب البغضة، والمضادة عداوة والأمانة طمأنينة وخلاف الهوى يوجب الاستثقال، ومتابعته توجب الألفة , والعدل يوجب اجتماع القلوب، والجور يوجب الفرقة، وحسن الخلق أنس والانقباض وحشة, والتكبر مقت والتواضع

стр. 66

مقة، الجود يوجب الحمد، والبخل يوجب الذم، التواني يوجب الحسرة، والحزم يوجب السرور، والتغرير ندامة، ولكل واحدة من هذه إفراط وتقصير وإنما تصح نتائجها إذا أقيمت حدودها، فإن الإفراط في الجود تبذير، والإفراط في التواضع مذلة، والإفراط في الغدر يدعو إلى أن لا نثق بأحد، والإفراط في المؤانسة يجلب خلطاء السوء. قال يموت بن المزرع: سمعت خالي "أي الجاحظ" يقول: أمليتُ على إنسان مرة: أخبرنا عمرو، فاستملى: أخبرنا بشر، وكتب أخبرنا زيد. قلت: يظهر من شمائل الجاحظ أنه يختلق. * * * الجواب الكافي يحيى بن أكثم بن محمد بن قَطَن قاضي القضاة، الفقيه العلامة، أبو محمد التميمي المروزي (١٢/ ٥). قال عبد الله بن أحمد: سمع من ابن المبارك صغيرًا فصنع أبوه طعامًا، ودعا الناس وقال اشهدوا أن ابني سمع من عبد الله. عن يحيى قال: كنت عند سفيان. فقال: بُليتُ بمجالستكم بعد ما كنتُ أجالس من جالس الصحابة، فمن أعظم مني مصيبة؟ قلتُ: يا أبا محمد، الذين بقوا حتى جالسوك بعد الصحابة، أعظم منك مُصيبة. * * * عثرة القول أبو يوسف، يعقوب بن إسحاق بن السكيت، شيخ العربية، البغدادي، النحوي المؤدب، مؤلف كتاب «إصلاح المنطق» ديِّن خير، حجة في العربية.

стр. 67

قال ثعلب: أجمعوا أنه لم يكن أحد بعد ابن الأعرابي أعلم باللغة من ابن السكيت، وكان المتوكل قد ألزمه تأديب ولد المعتز، فلما حضر قال له ابن السكيت: بمَ تحب أن تبدأ؟ قال: بالانصراف. قال: فأقوم. قال المعتز: فأنا أخف منك، وبادر فعثر فسقط وخجل. فقال يعقوب: يموت الفتى من عثرة بلسانه ... وليس يموت المرء من عثرة الرجل فعثرته بالقول تُذهب رأسه ... وعثرته بالرجل تبرأ على مهل * * * المتوكل على الله الخليفة أبو الفضل جعفر بن المعتصم بالله محمد بن الرشيد هارون بن المهدي بن المنصور، القرشي العباسي البغدادي ولد سنة ٢٠٥ (١٢/ ٣٠) حكى الأعسم أن علي بن الجهم دخل على المتوكل، وبيده درتان يقلبهما فأنشده قصيدة له، فدحا إليه بالواحدة فقلَّبتها فقال: تستنقص بها؟ هي والله خير من مائة ألف، فقلت: لا والله لكني فكرت في أبيات آخذ بها الأخرى وأنشأت أقول: بسر من رأى إمام عدل ... تغرف من بحره البحار يرجى ويخشى لكل خطب ... كأنه جنة ونار الملك فيه وفي بنيه ... ما اختلف الليل والنهار

стр. 68

لم تأت منه اليمين شيئًا ... إلا أتت مثلها اليسار فدحا بها إليه، وقال: خذها، لا بارك الله لك فيها. في سنة ٢٤٥ عمت الزلزلة الدنيا، ومات منها خلائق، وبني المتوكل الماحوزة وسماها الجعفري، وانفق عليها بعد معاونة الجيش له ألفي ألف دينار وتحول إليها وفيها وقع بناحية بلغ مطر كالدم العبيط. * * * طائر المغرب أبو سعيد، عبد السلام بن حبيب بن حسان، الإمام العلامة قاضي القيروان وصاحب "المدونة" ويلقب بسحنون (١٢/ ٦٣). عنه قال: من لم يعمل بعلمه، لم ينفعه علمه، بل يضُرُّه. وسئل سحنون: أيسع العالم أن يقول: لا أدري فيما يدري؟ قال: أما ما فيه كتاب أو سنة ثابتة فلا، وأما ما كان من هذا الرأي، فإنه يسعه ذلك لأنه لا يدري أمصيب هو أم مخطئ؟. وعنه قال: آكل بالمسكنة ولا آكل بالعلم. وسحنون هو اسم طائر بالمغرب يُوصف بالفطنة والتحرز، وهو بفتح السين وبضمها. * * * هكذا الدنيا هبات قال ابن النجار: الفضل بن مروان بن ماسرجس، كان بديع الخط منشئًا لم يزل في ارتقاء والناس يحسدونه حتى نكب فكان المعتصم يقول: عصى الله وأطاعني فسلطني الله عليه.

стр. 69

وقيل: ألقيت رقعة إليه فيها: تفرعنت يا فضل بن مروان فاعتبر فقبلك كان الفضل والفضل والفضل ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم أبادتهم الأقياد والذل والقتل عن الفضل بن يحيى البرمكي والفضل بن الربيع الحاجب والفضل بن سهل. * * * شمائل الأولياء عن أحمد بن أبي الحواري قال: قلتُ لراهب في دير حرملة وأشرف من صومعته: ما اسمك؟ قال: جريج. قلت: ما يحبسك. قال: حبست نفسي عن الشهوات. قلتُ: أما كان يستقيم لك أن تذهب معنا ههنا، وتجيء وتمنعها الشهوات؟. قال: هيهات!! هذا الذي تصفه قوة، وأنا في ضعف. قلت: ولِمَ تفعل هذا؟ قال: نجد في كتبنا أن بدن ابن آدم خلق من الأرض وروحه خلقت من ملكوت السماء فإذا أجاع بدنه وأعراه وأسهره وأقمأه نازع الروح إلى الموضع الذي خرج منه، وإذا أطعمه وأراحه أخلد البدن إلى الموضع الذي منه خلق

стр. 70

فأحب الدنيا. قلت: فإذا فعل هذا يُعجل له في الدنيا الثواب؟ قال: نعم، نور يوازيه. قال: فحدثت بهذا أبا سليمان الداراني. فقال: قاتله الله أنهم يصفون. قلت: الطريقة المثلى هي المحمدية وهو الأخذ من الطيبات وتناول الشهوات المباحة من غير إسراف كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] وقد قال النبي ﷺ : «لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآتي النساء، وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني» (١) فلم يشرع لنا الرهبانية، ولا التمزق ولا الوصال بل ولا صوم الدهر ودين الإسلام يسر وحنيفية سمحة، فليأكل المسلم من الطيب إذا أمكنه كما قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] وقد كان النساء أحب شيء إلى نبينا ﷺ وكذلك اللحم والحلواء والعسل والشراب الحلو البارد والمسك وهو أفضل الخلق وأحبهم إلى الله تعالى. ثم العابد العري من العلم، متى زهد وتبتل وجاع، وخلا بنفسه، وترك اللحم والثمار واقتصر على الدقة والكسرة، صفت حواسه ولطفت ولازمته خطرات النفس، وسمع خطابًا يتولد من الجوع والسهر، لا وجود لذلك الخطاب والله في الخارج، وولج الشيطان في باطنه وخرج فيعتقد أنه قد وصل وخوطب وارتقى فيتمكن منه الشيطان، ويوسوس له، فينظر إلى المؤمنين بعين الازدراء ويتذكر ذنوبهم وينظر إلى

стр. 71

نفسه بعين الكمال وربما آل به الأمر إلى أن يعتقد أنه ولي صاحب كرامات وتمكن وربما حصل له شك وتزلزل إيمانه. فالخلوة والجوع، أبو جاد الترهب، وليس ذلك من شريعتنا في شيء بل السلوك الكامل هو الورع في القوت، والورع في المنطق، وحفظ اللسان، وملازمة الذكر، وترك مخالطة العامة، والبكاءُ على الخطيئة والتلاوة بالترتيل والتدبر، ومقت النفس وذمها في ذات الله والإكثار من الصوم المشروع ودوام التهجد والتواضع للمسلمين وصلة الرحم، والسماحة وكثرة البشر، والإنفاق مع الخصاصة وقول الحق المر برفق وتُؤدة , والأمر بالعُرف، والأخذُ بالعفو والإعراض عن الجاهلين، والرباط بالثغر، وجهاد العدو، وحج البيت، وتناول الطيبات في الأحايين، وكثرة الاستغفار في السحر، فهذه شمائل الأولياء وصفات المحمديين، أماتنا الله على محبتهم (١٢/ ٨٨). * * * واختلف العلماء أبو عثمان بكر بن محمد بن عدي المازني صاحب التصانيف (١٢/ ٢٧٠). قال المبرد: لم يكن أحد بعد سيبويه أعلمَ بالنحو من المازني. قال: وذكر لنا المازني أن رجلاً قرأ عليه "كتاب" سيبويه في مدة طويلة فلما بلغ آخره قال: أما إني ما فهمت منه حرفًا وأما أنت فجزاك الله خيرًا. وقيل: كان المازني ذا ورع ودين، بلغنا أن يهوديًا حصل النحو فجاء ليقرأ على المازني "كتاب" سيبويه، فبذل له مائة دينار فامتنع وقال: هذا الكتاب يشتمل على ثلاثمائة آية ونيف فلا أمكن منها ذميًا. وعن المازني قال: قلتُ لابن السكيت: ما وزن "نكتل". قال: "نفعل".

стр. 72

قلت: أتئد. ففكر، وقال: «نفتعل». قلت: فهذه خمسة أحرف، فسكت. فقال المتوكل: ما وزنها؟ قلت: وزنها في الأصل «نَفتعل» لأنها «نكتيل» فتحرك حرف العلة، وانفتح ما قبله فقلب ألفًا فصار نكتال، فحذفت ألفه للجزم فبقي «نكتل». * * * فتنة الزنج عباس بن الفرج، العلامة الحافظ شيخ الأدب، أبو الفضل الرياشي النحوي (١٢/ ٣٧٢). قال ابن دُريد: قتلته الزنج بالبصرة سنة سبع وخمسين ومائتين. قلتُ: فتنة الزنج كانت عظيمة، وذلك أنَّ بعض الشياطين الدهاة كان طرقيًا أو مؤدبًا له نظر في الشعر والأخبار، ويظهر من حاله الزندقة والمروق، ادعى أنه علوي ودعا إلى نفسه، فالتف عليه قُطاع طريق، والعبيد السود من غلمان أهل البصرة، حتى صار في عدة وتحايلوا وحصلوا سيوفًا وعصيًا، ثم ثاروا على أطراف البلد، فبدعوا وقتلوا وقووا وانضم إليهم كل مجرم واستفحل الشر بهم فسار جيش من العراق لحربهم فكسروا الجيش، وأخذوا البصرة واستباحوها واشتد الخطب، وصار قائدهم الخبيث في جيش وأهبة كاملة، وعزم على أخذ بغداد، وبنى لنفسه مدينة عظيمة، وحار الخليفة المعتمد في نفسه ودام البلاءُ بهذا الخبيث المارق ثلاثة عشرة سنة وهابته الجيوش وجرت معه ملاحم ووقعات يطول شرحها قد ذكرها المؤرخون إلى أن قُتل فالزنج هم عبارة عن عبيد البصرة الذين ثاروا معه لا بارك الله فيهم.

стр. 73

أبو عبد الله البخاري محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة، ولد سنة أربع وتسعين ومائة (١٢/ ٣٩١). عن محمد بن أبي حاتم، قال: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان يدهُ أمرك؟ قال: أُلُهمت حفظ الحديث وأنا في الكتاب. فقلتُ: كم كان سنك؟ فقال: عشر سنين، أو أقل. ثم خرجت من الكُتاب بعد العشر جعلتُ أختلف إلى الداخلي وغيره. فقال يومًا فيما كان يقرأ للناس: سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم فقلتُ له: إن أبا الزبير لم يروِ عن إبراهيم فانتهرني. فقلتُ له: أرجع إلى الأصل، فدخل فنظر فيه، ثم خرج. فقال لي: كيف هو يا غلام؟ قلتُ: هو الزبير بن عدي، عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأحكم كتابه وقال: صدقتَ. فقيل للبخاري: ابن كم كنت حين وردت عليه؟ قال: ابنُ إحدى عشرة سنة، فلما طعنتُ في ستَّة عشرة سنة، كنت قد حفظتُ كتب ابن المبارك ووكيع، وعرفت كلام هؤلاء ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حَججْتُ رجع أخي بها! وتخلَّفْتُ في طلب الحديث.

стр. 74

وقال الإمام البخاري: كنتُ أختلف إلى الفقهاء بمرو وأنا صبي فإذا جئت أستحي أن أُسلم عليهم. فقال لي مؤدب من أهلها: كم كتبتَ اليوم؟ فقلت: اثنين وأردت بذلك حديثين فضحك من حضر المجلس. فقال شيخ منهم: لا تضحكوا فلعله يضحك منكم يومًا. عن الفربري قال: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وضعتُ في كتابي «الصحيح» حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين. وقال بكر بن منير: سمعتُ أبا عبد الله البخاري يقول: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبتُ أحدًا. قلتُ: صدق ﵀، ومن نظر في كلامه في الجرح والتعديل، علم ورعه في الكلام في الناس، وإنصافه فيمن يُضعفه فإنه أكثر ما يقول: منكر الحديث، سكتوا عنه فيه نظر ونحو هذا، وقلَّ أن يقول: كذاب، أو كان يضع الحديث، حتى أنه قال: إذا قلتُ فلان في حديثه نظر فهو متهم واهٍ وهذا معنى قوله: لا يحاسبني الله أني اغتبتُ أحدًا، وهذا هو والله غاية الورع. عن البخاري قال: لم أخرج في الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر. لبعضهم باختصار: صحيح البخاري لو أنصفوه ... لما خط إلا بماء الذهب هو الفرق بين الهدى والعمى ... هو السد بين الفتى والعطَب أسانيد مثل نجوم السماء ... أمام متون كمثل الشهب فيا عالمًا أجمع العالمون ... على فضل رتبته في الريب

стр. 75

سبقت الأئمة فيما جمعت ... وفزت على رغمهم بالقصب نفيت الضعيف من الناقلين ... ومن كان متهمًا بالكذب وأبرزت في حسن ترتيبه ... وتبويبه عجبًا للعَجَب فأعطاك مولاك ما تشتهيه ... وأجزل حَظك فيما وهب * * * عطية ابن الإمام بقية بن الوليد الحمصي (١٢/ ٥٢١). عنه قال: يا عطية بن بقية ... كأن قد أتتك المنية بكرة أو عشية فتفكر وتذكر ... وتجنب الخطيئة واذكر الله بتقوى ... واتبع القول بنية وأبي شيخ البرية ... فاكتبو عني بنية في قراطيس نقية * * * الإمام مسلم بن الحجاج الإمام الكبير الحافظ المجود الحجة الصادق، أبو الحسين، القشيري النيسابوري صاحب الصحيح (١٢/ ٥٥٧). قلتُ: ليس في صحيح مسلم من العوالي إلا ما قل، كالقعنبي عن أفلح بن حميد ثم حديث حماد بن سلمة، وهمام ومالك والليث وليس في الكتاب
следующие страницы →