← Джавами‘

Джавами‘ · id 17100

الفوائد الذهبية من سير أعلام النبلاء جـ 2

فهد بن عبد الرحمن العثمان

Полный текст (131 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

نفسه بعين الكمال وربما آل به الأمر إلى أن يعتقد أنه ولي صاحب كرامات وتمكن وربما حصل له شك وتزلزل إيمانه. فالخلوة والجوع، أبو جاد الترهب، وليس ذلك من شريعتنا في شيء بل السلوك الكامل هو الورع في القوت، والورع في المنطق، وحفظ اللسان، وملازمة الذكر، وترك مخالطة العامة، والبكاءُ على الخطيئة والتلاوة بالترتيل والتدبر، ومقت النفس وذمها في ذات الله والإكثار من الصوم المشروع ودوام التهجد والتواضع للمسلمين وصلة الرحم، والسماحة وكثرة البشر، والإنفاق مع الخصاصة وقول الحق المر برفق وتُؤدة , والأمر بالعُرف، والأخذُ بالعفو والإعراض عن الجاهلين، والرباط بالثغر، وجهاد العدو، وحج البيت، وتناول الطيبات في الأحايين، وكثرة الاستغفار في السحر، فهذه شمائل الأولياء وصفات المحمديين، أماتنا الله على محبتهم (١٢/ ٨٨). * * * واختلف العلماء أبو عثمان بكر بن محمد بن عدي المازني صاحب التصانيف (١٢/ ٢٧٠). قال المبرد: لم يكن أحد بعد سيبويه أعلمَ بالنحو من المازني. قال: وذكر لنا المازني أن رجلاً قرأ عليه "كتاب" سيبويه في مدة طويلة فلما بلغ آخره قال: أما إني ما فهمت منه حرفًا وأما أنت فجزاك الله خيرًا. وقيل: كان المازني ذا ورع ودين، بلغنا أن يهوديًا حصل النحو فجاء ليقرأ على المازني "كتاب" سيبويه، فبذل له مائة دينار فامتنع وقال: هذا الكتاب يشتمل على ثلاثمائة آية ونيف فلا أمكن منها ذميًا. وعن المازني قال: قلتُ لابن السكيت: ما وزن "نكتل". قال: "نفعل".

стр. 72

قلت: أتئد. ففكر، وقال: «نفتعل». قلت: فهذه خمسة أحرف، فسكت. فقال المتوكل: ما وزنها؟ قلت: وزنها في الأصل «نَفتعل» لأنها «نكتيل» فتحرك حرف العلة، وانفتح ما قبله فقلب ألفًا فصار نكتال، فحذفت ألفه للجزم فبقي «نكتل». * * * فتنة الزنج عباس بن الفرج، العلامة الحافظ شيخ الأدب، أبو الفضل الرياشي النحوي (١٢/ ٣٧٢). قال ابن دُريد: قتلته الزنج بالبصرة سنة سبع وخمسين ومائتين. قلتُ: فتنة الزنج كانت عظيمة، وذلك أنَّ بعض الشياطين الدهاة كان طرقيًا أو مؤدبًا له نظر في الشعر والأخبار، ويظهر من حاله الزندقة والمروق، ادعى أنه علوي ودعا إلى نفسه، فالتف عليه قُطاع طريق، والعبيد السود من غلمان أهل البصرة، حتى صار في عدة وتحايلوا وحصلوا سيوفًا وعصيًا، ثم ثاروا على أطراف البلد، فبدعوا وقتلوا وقووا وانضم إليهم كل مجرم واستفحل الشر بهم فسار جيش من العراق لحربهم فكسروا الجيش، وأخذوا البصرة واستباحوها واشتد الخطب، وصار قائدهم الخبيث في جيش وأهبة كاملة، وعزم على أخذ بغداد، وبنى لنفسه مدينة عظيمة، وحار الخليفة المعتمد في نفسه ودام البلاءُ بهذا الخبيث المارق ثلاثة عشرة سنة وهابته الجيوش وجرت معه ملاحم ووقعات يطول شرحها قد ذكرها المؤرخون إلى أن قُتل فالزنج هم عبارة عن عبيد البصرة الذين ثاروا معه لا بارك الله فيهم.

стр. 73

أبو عبد الله البخاري محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة، ولد سنة أربع وتسعين ومائة (١٢/ ٣٩١). عن محمد بن أبي حاتم، قال: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان يدهُ أمرك؟ قال: أُلُهمت حفظ الحديث وأنا في الكتاب. فقلتُ: كم كان سنك؟ فقال: عشر سنين، أو أقل. ثم خرجت من الكُتاب بعد العشر جعلتُ أختلف إلى الداخلي وغيره. فقال يومًا فيما كان يقرأ للناس: سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم فقلتُ له: إن أبا الزبير لم يروِ عن إبراهيم فانتهرني. فقلتُ له: أرجع إلى الأصل، فدخل فنظر فيه، ثم خرج. فقال لي: كيف هو يا غلام؟ قلتُ: هو الزبير بن عدي، عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأحكم كتابه وقال: صدقتَ. فقيل للبخاري: ابن كم كنت حين وردت عليه؟ قال: ابنُ إحدى عشرة سنة، فلما طعنتُ في ستَّة عشرة سنة، كنت قد حفظتُ كتب ابن المبارك ووكيع، وعرفت كلام هؤلاء ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حَججْتُ رجع أخي بها! وتخلَّفْتُ في طلب الحديث.

стр. 74

وقال الإمام البخاري: كنتُ أختلف إلى الفقهاء بمرو وأنا صبي فإذا جئت أستحي أن أُسلم عليهم. فقال لي مؤدب من أهلها: كم كتبتَ اليوم؟ فقلت: اثنين وأردت بذلك حديثين فضحك من حضر المجلس. فقال شيخ منهم: لا تضحكوا فلعله يضحك منكم يومًا. عن الفربري قال: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وضعتُ في كتابي «الصحيح» حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين. وقال بكر بن منير: سمعتُ أبا عبد الله البخاري يقول: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبتُ أحدًا. قلتُ: صدق ﵀، ومن نظر في كلامه في الجرح والتعديل، علم ورعه في الكلام في الناس، وإنصافه فيمن يُضعفه فإنه أكثر ما يقول: منكر الحديث، سكتوا عنه فيه نظر ونحو هذا، وقلَّ أن يقول: كذاب، أو كان يضع الحديث، حتى أنه قال: إذا قلتُ فلان في حديثه نظر فهو متهم واهٍ وهذا معنى قوله: لا يحاسبني الله أني اغتبتُ أحدًا، وهذا هو والله غاية الورع. عن البخاري قال: لم أخرج في الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر. لبعضهم باختصار: صحيح البخاري لو أنصفوه ... لما خط إلا بماء الذهب هو الفرق بين الهدى والعمى ... هو السد بين الفتى والعطَب أسانيد مثل نجوم السماء ... أمام متون كمثل الشهب فيا عالمًا أجمع العالمون ... على فضل رتبته في الريب

стр. 75

سبقت الأئمة فيما جمعت ... وفزت على رغمهم بالقصب نفيت الضعيف من الناقلين ... ومن كان متهمًا بالكذب وأبرزت في حسن ترتيبه ... وتبويبه عجبًا للعَجَب فأعطاك مولاك ما تشتهيه ... وأجزل حَظك فيما وهب * * * عطية ابن الإمام بقية بن الوليد الحمصي (١٢/ ٥٢١). عنه قال: يا عطية بن بقية ... كأن قد أتتك المنية بكرة أو عشية فتفكر وتذكر ... وتجنب الخطيئة واذكر الله بتقوى ... واتبع القول بنية وأبي شيخ البرية ... فاكتبو عني بنية في قراطيس نقية * * * الإمام مسلم بن الحجاج الإمام الكبير الحافظ المجود الحجة الصادق، أبو الحسين، القشيري النيسابوري صاحب الصحيح (١٢/ ٥٥٧). قلتُ: ليس في صحيح مسلم من العوالي إلا ما قل، كالقعنبي عن أفلح بن حميد ثم حديث حماد بن سلمة، وهمام ومالك والليث وليس في الكتاب

стр. 76

حديث عال لشعبة، ولا للثوري، ولا لإسرائيل وهو كتاب نفيس كامل في معناه فلما رآه الحفاظ أُعجبوا به ولم يسمعوه لنزوله، فعمدوا إلى أحاديث الكتاب فساقوها من مروياتهم عالية بدرجة وبدرجتين، ونحو ذلك، حتى أتوا على الجميع هكذا. وسموه: المستخرج على صحيح مسلم فعل ذلك عدة من فرسان الحديث، منهم: أبو بكر محمد بن محمد بن رجاء، وأبو عوانة يعقوب ابن إسحاق الإسفراييني، وزاد في كتابه متونًا معروفة بعضها لين، والزاهد أبو جعفر أحمد بن حمدان الحيري، وأبو الوليد حسان بن محمد الفقيه وأبو حامد أحمد بن محمد الشاركي الهروي، وأبو بكر محمد بن عبد الله بن زكريا الجوزيقي والإمام أبو علي الماسرجسي، وأبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني وآخرون. قال المحقق وفقه الله في الصفحة ٥٦٩ من المجلد ١٢ ما يلي. المستخرج: أن يأتي من يريد تصنيف المستخرج إلى كتاب البخاري ومسلم فيخرج أحاديثه بأسانيد لنفسه من غير طريق البخاري أو مسلم فيجتمع إسناد المصنف المستخرج مع إسناد البخاري ومسلم في شيخه، أو من فوقه بدرجة أو أكثر، والمستخرج لا يلتزم في متن الحديث لفظ الكتاب الذي استخرج عليه، بل يروي الألفاظ التي وقعت له عن شيوخه مع الاتفاق في المعنى وربما وقعت المخالفة أيضًا في المعنى فلا يجوز أن تعزى متون ألفاظ المستخرجات إلى الكتاب الذي استخرج عليه إلا أن يعرف اتفاقهما في اللفظ ولذا نرى الحذاق من المحدثين يقولون بعد عزو الحديث لمن أخرجه، وأصله في "الصحيحين" فشرط المستخرج ألا يروي حديث البخاري ومسلم عنها بل يروي حديثهما عن غيرهما، وقد يرويه عن شيوخهما أو أرفع من ذلك ولا بُد أن يكون بسند صحيح، وللمستخرجات فوائد جليلة.

стр. 77

أحدها: أن ما كان فيها من زيادة لفظ أو تتمة لمحذوف أو زيادة شرح في حديث أو نحو ذلك حكم بصحته، لأنها خارجة من مخرج الصحيح. ثانيها: أنها قد تكون أعلى إسنادًا. ثالثها: قوة الحديث بكثرة طرقه للترجيح عند التعارض. رابعها: ما يقع فيه من حديث المدلسين بتصريح السماع وهو في الصحيح بالعنعنة. خامسها: ما يقع فيها من التصريح بالأسماء المبهمة والمهملة في الصحيح في الإسناد أو المتن. سادسها: ما يقع فيها من الفصل للكلام المدرج في الحديث مما ليس من الحديث ويكون في الصحيح غير مفصل. سابعها: ما يقع فيها من الأحاديث المصرح برفعها، وتكون في أصل الصحيح موقوفة أو كصورة الموقوفة. ثامنها: ما يقع فيها من حديث المختلطين عمن سمع منهم قبل الاختلاط وهو في الصحيح من حديث من اختلط ولم يبين هل سماع ذلك الحديث فيه في هذه الرواية قبل الاختلاط أو بعدها (انتهى). قال الدارقطني: لولا البخاري، ما راح مسلم ولا جاء. قال أبو بكر الخطيب: كان مسلم يناضل عن البخاري، حتى أوحش ما بينه وبين محمد بن يحيى بسببه. قلت: ثم إن مسلمًا لحدة في خلقه انحرف أيضًا عن البخاري ولم يذكر له حديثًا ولا سماه في صحيحه، بل افتتح الكتاب بالحط على من اشترط اللقي لمن روى عنه بصيغة "عن" وادعى الإجماع في أن المعاصرة كافية، ولا يتوقف

стр. 78

في ذلك على العلم بالتقائهما، ووبخ من اشترط ذلك، وإنما يقول ذلك أبو عبد الله البخاري، وشيخه علي بن المديني وهو الأصوب الأقوى، وليس هذا موضع بسط هذه المسألة. * * * قد يعثر الجواد أبو محمد، الحسن بن علي بن عفان العامري الكوفي، المحدث الثقة المسند (١٣/ ٢٤). قال الإمام الذهبي: أما قول الحافظ ابن عساكر في "شيوخ النبل" أن أبا داود روى عن هذا فوهم قديم، والذي في النسخ القديمة "بالسنن" أخبرنا الحسن بن علي، أخبرنا يزيد بن هارون، وأبو عاصم، عن أبي الأشهب، عن عبد الرحمن عن عرفجة، أنه أصيب أنفه يوم الكلاب. ورواه ابن داسة وحده فقال فيه: حدثنا الحسن بن علي بن عفان. ولا ريب أن الانفصال عن مثل هذا صعب لكن أجزم بأن قوله: ابن عفان زيادة من كيس ابن داسة، وقد خالفه جماعة وحذفوا ذلك ولا نعلم لأبي داود عن أبي عفان رواية ولا علمنا أن ابن عفان رَحل إلى يزيد، ولا إلى أبي عاصم وإنما هو الحسن بن علي الحلواني الحافظ الرحال. * * * رئيس أهل الظاهر داود بن علي بن خلف، الإمام، البحر، الحافظ، العلامة، عالم الوقت أبو سليمان البغدادي، المعروف بالأصبهاني، مولى أمير المؤمنين المهدي (١٣/ ٩٧). كان محمد بن جرير الطبري، يختلف إلى داود بن علي مُدة، ثم تخلف عنه، وعقد لنفسه مجلسًا، فأنشأ داود يتمثل:

стр. 79

فلو أني بُليْتُ بهاشمي ... خُؤُولته بنو عبد المدان صبرت على أذاه لي ولكن ... تعالي فانظري بمن ابتلاني قال أحمد بن كامل القاضي: أخبرني أبو عبد الله الوراق: أنه كان يورق على داود بن علي، وأنه سمعه يُسأل عن القرآن. فقال: أما الذي في اللوح المحفوظ فغير مخلوق، وأما الذي هو بين الناس فمخلوق. قلت: هذه التفرقة والتفصيل ما قالها أحد قبله، فيما علمت. * * * المنُتْظَر الشريف، أبو القاسم، محمد بن الحسن العسكري (١٣/ ١٩). خاتمة الاثنى عشر سيدًا الذين تدعي الإمامية عصمتهم ولا عصمة إلا لنبي ومحمد هذا هو الذي يزعمون أنه الخلف الحجة، وأنه صاحب الزمان، وأنه صاحب السرداب بسامراء، وأنه حي لا يموت، حتى يخرج فيملأ الأرض عدلا وقسطًا كما مُلئت ظلمًا وجورًا فوددنا ذلك والله وهم في انتظاره من أربعمائة وسبعين سنة، ومن أحالك إلى غائب لم يُنصفك فكيف بمن أحال على مستحيل؟ والإنصاف عزيز، فنعود بالله من الجهل والهوى. قلت: ويزعمون أن محمدًا دخل سردابًا في بيت أبيه، وأمه تنظر إليه فلم يخرج إلى الساعة منه، وكان ابن تسع سنين وقيل دون ذلك.

стр. 80

أبو داود صاحب السنن سليمان بن الأشعث بن شداد بن عمرو بن عامر، الإمام شيخ السُّنة، مقدم الحفاظ، الأزدي السجستاني محدث البصرة (١٣/ ٢٠٣). قال أبو بكر بن داسة: سمعتُ أبا داود يقول: كتبتُ عن رسول الله ﷺ خمس مائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب يعني كتاب السنن جمعتُ فيه أربعة آلاف حديث وثماني مائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث، أحدهما: قوله ﷺ : «الأعمال بالنيات» والثاني: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» والثالث قوله: «لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه» والرابع: «الحلال بَيِّنٌ». قال الإمام الذهبي: قوله: يكفي الإنسان لدينه، ممنوع بل يحتاج المسلم إلى عدد كثير من السنن الصحيحة مع القرآن. قال ابن داسة: سمعتُ أبا داود يقول: ذكرت في «السنن» الصحيح وما يقاربه، فإن كان فيه وهن شديد بينته قلت: فقد وفى ﵀ بذلك بحسب اجتهاده وبين ما ضعفه شديد ووهنه غير محتمل وكاسر عما ضعفه خفيف محتمل، فلا يلزم من سكوته والحالة هذه عن الحديث أن يكون حسنًا عنده، ولا سيما إذا حكمنا على حد الحسن باصطلاحنا المولد الحادث، الذي هو في عرف السلف يعود إلى قسم من أقسام الصحيح، الذي يجب العمل به عند جمهور العلماء، أو الذي يرغب عنه أبو عبد الله البخاري، ويمشيه مسلم وبالعكس فهو داخل في أداني مراتب الصحة فإنه لو انحط عن ذلك لخرج عن الاحتجاج ولبقي متجاذبًا بين الضعف والحسن، فكتابُ أبي داود على ما فيه من الثابت ما أخرجه الشيخان، وذلك

стр. 81

نحو من شطر الكتاب ثم يليه ما أخرجه أحد الشيخين، ورغب عنه الآخر، ثم يليه ما رغبا عنه وكان إسناده جيدًا، سالمًا من علة وشذوذ ثم يليه ما كان إسناده صالحًا وقبله العلماء لمجيئه من وجهين لينين فصاعدًا يعضد كل إسناد منهما الآخر، ثم يليه ما ضعف إسناده لنقص حفظ راويه، فمثل هذا يُمشيه أبو داود ويسكت عنه غالبًا ثم يليه ما كان بين الضعف من جهة راويه، فهذا لا يسكت عنه، بل يوهنه غالبًا، وقد يسكت عنه بحسب شهرته ونكارته، والله أعلم. قال أبو بكر بن أبي داود: سمعتُ أبي يقول: خير الكلام ما دَخل الأُذن بغير إذن. * * * وابنه أبو بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث، الإمام العلامة الحافظ شيخ بغداد أبو بكر السجستاني، صاحب التصانيف (١٣/ ٢٢١). عن أبي داود قال: ابني عبد الله كذاب. قال ابن صاعد: كفانا ما قال فيه أبوه. قلت: لعل قول أبيه في إن صح أراد الكذب في لهجته، لا في الحديث فإنه حجة فيما ينقله، أو كان يكذب ويوري في كلامه، ومن زعم أنه لا يكذب أبدًا، فهو أرعن، نسأل الله السلامة من عثرة الشباب ثم أنه شاخ وارعوى ولزم الصدق والتقى. علي بن عبد الله الداهري: سألت ابن أبي داود عن حديث الطير فقال: إن صح حديث الطير فنبوة النبي ﷺ باطلة لأنه حكى عن حاجب النبي ﷺ خيانة يعني أنسأ وحاجب النبي ﷺ لا يكون خائنًا. قلتُ: هذه عبارة رديئة وكلام نحس، بل نبوة محمد ﷺ حق قطعي إن

стр. 82

صح خبر الطير وإن لم يصح، وما وجه الارتباط؟ هذا أنس قد خدم النبي ﷺ قبل أن يحتلم، وقبل جريان القلم فيجوز أن تكون قصة الطائر في تلك المدة. فرضنا أنه كان محتلمًا، ما هو بمعصوم من الخيانة بل فعل هذه الجناية الخفيفة متأولًا ثم إنه حبس عليًا عن الدخول كما قيل فكان ماذا؟ والدعوة النبوية قد نفذت واستجيبت فلو حبسه أو رده مرات، ما بقي يتصور أن يدخل ويأكل مع المصطفى سواه إلا، اللهم إلا أن يكون النبي ﷺ قصد بقوله: «إيتيني بأحب خلقك إليك، يأكل معي» عددًا من الخيار، يصدق على مجموعهم أنهم أحب الناس إلى الله كما يصح قولنا: أحب الخلق إلى الله. الصالحون، فيقال: فمن أحبهم إلى الله؟ فنقول: الصديقون والأنبياء. فيقال: فمَن أحبُّ الأنبياء كلهم إلى الله؟ فنقول: محمد وإبراهيم وموسى، والخطب في ذلك يسير، وأبو لبابة، مع جلالته بدت منه خيانة، حيث أشار لبني قريظة إلى حلقة، وتاب الله عليه، وحاطب بدت منه خيانة فكاتب قريشًا بأمر تَخفى به نبي الله ﷺ من غزوهم وغفر الله لحاطب مع عظم فعله ﵁ وحديث الطير على ضعفه فله طرق جمة وقد أفردتها في جزء، ولم يثبت، ولا أنا بالمعتقد بطلانه وقد أخطأ ابن أبي داود في عبارته وقوله وله على خطئه أجر واحد، وليس من شرط الثقة أن لا يخطئ ولا يغلط ولا يسهو، والرجل فمن كبار علماء الإسلام ومن أوثق الحفاظ رحمه الله تعالى. أنشد أبو بكر بن أبي داود لنفسه:

стр. 83

تمسك بحبل الله واتبع الهدى ... ولاتك بدعيًا لعلك تُفلح ودن بكتاب الله والسنن التي ... أتت عن رسول الله تنجو وتربح وقل غير مخلوق كلام مليكنا ... بذلك دان الأتقياء وأفصحوا ولاتك في القرآن بالوقف قائلاً ... كما قال أتباع لجهم وأسجحوا ولا تقل القرآن خلق قرأته ... فإن كلام الله باللفظ يوضح وقل يتجلى الله للخلق جهرة ... كما البدر لا يخفى وربك أوضح وليس بمولود وليس بوالد ... وليس له شبه تعالى المسبح وقد ينكر الجهمي هذا وعندنا ... بمصداق ما قلنا حديث مُصرحُ رواه جرير، عن مقال محمد ... فقل مثل ما قد قال في ذاك تنجح وقد ينكر الجهمي أيضًا يمينه ... وكلتا يديه بالفواضل تنفح وقل: ينزل الجبار في كل ليلة ... بلا كيف، جل الواحد المتمدح إلى طبق الدنيا يمن بفضله ... فتفرج أبواب السماء وتفتح يقول: ألا مستغفر يلق غافرًا ... ومستمنح خيرًا ورزقًا فيمنح روى ذاك قوم لا يُرد حديثهم ... ألا خاب قوم كذبوهم وقُبحوا وقل: إن خير الناس بعد محمد ... وزيراه قدمًا ثم عثمان الأرجح ورابعهم خير البرية بعدهم ... علي حليف الخير بالخير منجح وإنهم للرهط لا ريب فيهم ... على نجب الفردوس بالنور تسرح تسرح سعيد وسعد وابن عوف وطلحة ... وعامر فهر والزبير الممدح

стр. 84

وقل خير قول في الصحابة كلهم ... ولاتك طعانًا تعيب وتجرح غقد نطق الوحي المبين بفضلهم ... وفي الفتح آيُّ للصحابة تمدح وبالقدر المقدور أيقن فإنه ... دعامة عقد الدين والدين أفيح ولا تنكرن جهلاً نكيرًا ومنكرًا ... ولا الحوض والميزان إنك تُنصح وقل يُخرج الله العظيم بفضله ... من النار أجسادًا من الفحم تُطرح على النهر في الفردوس تحيا بمائة ... كحب حميل السيل إذ جاء يطفح وإن رسول الله للخلق شافع ... وقل في عذاب القبر حق موضح ولا تُكفرن أهل الصلاة وإن عصوا ... فكلهم يعصي وذو العرش يصفح ولا تعتبد رأي الخوارج إنه ... مقال لمن يهواه يُردي ويفضح ولاتك مرجيًا لعوبًا بدينه ... ألا إنما المرجي بالدين يمزح وقل إنما الإيمان قول ونية ... وفعل على قول النبي مصرح وينقص طورًا بالمعاصي وتارة ... بطاعته ينمي وفي الوزن يرجح ودع عنك آراء الرجال وقولهم ... فقول رسول الله أولى وأشرح ولا تك من قوم تَلَهَّو بدينهم ... فتطعن في أهل الحديث وتقدح إذا ما اعتقدت الدهر يا صاح هذه ... فأنت على خير تبيتُ وتُصبحُ

стр. 85

أبو حاتم الرازي محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران، الإمام الحافظ الناقد شيخ المحدثين. كان من بحور العلم طوف البلاد وبرع في المتن والإسناد، وجمع وصنف، وجرح وعدل، وصحح وعلل (١٣/ ٢٤٧). قال الرقام: سألت عبد الرحمن عن اتفاق كثرة السماع له وسؤالاته لأبيه، فقال: رُبما كان يأكل وأقرأ عليه, ويمشي وأقرأ عليه، ويدخل الخلاء وأقرأ عليه, ويدخل البيت في طلب شيء وأقرأ عليه. ابن أبي حاتم: سمعت أبي, قال لي هشام بن عمار: أي شيء تحفظ من الأذواء؟ قلت: ذو الأصابع وذو الجوشن وذو الزوائد وذو اليدين وذو اللحية الكلابي وعددت له ستة. فضحك وقال: حفظنا نحن ثلاثة، وزدت أنت ثلاثة. قال ابن أبي حاتم في أول كتاب "الجرح والتعديل" له: سمعت أبي يقول: جاءني رجل من جلة أصحاب الرأي، من أهل الفهم منهم، ومعه دفتر، فعرضه علي، فقلتُ في بعضه: هذا حديث خطأ، قد دخل لصاحبه حديث في حديث، وهذا باطل وهذا منكر، وسائر ذلك صحاح. فقال: من أين علمت أن ذاك خطأ، وذاك باطل وذاك كذب؟ أأخبرك راوي هذا الكتاب بأني غلطت أو بأني كذبت في حديث كذا؟ قلت: لا، ما أدري هذا الجزء من راويه، غير أني أعلم أن هذا الحديث خطأ وأن هذا باطل. فقال: تدعي الغيب؟

стр. 86

قلت: ما هذا ادعاء غيب. قال: فما الدليل على ما قلت؟ قلت: سل عما قلت، من يحسن مثل ما أحسن، فإن اتفقنا علمت أنا لم نجازف ولم نقله إلا بفهم. قال: ويقول أبو زرعة كقولك؟ قلت: نعم. قال: هذا عجيب. قال: فكتب في كاغد ألفاظي في تلك الأحاديث، ثم رجع إلي وقد كتب ألفاظ ما تكلم به أبو زرعة في تلك الأحاديث. فقال: ما قلت إنه كذب. قال أبو زرعة: هو باطل. قلتُ: الكذب والباطل واحد. قال: وما قلت إنه منكر. قال: هو منكر، كما قلت وما قلت إنه صحيح. قال: هو صحيح، ثم قال: ما أعجب هذا تتفقان من غير مواطأة فيما بينكما. قلت: فعند ذلك علمت أنا لم نجازف، وأنا قلنا بعلم ومعرفة قد أوتيناهما والدليل على صحة ما نقوله أن دينارًا بهرجًا يُحمل إلى الناقد، فيقول: هذا بهرج، فإن قيل له: من أين قلت: إن هذا بهرج؟ هل كنت حاضرًا حين بُهرج هذا الدينار؟.

стр. 87

قال: لا. وإن قيل أخبرك الذي بهرجه؟ قال: لا. قيل: فمن أين قلت؟ قال: علمًا رزقته، وكذلك نحن رزقنا معرفة ذلك. وكذلك إذا حمل إلى جوهري فص ياقوت وفص زجاج يعرف ذا من ذا ويقول كذلك، وكذلك نحن زرقنا علمًا، لا يتهيأ له أن نخبرك كيف علمنا بأن هذا كذب أو هذا منكر، فنعلم صحة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلامًا يصلح أن يكون كلام النبوة، ونعرف سقمه وإنكاره بتفرد من لم تصح عدالته. قال الحافظ أبو القاسم اللالكائي: وجدتُ في كتاب أبي حاتم محمد بن إدريس الحنظلي، مما سمع منه، يقول: مذهبنا واختيارنا اتباع رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين، والتمسك بمذاهب أهل الأثر، مثل الشافعي، وأحمد، وإسحاق, وأبي عبيد ولزوم الكتاب والسنة، ونعتقد أن الله على عرشه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وأن الإيمان يزيد وينقص ونؤمن بعذاب القبر، وبالحوض والمسائلة في القبر وبالشفاعة ونترحم على جميع الصحابة .. وذكر أشياء. إذا وثق أبو حاتم رجلاً فتمسك بقوله، فإنه لا يوثق إلا رجلاً صحيح الحديث وإذا لين رجلاً أو قال فيه: لا يحتج به. فتوقف حتى ترى ما قال غيره فيه، فإن وثقه أحد، فلا تبنِ على تجريح أبي حاتم فإنه مُتَعَنت في الرجال، قد قال في طائفة من رجال «الصحاح» ليس بحجة ليس بقوي أو نحو ذلك.

стр. 88

وابنه عبد الرحمن ابن أبي حاتم، محمد بن إدريس الرازي العلامة الحافظ، يكنى أبا محمد (١٣/ ٢٦٣). قال أبو الحسن علي بن إبراهيم الرازي الخطيب في ترجمة عملها لابن أبي حاتم: كان ﵀ قد كساه الله نورًا وبهاء يُسر من نظر إليه. سمعته يقول: رحل بي أبي سنة خمس وخمسين ومائتين وما احتلمتُ بعدُ فلما بلغنا ذا الحليفة احتلمتُ فسر أبي حيث أدركت حجة الإسلام، فسمعت في هذه السنة من محمد ابن أبي عبد الرحمن المقرئ. عن ابن أبي حاتم قال: كنا بمصر سبعة أشهر، لم نأكل فيها مرقة كل نهارنا مقسم لمجالس الشيوخ، وبالليل النسخ والمقابلة. قال: فأتينا يومًا أنا ورفيق لي شيخًا. فقالوا: هو عليل، فرأينا في طريقنا سَمَكَة أعجبتنا فأشتريناه فلمَّا صرنا إلى البيت حضر وقت المجلس، فلم يمكنا إصلاحه ومضينا إلى المجلس فلما نزل حتى أتى عليه ثلاثة أيام، وكاد أن يتغير فأكلناه نيئًا لم يكن لنا فراغ أن نعطيه من يشويه، ثم قال: لا يستطاع العلم براحة الجسد. ومن كلامه قال: وجدت ألفاظ التعديل والجرح مراتب: فإذا قيل: ثقة أو متقن احُتج به، وإن قيل: صدوق أو محله الصدق أو لا بأس به، فهو ممن يكتب حديثه، وينظر فيه، وهي المنزلة الثانية، وإذا قيل: شيخ فيكتب حديثه وهو دون ما قبله، وإذا قيل: صالح الحديث فيكتب حديثه وهو دون ذلك يُكتب للاعتبار وإذا قيل لين فدون ذلك وإذا قالوا: ضعيف الحديث، فلا يطرح حديثه بل يعتبر به، فإذا قالوا: متروك الحديث، أو ذاهب الحديث أو: كذاب

стр. 89

فلا يكتب حديثه. عن يحيى بن معين قال: إنا لنطعن على أقوام لعلهم قد حطوا رحالهم في الجنة من أكثر من مائتين سنة. قلت: لعلها من مائة سنة، فإن ذلك لا يبلغ في أيام يحيى هذا القدر. قال ابن مهرويه: فدخلت على عبد الرحمن بن أبي حاتم وهو يقرأ على الناس كتاب: «الجرح والتعديل» فحدثته بهذا فبكى وارتعدت يداه، حتى سقط الكتاب وجعل يبكي ويستعيدني الحكاية. قلت: أصابه على طريق الوجل وخوف العاقبة، وإلا فكلام الناقد الورع في الضعفاء من النصح لدين الله والذب عن السنة. * * * الترمذي محمد بن عيسى بن سَورة، الحافظ، العَلَم، الإمام، البارع، مصنف الجامع، وكتاب العلل وغير ذلك، اختلف فيه فقيل ولد أعمى، والصحيح أنه أضر في كبره بعد رحلته وكتابته العلم (١٣/ ٢٧٠). قال أبو الفتح القشيري الحافظ: ترمذ، بالكسر، وهو المستفيض على الألسنة حتى يكون كالمتواتر (وقال غيره بضم التاء وبفتحها). قال أبو عيسى: صنفت هذا الكتاب، وعرضته على علماء الحجاز والعراق وخراسان فرضوا به، ومن كان هذا الكتاب، يعني الجامع في بيته فكأنما في بيته نبي يتكلم. قلت: في الجامع علم نافع، وفوائد غزيرة، ورؤوس المسائل، وهو أحد أصول الإسلام لولا ما كدره بأحاديث واهية، بعضها موضوع، وكثير منها في

стр. 90

الفضائل. قال أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق: "الجامع" على أربعة أقسام: قسم مقطوع بصحته، وقسم على شرط أبي داود والنسائي كما بينا وقسم أخرجه للضدية وأبان عن علته، وقسم رابع أبان عنه، فقال: ما أخرجت في كتابي هذا إلا حديثًا قد عمل به بعض الفقهاء، سوى حديث: «فإن شرب في الرابعة فاقتلوه» (١) وسوى حديث: «جَمَعَ بين الظهر والعصر بالمدينة، من غير خوف ولا سفر» (٢). قلت: «جامعة» قاض له بإمامته وحفظه وفقهه، ولكن يترخص في قبول الأحاديث ولا يشدد ونفسه في التضعيف رخوة (٣). ابنُ ماجة محمد بن يزيد، الحافظ، الكبير، الحجة، مصنف "السنن" و"التاريخ" و"التفسير" وحافظ قزوين في عصره (١٣/ ٢٧٧). عن ابن ماجة قال: عرضتُ هذه "السنن" على أبي زرعة الرازي فنظر فيه، وقال: أظن إن وقع هذا في أيدي الناس تعطلت هذه الجوامع، أو أكثرها، ثم قال: لعل لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثًا مما في إسناده ضعف، أو نحو هذا. قلت: قد كان ابن ماجة حافظًا ناقدًا صادقًا واسع العلم وإنما غض من رتبة "سننه" ما في الكتاب من المناكير، وقليل من الموضوعات، وقول أبي زرعة -إن صح- فإنما عني بثلاثين حديثًا، الأحاديث المطرحة الساقطة وأما الأحاديث التي لا تقوم بها حجة فكثيرة لعلها نحو الألف.

стр. 91

إن أكرمكم عند الله أتقاكم هلال بن العلاء بن هلال، الحافظ، الإمام الصدوق، عالم الرقة، أبو عُمَر الباهلي (١٣/ ٣٠٩). له شعر رائق، لائق بكل ذائق فمنه: سَبيلي لسان كان يعرب لفظه ... فياليته من وقفة العرض يسلمُ وما تنفع الآداب إن لم يكن تُقى ... وما ضر ذا تقوى لسان مُعجمُ وله مما رواه عنه خيثمة بن سليمان: اقبل معاذير من يأتيك معتذرًا ... إن بر عندك فيما قال أو فجرا فقد أطاعك من أرضاك ظاهره ... وقد أجلك من يعصيك مُستترا * * * الدارامي عثمان بن سعيد بن خالد بن سعيد، الإمام، العلامة، الحافظ، الناقد، أبو سعيد التميمي، الدارامي، السجستاني، صاحب "المسند، الكبير والتصانيف (١٣/ ٣١٩). قال عثمان بن سعيد: من لم يجمع حديث شعبة وسفيان ومالك وحماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، فهو مفلس في الحديث يريد أنه ما بلغ درجة الحفاظ. قال الإمام الذهبي: وبلا ريب أن من جمع علم هولاء الخمسة، وأحاط بسائر حديثهم، وكتبه عاليًا ونازلاً وفهم علله فقد أحاط بشرط السنة النبوية بل بأكثر من ذلك وقد عُدم في زماننا من ينهض بهذا وببعضه فنسأل الله المغفرة، وأيضًا فلو أراد أحد أن يتتبع حديث الثوري وحده ويكتبه بأسانيد نفسه على طولها، ويبين صحيحه من سقيمه لكان يجيء "مسنده" في عشرة مجلدات

стр. 92

وإنما شأن المحدث اليوم الاعتناء بالدواوين الستة ومسند أحمد بن حنبل، وسنن البيهقي وضبط متونها وأسانيدها، ثم لا ينتفع بذلك حتى يتقي ربه ويدين بالحديث، فعلى علم الحديث وعلمائه ليبك من كان باكيًا، فقد عاد الإسلام المحض غريبًا كما بدأ فليسع المرء في فكاك رقبته من النار فلا حول ولا قوة إلا بالله، ثم العلم ليس هو بكثرة الرواية، ولكنه نور يقذفه الله في القلب وشرطه الاتباع والفرار من الهوى والابتداع وفقنا الله وإياكم لطاعته. ومن كلام عثمان ﵀ في كتاب "النقض" له: اتفقت الكلمة من المسلمين أن الله تعالى فوق عرشه فوق سماواته. قلت: أوضح شيء في هذا الباب قوله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] فليمر كما جاء، كما هو معلوم من مذهب السلف، وينهى السلف وينهى الشخص عن المراقبة والجدال وتأويلات المعتزلة ﴿رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ٥٣]. * * * كلامُ سهلٌ من سهل سهل بن عبد الله بن يونس، شيخ العارفين، أبو محمد التستري، الصوفي الزاهد (١٣/ ٣٣٠). عن ابن دُرُستويه، صاحب سهل قال: قال سهل، ورأى أصحاب الحديث، فقال: اجتهدوا أن لا تلقوا الله إلا ومعكم المحابر. وروي في كتاب "ذم الكلام" سئل سهل: إلى متى يكتب الرجل الحديث؟ قال: حتى يموت، ويصب باقي حبره في قبره.

стр. 93

وعنه قال: من أراد الدنيا والآخرة فليكتب الحديث فإن فيه منفعة الدنيا والآخرة. ومن كلام سهل: لا مُعين إلا الله، ولا دليل إلا رسول الله، ولا زاد إلا التقوى ولا عمل إلا الصبر عليه. وعنه: الجاهل ميت، والناسي نائم، والعاصي سكران والمُصِرُّ هالك. * * * الخوف من الابتداع شيخ الإسلام، أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن بشير البغدادي الحربي الإمام، الحافظ العلامة، صاحب التصانيف (١٣/ ٣٥٦). عنه قال: لا أعلم عصابة خيرًا من أصحاب الحديث، إنما يغدو أحدهم ومعه محبرة، فيقول: كيف فعل النبي ﷺ وكيف صلى وإياكم أن تجلسوا إلى أهل البدع، فإن الرجل إذا أقبل ببدعة ليس يفلح. أبو الحسن بن قريش: حضرت إبراهيم الحربي وجاءه يوسف القاضي ومعه ابنه أبو عُمَر فقال له: يا أبا إسحاق: لو جئناك على مقدار واجب حقك، لكانت أوقاتنا كلها عندك، فقال: ليس كل غيبة جفوة ولا كل لقاء مودة وإنما هو تقارب القلوب. أبو طاهر المخلص: سمعت أبي: سمعت إبراهيم الحربي، وكان وعدنا أن يُمل علينا مسألة في الاسم والمسمى، وكان يجتمع في مجلسه ثلاثون ألف محبرة، وكان إبراهيم مقلاً وكانت له غرفة، يصعد فيشرف منها على الناس، فيها كوة إلى الشارع، فلما اجتمع الناس، أشرف عليها، فقال لهم: قد كنت وعدتكم أن أملي عليكم في الاسم والمسمى (١) ثم نظر فإذا لم

стр. 94

يتقدمني في الكلام فيها إمام يقتدي به، فرأيتُ الكلام فيها بدعة، فقام الناس وانصرفوا، فلما كان يوم الجمعة، أتاه رجل، وكان إبراهيم لا يقعد إلا وحده، فساءله عن هذه المسألة. فقال: ألم تحضر مجلسنا بالأمس؟ قال: بلى. فقال: أتعرف العلم كله؟ قال: لا. قال: فاجعل هذا مما لم تعرف. وروي عن إبراهيم الحربي قال: الناس على أربع طبقات: مليح يتملح، ومليح يتبغض وبغيض يتملح، وبغيض يتبغض فالأول: هو المنى، الثاني: يُحتمل وأما بغيض يتملح، فإني أرحمه، وأما البغيض الذي يتبغض فأفر منه. إبراهيم بن جابر قال: كنت أجلس في حلقة إبراهيم الحربي، وكان يجلس إلينا غلامان في نهاية الحسن والجمال من الصورة والبزة وكأنهما روح في جسد إن قاما قاما معًا، وإن حضرا فكذلك، فلما كان في بعض الجمع، حضر أحدهما وقد بان الاصفرار في وجهه والانكسار في عينيه، فلما كانت الجمعة الثانية، حضر الغائب ولم يحضر الذي جاء في الجمعة الأولى منهما وإذا الصفرة والانكسار بَيِّنان في لونه، وقلتُ: إن ذلك للفراق الواقع بينهما وذلك للألفة الجامعة لهما فلم يزالا يتسابقان في كل جمعة إلى الحلقة، فأيهما سبق صاحبه إلى الحلقة لم يجلس الآخر، فلما كان في بعض الجمع، حضر أحدهما فجلس إلينا، ثم جاء الآخر فأشرف على الحلقة، فوجد صاحبه قد سبق، وإذا المسبوق قد أخذته العبرة، فتبينت ذلك منه في دائرة عينيه، وإذا في يساره رقاع صغار

стр. 95

مكتوبة، فقبض بيمينه رقعة منها، وحدف بها في وسط الحلقة، وانساب بين الناس مستخفيًا وأنا أرمقه، وكان ثمَّ أبو عبيدة بن حربويه فنشر الرقعة وقرأها وفيها دعاء، أن يدعو لصاحبها مريضًا كان أو غير ذلك، ويؤمن على الدعاء من حضر؛ فقال الشيخ: اللهم اجمع بينهما وألف قلوبهما، واجعل ذلك فيما يقرب منك، ويزلف لديك، وأمنوا على دعائه ثم طوى الرقعة وحذفني بها، فتأملت ما فيها فإذا فيها مكتوب. عفا الله عن عبد أعان بدعوة ... لخلين كانا دائمين على الود إلى أن وشى واشي الهوى بنميمة ... إلى ذاك من هذا فحالاً عن العهد فلما كان في الجمعة الثانية حضرا جميعًا وإذا الاصفرار والانكسار قد زال. فقلت لابن حربويه: إني أرى الدعوة قد أجيبت وأن دعاء الشيخ كان على التمام فلما كان في تلك السنة كنت فيمن حج، فكأني أنظر إلى الغلامين محرمين بين منى وعرفة، فلم أزل أراهما متآلفين إلى أن تكهلا. ومن كلام إبراهيم الحربي ﵀: أجمع عقلاء كل ملة أنه من لم يجر مع القدر لم يتهنأ بعيشه. فرد عقبي صحيح والآخر مقطوع، ولا أحدث نفسي أني أصلحهما ولا شكوت إلى أهلي وأقاربي حمى أحدها لا يغم الرجل نفسه وعياله ولي عشر سنين أبصر بفرد عين، ما أخبرت به أحدًا.

стр. 96

إلى كل مُحدَّث شيخ الإسلام، أبو عمرو، عثمان بن عبد الله بن محمد بن خُرَّزاذ الطبري ثم البصري نزيل أنطاكية، وعالمها (١٣/ ٣٧٨). عنه قال: يحتاج صاحب الحديث إلى خمس، فإن عدمت واحدة فهي نقص، يحتاج إلى عقل جيد، ودين, وضبط, وحذاقة بالصناعة, مع أمانة تُعرف منه. قلت: الأمانة جزء من الدين، والضبط داخل في الحذق، فالذي يحتاج إليه الحافظ أن يكون تقيًا ذكيًا نحويًا لغويًا زكيًا حييًا سلفيًا يكفيه أن يكتب بيده مائتي مجلد، ويحصل من الدواوين المعتبرة خمسمائة مجلد وأن لا يفتر من طلب العلم إلى الممات بنية خالصة وتواضع وإلا فلا يَتَعَنَّ. * * * صلاح الكهل في المسجد أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسن بن بشر، الحكيم الترمذي، الإمام الحافظ العارف الزاهد (١٣/ ٤٣٩). ومن كلامه: ليس في الدنيا حمل أثقل من البر، فمن برك فقد أوثقك, ومن جفاك فقد أطلقك. وقال: كفى بالمرء عيبًا أن يَسُرَّه ما يَضُره. وقال: صلاح خمسة في خمسة: صلاح الصبي في المكتب وصلاح الفتى في العلم، وصلاح الكهل في المسجد، وصلاح المرأة في البيت، وصلاح المؤذي في السجن. وقال السلمي: هُجر لتصنيفه كتاب "ختم الولاية" و"علل الشريعة"

стр. 97

وليس فيه ما يوجب ذلك، ولكن لبعد فهمهم عنه. قلت: كذا تُكلَّم في السُّلمي من أجل تأليفه كتاب: «حقائق التفسير» فياليته لم يؤلفه، فنعوذ بالله من الإشارات الحلاجية والشطحات البسطامية، وتصوف الاتحادية، فواحزناه على غربة الإسلام والسنة قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣. * * * المعتضد بالله الخليفة أبو العباس، أحمد بن الموفق بالله (١٣/ ٤٦٣). كان ملكًا مهيبًا، شجاعًا، جبارًا شديد الوطأة من رجال العلم يُقدم على الأسد وحده. عن إسماعيل القاضي، قال: دخلت مرة فدفع إليَّ كتابًا فنظرت فيه، فإذا قد جُمع له فيه الرُّخص من زلل العلماء. فقلت: مصنف هذا زنديق. فقال: ألم تصح هذه الأحاديث. قلت: بلى، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء، وما من عالم إلا وله زلة، ومن أخذ بكل زلل العلماء ذهب دينه فأمر بالكتاب فأُحرق. قيل: كان لتاجر على أمير مال، فمطله ثم جحده، فقال له صاحب له: قم معي، فأتى بي خياطًا في مسجد، فقام معنا إلى الأمير فلما رآه هابه ووفاني المال، فقلتُ للخياط: خذ مني ما تريد, فغضب. فقلتُ له: فحدثني عن سبب خوفه منك.

стр. 98

قال: خرجت ليلة فإذا بتركي قد صاد امرأة مليحة، وهي تتمنع منه وتستغيث فأنكرت عليه فضربني، فلما صلي العشاء جمعتُ أصحابي، وجئت بابه فخرج في غلمانه وعرفني، فضربني وشجني، وحُمِلت إلى بيتي فلما تنصف الليل قمت فأذنت في المنارة لكي يظن أن الفجر طلع فيخلي المرأة، لأنها قالت: زوجي حالف علي بالطلاق أنني لا أبيت عن بيتي فما نزلتُ حتى أحاط بي بدر وأعوانه فأُدخلت على المعتضد فقال: ما هذا الأذان؟ فحدثته بالقصة فطلب التركي، وجهز المرأة إلى بيتها، وضرب التركي في جوالق حتى مات. ثم قال لي: أنكر المنكر، وما جرى عليك فأذن كما أذنت، فدعوت له، وشاع الخبر، فما خاطبت أحدًا في خصمه إلا أطاعني وخاف. وعن وصيف الخادم قال: سمعت المعتضد يقول عند موته: تمتع من الدنيا فإنك لا تبقى ... وخذ صفوها إن صفت وَدَع الرنقا ولا تأمن الدهر إني أمنته ... فلم يُبق لي حالا ولم يرع لي حقًا قتلت صناديد الرجال فلم أدع ... عدوًا ولم أمُهل على ظنه خلقًا وأخليت دور الملك من كل بازل ... وشتتهم غرباً ومزقتهم شرقًا فلما بلغتُ النجم عزًا ورفعة ... وجانت رقاب الخلق أجمع لي رقا رماني الردى سهمًا فأخمد جمرتي ... فها أنا ذا في حفرتي عاجلاً مُلقى فافسدت دنياي وديني سفاهة ... فمن ذا الذي مني بمصرعه أشقى فيا ليت شعري بعد موتي ما أرى ... إلى رحمة لله أم ناره ألقى؟

стр. 99

ابن الرومي شاعر زمانه مع البحتري، أبو الحسن، علي بن العباس بن جريج له النظم العجيب، والتوليد الغريب وكان رأسًا في الهجاء وفي المديح (١٣/ ٤٩٥). وهو القائل: آراوكم، ووجوهكم، وسيوفكم ... في الحادثات إذا دجون نجوم منها معالم للهدى ومصابح ... تجلو الدجى والأخريات رُجوم قيل: إن القاسم بن عبيد الله الوزير كان يخاف من هجاء ابن الرومي فدس عليه من أطعمه خشكناكة مسمومة، فأحس بالسم، فوثب فقال الوزير: إلى أين؟ قال: إلى موضع بعثتني إليه، قال: سلام على أبي، قال: ما طريق على النار فبقي أيامًا ومات. * * * طهارة شعر رسول الله ﷺ - أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر الترمذي، الشافعي، الزاهد، الإمام العلامة شيخ الشافعية بالعراق في وقته (١٣/ ٥٤٥). نقل الشيخ محيي الدين النووي: أن أبا جعفر جزم بطهارة شعر رسول الله ﷺ وقد خالف في هذه المسألة جمهور الأصحاب. قلت: يتعين على كل مسلم القطع بطهارة ذلك، وقد ثبت أنه ﷺ لما حلق رأسه، فرق شعره المطهر على أصحابه، إكرامًا لهم بذلك فوالهفي على تقبيل شعرة منها. قال والد أبي حفص بن شاهين: حضرتُ أبا جعفر فسئل عن حديث

стр. 100

النزول، فقال: النزول معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. * * * النبي ﷺ هل قرأ وكتب ؟ عون بن عبد الله بن عتبة، عن أبيه قال: «ما مات النبي ﷺ حتى قرأ وكتب» (١) (١٤/ ١٩٠). قلت: لم يرد أنه كتب شيئًا، إلا ما في "صحيح البخاري" من أنه يوم صلح الحديبية كتب اسمه "محمد بن عبد الله" واحتج بذلك القاضي أبو الوليد الباجي، وقام عليه طائفة من فقهاء الأندلس بالإنكار، وبدعوه حتى كفره بعضهم. والخطب يسير فما خرج عن كونه أميًا بكتابة اسمه الكريم فجماعة من الملوك ما علموا من الكتابة سوى مجرد العلامة، وما عدهم الناس بذلك كاتبين بل هم أميون فلا عبرة بالنادر، وإنما الحكم للغالب، والله تعالى فمن حكمته لم يلهم نبيه تعلم الكتاب ولا قراءة الكتب حسمًا لمادة المبطلين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] ومع هذا فقد افتروا وقالوا: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ [الفرقان: ٥] فانظر إلى قحة المعاند، فمن الذي كان بمكة وقت المبعث يدري أخبار الرسل والأمم الخالية؟ ما كان بمكة أحدُ بهذه الصفة أصلاً ثم ما المانع من تعلم النبي ﷺ كتابة اسمه واسم أبيه مع فرط ذكائه وقوة فهمه، ودوام مجالسه لمن يكتب بين يديه الوحي والكتب إلى ملوك

стр. 101

الطوائف، ثم هذا خاتمة في يده ونقشه محمد رسول الله فلا يظن عاقل أنه ﵇ ما تعقل ذلك، فهذا كله يقتضي أنه عرف كتابة اسمه واسم أبيه، وقد أخبر الله بأنه صلوات الله عليه ما كان يدري ما الكتاب؟ ثم علمه الله تعالى ما لم يكن يعلم، ثم الكتابة صفة مدح قال تعالى: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٤، ٥] فلما بلغ الرسالة ودخل الناس في دين الله أفواجًا شاء الله لنبيه أن يتعلم الكتابة النادرة التي لا يخرج بمثلها عن أن يكون أميًا ثم هو القائل «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب (١) فصدق أخباره بذلك، إذا الحكم للغالب، فنفي عنه وعن أمته الكتاب والحساب لندور ذلك فيهم وقلته، وإلا فقد كان فيهم كتاب الوحي وغير ذلك، وكان فيهم من يحسب وقال تعالى: ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [الإسراء: ١٢]. ومن علمهم الفرائض وهي تحتاج إلى حساب وعول، وهو ﵇ فنفى عن الأمة الحساب، فعلمنا أن المنفي كمال علم ذلك ودقائقه التي يقوم بها القبط والأوائل فإن ذلك ما لم يحتج إليه دين الإسلام ولله الحمد، فإن القبط عمقوا في الحساب والجبر، وأشياء تُضيع الزمان، وأرباب الهيئة تكلموا في سير النجوم والشمس والقمر، والكسوف والقران بأمور طويلة لم يأت الشرع بها، فلما ذكر ﷺ الشهور ومعرفتها بين أن معرفتها ليست بالطرق التي يفعلها المنجم وأصحاب التقويم وأن ذلك لا نعبأ به في ديننا، ولا نحسب الشهر بذلك أبدًا ثم بين أن الشهر بالرؤية فقط، فيكون تسعًا وعشرين، أو بتكملة ثلاثين فلا تحتاج مع الثلاثين إلى تكلف رؤية، وأما الشعر، فنزهه الله تعالى عن الشعر، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩].

стр. 102

فما قال الشعر مع كثرته وجودته في قريش، وجريان قرائحهم به، وقد يقع شيء نادر في كلامه ﵇ موزونًا فما صار بذلك شاعرًا قط كقوله: أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب وقوله: هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت ومثل هذا قد يقع في كتب الفقه والطب وغير ذلك مما يقع اتفاقًا ولا يقصده المؤلف ولا يشعر به، أفيقول مسلم قط: إن قوله تعالى: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣] هو بيت؟! معاذ الله! وإنما صادف وزنًا في الجملة والله أعلم (١٤/ ١٩٠). * * * ابن الحداد الإمام، شيخ المالكية، أبو عثمان، سعيد بن محمد صبيح بن الحداد المغربي، أحد المجتهدين، وكان بحرًا في الفروع ورأسًا في لسان العرب، بصيرًا بالسنن (١٤/ ٢٠٥). قال ابن الحداد، دخلتُ يومًا على أبي العباس، فأجلسني معه في مكانه، وهو يقول لرجل: أليس المتعلم محتاجًا إلى المعلم أبدًا؟ فعرفت أنه يريد الطعن على الصديق في سؤاله عن فرض الجدة. فبدرت وقلت: المتعلم قد يكون أعلم من المعلم وأفقه وأفضل لقوله ﵇: «رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» (١) ثم معلم الصغار القرآن يكبر أحدهم ثم يصير أعلم من المعلم.

стр. 103

قال: فاذكر من عام القرآن وخاصه شيئًا؟ قلت: قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١]. فاحتمل المراد بها العام فقال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] فعلمنا أن مراده بالآية الأولى خاص، أراد: ولا تنكحوا المشركات غير الكتابيات من قبلكم حتى يؤمن. قال: ومن المحصنات؟ قلت: العفائف. قال: بل المتزوجات. قلت: الإحصان في اللغة: الإحراز، فمن أحرز شيئًا فقد أحصنه، والعتق يحصن المملوك لأنه يحرزه عن أن يجري عليه ما على المماليك، والتزويج يحصن الفرج لأنه أحرزه عن أن يكون مباحًا والعفاف إحصان للفرج. قال: ما عندي الإحصان إلا التزويج. قلت له: منزل القرآن يأبى ذلك .. قال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ [التحريم: ١٢] أي أعفته، وقال تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ [النساء: ٢٥] عفائف. قال: فقد قال في الإماء ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] وهن عندك قد يكن عفائف. قلت: سماهن بمتقدم إحصانهن قبل زناهن قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] وقد انقطعت العصمة بالموت يريد اللاتي كن أزواجكم. قال: يا شيخ: أنت تلوذ.

стр. 104

قلتُ: لست ألوذ أنا المجيب لك، وأنت الذي تلوذ بمسألة أخرى، وصحتُ: ألا أحد يكتب ما أقول وتقول. قال: فوقى الله شره، وقال: كأنك تقول: أنا أعلم الناس. قلتُ: أما بديني فنعم. قال: فما تحتاج إلى زيادة فيه؟ قلت: لا. قال: فأنت إذا أعلم من موسى إذ يقول: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ [الكهف: ٦٦. قال: هذا طعن على نبوة موسى، موسى ما كان محتاجًا إليه في دينه، كلا، إنما كان العلم الذي كان عند الخضر دُنياويًا: سفينة خرقها، وغلامًا قتله, وجدارًا أقامه، وذلك كله لا يزيد في دين موسى. قال: فأنا أسألك. قلت: أورد وعلي الإصدار بالحق بلا مثنويه. قال: ما تفسير الله؟ قلتُ: ذو الإلهية. قال: وما هي؟ قلت: الربوبية. قال: وما الربوبية؟ قلت: المالك للأشياء كلها. قال: فقريش في جاهليتها كانت تعرف الله؟ قلتُ: لا.

стр. 105

قال: فقد أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣. قلت: لما أشركوا معه غيره قالوا. وإنما يعرف الله من قال: إنه لا شريك له وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ١، ٢] فلو كانوا يعبدونه ما قال: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ إلى أن قال: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾. فقلت: المشركون عبدة الأصنام الذي بعث النبي ﷺ إليهم عليًا ليقرأ عليهم سورة براءة. قال: وما الأصناف؟. قلت: الحجارة. قال: والحجارة أتعبد؟ قلت: نعم، والعزى كانت تعبد وهي شجرة، والشعرى كانت تعبد وهي نجم. قال: فالله يقول: ﴿أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ [يونس: ٣٥] فكيف نقول: إنها الحجارة؟ والحجارة لا تهتدي إذا هديت، لأنها ليست من ذوات العقول. قلت: أخبرنا الله أن الجلود تنطق وليست بذوات عقول. قال: نسب إليها النطق مجازًا. قلتُ: منزل القرآن يأبى ذلك. فقال: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾ [ص: ٦٥] إلى أن

стр. 106

قال: ﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١]. وما الفرق بين جسمنا والحجارة؟ ولو لم يعقلنا لم نعقل، وكذا الحجارة إذا شاء أن تعقل عقلت. * * * ابنُ الجلَّاء القدرة، العارف، شيخ الإسلام، أبو عبد الله ابن الجلَّاء، أحمد بن يحيى وقيل: محمد بن يحيى (١٤، ٢٥١). قال الدقي: ما رأيت شيخًا أهيب من ابن الجلاء، مع أني لقيت ثلاثمائة شيخ، فسمعته يقول: ما جلا أبي شيئًا قط ولكنه كان يعظ، فيقع كلامه في القلوب، فسمي جلاء القلوب. قال أبو عمر الدمشقي: سمعت ابن الجلاء يقول: قلتُ لأبويَّ: أُحب أن تهبني لله. قالا: قد فعلنا. فغبتُ عنهم مدة، ثم جئتُ فدققت الباب. فقال أبي: من ذا؟ قلت: ولدك. قال: قد كان لي ولد وهبناه لله وما فتح لي. أبو جعفر الطبري محمد بن جرير بن يزيد بن كثير، الإمام العلم المجتهد، عالم العصر، صاحب التصانيف البديعة، كان من أفراد الدهر علمًا، وذكاءً قل أن ترى العيون مثله (١٤/ ٢٦٧). قال أبو جعفر: استخرت الله وسألته العون على ما نويته من تصنيف التفسير

стр. 107

قبل أن أعمله ثلاث سنين فأعانني. أبو القاسم بن عقيل الوراق: إن أبا جعفر الطبري قال لأصحابه: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحو ثلاثين ألف ورقة. فقالوا: هذا مما تفني الأعمار قبل تمامه! فقال: إنا لله, ماتت الهمم. فاختصر ذلك في نحو ثلاثة الآف ورقة، ولما أن أراد أن يملي التفسير قال لهم نحوًا من ذلك ثم أملاه على نحو من قدر التاريخ. قال مخلد الباقرحي: أنشدنا محمد بن جرير لنفسه: إذا أعسرتُ لم يعلم رفيقي ... واستغني فيستغني صديقي حيائي حافظ لي ماء وجهي ... ورفقي في مطالبتي رفيقي ولو أني سمحت بماء وجهي ... لكنتُ إلى العُلى سهل الطريق وله: خُلقان لا أرض فعالهما ... بطرُ الغنى ومَذَلة الفقر فإذا غنيت فلا تكن بطرًا ... وإذا افتقرت فته على الدهر * * * الحَلاّج الحسين بن منصور بن محمي، أبو عبد الله، ويقال: أبو مُغيث، الفارسي البيضاوي، الصوفي (١٤/ ٣١٣).

стр. 108

قال الإمام الذهبي: تبرأ منه سائر الصوفية والمشايخ والعلماء لما سترى من سوء سيرته ومروقه، ومنهم من نسبه إلى الحلول، ومنهم من نسبه إلى الزندقة، وإلى الشعبذة والزوكرة، وقد تستر به طائفة من ذوي الضلال والانحلال، وانتحلوه وروجوا به على الجهال، نسأل الله العصمة في الدين. قال السلمي: وحُكي عنه أنه رؤي واقفًا في الموقف، والناس في الدعاء وهو يقول: أنزهك عما قَرَفك به عبادُك وأبرأ إليك مما وحدك به الموحدون. قلت: هذا عين الزندقة، فإنه تبرأ مما وحد الله به الموحدون الذين هم الصحابة والتابعون وسائر الأمة، فهل وحدوه تعالى إلا بكلمة الإخلاص التي قال رسول الله ﷺ : «من قالها من قلبه، فقد حَرم ماله ودمه» (١) وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. فإذا برئ الصوفي منها، فهو ملعون زنديق، وهو صوفي الزي، والظاهر متستر بالنسب إلى العارفين وفي الباطن فهو من صوفية الفلاسفة أعداء الرسل، كما كان جماعة في أيام النبي ﷺ منتسبون إلى صحبته وإلى ملته، وهم في الباطن من مردة المنافقين، قد لا يعرفهم نبي الله ﷺ ولا يعلم بهم، قال الله تعالى ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٠١] فإذا جاز على سيد البشر أن لا يعلم ببعض المنافقين وهم معه في المدينة سنوات فبالأولى أن يخفى حال جماعة من المنافقين الفارغين عن دين الإسلام بعده ﵇ على العلماء من أمته، فما ينبغي لك يا فقيه أن تبادر إلى تكفير المسلم إلا ببرهان قطعي، كما لا يسوغ لك أن تعتقد العرفان والولاية فيمن قد تبرهن زغله وانهتك باطنه وزندقته، فلا هذا ولا هذا، بل العدلُ أن من رآه المسلمون صالحًا محسنًا فهو كذلك لأنهم شهداء الله في أرضه، إذ الأمة لا تجتمع على ضلالة

стр. 109

وأنَّ من رآه المسلمون فاجرًا أو منافقًا أو مبطلاً فهو كذلك، وأن من كان طائفة من الأمة تضلله، وطائفة من الأمة تثني عليه وتبجله، وطائفة ثالثة تقف فيه وتتورع من الحطَّ عليه، فهو ينبغي أن يُعرض عنه، وإن يفوض أمره إلى الله وأن يُستغفر له في الجملة، لأن إسلامه أصلي بيقين، وضلاله مشكوك فيه، فبهذا تستريح ويصفو قلبك من الغل للمؤمنين. ثم اعلم أن أهل القبلة كلهم، مؤمنهم، وفاسقهم، وسنيهم ومبتدعهم سوى الصحابة لم يجمعوا على مسلم بأنه سعيد ناج، ولم يجمعوا على مسلم بأنه شقي هالك، فهذا الصديق فرد الأمة، قد علمت تفرقهم فيه، كذلك عمر، وكذلك عثمان، وكذلك علي، وكذلك ابن الزبير، وكذلك الحجاج، وكذلك المأمون وكذلك بشر المريسي، وكذلك أحمد بن حنبل، والشافعي والبخاري، والنسائي وهلمَّ جرا من الأعيان في الخير والشر إلى يومك هذا، فما من إمام كامل في الخير إلا وثمَّ أناس من جهلة المسلمين ومبتدعيهم يذمونه ويحطون عليه، وما من رأس في البدعة والتجهم والرفض إلا وله أناس ينتصرون له، ويذبون عنه، ويدينون بقوله بهوى وجهل، وإنما العبرة بقول جمهور الأمة الخالين من الهوى والجهل، المتصفين بالورع والعلم، فتدبر يا عبد الله نحلة الحلاج الذي هو من رؤوس القرامطة، ودعاة الزندقة وأنصف وتورع واتق ذلك وحاسب نفسك فإن تبرهن لك أن شمائل هذا المرء شمائل عدو للإسلام، محب للرئاسة، حريص على الظهور بباطل وبحق، فتبرأ من نحلته، وإن تبرهن لك والعياذ بالله أنه كان والحالة هذه محقًا هاديًا مهديًا فجدد إسلامك، واستغث بربك أن يوفقك للحق وأن يثبت قلبك على دينه، فإنما الهدى نور يقذفه الله في قلب عبده المسلم، ولا قوة إلا بالله، وإن شككت ولم تعرف حقيقته، وتبرأت مما رُمي به، أرحت نفسك ولم يسألك الله عنه أصلاً.

стр. 110

السرَّاج محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران، الإمام الحافظ الثقة، شيخ الإسلام محدث خراسان، أبو العباس الثقفي صاحب المسند الكبير على الأبواب والتاريخ وغير ذلك (١٤/ ٣٨٨). عن الشعبي قال: سألت علقمة: هل كان عبد الله بن مسعود شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن. فقال: لا وكنا معه ليلة ففقدناه، فبتنا بشر ليلة، فلما أصبحنا إذا هو جاء من حراء فقال: «إنه أتاني داعي الجن، فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن» فانطلق بنا حتى أرانا آثارهم ونيرانهم فسألوه عن الزاد. فقال: «لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه، يقع في يد أحدكم أوفر ما يكون لحمًا وكل بعرة علف لدوابكم» فقال رسول الله ﷺ : «لا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم من الجن» هذا حديث صحيح. دخل أبو العباس السراج على أبي عمرو الخفاف فقال له: يا أبا العباس! من أين جمعت هذا المال؟ قال: بغيبة دهر أنا وأخواي إبراهيم وإسماعيل، غاب أخي إبراهيم أربعين سنة، وغاب أخي إسماعيل أربعين سنة، وغبتُ أنا مقيمًا ببغداد أربعين سنة، أكلنا الجشب، ولبسنا الخشن، فاجتمع هذا المال، لكن أنت يا أبا عمرو! من أين جمعت هذا المال؟ وكان لأبي عمرو مال عظيم ثم قال متمثلاً: أتذكر إذ لحافك جلد شاة ... وإذ نعلاك من جلد البعير فسبحان الذي أعطاك ملكًا ... وعلمك الجلوس على السرير قال محمد بن أحمد الدقاق: رأيتُ السراج يُضحي كل أسبوع أو أسبوعين
следующие страницы →