رِحْلَةُ الصِّدِّيْقِ إِلى البَلَدِ العَتِيقِ
تَأليف
السَيّد العَلّامة
محّمد صدّيق حسن خَان القنّوجي البخاريّ
الْمَوْلُود سَنة ١٢٤٨ هـ والمتوفى سَنَة ١٣٠٨ هـ - رَحمَه الله تَعَالَى -
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
رِحْلَةُ الصِّدِّيْقِ إِلى البَلَدِ العَتِيقِ
стр. 4
حُقُوق الطَّبْع مَحفُوظَة
لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
إدارة الشؤون الإسلامية
دولة قطر
الطَبعَة الأولى ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة إدارة الشؤون الإسلامية
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
عودًا على بدء
نواصلُ المسيرةَ في ظل قيادة حكيمة، ترى تراث الأمة أمانة، وجديرة بالعناية والرعاية، كانت هذه المجموعة من
مطبوعات الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني ﵀
حيث طبعت متلاحقة على نفقته الخاصة، كسائر مطبوعاته التي أتحف بها العالم الإسلامي كله، وها نحن نقدمها متوافقة، تجديداً للصلة، في مساراتها الأربعة:
الأول: "الدين الخالص".
معالم التوحيد، مؤسسةٌ على النصوص الخالدة من الكتاب والسنة، إنه الدين في صورته الحقيقية.
الثاني: "التاج المكلل من مآثر الطراز الآخر والأول".
تراجم جملة من علماء الإسلام الأعلام الهداة الأئمة، مآثر واضحة، فضائل لائحة، مناقب سائرة.
الثالث: "الموعظة الحسنة بما يُخطب في شهور السنة".
نماذج فاعلة بكلماتها الجميلة للخُطب كافة، بدايةً من خُطبة الجمعة،
стр. 6
والعيدين، والاستسقاء، والكسوف والخسوف، حيث المناسبة، مع ذكر الأحكام الشرعية المتعلقة، فجاء الكتاب حافلاً مهماً في بابه.
الرابع: "رحلة الصديق إلى البلد العتيق".
صورة شائقة لهذه الرحلة المباركة، من الهند على ظهر سفينة، وصولاً إلى جدة، ومن ثم إلى مكة المكرمة، مع ذكر الأحكام الخاصة بالحج والعمرة والزيارة، وأحكام وفضائل مكة والمدينة، جامعة بين المتعة بذكر جملة مما وقع له من حوادث أثناء الرحلة، وتلك الروح العلمية. لهذا كله وقع الاختيار عليها بعد نصف قرنٍ من نشرتها الأولى.
حيثُ عهدت إدارة الشؤون الإسلامية إلى دار النوادر لصاحبها نور الدين طالب للعمل عليها لإخراجها في حلتها الجديدة، وفق خطة علمية، تلخصت في الآتي:
١ - إعادةُ تنضيد الكتب على أفضل وأرقى البرامج الطباعة الحالية.
٢ - تصحيح الكتب بما ورد فيها من أخطاء مطبعية سابقة، وقد بلغت مئات الأخطاء.
٣ - كتابةُ الآيات القرآنية بالرسم العثماني، منقولة من المصحف الشريف، إضافة إلى عزوها عقب الآية بين معكوفتين.
٤ - ضبطُ النصوص المهمة والمشكلة بالشكل الضروري، كالأحاديث النبوية الشريفة، وأبيات الشعر، وغريب اللغة.
٥ - إعادةُ تقسيم الكتاب، وتفصيل فقراته، بما يتناسب مع سهولة تناوله وقراءته.
٦ - وضعُ علامات الترقيم المناسبة للنص، حتى يخرج نصاً صحيحاً من حيث اللغة والإعراب.
وإنا لنرجو الله تعالى أن يكون في عملنا هذا الإفادةَ لطلبة العلم وأهله.
وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
إدارة الشؤون الإسلامية
стр. 7
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي وفق من شاء متى شاء من عباده المخلصين، للرحلة إلى بيته العتيق، الذي جعلَه مثابةً للناس وأمناً، تهوي إليه أفئدةٌ من الناس، فيأتونه رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، شهادةً تنجينا من كل خطب وضيق، في الحياة الدنيا وفي الآخرة بصدق الإخلاص وحسن التصديق، وصلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه المقتفين آثاره في كل جليل ودقيق.
وبعد:
فقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقال رسول الله ﷺ : "يا أيها الناس! قد فُرض عليكم الحجُّ فحُجُّوا" أخرجه مسلم، والنسائي.
وقال أهل العلم: الحر المكلَّف القادر، إذا وجد الزاد والراحلة وأمنَ الطريق، يلزمه الحجُّ، وعليه إجماع الأمة، ورأيت البحر المحيط، ومكة المكرمة، والمدينة المنورة -زادهما الله تشريفاً وتعظيماً- مراراً في النوم، فرأيت ليلة كأني ركبت البحر، وقطعت المسافة، وبلغت مكة، ورأيتني كأني في مكان خالٍ له أساطين فخامٌ وأعمدة عظام وأنا جالس فيه، والمسجد الحرام كذلك، ورأيت مرة أخرى أني أدور وأتفرج في أسواق مكة وربوعها، وأمشي وأختلف في سِكَكها، وهي طيبة البناء، عامرة الخانات كالبلاد المأهولة، ومكة المشرفة كذلك، ورأيت المدينة المنورة كأنها بلدة قديمة، ورأيت جدرانها باليةَ البناء،
стр. 8
وربوعَها معمولة من الطين والماء، وسككَها ضيقةً خالية عن الناس، وقد وجدتهما على هذه الصفة حين سعدت بالحضور في سوحهما في سنة ١٢٨٥ خمس وثمانين ومئتين وألف من الهجرة النبوية -على صاحبها أفضل الصلاة والتحية-.
فحملني هذا على الرحلة إلى بلد الله الأمين، وشَدِّ المَطِيِّ إلى مسجد سيدنا محمد سيد المرسلين ﷺ في تلك السنة، ودعاني ذلك إلى جمع مناسك الحج والعمرة حسب ما تبين لي من الكتاب والسنة، فجمعتها على سبيل الاختصار؛ تبصرةً لنفسي، وتذكرة لمن أخلصه الله بخالصةِ ذكرى الدار، كيف والابتداع قد دخلِ العبادات من جميع الأنواع، وعارض عن الهَدْي النبوي كلُّ مُفرِط، ومُفرِّط، وخالط الحقَّ بالباطل كلُّ مخالِط ومخبط، فهذا منسك قد ربطت مسائله بالأدلة ودلائله بمذاهب الأجلة، ضمنته خمسة أبواب وخاتمة، أعاذنا الله عن النار الحاطمة، وسميته:
رحلة الصِّدِّيق إلى البيت العتيق
والله أسأل أن يُخلص نيتي، ويحسن طويتي، ويتقبل عملي، وينجح أملي، فقد قال في كتابه العزيز: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥].
وقال رسول الله ﷺ : إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امْرِىءٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرتُه إلى دنيا يُصيبها، أو امرأةٍ يتزوَّجُها، فهجرته إلى ما هاجر إليه" متفق عليه من حديث عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه-.
* * *
стр. 9
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الباب الأول
في فضل مكة وما يتصل به
وفيه فصول:
١ - فصل في فضل مكة -زادها الله تشريفاً وتكريماً -
* [الآيات]:
١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦].
٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]
٣ - وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ [النمل: ٩١]
٤ - وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧]
٥ - وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص: ٥٧]
٦ - وقال تعالى: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: ١٥] على بعض الروايات أنها مكة،
٧ - وقال تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾ [الحج: ٢٥]
٨ - وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]
٩ - وقال تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]
١٠ - وقال تعالى: ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤]
١١ - وقال تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: ٧]
١٢ - وقال تعالى: ﴿بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١]
١٣ - وقال تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ٣]. فهذه الآيات وغيرها أنزلها الله في مكة المشرفة خاصة، ولم تنزل في بلد سواها.
* [الأحاديث]:
١ - وعن عبد الله بن عدي بن حمراء -رضي الله تعالى عنه-، قال: رأيت رسول الله ﷺ واقفاً على الخرورة من مكة، وهو يقول لمكة: "والله (١)! لخيرُ
стр. 10
أرض الله، وأحبُّ أرضِ الله إلى الله، ولولا أني أُخرجتُ منك، ما خرجت" رواه أحمد، والحاكم، وسعيد بن منصور، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، وهذا لفظه.
٢ - وعن عمرو بن الأحوص، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في حجة الوداع: "أي يوم هذا؟ "، قالوا: يوم الحج الأكبر، قال: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، ألا! لا يجني جان إلا على نفسه، ألا! لا يجني جانٍ على ولده، ولا مولود على والده، ألا! وإن الشيطان قد أَيِسَ أن يُعبد في بلدكم هذا أبداً، ولكن ستكون له طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم، فسيرضى به" رواه ابن ماجه، والترمذي، وصححه.
٣ - وعن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-، قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حَرَّمه الله يومَ خلق السموات والأرض، فهو حرامٌ بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحلَّ القتالُ فيه لأحد قبلي، ولم يحلَّ لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يُعْضَدُ شوكه، ولا يُنَفَّرُ صيدُه، ولا يلتقط لقطته إلا من عَرَّفها، ولا يختلَى خلاها"، فقال العباس: يا رسول الله! إلا الإذخر؛ فإنه لِقَيْنِهم ولبيوتهم، فقال: "إلا الإذخر" متفق عليه، وفي رواية: لقبورنا وبيوتنا.
٤ - وعن جابر -رضي الله تعالى عنه-، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحلُّ لأحدِكم أن يحملَ بمكة السلاح" رواه مسلم، وكان ابن عمر يمنع عن ذلك في أيام الحج، وأما عام الفتح، فهو مستثنى من هذا الحكم،
٥ - وعن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله ﷺ لمكة! ما أطيبَكَ من بلد وأحبَّكِ إلي! ولولا أن قومي أخرجوني منكِ، ما سكنتُ غيَركِ" رواه ابن حبان، والحاكم، والترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب إسناداً.
قال الحسن البصري: ما أعلم اليوم على وجه الأرض بلدةً تُرفع فيها من الحسنات وأنواع البر، كلُّ واحدة منهما بمئة ألف ما تُرفع بمكة، وما أعلم أنه ينزل في الدنيا كلَّ يوم رائحة الجنة ورَوْحُها ما ينزل بمكة، ويقال: إن ذلك
стр. 11
للطائفين، وبالجملة: فهي بلدة الله، وبلدة رسوله، وبلدة أصحابه الكرام، ومأوى جميع المؤمنين -جعلنا الله تعالى من صالحي أهلها-.
ولله درُّ ما قيل فيها:
أرضٌ بها البيتُ المقدَّسُ قبلةٌ ... للعالَمين له المساجدُ تعدلُ
حَرَمٌ حرامٌ أرضُها وصيودُها ... والصيدُ في كلِّ البلاد محلَّلُ
وبِها المشاعرُ والمناسِك كلُّها ... وإلى فضيلتِها البريةُ ترحلُ
وبها المَقامُ وحوضُ زمزمَ مُتْرَعًا ... والحِجْرُ والركنُ الذي لا يرحلُ
والمسجدُ العالي الممجَّدُ والصفا ... والمَشعرانِ لمن يطوفُ ويَرْمُلُ
وبمكةَ الحسناتُ يُضْعَفُ أجرُها ... وبها المسيء عن الخطيئة يغسلُ
يُجزى المسيء من الخطيئة مثلَها ... وتضُاعف الحسناتُ فيها تُقبلُ
ما ينبغي لكَ أن تفاخرَ يا فتى ... أرضاً بها وُلد النبيُّ المرسَلُ
بالشِّعْب دونَ الردم مسقطُ رأسه ... وبها نشا صلَّى عليه المرسِلُ
وبها أَقامَ وجاءه وحيُ السما ... وسرى به الملكُ الرفيعُ المنزلُ
نبوة الرحمن فيها أنزلَتْ ... والدينُ فيها قبلَ دينك أولُ
٢ - فصل في أسمائها
قد أتت لها أسماء جليلة جرى ذكرها في التنزيل، وكثرةُ الأسماء تدل على شرف المسمَّى، كما قيل في أسماء الله تعالى ورسوله، قال النووي: ولا يُعلم بلد أكثرُ أسماءً من مكة والمدينة، لكونهما أفضلَ بقاع الأرض، وذلك لكثرة الصفات المقتضية لها، انتهى.
فمنها:
١ - مكة،
٢ - وبكة،
٣ - والبلد،
٤ - والقرية،
٥ - وأم القرى،
٦ - والبلدة،
٧ - والبلد الأمين،
٨ - وأم رُحُم،
٩ - وصَلاحِ -مبنيٌّ على الكسر-،
١٠ - والباسة -بالموحدة-،
١١ - والناسة -بالنون-،
١٢ - والنساسة،
١٣ - والحاطمة،
١٤ - والرأس،
١٥ - وكوثى،
١٦ - والعَرش -بالفتح-،
١٧ - والعرش -بالضم-،
١٨ - والعريش،
١٩ - والقادس،
٢٠ - والقادسية،
٢١ - وسَبوحة -
стр. 12
بالفتح-،
٢٢ - والحرام،
٢٣ - والمسجد الحرام،
٢٤ - والمعطشة،
٢٥ - وبَرَّة
٢٦ - والرتاج،
٢٧ - وأم،
٢٨ - ورحم،
٢٩ - والبلد الحرام،
٣٠ - وأم الرحمة،
٣١ - وأم كوثى،
٣٢ - والأمينة،
٣٣ - وأم الصفا،
٣٤ - والمروية،
٣٥ - والمتحفة،
٣٦ - وأم المشاعر،
٣٧ - والبلدة المرزوقة،
٣٨ - والحجاز،
٣٩ - وبلدة طيبة.
وفي وجه تسميتها بهذه الأسماء أقوال ذكرها الحضراوي في "العقد الثمين".
٣ - فصل في ألقابها وحدودها
فمنها:
١ - المشرفة،
٢ - والمكرمة،
٣ - والمهابة،
٤ - والوالدة،
٥ - والنادرة،
٦ - والجامعة،
٧ - والمباركة.
قال السروجي: حدُّ الحرم من جهة طريق المدينة دون التنعيم على ثلاثة أميال من مكة، ومن طريق اليمن على سبعة أميال من مكة، ومن طريق الطائف للمار على عرفات من بطن نمرة على ثلاثة أميال من مكة، ومن طريق العراق للمار على ثنية جبل بالمقطع سبعة أميال من مكة، ومن طريق الجعرانة ومن شعب آل عبد الله بن خالد على تسعة أميال، ومن طريق جُدَّة على عشرة أميال، وهذا قول الجمهور، وهو أصح الأقوال، وقد نظمها بعضهم:
وللحرم التحديدُ من أرضِ طيبةٍ ... ثلاثةُ أميال، إذا رُمْتَ إتقانَهْ
وسبعةُ أميال، عراقٌ وطائفٌ ... وجُدَّةُ عشرٌ، ثم تسعٌ جِعرانَهْ
ومن يمنٍ سبعٌ بتقديمِ سينِه ... وقد كَمُلَتْ فاشكر لربك إحسانه
٤ - فصل في جبالها وحكم زيارتها
قالوا: جبال مكة لا تحصى، قال ابن النقاش: دونها جبال من ذهب وفضة وكنوز وجواهر، وربما ينكشف عن بعضها لمن هو موعود بذلك، قلت: ولم أقف على نص في هذا الباب، فلا أدري من أين قاله، فمن جبالها:
١ - أَبو قُبيس، وهو الجبل المشرف على الصفا، وهو أحد أخشبي مكة المشرفة،
٢ - وجبل حِراء بأعلى مكة، وهذا الجبل على ثلاثة أميال، وهو مقابل ثبير
стр. 13
والوادي بينهما، وهما على يسار السالك إلى منى، وحراء قبل ثبير مما يلي شمال الشمس، ويسمى: جبل النور. قال الحضراوي: وهو كذلك؛ لكثرة مجاورة النبي ﷺ له، وتعبده فيه،
٣ - وجبل ثور بأسفل مكة، وهو من مكة على ثلاثة أميال، قاله ابن الحاج، وابن جبير، وقيل: على ميلين، وارتفاعه نحو ميل، وفي أعلاه الغار الذي دخله النبي ﷺ مع أبي بكر، والبحر يُرى من أعلى هذا الجبل، قال الحضراوي: وهذا الغار يزوره الناس، يدخلون إليه من بابه، قلت: وليست زيارة شيء من هذه الجبال بسنة. ومنها:
٤ - جبل ثبير وهو على يسار الذاهب من منى إلى مزدلفة، قال القزويني: إنه جبل مبارك، وقال ابن النقاش إنه يستجاب الدعاء به،
ومنها:
٥ - الجبل الذي بظهر مسجد الخَيْف بمنى، ويدل له الحديث الثابت في "صحيح البخاري" عن ابن مسعود، قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ في غارٍ بمنى، إذ نزلت عليه ﴿الْمُرْسَلَاتِ﴾. . . الحديث، ويكفي ذكر هذه الخمسة من جبالها، وإن كانت كثيرة.
٥ - فصل في حكم المجاورة بها
ذهب الشافعي، وأحمد، وأبو يوسف ومحمد: إلى استحباب المجاورة بمكة، وخالف في ذلك ابن عباس، ومالك، قال في "المبسوط": لا بأس بالمجاورة؛ في قولهم، وإنه الأفضل، وعليه عمل الناس، خصوصاً مع ظلم الفَجَرة في سائر الأقطار، فلا بأس بالهُروع إلى بلد الله، والالتجاءُ ببلد رسوله والاعتصامُ بالله أولى من تحكم الأعداء في ضعفاء المسلمين، فضلًا عن أغنيائهم، وقال أحمد: جاور بها جابرٌ، وابن عمر، وليت أني الآنَ مجاور بمكة، قلت: قد جاور بها خلقٌ كثير، وسكنها من المعوَّل عليهم جمع عظيم، واستوطنها من الصحابة أربعة وخمسون رجلًا، ذكرهم أَبو الفرج، ومات بها أيضًا من الصحابة ومن كبار التابعين ومَنْ بعدهم جَمٌّ غفير، ذكرهم الطبري.
قال علي بن الموفق: جلست يوماً في الحرم بمكة المشرفة، وقد حججت ستين حجة، فقلت في نفسي: إلى متى أتردد في هذه المسالك والقفار؟ ثم غلبتني عيني، فنمت، وإذا قائل يقول: يا بن الموفق! هل تدعو إلى بيتك إلا مَنْ
стр. 14
تحبُّ؟ فطوبى لمن أحبَّه المولى، وحملَه إلى المُقام الأعلى، وأنشد يقول:
دعوتُ إلى الزيارةِ أهلَ وُدِّي ... ولمْ أطلبْ بها أحداً سواهُمْ
فجاؤوني إلى بيتي كِراماً ... فأهلًا بالكرام ومَنْ دعاهُمْ
وقال بعضهم:
هي البلدُ الأمين وأنتَ حِلٌّ ... فطاها يا أمينُ فأنت طاها
ووجِّهْ حيث كنتَ كذا إليها ... ولا تعدِلْ إلى شيء سواها
فوجهُ الله قبلةُ كلِّ حيٍّ ... لمن شهد الحقيقةَ واجتلاها
وهذا البيتُ بيتُ الله فيه ... إذا شاهدْتَ في المعنى سناها
فهلِّلْ عند مشهده كفاحًا ... وزمزمْ عندَ زمزمِه شِفاها
وقلْ بلِسان عرفك في رباها ... لنفسي في مِنى بلغَتْ مُناها
إليكَ شددتُ يا مولاي رَحْلي ... وجئتُ ومهجتي تشكو ظَماها
وها أنا جارُ بيتك يا إلهي ... وبالأستار ممتسكٌ عُراها
وللجيرانِ والضيفانِ حقٌّ ... على الجارِ الكريمِ إذا رعاها
إليكَ شفيعَنا الهادي محمَّد ... ومن قد حلَّ جهراً فَي حِماها
شفيع الخلقِ يومَ الحشر حقاً ... رسولُ الله أقوى الخلق جاها
عليه من المهيمِنِ كلَّ وقتٍ ... صلاةٌ غيرُ منحصِرٍ مَداها
٦ - فصل في الموت بها، وذكر من دُفن بها
عن حاطب بن بَلْعَتة (١)، عن النبي ﷺ : أنه قال: "من مات في أحد الحرمَيْن، بُعث يوم القيامة من الآمنين" أخرجه أَبو الفرج وأخرج نحوه وأبو حفص المَيَّانشي، وفي الباب أخبار وآثار، وبمكة خلق كثير من الصحابة: منهم: سيدنا عبد الله بن الزبير، وقصته مشهورة، وسيدنا عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وكان شقيق عائشة -رضي الله تعالى عنهما-، وفي "أسد
стр. 15
الغابة": ولما اتصل خبرُ موته بأخته عائشةَ، ظعنت إلى مكة، فوقفت على قبره، وبكت عليه، وتمثلت بِقَولَةِ متمِّم بنِ نُوَيرة في أخيه مالك، فقالت:
وَكُنَّا كندمانَيْ جَذيمةَ حقبةً ... من الدَّهر حتى قيل لن يتصدَّعا
ولمَّا تفرقنا كأنِّي ومالكاً ... لطولِ اجتماعٍ لم نبتْ ليلةً معا
ثم قالت: أما والله! لو حضرتُك ما بكيتُك، وبها: عتاب بن أسيد، وبها: أم المؤمنين خديجة الكبرى، روى الشيخان والترمذي عن علي -رضي الله تعالى عنه-، قال: خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد. وفضائلها لا تعد، ومناقبها لا تحد. وبها دفن القاسم بن رسول الله ﷺ بالمعلى، وبها قبر طاوس، وكان مستجاب الدعوة، وحج أربعين حجة، وبها قبر عبد الله بن عمر بن الخطاب، مات بمكة، وهو آخر من مات بها، قاله ابن الجوزي، والصحيح أن الآن بمكة قبراً على الجبل المقابل للمعلى على يمين الخارج من باب مكة، وعلى يسار الذاهب إلى التنعيم، أشار بعض الصالحين أنه قبره -رضي الله تعالى عنه-.
وبها: أبو محذورة مؤذنُ رسول الله ﷺ ، وقبره بالمعلى غيرُ معروف، وبها حبيب بن عدي، وعبد الله بن كريز، وسهل بن حُنيف، وأبو قحافة والدَ أبي بكر الصديق، وأبو عبيد القاسمُ بنُ سَلاَّم، وعطاء بن رباح (١)، وسُفيان بن عُيينة، وأحمد بن حجر الهيتمي، وأم المؤمنين ميمونة، والفُضيل بن عياض ﵃، والإمام عبد الله ابن أسعد اليافعي، والشيخ دلاصي، وقبر الديسي، وقبر القشيري بن هوازن، وقبر الشيخ عمراي، والنسفي، وغيرهم من الصحابة والتابعين والأئمة والعارفين، ولو عبرنا عنهم، لم يسعهم الكتاب، فمن زار مقبرة المعلى يستحب له أن يزور هؤلاء الكرام، ويسلم عليهم، ويُكثر من الدعاء والاستغفار لهم ولسائر المؤمنين بها. ومما أنعم الله به على سكان هذا البلد الحرام: أَلاَّ يبيت فيه جائع، كيف لا، وفيه طعام طعم وشفاء سقم. وقال الحضراوي في وجه تسميتها بالبلدة المرزوقة: إنك إذا دخلت مكة في أي وقت
стр. 16
من الليل، فإنك تجد ما تطعَمُ فيها، فضلًا عن النهار، ولا يبيت فيها إنسان إلا شعباناً حامداً شاكراً، انتهى، فينبغي لزومُ الأدب بها حسبَ الطاقة، والشكرُ لله.
٧ - فصل في آداب المجاورة بها
عن عياش (١) بن ربيعة المخزومي، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تزال هذه
الأمة بخير ما عَظَّموا هذه الحرمةَ حَقَّ تعظيمها، فإذا ضَيَّعوا ذلك، هلكوا" رواه
ابن ماجه، فمن أراد المجاورة بها ينبغي له أن يتأدب بآداب أهل التقى؛ لأنها
حضرة الله الخاصة في الأرض، وهي كثيرة، منها:
١ - ألا يخطر بباله معصية قطُّ مدة مجاورته بمكة، ولو في بيته، فضلًا عن المسجد الحرام، فضلًا عن الطواف، فضلًا عن الصلوات، فمن لم يعلم من نفسه السلامةَ، فلا ينبغي له الإقامةُ هناك حتى يجاهد نفسه، ولهذا احتاط ابن عباس لنفسه، فسكن الطائف دون مكة، وكذلك كره مالكٌ المجاورةَ بها، وقال: ما لنا ولبلد تُضاعف فيها السيئات كما تُضاعف الحسنات، ويؤاخذ الإنسان فيها بالخاطر؟
قلت: لم أقف على نص صريح في تضاعُف السيئات فيها، والمؤاخذةِ بالخاطر، بل عفا الله عن هذه الأمة ما حدَّثت به نفسَها، نعم المعصيةُ فيها أشدُّ وأكبر من غيرها؛ لشرف المكان، والعاصي فيها أسوأ حالاً وأقبح مآلاً؛ لقلة مبالاته بسخط الرحمن، كيف! والمعصية -وإن كانت فاحشة حيث وجدت- لكنها في حضرة الإله وفِناء بيته ومحلِّ اختصاصه وحرمه أفحشُ وأقبح، وأمرُ الذنب بها عظيم، فليبادر الإنسان من حينِ نزوله بها إلى الذل والانكسار، والتوبة والافتقار، والندم والاستغفار. ومنها:
٢ - أن يأكل الحلال الصِّرْفَ مدةَ إقامته: إما بعملِ حرفة شرعية؛ كالكتابة والخياطة والقِصارة والبِزازة ونحوِها، وإما أن يتوجه إلى الله تعالى أن يسخر له الحلال، من بين فَرْثِ الحرام ودم الشبهات.
قلت: وذلك كله غيرُ مخصوص بمكة، بل يتحرى له في كل بلدة. ومنها:
٣ - أن لا يبيت وعليه دينار أو درهم دين لأحد إلا أوفاه أو أوصى به.
стр. 17
ومنها:
٤ - ألا يسأله أحدٌ في الحرم شيئًا، ويمنعَه منه، إلا إن كان هو أحوجَ إليه من السائل. ومنها:
٥ - ألا يحنو قطُّ إلى وطنه وبلاده وأصحابه وأولاده، فيصير ملتفتا عن حضرة ربه. ومنها:
٦ - يقلل الأكل جهدَه، ويجعلُ أكثرَ غذائه زمزمَ. ومنها:
٧ - ألا يأكل قط وعينٌ تنظر إليه من المحتاجين إلا وأشرَكَه معه في الأكل. ومنها:
٨ - ألا يغالي هناك الملابسَ الفاخرة الغالية ولا الروائح الطيبة إلا أن يعلم أنه ليس بمكة عريان ولا جوعان. ومنها:
٩ - ألا يرى نفسَه قط أنه خير من أحد من المسلمين في سائر أقطار الأرض. ومنها:
١٠ - ألا يبول ولا يتغوط في الحرم إلا إذا كان يتأتى له ضرر من البول والغائط خارج الحرم. قلت: ولا يساعده دليل يعتمد عليه. ومنها:
١١ - ألا يمشي في الحرم بتاسومته إلا لضرورة؛ كشدة حر أو برد أو جرح أو نحو ذلك. قلت: وهذا أيضاً يحتاج إلى دليل يصار إليه. ومنها:
١٢ - ألا يرى منه عبادة هناك على وجه الكمال من غير إعجاب أبداً؛ لئلا يقع في الزهو فيهلك، أما الاعترافُ بالنعمة فلا بأس. قلت: وذلك لا يختص بها، بل يعم البلاد كلها. ومنها:
١٣ - ألا يستحليَ قولَ من قال في حقه: هنيئاً لفلان. ومنها:
١٤ - ألا يذكر أحداً بسوء من سكان الحرم وسائر أقطار الأرض.
قلت: وهذا هو الغيبة وحكمها معلوم. ومنها:
١٥ - أن يخاف تعجيل العقوبة حالاً. وكان عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- يدور على الحجاج بعد قضاء النسك بالدرَّة، ويقول: يا أهل اليمن! يمنَكُم، ويا أهل الشام! شامَكُم، ويا أهل العراق! عراقَكم، أبقى لحرمة بيت ربكم في قلوبكم، ولذلك همَّ بمنع الناس من كثرة الطواف، وقال: خشيت أن يأنس الناس بهذا البيت، فتزول هيبته من صدورهم.
٨ - فصل في مساجدها ودورها
منها:
١ - مسجد بأعلى مكة عند بئر جُبير بن مطعِم، ويعرف اليوم بمسجد
الراية، يقال: إن النبي ﷺ صلى فيه،
٢ - ومسجد بأسفل مكة، ينسب إلى أبي بكر الصديق،
٣ - ومسجد خارج مكة من أعلاها، يقال له: مسجد الجن، ويسمى مسجدَ البيعة،
٤ - ومسجد الشجرة بأعلى مكة مقابل لمسجد الجن،
стр. 18
٥ - ومسجد الإجابة،
٦ - ومسجد بمنى عند دار منحر بين الجمرة الأولى والوسطى على يمين الصاعد إلى عرفة،
٧ - ومسجد الكبش الذي فدي به إسماعيل ﵇،
٨ - ومسجد الخيف، وهو مشهور عظيم الفضل،
٩ - ومسجد النعيم؛ حيث أمر رسول الله ﷺ باعتمار عائشة،
١٠ - ومسجد بذي طوى، يقال: إن رسول الله ﷺ نزل هناك حين اعتمر،
١١ - ومسجد بأجياد، يقال إن النبي ﷺ اتكأ هناك،
١٢ - ومسجد الجعرانة،
١٣ - ومسجد الفتح بقرب الجموم،
١٤ - ومنها: الموضع الذي يقال له: مولد النبي ﷺ ، وهو معروف بسوق السيل،
١٥ - وموضع يقال له: مولد علي بن أبي طالب، وفي "تاريخ الخميس": ولد علي في جوف الكعبة،
١٦ - ومولد سيدنا حمزة بن عبد المطلب،
١٧ - ومولد جعفر بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنهم-،
١٨ - ودار خديجة -رضي الله تعالى عنها-،
١٩ - ومولد فاطمة -رضي الله تعالى عنها-،
٢٠ - ودار سيدنا أبي بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه-،
٢١ - وحجرٌ سلَّم على رسول الله ﷺ ، وروى الترمذي ومسلم: أن رسول الله ﷺ قال: "إني لا أعرف حجراً بمكة، كان يسلِّمُ عليّ قبل أن ينزلَ عليَّ الوحي"، قال المرجاني في "بهجة النفوس": قيل: هو الحجر الأسود، وقيل: هو الحجر المستطيل بدار أبي سفيان بزقاق الحجر، قال: وهذا الحجر باقٍ إلى اليوم، انتهى. قال الحضراوي: وهو كذلك باق إلى الآن، والله تعالى أعلم. قلت: وتعيينه بالدليل الصحيح لا يخلو عن عسر،
٢٢ - ومنها: دار الأرقم المخزومي، وفيها مسجد مشهور،
٢٣ - ودار العباس بن عبد المطلب،
٢٤ - ومعبد الجنيد،
٢٥ - وإبراهيم بن أدهم،
٢٦ - ومسجد الكندرة،
٢٧ - ومسجد المحناطة،
٢٨ - ومسجد قرن مقلة،
٢٩ - ودار أبي سفيان التي قال فيها رسول الله ﷺ : "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن". قلت: هذه المساجد والمواضع ليس دخول شيء منها لمن اجتاز بها فرضاً ولا سنة.
٩ - فصل في خطاها والمشي فيها
قالوا: المشي في أرضٍ مشى فيها رسول الله ﷺ يكفر السيئات، خصوصاً مع النية الصالحة التي هي أكبر الأعمال، وفيها بشرى له برجاء أن يكون متبعاً آثاره
стр. 19
الشريفة. قلت: وذلك يحتاج إلى سند؛ لأن المكفِّر إنما هو اتباع هديه وسننه ظاهراً وباطناً دون تتبع آثاره الأرضية فقط فتدبر.
١٠ - فصل في النظر إلى البيت
إذا وقع النظر على البيت، فليكنْ ذلك مقترناً بالتعظيم والإجلال، وليحضر في نفسه ما خُص به من تشريف النسبة وأوصاف الجلال والجمال. روي عن النبي ﷺ : "النظر إلى البيت الحرام عبادة" أخرجه ابن الجوزي. وقال ابن عباس: النظر إلى الكعبة محض الإيمان، وعن سعيد بن المسيب: من نظر إلى الكعبة إيماناً وتصديقاً، خرج من الخطايا كيوم ولدته أمه، رواه الأرزقي، وفي الحديث: "فيه عشرون رحمة للناظرين"، وهذه الآثار تحتاج إلى النظر في سندها، وروي أن الشِّبْليَّ لما حج البيت ووصل إليه ورآه، عظم عنده ذلك، فأنشد طرباً:
أبطحاءَ مكةَ هذا الذي ... أراهُ عِياناً وهَذا أنا
وصار يكرره حتى غُشي عليه.
وقال آخر:
هذه دارهم وأنتَ محبٌّ ... فما بقاءُ الدموعِ في الآماق
قلت: وقد تمثلتُ بهما عند وصولي مكة، وكان العارفون وأرباب القلوب ينزعجون إذا دخلوا مكة، ولاحت لهم أنوار الكعبة، فيهيمون عن مشاهدة ذلك الجمال؛ لأن رؤية المنزل تذكِّر صاحبَ المنزل. وحجت امرأة عابدة، فلما دخلت مكة، جعلت تقول: أين يبيت ربي؟ أين يبيت ربي؟ فاشتدت نحوه تسعى حتى ألصقت جبينها بحائط البيت، فما رُفعت إلا ميتة -رحمها الله تعالى، ورضي عنها-.
١١ - فصل في محلات يستجاب الدعاء بها
قال الحسن البصري: الدعاء مستجاب هناك في خمسةَ عشرَ موضعاً:
١ - في الطواف،
٢ - وعند الملتزم نصف الليل،
٣ - وتحت الميزاب،
٤ - وداخل الكعبة عند الزوال،
٥ - وعند زمزم، وقت غيبوبة الشمس،
٦ - وخلف المقام،
٧ - وعلى
стр. 20
الصفا،
٨ - وعلى المروة،
٩ - وفي المسعى،
١٠ - وفي عرفات،
١١ - وفي المزدلفة،
١٢ - وفي منى،
١٣ - ١٤ - ١٥ - وعند الجمرات الثلاث.
وقيل: عند الحجر الأسود نصفَ النهار، وعند رؤية البيت، وفي الحطيم، وهو الحِجْر، وعند المستجار في ظهر الكعبة، وبين الركن والمقام، وفي موقف النبي ﷺ بعرفات، وفي المواقف عند المشعر الحرام، وباب بني شيبة، وباب إبراهيم، وباب النبي ﷺ ، وباب الصفا، ومجاور المنبر حيث يقف المحمديون. وذكر مجد الدين الشيرازي في "الوصول والمُنى في فضل مِنى" مواضعَ أخرى بمكة وحرمها يستجاب فيها الدعاء، وقيل: في ثبير، وفي مسجد الكبش، وفي مسجد الخيف، وفي مسجد المنحر ببطن مِنى، وفي مسجد البيعة، وفي دار خديجة، ومولد النبي ﷺ يوم الاثنين عند الزوال، ومسجد الشجرة يوم الأربعاء، وفي المتكأ غداة الأحد، وفي جبل ثور عند الظهر، وفي حراء وثبير مطلقاً، وعند الركن اليماني مع الفجر، ويمنى ليلة البدر، وبالمزدلفة عند طلوع الشمس، وبعرفة وقتَ الزوال تحت السِّدرة، وفي ثور عند الغروب، وفي رباط الموفق بأسفل مكة، وفي جبل أبي قبيس، وعند قبر خديجة، وقبر سُفيان بن عيينة، وقبر الفُضيل بن عياض، وقبر القشيري، وقبر اليافعي، وعند باب المعلى، وفي شعبة النور.
قال الحضراوي: فهذه جميع الأماكن التي يُستجاب فيها الدعاء، وهي تنوف عن خمسة وخمسين موضعاً، انتهى. قلت: ولعل ذلك ثبت بكشف الأولياء، فإنه لم يرد بهذا حديث في الصحاح، ولا في السنن، إلا ما روي عنه ﷺ من الدعاء على الصفا والمروة وبعرفة وأمثالها، والدعاء عند القبور ليس بمأثور، فالأولى لمريد الآخرة الاقتصار على ما وردت به السنة، وثبت عنه ﷺ ، وإلا فجميع مكة مباركة، وأماكنها طيبة.
١٢ - فصل في بعض آياتها
منها:
١ - الحجر الأسود وما روي فيه من أنه من الجنة، ومنها:
٢ - بقاء وبنيانها الموجود الآن، ولا يبقى هذه المدة غيرُ بنائها على ما يذكر المهندسون،
стр. 21
ولا تزال الكعبة باقية إلى أن يأتي أمر الله، وقضاؤه بتخريب الحبشة إياها في آخر الزمان، ومنها:
٣ - أنه لا يرى البيت الحرام أحدٌ ممن لم يكن رآه إلا ضحكَ أو بكى، ومنها:
٤ - هيبتها في القلوب، ومنها:
٥ - كفُّ الجبابرة عنها مدى الدهر، ومنها:
٦ - إذعان النفوس لتوقيرها دون ناهٍ ولا زاجر، ومنها:
٧ - كونها بواد غير ذي زرع، والأرزاق من كل قطر تُجبى إليها من قرب ومن بعد، ومنها:
٨ - أمنُ الحيوان فيه وسلامةُ الشجر، ومنها:
٩ - حجر المقام، قال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧] هو أثرُ قدمِه الشريف في الصخرة الصماء وإبقاؤه دون سائر آيات الأنبياء ﵈، وحفظه مع كثرة أعدائه من المشركين ألف سنة، انتهى، ومنها:
١٠ - أن الحَمَام وغيرها تُقبل حتى إذا كادت أن تبلغ الكعبة، انفرقت فرقتين، فلم يَعْلُ ظهرها شيء، ومنها:
١١ - أن مفتاح الكعبة إذا وُضع في فم الصغير الذي ثقل لسانُه عن الكلام، يتكلم سريعًا بقدرة الله تعالى، ذكره الفاكهي، وقال: إن المكيين يفعلونه، انتهى. قال الحضراوي: هو يُفعل في زماننا هذا، ومنها:
١٢ - عدم تنافر الصيد في الحرم، حتى إن الظبي يجتمع مع الكلب، فإن أُخرجا منه، تنافرا، ويتبع الجارحَ الصيدَ في الحِلِّ، فإذا دخل الحرم، تركه. ذكره القرطبي، وابن عطية، وغيرهما، ومنها:
١٣ - أن الكعبة تفتح بحضرة الجم الغفير من الناس، فيدخلها الجميع مزدحمين، فتسعهم بقدرة الله تعالى، قال ابن النقاش: الكعبة تسعُ ألفَ إنسان، وإذا انفتح الباب في أيام الموسم، دخلها آلاف كثيرة. قلت: وفيه نظر، ومنها:
١٤ - امتحاق حصى الجمار على كثرة الرمي وطولِ الزمان، ومنها:
١٥ - امتناع تخطيف الطير للُّحوم المُشَرَّقة بمنى على الجدران وغيرها، ومنها:
١٦ - امتناع وقوع الذباب على الطعام في أيام منى، فتحوم عليه ولا تقع فيه، ومنها:
١٧ - عدم تعويق الدخان بها مع طبخ هذا ووقود هذا وغيره، ومنها:
١٨ - إطالتها -أي: الكعبة- في أوقات الصلاة ونصف الليل وليالي الأعياد، وقاله ابن النقاش، ومنها:
١٩ - أن يوم عرفة يغشى الناسَ نور عظيم، ويخيل للإنسان إذا كان فوق الكعبة أنه فوق العالم كله، ومنها:
٢٠ - أن الطيب بمكة أطيبُ منه في سائر
стр. 22
الآفاق، وأطلال مكة أطيبُ من سائر الأطلال، ومنها:
٢١ - إجابة الدعاء حالاً، ومنها:
٢٢ - حفظُ الله تعالى للحجر الأسود من الضياع منذ أُهبط إلى الأرض، مع ما وقع من الأمور المقتضية لذهابه، ومنها:
٢٣ - أنه يطفو على الماء إذا وضع فيه، ولا يرسخ، ومنها:
٢٤ - أنه لا يسخن من النار، ذكره ابن شاكر المؤرخ، ونقل ذلك عن بعض المحدثين مرفوعاً إلى النبي ﷺ . قلت: وهذه الآيات أكثرُها تجربات وقعت لجماعة من أهل العلم، وليس فيها نص عن الشارع، إلا في البعض.
* * *
стр. 23
الباب الثاني
في فضائل الحجاج والعمار والطواف وما ضاهاها
وفيه فصول:
١ - فصل في فضل الحاج والمعتمر
لا يخفى أن للحج فضيلةً ودرجة ليست لغيره من العبادات والطاعات، دلَّ عليه الكتابُ والسنة، قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] قيل: هي المغفرة، وقيل: التجارة، وقال مجاهد وعطاء: بل يعم منافع الدنيا والآخرة، وقال الزمخشري، تحت هذه الآية: كان أبو حنيفة يفاضل بين العبادات قبل أن يحج، فلما حج، فضل الحجَّ على العبادات كلِّها؛ لما شاهد من تلك الخصائص، انتهى. نعم هذه عبادة تعم إنفاقَ المال واستعمالَ البدن، فتكون فاضلةً على ما يختص بواحد منهما، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] وقال [ابن] مسعود، والحسن، وسعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] إنه طريق مكة، والمعنى: أصدُّهم عن الحج.
وعن أم سلمة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "الحج جهادُ كل ضعيف" رواه ابن ماجه. وعن عمران، عن النبي ﷺ ، قال: "تابعوا بين الحج والعمرة، فإن متابعةَ ما بينهما تزيدُ في العمر والرزق، وتنفي الذنوب كما ينفي الكيرُ خَبَثَ الحديد"، أخرجه ابن أبي خيثمة في "تاريخه"، وابن الجوزي. وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-، قال: قال رسول الله ﷺ : "وفدُ الله ثلاثة: الغازي، والحاجُّ، والمعتمرُ" أخرجه النسائي، وابن حبان، وصححه الحاكم على شرط
стр. 24
مسلم. وعن عمرَ: أنه استأذن ﷺ في العمرة، فأذن له، وقال: "يا أخي! لا تَنْسَنا في دعائك"، وفي لفظ: "يا أخي! أشركنا في دعائك"، فقال عمر: ما أحببت أن لي بها ما طلعت عليه الشمسُ بقوله: "يا أخي"! رواه أحمد، وهذا لفظه، وأبو داود، والترمذي، وصححه.
وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-: أن رسوله الله ﷺ قال: "العمرةُ إلى العمرة كفارةٌ لما بينَهما، والحجُّ المبرورُ ليس له جزاء إلا الجنة" رواه مالك، والبخاري، ومسلم، وغيرهم. قال القرشي: معناه: لا يقتصر فيه على تكفير بعض الذنوب، بل لا بد أن تبلغ به إلى الجنة بفضل الله وكرمه، انتهى، وهو الذي لا معصية فيه -ولو صغيرة- من حين الإحرام إلى التحلل الثاني. وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من حج لله، فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيومَ ولدته أمه" متفق عليه، واللفظ للبخاري، وفي رواية لمسلم: "من أتى هذا البيت، فلم يرفُثْ ولم يفسق، رجع كما ولدته أمه" رواه النسائي، والدارقطني، فقالا: "من حجَّ واعتمر".
٢ - فصل في فضل رمضان بمكة والعمرة بها
أخرج البزار: رمضانُ بمكة أفضلُ من رمضان بغير مكة. وروى ابن ماجه عن ابن عباس مرفوعاً: "من أدرك رمضانَ بمكة، فصامَه، وقام منه ما تيسر له، كتب الله له مئة ألف شهر رمضان فيما سواها، وكتب الله له بكل يوم عتق رقبة، وكل ليلة عتق رقبة، وكل يوم حملان فرس في سبيل الله، وفي كل يوم حسنة، وفي كل ليلة حسنة". وعن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن عمرة في رمضان تعدل حجة" متفق عليه، وفي لفظ لمسلم: "عمرة تقضي حجى معي"، وفي لفظ لأبي داود، والطبراني، والحاكم "تعدل حجة معي" من غير شك، وللحديث ألفاظ وطرق كثيرة.
٣ - فصل في فضل الطواف
عن محمد بن المنكدر، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "من طاف بالبيت أسبوعاً، لا يلغو فيه، كان كعدلِ رقبةٍ يعتقها" رواه الطبراني في "الكبير"،
стр. 25
ورواته ثقات. وعن ابن عباس مرفوعاً: "إن الله تعالى يُنزل على أهل هذا المسجد -يعني: مسجد مكة- في كل يوم وليلة عشرين ومئة رحمة، ستين للطائفين، وأربعين للمصلين، وعشرين للناظرين" أخرجه الطبراني، والحاكم، ورواه البيهقي بإسناد حسن. وعن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: "الطوافُ حول البيت صلاة" رواه الترمذي، واللفظ له، وابن حبان في "صحيحه". وعنه -رضي الله تعالى عنه-، قال: قال رسول الله ﷺ : "من طاف بالبيت خمسين مرة، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" رواه الترمذي، وقال: حديث غريب، وسئل البخاري عن هذا الحديث، قال: إنما يروى عن ابن عباس قولُه، ورواه عبد الرزاق والفاكهي أيضاً. وعن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من طاف وصلى ركعتين، كان كعتق رقبة" رواه ابن ماجه، وابن خزيمة في "صحيحه". وعنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من طاف بالبيت أسبوعاً، لا يضع قدماً ولا يرفع أخرى، إلا حط عنه خطيئته، وكتب له بها حسنة، ورفع له بها درجة" رواه ابن خزيمة في "صحيحه"، وابن حبان، واللفظ له. قال بعض الصالحين: رأيت في الطواف غلاماً شاباً نحيفَ الجسم رقيقَ الساقين وهو يبكي ويقول: وأشوقاه لمن يراني ولا أراه!
فقلت: من هو؟ فأنشد:
ولي حبيبٌ بلا كيفٍ ولا شبهٍ ... ولي مقامٌ بلا رَبْعِ ولا خِيَمِ
أتيتُ من دارِ عشقٍ لا أمثلها ... من عندِ مَنْ لم أُطِقْ شرحاً له بفمِ
ثم غشى عليه زماناً، فحركناه فوجدناه قد مات.
وما أحسن قولَ العارف بالله عبدِ الغني النابلسي -رحمه الله تعالى-:
عشقتُ في مكةَ ذات البَها ... يدعونها الكعبةَ باسمٍ صريحْ
وهي كعوبٌ غادةٌ حرةٌ ... كم قلبِ صَبٍّ في هواها جريحْ
محجوبةٌ بالستر عن كلِّ مَنْ ... ينظرها مِنْ أجنبيٍّ قَبيحْ
وإنما ينظرُها محرِمٌ ... فيبصرُ الوجهَ الجميلَ الصَّبيحْ
رأيتُها في مدتي مرةً ... فراح جسمي في هواها طَريحْ
стр. 26
وطُفْتُ سبعاً بِها لاثماً ... يمينَ ربِّي هيئة المستبيحْ
ويا له من حجرٍ أسودٍ ... كأنه الخالُ بخدِّ المَليحْ
٤ - فصل فيما جاء في الحَجَر والركنين والملتزم
عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ في الحجر الأسود: "واللهِ! ليبعثَنَّهُ اللهُ يوم القيامة وله عينان يُبصِر بهما، ولسانٌ ينطِقُ به، يشهد على من استلمه بحق" أخرجه الترمذي، وحسَّنه أَبو حاتم. وفي رواية في الحجر: أنه يشهد لمن استلمه وقَبَّلَه من أهل الدنيا، وأنا شافعٌ مشفَّعٌ، وسنده حسن. عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ : "يأتي الركن اليماني يومئذ -يعني: يوم القيامة- أعظمَ من أبي قبيس، له لسانٌ وشفتان، وإنه كان أشدَّ بياضاً من الثلج حتى سَوَّدته خطايا أهل الشرك، ولولا ذلك ما مَسَّه ذو عاهة إلا شُفي" رواه أحمد، والحاكم، وسنده حسن. وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "مسحُ الحجر والركن اليماني يَحُطَّان الخطايا حطاً" رواه أحمد، وابن حبان، والترمذي، معناه: وإنهما يُبعثان يوم القيامة، ولهما عينان ولسان وشفتان يشهدان لمن استلمهما بالوفاء، وإن عنده تسكب العبرات، وإنه والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة، وإن الله طمس نورهما، ولولا ذلك، لأضاء ما بين المشرق والمغرب.
وإن بالركن اليماني سبعين ملَكاً موكلاً يؤمنون على من قال: "اللهمَّ إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة. . . إلخ. عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-، قال: قال رسول الله ﷺ : "من فاوض الحجرَ الأسود -أي: لابس وخالط-، فإنما يفاوض يدَ الرحمن"، أخرجه ابن ماجه. وعن ابن عباس مرفوعاً، قال: "الركنُ الأسودُ يمينُ الله في الأرض يُصافح بها عبادَه كما يصافح أحدُكم أخاه" أخرجه الأزرقي. وعن ابن عباس، عن النبي ﷺ : "ما بين الركن والمقام ملتزَمٌ، لا يدعو به صاحبُ عاهة إلا بَرَأ" رواه الطبراني. وعن أبي هريرة، وسعيد بن جبير، وزين العابدين: أنهم كانوا يلتزمون ما تحت الميزاب من الكعبة، ذكره القرشي.
стр. 27
٥ - فصل في المشي بين الصفا والمروة
عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "أما طوافُك بالصفا والمروة كعتق سبعين رقبة. . . " الحديث، رواه الطبراني في "الكبير"، والبزار، واللفظ له، وعنه: "من سعى بين الصفا والمروة، ثَبَّتَ اللهُ قدميه على الصراط يومَ تزلُّ الأقدام" أخرجه صاحب المسالك.
٦ - فصل في فضل شرب ماء زمزم
عن ابن عباس مرفوعًا: "ماءُ زمزم لِما شُرب له"، فإن شربته تستشفي، شفاك الله، وإن شربته مستعيذاً، أعاذك الله، وإن شربته لقطع ظمئك، قطعه، ذكره القرشي. وكان ابن عباس إذا شرب زمزم، قال: اللهم إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاء من كل داء، رواه الحاكم، والدارقطني. قال ابن العربي: وهذا موجود فيه إلى يوم القيامة -يعني: العلم والرزق والشفاء- لمن صحَّت نيتُه، وسلمت طويته، ولم يكن به مكذباً، ولا يشرب مجرباً؛ فإن الله مع المتوكلين، انتهى.
قلت: وقد دعوتُ بما دعا به ابن عباس عندَ شربي له، وأرجو من الله القَبول. وفي حديث إسلام أبي ذر: أن رسول الله ﷺ قال: "إنها مباركة، وإنها طعام طعم" رواه مسلم، وزاد أَبو داود: "وشفاء سُقْم". وعن جابر: أن رسول الله ﷺ قال: "ماء زمزم لما شُرب له" أخرجه أحمد، وابن ماجه، والبيهقي. واستسقى عبد الله بن المبارك من زمزم شربة، واستقبل الكعبة، وقال: اللهم إن أبا الموالي حدثنا عن محمد بن المنكدر، عن جابر: أن رسول الله ﷺ قال: "ماء زمزم لما شرب له"، وهذا أشربه لعطشِ يوم القيامة، ثم شرب، أخرجه الحافظ شرف الدين الدمياطي، وقال: إنه على رسم الصحيح.
وقد قلت ما قاله ابن المبارك، وأرجو قبوله، فما ذلك على الله بعزيز، وفي "الصحيح": أنه لما قدم أبو ذر ليُسْلِم، أقام ثلاثين يوماً وليلةً، وليس له طعامٌ إلا زمزم، فسمن حتى تكسَّرت عُكَنُ بطنه، ولم يجد على بطنه سُخْفَة جوع. عن ابن
стр. 28
عباس: أن رسول الله ﷺ قال: "الحُمَّى من فيح جهنم، فأبردوها من ماء زمزم" رواه أحمد، وأبو بكر بن أبي شيبة، وابن حبان في "صحيحه"، وانفرد البخاري بإخراجه، فقال: "فأبردوها بالماء، أو بماء زمزم". وفي حديث شق الصدر: "ثم غسله بماء زمزم". رواه البخاري. وعن ابن عباس، قال رسول الله ﷺ : "خيرُ بئر على وجه الأرض ماء زمزم" أخرجه ابن حبان، والطبري بسند رجاله ثقات، وعنه: كان النبي ﷺ إذا أراد أن يُتحف الرجل، سقاه من ماء زمزم، رواه الدمياطي، وصححه.
وعن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق: أن رسول الله ﷺ قال: "آيةُ ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضَلَّعون من ماء زمزم" رواه ابن ماجه، والدارقطني، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، والتضَلُّع: الامتلاء حتى تمتدَّ الأضلاع؛ وكم تضلعت به ولله الحمد. وعن ابن عباس، قال: نسميها شبعة -يعني: زمزم-، وكنا نجدها نعمَ العونُ على العِيال، رواه الطبراني في "الكبير"، وهو موقوف صحيح الإسناد، وبالجملة: فقد أجمعوا على أن ماء زمزم أفضلُ من جميع المياه على الإطلاق، إلا الماءَ الذي نبع من بين أصابعه ﷺ ، كيف وهي هزمةُ جبرئيل، وسُقيا إسماعيل ﵉، وفي شربها منافُع لا تحصى، ذكر بعضَها الحضراوي في "العقد الثمين".
٧ - فصل في أسماء ماء زمزم
وهي كثيرة تدل على شرفها وفضلها، منها:
١ - زمزم،
٢ - وهمزة جبريل،
٣ - وهزمة جبريل،
٤ - وظبية،
٥ - وطيبة،
٦ - وبَرَّة،
٧ - وعصمة،
٨ - ومفنونة،
٩ - وشباعة العيال،
١٠ - وعونة،
١١ - وسيدة،
١٢ - ونافقة،
١٣ - وبشرى،
١٤ - وصافية،
١٥ - ومَعذبة،
١٦ - وطاهرة،
١٧ - ومروَية،
١٨ - وسالمة،
١٩ - وميمونة،
٢٠ - وكافية،
٢١ - ومونسة،
٢٢ - وشفاء سُقم،
٢٣ - وشراب الأبرار،
٢٤ - وتَكْتُم -على وزن تكتب- رواها الفاكهي عن أشياخ مكة، وغير ذلك.
стр. 29
قال بعضهم:
يا سائقاً غن النياقَ وزمزما ... أبشرْ فقد نلتَ المقامَ وزمزما
كم كنت تُذكِرنا منازلَ مكةٍ ... وتقولُ إن بها المُنى والمَغْنَما
بَرِّدْ بماء سقاية العباس ما ... كابدته طولَ الطريق من الظَّما
وانهضْ وهرولْ بينَ زمزم والصفا ... وادخلْ إلى الحَجَر الكريم مسلِّما
ومقام إبراهيمَ زُره مبادِراً ... وبحِجْر إسماعيلَ صَلِّ معظِّما
وانظرْ عروسَ البيت تجلي حسنَها ... للناظرين ولُذْ بها مستَعْصِما
فهي التي ظهرتْ فضائُلها فلا ... تَخْفى وهل يخفى سنا قمرِ السما
لم يَلْقَها الإنسانُ إلا باكياً ... فَرحاً بها أو ضاحكاً متبسِّما
والنورُ من أحشائها لم يختفي ... أبداً وإن جَنَّ الظلام وأعتما
ومن العجائب أنها محروسةٌ ... والصيدُ فيها لا يزالُ محرَّما
والطيرُ لا تعلو على أركانها ... إلا ليشفي إذ نجا متألِّما
تختال في حُلل السواد وبابُها ... بالنور منها مُبَرْقَعاً ومُلَثَّما
هي كعبةُ المولى الكريمِ وكلُّ من ... وافى إليها حقُّه أن يُكْرَما
ما منهمُ إلا ذليلٌ خاضع ... باكٍ على زَلاَّته متندِّما
يا ربِّ قد وقفتْ ببابك عُصبةٌ ... يرجون منك تفضُّلا وتكرُّما
ذا طالبًا فضلًا وذا متقصداً ... مِمَّا جناه من الذنوب وقَدَّما
٨ - فصل في المحافظة على الصلوات في المسجد الحرام جماعة في أوقاتها
عن ابن الزبير، قال: قال رسول الله ﷺ : "صلاة في مسجدي هذا أفضلُ من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجدَ الحرام، وصلاةُ في المسجد الحرام أفضلُ من مئة صلاة في مسجدي" رواه أحمد بسند صحيح، وابن حبان في "صحيحه"، وصححه ابنُ عبد البرّ، وقال: إنه الحُجة عند التنازع، والنص في موضع الخلاف القاطع له، عند من ألهم رشده، ولم تمل به عصبيته، ومضاعفةُ
стр. 30
الصلاة بالمسجد الحرام على مسجد النبي ﷺ بمئة صلاة مذهبُ عامة أهل الأثر.
وعن الأرقم: قال ﷺ : "صلاة هاهنا -وأومأ بيده إلى مكة- خيرٌ من ألف صلاة هاهنا -وأوما بيده إلى الشام" أخرجه أحمد -يعني: بيت المقدس-. وفي المراد بالمسجد الحرام الذي تُضاعف فيه الصلاةُ أربعة أقوال:
١ - الأول: أنه الحرم كله، قاله ابن عباس، ويؤيده قوله تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥] وقوله تعالى: ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الفتح: ٢٥] وقوله تعالى: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١] وكان ذلك في بيت أم هانىء،
٢ - والثاني: أنه مسجد الجماعة،
٣ - والثالث: أنه مكة المشرفة، نقله الزمخشري عن أصحاب أبي حنيفة،
٤ - والرابع: أنه الكعبة، قال ابن جماعة: وهو أبعدُها، والأوجهُ الأولُ.
وذهب مالك إلى أفضلية الصلوات في مسجده ﷺ بالنسبة إلى المسجد الحرام؛ خلافاً لباقي الأئمة. قال الطبري: إن حسنة الحرم مطلقاً بمئة ألف حسنة؛ لحديث ابن عباس، لكن المسجد مخصوص بتضعيف زائد على ذلك، الصلوات بمسجده ﷺ بألف صلاة، كلُّ صلاة بعشر حسنات، فتكون عشرة آلاف حسنة، والصلاة بالمسجد الحرام بمئة صلاة بمسجده ﷺ ، فتكون بألف ألف حسنة.
قال أبو بكر النقاش: فحسبتُ ذلك، فبلغت صلاةٌ واحدة في المسجد الحرام عمرَ خمس وخمسين سنة وستة أشهر وعشرين ليلة، وأما صلاة يوم وليلة في المسجد الحرام، وهي خمس صلوات عمرَ مئتي سنة وسبع وسبعين سنة وتسعة أشهر وعشر ليال، ولم يقل المرجاني: لفظ خمس وسبع، وما ذكر يحصل بصلاة المنفرد نفلاً، وأما جماعة، فعن النبي ﷺ : "أن صلاة الجماعة تفضل صلاةَ الفذِّ بخمس وعشرين"، وفي رواية: "بسبع وعشرين درجة"، انتهى. وقد يصلي رجلان: فيكتب لحاضر القلب، ولا يكتب للغافل إلا ما حضر فيه قلبه، فلا غرو أن تكون المضاعفة تختلف بأحوال المصلين.
стр. 31
٩ - فصل في فضل من صبر على حرها ولأوائها
عن الحسن البصري، عن النبي ﷺ : أنه قال: "من صبر على حَرِّ مكةَ، ولو ساعةً من نهار، تباعدَتْ منه النارُ مسيرةَ عام"، وفي لفظ: "خمس مئة عام"، وقال ﷺ : "من استطاع منكم أن يموتَ في أحد الحرمين، فليمت فيه؛ فإني أول من أشفع له".
وكتب الحسن البصري إلى بعض إخوانه: يا أخي! أبقاك الله تعالى: إنه بلغني أنك قد أجمعت رأيك على الخروج من حرم مكة، وإني والله! كرهتُ ذلك وغَمَّني، واستوحشتُ من ذلك وحشة شديدة، إذ أراد الشيطان أن يزعجك من حرم الله، ويستنزلك، فيا عجباً من عقلك إذ نويت من نفسك هذا بعد أن جعلك الله من أهله، ولو أنك حمدت الله على ما أولاك وأعلاك في حرمه وأمنه، وصيّرك من أهله، لكان الواجب عليك شكره أبداً ما دمت حياً، ولكُنْتَ مشغولاً بعبادته أضعافَ ما كنت عليه أن جعلك من جيران بيته، فإياكَ والظعنَ منها شبراً واحداً؛ فإنه ورد: أن المقام بمكة سعادة، والخروج منها شقاوة، وإياكَ والقلقَ والضجرَ، وعليك بالصبر والصمت والحلم؛ فإنك في خير أرض الله وأفضلها وأعظمِها قدراً وأشرفِها عنده، ولله في جيران بيته أسرارٌ لمن تعرَّضَ لها في شطر الليل، انتهى. قلت: ويغني عن ذلك ما رواه الترمذي عن ابن عباس مرفوعاً، وصححه: "لولا أن قومي أخرجوني منك، ما سكنتُ غيرَك"، وفي طريق أخرى: "لولا أني أُخرجت منك، ما خرجتُ" رواه أهل السنن، وصححه الترمذي.
* * *
стр. 32
الباب الثالث
في مبادىء الحج والعمرة
وفيه فصول:
١ - فصل في الترغيب في الحج والعمرة
عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-، قال: سُئل رسول الله ﷺ : أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله ورسوله"، قيل: ثم ماذا؟ قال: "الجهاد في سبيل الله"، قيل: ثم ماذا؟ قال: "حج مبرور"، أخرجه الشيخان، وابنُ حبان في "صحيحه"، ويفسره حديث جابر -رضي الله تعالى عنه-، عن النبي ﷺ : أنه قال: "الحجُّ المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة"، قيل: وما بِرُّه؟ قال: "إطعام الطعام، وطيب الكلام" رواه أحمد، والطبراني في "الأوسط" بإسناد حسن، وابن خزيمة في "صحيحه"، والبيهقي، والحاكم مختصراً، وقال: صحيح الإسناد.
وعن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما ترفعُ إبلُ الحاج رجْلًا، ولا تضع يداً، إلا كتب الله له بها حسنةً، ومحا عنه سيئةً، ورفع له درجة" أَخرجه البيهقي، وابن حبان في "صحيحه". وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من جاء يؤُم البيتَ الحرام، فركبَ بعيره، فما يرفع خُفاً، ولا يضع خفاً، إلا كتب الله بها حسنةً، وحطَّ عنه خطيئةً، ورفع له بها درجة، حتى إذا انتهى إلى البيت، فطاف، وسعى بين الصفا والمروة، ثم حلق أو قَصَّر، إلا خرج من ذنوبه كيومَ ولدته أمه" أخرجه البيهقي.
وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الحُجَّاج والعُمَّار وَفْدُ الله تعالى، إن دَعَوْهُ
стр. 33
أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم" أخرجه النسائي، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحيهما"، وأخرج البزار من حديث جابر مثله، قال المنذري: برجال ثقات. وسألته ﷺ عائشة، فقالت: الحجُّ أفضلُ الأعمال، أفلا نجاهدُ؟ قال: "لكن أفضل الجهاد حجّ مبرور" ذكره البخاري، والمبرور: ما لم يُخالطه إثم. قال ابن إسحاق: إنه لم يبعث الله نبياً بعد إبراهيم إلا وقد حجَّ البيت. وعنه ﷺ : أنه قال: "النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله، الدرهم بسبع مئة ضعف"، وفي الباب ما لا يتسع له المقام.
٢ - فصل في آداب سفر الحج، وهي كثيرة
منها:
١ - أنَّ من عَزَمَ على الإتيان بفريضة الله، والإجابة لنداء خليل الله، وخطر بباله السفرُ لذلك، فيُستحب له أن يشاور فيه مَنْ يعلم من حاله النصيحة والشفقة والخيرة، ويثق بدينه ومعرفته، قال الله تعالى ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ودلائله كثيرة.
ومنها:
٢ - أنه إذا شاور، وظهر أنه مصلحة، فليقدم استخارةَ الله سبحانه في ذلك؛ فإنها من هديه ﷺ في كل أمر يريده، وكان يعلِّمها كما يعلِّم السورةَ من القرآن، فيصلِّي ركعتين من غير الفريضة، ويدعو بدعاء الاستخارة: "اللهمَّ إني أَستخيرُك بعلمِك، وأَستقدرُك بقدرتك، وأسألُكَ من فضلِك العظيمِ، فإنَّكَ تقدِرُ ولا أَقدر، وتعلمُ ولا أعلم، وأنت علاّم الغيوب، اللهمَّ إن كنت تعلم أن هذا الأمر [ويُسَمّيه] خيرٌ لي في ديني ومَعادي ومعاشي وعاقبة أمري، وعاجِلِه وآجلِه، فاقُدْره لي، ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنتَ تعلم أن هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومعادي ومعاشي وعاقبة أمري، وعاجله وآجله، فاصرفْه عني، واصرفي عنه، وقدّرْ لي الخيرَ حيث كان، ثم رَضني به"، ولا تعود الاستخارة إلى نفس الحج؛ فإنه خيرٌ لا محالة، بل تعود إلى تعيين حينِ الشروعِ فيه وتفاصيل أحواله، وإن كان حاجّاً أو معتمراً تعلم مناسك الحج، أو استصحب معه كتاباً في ذلك، ولو تعلَّمها واستصحبَ كتاباً، كان أفضل.
ومنها:
٣ - أن يبدأ بالتوبة، وردِّ المظالم، وقضاء الديون، وإعداد النفقة لكل
стр. 34
مَنْ تلزمه نفقته إلى وقت الرجوع، ويردُّ ما عنده من الودائع، ويطلبُ المحاللة من كل من بينه وبينه معاملة في شيء أو مصاحبة، ويكتب وصية، ويُشهِد عليه بها.
ومنها:
٤ - أن يستصحب من المال الحلال الطيب ما يكفيه لذهابه وإيابه، من غير تقتير، بل على وجه يُمْكنه معه التوسُّع في الزاد، والرفقُ بالضعفاء والفقراء، ويتصدق بشيء قبل خروجه، وإن قَلَّ، ولكن جاعلاً لزاده من أجلِّ كسبه، فقد ثبت عنه ﷺ : أن الله لا يقبل إلا طيباً، وإذا حجَّ الرجل بمال حرام، صحَّ حجُّه عند الشافعية والحنفية والمالكية، ويُخشى عليه عدمُ القبول، وعند الحنابلة: لا يصح حجه. ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا حج الرجل بمال حرام، فقال: لبيك اللهمَّ لبيك، قال الله تعالى: لا لبيك، ولا سعديك، زادُك حرام، وراحلتُك حرام، وثوبك حرام، ارجعْ مأزوراً غيرَ مأجور". وقد أخرج ابن عدي، والديلمي في "مسند الفردوس" من حديث عمر -رضي الله تعالى عنه- أنه قال ﷺ : "إذا حج الرجل بمال من غير حِلِّه، فقال: اللهم لبيك، قال الله تعالى: لا لبيك ولا سعديك، هذا مردود عليك". وما أحسنَ القائل:
إذا حَجَجْتَ بمالٍ كلُّه سُحُتٌ ... فما حججتَ ولكن حَجَّتِ العِيرُ
لا يقبلُ الله إلا كلَّ صالحةٍ ... ما كلُّ مَنْ حجَّ بيتَ الله مبرورُ
ومنها:
٥ - أن يلتمس رفيقاً صالحاً، مُحباً للخير، معيناً عليه، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإن جَبُن شَجعه، وإن عجز قواه، وإن ضاق صدره صبره، فقد نهي ﷺ عن سفر الرجل وحدَه، وجاء عنه ﷺ : "أن الواحد شيطان، والاثنان شيطانان، والثلاثة ركب"، فلا يخرج إلا في ركب، ثم ليؤمر أحدهم.
ومنها:
٦ - أن يصلي ركعتين في منزله عند إرادة الخروج؛ لما أخرجه البيهقي من حديث أبي هريرة مرفوعاً: "إذا خرجت من منزلك، فصلِّ ركعتين يمنعاك مخرجَ السوء"، ولحديث المفطم بن المقدام: أن رسول الله ﷺ قال: "ما خلف أحدٌ عند أهله أفضلَ من ركعتين يركعهما عندهم حين يريد سفراً" رواه الطبراني. قال النووي في "الأذكار": يقرأ في الأولى منهما الفاتحة، وقل يا أيها الكافرون،
стр. 35
وفي الثانية: قل هو الله أحد، فإذا سلَّم، قرأ آية الكرسي، فقد جاء: أن من قرأ آية الكرسي قبل خروجه من منزله، لم يصبه شيء يكرهه حتى يرجع. ويستحب أن يقرأ سورة: لإيلاف قريش، فقد قال الإمام أبو الحسن القزويني: إنها أمان من كل سوء، ثم يدعو بإخلاص ورِقَّة، ومن أحسن ما يقول: اللهمَّ بكَ أَستعين، وعليك أتوكل، اللهم ذَلِّلْ لي صعوبة أمري، وسهل عليَّ مشقةَ سفري، وارزقني من الخير أكثرَ مما أطلب، واصرفْ عني كلَّ شر، ربِّ اشرح لي صدري، ويسرْ لي أمري، اللهمَّ إني أَستحفظك وأَستودعك نفسي وديني وأهلي وأقاربي، وكلَّ ما أنعمتَ عليَّ وعليهم به من آخرة ودنيا، فاحفظنا أجمعين من كل سوء يا كريم. ويفتتح دعاءه ويختتمه بالتحميد لله تعالى، والصلاةِ والسلام على رسول الله ﷺ ، انتهى كلامه.
ومنها:
٧ - أن يجعل خروجه يوم الخميس في بكرته؛ فقد دعا النبي ﷺ بالبركة لأمته في بُكورها يومَ الخميس، وكان يحبُّ السفر في هذا اليوم.
ومنها:
٨ - أن يودِّعَ رفقاءه المقيمين، وإخوانه وجيرانه، ويلتمس أدعيتهم؛ فقد كان ذلك من هديه ﷺ . أخرج ابن عساكر، والديلمي عنه ﷺ : "إذا خرج أحدُكم إلى السفر، فليودِّعْ إخوانه؛ فإن الله جاعلٌ في دعائهم البركة". وروينا في "مسند الإمام أحمد بن حنبل" وغيره عن ابن عمر، عن رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى إذا استوُدِع شيئاً، حفظه"، وروينا في "كتاب ابن السني" وغيره عن أبي هريرة، قال: من أراد أن يسافر، فليقل لمن يخلف: "أستودُعكم اللهَ الذي لا يُضيع ودائعَه"، وروينا في "سنن أبي داود" عن قزعة، قال: قال لي ابن عمر: تعال أودِّعْك كما ودعني رسولُ الله ﷺ : "استودع اللهَ دينَك وأمانتك وخواتيمَ عملك" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وروينا في "كتاب الترمذي" عن أنس، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إني أريدُ سفراً، فزوِّدْني، فقال: "زودك اللهُ التقوى"، قال: زدني، قال: "وغفر ذنبك"، قال: زدني: قال، "ويسر لك الخير حيثما كنت" قال الترمذي: هذا حديث حسن. وكان من هديه ﷺ توصيتُه من يودعه
стр. 36
بتقوى الله، والتكبير، والدعاء له بعد ذهابه؛ لما ثبت من أنه جاء إليه رجل، فقال: إني أريد سفراً، قال: أوصيك بتقوى الله، والتكبيرِ على كل شَرَف، فلما ولَّى، قال: "اللهمَّ ازو له الأرضَ، وهَوِّنْ عليه السفرَ".
ومنها:
٩ - أن يقول عند نهوضه: ما أخرجه البيهقي وغيره عن أنس، قال: لم يرد رسول الله ﷺ سفراً قط، إلا قال حين ينهض من جلوسه: "اللهمَّ بك انتشرتُ، وإليك توجهتُ، وبك اعتصمتُ، اللهم أنتَ ثقتي ورجائي، اللهمَّ اكفِني ما أهمَّني، وما لا أهمُّ به، وما أنت أعلمُ به مني، عزَّ جارُك، وجل ثناؤك، ولا إلهَ غيرُك، اللهم زَوِّدني التقوى، واغفر لي ذنبي، ووجهني للخير أينما توجهت"، ثم يخرج.
ومنها:
١٠ - ما في "صحيح مسلم" عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر، كبر ثلاثاً، ثم قال: "سبحان الذي سخَّر لنا هذا، وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهمَّ إنا نسألك في سفرنا هذا البرَّ والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هَوِّنْ علينا سفرنا هذا، واطوِعَنا بُعْدَه، اللهم أنتَ الصاحبُ في السفر، والخليفةُ في الأهل، اللهم إني أعوذُ بك من وَعْثاء السفر، وكآبة المَنْظَر، وسوءِ المُنْقَلَب في المال والأهل"، وكلٌّ من الألفاظ سنة يختار منها العبدُ ما شاء، والجمع أحسنُ، وفي رواية أبي داود: كان النبي ﷺ وجيوشه إذا عَلَوُا الثنايا، كَبَّروا، وإذا هبطوا سَبَّحوا. وروينا معناه من رواية جماعة من الصحابة أيضاً مرفوعاً: قال أنس: كان ﷺ إذا علا شرفاً من الأرض، أو نَشَزاً، قال: "اللهمَّ بكَ أشرفُ على كل شرف، ولك الحمد على كل حال".
ومنها:
١١ - ما روينا في "كتاب ابن السني" عن ابن مسعود، عن رسول الله ﷺ ، قال: "إذا انفلتت دابةُ أحدِكم بأرض فلاة، فلينادِ: يا عباد الله! احبسوا، يا عباد الله! احبسوا؛ فإن لله في الأرض حاصراً سيحبسه". قال النووي: حكى لي بعضُ شيوخنا الكبار في العلم: أنه انفلتت له دابة، أظنُّها بغلة، وكان يعرف هذا الحديث، فقال، فحبسها الله عليهم في الحال، وكنت أنا
стр. 37
مرة في جماعة، فانفلتت منها بهيمة، وعجزوا عنها، فقلته، فوقفت في الحال بغير سبب سوى هذا الكلام، انتهى. قلت: وقد وقع لي مثلُ ذلك في بعض الأسفار، وذهب السيل بالدابة، فقلت: يا عباد الله! أعينوني، فوقفت في الحال، ولله الحمد.
ومنها:
١٢ - ما روينا في "سنن النسائي"، و"كتاب ابن السني" عن صهيب: أن النبي ﷺ لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها: "اللهم رِبَّ السموات السبع وما أَظْلَلْنَ، وربَّ الأرضينَ السبعِ وما أقللنَ، وربَّ الشياطين وما أَضللن، وربَّ الرياح وما ذَرَيْنَ، أسألك خيرَ هذه القرية، وخيرَ أهلها، وخيرَ ما فيها، ونعوذ بكَ من شرها، وشرِّ أهلها، وشر ما فيها". وعن ابن مسعود، قال: كان رسول الله ﷺ إذا خاف قوماً، قال: "اللهمَّ إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم" رواه أبو داود، والنسائي بسند صحيح. وعن خولة بنت حكيم، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من نزل منزلاً، ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضرَّهُ شيء حتى يرتحل من منزله ذلك" أخرجه مسلم، ومالك، والترمذي، وغيرهم.
وعن عمر بن الخطاب، قال: كان رسول الله ﷺ إذا سافر، فأقبل الليل، قال: "يا أرضُ! ربي وربُّك اللهُ، أعوذُ بالله من شرِّكِ، وشرِّ ما فيكِ، وشرِّ ما خُلق فيكِ، وشرِّ ما يدبُّ عليكِ، أعوذُ بك من أسدٍ وأسودَ، ومن الحية والعقرب، ومن ساكن البلد، ومن والدٍ وما ولد" رواه أبو داود. وكان يرشد مَنْ سافر، إذا أشرفَ على وادٍ هَلَّلَ وكبر، وإذا هبط سبَّح.
ومنها:
١٣ - أن يرفُق بالدابة، فلا يحمِّلها ما لا تطيق، والنومُ عليها يؤذيها، وكان أهل الورع لا ينامون على الدواب إلا غفوة -أي: نعاساً- عن قعود، ويُستحب أن ينزل عن دابته غدوة وعشية يروحها بذلك، فهو سنة، وفيه آثار عن السلف، وكل من آذى بهيمة، وحملها ما لا تطيق، طولب به يوم القيامة، وفي كل كبدٍ رطبةٍ أجر، فليراع حقَّ الدابة والمكاري جميعاً، وكان من هديه ﷺ الأمرُ لمن سافر في الخصب أن يعطي الإبلَ حظها من الأرض، وإذا سافر في السَّنَة،
стр. 38
أن يسرع في السير، وذلك أن يرخي لها الزمامَ في الخصب، ويتركها تأكل من الأرض، وفي الجدب يبادر تخليصها من الطريق لتستريح بالإناخة وتُعلف، وكان يأمر بالتخفيف عن الدابة وإنزالها ما تعتاد، وينهى عن اتخاذها كراسيَ للتحادُث.
ومنها:
١٤ - ما قال الغزالي في "الإحياء": ألا ينزل حتى يحمى النهار، ويكون أكثر سيره بالليل، وليقلل نومه بالليل حتى يكون ذلك عوناً على السير، ويحتاط بالنهار، فلا يمشي منفرداً خارج القافلة؛ لأنه ربما يُغتال أو يَنقطع، ويكون بالليل متحفظاً عند النوم، فإن نام في ابتداء الليل، افترش ذراعه، وإن نام في آخر الليل، نصبَ ذراعه، وجعل رأسه في كفه، هكذا كان ينام رسول الله ﷺ في أسفاره، والأحبُّ في الليل أن يتناوب الرفيقان في الحراسة، فإذا نام أحدهما، حرسَ الآخرُ، فهو السنة، فإن قصده عدوٌّ أو سَبُع في ليل أو نهار، فليقرأ آية الكرسي والإخلاص والمعوذتين، انتهى.
ومنها:
١٥ - أن تكون اليد خالية من التجارة وغيرها من أغراض الدنيا الدنية، حتى يكون الهمُّ مجرَّداً لله تعالى، والقلبُ مطمئناً منصرِفاً إلى ذكر الله وتعظيم شعائره؛ فإنه لا يقبل إلا الخالصَ لوجهه الكريم، فعليه الإخلاصُ لله، وصيانةُ الحج من شوائب سمعة ورياء.
ومنها:
١٦ - التوسُّع في الزاد، وطيبُ النفس بالبذل، وبذلُ الزاد في سبيل الحج نفقة في سبيل الله ، والدرهم بسبع مئة درهم، قال ابن عمر: أفضل الحاج أخلصُهم نية، وأزكاهم نفقة، وأحسنهم يقيناً.
ومنها:
١٧ - أن يكون طيبَ النفس بما أصابه من خسران ومصيبة في مال أو بدن؛ فإن ذلك من دلائل قبول حجِّه؛ فإن المصيبة في طريق الحج تعدل النفقةَ في سبيل الله، وهو بمثابة الشدائد في طريق الجهاد، فله بكل أذًى احتمله وخسرانٍ أصابه ثوابٌ، ولا يضيع منه شيء عند الله.
ومنها:
١٨ - ما قاله الغزالي: ألا يعاون أعداءَ الله سبحانه بتسليم المكس، وهم الصادون عن المسجد الحرام من أمراء مكةَ والأعراب. قلت: ومن الأتراك
стр. 39
المترصدين في الطرق، الجالسين في الحديدة، وجدة، ونحوها، انتهى؛ فإن تسليم المال إليهم إعانةٌ على الظلم، فليتلطف في حيلة الخلاص، فإن لم يقدر، فقد قال بعض العلماء: ولا بأس بما قاله: إن ترك التنفل بالحج والرجوع عن الطريق أفضلُ من إعانة الظَّلَمَة؛ فإن هذه بدعة أحدثت، وفي الانقياد لها ما يجعلها سنة مطَّردة، وفيه ذلٌّ وصَغار على المسلمين ببذل جزية، انتهى.
ومنها:
١٩ - إذا خرج ينبغي أن يستعمل مكارم الأخلاق مع رُفقته، ويحسن عشرته معهم، ويُلين جانبه لهم، ويعمل معهم ما يعملونه، ويبذل لهم الموجودَ من غير مضرة، لا سيما بذل الماء لذوي العطش، خصوصاً في طريق المدينة المنورة، ويروى أنه ﷺ سئل عن أثر الحج، فقال: "إطعامُ الطعام، ولينُ الكلام"، ويكفُّ لسانه إلا عن الخير، وجوارحَه إلا عن المعروف، وإعانة الملهوف، ويحتمل للجافي جفاه، وللموذي أذاه؛ فقد ورد أنها ما تجهزت رفقةٌ للحج، إلا جهز إبليسُ معها رفقةً من أجناده، تأزُّهم إلى الشر، وتبعدهم عن الخير، فالسعيد مَنْ عصمَه الله عن ذلك. وينبغي ألا يكون كثير الاعتراض على رفيقه وجِماله وخادمِه وغيرِهم من أصحابه، بل يخفض جناحه، ويُلين جانبه للسائرين إلى بيت الله؛ إذ ليس حسن الخلق كفَّ الأذى، بل احتمال الأذى، وقيل: سمي السفر: سفراً؛ لأنه يُسْفِر عن أخلاق الرجال.
ومنها:
٢٠ - أن يترك الرفثَ والفسوقَ والجدال، كما نطق به القرآن الكريم، والرفث: اسمٌ جامع لكل لغوٍ وخَنَا وفحشٍ من الكلام، ويدخل فيه مغازلةُ النساء ومداعبتهن، والتحدثُ بشأن الجماع ومقدماته؛ فإن ذلك يهيج داعيةَ الجِماع، والداعي إلى المحظور محظورٌ، وليس في المحظورات ما يفسد الحج إلا جنسُ الرفث، فلهذا مُيز بينه وبين الفسوق وسائر المحظورات؛ كاللباس والطيب؛ فإنه وإن كان يأثم بها، فلا يفسد الحج عند أحد من الأئمة المشهورين، والفسوق: اسم جامع لكل خروج عن طاعة الله ، ويتناول كلَّ ما حرمه الله، ولا يختص بالسباب، وإن كان سباب المسلم فسوق، فالفسوق يعمُّ هذا وغيرَه، والجدال: هو المبالغة في الخصومة، والمماراة بما يورث الضغائن، ويفرق في
стр. 40
الحال الهمة، ويناقض حسن الخلق، ولم ينه الله المحرمَ ولا غيره عن الجدال مطلقاً، بل الجدال قد يكون واجباً أو مستحباً، كما قال تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقد يكون محرَّماً؛ كالجدال في الحق بعد ما تبين، وهذا يعم الحجَّ وغيره.
ومنها:
٢١ - ما روى أبو هريرة عنه ﷺ : أنه قال: "ثلاثُ دَعَوات مستجابات لا شكَّ فيهن:
١ - دعوة المظلوم،
٢ - ودعوة المسافر،
٣ - ودعوة الوالد على ولده" رواه أبو داود، وابن ماجه، وحسنه الترمذي، وليس في راوية أبي داود: "على ولده"، وعن عمر: جاء غلام إلى النبي ﷺ ، فقال: إني أريد الحج، فمشى معه رسول الله ﷺ ، فقال: "يا غلام! زَوَّدَكَ اللهُ التقوى، ووجَّهك في الخير، وكفاك الهمَّ"، فلما رجع الغلام، سلم على النبي ﷺ ، فقال: "قبلَ اللهُ حجَّك، وغفرَ ذنبك، وأخلف نفقتك" رواه ابن السني. وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "اللهم اغفرْ للحاجِّ، ولمن استغفر له الحاجُّ" رواه البيهقي، وقال الحاكم: هو صحيح على شرط مسلم.
ومنها:
٢٢ - الإحرامُ من دُوَيْرَةِ أهلِه، فقد قيل: إن ذلك من تمام الحجّ، قاله عمر، وعلي، وابن مسعود في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
ومنها:
٢٣ - ألا يركب إلا زاملةً، وحجَّ رسولُ الله ﷺ على راحلة، وكان تحته رحلٌ رَثٌّ، وقَطيفة خَلَقَة ثمنُها أربعة دراهم، وقيل: إن هذه المحامل أحدثها الحَجَّاج، وكان العلماء في وقته يُنكرونها، وكان ابن عمر إذا نظر إليها يقول: الحاجُّ قليل، والركبُ كثير، ثم نظر إلى رجل مسكين رثِّ الهيئِة تحتَ جوالقَ، فقال: هذا من الحُجاج.
وفي "سفر السعادة": وكان ﷺ راكباً على بعير عليه رحل، وليس عليه شقذف، ولا محارة، ولا محمل، ولا هودج، ولا مِحَفَّة، انتهى. فينبغي أن يكون رثَّ الهيئة، أشعثَ أغبرَ، غيرَ مستكثر من الزينة، ولا مائل إلى أسباب التفاخر والتكاثر، فيكتب في ديوان المتكبرين، لا يسرف في التنعُّم والترفُّه والتزيُّن؛ فإن ذلك بعيد عن المسكنة التي هي مقصودة بعبادة الحج، وفي