Полный текст (169 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
بتقوى الله، والتكبير، والدعاء له بعد ذهابه؛ لما ثبت من أنه جاء إليه رجل، فقال: إني أريد سفراً، قال: أوصيك بتقوى الله، والتكبيرِ على كل شَرَف، فلما ولَّى، قال: "اللهمَّ ازو له الأرضَ، وهَوِّنْ عليه السفرَ".
ومنها:
٩ - أن يقول عند نهوضه: ما أخرجه البيهقي وغيره عن أنس، قال: لم يرد رسول الله ﷺ سفراً قط، إلا قال حين ينهض من جلوسه: "اللهمَّ بك انتشرتُ، وإليك توجهتُ، وبك اعتصمتُ، اللهم أنتَ ثقتي ورجائي، اللهمَّ اكفِني ما أهمَّني، وما لا أهمُّ به، وما أنت أعلمُ به مني، عزَّ جارُك، وجل ثناؤك، ولا إلهَ غيرُك، اللهم زَوِّدني التقوى، واغفر لي ذنبي، ووجهني للخير أينما توجهت"، ثم يخرج.
ومنها:
١٠ - ما في "صحيح مسلم" عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ كان إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر، كبر ثلاثاً، ثم قال: "سبحان الذي سخَّر لنا هذا، وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهمَّ إنا نسألك في سفرنا هذا البرَّ والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هَوِّنْ علينا سفرنا هذا، واطوِعَنا بُعْدَه، اللهم أنتَ الصاحبُ في السفر، والخليفةُ في الأهل، اللهم إني أعوذُ بك من وَعْثاء السفر، وكآبة المَنْظَر، وسوءِ المُنْقَلَب في المال والأهل"، وكلٌّ من الألفاظ سنة يختار منها العبدُ ما شاء، والجمع أحسنُ، وفي رواية أبي داود: كان النبي ﷺ وجيوشه إذا عَلَوُا الثنايا، كَبَّروا، وإذا هبطوا سَبَّحوا. وروينا معناه من رواية جماعة من الصحابة أيضاً مرفوعاً: قال أنس: كان ﷺ إذا علا شرفاً من الأرض، أو نَشَزاً، قال: "اللهمَّ بكَ أشرفُ على كل شرف، ولك الحمد على كل حال".
ومنها:
١١ - ما روينا في "كتاب ابن السني" عن ابن مسعود، عن رسول الله ﷺ ، قال: "إذا انفلتت دابةُ أحدِكم بأرض فلاة، فلينادِ: يا عباد الله! احبسوا، يا عباد الله! احبسوا؛ فإن لله في الأرض حاصراً سيحبسه". قال النووي: حكى لي بعضُ شيوخنا الكبار في العلم: أنه انفلتت له دابة، أظنُّها بغلة، وكان يعرف هذا الحديث، فقال، فحبسها الله عليهم في الحال، وكنت أنا
стр. 37
مرة في جماعة، فانفلتت منها بهيمة، وعجزوا عنها، فقلته، فوقفت في الحال بغير سبب سوى هذا الكلام، انتهى. قلت: وقد وقع لي مثلُ ذلك في بعض الأسفار، وذهب السيل بالدابة، فقلت: يا عباد الله! أعينوني، فوقفت في الحال، ولله الحمد.
ومنها:
١٢ - ما روينا في "سنن النسائي"، و"كتاب ابن السني" عن صهيب: أن النبي ﷺ لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها: "اللهم رِبَّ السموات السبع وما أَظْلَلْنَ، وربَّ الأرضينَ السبعِ وما أقللنَ، وربَّ الشياطين وما أَضللن، وربَّ الرياح وما ذَرَيْنَ، أسألك خيرَ هذه القرية، وخيرَ أهلها، وخيرَ ما فيها، ونعوذ بكَ من شرها، وشرِّ أهلها، وشر ما فيها". وعن ابن مسعود، قال: كان رسول الله ﷺ إذا خاف قوماً، قال: "اللهمَّ إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم" رواه أبو داود، والنسائي بسند صحيح. وعن خولة بنت حكيم، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من نزل منزلاً، ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضرَّهُ شيء حتى يرتحل من منزله ذلك" أخرجه مسلم، ومالك، والترمذي، وغيرهم.
وعن عمر بن الخطاب، قال: كان رسول الله ﷺ إذا سافر، فأقبل الليل، قال: "يا أرضُ! ربي وربُّك اللهُ، أعوذُ بالله من شرِّكِ، وشرِّ ما فيكِ، وشرِّ ما خُلق فيكِ، وشرِّ ما يدبُّ عليكِ، أعوذُ بك من أسدٍ وأسودَ، ومن الحية والعقرب، ومن ساكن البلد، ومن والدٍ وما ولد" رواه أبو داود. وكان يرشد مَنْ سافر، إذا أشرفَ على وادٍ هَلَّلَ وكبر، وإذا هبط سبَّح.
ومنها:
١٣ - أن يرفُق بالدابة، فلا يحمِّلها ما لا تطيق، والنومُ عليها يؤذيها، وكان أهل الورع لا ينامون على الدواب إلا غفوة -أي: نعاساً- عن قعود، ويُستحب أن ينزل عن دابته غدوة وعشية يروحها بذلك، فهو سنة، وفيه آثار عن السلف، وكل من آذى بهيمة، وحملها ما لا تطيق، طولب به يوم القيامة، وفي كل كبدٍ رطبةٍ أجر، فليراع حقَّ الدابة والمكاري جميعاً، وكان من هديه ﷺ الأمرُ لمن سافر في الخصب أن يعطي الإبلَ حظها من الأرض، وإذا سافر في السَّنَة،
стр. 38
أن يسرع في السير، وذلك أن يرخي لها الزمامَ في الخصب، ويتركها تأكل من الأرض، وفي الجدب يبادر تخليصها من الطريق لتستريح بالإناخة وتُعلف، وكان يأمر بالتخفيف عن الدابة وإنزالها ما تعتاد، وينهى عن اتخاذها كراسيَ للتحادُث.
ومنها:
١٤ - ما قال الغزالي في "الإحياء": ألا ينزل حتى يحمى النهار، ويكون أكثر سيره بالليل، وليقلل نومه بالليل حتى يكون ذلك عوناً على السير، ويحتاط بالنهار، فلا يمشي منفرداً خارج القافلة؛ لأنه ربما يُغتال أو يَنقطع، ويكون بالليل متحفظاً عند النوم، فإن نام في ابتداء الليل، افترش ذراعه، وإن نام في آخر الليل، نصبَ ذراعه، وجعل رأسه في كفه، هكذا كان ينام رسول الله ﷺ في أسفاره، والأحبُّ في الليل أن يتناوب الرفيقان في الحراسة، فإذا نام أحدهما، حرسَ الآخرُ، فهو السنة، فإن قصده عدوٌّ أو سَبُع في ليل أو نهار، فليقرأ آية الكرسي والإخلاص والمعوذتين، انتهى.
ومنها:
١٥ - أن تكون اليد خالية من التجارة وغيرها من أغراض الدنيا الدنية، حتى يكون الهمُّ مجرَّداً لله تعالى، والقلبُ مطمئناً منصرِفاً إلى ذكر الله وتعظيم شعائره؛ فإنه لا يقبل إلا الخالصَ لوجهه الكريم، فعليه الإخلاصُ لله، وصيانةُ الحج من شوائب سمعة ورياء.
ومنها:
١٦ - التوسُّع في الزاد، وطيبُ النفس بالبذل، وبذلُ الزاد في سبيل الحج نفقة في سبيل الله ، والدرهم بسبع مئة درهم، قال ابن عمر: أفضل الحاج أخلصُهم نية، وأزكاهم نفقة، وأحسنهم يقيناً.
ومنها:
١٧ - أن يكون طيبَ النفس بما أصابه من خسران ومصيبة في مال أو بدن؛ فإن ذلك من دلائل قبول حجِّه؛ فإن المصيبة في طريق الحج تعدل النفقةَ في سبيل الله، وهو بمثابة الشدائد في طريق الجهاد، فله بكل أذًى احتمله وخسرانٍ أصابه ثوابٌ، ولا يضيع منه شيء عند الله.
ومنها:
١٨ - ما قاله الغزالي: ألا يعاون أعداءَ الله سبحانه بتسليم المكس، وهم الصادون عن المسجد الحرام من أمراء مكةَ والأعراب. قلت: ومن الأتراك
стр. 39
المترصدين في الطرق، الجالسين في الحديدة، وجدة، ونحوها، انتهى؛ فإن تسليم المال إليهم إعانةٌ على الظلم، فليتلطف في حيلة الخلاص، فإن لم يقدر، فقد قال بعض العلماء: ولا بأس بما قاله: إن ترك التنفل بالحج والرجوع عن الطريق أفضلُ من إعانة الظَّلَمَة؛ فإن هذه بدعة أحدثت، وفي الانقياد لها ما يجعلها سنة مطَّردة، وفيه ذلٌّ وصَغار على المسلمين ببذل جزية، انتهى.
ومنها:
١٩ - إذا خرج ينبغي أن يستعمل مكارم الأخلاق مع رُفقته، ويحسن عشرته معهم، ويُلين جانبه لهم، ويعمل معهم ما يعملونه، ويبذل لهم الموجودَ من غير مضرة، لا سيما بذل الماء لذوي العطش، خصوصاً في طريق المدينة المنورة، ويروى أنه ﷺ سئل عن أثر الحج، فقال: "إطعامُ الطعام، ولينُ الكلام"، ويكفُّ لسانه إلا عن الخير، وجوارحَه إلا عن المعروف، وإعانة الملهوف، ويحتمل للجافي جفاه، وللموذي أذاه؛ فقد ورد أنها ما تجهزت رفقةٌ للحج، إلا جهز إبليسُ معها رفقةً من أجناده، تأزُّهم إلى الشر، وتبعدهم عن الخير، فالسعيد مَنْ عصمَه الله عن ذلك. وينبغي ألا يكون كثير الاعتراض على رفيقه وجِماله وخادمِه وغيرِهم من أصحابه، بل يخفض جناحه، ويُلين جانبه للسائرين إلى بيت الله؛ إذ ليس حسن الخلق كفَّ الأذى، بل احتمال الأذى، وقيل: سمي السفر: سفراً؛ لأنه يُسْفِر عن أخلاق الرجال.
ومنها:
٢٠ - أن يترك الرفثَ والفسوقَ والجدال، كما نطق به القرآن الكريم، والرفث: اسمٌ جامع لكل لغوٍ وخَنَا وفحشٍ من الكلام، ويدخل فيه مغازلةُ النساء ومداعبتهن، والتحدثُ بشأن الجماع ومقدماته؛ فإن ذلك يهيج داعيةَ الجِماع، والداعي إلى المحظور محظورٌ، وليس في المحظورات ما يفسد الحج إلا جنسُ الرفث، فلهذا مُيز بينه وبين الفسوق وسائر المحظورات؛ كاللباس والطيب؛ فإنه وإن كان يأثم بها، فلا يفسد الحج عند أحد من الأئمة المشهورين، والفسوق: اسم جامع لكل خروج عن طاعة الله ، ويتناول كلَّ ما حرمه الله، ولا يختص بالسباب، وإن كان سباب المسلم فسوق، فالفسوق يعمُّ هذا وغيرَه، والجدال: هو المبالغة في الخصومة، والمماراة بما يورث الضغائن، ويفرق في
стр. 40
الحال الهمة، ويناقض حسن الخلق، ولم ينه الله المحرمَ ولا غيره عن الجدال مطلقاً، بل الجدال قد يكون واجباً أو مستحباً، كما قال تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقد يكون محرَّماً؛ كالجدال في الحق بعد ما تبين، وهذا يعم الحجَّ وغيره.
ومنها:
٢١ - ما روى أبو هريرة عنه ﷺ : أنه قال: "ثلاثُ دَعَوات مستجابات لا شكَّ فيهن:
١ - دعوة المظلوم،
٢ - ودعوة المسافر،
٣ - ودعوة الوالد على ولده" رواه أبو داود، وابن ماجه، وحسنه الترمذي، وليس في راوية أبي داود: "على ولده"، وعن عمر: جاء غلام إلى النبي ﷺ ، فقال: إني أريد الحج، فمشى معه رسول الله ﷺ ، فقال: "يا غلام! زَوَّدَكَ اللهُ التقوى، ووجَّهك في الخير، وكفاك الهمَّ"، فلما رجع الغلام، سلم على النبي ﷺ ، فقال: "قبلَ اللهُ حجَّك، وغفرَ ذنبك، وأخلف نفقتك" رواه ابن السني. وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "اللهم اغفرْ للحاجِّ، ولمن استغفر له الحاجُّ" رواه البيهقي، وقال الحاكم: هو صحيح على شرط مسلم.
ومنها:
٢٢ - الإحرامُ من دُوَيْرَةِ أهلِه، فقد قيل: إن ذلك من تمام الحجّ، قاله عمر، وعلي، وابن مسعود في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
ومنها:
٢٣ - ألا يركب إلا زاملةً، وحجَّ رسولُ الله ﷺ على راحلة، وكان تحته رحلٌ رَثٌّ، وقَطيفة خَلَقَة ثمنُها أربعة دراهم، وقيل: إن هذه المحامل أحدثها الحَجَّاج، وكان العلماء في وقته يُنكرونها، وكان ابن عمر إذا نظر إليها يقول: الحاجُّ قليل، والركبُ كثير، ثم نظر إلى رجل مسكين رثِّ الهيئِة تحتَ جوالقَ، فقال: هذا من الحُجاج.
وفي "سفر السعادة": وكان ﷺ راكباً على بعير عليه رحل، وليس عليه شقذف، ولا محارة، ولا محمل، ولا هودج، ولا مِحَفَّة، انتهى. فينبغي أن يكون رثَّ الهيئة، أشعثَ أغبرَ، غيرَ مستكثر من الزينة، ولا مائل إلى أسباب التفاخر والتكاثر، فيكتب في ديوان المتكبرين، لا يسرف في التنعُّم والترفُّه والتزيُّن؛ فإن ذلك بعيد عن المسكنة التي هي مقصودة بعبادة الحج، وفي
стр. 41
الحديث: "إنما الحاج الشعثُ التَّفِلُ، يقول الله تعالى: انظروا إلى زوار بيتي، قد جاؤوا شُعْثاً غُبْراً من كل فجٍّ عميق"، وقال تعالى: ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ والتفث: الشعث، والاغبرار، وقضاؤه بالحلق وقصِّ الشارب والأظفار.
ومنها:
٢٤ - أنه كان من هديه ﷺ في أسفاره، قصرُ الصلاة الرباعية، والاقتصارُ على الفرائض دون نوافها، إلا سنَة الفجر والوتر؛ فإنه كان لا يدعُهما.
ومنها:
٢٥ - أنه كان من هديه ﷺ إذا ارتحل بعد زوال الشمس، جمع الظهر إلى العصر، وصلى الصلاتين معاً، وإن ارتحل قبلَه، أخَّر الظهر إلى العصر، فينزل لهما معاً، وكذلك المغرب والعشاء، لم يأتِ أنه ﷺ صلى الصلاة لأول وقتها منفردة عن الأخرى، وكان من هديه أداءُ الناقلة المطلقة على راحلته.
هذه آداب السفر التي ذكرها أهل المناسك في كتبهم، وهي لا تختص بالحج والعمرة، بل تعم الأسفارَ كلَّها، ولكن إذا كان مراعاتها في آحاد الأسفار يستحب ويسن، ففي سفر الحج الذي هو خير الأسفار وأصعبها بالأولى، فلذلك ذكرتُها، وإن طالت ذيولها.
٣ - فصل في وجوب الحج والعمرة لله -
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٥ - ٩٧]، وعن أبي هريرة قال: خطبَنا رسولُ الله ﷺ فقال: "أيها الناس! قد فُرض عليكم الحجُّ فحجوا" رواه أحمد، ومسلم، والنسائي. وقالوا: الحج فريضة محكَمة على كل مكلف حر مسلم مستطيع، يكفر جاحدُها، ويفسق تاركها بغير عذر، ولا يجبُ إلا مرة واحدة، باتفاق الأئمة، وعليه إجماع الأمة، قاله الحافظ ابن حجر، والنووي، وغيرهما، وكذلك العمرةُ عندَ من قال بوجوبها؛ كالشافعي: لا تجب إلا مرة واحدة، إلا أن ينذر، فيجبُ الوفاء بالنذر بشرطه.
стр. 42
وعن أبي رزين "العقيلي: أنه أتى النبيَّ ﷺ ، فقال: إن أبي شيخ كبير، لا يستطيع الحجَّ ولا العمرة ولا الظعنَ، قال: "حج عن أبيك واعتمر" رواه الخمسة، وصححه الترمذي، قال أحمد بن حنبل: لا أعلم في إيجاب العمرة حديثاً أجودَ من هذا، ولا أصح منه، انتهى. قلت: وقد جزم بوجوبها جماعةٌ من أهل الحديث، وبه قال أحمد، وإسحاق، والثوري، والمزني، والمشهور عن المالكية: أنها ليست بواجبة، وهو قول الحنفية، ولا خلاف في المشروعية، وقد روي القولُ بوجوبها عن علي، وابن عباس، وابن عمر، وعائشة، وزين العابدين، وطاوس، والحسن، وابن سيرين، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، وهو الراجح.
واختلفوا في ابتداء افتراض الحج، فقيل: قبل الهجرة، قال في "الفتح": هو شاذ، وقيل: بعدها، ثم اختلفوا في سنته، فالجمهور على أنه سنة ست، وقيل: خمس، وقيل: تسع، أو عشر، ورجحه الحافظ ابن القيم في "الهدي"، واستدل على ذلك بأدلة، فليؤخذ منه.
وفي "سفر السعادة": جماهير العلماء: أنه ﷺ حج بعد الهجرة حجة، وتلك حجة الوداع، ولا خلاف أنها كانت في السنة العاشرة من الهجرة، وأما قبل الهجرة، فثبت في الترمذي أنه حج حجتين، ونقل صاحب "المحلى": أنه زاد على ثلاث وأربع، لكن لم يحفظ العدد، ولما فرض الحج في العام التاسع، اشتغل بتجهيز أسباب السفر في الفور، وأما قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ فإنها نزلت في العام السادس، وذا لا يدل على فرضية الحج والعمرة، بل هو أمر بإتمام الحج والعمرة بعد الشروع فيه، انتهى.
٤ - فصل في وجوب الحج على الفور
عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-، عن النبي ﷺ ، قال: "تعجلوا -أي: الحج-؛ فإن أحدَكم لا يدري ما يعرِضُ له" رواه أحمد، وعن علي -رضي الله تعالى عنه-، قال: قال رسول الله ﷺ : "من مَلَكَ زاداً وراحلة تُبْلِغُه إلى بيت الله، ولم يحج، فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً، وذلك أن الله
стр. 43
تعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] رواه الترمذي والبيهقي من رواية الحارث بن علي، وكلام الناس في الحارث مشهور، كذَّبه الشعبي، وابن المديني، وقال أيوب: كان ابن سيرين يرى أن عامة ما يروي عن عليٍّ باطل، واختلف فيه رأيُ ابن معين، والنسائي، وابن حبان، فضعفوه تارة، ووثقوه أخرى، وميل النسائي إلى توثيقه، والاحتجاج به، وتقوية أمره، وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، انتهى.
والحاصل: أن الحديث ضعيف كما قاله النووي في "شرح المهذب"، نعم صح ذلك عن عمر -رضي الله تعالى عنه-، ومن ثم قال: لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار، فينظروا كلَّ من كان له جِدَةٌ ولم يَحُجّ، فيضربوا عليهم الجزيةَ، ما هم بمسلمين، رواه سعيد بن منصور في "سنته"، والبيهقي، ومثل ذلك الحديث لا يقال من قبل الرأي، فيكون في حكم المرفوع، وقد رواه البيهقي أيضاً عن عبد الله بن سابط، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ ، قال: "من لم تحبسه حاجة ظاهرة، أو مرض حابس، أو سلطان جائر، ولم يحج، فليمتْ إن شاء يهودياً، وإن شاء نصرانياً". وعن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قال: "يقول الله : إن عبداً أصححتُ له جسمَه، ووسَّعْتُ عليه في المعيشة، تمضي عليه خمسةُ أعوام لا يغدو عليَّ لَمحرومٌ" رواه ابن حبان في "صححيه"، والبيهقي، وقال: قال علي بن المنذر: أخبرني بعض أصحابنا: كان حسن بن حَيٍّ يعجبه هذا الحديث، وبه يأخذ، ويحب للرجل الموسر الصحيح ألا يترك الحج خمس سنين.
وفي الباب أحاديث تدل على أن الحج واجبٌ على الفور، وإليه ذهب أبو حنيفة، وأحمد وبعض أصحاب الشافعي، وهو رواية العراقيين عن مالك. وقال الشافعي، والأوزاعي، وأبو يوسف، ومحمد، وهو مذهب مالك عند القاضي عياض وأتباعه من المغاربة: إنه على التراخي، إلا أن ينتهي إلى حال يظن فواته لو أخره عنها. وعن سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي ومجاهد وطاوس: لو علمت رجلاً غنياً وجبَ عليه الحج، ثم مات قبل أن يحجَّ،
стр. 44
ما صليتُ عليه، وبعضهم كان له جارٌ موسر، فمات ولم يحجَّ، فلم يصل عليه، وكان ابن عباس يقول: من مات ولم يحج، سأل الرجعة إلى الدنيا، وقرأ قوله تعالى: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠] قال: أَحُجُّ.
٥ - فصل في اعتبار الزاد والراحلة
عن أنس في قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، قال: قيل: يا رسول الله! ما السبيل؟ قال: "الزاد والراحلة"، رواه الدارقطني، والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما، والبيهقي. وفي الباب عن ابن عمر عند الشافعي، والترمذي، وحسنه، وابن ماجه، والدارقطني، وفي سنده ضعف. وعن جابر، وعلي، وابن مسعود، وعائشة، وابن عمر، وعند الدارقطني من طرق، قال الحافظ: كلها ضعيفة. قلت: ولكن هذه الطرق بعضُها يقوي بعضاً فيصلح الاحتجاج بها، وبذلك استدل من قال: إن الاستطاعة في القرآن: هي الزاد والراحلة، والأكثر على أن الزاد شرطُ وجوب، وهو أن يجد ما يكفيه ويكفي من يعول حتى يرجع، وكذا الراحلة شرط وجوب عند ابن عباس، وابن عمر، والثوري، وأكثر الفقهاء. وقال ابن الزبير، وعطاء، وعكرمة: إن الاستطاعة الصحةُ لا غير، وقال مالك: إن من قدر على المشي ولا يجد راحلة، لزمه بقوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج: ٢٧] ومَنْ عادُته السؤال، لزمه، وإن لم يجد الزاد. وفي كتب الفقه تفاصيلُ في قدر الاستطاعة، ذكرت بعضَها في كتابنا "نيل المرام من تفسير آيات الأحكام"، والذي دل عليه الدليل، هو اعتبار الزاد والراحلة، وإن قدر على المشي.
٦ - فصل في ركوب البحر
عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنه-، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يركب البحرَ إلا حاجٌّ أو معتمرٌ أو غازٍ في سبيل الله ؛ فإن تحتَ البحر ناراً، وتحت النار بحراً" رواه أبو داود، وسعيد بن منصور، في "سننهما"، والبيهقي،
стр. 45
قال الخطابي: ضعفوا إسناده. وعن أبي عمران الجوني، قال: قال رسول الله ﷺ : "من ركب البحرَ عند ارتجاجه، فمات، برئت منه الذمةُ رواه أحمد، وفي سنده مجهول، والارتجاج: الاضطراب، وفيه دلالة على عدم جواز ركوب البحر في أوقات اضطرابه وطوفانه. وعن الحسن، عن سمرة: كان أصحاب رسول الله ﷺ يتَّجرون في البحر، وفي سماع الحسن عن سمرة مقال، ولم ينكر النبي ﷺ على الصيادين لما قالوا: إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فدل على جواز ركوب البحر للحج، إلا أن يغلب على ظنه الهلاك.
قال الشوكاني: غايةُ ما في ذلك: أن يكون ركوبُ البحر للصيد والتجارة، مما خُصَّ به عمومُ مفهوم الحديث على ما فرض صلاحيته للاحتجاج، انتهى. ولا طريق لأهل الهند إلا ركوبُ البحر للحج، والغالبُ فيه السلامة، فلا يسقط الفرض على ظن الهلاك، ومن أسقطه، فقد أخطأ. وعن حسين بن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : "أمانٌ لأمتي من الغرق إذا ركبوا أن يقولوا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود: ٤١]، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] رواه ابن السني. وقد ذكر الله البحر وفلكه وموجه في كتابه العزيز في مواضع.
٧ - فصل في حج الصبي والرقيق والحج عن الغير
قال ابن بطال: أجمع أئمةُ الفتوى على سقوط الفرض عن الصبي حتى يبلغ، وإذا حج، كان له تطوُّعاً عند الجمهور، قال القاضي عياض: أجمعوا على أنه لا يجزيه إذا بلغ عن حجة الإسلام، إلا فرقةٌ شذت، فقالت: يجزيه؛ لقوله: "نعم"، وظاهره: كون حج الصبي حجاً مطلقاً، والحج إذا أطلق تبادر منه إسقاطُ الواجب، ولكن العلماء ذهبوا إلى خلافه، وقد ذهب طائفة من أهل البدع إلى منع الصغير من الحج، قال النووي: وهو مردود، ولا يُلتفت إليه؛ لفعل النبي ﷺ وأصحابه، وإجماع الأمة على خلافه، انتهى. قال أبو حنيفة: لا يصح إحرامه، ولا يلزمه شيء من محظورات الحرام، وإنما يحج به على جهة التدريب.
стр. 46
وفي "نيل الأوطار" بعد ذكر أحاديث الباب: يؤخذ من مجموع هذه الأحاديث: أنه يصح حج الصبي، ولا يجزيه عن حجة الإسلام إذا بلغ، وهذا هو الحق، فتعين المصير إليه جمعاً بين الأدلة، انتهى. قال عز بن جماعة: يُحْرِم الصبي المميزُ بإذن وليه باتفاق الأربعة، ولا يصح إحرامه بغير إذن وليه عند الشافعية، والحنابلة، ويصح عند المالكية، ويُحْرِم عن الصبي الذي لا يميز وليُّه، وإن كان محرِماً عن نفسه، ومتى صار الصبي محرماً بإحرامه أو إحرام وليه، فعل الصبي ما قدر عليه، وفعل به الولي ما عجز عنه باتفاق الأربعة، والرقيق ينعقد إحرامُه بإذن سيده، وبغير إذنه عند الشافعية، والمالكية، والحنابلة، وعند الحنفية أنه لا ينعقد إحرامه إلا بإذن سيده، انتهى.
وهكذا يصح الحج عن الغير، سواء كان حياً أو ميتاً؛ للأحاديث الواردة في ذلك في الصحاح والسنن، وهي كثيرة، منها: حديث ابن عباس، وفيه: قالت: إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة، أفأحجُّ عنه؟ قال: "نعم"، متفق عليه، واللفظ للبخاري وسأله رجل، فقال: إن أبي مات ولم يحج، أفأحج عنه؟ فقال: "أرأيتَ إن كان على أبيك دَيْنٌ أكنت قاضيه؟ "، قال: نعم، قال: "فدين الله أحق"، رواه أحمد، ونحو ذلك، وهي تدل على أن السؤال والجواب إنما كان عن القبول والصحة، لا عن الوجوب، فافهم.
٨ - فصل في أنواع الحج
وهي ثلاث:
١ - الإفراد: وهو للآفاقي أن يحرم من الميقات، فإن دخل مكة قبل الوقوف، طاف للقدوم، ورَمَلَ فيه، وسعى بين الصفا والمروة، ثم بقي على إحرامه حتى يقوم بعرفة، ويرمي ويحلق ويطوف، ولا رمل ولا سعى حينئذ، ولحاضرِ مكة أن يُحرِم منها، ويخرج إلى عرفات، ويكون فيها عشيةَ عرفة، ثم يرجع منها بعد غروب الشمس، ويبيت بمزدلفة، ويدفع منها قبل شروق الشمس، فيأتي منى، ويرمي العقبة الكبرى، ويُهدي إن كان معه، ويحلق أو يقصر، ثم يطوف للإفاضة في أيام منى، ويسعى بين الصفا والمروة، ولا خلاف في جوازه، وليس على المفرد دم إلا أن يتطوع.
стр. 47
٢ - والقِران: وهو أن يحرم الآفاقي بالحج والعمرة معاً، ثم يدخل مكة، ويبقى على إحرامه حتى يفرغ من أعمال الحج، وعليه أن يطوف طوافاً وحداً، ويسعى سعياً واحداً عند أهل المدينة والشافعي، وطوافين وسعيين عند الحنفية، ثم يذبح ما استيسر من الهَدْي، فإذا أراد إن ينفر من مكة، طاف للوداع، وهو أيضاً متفَق على جوازه، وداخل في اسم التمتُّع في الكتاب والسنة وكلامِ الصحابة، وعلى القارن دمُ شاة، إلا أن يكون مكيّاً، فلا شيء عليه.
٣ - والتمتعُّ: وهو أن يُحرم الآفاقيُّ للعمرة في أشهر الحج، فيدخل مكة، ويتم عمرته، ويخرج من إحرامه، ثم يبقى حلالاً حتى يحج، وعليه أن يذبح ما استيسر من الهدي، وهذا يختص باسم التمتع. وحكى النووي الإجماعَ على جواز هذه الأنواع الثلاثة.
٩ - فصل في بيان الأفضل من هذه الأنواع
عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-، قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ ، فقال: "من أراد منكم أن يُهِلَّ بحج وعمرة، فليفعلْ، ومن أراد أن يُهل بحج، فليهلَّ، ومن أراد أن يُهل بعمرة، فليهل" متفق عليه، وفيه إذن منه ﷺ بالحج: إفراداً، وقِراناً، وتمتعاً، واختلفوا في الأفضل منها، فذهب جمع من الصحابة والتابعين، وأبو حنيفة، وإسحاق إلى أن القِران أفضل، ورجحه جماعة من الشافعية، منهم: النووي، والمزني، وابن المنذر، وأبو إسحاق المروزي، وتقي الدين السبكي. وقال جماعة من الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم؛ كمالك، وأحمد، والباقر، والصادق، وغيرهم: إن التمتع أفضل.
وذهب جماعة من الصحابة، وجماعة ممن بعدهم، وجماعة من الشافعية؛ كالغزالي وغيرهم إلى أن الإفراد أفضل، وعن بعضهم: أن الأنواع الثلاثة في الفضل سواء، قال في "الفتح": وهو مقتضى تصرف ابن خزيمة في "صحيحه"، وقال أبو يوسف: القِران، والتمتع، في الفضل سواء، وهما أفضل من الإفراد. وعن أحمد: من ساق الهدي، فالقرانُ أفضل له؛ ليوافق فعلَ النبي ﷺ ، ومن لم يسق الهدي: فالتمتُّع أفضلُ له؛ ليوافق ما تمناه، وأمر به أصحابه، وزاد بعضُ
стр. 48
أتباعه، فقال: من أراد أن ينشىء بعمرته من بلد سفره، فالإفراد أفضلُ له باتفاق الأئمة الأربعة، وهذا أعدل المذاهب، وأشبهها بموافقة الأحاديث الصحيحة، ولكن المشهور عن أحمد: أن التمتع أفضلُ مطلقاً.
قال الشوكاني بعد ذكر استدلالهم: لم يوجد في شيء من الأحاديث ما يدل على أن بعض الأنواع أفضلُ من بعض غير هذا الحديث؛ يعني: حديث جابر: أن النبي ﷺ قال: "لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ، ما سقت الهدي، ولجعلتُها عمرةً" متفق عليه، فالتمسك به متعين، ولا ينبغي أن يُلتفت إلى غيره من المرجِّحات؛ فإنها في مقابلته ضائعة، انتهى.
١٠ - فصل في نوع حجه ﷺ -
اختلفت الروايات في ذلك، فروي أنه حج قِراناً من جهة جماعة من الصحابة، منهم: ابن عمر عند الشيخين، وعنه: عند مسلم، وعائشة عندهما أيضاً، وعنها: عند أبي داود، وعنها: عند مالك في "الموطأ"، وجابر عند الترمذي، وابن عباس عند أبي داود، وعمر بن الخطاب عند البخاري، والبراء بن عازب عند أبي داود، وعلي ﵇ عند النسائي، وعنه: عند الشيخين، وعمران بن حصين عند مسلم، وأبو قتادة عند الدارقطني، وله طرق صحيحة، وسراقة بن مالك عند أحمد، ورجال إسناده ثقات، وأبو طلحة الأنصاري عند أحمد، وابن ماجه، وفي إسناده الحجاج بن أرطاة، والهمراس بن زياد الباهلي عند أحمد أيضاً، وابن أبي أوفى عند البزار بسند صحيح، وأبو سعيد عند البزار، وجابر بن عبد الله عند أحمد، وفيه الحجاج بن أرطاة، وأم سلمة عنده أيضاً، وحفصة عند الشيخين، وسعيد بن أبي وقاص عند النسائي والترمذي، وصححه، وأنس عند الشيخين.
وأما حجه تمتعاً: فروي عن عائشة، وابن عمر عند الشيخين، وعلي وعثمان عند مسلم، وأحمد وابن عباس عند أحمد والترمذي، وسعد بن أبي وقاص.
وأما حجه إفراداً: فروي عن عائشة عند البخاري، وعن ابن عمر عند أحمد ومسلم، وابن عباس عند مسلم، وجابر عند ابن ماجه، وعنه: عند مسلم.
стр. 49
وبالجملة: فقد اختلفت الأنظار واضطربت الأقوال لاختلاف هذه الأحاديث، فمن أهل العلم من جمع بين الروايات؛ كالخطابي، والقاضي عياض، وابن المنذر، وبينه ابن حزم في حجة الوداع بياناً شافياً، ومهده المحب الطبري تمهيداً بالغاً يطول ذكره.
وجمع شيخ الإسلام ابن تيمية جمعاً حسناً، فقال ما حاصله: إن التمتع عند الصحابة يتناول القِران، فيحمل عليه رواية من روى أنه حج متمتعاً، وكل من روى الإفرادَ روى أنه حج تمتعاً وقراناً، فتعين الحمل على القِران، وأنه أفرد أعمال الحج، ثم فرغ منها وأتى بالعمرة، وعامة النقول عن الصحابة في صفة حجه ﷺ ليست بمختلفة، وإنما اشتبهت على من لا يعرف مرادهم، انتهى.
ومن أهل العلم من صار إلى التعارض، فرجح نوعاً، وأجاب عن الأحاديث القاضية بما يخالفه، وهي جوابات طويلة أكثرها متعسفة، وأورد كل منهم لما اختاره مرجِّحات أقواها وأولاها مرجحات القِران، فإنه لا يقاومها شيء من مرجحات غيره، والسنة أنه حج قِراناً، وأظهر أنه كان يود أن يكون حجه تمتعاً.
قال الشوكاني: وهذان البحثان -أعني: تعيينَ ما حجه النبي ﷺ من الأنواع، وبيان ما هو الأفضل منها -من المضائق ومواطن البسط، انتهى.
١١ - فصل في إدخال العمرة على الحج وفسخه إليها
وهو جائز بحديث نافع عن ابن عمر عند الشيخين، وفيه: هكذا صنع النبي ﷺ ، وإليه ذهب الجمهور، لكن بشرط أن يكون الإدخال قبل الشروع في وطواف العمرة، وقيل: إن كان قبل مضي أربعة أشواط، صحَّ، وهو قول الحنفية، وقيل: ولو بعد إتمام الطواف، وهو قول المالكية، وشدد أبو ثور فمنعه، قال أحمد، وطائفة من أهل الظاهر، ومالك، وأبو حنيفة، والشافعي: يجوز فسخ الحج إلى العمرة لكل أحد، وقال جمهور السلف والخلف: هذا الفسخ مختص بالصحابة في تلك السنة، ولا يجوز بعدها، وإنما أُمروا به ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحج، واستدلوا بحديث أبي ذر، وحديث الحارث بن هلال عن أبيه.
стр. 50
ومعنى قوله: "للأبد": جوازُ الاعتمار في أشهر الحج، والقِران فيها إلى يوم القيامة، وقد عارضها المجوِّزون للفسخ بأحاديث كثيرة عن أربعة عشر نفساً من الصحابة، وروى عن هؤلاء الصحابة طوائفُ من كبار التابعين حتى صار منقولاً عنهم نقلًا يرفع الشك، ويوجب اليقين، ولا يمكن أحداً أن ينكره، أو يقول: لم يقع، وهو مذهب أهل بيت رسول الله ﷺ ، ومذهب حجر الأمة وبحرها ابن عباس وأصحابه، ومذهب أبي موسى الأشعري، ومذهب إمام أهل السنة والحديث أحمد بن حنبل، وأهل الحديث معه، ومذهب عبد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة، ومذهب أهل الظاهر.
وبالجملة: ليس في المقام متمسَّك بيد المانعين يُعتد به، ويصلح لنصبه في مقابلة هذه السنة المتواترة، وقد أبعدَ من قال إنها منسوخة؛ لأن دعوى النسخ تحتاج إلى نصوص صحيحة متأخرة عن هذه النصوص، وأما مجرد الدعوى، فأمرٌ لا يعجز عنه أحد، وإذا تقرر لك هذا، علمتَ أن هذه السنة عامة لجميع الأمة.
قال الحافظ ابن القيم في "إعلام الموقعين": وأفتى ﷺ بجواز فسخهم الحجَّ إلى العمرة، ثم أفتاهم باستحبابه، ثم أفتاهم بفعله حتماً، ولم ينسخه شيء بعده، والذي ندين اللهَ به أن القولَ بوجوبه أقوى وأصحُّ من القول بالمنع منه، وقد صح عنه صحة لا شك فيها أنه قال: "من لم يكن أهدى، فليهلَّ بالعمرة، ومن أهدى، فليهلَّ بحج مع عمرة"، وأما فعله هو: فإنه صح عنه أنه قرن بين الحج والعمرة، ففعل القِران، وأمر بفعله مَنْ ساق الهدي، وأمر بفسخه إلى التمتع من لم يسق الهدي، وهذا من فعله وقوله كأنه رأي عين، وقال في "الهدى النبوي" بعد أن ذكر حديث البراء، وغضبَه ﷺ لما لم يفعلوا ما أمرهم به من الفسخ: ونحن نشُهد الله علينا أن لو أحرمنا بحج، لرأينا فرضاً علينا فسَخه إلى عمرة؛ اتقاءً من غضب رسول الله ﷺ ، واتباعاً لأمره، فوالله! ما نسخ هذا في حياته، ولا بعده، ولا صحَّ حرفٌ واحد يعارضه، ولا خص به أصحابه دون من بعدهم، بل أجرى الله على لسان سراقة أن يسأله: هل ذلك مختص بهم؟ فأجابه
стр. 51
بأن ذلك كائن لأبد الأبد، فما ندري ما تقدم على هذه الأحاديث، وهذا الأمر المؤكد الذي غضب رسولُ الله ﷺ على من خالفه، انتهى.
وبالجملة: فقد اختلفوا، هل الفسخ على جهة الوجوب أم الجواز؟ ومال ابن القيم إلى وجوبه، ورجحه، وبين بطلان ما احتج به المانعون، وأطال الكلام فيه في "الهدي"، فمن أحبَّ الوقوف على جميع ذيول هذه المسألة، فليراجعه.
قال الشوكاني: وإذا كان الموقع في مثل هذا المضيق هو إفرادُ الحج، والحازمُ لدينه الواقفُ عند مشتبهات الشريعة ينبغي له أن يجعل حجه من الابتداء تمتعاً أو قِراناً مما هو مظنة البأس إلى ما لا بأس به، فإن وقع في ذلك، فالسنة أحقُّ بالاتباع، وإذا جاء نهرُ الله، بطل نهر مَعْقِل، انتهى.
وقد تمتعت أنا في حجي ولله الحمد.
١٢ - فصل في مواقيت الحج
عن ابن عباس ﵁، قال: وقّت رسولُ الله ﷺ لأهل المدينة: "ذا الحليفة"، ولأهل الشام: "الجحفة"، ولأهل نجد: "قرن المنازل" ولأهل اليمن "يَلَمْلَم"، قال: "فهن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلن لمن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهم، فمهله من أهله وكذلك أهل، مكة يهلون منها" متفق عليه.
قلت: ذو الحليفة -مصغراً-: مكان معروف، بينه وبين المدينة ستة أميال، ووهم من قال: بينهما ميل واحد، وهو ابن الضباع، قال في "الفتح": بينه وبين مكة مئتا ميل غير ميلين، قاله ابن حزم، وقال غيره: بينهما عشرة مراحل، وبها مسجد يعرف بمسجد الشجرة خرابٌ، وفيها بئر، يقال لها: "بئر علي"؛ لظنهم أن علياً قاتل الجن هناك، وهو كذب؛ فإن الجن لم يقاتلهم أحد من الصحابة، وعلي ﵇ أرفعُ قدراً من أن يثبت الجن لقتاله، ولا فضيلة لهذه البئر ولا مذمة، ولا يستحب أن يرمى فيه حجر ولا غيره، وهذا الميقات أبعد المواقيت من مكة المكرمة، ويسمى: وادي العقيق.
стр. 52
والجحفة -بضم الجيم-: قرية خربة، بينها وبين مكة خمس مراحل أو ست، وفي قول النووي في "شرح المهذب": ثلاث مراحل، نظر. في "القاموس": هي على اثنين وثمانين ميلا من مكة، وبها غدير خُمّ، قاله صاحب "النهاية"، يقال لها: "مَهْيَعة"، وهي اليوم خراب، ولهذا صار الناس يُحرمون من قبلِها من المكان الذي يسمى: رابغ، وهو ميقات لمن حج من ناحية المغرب، بل الشام ومصر، لكن أهل الشام ومصر إذا اجتازوا بالمدينة النبوية -كما يفعلونه في هذه الأوقات- أحرموا من ميقات المدينة؛ فإن هذا هو المستحب لهم بالاتفاق، فإن أخروا الإحرام إلى الجحفة، ففيه نزاع، ورأيت الحجاج يحرمون من رابغ عند الرجوع من المدينة إلى مكة، ولا يحرمون من ذي الحليفة، وهذه بدعة أُحدثت في هذا الزمان.
وقرن المنازل -بسكون الراء- بلا خلاف بين أهل العلم من أهل الحديث واللغة والتاريخ والأسماء وغيرهم، وضبطه صاحب "الصحاح" بفتح الراء، وغلَّطه صاحب "القاموس"، وحكى النووي الاتفاق على تخطئته، وقيل: بالسكون: جبل، وبالفتح: طريق، والجبل المذكور بينه وبين مكة من جهة الشرق مرحلتان، وهو أقرب المواقيت إلى مكة.
ويَلَمْلَم: جبلٌ من جبال تهامة، قال في "القاموس": على مرحلتين من مكة، وقال في "الفتح" مثله، وزاد: بينهما ثلاثون ميلاً. وهي ميقات أهل اليمن وأهل الهند.
وذات عِرْق -بكسر العين-: ميقات أهل العراق بتوقيت عمر بن الخطاب، رواه البخاري عن ابن عمر عنه -رضي الله تعالى عنه-، وروي عن عائشة: أن النبي ﷺ وقَّت لأهل العراق ذاتَ عرق، رواه أبو داود، والنسائي.
وميقات المكي للحج والعمرة: جوفُ مكة.
وفائدة التوقيت: المنعُ عن تأخير الإحرام، فلو قدم عليه، جاز، قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد: هذه المواقيت واجبة، فلو تركها وأحرم بعد مجاوزتها، أثم, ولزمه دم، وصحَّ حجه، وقال عطاء والنخعي: لا شيء عليه،
стр. 53
وقال سعيد بن جبير: لا يصح حجه، قالت الشافعية: فإن عاد إلى الميقات قبل التلبس، سقط عنه الدم.
وأما من لا يريد حجاً ولا عمرة، فلا يلزمه الإحرام لدخول مكة على الصحيح من مذهب الشافعية، ويؤيده حديث جابر: أن النبي ﷺ دخل يوم فتح مكة وعليه عِمامة سوداءُ بغير إحرام، رواه مسلم، والنسائي. وفي الباب عن أنس عند أحمد والبخاري.
قال الشوكاني: قد كان المسلمون في عصره ﷺ يختلفون إلى مكة لحوائجهم، ولم ينقل أنه أمر أحداً منهم بإحرام؛ كقصة الحَجَّاج بنِ عِلاط، وكذا قصة أبي قتادة، لما عقر حمار الوحش داخل الميقات وهو حلال، وقد كان أرسله لغرض قبل الحج، فجاوز الميقات لا بنيّة الحج ولا العمرة، فقرره ﷺ مع ما يقتضي عدم الوجوب من استصحاب البراءة الأصلية إلى أن يقوم دليل نقل عنها، انتهى.
١٣ - فصل في ميقات العمرة وهو الحل
قال في "المنهاج": أفضلُ بقاع الحل: الجِعْرَانَّة، ثم التنعيم، ثم الحديبية، وفي "العالم كيرية": التنعيم أفضل.
وقال شيخ الإِسلام ابن تيمية: لم يكن على عهد النبي ﷺ وخلفائه الراشدين أحد يخرج من مكة ليعتمر إلا لعذر، لا في رمضان، ولا في غيره، والذين حجوا مع النبي ﷺ فيهم من اعتمر بعد الحج من مكة، إلا عائشة، ولا كان هذا من فعل الخلفاء الراشدين، انتهى.
وقال الحافظ ابن القيم: لم تكن في عُمْره عُمْرةٌ واحدة خارجاً من مكة كما يفعله كثير من الناس، وإنما كانت عُمَرُه كلها داخلاً إلى مكة، وقد قام بعد الوحي ثلاث عشرة سنة، لم ينقل أنه اعتمر خارجاً من مكة، ولم يفعله أحد على عهده قط إلا عائشة؛ لأنها أهلت بالعمرة، فحاضت، فأمرها، فقرنت، وأخبر أن طوافها بالبيت وبالصفا والمروة قد وقع عن حجتها وعمرتها، فوجدت في نفسها أن ترجع صواحبُها بحجة وعمرة مستقلتين، فإنهن كنَّ متمتعات ولم يحضن،
стр. 54
وترجع هي بعمرة في ضمن حجتها، فأمر أخاها أن يُعْمِرها من التنعيم مُطَيِّباً لقلبها، والله تعالى أعلم.
١٤ - فصل في كراهة الإحرام قبل أشهر الحج
قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٩٧] , وعن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-، قال: من السنة ألا يُحرم بالحج إلا في أشهر الحج، أخرجه البخاري. وعن ابن عمر، قال: أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر ذي الحجة. وللدارقطني مثله عن ابن مسعود، وابن عباس، وابن الزبير، وقد استدل بذلك على كراهة الإحرام بالحج قبل أشهر الحج، وقد روي مثل ذلك عن عثمان، وقال ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وغيرهم من الصحابة والتابعين: إنه لا يصح الإحرام بالحج إلا فيها، وهو قول الشافعي.
وقد تقرر في الأصول أن قول الصحابي لا حجة فيه، وليس في الباب إلا أقوال الصحابة، إلا أن يصح ما ذكر عن ابن عباس من قوله: من السنة؛ فإن هذه الصيغة لها حكمُ الرفع، وقد ورد ما يدل على استحباب الإحرام من دُوَيرة أهله، وظاهره: عدم الفرق بين من يفارقها قبل دخول أشهر الحج، أو بعد دخولها، إلا أنه يتقوى المنع من الإحرام قبل أشهر الحج بأن الله سبحانه ضرب لأعمال الحج أشهراً معلومة، والإحرام عمل من أعمال الحج، فمن ادعى أنه يصح قبلها، فعليه الدليل.
وقد أجمع العلماء على أن المراد بأشهر الحج ثلاثة: أولها شوال، لكن اختلفوا هل هي بكمالها، أو شهران وبعض الثالث؟ فذهب إلى الأول مالك، وهو قول للشافعي، وذهب غيرهما من العلماء إلى الثاني، ثم اختلفوا، فقال ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وآخرون: عشر ليال من ذي الحجة، وهل يدخل يوم النحر أو لا؟ فقال أحمد، وأبو حنيفة: نعم، وقال الشافعي -في المشهور الصحيح عنه-: لا، وقال بعض أتباعه: تسع من ذي الحجة، ولا يصح
стр. 55
في يوم النحر، ولا في ليلته، وهو شاذ، ويرد على من أخرج يوم النحر من أشهر الحج قوله ﷺ في يوم النحر: "هذا يوم الحج الأكبر" كما في حديث ابن عمر عند البخاري، وأبي داود، وابن ماجه.
وبالجملة: فالإحرام بالحج قبل أشهر الحج ليس بمسنون، بل مكروه، وإذا فعله، فهل يصير محرماً بعمرة أو حج؟ فيه نزاع، قال الشافعي: إن أحرم قبلها، لا ينعقد حجاً، ويكون عمرة، وقال أبو حنيفة: ينعقد إحرامه بالحج، وإذا عمل شيئاً من أعمال الحج؛ من طواف وسعي قبل أشهر الحج، لا يجوز باتفاق أهل العلم.
١٥ - فصل في جواز العمرة في جميع السنة
عن أنس -رضي الله تعالى عنه-: أن النبي ﷺ اعتمر أربع عُمَرٍ، كلُّهن في ذي القعدة، إلا التي مع حجته، رواه مسلم، ومثله من حديث عائشة وابن عمر عند البخاري وغيره، وفي الباب عن أبي هريرة عند عبد الرزاق، وفي حديث عائشة عند سعيد بن منصور: اعتمر ثلاث عمر: مرتين في ذي القعدة، وعمرة في شوال، قال في "الفتح": إسناده قوي. ويجمع بينهما: بأن ذلك وقع في آخر شوال وأول ذي القعدة، ويؤيده ما رواه ابن ماجه بسند صحيح عن عائشة بلفظ: لم يعتمر ﷺ إلا في ذي القعدة، قال في "الهدي النبوي": ما اعتمر رسول الله ﷺ في رمضان قط، وكانت عمره كلها في أشهر الحج، مخالفاً لهدى المشركين؛ فإنهم يكرهون العمرة فيها، وهذا يدل على أن الاعتمار في أشهر الحج أفضلُ منه في رجب بلا شك، انتهى.
قلت: وقع الاختلاف في أن العمرة في رمضان أفضلُ؛ لحديث ابن عباس: عمرة في رمضان تعدلُ حجة، رواه الجماعة إلا الترمذي، أو في أشهر الحج، فقيل: في رمضان لغير النبي ﷺ أفضل، وأما في حقه، فما صنعه فهو أفضل، وإليه ذهب الجمهور، وعن علي ﵇: في كل شهر عمرة، رواه الشافعي، وأخرجه البيهقي من طريقه بإسناد صحيح، وقال الشوكاني في "المختصر": وهي مشروعة في جميع السنة.
стр. 56
١٦ - فصل في وجوه الإحرام
إذا أراد الإحرام، فإن كان قارناً، قال: "لبيك عمرةً وحجاً"، وإن كان متمتعاً، قال: "لبيك عمرةً"، وإن كان مفرداً، قال: "لبيك حجة"، أو قال: اللهم إني قد أوجبت عمرة وحجاً، أو قال: أوجبت عمرة أتمتع بها إلى الحج، أو قال: إني أريد العمرة، أو أريد الحج، أو أريد التمتع بالعمرة إلى الحج، فمهما قال من ذلك شيئاً، أجزأه باتفاق الأئمة، ليس في ذلك عبارة مخصوصة، ولا يجب شيء من هذه العبارات باتفاق الأئمة، كما لا يجب التلفظ بالنية في الطهارة والصلاة والصيام باتفاق الأئمة، بل متى لبى قاصداً الإحرام، انعقد إحرامه باتفاق المسلمين، ولا يجب عليه أن يتكلم قبل التلبية بشيء، ولكن تنازع العلماء، هل يستحب أن يتكلم بذلك أم لا؟ كما تنازعوا هل يستحب التلفظ بالنية في الصلاة أم لا؟
والصواب المقطوع به: أنه لا يستحب شيء من ذلك؛ فإن النبي ﷺ لم يشرع للمسلمين شيئاً من هذه، ولا كان يتكلم قبل التكبير بشيء من ألفاظ النية، لا هو، ولا أصحابه، بل لما أمر ضُباعة بنتَ الزبير بالاشتراط، قالت: كيف أقول؟ قال: "قولي: لبيك اللهم لبيك، مَحِلِّي من الأرض حيث تحبسني" رواه أهل السنن, وصححه، ولفظ النسائي: قالت: إني أريد الحج، فكيف أقول؟ قال: "قولي. . . إلخ؛ فإن لك على ربك ما استثنيت"، وحديث الاشتراط في "الصحيحين"، لكن المقصود بهذا اللفظ: أنه أمرها بالاشتراط في التلبية، ولم يأمرها أن تقول قبل التلبية شيئاً، لا اشتراطاً، ولا غيره، وكان يقول في تلبيته: "لبيك عمرة وحجة".
١٧ - فصل فيمن أحرم مطلقاً، أو قال: أحرمتُ بما أحرم به فلانٌ
قال ابن تيمية: لو أحرم مطلقاً، جاز، وكذا لو أحرم بقصد الحج من حيث الجملة ولا يعرف هذا التفصيل، جاز، ولو أهلَّ ولبّى كما يفعل الناس قاصداً للنسك، ولم يسم شيئاً بلفظ، ولا قصد بقلبه تمتعاً ولا إفراداً ولا قِراناً، صح حجه أيضاً، فإن فعل ما أمر النبي ﷺ أصحابه، كان حسناً، انتهى.
стр. 57
وبالجملة: فمطلق الإحرام على الإبهام جائز يصرفه المحرِم إلى ما شاء؛ لكونه ﷺ لم ينه عن ذلك، وإليه ذهب الجمهور، وعن المالكية: لا يصح على الإبهام، وهو قول الكوفيين.
قال ابن المنذر: وكأنه مذهب البخاري؛ لأنه أشار في "صحيحه" عند الترجمة لحديث علي وأبي موسى إلى أن ذلك خاص بذلك الزمان، وأما الآن، فقد استقرت الأحكام، وعُرفت مراتب الأحكام، فلا يصح ذلك، وهذا الخلاف يرجع إلى قاعدة أصولية، وهي هل يكون خطابه ﷺ لواحد أو لجماعة مخصوصة في حكم الخطاب العام للأمة؟ فمن ذهب إلى الأول، جعل حديثَ علي وأبي موسى شرعاً عاماً، ولم يقبل دعوى الخصوصية إلا بدليل، ومن ذهب إلى الثاني، قال: إن هذا الحكم يختص بهما، والظاهر الأولُ. عن أنس، قال: قدم علي ﵇ على النبي ﷺ من اليمن، فقال: "بما أهللت؟ "، قال: أهللت بإهلال النبيِّ ﷺ ، قال: "لولا أن معي الهديَ، لأحللت" متفق عليه، ورواه النسائي من حديث جابر. وعن أبي موسى، قال: قدمت على النبي ﷺ وهو مُنيخ بالبطحاء، فقال: "بما أهللت؟ "، قال: قلت: أهللت بما أهل النبي ﷺ ، قال: "سقت الهدي؟ "، قلت: لا، قال: "فطف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حل" متفق عليه.
١٨ - فصل في الاشتراط
دلت الأحاديث على أن من اشترط، ثم عرض له ما يحبسه عن الحج، جاز له التحلُّل، ولا يجوز التحلل مع عدم الاشتراط، وبه قال جماعة من الصحابة، ومنهم: علي، وابن مسعود، وعمر، وجماعة من التابعين، وإليه ذهب أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وهو المصحح للشافعي كما قال النووي، وقال أبو حنيفة، ومالك، وبعض التابعين: إنه لا يصح الاشتراط، وهو مروي عن ابن عمر. قال البيهقي: لو بلغ ابنَ عمر حديثُ ضُباعة، لقال به، ولم ينكر الاشتراط كما لم ينكره أبوه، انتهى.
قلت: أخرج حديثَ ضُباعة عن ابن عباس الجماعةُ إلا البخاريَّ، وفي الباب
стр. 58
عن عائشة عند البخاري ومسلم، وعن عكرمة عند أحمد وابن خزيمة، وعن أنس عند البيهقي، وعن جابر عنده، وعن ابن مسعود وأم سليم عنده، وعن أم سلمة عند أحمد، والطبراني في "الكبير"، وفي إسناده ابن إسحاق، ولكنه صرح بالتحديث، وبقية رجاله رجال الصحيح، وعن ابن عمر عند الطبراني، وفيه علي بن عاصم، وهو ضعيف، قال العقيلي: روى عن ابن عباس قصة ضباعة بأسانيد ثابتة جياد، وقد غلط الأصيلي غلطاً فاحشاً، فقال: إنه لا يثبت في الاشتراط حديث، وكأنه ذهل عما في "الصحيحين"، وقال الشافعي: لو ثبت حديث عائشة في الاستثناء، لم أَعْدُه إلى غيره؛ لأنه خلاف ما ثبت عن رسول الله ﷺ . قال البيهقي: فقد ثبت هذا الحديث من أوجه.
١٩ - فصل في الفوات والإحصار ووجوب الهدي على المُحْصَر
عن عكرمة، عن الحجاج بن عمرو، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كسر، أو عَرِج، فقد حلَّ، وعليه حجة أخرى" رواه الخمسة، وسكت عنه أبو داود، والمنذري، وحسنه الترمذي، وأخرجه ابن خزيمة، والحاكم، والبيهقي، وعن عمر بن الخطاب، وفي رواية: "أو مرض" رواه أبو داود، وابن ماجه. قلت: تمسك بظاهر هذا أبو ثور، وداود، وقالا: إنه يحل في مكانه بنفس الكسر والعرج، وأجمع بقية العلماء على أنه يحل من كسر أو عرج، ولكن اختلفوا فيما به يحل، وعلى ما لا يحل، فقال أصحاب الشافعي: يحل على ما إذا شرط التحلل به، فإذا وجد الشرط، صار حلالاً، ولا يلزم الدم، وقال مالك وغيره: ويحل بالطواف بالبيت، لا يحله غيره، ومن خالفه من الكوفيين يقول: يحل بالنية والذبح والحلق.
قال الشوكاني: الإحصار لا يختص بالأعذار المذكورة، بل كل عذر حكمه حكمها؛ كإعواز النفقة، والضلال في الطريق، ونفي السفينة في البحر، وبهذا قال كثير من الصحابة، وقال النخعي والكوفيون: الحصر -بالكسر-: المرض والخوف، وقال آخرون، منهم: مالك، والشافعي، وأحمد: لا حصر إلا بالعدو، وحكى ابن جرير قولاً: أنه لا حصر بعد النبي ﷺ ، والسبب في هذا
стр. 59
الاختلاف: أنهم اختلفوا في تفسير الإحصار، فالمشهور عن أكثر أهل اللغة، منهم: الأخفش، والكسائي، والفراء، وأبو عبيد، وابن السِّكِّيت، وثعلب، وابن قتيبة، وغيرهم: أن الإحصار إنما يكون بالمرض، وأما بالعدو، فهو المحصر، وقال بعضهم: إن أحصر وحصر بمعنى واحد.
والإحصار الذي وقع في عهد النبي ﷺ ، إنما وقع في العمرة، فقاس العلماء الحجَّ على ذلك، وهو من الإلحاق بنفي الفارق، وإلى وجوب الهدي ذهب الجمهور، وهو ظاهر الأحاديث الثابتة عنه ﷺ أنه فعل ذلك في الحديبية، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وذكر الشافعي: أنه لا خلاف في ذلك في تفسير الآية، وخالف فيه مالك، فقال: إنه لا يجب الهدي على المحصَر، وعوَّل على قياس المحصر، الإحصار على الخروج من الصوم للعذر، والتمسك بمثل هذا القياس في مقابلة ما يخالفه من القرآن والسنة من الغرائب التي يتعجب من وقوع مثلها من أكابر العلماء، وقد وقع الخلاف بين الصحابة فمَنْ بعدَهم في محل نحر الهدي للمحصر، فقال الجمهور: يذبح المحصر الهدي حيث يحل، سواء كان في الحِل، أو الحرم، وقال أبو حنيفة: لا يذبحه إلا في الحرم، وبه قال جماعة من أهل البيت، وفصل آخرون كما قال ابن عباس.
قال في "الفتح": وهو المعتمد، وسبب اختلافهم في ذلك اختلافُهم هل نحر النبي ﷺ في الحديبية في الحل، أو الحرم؟ وكان عطاء يقول: لم ينحر يوم الحديبية إلا في الحرم، ووافقه ابن إسحاق. وقال غيره من العلماء من أهل المغازي: إنما نحر في الحل، قال في "البحر": إن على المحصَر القضاءَ إجماعًا في الفرض، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وكذا في النفل، انتهى. وعن أحمد روايتان، قال الشافعي: إنما سُميت عمرة القضاء؛ للمقاضاة التي وقعت بين النبي ﷺ وبين قريش، لا على أنه أوجب عليهم قضاء تلك العمرة. وهذا هو الدليل الذي ينبغي التعويل عليه، ولكن يعارضه رواية الواقدي.
стр. 60
٢٠ - فصل في حكم الهَدْي
قال الله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٧ - ٢٨] , وقال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] وقال: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦].
واتفق أهل العلم على أن الهدي مستحب للحاج المفرد، وللمعتمر المفرد، وواجب على المتمتع والقارن، وعلى من وجب عليه جزاءُ العدوان على الإحرام، فالمستحب: [أنْ] يأكله المُهدي ويتصدق به، قال النووي: أجمع العلماء على أن الأكل من هدي التطوع وأضحيته سنة، انتهى. وأما جزاء العدوان، فلا يأكله، ويتصدق به، وأما دم التمتع والقِران، فلا يأكله عند الشافعي، بل يتصدق بكله، وعند أبي حنيفة: يأكله، ويتصدق به.
قال الشوكاني: والظاهر: أنه يجوز الأكل من الهدي من غير فرق بين ما كان منه تطوعاً، وما كان فرضاً؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٣٦] ولم يفصل، والتمسك بالقياس على الزكاة في عدم جواز الأكل من الهدي الواجب لا ينتهض لتخصيص هذا العموم، انتهى.
ويسن في الهدي: التقليدُ، والإشعار، والتعريف، للأحاديث الواردة فيها، وعليه الشافعي، وكره أبو حنيفة الإشعار، والأحاديث تردُّ عليه، وقد خالفه الناس في ذلك، حتى صاحباه أبو يوسف ومحمد. والإشعار: أن يكشط جلد البدَنَة حتى يسيل دم، ثم يَسْلُته، فيكون ذلك علامة على كونها هَدْياً، ويكون ذلك في صفحة سنامها الأيمن.
وقد ذهب إلى مشروعيته الجمهورُ من السلف والخلف إلا أبا حنيفة. قال ابن المنذر: أنكر مالكٌ وأصحابُ الرأي التقليدَ للغنم، وكأنهم لم يبلغهم الحديث. والمستحبُّ تقليد نعلينِ لا واحدة، وقد اشترطه الثوري، وقال غيره: تجزىء
стр. 61
الواحدة، وقال آخرون: لا يتعين النعل، بل كلُّ ما قام مقامَها أحرى، وفي "الهداية": لا يجب التعريف، ولو عرف بهدي المتعة، فحسن، انتهى.
ويعتبر فيه ما يعتبر في الضحايا، ويتصدق بجلال الهدي وخطمها، وإن عطبت البدنة في الطريق، فقال أبو حنيفة: إن كان تطوعاً، نحرها, ولم يأكل هو ولا غيره من الأغنياء، وإن كان واجباً، أقام غيرها مقامَها، وصنع بها ما شاء، وقال الشافعي: يأكل ويتمول إن كان تطوعاً، وإن كان واجباً، لم تحل له ولا لرفقته، فقراءَ كانوا أو أغنياء، بل يغمس نعلها في دمها، ويضرب به صفحة سنامها؛ ليعلم من مر بها أنها هدي، فمن كان محتاجاً، أكل، ومن لم يكن محتاجاً، لم يأكل. ولا يحرم على من بعث بهدي شيء من الأمور التي تحل له، وبه قال الجمهور، وقد أخرج النسائي من حديث جابر: أنهم كانوا حاضرين مع رسول الله ﷺ بالمدينة بعث الهدي، فمن شاء أحرم، ومن شاء ترك، وبه يحصل الجمع بين الأحاديث. ولا يجوز بيع الهدي لإبدال مثله أو أفضل.
وفي "سفر السعادة": كان النبي ﷺ يهدي الغنم والإبل، وكان يهدي عن أمهات المؤمنين البقر، ولما حجَّ، ساق الهدي معه، ولما اعتمر أيضاً ساق معه الهدي، وكان إذا أرسل الهدي على يد أحد، يأمره إذا أشرف شيء منها على الهلاك أن يذبحه، ولا يأكل هو ولا مَنْ في تلك الصحبة، وإن حضر أجانب، قسم المذبوح بينهم، وكان يهدي البقرة والبدَنة عن سبعة، وكان إذا ذبح الغنم، جعل قدمه المباركة على صفحتها. وأباح لأمته أن يأكلوا من هديهم، ويتزودوا، وكان يقسم الهدي حيناً، وحيناً يقول: "من له حاجة، فليقطعْ لنفسه"، واستدل بعضهم بهذا على جواز الانتهاب في النثار. وما ساق من الهدي في العمرة، نحر عند المروة، وما ساق في الحج، نحره في منى، ولم ينحر أبداً إلا بعد صلاة العيد، ولم ينحر قبل يوم العيد أبداً، انتهى.
٢١ - فصل في ركوب الهدي والحمل عليه
دلت الأحاديث على جواز ركوبه من غير فرق بين ما كان واجباً أو تطوعاً، وبه قال عروة بن الزبير، ونسبه ابن المنذر إلى أحمد، وإسحاق، وبه قال أهل
стр. 62
الظاهر، وجزم به النووي وجماعة من أصحاب الشافعي؛ كالقفال والماوردي، وحكى ابن عبد البر عن الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، وأكثر الفقهاء: كراهةَ ركوبه بغير حاجة، وحكاه الترمذي أيضاً عن أحمد، وإسحاق، والشافعي، وقيد الجوازَ بعضُ الحنفية بالاضطرار، ونقله ابن أبي شيبة عن الشعبي، وحكاه ابن المنذر عن الشافعي: أنه يركب إذا اضطر ركوباً غيرَ قادح.
وحكى ابن العربي عن مالك: أنه يركب للضرورة، فإذا استراح، نزل؛ يعني: إذا انتهت ضرورته، والدليلُ على اعتبار الضرورة ما في حديث جابر من قوله ﷺ : "اركبها بالمعروف إذا أُلجئت إليها"، واختلف من أجاز الركوب هل يجوز أن يحمل عليها متاعه؟ فمنعه مالك، وأجازه الجمهور، وهل يحمل عليها غيره؟ أجازه الجمهور أيضاً، ونقل عياض الإجماع على أن لا يؤجرها، واختلفوا إذا احتلب منه شيئاً، فعند الشافعية والحنفية: يتصدق به، فإن أكله، تصدق بثمنه، وقال مالك: لا يشرب من لبنه، فإن شرب، لم يغرم، وإذا نُتجت البدنة، فليحملْ ولدها حتى يُنحر معها، فإن لم يوجد محمل، حمل على أمه، قال في "شرح السنة": وهذا قول أهل العلم.
٢٢ - فصل فيما يجتنبه المحرم وما يباح له
عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنه-، قال: سئل رسول الله ﷺ : ما يلبس المحرِم؟ قال: "لا يلبس المحرم القميص، ولا العمامة، ولا البرنس، ولا السراويل، ولا ثوباً مسه ورسٌ ولا زعفران، ولا الخفين، إلا ألا يجد نعلين، فليقطَعْهما حتى يكونا أسفلَ من الكعبين" رواه الجماعة، والكعبان: هما العظمان الناتئان عند مفصِل الساق والقدم، هذا هو المعروف عند أهل اللغة، وفي الحديث دليل على أن لبس هذه الأشياء لا يجوز، ولذلك أمر من أحرم في جبة أن ينزعها عنه، فما كان من هذا الجنس، فهو في معنى ما نهى عنه ﷺ ، وما كان في معنى القميص، فهو مثله، وليس له أن يلبس القميص بكم ولا بغير كم، سواء أدخل فيه يديه، أو لم يدخلهما، وسواء كان سليماً أو مخروقاً، وكذلك لا يلبس القِباء الذي يُدخل يديه فيه، وكذلك الدرع الذي يسمى: عرق
стр. 63
جين، وأمثال ذلك باتفاق الأئمة، وأما إذا طرح القباء على كتفيه من غير إدخال يديه، ففيه نزاع، وكذلك لا يلبس ما كان في معنى السراويل؛ كالتُّبَّان ونحوِه، وله أن يعقد ما يحتاج إلى عقده؛ كالإزار، وهميان النفقة، والرداءُ لا يحتاج إلى عقد، فلا يعقد، فإن احتاج إلى عقده، ففيه نزاع، والأشبه جوازه حينئذ، وهل المنع من عقده منع كراهة أو تحريم؟ ففيه نزاع، وليس على تحريمه دليل إلا ما نقل عن ابن عمر: أنه كره عقد الرداء، ومد اختلف المتبعون لابن عمر، فمنهم من قال: هو كراهة تنزيه؛ كأبي حنيفة وغيره، ومنهم من قال: هو كراهة تحريم.
وبالجملة: فليس له أن يلبس شيئاً مما نهى النبي ﷺ عنه إلا لحاجة، كما أنه ليس للصائم أن يفطر إلا لحاجة، والحاجةُ مثل البرد الذي يخاف أن يُمرضه إذا لم يغط رأسه، أو مثل مرض نزل به يحتاج معه إلى تغطيته، فيلبس قدر الحاجة، فإذا استغنى عنه، نزع، وكذلك يرتدي الشيء المَخيط إذا لم يكن على اللبس المعتاد، وبالعباءة ونحوها طاقين وثلاثة وأكثر باتفاق الأربعة، وله أن يلقي على نفسه العباءةَ والفروةَ ونحوَهما وهو مضطجع إذا كان لا يُعد لابسَه إذا قام باتفاقهم، ولا يجوز له سترُ رأسه بما يعد ساتراً من عمامة وقلنسوة وكوفية وثوب يلصق به، ويجوز له ستر الوجه عند الشافعي، لا عند أبي حنيفة، وله أن يلتحف بالقباء والجبة والقميص ونحو ذلك، ويتغطى باللحاف وغيره، لكن لا يغطي رأسه إلا لحاجة.
وكذا الكلامُ في المحرِم الميت: لا يجوز تغطيةُ رأسه عند الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وموافقيهم، وخالف في ذلك: مالك، والأوزاعي، وأبو حنيفة، فقالوا: يجوز تغطيةُ رأسه، وإلباسُه المخيط، والحديث يرد عليهم. وفي الحديث أيضاً دليل على أن واجد النعلين لا يلبس الخفين المقطوعين، وهو قول الجمهور، والمراد بالوجدان: القدرةُ على التحصيل، وظاهر الحديث: أنه لا فدية على من لبسهما إذا لم يجد النعلين، وعند الحنفية: تجب، وتُعقب بأنها لو كانت واجبة، لبينها ﷺ ؛ لأنه وقت الحاجة، وتأخيرُ البيان عنه لا يجوز، واستدل به على أن القطع شرط لجواز لبس الخفين؛ خلافاً
стр. 64
للمشهور عن أحمد؛ فإنه أجاز لبسَهما من غير قطع؛ لإطلاق حديث ابن عباس، وأجاب عنه الجمهور: بأن حمل المطلق على المقيد واجب، وهو من القائلين به، قال ابن الجوزي: يحمل الأمر بالقطع على الإباحة، لا على الاشتراط؛ عملاً بالحديثين.
قال الشوكاني: ولا يخفى أنه تكلف، والحق أنه لا تعارض بين مطلق ومقيد؛ لإمكان الجمع بينهما، فيحمل المطلق على المقيد، والجمعُ ما أمكنَ هو الواجب، فلا يصار إلى الترجيح، ولو جاز المصير إلى الترجيح، لأمكن ترجيح المطلق بأنه ثابت من حديث ابن عباس وجابر، وروايةُ اثنين أرجحُ من رواية واحد، انتهى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ليس عليه أن يقطعهما؛ لأن النبي ﷺ أمر بالقطع أولاً، ثم رخص بعد ذلك في عرفات في لبس السراويل لمن لم يجد إزاراً، وفي لبس الخفين لمن لم يجد نعلين، وإنما رخص في المقطوع أولاً؛ لأنه بالقطع يصير كالنعلين، ولهذا كان الصحيح أن يلبس ما دون الكعبين؛ مثل الخف المكعب، والجمجم، والمداس، ونحو ذلك، سواء كان واجدَ النعلين، أو فاقداً لهما، وإذا لم يجد نعلين ولا ما يقوم مقامها، فله أن يلبس الخف ولا يقطعه، وكذلك إذا لم يجد إزاراً، فإنه يلبس السراويل، هذا أصح قول العلماء؛ لأنه ﷺ رخص في البدل بعرفات كما رواه ابن عمر، وكذلك يجوز أن يلبس كل ما كان من جنس الإزار والرداء، لكن لا يغطي رأسه إلا لحاجة، انتهى. وفي هذا دليل على أن عدم القطع كان آخر الأمرين، فيكون ناسخاً لمنعه المتقدم.
وعن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: "لا تنتقب المرأةُ المحرِمة، ولا تلبس القُفَّازَين" رواه أحمد، والبخاري، والترمذي، والنسائي وصححه، وزاد أبو داود، والحاكم، والبيهقي: "وما مس الورس والزعفران من الثياب".
واختلف العلماء في لبس النِّقاب، فمنعه الجمهور، وأجازه الحنفية، وهو رواية عند الشافعية والمالكية وهو مردود بنص الحديث، وكان سعد بن
стр. 65
أبي وقاص يأمر بناته: بلبس القفازين، والحديث يرد عليه، وكأنه لم يبلغه، ولو غطت المرأة وجهها بشيء لا يمس الوجه، جاز بالاتفاق، وإن كان يمسه، فالصحيح أيضاً الجواز، ولا تُكلف المرأة أن تجافى سترتها عن الوجه، لا بعود، ولا يدِها, ولا غير ذلك؛ فإن النبي ﷺ سوى بين وجهها ويدها.
وأزواجُه ﷺ كنَّ يُسدلن على وجوههن من غير مراعاة المجافاة، لو كان التجافي شرطاً، لبينه ﷺ ، والثوبُ المسدول لا يكاد يسلم من إصابته البشرة، ولم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي ﷺ أنه قال: إحرام المرأة في وجهها، وإنما قاله بعض السلف، ولا حجة فيه، نعم نهاهن النبي ﷺ عن النقاب والقفازين، كما نهى المحرمَ أن يلبس القميص والخف، مع أنه يجوز له أن يستر يده ورجليه باتفاق الأئمة، والبرقُعُ أقوى من النقاب، فلهذا ينهى عنه باتفاقهم.
ويباح لها أن تلبس العصابة، والقميص، والبغلطاق، والسراويل، والخف، وغير ذلك مما كانت تلبسه قبل الإحرام، إلا أن الحنفية قالوا: تلبس المخيط غيرَ المصبوغ، فإن لبست المصبوغ، فعليها الفدية كفدية اللابس. وقال المالكية: إن الرجل والمرأة لا يلبسان المعصفر المقدم: وهو المشبَع من الصبغ، ولا المصبوغ بالورس والزعفران، وإن غسل وبقي أثره، فإن لبسَ الرجلُ والمرأة شيئاً من ذلك، افتدى.
ومذهب الشافعية والحنابلة: أن الفدية باللبس لا تتقيد بزمان مخصوص، ولا بالانتفاع، ولا بغير ذلك. وقال الحنفية: إنه إذا لبس يوماً كاملاً، أو ليلة كاملة، فعليه دم، وإن كان أقل من ذلك، فعليه صدقة نصفُ صاع من بُرّ، أو صاع من تمر أو شعير.
وعند المالكية: حيث تجب الفدية يعتبر انتفاعه من حر أو برد أو دوام؛ كاليوم، فلو لبس ونزع مكانه، فلا فدية. ولا يجوز للمحرم استعمالُ طيب إلا ما كان على بدنه أو ثوبه قبل الإحرام، وبقي بعده، فذلك هو الراجح جمعاً بين الأدلة.
قال الشوكاني: الحق أن المحرَّم من الطيب على المحرِم، هو ما تطيَّب به
стр. 66
ابتداءً بعد إحرامه، لا ما فعله عند إرادة الإحرام وبقي أثره لوناً وريحاً، ولا يصح أن يقال: لا يجوز استدامةُ الطيب، قياساً على عدم جواز استدامة اللباس؛ لأن استدامة اللبس ليس بخلاف استدامة الطيب، فليست بطيب، سلمنا استواء هما، فهذا قياس في مقابلة النص، وهو فاسد الاعتبار، انتهى.
والمالكية إنما يحرمون التطيب بما قويت رائحتُه؛ كالمسك، والكافور، والزعفران، دون ما لم تقوَ رائحته، ويحرم عند الشافعية والحنفية والمالكية على الرجل والمرأة دهنُ شعر الرأس، وعلى الرجل دهنُ اللحية بمطيّب؛ كدُهن البنفسج والورد، وغير مطيب؛ كالزيت والشيرج.
ومذهب الحنابلة: تحريم الادهان بالمطيب خاصة، ومذهب الثلاثة غير الحنفية: أن الفدية بالطيب لا يتقيد بعضو، وأن الفدية بالاكتحال بما فيه طيب لا يتقيد بالكثرة.
ويحرم عليها إزالة الشعر، أو قص أو نتف أو مَشْط، أو غير ذلك من سائر شعور البدن باتفاق الأربعة.
ويجوز له حكُّ جسده، وعليه أهل العلم، وكذا يجوز قطع الظفر الذي انكسر، وكذلك الحجامة والفصد إذا احتاج إلى ذلك، فقد ثبت في الصحيح: أنه ﷺ احتجم في وسط رأسه وهو محرِم، ولا يمكن ذلك إلا مع حلق بعض الشعر، فجاز أن يحلق شعراً لذلك إن احتاج إليه، وكذلك إذا اغتسل وسقط شيء من شعره بذلك لم يضره، وله أن يغتسل من الجنابة بالاتفاق، وكذلك لغير الجنابة، ونظر ابن عمر في المرآة لشكوى كانت بعينه وهو محرم، وعليه أهل العلم، ويجوز له تظليل رأسه بثوب وغيره، وإليه ذهب الجمهور، وقال مالك وأحمد: لا يجوز، والحديث يرد عليهما؛ عن أم الحصين -رضي الله تعالى عنها- قالت: حججنا مع رسول الله ﷺ ، فرأيت: أسامة وبلالاً، وأحدهما آخذٌ بخطام ناقة النبي ﷺ والآخر رافع ثوبه يستره من الحر. وفي رواية رافع: ثوبه على رأس النبي ﷺ يظله من الشمس، رواهما أحمد، ومسلم.
قال ابن تيمية: فله أن يستظل تحت الشجرة والسقف، وفي الخِيَم، ونحو
стр. 67
ذلك، وأما الاستظلال بالمحمل كالمحارة التي لها رأس، ففيه نزاع، وكان السلف يكرهون القباب على المحامل، وهي التي لها رأس، وأما المحامل المكلوفة، فلم يكن رآها إلا بعض الناس، وهذا في حق الرجل، والمرأة تستظل بالمحمل وغيره؛ فإنها عورة، انتهى.
ويجوز حمل السلاح بمكة للعذر والضرورة، لكن بشرط أن يكون في القِراب كما فعله النبي ﷺ ، وإلى هذا ذهب جماهير أهل العلم، وهذا مذهب الشافعي، ومالك، وعطاء، وكرهه الحسن البصري، قال الشوكاني: والحق ما ذهب إليه الجمهور، انتهى. ويجوز لبس المِنْطقة للمحرم عند العامة، وكرهه ابن عمر.
٢٣ - فصل في الفدية
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وعن كعب ابن عجرة: قال ﷺ : "هو صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين نصفَ صاع طعاماً لكل مسكين" متفق عليه، وفي راوية علي: "احلقه واذبح شاة، أو صم ثلاثة أيام، أو تصدق بثلاثة آصُع من تمر بين ستة مساكين" رواه أحمد، ومسلم، وأبو داود، ولأبي داود في رواية: "فرقاً من زبيب أو نسك شاة".
قال ابن حزم: لا بد من ترجيح إحدى هذه الروايات؛ لأنها قصة واحدة في مقام واحد في حق رجل واحد، قال في "الفتح": المحفوظ في الحديث: "نصف صاع من طعام"، والاختلاف عليه في كونه تمراً أو حنطة لعله من تصرف الرواة، وأما الزبيب، فلم أره إلا في رواية الحاكم، وقد أخرجه أبو داود، وفي إسناده محمد بن إسحاق، وهو حجة في المغازي، لا في الأحكام إذا خالف، والمحفوظ رواية التمر، وقد وقع الجزم بها عند مسلم وغيره، انتهى. والفرق: ثلاثة آصُع كما وقع عند الطبراني.
قال الشوكاني: ولا خلاف بين العلماء أن النسك المذكور في الآية هو شاة،
стр. 68
وبالجملة: إذا فعل شيئاً مما ذكرنا أنه يحرُم فعلُه في الفصل المتقدم عامداً عالماً بالتحريم لغير عذر، لزمته الفدية، وأثم باتفاق الأئمة الأربعة، ولا يأثم الناسي والجاهل والمعذور باتفاقهم، ولا تجب الفدية على الناسي والجاهل بغير ذلك مما ذكرنا عند الشافعية والحنابلة، وعند الحنفية والمالكية أنها كالعامد، ولا فرق عند الشافعية والمالكية والحنابلة في الفدية الواجبة بين من فعل لغير ضرورة، أو لضرورة؛ خلافاً للحنفية.
والفدية إما بصيام ثلاثة أيام، وإما بنسك شاة، وإما بإطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصفُ صاع من تمر أو شعير، أو مُدٌّ من طعام، وإن أطعمه خبزاً، جاز، ويكون رطلين بالعراقي قريباً من نصف رطل بالدمشقي، وينبغي أن يكون مأدوماً، وإن أطعم مما يأكل؛ كالبقسماط والرقاق ونحو ذلك، وهو أفضل مما يعطيه قمحاً أو شعيراً، وكذلك في سائر الكفارات إذا أعطاها مما يقتات مع أدمه، فهو أفضل من أن يعطيه حباً مجرداً إذا لم يكن عادتهم أن يطحنوا بأيديهم ويخبزوا بأيديهم.
والواجب في ذلك ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فأمر بإطعامهم من أوسط ما يطعم الناس أهليهم، وقد تنازع العلماء في ذلك، هل هذا مقدر بالشرع، أو يرجع فيه إلى العرف؟ وكذلك تنازعوا في نفقة الزوجة، والراجح أن يرجع فيه إلى العرف، فيطعم كل قوم مما يطعمون أهلهم، ولما كان كعب بن عجرة ونحوه يقتاتون التمر، أمره النبي ﷺ أن يطعم فرقاً من تمر بين ستة مساكين، والفرق ستة عشر رطلاً بالبغدادي، وهذه الفدية يخرجها إذا احتاج إلى الفعل المحظور قبله أو بعده، ويذبح النسك قبل أن يصل إلى مكة، ويصوم الأيام الثلاثة إن شاء متتابعة، وإن شاء متفرقة، فإن كان له عذر، أخر فعلها، وإذا لبس ثم لبس مرات، ولم يكن أدى الفدية، أجزأته فدية واحدة في أظهر أقوال العلماء.
وعند الشافعية: الفدية الواجبة على التخيير، إن شاء شاة، أو سُبْع بَدَنة، أو سُبْع بقرة، صفتُها صفةُ الأضحية، يُريق دمها بالحرم، ويفرق لحمها على
стр. 69
مساكينه، وإن شاء أطعم ستة مساكين [من] الحرم، كل مسكين نصف صاع، وإن شاء صام ثلاثة أيام حيث شاء، وعند الحنفية: إن من فعل ما يقتضي الدم لغير ضرورة، فواجبه دمٌ: شاةٌ، أو سُبع بدنة، أو سُبع بقرة، إلى آخر ما ذكرنا، ولا يجزيه إطعام ولا صوم، فإن تعذر الدم، يبقى في ذمته، وإن فدية من فعل لضرورةٍ الدمُ على ما بيناه، أو إطعام ستة مساكين من مساكين الحرم، أو غيره، كل مسكين نصف صاع من حنطة، أو صاع من تمر أو شعير، أو صوم ثلاثة أيام حيث شاء.
وعند المالكية: الفدية شاةٌ، أو بدنة، أو بقرة، صفتُها صفة الأضحية، ولا يجوز له الأكلُ منها، وإن شاء، أطعم ستة مساكين من غالب قوت البلد، وإن شاء، صام حيث شاء، وعند الحنابلة: شاة، أو سُبع بدنة، أو سبع بقرة، يريق دمها حيث وُجد السبب، وإن شاء، يطعم ستة مساكين كل مسكين مداً من بر، أو نصف صاع من تمر أو شعير حيث وجد السبب، وإن شاء، صام ثلاثة أيام حيث شاء، ولا تتعدد الفدية لسبب القران عند الشافعية والمالكية والحنابلة، وعند الحنفية: إن كل شيء فعله القارن مما فيه على المفرِد دمٌ، فعليه دمان، إلا في صور.
٢٤ - فصل في نكاح المحرِم
قال الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] وعن عثمان: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يَنكح المحرِمُ، ولا يُنْكِح، ولا يَخطب" رواه الجماعة إلا البخاري، واختلفوا في تزويج النبي ﷺ ميمونةَ، والأكثرون على أنه تزوجها حلالاً عام عمرة القضاء، وظهر أمرُ تزويجها وهو محرم، ثم بنى بها وهو حلال [بـ] سَرِف، وهو قول الشافعي، وعنده نكاحُ المحرم فاسد، وحديث ابن عباس حكايةُ فعل، وهو لا يعارض صريحَ القول -أعني: النهي-، ولكن هذا إنما يُصار إليه عند تعذر الجمع، وهو ممكن هاهنا على فرض أن رواية ابن عباس أرجحُ من رواية غيره، وذلك بأن يُجعل فعلُه ﷺ مخصصاً له من عموم ذلك القول، كما تقرر ذلك في الأصول إذا فرض تأخر الفعل عن القول، فإن
стр. 70
فرض تقدمه، ففيه الخلاف المشهور في الأصل في جواز تخصيص العام المتأخر بالخاص المتقدم كما هو المذهب الحق، أو جعل العام المتأخر ناسخاً كما ذهب إليه البعض.
قال الشوكاني: إذا تقرر هذا، فالحق أنه يحرم أن يتزوج المحرمُ أو يزوِّجَ غيرَه كما ذهب إليه الجمهور، والشافعية، والمالكية، والحنابلة. وقال عطاء، وعكرمة، وأهل الكوفة: يجوز للمحرم أن يتزوج، كما يجوز له أن يشتري الجارية للوطء، وتُعقب بأنه قياس في مقابلة النص، وهو فاسد الاعتبار، وظاهرُ النهي: عدمُ الفرق من تزويج غيره بالولاية الخاصة والعامة؛ كالسلطان والقاضي.
وقال بعض الشافعية: يجوز أن يزوج بالولاية العامة، وهو تخصيص لعموم النص بلا مخصص، انتهى.
قلت: ويحرم على المحرم الوطء ومقدماته؛ كالقبلة، واللمس بشهوة باتفاق الأربعة، ولا يطأ شيئاً لا امرأة ولا غيرها ولا ينظر بشهوة، فإن جامعَ، فسد حجُّه، ولا يفسد الحج بشيء من المحظورات إلا بهذا الجنس، وإذا فسد الحج أو العمرة بالوطء، لزمه إتمامه، والقضاء والكفارة باتفاقهم، والقبلة واللمس بشهوة يوجب الكفارة باتفاق الأربعة، ولا يفسد النسكَ، وإن حصل الإنزال عند الشافعية والحنفية، ويفسده إن حصل إنزالٌ بتذكر أو نحوه عند المالكية والحنابلة، وكفارة الوطء شاة؛ لأنه أقل ما يصدق عليه الهدي، وهو مروي عن أبي حنيفة، ويدل عليه قوله ﷺ : "واهد هدياً" كما في مرسل أبي داود.
وذهب الجمهور إلى أنها بدنة على الزوج، وبدنة على الزوجة، وتجب بدنة الزوجة على الزوج مطلقاً. وقال الشافعي: إذا كانت مكرَهة لا مطاوِعة، وقال أبو حنيفة ومحمد: على الزوج مطلقاً، وقال الشافعي في أحد قوليه: عليهما هدي واحد، وفي "المسوى": لو جامع قبل الوقوف، فسد حجه عند أبي حنيفة، وعليه شاة، ويحج من قابِل، وليس عليهما التفرق، وإن جامع بعد الوقوف، لا يفسد حجه، وعليه بدنة، وعند الشافعي: إن جامع قبل التحلل
стр. 71
الأول، فسد حجه، سواء كان قبل الوقوف بعرفة، أو بعده، وعليه بدنة، ويجب المضيُّ في الفاسد، والقضاءُ من قابِل، وإن كان تطوُّعاً، وإذا خرجا؛ أي أهلاَّ، يتفرقان حذراً عن مثل ما وقع في الأول، وإن جامع بين التحللين، لا يفسد حجه، وعليه الفديةُ، ولا قضاء عليه، وهي في قول: شاة، وفي قول: بدنة، انتهى.
قلت: ويُشرع التفرق، وقد حكاه في "البحر" عن علي ﵁ وابن عباس، وعثمان، وأكثر الفقهاء، واختلفوا هل هو واجب أم لا؟ فذهب مالك، وعطاء، والشافعي في أحد قوليه: إلى الوجوب، وذهب الشافعي في أحد قوليه: إلى الندب، وقال أبو حنيفة: لا يجب، ولا يندب.
قال الشوكاني: واعلم أنه ليس في الباب من المرفوع ما تقوم به الحجة إلا الموقوف، وهو ليس ممن يقبل المرسل، ولا رأى حجية أقوال الصحابة، فهو في سعة عن التزام هذه الأحكام، وله في ذلك سلف صالح؛ كداود الظاهري، انتهى.
٢٥ - فصل في صيد المُحْرِم
قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦] واختلف أهل العلم في تفسير الصيد، فقال في "الهداية": صيد البحر: ما يكون توالده ومثواه في البحر، وقال في "الأنوار": لا يحرم ما لا يعيش إلا في البحر، ويحرم الطائر الذي يغوص في الماء ويخرج؛ فإنه برّي، انتهى. ويحرم عليه صيدُ البر المأكولُ والمتولدُ من مأكول غيره، سواء كان مملوكاً، أو غير مملوك، ووحشياً، أم في أصله وحشي، ويحرم قتله وضربه وتنفيره، وإتلاف شيء من أجزائه أو جنينه أو فرخه أو بيضه، ويحرم إثباتُ اليد عليه، والإعانةُ على شيء من ذلك بقول أو فعل، أو إشارة أو إعارةِ آلة باتفاق الأربعة على جميع ذلك.
ويجب في ذلك الضمان، ولذلك يحرم عند الحنفية والمالكية: صيدُ الممتنع المتوحِّش بأصلِ الخلقة الذي ليس بمأكول، ولا له أصل مأكول، ولا يحرم
стр. 72
ذلك، ولا جزاء فيه عند الشافعية، ولا يأكل المحرم لحمَ صيد ذبحه قبل الإحرام، ويأكل لحم صيد اصطاده الحلال لا لأجله، ولا بإشارته. وقيل بتحريم الأل من الصيد على المحرِم مطلقاً، وبجوازه مطلقاً، وبه قال الكوفيون وطائفة من السلف.
قال الشوكاني: وكذا الحديثين يستلزم اطراحَ بعضِ الأحاديث الصحيحة بلا موجِب، والحقُّ ما ذهب إليه الجمهور من الجمع بين الأحاديث المختلفة، فقالوا: أحاديث القَبول محمولة على ما يصيده الحلال لنفسه، ثم يهدي منه للمحرم، وأحاديث الرد محمولة على ما صاده الحلال لأجل المحرم، ويؤيد هذا الجمعَ حديث جابر: أن النبي ﷺ قال: "صيد البر لكم حلال وأنتم حرم، ما لم تصيدوا، أو يصاد لكم" رواه الخمسة إلا ابن ماجه، قال الشافعي: هذا أحسن حديث روي في هذا الباب وأقيسُ، فهذا الحديث صريح في التفرقة بين أن يصيده المحرم، أو يصيد غيرُه له، وبين أن يصيده المحرم ولا يصاد له، بل يصيده الحلال لنفسه، ويطعمه المحرم، ومقيد لبقية الأحاديث المطلقة؛ كحديث الصَّعب، وطلحةَ، وأبي قتادة، ومخصِّص لعموم الآية المتقدمة، انتهى.
٢٦ - فصل في جزاء الصيد
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [المائدة: ٩٥] هذه الآية الكريمة أصل أصيل في وجوب الجزاء على من قتل صيداً وهو محرِم، ويكون الجزاء مماثلاً للمقتول، ويرجع في ذلك إلى حكم العدلين كما ذهب إليه مالك، وهو ظاهر الآية، وقيل: إنه لا يرجع إلى حكم العدلين إلا فيما لا مثلَ له، وأما فيما له مثل، فيرجع فيه إلى ما حكم به السلف، وإن لم يحكم فيه السلف رجع إلى ما حكم به عدلان. واختلفوا في أي شيء تُعتَبَرُ المماثلة؟ فقيل: في الشكل، أو الفعل، وقيل: في القيمة، وذهب إلى
стр. 73
الأول: الشافعيُّ، وإلى الثاني: أبو حنيفة، ولا مفهوم لقوله: متعمداً، فلا فرق عند الحنفية ولا الشافعية بين العامد والخاطىء والناسي للإحرام، واختلفت الروايات في الجراد يقتله المحرم، والصحيح: أن فيه فدية، قال أبو حنيفة: صدقة، وإن قلَّت، وقال الشافعي: القيمة، وفي الضبع يصيبه المحرم كبشٌ، رواه أهل السنن عن جابر مرفوعاً، وصححه البخاري، وعبد الحق، قال البيهقي: هو حديث جيد تقوم به الحجة.
٢٧ - فصل في قتل المؤذيات
يجوز للمحرم قتل الفواسق الخمس في الحِلِّ والحرم، ولا شيء عليه في قتلها، وهن: الغراب، والحِدَأَة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور؛ لحديث عائشة في "الصحيحين"، وفي مسلم من حديث ابن عمر زيادةٌ: الحية. وفي قتل الكلب الذي ليس بعقور ولا منفعةَ فيه خلافٌ، قيل: يكره، وقيل: يحرم، ولا يجوز قتلُ ما فيه منفعة من الكلاب، سواء كان أسود، أم غير أسود، وقاس الشافعي على هذه الأعيان الخمس: كلَّ حيوان لا يؤكل لحمه، فقال: لا فدية على من قتلها في الإحرام أو الحرم؛ لأن الحديث يشتمل على أعيان، بعضُها سباع ضارية، وبعضها هوام لا يدخل في معنى السباع، ولا هي من جملة الهوام، وإنما هو حيوان مستخبث، وتحريمُ الأكل يجمع الكل، فاعتبره.
وقالت الحنفية: لا جزاء بقتل ما ورد في الحديث، وقاسوا عليها الذئب، وقالوا في غيرها من الفهد والنمر والخنزير والأسد، وجميعِ ما يؤكل لحمه: عليه الجزاء بقتلها، إلا أن يبتدئه شيء منها، فيدفعه عن نفسه فيقتله، فَلا شيء عليه، وكذا في سباع الطير؛ كالبازي والصقر جزاءٌ عندهم، وليس عندهم شيء في قتل البرغوث، والبق، والزنبور، والبعوض، والقرادة، وإذا قرصته البراغيث أو القمل، فله إلقاؤها عنه لا قتلها, ولا شيء عليه، وأما التفلِّي بدون التأذي، فهو من الترفُّه، فلا يفعله، ولو فعله، فلا شيء عليه.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: ولأن يدفع ما يؤذيه من الآدميين والبهائم، حتى لو صال عليه أحد، ولم يندفع إلا بالقتال، قاتله، قال ﷺ : "من قاتل دون دينه،
стр. 74
فهو شهيد، ومن قاتل دون حرمته، فهو شهيد"، ويقع مثلُ ذلك مع أهل البدو كثيراً، لا سيّما في سفر المدينة المنورة في حال الإحرام.
٢٨ - فصل في حرم مكة المكرمة -زادها الله تعالى تعظيماً -
عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنه-، قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرام، لا يُعضد شجره وشوكه، ولا يُختلى خلاه، ولا يُنَفِّر صيدُه، ولا يلتقط لقطته إلا لمعرف"، قال العباس: إلا الإذخرَ، متفق عليه. قال ابن العربي: اتفقوا على تحريم قطع شجر الحرم، إلا أن الشافعي أجاز قطعَ الشوك من فروع الشجرة، وكذا أخذ الورق والثمر إذا كان لا يضرها ولا يهلكها، وعطاءٌ ومجاهدٌ وغيرهما أجازوا قطع الشوك؛ لكونه يؤدي بطبعه، فأشبه الفواسق، ومنعه الجمهور؛ لنهيه ﷺ ، قال الشوكاني: هذا القياس مصادم للنص، فهو فاسد الاعتبار، قال ابن قدامة: ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان، وانقطع من الشجر من غير صنع الآدمي، ولا بما يسقط من الورق، نص عليه أحمد، ولا يُعلم فيه اختلاف، انتهى.
وقال ابن تيمية: وله أن يقطع الشجر، لكن نفس الحرم لا يقطع شيئاً من شجره، وإن كان غير محرم، ولا من نباته إلا الإذخرَ، وأما ما غرسوه أو زرعوه، فهو لهم، وكذلك ما يبس من النبات يجوز أخذُه، انتهى. قال القرطبي: خص الفقهاء الشجر المنهي عنه بما ينبته الله تعالى من غير صنع آدمي، فأما ما ينبت بمعالجة آدمي، فاختلف فيه، فالجمهور على الجواز، وقال الشافعي: في الجميع الجزاء، ورجحه ابن قدامة، واختلفوا في جزاء ما قُطع من النوع الأول، فقال مالك: لا جزاء فيه، بل يأثم، وقال عطاء: يستغفر، وقال أبو حنيفة: بقيمة هدي.
وقال الشافعي: في العظيمة بقرة، وفيما دونها شاة، ومذهب الشافعية: أنه يجوز تسريح البهائم في حشيش الحرم للرعي، ويجوز أخذُه لعلف البهائم، ولا شيء فيه، ولو احتيج إلى شيء من نبات الحرم للدواء، جاز قطعه، ولا شيء عليه، ومذهب الحنفية: أنه يحرم قطع الحشيش الرطب وقلعُه، وأنه
стр. 75
لا يرعى، ويتعلق به القيمة إن فعل ذلك، واتفق الأربعة على إباحة قلع الإذخر.
وقد تقدم الكلام في حدود الحرم، فليرجع إليه.
والمرأة والرجل في جميع محرمات الإحرام سواء إلا ما سبق، والله تعالى أعلم.
٢٩ - فصل في حرم المدينة المنورة -زاد الله شرفها -
عن علي -رضي الله تعالى عنه- مرفوعاً في المدينة: "لا يُختلى خلاها، ولا يُنفر صيدُها, ولا يلتقط لقطتها إلا من أنشدها, ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال، ولا يصلح أن يقطع فيها شجراً إلا أن يعلفَ رجلٌ بعيره" رواه أحمد. وعنه، عن النبي ﷺ : "المدينة حرام ما بين عَير إلى ثور" متفق عليه.
وعن أبي هريرة، قال حَرَّمَ رسولُ الله ﷺ ما بين لابَتَي المدينة، وجعل اثنى عشر ميلاً حول المدينة حِمًى. متفق عليه. وعن سعد، قال، قال رسول الله ﷺ : "إني أحرم ما بين لابَتَي المدينة؛ أن يُقطع عضاهُها، أو يُقتل صيدُها" رواه مسلم. استدل بهذا على تحريم شجرها، وخبطه، وعضده، وتحريم صيدها، وتنفيره، والشافعي، ومالك، وأحمد، وجمهور أهل العلم على: أن للمدينة حرماً كحرم مكة، يحرم صيدُه وشجره.
قال الشافعي ومالك: فإن قتل صيداً، أو قطع شجراً، فلا ضمان؛ لأنه ليس بمحل النسك، فأشبه الحمى، وقال ابن أبي ذئب، وابن أبي ليلى: يجب فيه الجزاء كحرم مكة، وبه قال بعض المالكية، وهو ظاهر، وذهب أبو حنيفة، وزيدُ بن علي إلى أن حرم المدينة ليس بحرم على الحقيقة، ولا يثبت له الأحكام من تحريم قتل الصيد وقطع الشجر، والأحاديثُ تردُّ عليهم، واستدلوا بحديث: "يا أبا عمير! ما فعل النغير؟ "، وأجيب عنه بأن ذلك قبل تحريم المدينة، أو أنه من صيد الحِل، نعم يجوز أخذُ الأشجار للعلف لا لغيره، فإنه لا يحل كما سلف.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: حرم المدينة ما بين لابَتَيها، واللابة: هي
следующие страницы →