السلام"، وبهذا الحديث صدر البيهقي الباب، ولكن ليس فيه ما يدل على اعتبار كون المسلِّم عليه على قبره، بل ظاهره أعمُّ من ذلك، انتهى.
وقد رُويت زيارته ﷺ عن جماعة من الصحابة، منهم: بلال عند ابن عساكر، وابن عمر عند مالك في "الموطأ"، وأبو أيوب عند أحمد، وأنس ذكره عياض في "الشفا"، وعمر عند البزار، وعلي عند الدارقطني، وغير هؤلاء، ولكنه لم ينقل عن أحد منهم أنه شد الرحال لذلك إلا عن بلال؛ لأنه روى عنه أنه رأى النبي ﷺ وهو بداريّا يقول له: ما هذه الجفوة يا بلال؟! أمالك أن تزورني؟ " روى ذلك ابن عساكر، ولكن هذا الأثر ليس بصحيح عنه، ولو كان صحيحاً عنه، لم يكن فيه دليل على محل النزاع، ولا يكون المنام حجة شرعية، وقول القائل: سنده جيد، خطأ منه كما بينه في "الصارم" بياناً كافياً، وهو أثر غريب منكر، وإسناده مجهول، وفيه انقطاع بل بعض ألفاظ الخبر يشهد ببطلانه عنه.
وثبت عن ابن عمر: أنه كان إذا قدم من سفر، أتى قبرَ النبي ﷺ ، وسلم عليه وعلى أبي بكر وعمر، وليس فيه شد رحال، ولا إعمال مطي، ومع هذا قال أبو عثمان العمري: ما نعلم أحداً من أصحابه ﷺ كان يفعل ذلك إلا ابن عمر، هكذا ذكر عبد الرزاق في "مصنفه".
واستدل القائلون بالوجوب بحديث: "من حج ولم يزرني، فقد جفاني"، رواه ابن عدي في "الكامل"، وله ألفاظ متقاربة، قالوا: والجفاء للنبي ﷺ محرم، فتجب الزيارة لئلا يقع في المحرم، وأجاب عنه الجمهور: بأن الجفاء يقال على من ترك المندوب؛ كما في ترك البر والصلة، وعلى غِلَظ الطبع؛ كما في حديث: "من بدا فقد جفا"، وأيضاً الحديث على انفراده مما لا تقوم به الحجة، وقد تقدم جرحه.
واستدلوا رابعاً بالإجماع، وقالوا: قد حكى القاضي عياض: أن العلماء مجمعون على أنه يستحب للرجال زيارة القبور، بل قال بعض الظاهرية بوجوبها، وممن حكاه النووي.
والجواب عن ذلك بوجوهٍ ذكرها في "الصارم"، حاصلها: أن المانع لم
стр. 142
يقل: إن زيارة القبور محرمة أو مكروهة، بل هي مستحبة عنده أيضاً؛ للدعاء للموتى، مع السلام عليهم، وإنما الكلام في السفر إليها، وليس في المسألة إجماع لتحقيق ثبوت الخلاف فيها عن بعض المجتهدين، وإن كان قوله ضعيفاً من حيث الدليل، قال ابن البطال: كره قوم زيارة القبور؛ لأحاديث في النهي عنها، وقال الشعبي: لولا أن رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور، لزرت، انتهى.
وقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون زيارة القبور. وعن ابن سيرين مثلُه، وبه قال مالك، والجويني، وعياض، فأي ذنب لشيخ الإسلام ابن تيمية إن قال به؟ وليس هو بمتفرد بهذا القول، والمقصود: أن الإجماع المذكور في هذه المسألة غير محقق.
واستدلوا خامساً بالقياس، وقالوا: جاء في السنة الصحيحة: الأمرُ بزيارة القبور، فقبرُ نبينا منها أولى وأحقُّ، وثبت أنه ﷺ زار أهل البقيع، وشهداء أحد، وقد مر الجواب عن ذلك بأن هذا خارج عما نحن فيه؛ لأن الكلام في السفر إلى زيارة القبور؛ لا في نفس الزيارة.
واحتج من قال: إنها غير مشروعة بحديث: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد"، وهو في الصحيح، وحديث: "لا تتخذوا قبري عيداً" رواه عبد الرزاق، قال النووي في "شرح مسلم": اختلف العلماء في شد الرحال لغير الثلاثة؛ كالذهاب إلى قبور الصالحين، وإلى المواضع الفاضلة، فذهب الشيخ أبو محمد الجويني إلى حرمته، وأشار عياض إلى اختياره، والصحيح عند أصحابنا: أنه لا يحرم، ولا يكره، قالوا: والمراد: أن الفضيلة الثابتة إنما هي لشد الرحال إلى هذه الثلاثة خاصة، انتهى.
وقد أجاب الجمهور عن حديث شد الرحال: بأن القصر فيه إضافي باعتبار المساجد، لا حقيقي، قالوا: والدليل على ذلك ما في بعض ألفاظ الحديث: "لا ينبغي للمطي أن تشدَّ رحالُها إلى مسجد ينبغي فيه الصلاة غير مسجدي هذا، أو المسجد الحرام، والمسجد الأقصى"، فالزيارة وغيرها خارجة عن النهي، لكن إن صح هذا الخبر، فلينظر فيه.
стр. 143
وأجابوا ثانياً بالإجماع على جواز شد الرحال للتجارة وسائر مطالب الدنيا، وعلى وجوبه إلى عرفة للوقوف، وإلى منى للمناسك التي فيها، وإلى مزدلفة، وإلى الجهاد، والهجرة عن دار الكفر، وعلى استحبابه لطلب العلم.
قلت: هذه الأسفار قد ثبت بعضها بفعل الشارع وقوله، ولم يثبت السفر للزيارة بفعله ولا قوله، ولم يحصل الإجماع على جوازه بحمد الله تعالى إلى الآن.
بل نهى العلماء عنه قديماً وحديثاً، بل بعض الأسفار لها، بل غالبها لا يخلو من أحوال الشرك وأعمال الكفر كما لا يخفى على الخبير.
وأجابوا عن حديث: "لا تتخذوا قبري عيداً": بأنه يدل على الحث على كثرة الزيارة، لا على منعها، وأنه لا يُهمل حتى لا يُزار إلا في بعض الأوقات؛ كالعيدين، والعالم بمفاهيم السنة وعطفها، والعارف بكلام الرسول ﷺ لا يرتاب أبداً في أن ذلك التأويل من باب تحريف الكلم عن مواضعه، ومن قبيل تأويل الجهلة وانتحال المبطلة؛ فإنه يأباه ظاهر الحديث وباطنُه، ولو كان مقصود الشارع ما فهمَ هؤلاء، لقال: زوروا قبري كل حين، ولا تملوا عنه حتى لا تزوروه إلا في بعض الأحيان كالعيد.
واحتج أيضاً من قال بالمشروعية: بأنه لم يزل دأب المسلمين القاصدين للحج في جميع الأزمان على تباين الديار واختلاف المذاهب الوصول إلى المدينة المشرفة لقصد زيارته، ويعدون ذلك من أفضل الأعمال، ولم ينقل أن أحداً أنكر ذلك عليهم، فكان إجماعاً.
قلت: وما الدليل على أن هذا الوصول كان لمجرد زيارة القبر؟ بل الظاهر أنه كان لمسجده ﷺ ، وكانت الزيارة مغمورة فيه، ومن ادعى خلاف ذلك، فعليه البيان مع البرهان.
وما ذكره ابن الجوزي عن عمر بن عبد العزيز: أنه كان يبرد البريد من الشام، يقول له: سَلِّم على رسول الله ﷺ . فالجواب عنه أولاً: بالمطالبة عن صحة الإسناد إلى عمر، والثاني: بأنه في إسناده ضعف وانقطاع.
стр. 144
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في مصنفاته، وفتاواه، ومناسكه: استحبابَ زيارة قبر النبي ﷺ على الوجه المشروع، ولم يذكر في ذلك نزاعاً بين العلماء، وإنما ذكر الخلاف بينهم في السفر لمجرد زيارة القبور، واختار المنع من ذلك كما هو مذهب مالك وغيره من أهل العلم، وهو الذي اختاره القاضي عياض، والجويني، فينبغي أن يعرف الفرق بين محل النزاع وغيره، ولا يخلط بعضه ببعض، ولا ريب أن الإنسان إذا أتى مسجد النبي ﷺ ، استحب له أن يفعل فيه ما يُشرع له من الصلاة والسلام على الرسول، والتسليم، والثناء عليه، فهذا هو المقصود من الزيارة الشرعية، والسفر إلى مسجده ﷺ للصلاة فيه، وما يتبع ذلك مستحبٌّ بالنص والإجماع.
والسفر لمجرد زيارة القبر فيه نزاع، ومن سافر لمجرد قبر، فلم يزر زيارة شرعية، بل بدعية، فينبغي لمن أراد أن يعرف دين الإسلام أن يتأمل النصوص النبوية، ويعرف ما كان يفعله الصحابة والتابعون، وما قاله أئمة المسلمين ليعرف المجمَعَ عليه من المتنازَع فيه؛ فإن الزيارة فيها مسائل متعددة متنازَع فيها، ولكن لم يتنازعوا -فيما علمت- في استحباب السفر إلى مسجده، واستحباب الصلاة والسلام فيه، ونحو ذلك مما شرعه الله في مسجده، ولم يتنازع الأئمة الأربعة.
والجمهور: في أن السفر إلى غير الثلاثة ليس بمستحب، لا لقبور الأنبياء والصالحين، ولا غير ذلك؛ فإن قول النبي ﷺ : "لا تشد الرحال. . . " حديث متفق على صحته، وعلى العمل به عند الأئمة المشهورين، وعلى أن السفر إلى زيارة القبور داخل فيه، فإما أن يكون نهياً، وإما أن يكون نفياً للاستحباب، وقد جاء في الصحيح بصيغة النهي صريحاً، فتعين أنه نهي، فهذان طرفان لا أعلم فيهما نزاعاً بين الأئمة الأربعة والجمهور، فتدبر.
وتمام الكلام في مسألة الزيارة ومتعلقاتها مبسوط في "الصارم" في ذيل فصول هي للدين أصول.
стр. 145
٢ - فصل في آداب الزيارة وما يتصل بها
قال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني -رحمه الله تعالى-: إذا دخل المدينة قبل الحج أو بعده، فإنه يأتي مسجد النبي ﷺ ، ويصلي فيه؛ فإن الصلاة فيه خيرٌ من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، ولا تشد الرحال إلا إليه، وإلى المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، هكذا ثبت في "الصحيحين من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد، وهو مروي من طرق أخرى، ومسجده ﷺ كان أصغر مما هو اليوم، وكذا المسجد الحرام، لكن زاد فيه الخلفاء الراشدون ومَنْ بعدهم، وحكمُ الزيادة حكم المزيد في جميع الأحكام، ثم يسلم على النبي ﷺ وصاحبيه؛ فإنه قد قال: "ما من رجل يسلِّم عليَّ، إلا رد الله عليَّ روحي حتى أردَّ ﵇" رواه أبو داود، وغيره.
وكان عبد الله بن عمر إذا دخل المسجد يقول: السلامُ عليك يا رسولَ الله، السلامُ عليك يا أبا بكر، السلامُ عليك يا أبتِ، ثم ينصرف، هكذا كان الصحابة يسلِّمون عليه، وإذا قال في سلامه: السلامُ عليك يا نبيَّ الله، يا خيرةَ الله من خلقه، يا أكرمَ الخلقِ على ربه، يا إمامَ المتقين، فهذا كلُّه من صفاته، بأبي هو وأمي ﷺ ، وإذا صلى عليه مع السلام، فهذا مما أمر به، ويسلم عليهم مستقبلَ الحجرة، مستدبر القبلة عندَ أكثر العلماء؛ كمالك، والشافعي، وأحمد، وأما أَبو حنيفة، فإنه كان يستقبل القبلة، فمن أصحابه من قال: يستدبر الحجرة، ومنهم من قال: يجعلها عن يساره.
واتفقوا على أنه لا يستلم الحجرةَ ولا يُقبلها، ولا يطوف بها، ولا يصلي إليها، ولا يدعو هناك مستقبلاً للحجرة، فإن هذا كله منهي عنه باتفاق الأئمة، ومالكٌ من أعظم الأئمة كراهةً لذلك، والحكاية المروية عنه: أنه أمر المنصور أن يستقبل الحجرة وقتَ الدعاء كذبٌ على مالك. ولا يقف عند القبر للدعاء لنفسه، فإن هذا بدعة، ولم يكن أحد من الصحابة يقف عنده يدعو لنفسه، ولكن كانوا يستقبلون القبلة، ويدعون في مسجده ﷺ .
стр. 146
قال: "اللهمَّ لا تجعل قبري وَثَناً يعبد"، وقال: "لا تجعلوا قبري عيداً"، و"ولا تجعلوا قبوركم بيوتاً، وصلوا عليَّ حيثما كنتم؛ فإن صلاتكم تبلغني"، وقال: "أكثروا عليَّ من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة؛ فإن صلاتكم معروضة عليّ"، فقالوا: كيف تعرض صلاتنا عليك، وقد أرمت؛ أي: بليت؟ قال: "إن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء"، فأخبر أنه يسمع الصلاة والسلام من القريب، وتبلغ إليه ذلك من البعيد.
وقال: "لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذِّر مما فعلوا، قالت عائشة -رضي الله تعالى عنها-: ولولا ذلك، لأبرز قبره، ولكن كره أن يُتخذ مسجداً، أخرجاه في "الصحيحين"، فدفنه الصحابة في الموضع الذي مات فيه من حجرة عائشة، وكانت هي وسائر الحجر خارج المسجد من قبليِّه وشرقيِّه.
ولكن في زمن الوليد بن عبد الملك، غيّر هذا المسجد وغيره، وكان نائبه على المدينة عمر بن عبد العزيز، فأمر أن يشتري الحُجَر، ويُزاد في المسجد، فدخلت الحجرة في المسجد من ذلك الزمان، وبُنيت منحرفةً عن القبلة مسنَّمة لئلا يصلِّي إليها أحد، فإنه ﷺ قال: "لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها" رواه عن مسلم عن أبي مرثد الغنوي.
زيارة القبور على وجهين: زيارة شرعية، وزيارة بدعية
فالشرعية: المقصودُ بها السلامُ على الميت، والدعاءُ له، كما يقصد ذلك بالصلاة على جنازته، فزيارتُه بعد موته من جنس الصلاة عليه، والسنةُ فيها أن يسلم على الميت، ويدعو له، سواء كان نبياً، أو غير نبي، كما كان ﷺ يأمر أصحابه إذا زاروا القبور، أن يقول أحدهم:
"السلامُ عليكم أهلَ الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إنْ شاء الله بكم للاحقون، ويرحمُ الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسألُ اللهَ لنا ولكم العافيةَ، اللهم لا تحرْمنا أجرَهم، ولا تَفْتِنَّا بعدهم، واغفرْ لنا ولهم".
стр. 147
وهكذا يقول إذا زار أهلَ البقيع، ومَنْ به من الصحابة وغيرهم، وزار شهداء أحد وغيرهم.
بل الصلاة في المساجد التي ليس فيها قبرُ أحد من الأنبياء والصالحين وغيرهم، أفضلُ من الصلاة في المساجد التي فيها ذلك باتفاق أئمة المسلمين، بل الصلاة في المساجد التي على القبور إما محرمة، وإما مكروهة.
والزيارة البدعية: أن يكون الزائر مقصودُه منها أن يطلب حوائجه من ذلك الميت، أو يقصد الدعاء عند قبره، أو يقصد الدعاء به، فهذا ليس من سنة النبي ﷺ ، ولا استحبه أحد من سلف الأمة، بل هو من البدَع المنهيِّ عنها باتفاق سلف الأمة وأئمتها.
وقد كره مالك وغيره أن يقول القائل: زرتُ قبر النبي ﷺ ، وهذا اللفظ لم ينقل عن النبي ﷺ ، بل الأحاديث المذكورة في هذا الباب مثل:-
قوله: "من زارني، وزار أبي إبراهيم في عام واحد، ضمنت له على الله الجنة".
وقوله: "من زارني بعد مماتي، فكأنما زارني في حياتي".
وقوله: "من زارني بعد مماتي، حلت عليه شفاعتي".
ونحو ذلك، كلها أحاديث ضعيفة، بل موضوعة.
ليست في شيء من دواوين المسلمين التي يعتمد عليها، ولا نقلها إمام من أئمة المسلمين، لا الأربعة منهم، ولا نحوهم، ولكن روى بعضها البزار، والدارقطني، ونحوهما بأسانيد ضعيفة.
بل من عادة الدارقطني وأمثاله أن يذكروا هذا في السنن؛ ليُعرف هو وغيره، وبينوا الضعيف من ذلك، وذا كانت هذه الأمور التي فيها شرك وبدعة قد نهى عنها عند قبره، وهو أفضل الخلق، فالنهي عن ذلك عند قبر غيره أولى وأحرى.
ويستحب أن يأتي قباء ويصلي فيه، فإن النبي ﷺ ، قال: "من تطهَّر في بيته، فأحسن الطهور، ثم أتى مسجد قباء، لا يريد إلا الصلاة فيه، كان له كأجر عمرة"
стр. 148
رواه أحمد، والنسائي، وابن ماجه. وقال ﷺ : الصلاة في "مسجد قباء تعدل عمرة" رواه الترمذي، وحسنه.
والسفر إلى المسجد الأقصى والصلاةُ فيه والدعاءُ والذكر والقراءة والاعتكاف مستحبٌّ في أي وقت شاء، سواء كان عام الحج، أو بعده، ولا يفعل فيه وفي مسجد النبي ﷺ إلا ما يفعل في سائر المساجد، ليس فيه شيء يتمسح به ويُقبَّل ويُطاف به، هذا كله ليس إلا في المسجد الحرام خاصة، ولا يستحب زيارة الصخرة، بل المستحب أن يصلي في قبل المسجد الأقصى الذي بناه عمر بن الخطاب للمسلمين، ولا يسافر للوقوف بالمسجد الأقصى، ولا للوقوف عند قبر أحد من الأنبياء والمشايخ ولا غيرهم، باتفاق أئمة المسلمين.
بل أظهر أقوال العلماء ألا يسافر أحد لزيارة قبر من القبور، ولكن تزار القبور بالزيارة الشرعية ممن كان قريباً، أو اجتاز بها أحد، كما أن مسجد قبا يزار من المدينة، وليس لأحد أن يسافر إليه؛ لنهي النبي ﷺ عن أن تشد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة، وذلك أن الدين مبني على أصلين: لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له، ولا يعبد إلا بما شرع، فلا يعبده بالبدع.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١٠١].
ولهذا كان عمر بن الخطاب يقول في دعائه: اللهمَّ اجعلْ عملي صالحاً خالصاً لوجهك، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً.
وقال فُضيل بن عياض في قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [تبارك: ٢]، قال: أخلصه وأصوبه، قيل: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصاً، ولم يكن صواباً، لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً، لم يقبل حتى يكونا خالصاً صواباً، والخالص: أن يكون لله، والصواب: أن يكون على السنة، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].
فالمقصود بجميع العبادات: أن يكون الدينُ كلُّه لله، فاللهُ هو المعبود
стр. 149
والمسؤول، الذي يُرجى ويُخاف ويسأل ويعبد، فله الدين خالصاً، وله أسلم مَنْ في السموات والأرض طوعاً وكرهاً. والقرآن الكريم مملوء من هذا كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢]، وقال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣]، وقال: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ إلى قوله ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ١٤ - ٦٤].
وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩]، وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٦ - ٥٧].
قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون الملائكة والأنبياء كالمسيح وعزير ﵉، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٩].
ومثل هذا في القرآن العزيز كثير، بل ذلك مقصود القرآن، ودعوةُ الرسل كلهم، ولذلك خلق الخلق كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]؛ أي: يوحدون ويخلصون العمل لله وحده.
وبالجملة: فيجب على المسلم أن يعلم أن الحج من جنس الصلاة ونحوها من العبادات التي يُعبد بها اللهُ وحَده لا شريك له، وأن الصلاة على الجنائز وزيارة قبور الأموات من جنس الدعاء لهم، والدعاء من جنس المعروف والإحسان الذي هو من جنس الزكاة والعبادات التي أمر الله بها توحيد وسنة، والذي غيرُهما فيه شرك وبدعة؛ كعبادات النصارى ومَنْ أشبههم، فقصدُ البقعةِ لغير العبادات التي أمر الله بها ليس من الدين.
стр. 150
ولهذا كان جملة العلماء الذين يعتد بهم: يعدون السفر لقبور الأنبياء والصالحين من جملة البدع المنكرة.
وهذا في أصح القولين غيرُ مشروع، وكذلك من يقصد بقعة لأجل الطلب من مخلوق هي منسوبة إليه كالقبر والمقام، ولأجل الاستعاذة به، ونحو ذلك، فهذا شرك وبدعة؛ كما يفعل النصارى ومن أشبههم من مبتدعة هذه الأمة؛ بحيث يجعلون الحج أو الصلاة من جنس ما يفعلونه من الشرك والبدعة.
ولهذا قال النبي ﷺ لما ذكر بعض أزواجه (١) كنيسةً بأرض الحبشة، وذكرن له من حسنها وما فيها من التصاوير: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرارُ الخلق عند الله يوم القيامة".
ولهذا نهى العلماء عما فيه عبادة لغير الله، وسؤال من مات من الأنبياء والصالحين مثل من يكتب رقعة، ويعلقها عند قبر نبي أو صالح، أو يسجد لقبره، أو يدعوه، أو يرغب إليه، وقالوا: إنه لا يجوز بناء المساجد على القبور؛ لأن النبي ﷺ قال قبل أن يموت بخمس ليال: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا! فلا تتخذوا القبورَ مساجد؛ فإني أنهاكم عن ذلك"، وقال: "لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً، لاتخذت أبا بكر خليلاً"، وهذه الأحاديث في الصحاح.
وما يفعله بعض الناس من أكل التمر في المسجد، وتعليق الشعر في القناديل، فبدعة مكروهة، وأما التمر الصيحاني، فلا فضيلة فيه، بل غيرُه من
стр. 151
التمر؛ كالبرنيِّ والعجوةِ خيرٌ منه، والأحاديث إنما جاءت في مثل ذلك، لا في الصيحاني، وقول بعض الناس: إن الصيحاني صاح بالنبي ﷺ جهلٌ منه، بل إنما سمى بذلك اليابس منه؛ فإنه يقال: يصوح التمر: إذا يبس.
وهكذا قول بعض الجهال: إن "عين الزرقاء" جاءت معه ﷺ من "مكة"، ولم تكن بالمدينة على عهده ﷺ عين جارية، لا الزرقاء، ولا غيرها من عيون جمرة وغيرها، بل كل هذا استخرج من بعد.
ورفعُ الصوت في المساجد منهيٌّ عنه، وهو في مسجد النبي ﷺ أشد، وقد ثبت في "البخاري": أن عمر بن الخطاب رأى رجلين من أهل الطائف يرفعان أصواتهما في المسجد، فقال: لو أعلم أنكما من أهل البلد، لأوجعتكما ضرباً، إن الأصوات لا تُرفع في مسجده، فما يفعله بعضُ جهال العامة من رفع الصوت عقيبَ الصلاة بقولهم: السلامُ عليكَ يا رسولَ الله بأصوات عالية، وأمثال ذلك، فمن أقبح المنكرات، ولم يكن أحد من السلف يفعل شيئاً من ذلك عقيبَ الصلاة، ولا قبلها، ولا بعدها، لا بأصوات عالية، ولا مستخفية، بل ما في الصلاة من قول المصلي في التشهد: "السلام عليكَ أيها النبيُّ ورحمةُ الله وبركاته" هو المشروع، كما أن الصلاة عليه مشروعة في كل مكان وزمان.
وقد ثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه قال: "من صلى عليَّ مرة، صلى الله عليه عشراً"، وفي "المسند": أن رجلاً قال: يا رسول الله! أجعلُ عليك ثلث صلاتي؟ قال: "إذن يكفيك الله ثلثَ أمرك"، فقال: أجعل عليك ثلثي صلاتي؟ قال: "إذن يكفيك الله ثلثي أمرك"، قال: أجعل صلاتي كلها عليك؟ قال: "إذن يكفيك الله ما أهمَّكَ من أمر دنياك وآخرتك".
وفي "السنن" عنه ﷺ : أنه قال: "لا تتخذوا قبري عيداً، وصلُّوا عليَّ حيثما كنتم؛ فإن صلاتكم تبلغني". وقد رأى عبد الله بن الحسن -رضي الله تعالى عنه- في زمنه رجلاً ينتاب قبر النبي ﷺ للدعاء عنده، فقال: يا هذا! إن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيداً، وصلوا عليَّ حيثما كنتم؛ فإن صلاتكم تبلغني"، فما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء.
стр. 152
ولهذا كان السلف يُكثرون الصلاةَ والسلامَ عليه ﷺ في كل مكان وزمان، ولم يكونوا يجتمعون عند قبره، لا لقراءة وإيقاد شمع وإطعام وإسقاء، وإنشاد قصائد، ولا نحو ذلك، بل هذا من البدع، وإنما كانوا يفعلون في مسجده ما هو المشروع في سائر المساجد من الصلاة والقراءة والذكر والدعاء، والاعتكاف وتعليم القرآن والعلم وتعلمه، ونحو ذلك.
وقد علموا أن له ﷺ مثل أجر كلِّ عمل صالح تعملُه أمته؛ فإنه ﷺ قال: "من دعا إلى هدى، فله من الأجر مثلُ أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً"، وهو الذي دعا أمته إلى كل خير، فكل خير يعمله أحد من الأمة، فله أجره، فلم يكن يهدى إليه ثواب صلاة أو صدقة أو قراءة من أحد، وكل من كان له أطوع وأتبع، كان أولى الناس به في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] وقال ﷺ : "إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليّي اللهُ وصالحُ المؤمنين"، وهو أولى بكل مؤمن من نفسه، وهو الواسطة بين الله وبين خلقه في تبليغ أمره ونهيه، ووعده ووعيده، فالحلال ما أحله الله تعالى، والحرامُ ما حرمه، والدين ما شرعه، واللهُ هو المعبود المسؤول المستعاذُ به الذي يُخاف ويُرجى منه ويُتوكل عليه.
قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وإنما الخشية والتقوى لله وحده، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٣]، فأضاف الإيتاء إلى الله والرسول، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، فليس لأحد أن يأخذ إلا ما أباح له الرسول ﷺ ، وإن كان الله آتاه ذلك من جهة القدرة والملك، فإنه يؤتى الملكَ لمن يشاء، وينزع الملك ممن يشاء.
ولهذا كان النبي ﷺ يقول في الاعتدال من الركوع وبعد السلام من الصلاة: "اللهم لا مانعَ لما أعطيتَ، ولا معطي لما منعتَ، ولا رادَّ لما قضيتَ، ولا ينفعُ ذا الجَدِّ منك الجَدُّ"؛ أي: من آتيته جَدّاً، وهو: البخت والملك، فإنه لا ينجيه منك، وإنما ينجيه الإيمان والتقوى.
стр. 153
وأما التوكل، فعلى الله وحده، والرغبةُ إليه وحده، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] ولم يقل: ورسوله، وقالوا: ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩] ولم يقل: ورسوله، كما قال في الإيتاء، بل هذا نظير قوله تعالى. ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧ - ٨] وقال: الذين ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣].
وفي "صحيح البخاري" عن ابن عباس، قال: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤]، أي: وحده حسبك، وحسب المؤمنين الذين اتبعوك. ومن قال: إن المعنى: إن الله والمؤمنين حسبك، فقد، غلط وضل، بل قوله من جنس الكفر؛ فإن الله وحده هو حسبُ كل عبد مؤمن، والحسبُ: الكافي، كما قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦].
والله تعالى له حق: لا يُشرك فيه مخلوق؛ كالعبادة والإخلاص والتوكل والخوف، والحج والصلاة والزكاة والصيام والصدقة، والرسول له حق: كالإيمان به وطاعته واتباع سننه، وموالاة من يواليه، ومعاداة من يعاديه، وتقديمه في المحبة على الأهل والمال والنفس، كما قال ﷺ : "والذي نفسي بيده! لا يؤمن أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين".
بل يجب تقديم الجهاد، والذي أمر به على هذا كله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] انتهى كلام الشيخ -رحمه الله تعالى-، وما أوقفه بسنة الرسول وأحقه بالسمع والقبول!
ثم يستحب أن يخرج إلى البقيع، ويزور مَنْ به من الصحابة وغيرهم،
стр. 154
ولا دليل على الترتيب، ويُستحب أن يزور قبور الشهداء، وقبرَ حمزة عمِّ رسول الله ﷺ .
قال ابن الهمام: ويزور جبل أُحد نفسَه؛ للحديث الصحيح: "أُحد جبلٌ يحبنا ونحبه"، ولكن ليس فيه ما يدل على زيارته، ويُستحب أن يأتي بئرَ أريس التي تفل فيها رسول الله ﷺ ، وسقط فيها خاتمه من عثمان.
وكان السلف الصالح يحبون لمن أتى المساجد الثلاثة: أن يختم فيها القرآن، ويستحب المجاورة بالمدينة كمكة لمن ظنَّ من نفسه عدمَ موافقة مذموم شرعي، وحينئذ، فليكن بغاية من الفرح بجوار نبيه ﷺ مع إكثار الدعاء لنفسه ولأحبابه، وبغاية من الصبر على ضيق المدينة ومعيشتها، بالنسبة لبلاد الخصب.
والأحاديث في فضل المُقام والموت بها كثيرة، ومن ثَمَّ أخذ منها جمع متأخرون من الشافعية: أن السكنى بها أفضلُ منها بمكة، مع مزيد المضاعفة بمكة، قال ابن حجر الهيتمي: وفيه نظر، بل الموافق للقواعد أن سكنى مكةَ أفضلُ، وكفى زيادة مضاعفة الأعمال مرجحاً، انتهى.
ويُستحب أن يتصدق بما أمكنه على جيران رسول الله ﷺ ، وينظر أهل المدينة بعين التعظيم، ويَكِلَ سرائرَهم إلى الله، ويحرم عليه أن يستصحب شيئاً مما عمل من تراب حرم المدينة أو من أحجاره إلى خارج حرمها، ولو إلى حرم مكة، ويودع المسجد الشريف بركعتين، والأولى أن تكونا بمصلاه ﷺ ، وليكن حالَ مفارقته في غاية التشوق للعود، وفي غاية الصدق مع الله وملازمة التوبة والأعمال الصالحة، وينبغي أن يزداد خيراً بعد ذلك؛ فإن هذا من علامات قبول أعماله، وبالله التوفيق.
٣ - فصل في فضائل "المدينة" وما يشبهها
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧] ذكر مسلم، والبخاري، وغيرهما: أن المراد بها "المدينة"، وفي هذه الإضافة من مزيد التعظيم ما لا يخفى، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر: ٩].
стр. 155
قال عثمان بن عبد الرحمن، وعبد الله بن جعفر، قال: سمى الله "المدينةَ": الدارَ والإيمان، قال البيضاوي سمى: بالإيمان؛ لأنها مظهره ومصيره.
وقال تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١] قال الواسطي: أي: يحلف لك بهذا البلد الذي شرَّفته بمكانك فيه حياً، وببركتك ميتاً؛ يعني: "المدينة"، وقيل: المراد: "مكة"، وهو الراجح؛ لكون السورة مكية، وقال تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنفال: ٥].
قال المفسرون: أي: من "المدينة"، لأنها مهاجره ومسكنه.
وقال تعالى: ﴿رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] قال بعض المفسرين: هو "المدينة" ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] "مكة"، وروي ذلك عن زيد بن أسلم، ويدل له ما رواه الترمذي وصححه في سبب نزول هذه الآية. وعن سعد قال، قال رسول الله ﷺ : لا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعاً يوم القِيامة" رواه مسلم، وعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يصبر على لأْواء المدينة وشدَّتها أحد من أمتي إلا كنت له شفيعاً يوم القيامة، رواه مسلم، وله ألفاظ، و"أو" للشك من الراوي، أو من لفظه ﷺ ، أو للتقسيم، ويكون شفيعاً للعاصين، وشهيداً للمطيعين، شهيداً لمن مات في حياته، وشفيعاً لمن مات بعده، وهذه الشفاعة أو الشهادة زائدة على الشفاعة للعاصين في القيامة، وعلى شهادته لجميع الأمم، فيكون لتخصيصهم بذلك مزيد وزيادة.
وعن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : "أُمرتُ بقرية تأكل القرى، يقولون: يثرب، وهي المدينة، تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد" متفق عليه، ولفظ البخاري: "إنها طيبة، تنفي الذنوب كما ينفي الكير خبث الفضة". وللحديث ألفاظ شتى، وعن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله سمى المدينة: طابة" رواه مسلم، وفي حديث جابر مرفوعاً: "لا يريد أحد أهل المدينة بسوء، إلا أذابَهُ الله في النار"، وهو في الصحيح بألفاظ.
وعن سعد، قال، قال رسول الله ﷺ : "لا يكيد أهلَ المدينة أحدٌ إلا انماعَ كما ينماعُ الملح في الماء" متفق عليه. وروى البزار بإسناد حسن: "اللهم اكفهم
стр. 156
من وهمهم ببأس -يعني: أهل المدينة- ولا يريدها أحد بسوء إلا أذابه الله كما يذوب الملح في الماء".
قال المنذري وقد روى هذا الحديث عن جماعة من الصحابة في الصحاح وغيرها: وروى الطبراني برجال الصحيح مرفوعاً: "اللهمَّ من ظلمَ أهلَ المدينة، وأخافهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً" -أي: فرضاً وتطوعاً، أو توبة أو اكتساباً أو وزناً، أقول: ولا عدلاً؛ أي: فرضاً أو تطوعاً، أو فدية أو كيلاً، أقوال. وله ألفاظ عند النسائي، وابن حبان، وغيرهما.
وفي "الصحيحين" مرفوعاً: "من أحدث فيها حدثاً، أو آوى محدِثاً، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولا عدلاً"، ومعنى اللعن: الإبعادُ عن رحمة الله والطردُ عن الجنة، والمراد: من أتى فيها آثماً، أو آوى من آتاه، وضمه إليه وحماه، وهذا من الكبائر؛ لأن اللعنة لا تكون إلا في كبيرة، فيستفاد منه أن إثم الصغيرة بها كإثم الكبيرة.
وصرح الحافظ ابن القيم: بأن استحلال حرم "المدينة" كبيرة، وقال غيره -أي: عند الأئمة الثلاثة خلافاً لأبي حنيفة-، وعن معقل بن يسار، قال، قال رسول الله ﷺ : "المدينة مهاجَري، فيها مضجعي، وفيها مبعثي، حقيق على أمتي حفظ جيراني ما اجتنبوا الكبائر، من حفظهم، كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة، ومن لم يحفظهم، سقي من طينة الخبال"، قيل للمزني: ما طينة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار، رواه ابن النجار، والطبراني بسند فيه متروك، وله ألفاظ عند غيرهما.
وعن يحيى بن سعيد: أن رسول الله ﷺ قال: "ما على الأرض بقعة أحبَّ إليَّ من أن يكون قبري بها منها" يعني: المدينة، ثلاث مرات، رواه مالك مرسلاً. وعن سعيد بن أبي هند، قال: سمعت أبي: أن النبي ﷺ كان إذا دخل مكة، قال: "اللهم لا تجعل منايانا بمكة حتى نخرج منها"، ورواه أحمد برجال الصحيح عن ابن عمر مرفوعاً، إلا أنه قال: حتى تُخرجنا منها.
стр. 157
وروى مالك، والبخاري، ورزين العبدري: أن عمر بن الخطاب قال: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك.
وروى البيهقي مرفوعاً: "من استطاع أن يموت بالمدينة، فليمتْ بها، فمن مات بالمدينة، كنت له شفيعاً وشهيداً"، وفي رواية له: "فإنه من يمت بها، أشفع له، وأشهد له"، وقد ذكر هذه الرواية ابن حبان في "صحيحه".
وروى الترمذي، وابن حبان في "صحيحه"، وابن ماجه، والبيهقي، وعبد الحق، وصححه عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : "من استطاع أن يموت بالمدينة، فليمتْ بها، فإني أشفعُ لمن يموت بها"، ورواه الطبراني في "الكبير" بسند حسن، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب إسناداً.
وروى الطبراني مرفوعاً: "أول مَنْ أشفعُ له من أمتي أهلُ المدينة، ثم أهل مكة، ثم أهل الطائف، وأخرجه الترمذي.
وبالجملة: فالترغيب في الموت بالمدينة لم يثبت مثله لغيرها، واختيار سكناها المعروف من حال السلف، ولا شك أن الإقامة بالمدينة في حياته ﷺ أفضل إجماعاً، فيستحب ذلك بعد وفاته حتى يثبت إجماعٌ مثلُه يرفعه.
وفي "الصحيحين": اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة، أو أشد"، وفيهما: "اللهم اجعل بالمدينة ضِعْفي ما جعلتَ بمكة من البركة". وعن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم بارك لنا في تمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مُدِّنا، اللهم إن إبراهيم عبدُك وخليلك، ونبيك، وإني عبدك ونبيك، وإنه دعاك لمكة، وأنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة، ومثله معه" رواه مسلم، وله ألفاظ عند أهل السنن.
والبركة هنا بمعنى: النمو والزيادة، ويحتمل أن تكون دينية وهي ما يتعلق بهذه المقادير في الزكاة والكفارات، فيكون بمعنى الثبات لها لثبات الحكم بها، وبقائه ببقاء الشريعة، ويحتمل أن تكون دنيوية من تكثير الكيل والقدر بهذه الأكيال حتى يكفي منه ما لا يكفي من غيره في غير المدينة، أو ترجع البركة إلى كثرة ما يكال بها من غلاتها وثمارها، وفي هذا كله إجابة دعوته ﷺ . وقال
стр. 158
النووي: الظاهر أن المراد البركة في نفس المكيل في "المدينة" بحيث يكفي المد فيها، ولا يكفي في غيرها.
قلت: هذا هو الظاهر فيما يتعلق بأحاديث الكيل، وأما في غيرها، فعلى عمومه في سائر الأمور الدينية والدنيوية. وعن أبي هريرة، قال، قال رسول الله ﷺ : "على أنقاب المدينة ملائكة يحرسونها، لا يدخلها الطاعون، ولا الدجال" متفق عليه.
وعن أبي بكرة، عن النبي ﷺ قال: لا "يدخل المدينة رعب المسيح، لها يومئذ سبعة أبواب، على كل باب ملكان" رواه البخاري. وعن سعد، قال، قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده! إن في غبارها شفاءً من كل داء" قال: وأراه ذكر: ومن الجذام والبرص، رواه ابن الأثير في "جامع الأصول"، قال المنذري: ولم أره في الأصول.
قال في "وفاء الوفاء": قد رأينا مَن استشفى بغبارها من الجذام، وكان قد أضر بها كثيراً، فصار يخرج إلى الكومة البيضاء ببطحان بطريق قباء، ويتمرغ بها، ويتخذ منها في مرقده، فنفعه ذلك جداً، وهذه الحفرة موجودة اليوم، مشهورة خلفاً عن سلف، يأخذ الناس منها، وينقلونه للتداوي.
وذكر المجد الشيرازي: أن جماعات من العلماء ذكروا أنهم جربوا تراب صهيب للحمى، فوجدوه صحيحاً، قال: وأنا بنفسي سقيته غلاماً لي مريضاً من نحو سنة تواظبه الحمى، فانقطعت عنه من يومه، وذكره المطري عند ذكر صهيب، فقال: وفيه حفرة يؤخذ من ترابها، ويجعل في الماء، ويغتسل به من الحمى.
وفي "الصحيحين": كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى إنسان، أو كانت به قرحة، أو جرح، قال بإصبعه هكذا. . . ووضع سفيان سبابته بالأرض، ثم رفعها، وقال: "باسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى سقيمنا بإذن ربنا"، ورواه أَبو داود بنحوه.
وفي مسلم: "من أكل سبع تمرات ما بين لابتيها حين يصبح، لم يضرَّه شيء
стр. 159
حتى يمسي"، وفي "الصحيحين": من تصبَّح بسبع تمرات عجوة لم يضرَّه في ذلك اليوم سُمٌّ ولا سحر"، ورواه أحمد برجال "الصحيحين"، ولفظ مسلم: "إن في عجوة العالية شفاء، وإنها ترياق أول البكرة"، وعدد السبع من الأمور التي علمها الشارع، ولا نعلم حكمتها، فيجب الإيمان بها.
قال ابن الأثير: العجوة ضرب من التمر أكبرُ من الصيحاني، يضرب إلى السواد، وهو مما غرسه النبي ﷺ بيده الشريفة بالمدينة، انتهى.
وأنواع تمر "المدينة" كثيرة، جمعها بعضهم فبلغت مئة وبضعاً وثلاثين نوعاً، منها: "الصيحاني"، والحديث الذي روي فيه غريب لا يصح.
وقال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: "يوشك الناس أن يضربوا أكباد الإبل، فلا يجدوا عالماً أعلمَ من عالم المدينة" رواه الحاكم. وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وقد كان ابن عيينة يقول: نرى هذا العالم مالك بن أنس، إلى غير ذلك (١).
* * *
стр. 160
خاتمة
قال العبد الخامل المتواري
صديق بن حسن بن علي الحسيني القنوجي البخاري
عفا الله عنه ما جناه، واستعمله فيما يحب ويرضاه
قد رحلت يوم الإثنين لسبع وعشرين قد خلت من شهر شعبان سنة خمس وثمانين ومئتين وألف الهجرية (١) -على صاحبها الصلاة والتحية-، غبَّ صلاة الظهر من محط رحلي "بهوبال" على جناح السلامة، مغتنماً لكل فائدة وكرامة، مريداً لتأدية حج الإسلام إلى "بيت الله الحرام"، ووصلت بعدما قطعت سبعة من المنازل في اليوم الثامن إلى مجرى عجلة النار المعروفة بالبابور (٢)، وحملت عليها الأثقال، وركبتها يوماً وليلة، ثم نزلت بمحروسة "ممبي"، وهي ساحل البحر المحيط للحجاج، وأقمت بها منتظراً لحصول المركب.
وتهيأ زاد السفر اثني عشر يوماً، ثم ركبت يوم الخميس تاسع رمضان قبيل صلاة العصر في المركب المسمى بـ"فتح السلطان"، ورفعوا لنجر [مرساة] السفينة ذلك اليوم مع توسم الظفر والسكينة.
وكانت الريح يومئذ طيبة، فسار المركب ستين مرحلة بالتخمين، ثم سكن الريح، وركد المركب على ظهر البحر كالغدير الدائم لا يتحرك، كأنه الماء الراكد، ولركبه مُناكِد، حتى أتت ثلاثة أيام على هذا الحال، وتشتت لأهل المركب البال.
فلما استيئسوا من مجراه، خلصوا نجياً، وختموا هذه الآية: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ
стр. 161
سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] كيف وقد قال تعالى: إثرها: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨]، فتنفس من بركتها الريح، وذهب العنا والتبريح، وكان هو به
ليلة الأحد ثاني عشر [١٢] رمضان ورأيت في هذه الليلة بالمنام: كأني أعانق من شجر السدر أشجاره، وأجتني منه ثماره، وثمره طيب نفيس، يهواه فؤاد كل صحيح ولقيس، فعبرت الرؤيا: ببلوغ الأرب، وحصول المقصود من أرض العرب.
وقد اتفق في بدء ركوب البحر الغثيان والصداع إلى ثلاثة أيام، ثم حصلت الخفة للطبع في اليوم الرابع، ووجدت المركب بيتاً كالموطن، وشاهدت فيه معنى قول السادة الصوفية: السفر في الوطن.
وكان ركاب السفينة نحواً من ثلاث مئة نفس، وكان الوضوء والغسل من ذلك الماء المالح، وأما الشرب، فكان أهل السفينة استصحبوا معهم الماء العذب من "ممبي"، وظهرت البثور في المنخرين من شدة ملوحة ماء البحر، وانجرت تلك إلى حمى البدن، حتى أفطرت ثلاثة أيام أو يومين، وأتممت بقية رمضان بالسفينة، بالاطمئنان والسكينة، واجتمع لي في هذا السفر الرحلة للحج، وصوم رمضان، وتمت لنا فيه عبادتان.
ومررت في السابع عشر من هذا الشهر من يوم الرحيل من "ممبي" على أسقوطر [سقطرة] عدن، وباب اسكندر، وألقت السفينة مرساها على ساحل حُديدة، ولم نر شيئاً من "ممبي" إلى هنا من وعثاء السفر وكآبة الحضر.
وكتبت بيدي في المركب كتاب "الصارم المنكي على نحر ابن السبكي للحافظ ابن قدامة المقدسي في مجلد وسط، ولم أضيع زمن ركوبي البحر عبثاً، وكان نزول "الحديدة" يوم الأحد في السادس والعشرين من رمضان، ونزلت بدار القاضي حسين ابن محسن، والشيخ زين العابدين -سلمهما الله تعالى، وجزاهما خيراً يوم الدين-، وحصل من جهتهم ما يحق للضيف، من الإكرام والإطعام والمروءة في الشتاء والصيف.
стр. 162
وأقمت هنا اثني عشر يوماً، أراجع كتب الحديث، وأكتبها بيدي ما أستطيع، ولم أذهب إلى المساجد إلا للصلوات الخمس؛ لكثرة اشتغالي بطلب العلم.
وفشا خبر رؤية هلال شوال بالحُديدة يوم الثامن والعشرين من رمضان، بحسب رؤيتنا أهل السفينة، وضُربت المدافع للإعلام بالعيد، فعجبنا من ذلك، وتفحصنا عما هنالك، فقيل: اليوم يوم التاسع والعشرين، ولكنا لم نره مع تعمق البصر وإمعان النظر.
وصليت صلاة العيد موافقة لأهل البلد، وذهب صبح يوم الربوع الذي كان بحسابنا يوم التاسع والعشرين إلى المصلى، وكان الإمام يومئذ والخطيب رجلاً صالحاً ذا شيبة يسمى: بعبد الرحمن الشافعي، وكان حاكم البلد أحمد باشا التركي حاضراً بالمصلى، وحزر الحاضرون بالمصلى، فكانوا نحواً من ألفين، من أهل البلد والغرباء في رأى العين، ومصلى الحديدة فضاء ليس به بناء غير المنبر للخطبة المبني من الآجر والطين، وكانت صلاة العيد على مذهب الشافعية.
وفي أيام الإقامة بهذه البلدة أهديت نسخاً من كتابي: "الحِطَّة في ذكر الصحاح الستة" لعلمائها، وأهل العلم المقيمين بالمرادعة، وبيت الفقيه، وغيرهما، وكلهم استحسنوها، ودعوا لمؤلفها.
وقال لي الشيخ علي بن عبد الله شارح البخاري -سلمه الله- حين لاقني: وجود مثلكم في هذا الزمان من نعم الله تعالى لو كانوا يعقلون.
واستعرت رسائل السيد محمد الأمير حين الرحيل من حديدة؛ لأجل النظر والنقل، فمنها ما نظرت فيها واستفدت، ومنها ما نقلت واستنسخت، ثم طلعت على المركب بعد طلب العلم عاشر شوال من "الحديدة"، ومكثت فيه أنتظر رفع المرساة، ومعي في المركب الشيخ حسين الحسام إلى ثلاثة أيام نتذاكر العلم وأهله ومعدنه ومحله، حتى تدفقت بالبركات أمطارنا، وغردت بأحاديث الحبيب أطيارنا، وقد كنت اشتريت من الحديدة:
١ - كتاب: أقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم.
٢ - وإرشاد
стр. 163
الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول.
٣ - ونيل الأوطار شرح منتقى الأخبار.
٤ - وفتح القدير في فني الرواية والدراية من التفسير، وغير ذلك مما شغفت به.
ويوم الثلاثاء رابع عشر من شوال وقتَ الصبح رفعوا مرساة السفينة، فكان مجموع أيام الإقامة بالحديدة على هذا الحساب مع أيام المكث في المركب ثمانية عشر يوماً، ولم آلُ جهداً في هذه الحركة وأيام البركة من تحصيل العلم النافع، والخير الجاري.
ولما سار المركب من الحديدة، سكن الهواء إلى ثلاثة أيام، ولم يتحرك المركب خطوة من محل القيام، وبعد ذلك هبت الريح الأزديب، وكان إذ ذاك زمان الحج أقرب، وجاء الغيم والمطر بالليل، ورجع المركب إلى عقبه، وسار إلى غير صوبه، فمكثنا بهذه الحالة في البحر إلى أيام آبسين عن الوصول إلى المأمول، وراجين من الله حصول المسؤول، مع أن "جدة" من "الحديدة" مسير أسبوع لا غير لبطيء السير، ولكن وصل مركبنا إليها بعد نحو شهر حتى ضاقت علينا الأرض بما رحبت من طول الركوب، ومخالفة الهواء وقلة المطعوم والمشروب، حتى قنعت في اليوم والليلة بجرعة من الماء، ولقيمات من الأرز الذي لم يخالطه شيء من السمن والإدام.
وبلغت الأنفس التراقي في تلك الأيام، وكانت الأيدي إلى السماء مرفوعة، والأعين والآذان كأنها على طريق مجيء الريح الطيب ورؤية "جدة" موضوعة، ثم سمع الله قول هؤلاء الآيسين، وهبت لنا ريح طيبة من جهة رب العالمين إلى يومين، وكانت بالغاية ضعيفة بلا مين، ولكنه أخرج المركب من مجمع الجبال المستغرقة في الماء إلى ساحل النجاة.
ورأينا يوم السبت في المركب هلالَ ذي القعدة، ويوم الثالث منه تقوى الريح قليلاً، وجرى المركب.
ويوم الثلاثاء رابع ذي القعدة من السنة المذكورة بعد صلاة الصبح اغتسلنا وأحرمنا بالعمرة مع نية التمتع من محاذي "يَلَمْلَم"، وذهب عنا ما كنا نجده من
стр. 164
الغم والألم، ورفعنا الأصوات بالتلبية، وأخلصنا العمل لله والنية، وما حصل لنا من السرور بهذا الإحرام لا يمكن شرحه بالأقلام.
وفي هذه الحالة لما قربنا من "جدة"، قرب المركب ليلاً إلى جبل في الماء، فاضطرب المعلم له اضطرباً شديداً، وربط أشرع السفينة بالأدقال، وخفت منه الأثقال، وعمل كل تدبير خطر له بالبال، وأرسى المركب في محله في الحال.
وأنزل الملاحون أقرب المركب لدرك حقيقة الحال، وسعوا إلى جوانبه، وعلموا أن المركب لو سار قليلاً، لتصادم بالجبال، فمضى هذا الليل للركاب، في غاية الاضطراب، وتمت تلك الليلة بالاستغفار وإخلاص النية والتوبة، وكلمة الشهادة على الألسن، وسلموا أنفسهم للموت، ولم يكن هذا الليل أقل من يوم القيامة، ولكن رحم الله علينا بالسلامة حتى طلع الفجر، وشاهدنا ذاك الجبل في ضوء النهار.
ومن العجائب التي لا ينبغي إخفاؤها: أن الملاحين إذا ترددوا في أمر المركب من جمود الريح أو هبوبها مخالفة أو شيئاً من الخوف على السفينة وأهلها، كانوا يهتفون باسم الشيخ عيدروس وغيره من المخلوقين، مستغيثين ومستعينين به، ولم يكونوا يذكرون الله أبداً، أو يدعوه بأسمائه الحسنى، وكنت إذا سمعتهم ينادون غير الله، ويستعينون بالأولياء، خفت على أهل المركب خوفاً عظيماً من الهلاك.
وقلت في نفسي: يا لله العجب! كيف يصل هذا المركب بأهله إلى ساحل السلامة! فإن مشركي العرب قد كانوا لا يذكرون آلهتهم الباطلة في مثل هذا المقام، بل يدعون الله تعالى وحده غيرَ مشركين به، كما حكى عنهم سبحانه في محكم كتابه المبين: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]، وهؤلاء القوم الذين يسمون أنفسهم المسلمين يدعون غيرَ الله، ويهتفون بأسماء المخلوقين، ولقد صدق الله تعالى فيما قال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦].
ولكن لما كانت رحمة الله سبقت غضبه، أوصل أرحمُ الراحمين المركب
стр. 165
بفضله كيفما اتفق بعد اللتيا والتي إلى المنزل المقصود، ورفعوا مرساة السفينة صبحَ تلك الليلة الهائلة إلى "جدة"، وألفوا الريح موافقة، فطوى المركب الطريق الباقية في يوم وليلة، ووصل إلى ساحل "جدة" حين صلاة الظهر من يوم الأحد تاسع ذي القعدة، والحمد لله على ذلك حمداً كثيراً.
والذي حصل لنا من مسرة القلب وإشراق الوجه والحبور إذ ذاك لا يعلم حقائقها إلا العليم بذات الصدور، وكيف؟ فقد ظهرت صورةُ المراد بعد شهرين غبَّ اليأس، وكنا نقول: يا رب الناس! أقمْ سفينتنا على "جدة" كما استوت سفينة نوح ﵇ على الجودي، فليس ذلك بعزيز على فضلك المجدي.
وحين نزلت بجدة أقصت بها ثلاثة أيام للاستراحة من تعب السفر واستكراء الجمال لحمل الأثقال.
ووجدت بجدة: الماكسين من جهة الترك ظالمين على الناس بأخذ أموالهم بالباطل.
ثم يوم الربوع ثاني عشر ذي القعدة ركبنا من "جدة" إلى حدة بعد صلاة المغرب، ومن حدة إلى كعبة المقصود، وعتبة الجود، بعد جمع صلاة الظهر والعصر، ودخلنا البلد الأمين بعد نصف الليل مع السيد أبي بكر المطوِّف، ونزلنا عن الجمال، ومشينا على الأقدام، وتركنا الأحمال والأثقال مع الخدام ولم نعرج على شيء، وقصدنا المسجد الحرام، ودخلنا "باب السلام"، وأدينا أعمال العمرة من الطواف والسعي والحلق على الترتيب.
وتيسر لنا -بحمده تعالى- ما كنا نبغي من تقبيل الحجر، واستلام الركن في كل شوط بخلو المطاف والمسعى وغيرهما من كل مقيم وغريب.
ومن أول نظرة وقعت إلى جمال "الكعبة المكرمة" ذهلنا عن مصائب السفر ومشاقه كلها، كأنما لم نُشَكْ بشوكة في الطريق، وهكذا شأن كل مشوق وصديق، كيف والكعبة الزهراء -زادها الله ضياء وسناء- ياقوته كحلية تجلو بصائر أعين الصلحاء، مجلوة للناظرين في حلة من الكرامة سوداء.
стр. 166
وبعدما فرغنا عن السعي بين الصفا والمروة، رأينا أن نتم الليل بجوار الكعبة، فجاورناها إلى الفجر بالتهجد والدعاء والاستغفار إلى الإسفار، وصلينا الصبح مع أول جماعة شافعية، ثم رجعنا إلى المنزل، وحلقنا الرأس، ولبسنا المخيط، وحللنا الإحرام.
ومكثنا بمكة منتظرين الحج؛ لأن زمان الرحلة إلى "المدينة" قد مضى بتأخير المركب عن الوصول، ولولا ذلك، لقدمنا الرحيل إلى المسجد النبوي، وسعدنا بالسلام على القبر المطهر المنور الأحمدي، ولم نترك الاشتغال بالعلم في هذه الفرصة القليلة؛ أعني أواخر ذي القعدة، بل حصلنا فيها بعض الكتب والفوائد.
ولما كان يوم التاسع والعشرين من الشهر المذكور، شهد رجال عند قاضي "مكة" برؤية هلال ذي الحجة، واستقر يوم الثلاثين منه أول يوم من ذي الحجة، ولم ير أهل "مكة" وغيرهم من المسافرين الهلالَ إذ ذاك، ولكن اتبع الناس القاضي فيما هناك، فأحرمتُ يوم التروية، وهو الثامن من ذي الحجة، وتوجهت إلى منى، وبلغت المنى، وكنت ماشياً، ثم ركبت منها إلى عرفة، وفرغت من أعمال الحج على الترتيب المذكور في هذا المنسك، وعلى الوجه المأثور بالسنة الصحيحة.
وقرأت: "الحزب الأعظم" لعلي القاري كلَّه قبل الوقوف بعرفة، ثم وقفت بها، ولم آلُ جهداً في الدعاء والاستغفار إلى الغروب، والتضرع والابتهال إلى علام الغيوب، والمأمول من الله القبول، ثم أفضت منها إلى مزدلفة، ومنها إلى منى، وأديت بقية الأعمال، وأتيت بها في أحسن الأحوال، ومن غاية الشغف بعلوم السنة لم أترك كتابة العلم بعرفة ومنى في أيام إقامتها، لكن في غير أوقات المناسك.
ولما رجعت يوم الثالث عشر إلى مكة لم أجد قافلة تذهب إلى "المدينة"، فأقمت منتظراً للرفقة.
وشددت الرحل يوم الخامس عشر من شهر صفر سنة ست وثمانين ومئتين وألف الهجرية من "مكة المكرمة" إلى "المدينة المنورة"، ووصلتها في عشرين
стр. 167
يوماً خلافَ الميعاد؛ لأن مسيرتها تكون اثني عشر يوماً غالباً في المعتاد، ولكن الجمالين لم يكونوا معنا مجاملين، فتركوا القافلة "بعسفان"، واضمروا الشر والعدوان، فكفى الله المؤمنين الغرباء شرهم والبأساء، وأوصل الجميع مع سلامة المال والروح إلى طابة، وجعل دعوتهم مستجابة.
واتفقت الإقامة بهذه البلدة المباركة إلى أسبوع، وتيسر لي حضور المسجد النبوي، والسلام على المرقد المنور المصطفى وأصحابه، وزيارة بقيعه، وشهداء أحد، سيما سيد الشهداء حمزة -رضي الله تعالى عنه-، وغير ذلك من المساجد والآبار، خصوصاً مسجد قباء، على الوجه المأثور المسنون بلدة طيبة ملئت بأنواع البركات، وآثار من الرحمة وأنوار من التجليات، كيف والأنوار الإلهية والبركات النبوية تترشح من جدرانها، والسكينة والوقار تتنزل كل حين على بنيانها.
واشتريت بالمدينة: كتاب "المدخل" لابن الحاج، وهو كتاب يحتوي على رد بدع المتفقهين ومحدثات المتصوفين.
وأحرمت بالعمرة حين الرجوع منها، ووصلت "مكة" يوم الثاني عشر من بدء السفر نصف الليل كما وصلت إليها من حدة، ووجدت المطاف والمسعى خالياً عن الناس، فأتيت بأعمالها على ترتيبها، وحصلت لي -بحمد الله تعالى- حجة وعمرتان.
وكانت مدة إقامتي بمكة وجواره تعالى أولاً وآخراً نحواً من أربعة أشهر، وعندي أن حاصل عمري كان تلك الأيام، والذي مضى في غيرها لم يكن إلا منام أو أحلام، وأرجو من الله تعالى عودَ هذه الأزمان، وقضاء بقية الحياة في جوار الرحمن.
وقد كنت أقمت بمكة بمحلة أهل الهند، وأغدو وأروح إلى الحرم المحترم من "باب الزيادة"، وأذكر قول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وأرجو منه سبحانه أن يجعلني من أهل تلك السعادة، وكثيراً ما أمر على "باب السلام" مبتغياً كتب العلم، وأقول في نفسي: ادخلوها بسلام.
стр. 168
وقد اشتريت هناك:
١ - كتاب الزرقاني شرح الموطأ،
٢ - وحسن المحاضرة في أحوال مصر والقاهرة،
٣ - وتاريخ الخميس والبيجوري على الشمائل،
٤ - والتعريفات،
٥ - ومغني اللبيب،
٦ - والرياض المستطابة،
٧ - وبهجة المحافل شرح الشمائل،
٨ - ومواهب الرحمن،
٩ - وأذكار النووي،
١٠ - وكتاب التلخيص، إلى غير ذلك من كتب الحديث والعربية والتواريخ، واستكتب بعض الرسائل المختصرة والمطولة بيدي.
وطفت للوداع في أوائل جمادى الأولى، وسرت إلى "جدة"، وركبت المركب المسمى بـ"فيض الباري"، وكان يسع تسع مئة [٩٠٠] نفس سوى الأحمال والأثقال، ومررت بساحل "الحديدة" في هذا الرجوع أيضاً، وأقام المركب هناك ثلاثة أيام لبعض الحوائج، ثم سار إلى "ممبىء".
وكان الزمان زمانَ حر شديد، وكان الريح سموماً، وماء البحر ناراً، فمرض أهل المركب إلا من عصمه الله، ومات بعض القوم من شدة الحر إلى أن طوى المركب نصف الطريق، ومر من عدن، فجاء البرد والمطر، وذهب المرض والحر، فلما آن المركب بساحل "ممبي": ضل المعلم الطريق لأجل غيبوبة الشمس وتراكم السحاب، وكان من قوم النصارى، وصار ركاب السفينة لذلك حيارى.
وكان الموسم موسم طوفان وتلاطم البحر والأمواج، فكسرت حجرات المركب التي كانت فوق التتق من صدمات الموج، وتحركت خشبات المركب، واستيقن أهله بمجيء الموت، وصارت السفينة في البحر كريشة في الفلاة، وضاقت الأنفس من حلاوة الحياة، حتى جاءت رحمة الله تعالى، وهو أرحم الراحمين.
فأخرجت الشمس من مطلعها، وصح حساب الرصد لمعلم المركب بطلوعها، وأجرى السفينة على سواء الطريق، وجاء مركب البريد من نحو ممبىء، فلحق بنا وسار بهذا المركب حتى أوصله إلى ساحل النجاة، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
стр. 169
وقد شاهدت في سفري هذا عجائب، ورأيت فيه عدة مصائب، واختبرت الناس، وميزت السفهاء من الأكياس، ووقفت على رسوم القوم وبدعهم ومحدثاتهم، وانهماكهم في تحسين الملابس والمطاعم والمناكح والمساكن، وقصر هممهم على ذلك، وعدم رفع رؤوسهم إلى السنن، وما مات منها، وضعف الإسلام، وهذا شين لأهل الدين، لا سيما أهل مكة والمدينة الذين هم في خير بقاع الأرض، وهم قدوة المسلمين، خصوصاً الأئمة منهم.
وقد رأيت منهم الإسراف المنهي عنه: في طول الذيول والثياب وغيرها، حتى رأيت العمائم كالأبراج، والكمائم كالأخراج، وبِدَعاً لا تُحصى، ومحدَثات لا تستقصى، فرحم الله امرأً اجتنب عن ذلك، وصان نفسه عما هنالك، ونهى القوم عن هذه المناهي والمنكرات، وجمعهم على التمسك بالسنة والكتاب، وذكر مقامه ومقامهم بين يدي رب الأرباب، وخاف الله في كل ما يأتي به ويذر، في الحضر والسفر، والحياة والممات وكل الأحوال.
وفي اثنين وعشرين يوماً وصلنا من "جدة" إلى "ممبي"، وأقمنا بها بكثرة المطر أياماً، ووصلنا إلى محط الرحال "بهوبال" في أوائل شهر جمادى الآخر على البابور من تلك المنازل التي مررنا بها أولاً.
وكانت مدة الذهاب والإياب ثمانية أشهر، والحمد لله على ذلك، وكان يوم الذهاب من "بهوبال" ويوم الرجوع إليها يوماً واحداً، وهو يوم السبت، فكأن هذا السفر المبارك ما كان إلا يوماً واحداً.
ونحن الآن مقيمون بـ"بهوبال" إلى ما شاء الله المتعال، والرجاء من ربنا ذي الجلال تيسر المقام على الدوام، إلى وقت الحمام، ببيت الله الحرام، أو بمدينة خير الأنام، ﵊، وبالله التوفيق، وهو الهادي لأقوم طريق.
* * *