← Фикх общий

Фикх общий · id 17101

رحلة الصديق إلى البلد العتيق

صديق حسن خان

Полный текст (169 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

مسلماً"، ويكون في الطريق رافعاً صوته بالتلبية، فإذا وصل إلى مزدلفة، فلْيبتْ بها، وهو واجب عند الشافعي والحنابلة، وسنة عند الحنفية والمالكية، لكن عند المالكية النزولُ بها واجب، ويحصل المبيت بالحضور بالمزدلفة ساعةً من النصف الثاني من الليل، وهو مقتضى مذهب الحنابلة، والسنة عند الشافعية، والمالكية، والحنابلة: أن يصلي بها المغرب قبل حطِّ الرحال وتبريك الجمال إن تيسَّر، فإذا حطوا رحالهم، يصلي العشاء الآخرة بإقامة بلا أذان، ولا يصلي بينهما شيئاً، وعند الحنفية: أنه لو صلى المغرب أو العشاء في الطريق أو بعرفة، لم يجز به عند أبي حنيفة، ومحمد، وعليه إعادتها ما لم يطلع الفجر فإذا طلع الفجر، سقط القضاء. وقالوا: إن من ضلَّ الطريق بين عرفة ومزدلفة، أو كان مريضاً لا يقدر على المشي، وليس له محمل، لا يصليهما دون المزدلفة، إلا أن يخاف طلوع الفجر قبل بلوغ المزدلفة، فيجوز، والخلاف فيمن يجمع ويقصر، ومن لا يجمع ولا يقصر، كالخلاف في صلاة الظهر والعصر يوم عرفة، وقد تقدم، غير أن الحنفية لا يشترطون في جواز هذا الجمع ما حكيناه عنهم أنهم شرطوه في الجمع بعرفة. ويستحب عند الشافعية: الاغتسالُ بالمزدلفة بعد نصف الليل للوقوف بالمشعر الحرام، وقالت الحنابلة: إنه مستحب للمبيت. قلت: وليس بسنة ثابتة كما مر، ويستحب الإكثار في هذه الليلة من التلاوة والذكر والدعاء والصلاة، قال الغزالي: إحياء (١) هذه الليلة الشريفة من محاسن القربات لمن يقدر عليه، انتهى. ويروى أن الدعاء يستجاب بالمزدلفة، وهذه الليلة هي ليلة العيد، وقد انضم إلى شرف الليلة شرفُ المكان، وكونه في الحرم والإحرام ومجمع الحجيج، ويجوز عند الأربعة: تقديم الضعفاء من النساء والصبيان ونحوهم بعد نصف

стр. 107

الليل إلى منى قبل زحمة الناس، ولا ينبغي لأهل القوة أن يخرجوا من مزدلفة إلى منى إذا غاب القمر حتى يطلع الفجر، ويصلوا بها الصبح، ويتأهب للرحيل من مزدلفة إلى منى. واستجب الشافعية أن يأخذ منها الحصى لرمي جمرة العقبة، ففيها حجار رخوة صغار، فيأخذ سبعين [٧٠] حصاة، فإنها قدر الحاجة، ولا بأس بأن يستظهر بزيادة، فربما يسقط منه بعضها، ولتكن الحصى خفافاً بحيث يحتوي عليه أطراف البراجم، وأمر ﷺ ابن عباس بلقط حصى الخذف، وقال للناس: بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلوُّ في الدين، ولم يلتقطها من الليل كما يفعله الناس اليوم، ولا كسرها من الجبال. قال الشافعية: يأخذ الحصى لرمي أيام التشريق من غير المزدلفة، وقال جماعة من الحنفية: يأخذ من المزدلفة سبعين حصاة، وقال صاحب "المحيط": يأخذ حصى الجمار من قارعة الطريق، وعند المالكية: يأخذ من أي موضع، وقال كثير من الحنابلة: يأخذ جميع حصى الجمار من المزدلفة، ومن أي موضع أخذ الحصى، أجزأه عند الأربعة، إلا أن الحنابلة قالوا: إنه يجزي الرمي بما رمى به هو أو غيره، ولا بالحجر النجس في الأصح. والسنة بالاتفاق: أنه يصلي بالمزدلفة الصبح في أول وقتها، ثم يسير إلى قُزَح، ومزدلفةُ كلها موقف كما قال ﷺ فحيث وقف منها، جاز بالاتفاق، وعند المالكية: أنه لا فضل لموضع على موضع؛ كما قالوا في عرفة، والسنة: أن يتوجه إلى منى بعد الإسفار الكثير بالاتفاق، لكن المالكية قالوا: لا وقوف بعد الإسفار، ويستحب أن ينفر منها بسكينة ووقار كما قلنا. ١٠ - فصل في الوقوف بالمشعر الحرام قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨] فإذا أفاض من عرفات، ذهب إلى المشعر الحرام على طريق المأزمين، وهو طريق الناس اليوم، وإنما قال الفقهاء: على طريق

стр. 108

المأزمين؛ لأنه إلى عرفات طريق آخر يسمى: طريق ضب، ومنها دخل النبي ﷺ إلى عرفات، وخرج على طريق المأزمين، فكان في المناسك والأعياد: يذهب من طريق، ويرجع من أخرى. فدخل مكة من الثنية العليا، وخرج منها من الثنية السفلى، ودخل المسجد من باب بني شيبة، وخرج عند الوداع من باب خرورة، ودخل عرفات من طريق ضب، وخرج من طريق المأزمين، وأتى إلى جمرة العقبة يوم العيد من الطريق الوسطى التي يخرج منها إلى خارج منى، ثم يعطف على يساره إلى الجمرة. ومزدلفةُ كلها يقال لها: "المشعر الحرام"، وقُزَحُ: جبلٌ يقف الناس اليوم فيه، وقد بنى عليه اليوم بناء، وهو المكان الذي يخصه كثير من الفقهاء باسم: "المشعر الحرام"، فإذا كان قبل طلوع الشمس، أفاض من مزدلفة، ثم يقف بالمشعر إلى أن يسفر جداً، وهو آخر المزدلفة، فيقف مستقبلاً للقبلة، ويأخذ بالدعاء والتضرع والتكبير والتهليل والتحميد والتسبيح، وهو نص القرآن الكريم، وسنة رسوله ﷺ ، ولكنه صار اليوم شرعاً منسوخاً، فلا يقف عنده واحد من ألف، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقد ذهب جماعة من أهل العلم، منهم: مجاهد، وقتادة، والزهري، والثوري: إلى أن من لم يقف بالمشعر، فقد ضيع نسكاً، وعليه دم، وهو قول أَبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وروي عن عطاء، والأوزاعي: أنه لا دم عليه، وإنما هو منزل، من شاء نزل، ومن شاء لم ينزل به، وذهب ابن بنت الشافعي، وابن خزيمة إلى أن الوقوف بها ركن لا يتم الحج إلا به، وأشار ابن المنذر إلى ترجيحه، وروي عن علقمة، والنخعي، واحتج الطحاوي بأن الله لم يذكر الوقوف، وإنما قال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقد أجمعوا على أن من وقف بها بغير ذكر أن حجه تام، فإذا كان الذكر المذكور في القرآن ليس من تمام الحج، فالموطن الذي يكون فيه الذكر أحرى ألا يكون فرضاً. قال النووي: إذا انصرف من المشعر الحرام إلى منى، فشعاره: التلبيةُ

стр. 109

والأذكار والدعاء والإكثار من ذلك، وليحرصْ على التلبية، فهذا آخر زمنها، وربما لا يقدر له في عمره تلبية بعدها، انتهى. فإذا انصرف منه، وبلغ وادي محسِّر، وهو مسيل ماء فاصل بين مزدلفة ومنى، وقيل: إنه من منى، قال الأرزقي: هو خمس مئة ذراع، وخمسة وأربعون ذراعاً، أسرعَ قدرَ رمية حجر بالاتفاق، وكان وادي محسِّر موقفاً للنصارى والعرب يقفون فيه ويذكرون مفاخر آبائهم، فاستحب الشارع مخالفتَهم بالإسراع، وحكى الرافعي وجهاً ضعيفاً: أنه لا يستحب الإسراع للماشي، ويسمى وادي محسر: وادي النار؛ لأنه يقال: إن رجلاً صاد فيه صيداً، فنزلت عليه نار فأحرقته، فإذا خرج من وادي محسر، فالمستحب أن يسلك الطريق الوسطى التي تخرج إلى العقبة اقتداء بالنبي ﷺ ، وبين كل مشعرين برزخ ليس منهما، فبين عرفة ومزدلفة بطنُ عُرنة، وبين مزدلفة ومنى بطنُ مُحسر، فمنى من الحرم، وهي مشعر، ومحسر من الحرم، وليس بمشعر، ومزدلفة مشعر وحرم، وعرنة ليس بمشعر، وهي من الحل. ١١ - فصل في رمي جمرة العقبة يوم النحر إذا وصل إلى منى، يستحب ألا يعرج على شيء من نزول أو حط رحل أو غير ذلك حتى يرمي جمرة العقبة بالاتفاق، وهو تحية منى، وهي في آخر منى مما يلي مكة المشرفة، وهي الجمرة الكبرى، ولا يرمي يوم النحر غيرها، فإذا وصل إليها، فالأفضل عند الشافعية، والحنفية، والمالكية: أن يقف تحتها، ويجعل مكة عن يساره، ومنى عن يمينه، ويستقبل الجمرة، هذا هو الذي صح عن النبي ﷺ فيها، ومذهب الحنابلة: أن الأفضل أن يستبطن الوادي، ويقف مستقبل القبلة، ويرميها عن يمينه. وقال الشافعية: يقصد المرمى، وهو مجمع الحصى عند البناء الشاخص هناك، لا ما سال من الحصى، يرمي سبع حصيات في سبع مرات بيده، وهذا مقتضى قول الحنابلة، وعند الحنفية: يرمي بسبع حصيات في سبع مرات، فإن وقعت عند الجمرة أو قريباً منها، أجزأه، وإن وقعت بعيداً منها، لم يجزه، وقال

стр. 110

ابن الحاجب من المالكية: إنه يشترط كونه حجراً ورمياً على الجمرة أو موضع حصاها، واستحب الشافعية: أن يكون الرمي باليمنى، واستحب الشافعية والحنابلة: أن يرفع الرجل يده في الرمي حتى يُرى بياض إبطه، والمرأة لا ترفع، والحنفية: أنهما يرفعان. والسنة عند الأربعة: أن يكبر مع كل حصاة، وإن شاء قال مع ذلك: "اللهم اجعله حجاً مبروراً، وسعياً مشكوراً، وذنباً مغفوراً"، قاله ابن مسعود، وابن عمر -رضي الله تعالى عنهما-، ولا يزال يلبي في ذهابه من مشعر إلى مشعر؛ مثل ذهابه إلى عرفات، ومن عرفة إلى مزدلفة، ومنها إلى منى حتى يرمي جمرة العقبة، فإذا شرع [في] الرمي، قطع التلبية؛ فإنه حينئذ يشرع التحلل، والعلماء في التلبية على ثلاثة أقوال: ١ - منهم من يقول: يقطعها إذا وصل إلى عرفة، ٢ - ومنهم من يقول: يلبي بعرفة، ٣ - والثالث: إذا فاض إلى مزدلفة لبى، ومنها إلى منى حتى يرمي جمرة العقبة، وهكذا صح عن النبي ﷺ . وأما التلبية في وقوفه ﷺ بعرفة ومزدلفة، فلم يُنقل عنه ﷺ ، وقد نقل عن الخلفاء الراشدين وغيرهم أنهم كانوا لا يلبون بعرفة. والسنة عند الشافعية: أن يرمي راكباً، فإن رمي ماشياً، أجزأه، وعن أبي حنيفة ومحمد: الرمي كله راكباً أفضل، وعند المالكية: ماشياً أفضل. قلت: وفي حديث جابر، قال: رأيت النبي ﷺ يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر، رواه أحمد، ومسلم، والنسائي. وفيه أن رمي الراكب أفضل من رمي الراجل، وقيل: إن الرمي واجب بالإجماع، واقتصر في "الفتح" على حكاية الوجوب عن الجمهور، وقال: إنه عند المالكية سنة، وحكى عنهم: أن رمي جمرة العقبة ركن يبطل الحج بتركه. وحكى ابن جرير عن عائشة وغيرها: أن الرمي شرع حفظاً للتكبير، فإنْ تركه وكَبَّر، أجزأه. والحق أنه واجب؛ لما قدَّمنا من أن أفعاله ﷺ : بيان لمجمَل واجب، وهو قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] وقوله ﷺ : "خذوا عني مناسككم"، ويدخل وقت رمي جمرة العقبة بنصف الليل من ليلة العيد، ويمتد

стр. 111

إلى آخر أيام التشريق، ووقتها الفاضل بعد ارتفاع الشمس قدر رمح، وقبلَ الزوال، فإن ترك الرمي حتى فات الوقت، لزمه دم كدم التمتع، هذا مذهب الشافعية، وبه قال عطاء، وطاوس، والشعبي، وقالت الحنفية، وأحمد، وإسحاق، والجمهور: إن وقته بعد طلوع الشمس، ويبقى إلى غروب شمسه، وفيما بعد ذلك من الليل إلى طلوع الفجر من الغد يجزي الرمي مع الكراهة، ولا شيء عليه، وفيما بعد ذلك من أيام التشريق ولياليها يجزيه، وعليه مع ذلك دم عند أبي حنيفة؛ خلافاً لصاحبيه، ووقتها المسنون بعد طلوع الشمس إلى الزوال. قال ابن المنذر: إن السنة ألا يرمي إلا بعد طلوع الشمس كما فعل النبي ﷺ ، ولا يجوز الرمي قبل طلوع الفجر، وفاعله مخالف للسنة. ومن رماها حينئذ، فلا إعادة عليه، إذ لا أعلم أحداً قال: لا يجزيه، انتهى. والأدلة تدل على أن وقت الرمي بعد طلوع اليوح لمن كان له رخصة له، ومن كانت له رخصة؛ كالنساء وغيرهن من الضعفة، جاز له قبل ذلك، ولكن لا يجزي في أول ليلة النحر إجماعاً، وعند المالكية: أن أول وقت رمي جمرة العقبة يدخل بطلوع فجر يوم النحر، ويبقى وقت الأداء إلى الغروب، ثم يكون قضاءً إلى آخر أيام التشريق، ويجب الدم مع القضاء، وأفضله من طلوع الشمس إلى الزوال، ومذهب الحنابلة: أن وقتها الفاضل بعد طلوع الشمس إلى الزوال، ووقت الجواز من نصف الليل إلى آخر أيام التشريق، لكن لا يصح في ليالي التشريق، وإذا أخر الرمي وفعله في أيام التشريق، لم يرم إلا بعد الزوال، ولا شيء عليه، فإذا فرغ من الرمي، فالسنة ألا يقف عندها للدعاء بالاتفاق. وليس بمنى صلاةُ عيد، بل رمي جمرة العقبة لهم كصلاة العيد لأهل الأمصار، والنبي ﷺ لم يصل جمعة ولا عيداً في سفره، لا بمكة ولا بغيرها، بل كانت خطبته بعرفة خطبة نسك، لا خطبة جمعة. والسنة للإمام في هذا اليوم أن يخطب بعد الزوال، وهي خطبة وداع رسول الله ﷺ ؛ فإنه ﷺ لما رجع بعد الرمي إلى منى، خطب الناس خطبة بليغة،

стр. 112

أعلمهم فيها بحرمة يوم النحر، وتحريمه وفضله عند الله، وحرمة مكة على جميع البلاد، وأمر بالسمع والطاعة لمن قادهم بكتاب الله، وأمر الناس بأخذ مناسكهم عنه، وألا يرجعوا بعده كفاراً يضرب بعضهم رقاب بعض. وقال في خطبته: "لا يجني جانٍ إلا على نفسه"، وفتح الله أسماعَ الناس حتى سمعها أهلُ منى في منازلهم، وقال: "اعبدوا الله، وصَلُّوا خمسَكم، وصوموا شهركم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنةَ ربكم"، وودع عند ذلك الناس، فقالوا: حجة الوداع، وأَمر بالتبليغ عنه وقال: "رُبَّ مبلَّغ أوعى له من سامع". ١٢ - فصل في نحر الهدى وتحسينه إذا رمي جمرة العقبة، وفرغ منه، ينصرف إلى منى، وينحر هدياً إن كان معه، ويستحب أن ينحر الإبل مستقبلة القبلة قائمةً معقولةَ اليد اليسرى، والبقر والغنم يُضجعهما على شقه الأيسر مستقبلاً بها القبلة، ويقول: باسم الله والله أكبر، اللهم هذا منك وإليك، تقبل مني كما تقبلت من إبراهيم خليلك. الأضحيةُ سنة مؤكدة للحاجِّ كغيره عند الشافعية، وعند الحنفية: أنه ليس على المسافر أضحية، وعند المالكية: أن الأضحية لا تشرع للحاج بمنى كصلاة العيد. قال الغزالي: التضحية بالبُدْن أفضل، ثم بالبقرة، ثم بالشاة، والشاة أفضل من مشاركة ستة في البدنة أو البقرة، والضأن أفضل من المعز، ولا يضحين بالعرجاء والجدعاء والعَضْباء والجرباء والشرقاء والخرقاء، والمقابَلَة والمدابَرَة والعَجْفاء. وذبح ﷺ بدنه في المنحر من منى ٦٣ ثلاثاً وستين بدنة بيده الكريمة على سني عمره الشريف. وكلُّ ما ذبح بمنى وقد سيق من الحل إلى الحرم، فإنه هدي، سواء كان من الإبل أو البقر أو الغنم، ويسمى أيضاً: أضحية؛ بخلاف ما يذبح يوم النحر بالحل، فإنه أضحية، وليس بهدي، وليس بمنى ما هو أضحية

стр. 113

وليس بهدي كما في سائر الأمصار، فإذا اشترى الهدي وساقه إلى منى، فهو هدي باتفاق العلماء، وكذلك إذا اشتراه من الحرم، فذهب به إلى التنعيم. وأما إذا اشتراه من منى، وذبحه بها، ففيه نزاع، فمذهب مالك: أنه ليس بهدي، وهو منقول عن عائشة، ومذهب الثلاثة: أنه هدي، وليس في عمل القارن زيادة على عمل المفرد، وعلى القارن والمتمتع هدي، إما بدنة، وإما بقرة، أو شاة، أو شرك في دم. فمن لم يجد الهدي، صام ثلاثة أيام قبل يوم النحر، وسبعة إذا رجع (١)، وله أن يصوم الثلاثة من حين أحرم بالعمرة في أظهر أقوال العلماء. وفيه ثلاث روايات عن أحمد، قال: يصومها قبل الإحرام بالعمرة، وقال: لا يصومها من حين يحرم بالعمرة، وهو الأرجح، وقال: يصومها بعد التحلل من العمرة من حين الشروع في الحج، ولكن دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة كما دخل الوضوء في الغسل، وأصحابه ﷺ كانوا متمتعين معه، وإنما أحرموا بالحج يوم التروية، وحينئذ فلا بد من صوم بعض الثلاثة قبل الإحرام بالحج. قال أهل العلم: ويجتهد أن يكون الهدي من سمين النَّعَم ونفيسها. قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٢]: إنه تحسينه وتسمينه، وليترك المكاس في شرائه، فقد كانوا يغالون في ثلاث، ويكرهون المكاس فيهن: الهدي، والأضحية، والرقبة، فإن أفضل ذلك أغلاه ثمناً، وأنفسُه عند أهله، فإنما المقصود تزكية النفس وتطهيرُها عن صفة البخل، وتزيينها بجمال التعظيم لله ؛ [فـ] ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]، وذلك يحصل بمراعاة النفاسة في القيمة. وروت عائشة: أن رسول الله ﷺ قال: "ما عملَ آدميٌّ يومَ النحر أحبَّ إلى الله من إهراقه دماً، وإنها تأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع بالأرض، فطيبوا به نفساً"،

стр. 114

وفي "البحر": "لكم بكل صوفة من جلدها حسنة، وكل قطرة من دمها حسنة، وإنها لتوضع في الميزان، فأبشروا"، وسأله ﷺ زيد بن أرقم: ما هذه الأضاحي يا رسول الله؟ قال: "سنة أبيكم إبراهيم"، قال: فما لنا منها؟ قال: "بكل شعرة حسنة"، قال: يا رسول الله! فالصوف؟ قال: "بكل شعرة من الصوف حسنة" رواه أحمد بن حنبل. ١٣ - فصل في الحلق والتقصير فإذا فرغ من الذبح، فالسنة عند الشافعية: أن يحلق رأسه كلَّه، أو يقصِّر من شعر رأسه، ويستقبل القبلة، ويبتدىء بمقدَّم رأسه، فيحلق الشق الأيمن إلى العظمين المشرفين على القفا، ثم يحلق الباقي، وبه قال الشافعية والحنابلة، وقال الحنفية: يعتبر البداءة بيمين الحالق لا المحلوق، ويبدأ بشق المحلوق الأيسر، والحديث يرد عليهم، والأصلع يُستحب له إمرارُ الموسى على رأسه، والحديث يدل على أن الحلق أفضل من التقصير؛ لتكريره ﷺ الدعاء للمحلقين، وترك الدعاء للمقصرين في المرة الأولى والثانية مع سؤالهم ذلك، وظاهر صيغة المحلقين: أنه يُشرع حلقُ جميع الرأس؛ إذ لا يقال لمن حلق بعض رأسه: إنه حلقه إلا مجازاً، وقد قال بوجوب حلق الجميع: أحمد، ومالك، واستحسنه الكوفيون، والشافعية، ويجزىء البعض عندهم، واختلفوا في مقداره، فعن الحنفية: الربع، إلا أن أبا يوسف قال: النصف، وعن الشافعي: أقلُّ ما يجب حلق ثلاث شعرات، وهكذا الخلاف في التقصير. قلت: وعندي: هذا التفصيل فضول، والسنَّة أحقُّ بالاتباع. والمرأة لا تحلق باتفاق الأربعة، ويجب على المرأة التقصير من جميع شعر رأسها. ويدخل وقتُ الحلق عند الشافعية بانتصاف ليلة النحر، وأفضلُ أوقاته عندهم ضحوة النهار، ولا يفوت وقته ما دام حياً، ولا يلزم بتأخيره شيء، ولا يختص بمكان، وعند أبي حنيفة: يختص بزمان، وهو أيام النحر، وبمكان، وهو الحرم، فلو خالف، لزمه دم. والصحيح عند الحنابلة: أنه لا يلزم بتأخيره شيء، وعند المالكية: أنه إذا

стр. 115

أخره حتى بلغ ثلثه، حلق وأهدى، وعنه ﷺ أنه قال لمن حلق رأسه: "لكل شعرة سقطت من رأسه نور يوم القيامة". واختلفوا في الحلق، هل هو نسك، أو تحليل محظور؟ فذهب إلى الأول الجمهور، وإلى الثاني عطاء، وأبو يوسف، وفي رواية عن أحمد، وبعض المالكية، والشافعي في رواية عنه ضعيفة. قال مالك: التفث في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]: الحِلاق، ولبس الثياب، وما يتبع ذلك، وقال: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا: أن أحداً لا يحلق رأسه، ولا يأخذ من شعره حتى ينحر هدياً إن كان معه، ولا يحل من شيء حرم عليه حتى يحل بمنى يوم النحر، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وعليه أهل العلم، ومهما حلق بعد رمي الجمرة، فقد حصل له التحلل الأول باتفاق المسلمين، فيلبس الثياب، ويقلم الأظفار، ويتطيب، ويتزوج، ويصطاد، ولا يبقى عليه من المحظورات إلا النساء حتى يدخل مكة. قال رسول الله ﷺ : "إذا رميتم الجمرة، فقد حلَّ لكم كل شيء إلا النساء" رواه أحمد عن ابن عباس، وألحق مالك بالنساء: الطيب، والرفث، والصيد، والحديث يردُّ عليهما، واستدلوا عليه بآثار بعض الصحابة، ولا يخفى أن الآثار لا تصلح لمعارضة الحديث الثابت. ١٤ - فصل في ترتيب الرمي والنحر والحلق قال أهل العلم: ترتيب أعمال يوم النحر سنة، فلو قدم منها نسكاً على نسك، لا شيء عليه عند أكثر أهل العلم، وعليه الشافعي، وقال بعضهم: عليه دم، وتأولوا قوله ﷺ : "لا حرج" على رفع الإثم دون الفدية، وعليه أبو حنيفة، وبه قال سعيد بن جبير، وقتادة، والحسن، والنخعي، وتعقب ذلك الحافظ في "الفتح"، وقال: إنهم لا يقولون بذلك إلا في بعض المواضع، انتهى. والأحاديث تدل على جواز تقديم بعض الأمور على بعض، وهي: الرمي، والحلق، والتقصير، والنحر، وطواف الإفاضة، وهو إجماع كما قال ابن قدامة، وفي حديث: "لا حرج" قدم السؤال عن الحلق قبل الرمي، وفي رواية: عن

стр. 116

الحلق قبل النحر، وفي رواية: الإفاضة قبل الحلق، وفي رواية: قدم الذبح قبل الرمي، وفي رواية: قدم الحلق قبل الذبح، وفي رواية: قدم الزيارة قبل الرمي. وذهب جمهور العلماء من الفقهاء وأصحاب الحديث: إلى الجواز، وعدم وجوب الدم، قالوا: لأن قوله ﷺ : "ولا حرج" يقتضي رفع الإثم والفدية معاً؛ لأن المراد بنفي الحرج نفيُ الضيق، وإيجابُ أحدِهما فيه ضيق، وأيضاً لو كان الدم واجباً، لبينه ﷺ ؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وبهذا يندفع ما قال الطحاوي من أن الرخصة مختصة بمن كان جاهلاً أو ناسياً، لا مَنْ كان عامداً فعليه الفدية. قال الطبري: لم يُسقط النبي ﷺ الحرج إلا وقد أجزأ الفعل، إذ لو لم يجزىء، لأمره بالإعادة؛ لأن الجهل والنسيان لا يضعان غير إثم الحكم الذي يلزمه في الحج؛ كما لو ترك الرمي ونحوه؛ فإنه لا يأثم بتركه ناسياً أو جاهلاً لكن تجب عليه الإعادة. قال: والعجب ممن يحمل قوله ﷺ : "ولا حرج" على نفي الإثم فقط، ثم يخص ذلك ببعض الأمور دون بعض، فإن كان الترتيب واجباً يجب بتركه دم، فليكن في الجميع، وإلا فما وجه تخصيص بعض، دون بعض مع تعميم الشارع الجميع بنفي الحرج؟ وأطال الشوكاني في ذلك، ورجحه في "نيل الأوطار". ١٥ - فصل في الإفاضة من منى للطواف يوم النحر وهو المأمور به في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] ويقال له: طواف الإفاضة، وطواف الزيارة، فإذا فرغ من الحلق أو التقصير، فالسنة: أن يفيض من منى إلى مكة، ويطوف بالبيت سبعاً ينوي به طواف الإفاضة، ثم يصلي الركعتين على الصفة التي ذكرناها في طواف القدوم، لكن من سعى للحج عقب طواف القدوم من مفرِد أو قارِن، لم يحتج إلى سعي الحج بعد طواف الإفاضة، باتفاق الأربعة. وقال مالك، والشافعي، وإسحاق، وداود، وهو محكي عن ابن عمر،

стр. 117

وجابر، وعائشة، كذا قال النووي: إنه يكفي القارن لحجه وعمرته طوافٌ واحد، وسعي واحد، وقال زيد بن علي، وأبو حنفية وأصحابه، وهو محكي عن علي، وابن مسعود، والشعبي، والنخعي: إنه يلزم القارن طوافان وسعيان. وأجابوا عن أحاديث الباب بأجوبة متعسفة، ذكرها الشوكاني في "نيل الأوطار"، وقال: قد احتج أبو ثور على الاكتفاء بطواف واحد للقارن بحجة نظرية، فقال: قد أجزنا جميعاً للحج والعمرة سفراً واحداً، وإحراماً واحداً، وتلبية واحدة، فكذلك يجزي عنها طواف واحد، وسعي واحد، حكى هذا عنه أَبو المنذر، ومن جملة ما يحتج به على أنه يكفي لهما طواف واحد: حديث: "دخلت العمرةُ في الحج إلى يوم القيامة"، وهو صحيح، وذلك لأنها بعد دخولها فيه لا يحتاج إلى عمل آخر غير عمله، والسنة الصحيحة الصريحة أحقُّ بالاتباع، فلا يلتفت إلى ما خالفها، انتهى. وأجمع العلماء على أن هذا الطواف ركنٌ من أركان الحج، لا يصح الحج إلا به، وحُكي الإجماع على فرضيته، ولا يضطبع، ولا يرمُل في هذا الطواف عند الأربعة، سواء كان رمَلَ في طواف القدوم، أم لم يكن رمل، وإن لم يكن سعى بعد طواف القدوم، رمل في هذا الطواف عند غير الحنابلة، واضطبع عند الشافعية؛ خلافاً للثلاثة، وسعى بعده بالاتفاق، ومن أحرم بالحج من مكة، يرمُل في طواف الإفاضة عند غير الحنابلة، ويضطبع عند الشافعية؛ خلافاً للثلاثة، ويسعى بعده بالاتفاق، ويدخل وقته بانتصاف ليلة النحر عند الشافعية والحنابلة، وبطلوع الفجر يوم النحر عند الحنفية والمالكية. والحائض لا تطوف بالبيت حتى تطهر، وهي ممنوعة من ذلك بالاتفاق، فلو خالفت وطافت وهي حائض، لم يصح طوافها، ولم تجبر بدم عند غير الحنفية، وعندهم: يصح طوافها، ويلزمها دم، وهو بدنة، ولا يصح سعيها بعده، لكنه يجبر بدم، ولو أخرته عن أيام النحر بعذر الحيض أو النفاس، فلا شيء عليها بسبب التأخير، واتفقوا على أنه يستحب فعل هذا الطواف يوم النحر إن أمكن، وإلا فعله بعد ذلك في أيام التشريق، وهو يجزي، ولا دم عليه بالإجماع، فإن

стр. 118

أخره إلى بعد أيام التشريق، وأتى به بعدها، ففيه نزاع، ولا شيء عليه عند الجمهور، وقال أبو حنيفة ومالك: إذا تطاول، لزم معه دم؛ انتهى. وإذا فرغ الحاج من هذا الطواف، فقد حل له جميع ما كان حراماً عليه بالاتفاق، ولم يبق إلا رميُ أيام التشريق، والمبيتُ بمنى، وهي واجبات بعد زوالى الإحرام على سبيل الإتباع للحج، وإذا فرغ من طواف الإفاضة، فينبغي له أن يشرب من سقاية العباس؛ لما صح: أن النبي ﷺ جاء بعد الإفاضة وهم يسقون، فناولوه دلواً، فشرب منه قائماً، وقال: "لولا أن يغلبكم الناسُ، لنزلتُ فسقيتُ معكم"، فقيل إنه نسخ للنهي عن الشرب قائماً، وقيل: إنه بيان أن النهي للكراهة، وقيل: بل فعل ذلك للحاجة. ويروى أن الدعاء يستجاب عند زمزم، واستحب الشافعية: أن يعود بعد طواف الإفاضة إلى منى قبل صلاة الظهر، وهو قول الحنابلة، ومقتضى كلام المالكية، والحنفية: إنه إذا حلق، دخل مكة من يومه ذلك إن تيسر، وهو الأفضل، وإنه إذا فرغ من طواف الإفاضة، رجع إلى منى. ١٦ - فصل في المبيت بمنى، وما يفعل في أيامها عن عائشة، قالت: أفاض رسول الله ﷺ من آخر يوم النحر حتى صلى الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى والثانية، فيطيل القيام، ويتضرع، ويرمي الثالثة، ولا يقف عندها، رواه أحمد، وأبو داود. وفي الباب أحاديث بألفاظ استدل بها الجمهور على أن المبيت بمنى واجب، وأنه من جملة مناسك الحج. وقد اختُلف في وجوب الدم بتركه، فقيل: يجب عن كل ليلة دمٌ، قاله المالكية، وقيل: صدقة بدرهم، وقيل: إطعام، وعن الثلاث دم، وهو المروي عن الشافعي، ورواية عن أحمد، وفي رواية عنه، وعن الحنفية: لا شيء عليه، ولا يصح الرمي في هذه الأيام إلا بعد الزوال باتفاق الأربعة، والروايات تدل على أنه لا يجزي رميُ الجمار في غير يوم الأضحى قبل زوال الشمس، بل وقته

стр. 119

بعد زوالها، كما في البخاري وغيره من حديث جابر: أنه ﷺ رمى يوم النحر ضُحًى، ورمى بعد ذلك بعد الزوال، وإليه ذهب الجمهور، وخالف في ذلك عطاء، وطاوس، فقالا: يجوز قبل الزوال مطلقاً، وقال إسحاق: إن رمى قبل الزوال، أعاد، إلا في اليوم الثالث، فيجزيه، والأحاديث ترد على الجميع. وقالت الشافعية، والمالكية، والحنابلة: أن يقدم الرمي على صلاة الظهر، ويشترط عند الثلاثة الترتيبُ بين الجمرات، وهو مستحب عند الحنفية، فيبدأ بالجمرة الأولى التي تلي عرفة، وهي على متن الجادة تقرب إلى مسجد الخَيفْ، يمشي إليها، ويرمي بسبع حصيات، واحدة واحدة، ويكبر مع كل حصاة، ثم يتقدم عنها قليلاً عن متن الجادة إلى موضع لا يصيبه المتطاير من الحصا، ويجعلها خلف ظهره، ويستقبل القبلة، ويحمد الله تعالى، ويكبر ويهلل ويسبِّح، ويدعو بقدر سورة البقرة على سبيل الاستحباب إن أمكن من غير أذى، مع حضور القلب وخشوع الجوارح، رافعاً يديه، مقبلاً على الدعاء. ثم يتقدم إلى الجمرة الوسطى الثانية، ويرمي كما رمى الأولى، ويصنع فيها كما صنع في الأولى، ويقف للدعاء بقدر ما وقف في الأولى في بطن المسيل عن يمينها إن أمكنه بغير أذى. ثم يأتي الجمرة الثالثة، وهي جمرة العقبة التي رماها يوم النحر، فيرميها سبعاً، ولا يعرج على شغل ولا يقف عندها للدعاء، بل يرجع من فوره إلى منزله، ولم يرمها ﷺ من أعلاها كما يفعل الجهال، ولا جعلَها عن يمينه، بل استبطن الوادي، واستعرض الجمرة، وجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ويروى: أن الدعاء يستجاب عند الجمرات، وقال ﷺ : "يغفر له بكل حصاة رماها كبيرة من الكبائر الموبقات الموجبات". وقد ثبت في حجه ﷺ : رفع اليدين للدعاء في ستة مواضع ١ - الأول: على الصفا، ٢ - الثاني: على المروة، ٣ - الثالث: بعرفة، ٤ - الرابع: بمزدلفة، ٥ - الخامس: عند الجمرة الأولى، ٦ - السادس: عند الجمرة الثانية. ثم يرمي في اليوم الثاني من أيام التشريق كما رمى في اليوم الأول، واستحب الثلاثة غير

стр. 120

الحنفية أن يخطب الإمام في هذا اليوم خطبة فردة بعد صلاة الظهر، يعلم الناس جواز النفر وما بعده، ثم يرمي في اليوم الثالث كذلك إن لم يكن نفر في اليوم الثاني، والأفضل عند الشافعية: أن يرمي في غير يوم النحر من أيام التشريق ماشياً، وفي يوم النحر راكباً، وعند الحنفية: أن الرمي كله راكباً أفضل، وعند المالكية وكثير من الحنابلة: أن الرمي ماشياً في أيام التشريق أفضل. ومذهب الشافعية أنه لو ترك الرمي حتى خرجت أيام التشريق، وجب عليه جبره، فإن كان المتروك جميعَ رمي أيام التشريق ويوم النحر، لزمه دم واحد، وإن كان ثلاث حصيات فأكثر، لزمه دم، وإن كان حصاة، لزمه مُدٌّ من طعام يفرَّق على مساكين الحرم، وفي حصاتين مُدّان، وعند الحنفية: إن ترك جميع الرمي، لزمه دم، وإن ترك رمي جمرة العقبة يوم النحر أو أكثره، لزمه دم، وإن ترك منها حصاة أو حصاتين، تصدق لكل حصاة نصف صاع من بر، أو صاعٍ من شعير أو تمر. ويروى: أن الأصل في رمي الجمرات: أن إبراهيم ﵇ لما فرغ من بناء البيت، أتاه جبريل ﵇، فأراه الطواف، ثم أتى به جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، فأخذ جبريل سبع حصيات، وأعطى إبراهيم سبعاً، وقال: ارم وكَبّر، فرميا وكبرا مع كل رمية حتى غاب الشيطان، وهكذا فعل عند الجمرة الثانية والثالثة. وتأخير النفر إلى اليوم الثالث أفضلُ بالاتفاق، ويجوز تعجيله؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، ومن ترك المبيت لعذر؛ كأهل سقاية العباس، ورعاء الإبل، ومن خاف على نفسه أو ماله، وما أشبه ذلك، فلا شيء عليه عند الشافعية. ولا ينفر الإمام الذي يقيم للناس المناسك، بل السنة أن يقيم إلى الثالث، والسنَّةُ للإمام أن يصلي بالناس بمنى، ويصلي أهلُ الموسم خلفه، ويستحب أن يتبرك بالصلاة في مسجد الخَيْف، ولا يدعها مع الإمام، فإن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يصلون بالناس قصراً بلا جمع بمنى، ويقصر الناس كلهم خلفهم، أهلُ مكة، وغير أهل مكة.

стр. 121

وإنما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "يا أهل مكة! أتموا صلاتكم" فإنا قوم سَفْرٌ" لما صلَّى بمكة نفسها. فإن لم يكن للناس إمام، صلى الرجل بأصحابه. والمسجد بني بعد النبي ﷺ ، لم يكن على عهده. وروي عنه ﷺ : أنه صلى في مكانه سبعون نبياً، منهم: موسى ﵇، وأن فيه قبر سبعين نبياً. ويقال: إن مصلى رسول الله ﷺ عند الأحجار أمام المنارة. ١٧ - فصل في التحصيب ينبغي لمن نفر من منى أن ينزل بالمحصَّب بالاتفاق؛ إقتداء بالنبي ﷺ ، حامداً شاكراً مطيعاً، ومسروراً بإتمام مناسكه، والمحصَّب: اسم مكان متسع بين جبلين، وهو إلى منى أقرب من مكة، سُمي بذلك؛ لكثرة ما به من الحصا من جَرِّ السيول، ويقال له: الأبطح، وخيف بني كنانة، ومما يدل على استحباب التحصيب: ما أخرجه الشيخان، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث أسامة بن زيد: أن النبي ﷺ قال: "نحن نازلون بخيف بني كنانة حيث قاسمت قريشٌ على الكفر" يعني: المحصب، قال الزهري: الخيف: الوادي، وفي الباب أحاديث. قال عياض: إنه مستحب عند جميع العلماء. قال في "الفتح": والحاصل: أن من نفى أنه سنة؛ كعائشة، وابن عباس، أراد: أنه ليس من المناسك، فلا يلزمه بتركه شيء، ومن أثبته؛ كابن عمر، أراد دخولَه في عموم التأسي بأفعاله ﷺ ، لا التزام ذلك. والسنة: أن يصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويبيت به بعض الليل، ويرقد رقدة كما دل عليه حديث أنس وابن عمر، انتهى. لأن النبي ﷺ بات به، وخرج ولم يقم بمكة بعد صدره بمنى، لكنه ودع البيت، فإن لم يكن اعتمر قبل ذلك، لا مع حج ولا عمرة مفردة، وهو مستطيع، وجب عليه أن يأتي بالعمرة مرة واحدة كالحج عند الشافعية، والحنابلة، وجماعة من الحنفية، وعند جماعة منهم: العمرة سنة، وليست كالحج، وهو مذهب المالكية.

стр. 122

١٨ - فصل في دخول الكعبة عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-، قالت: قال رسول الله ﷺ : "إني دخلتُ الكعبة، وودِدْت أني لم أكن فعلتُ، إني أخاف أن أكون أتعبتُ أمتي من بعدي" رواه الخمسة، إلا النسائي، وصححه الترمذي، وابن خزيمة، والحاكم، وفي الباب أحاديث بألفاظ. وفيه دليل على أن النبي ﷺ دخل الكعبة في غير عام الفتح؛ لأن عائشة لم تكن معه فيه، إنما كانت معه في غيره، وقد جزم جمع من أهل العلم أنه لم يدخل إلا في عام الفتح، وهذا الحديث يرد عليهم، وقد تقرر أن النبي ﷺ لم يدخل البيت في عمرته، فتعين أن يكون دخل في حجته، وبذلك جزم البيهقي، وقد أجاب البعض عن هذا الحديث بأنه يحتمل أن يكون ﷺ قال ذلك لعائشة بالمدينة بعد رجوعه من غزوة الفتح، وهو بعيد جداً، وفيه أيضاً دليل على أن دخول الكعبة ليس من مناسك الحج، وهو مذهب الجمهور، وحكى القرطبي عن بعض العلماء أن دخولها من المناسك، وهذا الحديث يرد عليه. وقد ذهب جماعة من أهل العلم أن دخولها مستحب. قال العز بن جماعة: ويستحب دخول الكعبة المعظمة، والتكبير في جوانبها، والدعاء في نواحيها، كما صح عنه ﷺ ، ويصلي الداخل في مصلى رسول الله ﷺ ، وهو أن يدخل ويمشي تلقاء وجهه حتى يكون بينه وبين الجدار نحو ثلاثة أذرع، فهناك مصلَّى رسول الله ﷺ ، وإنما يستحب دخوله إذا كان بحيث لا يؤذي ولا يؤذى، ويغلط كثير من الناس فيدخلون مع الزحمة الشديدة، فيؤذي بعضهم بعضاً، وربما انكشفت عورة بعضهم، وربما زاحم الرجل المرأة وهي مكشوفة الوجه واليد، ويبالغون في رفع أصواتهم، ولا يخشعون، ولا يتأدبون، ويحملهم عليه الجهل، فليتجنبْ ذلك. ويروى أن الدعاء يستجاب في البيت، ويروى عنه ﷺ : أنه قال: "من دخل البيت، دخل في حسنة، وخرج بسيئة، وخرج مغفوراً له"، وفي النسائي: أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة، والبيتُ إذ ذاك على ستة أعمدة، وأنه ﷺ جلس بين

стр. 123

الأسطوانتين اللتين تليان الباب، فحمد الله وأثنى عليه، وسأله واستغفره، ثم قام حتى أتى ما استقبل من دبر الكعبة، فوضع وجهه وخده عليه، وحمد الله وأثنى عليه واستغفره، ثم انصرف إلى كل ركن من أركان الكعبة، فاستقبله بالتكبير والتهليل والتسبيح والثناء على الله، والمسألة والاستغفار، ثم خرج فصلى ركعتين مستقبلَ وجه الكعبة، ثم انصرف. ويروى: أن عمر بن عبد العزيز كان إذا دخل البيت يقول: اللهمَّ إنك وعدتَ الأمان لداخلي بيتك، وأنت خيرُ منزول به، اللهمَّ فاجعل أماني أن تكفيني مؤنة الدنيا، وكل هول دون الجنة حتى أبلغَها برحمتك، انتهى. ولا يدخلها إلا حافياً، والحِجْر أكثرُ من البيت، فمن دخله، فهو كمن دخل الكعبة، ويستحب دخولُه، والدعاء فيه، ويروى أن الدعاء يستجاب فيه، قال النووي: ومن الدعاء المأثور فيه: يا ربِّ أتيتك من شقة بعيدة آملاً معروفك، فأنلني معروفاً من معروفك تغنيني به عن معروف مَنْ سواك يا معروفاً بالمعروف. ١٩ - فصل في صفة العمرة المفردة، وما يتصل بها من إكثار الاعتمار والطواف، وشرب زمزم وغيرها إذا أراد أن يعتمر قبل حجه أو بعده كيفما أراد، فليغتسل لإحرامه، ويتجرد عن المَخيط، ويلبس ثوبي الإحرام، ويصلي ركعتيه، ويحرم بالعمرة من ميقاتها. وأفضل مواقيتها: الجعرانة، ثم التنعيم، ثم الحديبية عند الشافعية، والتنعيم عند الحنفية، ومكة المكرمة عند الحنابلة، وينوي العمرة، ويلبي، ويقصد مسجد عائشة، ويعود إلى مكة وهو يلبي حتى يدخل المسجد الحرام، فإذا دخل المسجد، ترك التلبية عند الثلاثة غير المالكية إذا شرع في الطواف، وقال المالكية: إن المعتمر مَنْ المواقيت، ومن فاته الحج يلبي إلى رؤية البيت، والمعتمر من القرب؛ كالتنعيم يلبي إلى بيوت مكة أو المسجد، ويطوف بالبيت سبعاً ينوي به طواف العمرة، ويرمُل فيه بالاتفاق، ويضطبع، عند الثلاثة غير المالكية، ثم يصلي ركعتي الطواف، ثم يعود إلى الحجر الأسود، فيستلمه، ثم يخرج من باب الصفا، ويسعى سبعاً.

стр. 124

كل ذلك على الصفة التي ذكرناها في الطواف والسعي أولَ قدومه مكة، من ترتيب، وأدعية، وغير ذلك، فإذا فرغ من السعي نحر الهدي إن كان معه، ثم حلق أو قصر، وحل بذلك عند الأربعة، وقد تمت عمرته. لكن الحنفية قالوا: إن كان ساق الهدي، لم يتحلل، ويبقى على إحرامه لا يحلق ولا يقصر إلى أن يذبح هديه يوم النحر كما سبق، وما يفعله كثير من العوام من حلق الرأس مقطَّعاً في كل عمرة بعضه، فهو القزع الذي نهى عنه ﷺ ، وقال رسول الله ﷺ : "احلقوه كلَّه، أو اتركوه كله". قال الغزالي: والمقيمُ بمكة ينبغي أن يُكثر الاعتمارَ والطوافَ، وليكثر النظر إلى البيت، فإذا دخله، فليصلِّ ركعتين بين العمودين، فهو الأفضل، وليدخله حافياً موقراً، قيل لبعضهم: هل دخلتَ بيتَ ربك اليوم؟ فقال: ما أرى هاتين القدمين أهلاً للطواف حول بيت ربي، فكيف أراهما أهلاً لأن أطأ بهما بيت ربي؟ وقد علمت حيث مَشَتا، وإلى أينَ مَشَتا، انتهى. وقال العز بن جماعة في "منسكه": ينبغي أن يغتنم الحاج مدة إقامته بمكة المشرفة، فيكثر من الطواف، فقد روي عن النبي ﷺ : أنه قال: "من طاف هذا البيت، فأحصاه، كان كمن أعتق رقبة، وعنه ﷺ : "إن الطائف لا يرفع قدماً، ولا يضع قدماً، إلا حط الله تعالى عنه بها خطيئة، وكتب له بها حسنة، ورفع له بها درجة"، وعنه ﷺ : أنه جعل في ركعتي الطواف ثواب عتق رقبة، وقال رسول الله ﷺ : "إن الحجر الأسود نزل من الجنة، وهو أشدُّ بياضاً من اللبن، فسوَّدته خطايا بني آدم"، وقد رأيته: سنة ثمان وسبع مئة [٧٠٨]، وبه نقطة بيضاء ظاهرة لكل أحد، ثم حججت بعد ذلك، فرأيت البياض قد نقص بحيث إنه لم أره في ست وثلاثين إلا بعسر. وقال ﷺ : "إن الركن والمقام من ياقوت الجنة، ولولا ما مسهما من خطايا بني آدم، لأضاءا ما بين المشرق والمغرب، وما مسَّهما من ذي عاهة ولا سقيم إلا شفي"، وقال رسول الله ﷺ : "ليبعثنَّ اللهُ الحجرَ يومَ القيامة له عين يبصر بها، ولسان ينطق به يشهد على من استلمه بحق".

стр. 125

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والإكثار من الطواف بالبيت من الأعمال الصالحة، وهو أفضل من أن يخرج الرجل من الحرة ويأتي بعمرة مكية، فإن هذا لم يكن من أعمال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ولا رغب فيه النبي ﷺ لأمته، بل كرهه السلف، انتهى. ويستحب الإكثار من الصلاة بالمسجد الحرام؛ فقد صح: أن الصلاة فيه بمئة ألف من الصلاة في غيره، ويستحب الإكثار من الاعتمار عند الشافعية والحنفية، لا سيما في شهر رمضان؛ فإن العمرة فيه كحجة، كما قال رسول الله ﷺ ، ذكره المالكية: الاعتمار في السنة أكثر من مرة. ويستحب الدعاء بالملتزم، وهو ما بين الحجر الأسود وباب الكعبة، وهو أحد المواضع المعروفة بإجابة الدعاء. ويستحب لمن جلس في المسجد الحرام أن يكون وجهه إلى الكعبة، وأن يقرب منها، وينظر إليها إيماناً واحتساباً؛ فإن النظر إليها عبادة. وكان ابن عمر -رضي الله تعالى عنه- لا يخرج من المسجد حتى يستلم الركن، في طواف كان، أو في غير طواف، ونقل مثلُ ذلك عن جماعة من علماء التابعين -رحمهم الله تعالى-، انتهى. وليكثر من شرب ماء زمزم، ولَيْستَق بيده من غير استنابة إن أمكنه، وليرتو منه حتى يتضلَّع، ويدعو عند شربه بما شاء من الأدعية الشرعية مثل (١): اللهم اجعلْه شفاءً من كل داء وسقم، ارزقني الإخلاصَ واليقين، والمعافاةَ في الدنيا والآخرة؛ فقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إنها مباركة، وإنها طعام طعم، وشفاء سقم"، وقال: "ماء زمزم لِما شُرب له"؛ أي: يشفي ما قصد به، أخرجه أحمد، وابن ماجه عن جابر، وابن أبي شيبة، والبيهقي، والدارقطني، والحاكم، وصححه المنذري، والدمياطي، وحسنه الحافظ، وفي إسناده عبد الله بن المؤمل، وهو ضعيف، وفيه دليل على أن ماء زمزم ينفع الشارب لأي أمر شربه لأجله، سواء كان من أمر الدنيا، أو أمور الآخرة؛ لأن "ما" في قوله: "لما شرب له" من صيغ العموم.

стр. 126

وهذا مما عمل العلماء والأخيار به، فشربوه لمطالب لهم جليلة فنالوها، ويروى أن مياه الأرض ترفع قبل يوم القيامة غير زمزم، ولا بأس بالاغتسال والتوضي به، لكن يكره الاستنجاء به. وكانت عائشة أم المؤمنين تحمل ماء زمزم، وتخبر: أن رسول الله ﷺ كان يحمله، رواه الترمذي. قال أهل العلم: يجوز إخراجُ مائها ونقلُه إلى جميع البلدان، وقد كان السلف يحملونه. ويستحب الإكثار بمكة من الصدقة والصوم والقراءة وسائر الطاعات الممكنة. ٢٠ - فصل في طواف الوداع إذا فرغ الحاج من المناسك، وأراد الإقامة بمكة، لم يطف للوداع، وبه قال الحنابلة: وإن أراد مفارقة مكة والعودَ إلى وطنه، وجب عليه عند الشافعية طواف الوداع، سواء كان وطنه في الحرم، أم خارجه، وعند الحنابلة: أنه يجب على من أراد مفارقة الحرم والعودَ إلى وطنه، وعن ابن عباس، قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله ﷺ : "لا ينفرْ أحدٌ حتى يكونَ آخر عهده بالبيت"، رواه أحمد، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وفي رواية: إلا أنه خفف عن المرأة الحائض، متفق عليه، وفيه دليل على وجوب طواف الوداع. قال النووي: وهو قول أكثر العلماء، ويلزم لتركه دم، وقال مالك، وداود، وابن المنذر: هو سنة، لا شيء في تركه. قال الحافظ: والذي رأيته لابن المنذر في "الأوسط": أنه واجب؛ للأمر به، إلا أنه لا يجب بتركه شيء. قلت: قد اجتمع في طواف الوداع أمرُه ﷺ ونهيُه عن تركه، وفعله الذي هو بيان للمجمل الواجب، ولا شك أن ذلك يفيد الوجوب، قال ابن المنذر: قال عامة الفقهاء: ليس على النفساء والحائض التي أفاضت طوافُ الوداع، وروينا عن عمر بن الخطاب، وابن عمر، وزيد بن ثابت: أنهم أمروها بالمقام إذا كانت حائضاً لطواف الوداع، فكأنهم أوجبوه عليها كما يجب عليها طواف الإفاضة، إذ

стр. 127

لو حاضت قبله، لم يسقط، وقد ثبت رجوع ابن عمر وزيد بن ثابت عن ذلك، وبقي عمر، فخالفناه؛ لثبوت حديث عائشة. وبالجملة: يجب عليه بتركه دم، كدم المتمتع عند الشافعية والحنابلة، وعند الحنفية واجب يجب بتركه أو ترك أكثره دم، فإن تعذر، بقي في ذمته. وقالوا: إذا أراد الحاج الإقامة بمكة، ونواها سنين، لم يسقط عنه الوجوب، وإن نواها أبداً، فإن كان قبل النفر الأول فلا طواف عليه، وإن كان بعده، لزمه الطواف عند أبي حنيفة، ومحمد خلافاً لأبي يوسف. وينبغي أن يؤخره الصادر عن مكة حتى يكون بعد جميع أموره، فلا يشتغل بعده بتجارة ولا نحوها؛ بل ينجز أولاً أشغاله، وليشد رحاله، وليجعلْ آخرَ شغله وداعَ البيت، لكن إذا قضى حاجته، أو اشترى شيئاً في طريقه بعد الوداع، أو دخل إلى المنزل الذي هو فيه ليحمل المتاع على دابته، ونحو ذلك مما هو من أسباب الرحيل، فلا إعادة عليه، وإن أقام بعد الوداع، أعاده. وطافه ﷺ ليلاً سَحَراً، وصلى الفجرَ بالحرم وقرأ بالطور، ثم نادى بالرحيل، فارتحل راجعاً إلى المدينة، ولا رَمَل في هذا الطواف، ولا اضطباع بالاتفاق، فإذا فرغ منه، صلى ركعتين، ويأتي بعده الملتزَم إن أحبَّ، وهو بين الركن والباب، فيضع عليه صدره، ويُلصق به بطنه، ويبسط يديه وذراعيه وكفيه على الجدار، فيجعل اليمنى مما يلي الباب واليسرى مما يلي الحجر الأسود، ويدعو بما أحبَّ من أمري الدنيا والآخرة، ويسأل الله حاجته، وله أن يفعل ذلك قبل طواف الوداع؛ فإن هذا الالتزام لا فرقَ بين أن يكون حالَ الوداع أو غيره، والصحابة قد كانوا يفعلون ذلك حين يدخلون مكة. وإن شاء، قال في وداعه الدعاءَ المأثور عن ابن عباس: اللهمَّ البيتُ بيتُك، والعبدُ عبدُك وابنُ أمتك، حملتَني على ما سَخَّرت لي من خَلْقك حتى أعنتني على قضاء مناسكك، فإن كنتَ رضيتَ عني، فازود عني رضا، وإلا، فمن الآن فارض عني الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، اللهمَّ فأَصْحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسن

стр. 128

مُنْقَلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير. واستحب هذا الدعاء الشافعي، وقال: ما زاد فحسن. ولو وقف عند الباب، ودعا هناك من غير التزام البيت، كان حسناً، فإذا ولى، لا يقفُ ولا يلتفتُ ولا يمشي القهقرى. قال الثعلبي: القهقرى في اللغة: مشية الراجع إلى خلف، حتى قيل: إنه إذا رأى البيت، رجع فودع. وكذلك عند سلامه على النبي ﷺ ينصرف، ولا يمشي القهقرى، بل يخرج، كما يخرج الناس من المساجد عند الصلاة. وقال ابن الصلاح: إنه إذا فرغ من الدعاء، أتى زمزم، وشرب منها متزوداً متبركاً، ثم عاد إلى الحَجَر، فاستلمه، وقبله، وانصرف. وعند الحنفية: أنه بعد ركعتي الطواف يستحب أن يأتي زمزم، على المشهور من الروايات، ويشرب من مائها، ويمسح رأسه ووجهه وجسده، ويأتي بآداب الشرب، ويدعو عند شربها بما أحب، ثم يأتي الباب، ويقبل العتبة، ويأتي الملتزم، فيضع وجهه وخده الأيمن وصدرَه عليه، ويتشبث بالأستار ساعة يدعو بما أحبَّ، واستحب مالك في رواية: أن يقف في الملتزم ويدعو إذا ودع، واستحب الحنابلة: أن يقبل الحَجَر بعد ركعتي الطواف، ثم يقف في الملتزم، ويلصق به صدره وبطنه وخده الأيمن وذراعيه، ويدعو بالدعاء الذي استحبه الشافعي كما تقدم. ومذهب الشافعية والمالكية: أنه ينصرف، ويولي ظهره إلى الكعبة، ولا يمشي القهقرى؛ فإنه مكروه، وليس فيه سنة مروية، ولا أثر محكي، وما لا أثر له لا يعرَّج عليه، وقد وافق ابن الكمال وغيره من الحنفية في هذا، وقال أكثر الحنفية: ينبغي أن ينصرف وهو يمشي وراءه ووجهُه إلى البيت متباكياً متحسِّراً على فراق البيت حتى يخرج من المسجد، واختار هذا بعض الشافعية. وعند الحنابلة وجهان: في أنه يولي ظهره الكعبة إذا أراد الانصراف، أو لا، قد كره ابن عباس قيام الرجل على باب المسجد ناظراً إلى الكعبة إذا أراد الانصراف، وينبغي أن يخرج من ثنية كدا من أسفل مكة اقتداء بالنبي ﷺ . وعن

стр. 129

إبراهيم النخعي: أنه قال: كانوا إذا قضوا حجهم، تصدقوا بشيء، ويقولوا: اللهم هذا عما لا يعلم، والله أعلم. ٢١ - فصل في زيارة المساجد وأبنية مكة قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أما المساجد التي بُنيت بمكة غير المسجد الحرام؛ كالمسجد الذي تحت الصفا، والذي في سفح أبي قبيس، ونحو ذلك من المساجد التي بنيت على آثار النبي ﷺ وأصحابه؛ كمسجد المولد وغيره، فليس قصدُ شيء من ذلك من السنة، ولا استحبه أحد من الأئمة، وإنما المشروع إتيان المسجد الحرام، والمشاعر، ومزدلفة، ومنى، ومثل جبل حراء، والجبل الذي عند منى الذي يقال: إنه كان فيه قبة النداء، ونحوه؛ فإنه ليس من سنة النبي ﷺ زيارةُ شيء من ذلك، بل هو بدعة. وكذلك ما يوجد في الطرقات من المساجد المبنية على آثار البقاع التي يقال: إنها من الآثار، فلم يشرع النبي ﷺ قصد شيء من ذلك بخصوصه، ولا زيارة شيء من ذلك، انتهى كلامه. نعم، أجمع العلماء على استحباب زيارة المسجد الأقصى، والصلاة فيه، وعن النبي ﷺ : أن الصلاة فيه كألف صلاة، وزيارته عبادة مستقلة لا تعلق لها بالحج، وما يرويه العوام عن النبي ﷺ من قوله: من زراني، وزار أبي إبراهيم في عام واحد، ضمنتُ له الجنة، فحديث موضوع لا أصلَ له. وبالجملة: فإذا كانت مساجد الآثار حكمُها كذلك، فما بال الأبنيةِ المستحدثة في نفس المسجد الحرام؛ فإنها بدعة مكروهة. قال الشوكاني في "إرشاد السائل إلى دليل المسائل" مجيباً لبعض العلماء السائلين عن المواضع المستحدثة في الحرم الشريف؛ كالمقامات والمنارات، والتعلية في البيوت زيادةً على الحاجة ما نصه: أقول: عِمارة المقامات بدعة بإجماع المسلمين، أحدثَها شرُّ ملوك الجراكسة فرج بن برقوق (١) في أوائل المئة

стр. 130

التاسعة من الهجرة، وأنكر ذلك عليه أهلُ العلم في ذلك العصر، ووضعوا فيه مؤلفات. وقد بينتُ ذلك في غير هذا الموضع، ويا لله العجب من بدعة يحدثها من هو شر ملوك المسلمين في خير بقاع الأرضين، كيف لم يغضب لها من جاء بعده من الملوك المائلين إلى الخير؟! ولا سيما قد صارت هذه المقامات سبباً من أسباب تفريق الجماعات. وقد كان الصادق الصدوق ﷺ ينهى عن الاختلاف والفرقة، ويرشد إلى الاجتماع والأُلفة كما في الأحاديث الصحيحة، بل نهى عن تفريق الجماعات في الصلاة. وبالجملة: فكل متشرع يعلم أنه حدثت بسبب هذه المذاهب التي فرقت الإسلام فرقة مفسدة أصيب بها الدين وأهله، وأن من أعظمها خطراً وأشدها على الإسلام ما يقع الآن في الحرم الشريف من تفرق الجماعات (١) ووقوف كل طائفة

стр. 131

في مقام من هذه المقامات، كأنهم أهلُ أديان مختلفة، وشرائعَ غيرِ مؤتلفة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وأما رفع المنارات، فأصل وضعها لمقصد صالح، وهو إسماع البعيد عن محل الأذان، وهذه مصلحة مسوغة إذا لم تعارضها مفسدة من المفاسد المخالفة للشريعة، فدفعُ المفاسد مقدَّمٌ على جلب المصالح؛ كما تقرر ذلك في الأصول، وأما تشييدُ البنيان ورفعه زيادة على حاجة الإنسان، فقد ورد النهيُ عنه، والوعيدُ عليه، وثبت: أنه ﷺ أمر بهدم بعض الأبنية، وليس ذلك مجردَ بدعة، بل خلاف ما أرشد إليه الشارع، انتهى كلامه. ٢٢ - فصل في الرجوع من حج أو عمرة وما يتصل به عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنه-: أن النبي ﷺ كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة: يكبر على كل شَرَف من الأرض ثلاثَ تكبيرات، ثم يقول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعدَه، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" متفق عليه. وفيه: استحبابُ التكبير والتهليل والدعاء المذكور عند كل شرف من الأرض يعلوه الراجعُ إلى وطنه من حج أو عمرة أو غزوة، ويكررها حتى يدخل البلد، ويستحب إذا قرب مَنْ وطنه أن يبعث إلى أهله مَنْ يخبرهم بقدومه، كيلا يقدم عليهم بغتة، وكره ﷺ أن يطرق الرجل أهلَه ليلًا، وكان ﷺ لا يقدم إلا غدوة أو عشية. وكان من هديه إذا رجع من سفره، بدأ بالمسجد، فصلى فيه ركعتين، وكان يأمر أصحابه بذلك، كما في حديث جابر بن عبد الله في قصة البعير، وفيه: أنهم لما قدموا المدينة، أمره ﷺ أن يأتي المسجد، فيصلي ركعتين إن لم يكن وقت

стр. 132

كراهة، ويدعو عقبهما، ويحمد الله تعالى، ويشكره على ما أنعم عليه من قضاء نسكه، وزيارة مسجد نبيه ﷺ ، وقبره المنور، وعوده إلى وطنه. وقد بوب أبو داود للإطعام عند القدوم، فأخرج بإسناده إلى جابر بن عبد الله، قال: لما قدم النبي ﷺ المدينة، نحر جزوراً وبقرة. ثم يندب للقادم أن يهدي إلى أهله ما تيسر. فقد أخرج البيهقي في "شعب الإيمان" عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-، أنها قالت: إذا قدم أحدُكم إلى أهله من سفر، فليهدِ لأهله ما يُطرفهم، ولو كان حجارة، وأخرج ابن عساكر عن أبي الدرداء مرفوعاً: "إذا قدم أحدكم من سفر فليقدم معه هدية، ولو أن يلقي في مخلاته حجراً"، وإن كان الحديثان قد ضعفا، فالهدية مطلقاً من السنة، ولهدية القادم موقعٌ في القلب لا يخفى. ويندب لمن يلقاه من المقيمين أن يصافحه ويعانقه، وكره مالك المعانقة، ويطلب منه أن يستغفر له؛ لما أخرجه أحمد في "مسنده" من حديث ابن عمر مرفوعاً: "إذا لقيتَ الحاجَّ، فسلِّمْ عليه، وصافحْه، ومُرْه أن يستغفر لكَ قبلَ أن يدخل بيتَه؛ فإنه مغفور له" وهو حديث حسن. وهو نظير حثه ﷺ على طلب الاستغفار من المريض؛ لأن المغفور له مجاب الدعوة. ويستحب لمن يسلم على القادم أن يقول له: "قَبِلَ الله حجَّكَ، وغفرَ ذنبَك، وأخلفَ نفقتك"، وليحرص الآتي من سفره قبل مفارقته رفقتَه على أن يتحلَّلَ منهم، وليحذرْ بعد الحج من مقارفة الذنوب؛ فإن النكسة أشدُّ من المرض، وليوفِ بعهد الله ورسوله ﷺ ، ولا يكن كالتي نقضَتْ غزلها. فعلامة قبول عبادة الحج: أن يكون بعدها خيراً مما كان قبلها، ويترك ما كان عليه من المعاصي والآثام، وأن يستبدل بإخوانه البطالين إخواناً صالحين؛ وبمجالس اللهو والغفلة مجالسَ الذكر واليقظة. يروى أن بعض الصالحين قدم من الحج، فدعته نفسُه إلى أمر سوء، فسمع هاتفاً يقول له: ويلك! ألم تحجَّ؟ ويلك! لم تحج؟ فعصمه الله تعالى بسبب ذلك.

стр. 133

نسأل الله تعالى الاهتداء بهدي رسوله الكريم في كل ما نأتي ونذر، وأن يسلك بنا سبيل رضاه، ويدخلنا في واسع فضله النعيم، وأن يعافينا من كل بلية في الدنيا والآخرة، إنه ولي ذلك، والقادرُ عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل. * * *

стр. 134

الباب الخامس في زيارة سيدنا محمد المصطفى أحمد المجتبى ﷺ - وفيه فصول: ١ - فصل في حكم الزيارة اعلم أنه قد اختلفت فيها أقوال أهل العلم، فذهب الجمهور: إلى أنها مندوبة، وذهب بعض المالكية وبعض الظاهرية: إلى أنها واجبة، وقالت الحنفية: إنها قريب من الواجبات. وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية: إلى أنها غير مشروعة، وتبعه على ذلك بعضُ الحنابلة، وجمعٌ من أهل الحديث، وروي ذلك عن مالك، والجويني، والقاضي عياض، احتج القائلون بأنها مندوبة بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٦٤]. وجه الاستدلال: أنه ﷺ حيٌّ في قبره بعد موته (١)؛ كما في حديث: "الأنبياء أحياء في قبورهم"، وقد صححه البيهقي، وألف في ذلك جزءًا، قال: الأستاذ أَبو منصور البغدادي: قال المتكلمون المحققون من أصحابنا: إن النبي ﷺ حيٌّ بعد وفاته، انتهى. ويؤيد ذلك ما ثبت أن الشهداء أحياء يرزقون في قبورهم، والنبي ﷺ منهم، وإذا ثبت أنه حي، كان المجيء إليه بعد الموت كالمجيء إليه قبله، ولكنه ورد

стр. 135

أن الأنبياء لا يُتركون في قبورهم فوق ثلاث ليال، وروي: فوق الأربعين، فإن صح ذلك، قدح في الاستدلال بالآية. ويعارض القول بدوام حياتهم في قبورهم ما سيأتي من أنه ﷺ يرد عليه روحه عند التسليم عليه، وحديث: "من زارني بعد موتي، فكأنما زارني في حياتي" الذي سيأتي إن صح، فهو الحجة في المقام. وقال محمد بن عبد الهادي، في "الصارم المنكي على نحر ابن السبكي": الكلام في الآية في مقامين: أحدهما: عدم دلالتها على مطلوبه، والثاني: بيان دلالتها على نقيضه، وإنما يتبين الأمر بفهم الآية وما أريد بها، وسيقت له، وما فهمه منها أعلمُ الأمة بالقرآن ومعانيه، وهم سلف الأمة، ولم يفهم منها أحد من السلف إلا المجيء إليه في حياته ليستغفر لهم. والآية إنما هي في المنافق الذي رضي بحكم كعب بن الأشرف وغيره من الطواغيت، دونَ حكم رسول الله ﷺ ، فظلم نفسه بهذا أعظم ظلم، ثم لم يجىء إلى رسول الله ﷺ ليستغفر له. وكانت عادة الصحابة معه ﷺ أن أحدهم متى صدر منه ما يقتضي التوبة، جاء إليه، فقال: يا رسول الله! فعلتُ كذا وكذا، فاستغفرْ لي، وكان هذا فرقاً بينهم وبين المنافقين. فلما نقل الله بيته ﷺ من بين أظهرهم إلى دار كرامته، لم يكن أحد منهم قط يأتي إلى قبره ويقول: يا رسول الله! فعلتُ كذا وكذا، فاستغفر لي، ومن يقل هذا عن أحد منهم، فقد جاهر بالكذب والبهت، وافترى. وعطل الصحابة والتابعون، وهم خير القرون على الإطلاق، هذا الواجب الذي ذم الله سبحانه من تخلف عنه، وجعل التخلف من أمارات النفاق، ووفق له من لا يؤبه له من الناس، ولا يعد في أهل العلم. وأما دلالة الآية على خلاف تأويلها، فهو أنه سبحانه صدَّرها بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ [النساء: ٦٤]، وهذا يدل على أن مجيئهم إليه ليستغفر لهم طاعة له،

стр. 136

ولهذا ذمَّ من تخلف عن هذه الطاعة، ولم يقل مسلم قط: إن على من ظلم نفسه بعد موته أن يذهب إلى قبره ويسأله أن يستغفر له، وهذا بخلاف قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]؛ فإنه نفى الإيمان عمن لم يحكمه، وتحكيمه هو ما جاء به حياً وميتاً، ففي حياته كان هو الحاكم بينهم بالوحي، وبعد وفاته نوابه وخلفاؤه. ويوضح ذلك أنه قال: "لا تجعلوا قبري عيداً"، ولو كان يشرع لكل مذنب أن يأتي إلى قبره، لكان القبرُ أعظم أعياد المذنبين، وهذا مضادة صريحة به وبما جاء به، انتهى كلامه ملخصاً. واستدلوا ثانياً بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ. . .﴾ [النساء: ١٠٠] الآية، والهجرة إليه في حياته الوصولُ إلى حضرته، فكذلك الوصول بعد موته. ولا يخفى أن الوصول بحضرته في حياته فيه فوائد لا توجد في الوصول إلى حضرته بعد مماته، منها: النظر إلى ذاته الشريفة، وتعلُّم أحكام الشريعة منه، والجهاد بين يديه، وغير ذلك. واستدلوا ثالثاً للأحاديث الواردة في ذلك: منها: الأحاديث الواردة في مشروعية زيارة القبور على العموم، والنبي ﷺ داخل فيه دخولاً أولياً، وكذلك الأحاديث الثابتة من فعله ﷺ في زيارتها. ومنها: أحاديث خاصة بزيارة قبره الشريف: أخرج الدارقطني عن رجل من آل حاطب عن حاطب، قال، قال رسول الله ﷺ : "من زارني بعد موتي، فكأنما زارني في حياتي"، وفي إسناده رجل مجهول، والحديث ضعيف مضطرب الإسناد. وعن ابن عمر عند الدارقطني أيضاً قال، فذكر نحوه، ورواه أبو يعلى في "مسنده"، وابن عدي في "كامله"، وفي إسناده حفص بن أبي داود، وهو ضعيف الحديث. وقال أحمد فيه: إنه صالح، وعن عائشة عند الطبراني في "الأوسط" عن

стр. 137

النبي ﷺ مثلثه، قال الحافظ: وفي طريقه مَنْ لا يُعرف، وعن ابن عباس عند العقيلي مثلُه، وفي إسناده فضالة بن سعد المازني، وهو ضعيف، وعن ابن عمر حديث آخر عند الدارقطني بلفظ: "من زار قبري، وجبت له شفاعتي"، وفي إسناده موسى بن هلال العبدي، قال أبو حاتم: مجهول؛ أي: العدالة، ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" من طريقه، وقال: إن صح الخبر، فإن في القلب من إسناده شيئاً، وأخرجه أيضاً البيهقي، وقال العقيلي: لا يصح حديث موسى، ولا يتابعَ عليه، ولا يصح في هذا الباب شيء. وقال أحمد: لا بأس به، وأيضاً قد تابعه عليه مسلمة بن سالم كما رواه الطبراني من طريقه، وموسى بن هلال المذكور، رواه عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، وهو ثقة من رجال الصحيح، وجزم الضياء المقدسي، والبيهقي، وابن عدي، وابن عساكر: بأن موسى رواه عن عبد الله بن عمر -المكبر-، وهو ضعيف، ولكنه قد وثقه ابن عدي، وقال ابن معين: لا بأس به، وروى له مسلم مقروناً بآخر، وقد صحح هذا الحديث: ابنُ السكن، وعبد الحق، والسبكي. وردّ ابن عبد الهادي على هؤلاء رداً مشبعاً في صارمه إلى أوراق، وقال: هو حديث غير صحيح، ولا ثابت، بل هو منكر عند أئمة هذا الشأن، ضعيف الإسناد عندهم، لا تقوم بمثله حجة، ولا يعتمد على مثله عند الاحتجاج إلا الضعفاء في هذا العلم، وقد بين أئمة هذا العلم والراسخون فيه والمعتمَدُ على كلامهم والمرجوع إلى أقوالهم ضعفَ هذا الخبر، ونكارته، انتهى. وعن ابن عمر عند ابن عدي، والدارقطني، وابن حبان في ترجمة النعمان بلفظ: "من حج ولم يزرني، فقد جفاني"، وفي إسناده النعمانُ بن شبل، وهو ضعيف جداً، ووثقه عمران بن موسى، وقال الدارقطني: الطعن في هذا الحديث على ابن النعمان، لا عليه، ورواه أيضاً البزار، وفي إسناده إبراهيم الغفاري، وهو ضعيف، ورواه البيهقي عن عمر، وقال: إسناده مجهول، قال في "الصارم": هذا منكر جداً لا أصل له، بل هو من المكذوبات والموضوعات، وهو كذب موضوع على مالك، مختلق عليه، لم يحدث به قط، ولم يروه إلا من

стр. 138

جمع الغرائب والمناكير والموضوعات، ولقد أصاب ابن الجوزي، وذكره في "الموضوعات" إلى قوله. والحاصل: أن هذا الحديث الذي تفرد به محمد بن محمد بن النعمان عن جده عن مالك، لا يحتج به ويعتمد عليه إلا مَنْ أعمى الله قلبه، وكان من أجهل الناس بعلم المنقولات، ولو فرض أنه خبر صحيح، وحديث مقبول، لم يكن فيه حجة إلا على الزيارة الشرعية، انتهى. وأطال في جرحه إلى أوراق. وعن أنس عند ابن أبي الدنيا بلفظ: "من زراني بالمدينة محتسباً، كنت له شفيعاً وشهيداً يوم القيامة"، وفي إسناده سليمان بن زيد الكعبي، ضعفه ابن حبان، والدارقطني، وذكره ابن حبان في الثقات. وعن عمر عند أبي داود الطيالسي بنحوه، وفي إسناده مجهول. قال في "الصارم": هذا حديث ساقط الإسناد، لا يجوز الاحتجاجُ به، ولا يصلح الاعتماد على مثله، وقد خرجه البيهقي في "السنن الكبرى"، وقال: هذا إسناد مجهول، انتهى. وورد بألفاظ، فجعلوها ثلاثة أحاديث، وهو واحد مضطرب الإسناد. وذكر ابن حبان في "كتاب الثقات" له خلقاً عظيماً من المجهولين الذين لا يعرف هو ولا غيره أحوالهم، وقد صرح ابن حبان بذلك في غير موضع من هذا الكتاب، فلا تغتر بتوثيقه للرواة في أمثال تلك الأحاديث. وعن عبد الله بن مسعود عند أبي الفتح الأزدي بلفظ: "من حج حجة الإسلام، وزار قبري، وغزا غزوة، وصلى في بيت المقدس، لم يسأله الله فيما افترض عليه". قال ابن قدامة في "الصارم": هذا الحديث موضوع على رسول الله ﷺ بلا شك وريب عند أهل المعرفة بالحديث، انتهى. ثم أطال بيان وضعه إلى صفحة. وعن أبي هريرة بنحو حديث حاطب المتقدم. وعن ابن عباس عند العقيلي بنحوه، وعنه في "مسند الفردوس" بلفظ: "من حج إلى مكة، ثم قصدني في مسجدي، كتبت له حجتان مبرورتان". وعن علي بن أبي طالب عند ابن عساكر: "من زار قبر رسول الله ﷺ ، كان في

стр. 139

جواره"، وفي إسناده عبد الملك بن مروان، وفيه مقال. وعن ابن عمر، قال، قال رسول الله ﷺ : "من جاءني زائراً، لا تعمله حاجة إلا زيارتي، كان حقاً عليّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة"، رواه الطبراني، وله ألفاظ، وليس في هذا الحديث -على فرض صحته- ذكرُ زيارة القبر، ولا ذكرُ الزيارة بعدَ الموت، مع أنه حديث ضعيف الإسناد، منكر المتن، لا يصلح للاحتجاج به، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة، ولا رواه أحد من الأئمة المعتبرة، ولا صححه إمام يعتمد على تصحيحه. وقد تفرد به مسلمة بن سالم الجهني الذي لم يُعرف من حاله ما يوجب قبول خبره، وله مناكير كثيرة ذكرها ابن قدامة في "الصارم". وعن ابن عمر: "من حج فزار قبري بعد وفاتي، فكأنما زارني في حياتي"، رواه الدارقطني. وتقدم نحوه عنه، وهو حديث منكر المتن، ساقط الإسناد، لم يصححه أحد من الحفاظ، ولا احتج به أحد من الأئمة، بل ضعفوه، وطعنوا فيه، وذكر بعضهم: أنه من الأحاديث الموضوعة، والأخبار المكذوبة كما صرح به في "الصارم" مفصلاً. وحديث: "من زراني متعمداً، كان في جواري يوم القيامة"، رواه العقيلي، وغيره من رواية سوار بن ميمون، وهو حديث ضعيف مجهول الإسناد، من واهي المراسيل وأضعفها، وفيه الاختلاف والجهالة والإرسال والانقطاع والاضطراب، وبعض هذه الأمور يكفي في ضعف الحديث وردِّه، وعدمِ الاحتجاج به عند أئمة هذا الشأن. فكيف اجتماعها في خبر واحد! وفي رواية: "من زارني بعد موتي، فكأنما زارني وأنا حي" رواه أبو الفتوح سعيد بن محمد اليعقوبي في جزء له، وهو حديث منكر لا أصل له، وإسناده مظلم، بل هو حديث موضوع على عبد الله العمري الصغير -المكبر- المضعف كما بينه ابن قدامة في "الصارم" بياناً شافياً. وفي رواية: "ما من أحد من أمتي له سعة، ثم لم يزرني، فليس له عذر"، رواه ابن النجار عن أنس، وهو حديث موضوع مكذوب مختلق، مصنوع من النسخة الملصقة بسمعان بن المهدي، وإسنادها إلى سمعان ظلمات بعضها فوق

стр. 140

بعض. وفي رواية: من زارني حتى ينتهي إلى قبري كنت له يوم القيامة شهيداً، أو قال: شفيعاً" أخرجه العقيلي في "كتاب الضعفاء"، وابن عساكر بلفظ: "من زارني في المنام، كمن زارني في حياتي، والباقي سواء" وهو حديث منكر جداً، ليس بصحيح، ولا ثابت، بل هو موضوع على ابن جريج، وقد وقع تصحيف في متنه وإسناده. وفي حديث: "من أتى المدينة زائراً إليَّ، وجبت له شفاعتي يوم القيامة" أخرجه يحيى الحسيني في "أخبار المدينة"، وهو حديث باطل لا أصل له، وخبر معضل لا يعتمد على مثله، وهو من أضعف المراسيل، وأوهى المنقطعات، ولو فرض أنه من الأحاديث الثابتة، لم يكن فيه دليل على محل النزاع، وكذا حديث: "من لم تمكنه زيارتي، فليزر قبر إبراهيم الخليل"؛ فإنه من الأحاديث المكذوبة، والأخبار الموضوعة، كما ذكر في "الصارم". وبالجملة: هذه جميع الأحاديث التي استدل بها: تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي المتوفى سنة ست وخمسين وسبع مئة في "شفاء السقام في زيارة خير الأنام"، والشيخ ابن حجر الهيتمي الشافعي المكي في "الجوهر المنظم في زيارة النبي المكرم"، وغيرهما، في غيرهما وليس فيها حديث حسن، أو صحيح، بل كلها ضعيفة موضوعة، أو منكرة لا أصل لها؛ قال الحافظ ابن حجر: أكثر متون هذه الأحاديث موضوعة، انتهى. فظهر بهذا أن ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وأهل الحديث، ومالك إمام دار الهجرة، والجويني، والقاضي عياض ومَنْ تبعه من المحققين: من تضعيفها، وردِّها، وعدم قبولها، هو الصواب البحتُ، والحق الصرفُ الذي لا مَحيصَ عنه، وعلى فرض حسنها أو صحتها، لا دلالة لها على السفر للزيارة، بل على الزيارة فقط، وليس النزاع في نفس زيارة القبور، بل في السفر إليها، وشد الرحال لها، وهو مسألة غير هذه المسألة. قال في "الفتح": وأصح ما ورد في ذلك: ما رواه أحمد، وأبو داود عن أبي هريرة مرفوعاً: "ما من أحد يسلم عليّ، إلا ردَّ الله عليّ روحي حتى أردَّ عليه

стр. 141

السلام"، وبهذا الحديث صدر البيهقي الباب، ولكن ليس فيه ما يدل على اعتبار كون المسلِّم عليه على قبره، بل ظاهره أعمُّ من ذلك، انتهى. وقد رُويت زيارته ﷺ عن جماعة من الصحابة، منهم: بلال عند ابن عساكر، وابن عمر عند مالك في "الموطأ"، وأبو أيوب عند أحمد، وأنس ذكره عياض في "الشفا"، وعمر عند البزار، وعلي عند الدارقطني، وغير هؤلاء، ولكنه لم ينقل عن أحد منهم أنه شد الرحال لذلك إلا عن بلال؛ لأنه روى عنه أنه رأى النبي ﷺ وهو بداريّا يقول له: ما هذه الجفوة يا بلال؟! أمالك أن تزورني؟ " روى ذلك ابن عساكر، ولكن هذا الأثر ليس بصحيح عنه، ولو كان صحيحاً عنه، لم يكن فيه دليل على محل النزاع، ولا يكون المنام حجة شرعية، وقول القائل: سنده جيد، خطأ منه كما بينه في "الصارم" بياناً كافياً، وهو أثر غريب منكر، وإسناده مجهول، وفيه انقطاع بل بعض ألفاظ الخبر يشهد ببطلانه عنه. وثبت عن ابن عمر: أنه كان إذا قدم من سفر، أتى قبرَ النبي ﷺ ، وسلم عليه وعلى أبي بكر وعمر، وليس فيه شد رحال، ولا إعمال مطي، ومع هذا قال أبو عثمان العمري: ما نعلم أحداً من أصحابه ﷺ كان يفعل ذلك إلا ابن عمر، هكذا ذكر عبد الرزاق في "مصنفه". واستدل القائلون بالوجوب بحديث: "من حج ولم يزرني، فقد جفاني"، رواه ابن عدي في "الكامل"، وله ألفاظ متقاربة، قالوا: والجفاء للنبي ﷺ محرم، فتجب الزيارة لئلا يقع في المحرم، وأجاب عنه الجمهور: بأن الجفاء يقال على من ترك المندوب؛ كما في ترك البر والصلة، وعلى غِلَظ الطبع؛ كما في حديث: "من بدا فقد جفا"، وأيضاً الحديث على انفراده مما لا تقوم به الحجة، وقد تقدم جرحه. واستدلوا رابعاً بالإجماع، وقالوا: قد حكى القاضي عياض: أن العلماء مجمعون على أنه يستحب للرجال زيارة القبور، بل قال بعض الظاهرية بوجوبها، وممن حكاه النووي. والجواب عن ذلك بوجوهٍ ذكرها في "الصارم"، حاصلها: أن المانع لم

стр. 142

يقل: إن زيارة القبور محرمة أو مكروهة، بل هي مستحبة عنده أيضاً؛ للدعاء للموتى، مع السلام عليهم، وإنما الكلام في السفر إليها، وليس في المسألة إجماع لتحقيق ثبوت الخلاف فيها عن بعض المجتهدين، وإن كان قوله ضعيفاً من حيث الدليل، قال ابن البطال: كره قوم زيارة القبور؛ لأحاديث في النهي عنها، وقال الشعبي: لولا أن رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور، لزرت، انتهى. وقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون زيارة القبور. وعن ابن سيرين مثلُه، وبه قال مالك، والجويني، وعياض، فأي ذنب لشيخ الإسلام ابن تيمية إن قال به؟ وليس هو بمتفرد بهذا القول، والمقصود: أن الإجماع المذكور في هذه المسألة غير محقق. واستدلوا خامساً بالقياس، وقالوا: جاء في السنة الصحيحة: الأمرُ بزيارة القبور، فقبرُ نبينا منها أولى وأحقُّ، وثبت أنه ﷺ زار أهل البقيع، وشهداء أحد، وقد مر الجواب عن ذلك بأن هذا خارج عما نحن فيه؛ لأن الكلام في السفر إلى زيارة القبور؛ لا في نفس الزيارة. واحتج من قال: إنها غير مشروعة بحديث: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد"، وهو في الصحيح، وحديث: "لا تتخذوا قبري عيداً" رواه عبد الرزاق، قال النووي في "شرح مسلم": اختلف العلماء في شد الرحال لغير الثلاثة؛ كالذهاب إلى قبور الصالحين، وإلى المواضع الفاضلة، فذهب الشيخ أبو محمد الجويني إلى حرمته، وأشار عياض إلى اختياره، والصحيح عند أصحابنا: أنه لا يحرم، ولا يكره، قالوا: والمراد: أن الفضيلة الثابتة إنما هي لشد الرحال إلى هذه الثلاثة خاصة، انتهى. وقد أجاب الجمهور عن حديث شد الرحال: بأن القصر فيه إضافي باعتبار المساجد، لا حقيقي، قالوا: والدليل على ذلك ما في بعض ألفاظ الحديث: "لا ينبغي للمطي أن تشدَّ رحالُها إلى مسجد ينبغي فيه الصلاة غير مسجدي هذا، أو المسجد الحرام، والمسجد الأقصى"، فالزيارة وغيرها خارجة عن النهي، لكن إن صح هذا الخبر، فلينظر فيه.

стр. 143

وأجابوا ثانياً بالإجماع على جواز شد الرحال للتجارة وسائر مطالب الدنيا، وعلى وجوبه إلى عرفة للوقوف، وإلى منى للمناسك التي فيها، وإلى مزدلفة، وإلى الجهاد، والهجرة عن دار الكفر، وعلى استحبابه لطلب العلم. قلت: هذه الأسفار قد ثبت بعضها بفعل الشارع وقوله، ولم يثبت السفر للزيارة بفعله ولا قوله، ولم يحصل الإجماع على جوازه بحمد الله تعالى إلى الآن. بل نهى العلماء عنه قديماً وحديثاً، بل بعض الأسفار لها، بل غالبها لا يخلو من أحوال الشرك وأعمال الكفر كما لا يخفى على الخبير. وأجابوا عن حديث: "لا تتخذوا قبري عيداً": بأنه يدل على الحث على كثرة الزيارة، لا على منعها، وأنه لا يُهمل حتى لا يُزار إلا في بعض الأوقات؛ كالعيدين، والعالم بمفاهيم السنة وعطفها، والعارف بكلام الرسول ﷺ لا يرتاب أبداً في أن ذلك التأويل من باب تحريف الكلم عن مواضعه، ومن قبيل تأويل الجهلة وانتحال المبطلة؛ فإنه يأباه ظاهر الحديث وباطنُه، ولو كان مقصود الشارع ما فهمَ هؤلاء، لقال: زوروا قبري كل حين، ولا تملوا عنه حتى لا تزوروه إلا في بعض الأحيان كالعيد. واحتج أيضاً من قال بالمشروعية: بأنه لم يزل دأب المسلمين القاصدين للحج في جميع الأزمان على تباين الديار واختلاف المذاهب الوصول إلى المدينة المشرفة لقصد زيارته، ويعدون ذلك من أفضل الأعمال، ولم ينقل أن أحداً أنكر ذلك عليهم، فكان إجماعاً. قلت: وما الدليل على أن هذا الوصول كان لمجرد زيارة القبر؟ بل الظاهر أنه كان لمسجده ﷺ ، وكانت الزيارة مغمورة فيه، ومن ادعى خلاف ذلك، فعليه البيان مع البرهان. وما ذكره ابن الجوزي عن عمر بن عبد العزيز: أنه كان يبرد البريد من الشام، يقول له: سَلِّم على رسول الله ﷺ . فالجواب عنه أولاً: بالمطالبة عن صحة الإسناد إلى عمر، والثاني: بأنه في إسناده ضعف وانقطاع.

стр. 144

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في مصنفاته، وفتاواه، ومناسكه: استحبابَ زيارة قبر النبي ﷺ على الوجه المشروع، ولم يذكر في ذلك نزاعاً بين العلماء، وإنما ذكر الخلاف بينهم في السفر لمجرد زيارة القبور، واختار المنع من ذلك كما هو مذهب مالك وغيره من أهل العلم، وهو الذي اختاره القاضي عياض، والجويني، فينبغي أن يعرف الفرق بين محل النزاع وغيره، ولا يخلط بعضه ببعض، ولا ريب أن الإنسان إذا أتى مسجد النبي ﷺ ، استحب له أن يفعل فيه ما يُشرع له من الصلاة والسلام على الرسول، والتسليم، والثناء عليه، فهذا هو المقصود من الزيارة الشرعية، والسفر إلى مسجده ﷺ للصلاة فيه، وما يتبع ذلك مستحبٌّ بالنص والإجماع. والسفر لمجرد زيارة القبر فيه نزاع، ومن سافر لمجرد قبر، فلم يزر زيارة شرعية، بل بدعية، فينبغي لمن أراد أن يعرف دين الإسلام أن يتأمل النصوص النبوية، ويعرف ما كان يفعله الصحابة والتابعون، وما قاله أئمة المسلمين ليعرف المجمَعَ عليه من المتنازَع فيه؛ فإن الزيارة فيها مسائل متعددة متنازَع فيها، ولكن لم يتنازعوا -فيما علمت- في استحباب السفر إلى مسجده، واستحباب الصلاة والسلام فيه، ونحو ذلك مما شرعه الله في مسجده، ولم يتنازع الأئمة الأربعة. والجمهور: في أن السفر إلى غير الثلاثة ليس بمستحب، لا لقبور الأنبياء والصالحين، ولا غير ذلك؛ فإن قول النبي ﷺ : "لا تشد الرحال. . . " حديث متفق على صحته، وعلى العمل به عند الأئمة المشهورين، وعلى أن السفر إلى زيارة القبور داخل فيه، فإما أن يكون نهياً، وإما أن يكون نفياً للاستحباب، وقد جاء في الصحيح بصيغة النهي صريحاً، فتعين أنه نهي، فهذان طرفان لا أعلم فيهما نزاعاً بين الأئمة الأربعة والجمهور، فتدبر. وتمام الكلام في مسألة الزيارة ومتعلقاتها مبسوط في "الصارم" في ذيل فصول هي للدين أصول.

стр. 145

٢ - فصل في آداب الزيارة وما يتصل بها قال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني -رحمه الله تعالى-: إذا دخل المدينة قبل الحج أو بعده، فإنه يأتي مسجد النبي ﷺ ، ويصلي فيه؛ فإن الصلاة فيه خيرٌ من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، ولا تشد الرحال إلا إليه، وإلى المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، هكذا ثبت في "الصحيحين من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد، وهو مروي من طرق أخرى، ومسجده ﷺ كان أصغر مما هو اليوم، وكذا المسجد الحرام، لكن زاد فيه الخلفاء الراشدون ومَنْ بعدهم، وحكمُ الزيادة حكم المزيد في جميع الأحكام، ثم يسلم على النبي ﷺ وصاحبيه؛ فإنه قد قال: "ما من رجل يسلِّم عليَّ، إلا رد الله عليَّ روحي حتى أردَّ ﵇" رواه أبو داود، وغيره. وكان عبد الله بن عمر إذا دخل المسجد يقول: السلامُ عليك يا رسولَ الله، السلامُ عليك يا أبا بكر، السلامُ عليك يا أبتِ، ثم ينصرف، هكذا كان الصحابة يسلِّمون عليه، وإذا قال في سلامه: السلامُ عليك يا نبيَّ الله، يا خيرةَ الله من خلقه، يا أكرمَ الخلقِ على ربه، يا إمامَ المتقين، فهذا كلُّه من صفاته، بأبي هو وأمي ﷺ ، وإذا صلى عليه مع السلام، فهذا مما أمر به، ويسلم عليهم مستقبلَ الحجرة، مستدبر القبلة عندَ أكثر العلماء؛ كمالك، والشافعي، وأحمد، وأما أَبو حنيفة، فإنه كان يستقبل القبلة، فمن أصحابه من قال: يستدبر الحجرة، ومنهم من قال: يجعلها عن يساره. واتفقوا على أنه لا يستلم الحجرةَ ولا يُقبلها، ولا يطوف بها، ولا يصلي إليها، ولا يدعو هناك مستقبلاً للحجرة، فإن هذا كله منهي عنه باتفاق الأئمة، ومالكٌ من أعظم الأئمة كراهةً لذلك، والحكاية المروية عنه: أنه أمر المنصور أن يستقبل الحجرة وقتَ الدعاء كذبٌ على مالك. ولا يقف عند القبر للدعاء لنفسه، فإن هذا بدعة، ولم يكن أحد من الصحابة يقف عنده يدعو لنفسه، ولكن كانوا يستقبلون القبلة، ويدعون في مسجده ﷺ .
следующие страницы →