الأول، فسد حجه، سواء كان قبل الوقوف بعرفة، أو بعده، وعليه بدنة، ويجب المضيُّ في الفاسد، والقضاءُ من قابِل، وإن كان تطوُّعاً، وإذا خرجا؛ أي أهلاَّ، يتفرقان حذراً عن مثل ما وقع في الأول، وإن جامع بين التحللين، لا يفسد حجه، وعليه الفديةُ، ولا قضاء عليه، وهي في قول: شاة، وفي قول: بدنة، انتهى.
قلت: ويُشرع التفرق، وقد حكاه في "البحر" عن علي ﵁ وابن عباس، وعثمان، وأكثر الفقهاء، واختلفوا هل هو واجب أم لا؟ فذهب مالك، وعطاء، والشافعي في أحد قوليه: إلى الوجوب، وذهب الشافعي في أحد قوليه: إلى الندب، وقال أبو حنيفة: لا يجب، ولا يندب.
قال الشوكاني: واعلم أنه ليس في الباب من المرفوع ما تقوم به الحجة إلا الموقوف، وهو ليس ممن يقبل المرسل، ولا رأى حجية أقوال الصحابة، فهو في سعة عن التزام هذه الأحكام، وله في ذلك سلف صالح؛ كداود الظاهري، انتهى.
٢٥ - فصل في صيد المُحْرِم
قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة: ٩٦] واختلف أهل العلم في تفسير الصيد، فقال في "الهداية": صيد البحر: ما يكون توالده ومثواه في البحر، وقال في "الأنوار": لا يحرم ما لا يعيش إلا في البحر، ويحرم الطائر الذي يغوص في الماء ويخرج؛ فإنه برّي، انتهى. ويحرم عليه صيدُ البر المأكولُ والمتولدُ من مأكول غيره، سواء كان مملوكاً، أو غير مملوك، ووحشياً، أم في أصله وحشي، ويحرم قتله وضربه وتنفيره، وإتلاف شيء من أجزائه أو جنينه أو فرخه أو بيضه، ويحرم إثباتُ اليد عليه، والإعانةُ على شيء من ذلك بقول أو فعل، أو إشارة أو إعارةِ آلة باتفاق الأربعة على جميع ذلك.
ويجب في ذلك الضمان، ولذلك يحرم عند الحنفية والمالكية: صيدُ الممتنع المتوحِّش بأصلِ الخلقة الذي ليس بمأكول، ولا له أصل مأكول، ولا يحرم
стр. 72
ذلك، ولا جزاء فيه عند الشافعية، ولا يأكل المحرم لحمَ صيد ذبحه قبل الإحرام، ويأكل لحم صيد اصطاده الحلال لا لأجله، ولا بإشارته. وقيل بتحريم الأل من الصيد على المحرِم مطلقاً، وبجوازه مطلقاً، وبه قال الكوفيون وطائفة من السلف.
قال الشوكاني: وكذا الحديثين يستلزم اطراحَ بعضِ الأحاديث الصحيحة بلا موجِب، والحقُّ ما ذهب إليه الجمهور من الجمع بين الأحاديث المختلفة، فقالوا: أحاديث القَبول محمولة على ما يصيده الحلال لنفسه، ثم يهدي منه للمحرم، وأحاديث الرد محمولة على ما صاده الحلال لأجل المحرم، ويؤيد هذا الجمعَ حديث جابر: أن النبي ﷺ قال: "صيد البر لكم حلال وأنتم حرم، ما لم تصيدوا، أو يصاد لكم" رواه الخمسة إلا ابن ماجه، قال الشافعي: هذا أحسن حديث روي في هذا الباب وأقيسُ، فهذا الحديث صريح في التفرقة بين أن يصيده المحرم، أو يصيد غيرُه له، وبين أن يصيده المحرم ولا يصاد له، بل يصيده الحلال لنفسه، ويطعمه المحرم، ومقيد لبقية الأحاديث المطلقة؛ كحديث الصَّعب، وطلحةَ، وأبي قتادة، ومخصِّص لعموم الآية المتقدمة، انتهى.
٢٦ - فصل في جزاء الصيد
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [المائدة: ٩٥] هذه الآية الكريمة أصل أصيل في وجوب الجزاء على من قتل صيداً وهو محرِم، ويكون الجزاء مماثلاً للمقتول، ويرجع في ذلك إلى حكم العدلين كما ذهب إليه مالك، وهو ظاهر الآية، وقيل: إنه لا يرجع إلى حكم العدلين إلا فيما لا مثلَ له، وأما فيما له مثل، فيرجع فيه إلى ما حكم به السلف، وإن لم يحكم فيه السلف رجع إلى ما حكم به عدلان. واختلفوا في أي شيء تُعتَبَرُ المماثلة؟ فقيل: في الشكل، أو الفعل، وقيل: في القيمة، وذهب إلى
стр. 73
الأول: الشافعيُّ، وإلى الثاني: أبو حنيفة، ولا مفهوم لقوله: متعمداً، فلا فرق عند الحنفية ولا الشافعية بين العامد والخاطىء والناسي للإحرام، واختلفت الروايات في الجراد يقتله المحرم، والصحيح: أن فيه فدية، قال أبو حنيفة: صدقة، وإن قلَّت، وقال الشافعي: القيمة، وفي الضبع يصيبه المحرم كبشٌ، رواه أهل السنن عن جابر مرفوعاً، وصححه البخاري، وعبد الحق، قال البيهقي: هو حديث جيد تقوم به الحجة.
٢٧ - فصل في قتل المؤذيات
يجوز للمحرم قتل الفواسق الخمس في الحِلِّ والحرم، ولا شيء عليه في قتلها، وهن: الغراب، والحِدَأَة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور؛ لحديث عائشة في "الصحيحين"، وفي مسلم من حديث ابن عمر زيادةٌ: الحية. وفي قتل الكلب الذي ليس بعقور ولا منفعةَ فيه خلافٌ، قيل: يكره، وقيل: يحرم، ولا يجوز قتلُ ما فيه منفعة من الكلاب، سواء كان أسود، أم غير أسود، وقاس الشافعي على هذه الأعيان الخمس: كلَّ حيوان لا يؤكل لحمه، فقال: لا فدية على من قتلها في الإحرام أو الحرم؛ لأن الحديث يشتمل على أعيان، بعضُها سباع ضارية، وبعضها هوام لا يدخل في معنى السباع، ولا هي من جملة الهوام، وإنما هو حيوان مستخبث، وتحريمُ الأكل يجمع الكل، فاعتبره.
وقالت الحنفية: لا جزاء بقتل ما ورد في الحديث، وقاسوا عليها الذئب، وقالوا في غيرها من الفهد والنمر والخنزير والأسد، وجميعِ ما يؤكل لحمه: عليه الجزاء بقتلها، إلا أن يبتدئه شيء منها، فيدفعه عن نفسه فيقتله، فَلا شيء عليه، وكذا في سباع الطير؛ كالبازي والصقر جزاءٌ عندهم، وليس عندهم شيء في قتل البرغوث، والبق، والزنبور، والبعوض، والقرادة، وإذا قرصته البراغيث أو القمل، فله إلقاؤها عنه لا قتلها, ولا شيء عليه، وأما التفلِّي بدون التأذي، فهو من الترفُّه، فلا يفعله، ولو فعله، فلا شيء عليه.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: ولأن يدفع ما يؤذيه من الآدميين والبهائم، حتى لو صال عليه أحد، ولم يندفع إلا بالقتال، قاتله، قال ﷺ : "من قاتل دون دينه،
стр. 74
فهو شهيد، ومن قاتل دون حرمته، فهو شهيد"، ويقع مثلُ ذلك مع أهل البدو كثيراً، لا سيّما في سفر المدينة المنورة في حال الإحرام.
٢٨ - فصل في حرم مكة المكرمة -زادها الله تعالى تعظيماً -
عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنه-، قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرام، لا يُعضد شجره وشوكه، ولا يُختلى خلاه، ولا يُنَفِّر صيدُه، ولا يلتقط لقطته إلا لمعرف"، قال العباس: إلا الإذخرَ، متفق عليه. قال ابن العربي: اتفقوا على تحريم قطع شجر الحرم، إلا أن الشافعي أجاز قطعَ الشوك من فروع الشجرة، وكذا أخذ الورق والثمر إذا كان لا يضرها ولا يهلكها، وعطاءٌ ومجاهدٌ وغيرهما أجازوا قطع الشوك؛ لكونه يؤدي بطبعه، فأشبه الفواسق، ومنعه الجمهور؛ لنهيه ﷺ ، قال الشوكاني: هذا القياس مصادم للنص، فهو فاسد الاعتبار، قال ابن قدامة: ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان، وانقطع من الشجر من غير صنع الآدمي، ولا بما يسقط من الورق، نص عليه أحمد، ولا يُعلم فيه اختلاف، انتهى.
وقال ابن تيمية: وله أن يقطع الشجر، لكن نفس الحرم لا يقطع شيئاً من شجره، وإن كان غير محرم، ولا من نباته إلا الإذخرَ، وأما ما غرسوه أو زرعوه، فهو لهم، وكذلك ما يبس من النبات يجوز أخذُه، انتهى. قال القرطبي: خص الفقهاء الشجر المنهي عنه بما ينبته الله تعالى من غير صنع آدمي، فأما ما ينبت بمعالجة آدمي، فاختلف فيه، فالجمهور على الجواز، وقال الشافعي: في الجميع الجزاء، ورجحه ابن قدامة، واختلفوا في جزاء ما قُطع من النوع الأول، فقال مالك: لا جزاء فيه، بل يأثم، وقال عطاء: يستغفر، وقال أبو حنيفة: بقيمة هدي.
وقال الشافعي: في العظيمة بقرة، وفيما دونها شاة، ومذهب الشافعية: أنه يجوز تسريح البهائم في حشيش الحرم للرعي، ويجوز أخذُه لعلف البهائم، ولا شيء فيه، ولو احتيج إلى شيء من نبات الحرم للدواء، جاز قطعه، ولا شيء عليه، ومذهب الحنفية: أنه يحرم قطع الحشيش الرطب وقلعُه، وأنه
стр. 75
لا يرعى، ويتعلق به القيمة إن فعل ذلك، واتفق الأربعة على إباحة قلع الإذخر.
وقد تقدم الكلام في حدود الحرم، فليرجع إليه.
والمرأة والرجل في جميع محرمات الإحرام سواء إلا ما سبق، والله تعالى أعلم.
٢٩ - فصل في حرم المدينة المنورة -زاد الله شرفها -
عن علي -رضي الله تعالى عنه- مرفوعاً في المدينة: "لا يُختلى خلاها، ولا يُنفر صيدُها, ولا يلتقط لقطتها إلا من أنشدها, ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال، ولا يصلح أن يقطع فيها شجراً إلا أن يعلفَ رجلٌ بعيره" رواه أحمد. وعنه، عن النبي ﷺ : "المدينة حرام ما بين عَير إلى ثور" متفق عليه.
وعن أبي هريرة، قال حَرَّمَ رسولُ الله ﷺ ما بين لابَتَي المدينة، وجعل اثنى عشر ميلاً حول المدينة حِمًى. متفق عليه. وعن سعد، قال، قال رسول الله ﷺ : "إني أحرم ما بين لابَتَي المدينة؛ أن يُقطع عضاهُها، أو يُقتل صيدُها" رواه مسلم. استدل بهذا على تحريم شجرها، وخبطه، وعضده، وتحريم صيدها، وتنفيره، والشافعي، ومالك، وأحمد، وجمهور أهل العلم على: أن للمدينة حرماً كحرم مكة، يحرم صيدُه وشجره.
قال الشافعي ومالك: فإن قتل صيداً، أو قطع شجراً، فلا ضمان؛ لأنه ليس بمحل النسك، فأشبه الحمى، وقال ابن أبي ذئب، وابن أبي ليلى: يجب فيه الجزاء كحرم مكة، وبه قال بعض المالكية، وهو ظاهر، وذهب أبو حنيفة، وزيدُ بن علي إلى أن حرم المدينة ليس بحرم على الحقيقة، ولا يثبت له الأحكام من تحريم قتل الصيد وقطع الشجر، والأحاديثُ تردُّ عليهم، واستدلوا بحديث: "يا أبا عمير! ما فعل النغير؟ "، وأجيب عنه بأن ذلك قبل تحريم المدينة، أو أنه من صيد الحِل، نعم يجوز أخذُ الأشجار للعلف لا لغيره، فإنه لا يحل كما سلف.
قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: حرم المدينة ما بين لابَتَيها، واللابة: هي
стр. 76
الحَرَّة، وهي الأرض التي فيها حجارة سودٌ، وهو بريد، والبريدُ أربعة فراسخ، وهو من عَيْر إلى ثور، وعَيْر: جبل عند الميقات يشبه العيرَ، وهو الحمار، وثور: جبل في ناحية أحد، وهو غير جبل ثور الذي بمكة، فهذا الحرم لا يُصطاد صيده، ولا يُقطع شجره، إلا لحاجة؛ كآلة الركوب والحرث، وليس في الدنيا حرمٌ لا بيتُ المقدس ولا غيره إلا هذان الحرمان، ولا يسمى غيرهما حرماً كما يسمي الجهال، فيقولون: حرم القدس، وحرم الخليل؛ فإن هذين وغيرهما ليس بحرم باتفاق المسلمين، والحرم المجمع عليه: حرم مكة، وأما المدينة، فلها حرم أيضاً عند الجمهور، كما استفاضت بذلك الأحاديث عن النبي ﷺ .
٣٠ - فصل في حرم وَجّ
عن الزبير: أن النبي ﷺ قال: "إن صيدَ وَجٍّ وعضاهَه حرمٌ محرَّم لله " رواه أحمد، وأبو داود، والبخاري في "تاريخه"، ولفظه: "إن صيدَ وجٍّ حرام"، قال البخاري: ولا يُتابع عليه، وسكت عنه أبو داود، وحسنه المنذري، وسكت عنه عبد الحق أيضاً، وذكر الذهبي أن الشافعي صححه، وذكر الخلال أن أحمد ضعفه. ووَجٌّ -بفتح الواو وتشديد الجيم-، قال ابن رسلان: هو أرض بالطائف عند أهل اللغة، وقال أصحابنا: هو وادٍ بالطائف، وقيل: كل الطائف، انتهى.
وقال الحازمي "في المؤتلف والمختلف" في الأماكن: وَجٌّ: اسم لحصون الطائف، وقيل: لواحد منها. والعضاه: كل شجر يعظم وله شوك، والحديث يدل على تحريم صيد وج وشجره. قال ابن تيمية: ولم يتنازع المسلمون في حرم ثالث إلا في وَجّ، وهو عند بعضهم حرم، وعند الجمهور ليس بحرم، انتهى.
قلت: وقد ذهب إلى كراهية صيده وشجره الشافعيُّ، قال في "البحر" بعد أن ذكر هذا الحديث: إن صح، فالقياسُ التحريمُ، لكنْ منع منه الإجماع، انتهى.
قال الشوكاني: وفي دعوى الإجماع نظر؛ فإنه قد جزم جمهور أصحاب الشافعي بالتحريم، قال الخطابي: ولست أعلم لتحريمه معنى، إلا أن يكون ذلك على سبيل الحمى لنوع من منافع المسلمين، وقد يحتمل أن ذلك التحريم
стр. 77
إنما كان في وقت معلوم إلى مدة محصورة، ثم نسخ، قال أبو داود في "السنن": وكان ذلك -يعني: تحريم وج- قبل نزوله ﷺ بالطائف، وحصارِه ثقيفاً، انتهى. والظاهر من الحديث تأبيدُ التحريم، ومن ادعى النسخَ، فعليه الدليل؛ لأن الأصل عدمه، وأما ضمانُ صيده وشجره على حد ضمان الحرم المكي، فموقوف على ورود دليل يدل على ذلك؛ لأن الأصل براءة الذمة، ولا ملازمة بين التحريم والضمان، انتهى كلامه.
٣١ - فصل في التفاضل بين مكة والمدينة
عن عبد الله بن عدي: أنه سمع رسولَ الله ﷺ يقول: "والله! إنك لخيرُ أرض الله، وأحبُّ أرض الله إليّ، ولولا أني أُخرجت، ما خرجت منك" رواه أحمد، وابن ماجه، والترمذي، وصححه، وبذلك استدل من قال: إنها أفضل من المدينة. قال القاضي عياض: اختلفوا في أفضلهما، فقال أهل مكة، والكوفة، والشافعي، وابن وهب، وابن حبيب المالكيان: إن مكة أفضل، وإليه مال الجمهور، وذهب عمر وبعض أصحابه، ومالك، وأكثر المدنيين: إلى أن المدينة أفضل، واستدل الأولون بالحديث المذكور، وقد أخرجه أيضاً ابن خزيمة، وابن حبان، وغيرهما.
وقال ابن عبد البر: هذا نص في محل الخلاف، فلا ينبغي العدولُ عنه، وقد ادعى القاضي عياض الاتفاق على استثناء البقعة التي قُبر فيها رسول الله ﷺ ، وعلى أنها أفضل البقاع.
قلت: ولم أقف على دليل يؤيد هذا الاتفاق، ولا أدري من أين أتوا به، وقد استدل القائلون بأفضلية المدينة بأدلة: منها: حديث: "ما بين بيتي ومنبري روضةٌ من رياض الجنة" كما في البخاري وغيره، ومنها: حديث: "اللهم إنهم أخرجوني من أحبِّ البلاد إليّ، فأَسكني في أحبِّ البلاد إليك" أخرجه الحاكم في "المستدرك"، إلى غير ذلك. قال الشوكاني بعدما ذكر استدلال الفريقين بالبسط: اعلم أن الاستيعاب ببيان الفاضل من هذين الموضعين الشريفين، كالاشتغال ببيان الأفضل من القرآن الكريم والنبي ﷺ ، والكلُّ من فضول الكلام
стр. 78
الذي لا يتعلق به فائدةٌ غير الجدال والخصام، وقد أفضى النزاع في ذلك وأشباهه إلى فتن، وتلفيقِ حجج واهية؛ كاستدلال المهلَّب على أفضلية المدينة؛ بأنها هي التي أدخلت مكة وغيرها من القرى في الإسلام، فصار الجميع في صحائف أهلها وبأنها تنفي الخبيث، كما ثبت في الحديث الصحيح.
وأجيب عن الأول: بأن أهل المدينة الذين فتحوا مكة معظمهم من أهل مكة، فالفضل ثابتٌ للفريقين، ولا يلزم من ذلك تفضيلُ إحدى البقعتين على الأخرى.
وعن الثاني: بأن ذلك إنما هو في خاص من الناس ومن الزمان؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١] , والمنافق خبيث بلا شك.
وقد خرج من المدينة بعد النبي ﷺ : معاذ، وأبو عبيدة، وابن مسعود، وطائفة، ثم علي ﵁، وطلحة، والزبير، وعمار، وآخرون، وهم من أطيب الخلق، فدل على أن المراد بالحديث تخصيصُ ناس دون ناس، ووقتٍ دون وقت، على أنه إنما يدل ذلك على أنها فضيلة، لا أنها فاضلة، انتهى كلامه.
وما أحقَّه بالسمع والقبول؛ لأنك إن أردت قحَّ السنة واتباعها، فهي تركُ الخوض في أمثال ذلك [من] الأمور، وبالله التوفيق.
* * *
стр. 79
الباب الرابع
في مقاصد الحج من حين الإحرام إلى الرجوع عنه
وفيه فصول:
١ - فصل في آداب الإحرام
وهي ستة:
١ - الأول: إذا انتهى إلى الميقات المشهور الذي يُحرم الناسُ منه: يغتسل، وينوي به غسل الإحرام، ويتأهب للإحرام بحلق العانة، وتنظيف الإبط، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، وتسريح اللحية، وحلق الرأس لمن اعتاده من الرجال، ويقدم هذه الأمور على الغسل، وليس هذا من خصائص الإحرام، ولم يكن له ذكر فيما نقله الصحابة، لكنه يشرع بحسب الحاجة كما يشرع لمصلي الجمعة والعيد على هذا الوجه، وتغتسل له الحائض والنفساء باتفاق الأربعة؛ لحديث ابنِ عباس مرفوعاً: "إن النفساء والحائض تغتسل وتُحرم وتقضي المناسك كلَّها غير أَنْ لا تطوف بالبيت" رواه أبو داود، والترمذي.
٢ - الثاني: أن يتجرد الرجل والصبي عن الثياب المَخيطة وكلِّ ما يحرُم لبسه، ويلبس ثوبي الإحرام، والأفضلُ أن يكونا أبيضين، باتفاق الأربعة، فالأبيض أحبُّ الثياب إلى الله ، وأن يكونا جديدين عند الشافعية والحنفية، ولا فرق عند المالكية بين الجديد والغسيل، وقال الحنابلة: يستحب أن يكونا نظيفين، إما جديدين، وإما غسيلين، ويجوز أن يحرم في جميع أجناس الثياب المباحة من القطن والكتان والصوف.
والسنة: أن يُحرم في إزار ورداء، سواء كانا مَخيطين، أو غير مخيطين باتفاق الأئمة، ولو أحرم في غيرهما، جاز إن كان مما يجوز لبسه، وإن كان ملوناً،
стр. 80
والأفضلُ أن يحرم في نعلين إن تيسر، والنعل هي التي يقال لها: القاسومة، فإن لم يجد نعلين، لبس خفين، ويجوز عند الحنفية لبس الرموزة، والجمجم؛ خلافاً للثلاثة، والتجرد من اللباس واجبٌ في الإحرام ليسَ شرطاً فيه، فلو أحرم وعليه ثيابه، صح ذلك بسنة رسول الله ﷺ ، وباتفاق أئمة أهل العلم، وعليه أن ينزع اللباس المحظور.
٣ - الثالث: أن يتطيب في ثيابه وبدنه عند الشافعية والحنفية والحنابلة؛ خلافاً للمالكية، ولا بأس بطيب يبقى جرمُه بعد الإحرام، فقد رُئِي وبيص المسك على مفرق رسول الله ﷺ بعدَ الإحرام مما كان استعمله قبل الإحرام، وهو في حديث عائشة عند أبي داود، والترمذي، قال في "الفتح": وهو قول الجمهور، وقد تقدم الكلام في هذا.
٤ - والرابع: أن يصلي ركعتي الإحرام إن لم يكن وقت الكراهة، والأفضل عند الحنفية والحنابلة أن يحرم عقب الصلاة، إما فرضاً، وإما تطوعاً إن كان وقت تطوع في أحد القولين، وفي الآخر: إن كان يصلي فرضاً، أم عقبه، وإلا، فليس للإحرام صلاة تخصه، وهذا أرجح.
٥ - الخامس: أن يصبر بعد لبس الثياب حتى تنبعث به راحلته إن كان راكباً, أو يبدأ بالسير إن كان راجلاً، فعند ذلك ينوي الإحرام بالحج أو بالعمرة، قِراناً أو إفراداً أو تمتعاً كما أراد، ويكفي مجردُ النية لانعقاد الإحرام، ولا يكون المحرم محرماً بمجرد ما في قلبه من قصد الحج ونيته؛ فإن القصد ما زال في القلب منذ خرج من بلده، بل لا بد من قول أو عمل يصير به محرِماً، وهذا هو الصحيح من القولين، والسنة: أن يقرن بالنية لفظ التلبية، وينبغي ألا يتكلم إلا بما يعنيه، كان شريح إذا أحرم كأنه الصخرة الصماء، ويستحب عند المالكية: ألا يذكر بلسانه ما أحرم به، خلافاً للثلاثة؛ فإنهم استحبوا ذلك، ويستحب عند الشافعية والحنفية والحنابلة: أن يصلي على النبي ﷺ عقب التلبية، ويسأل اللهَ رضوانَه والجنةَ، ويستعيذ به من النار، رواه الشافعي والدارقطني من حديث خزيمة بن ثابت عن النبي ﷺ .
стр. 81
٦ - السادس: يُستحب تجديدُ التلبية وإكثارُها في الجملة باتفاق الأربعة في دوام الإحرام، خصوصاً عند اصطدام الرفاق، واجتماع الناس، وعند كل صعود وهبوط، وعند كل ركوب ونزول، ويلبي عند طلوع الشمس وغروبها، وأدبار الصلوات وإذا سمع ملبياً، وإذا أقبل الليل والنهار، وكذلك إذا فعل ما نُهي عنه رافعاً بها صوته بحيث لا يبح حلقه ولا يبهز؛ فإنه لا ينادي أصمَّ ولا غائباً، ولا بأس بها في المسجد الحرام، ومسجد الخيف، ومسجد الميقات؛ فإنها مَظِنَّة المناسك، وأما سائر المساجد، فلا بأس فيها بالتلبية من رفع صوت. عن السائب بن خلاد، قال: قال رسول الله ﷺ : "أتاني جبريل، فأمرني أن آمرَ أمتي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال والتلبية" رواه الخمسة، وصححه الترمذي. قال المحلِّي: والمرأة لا ترفع صوتها، بل تقتصر على إسماع نفسها، فإن رفعت، كره، انتهى.
وفي الحديث: أن رسول الله ﷺ قال: "ما أضحى مؤمنٌ يلبي حتى تغرب الشمس إلا غابتْ ذنوبُه حتى يعود كما ولدته أُمه" ذكره العز بن جماعة، وكان ﷺ إذا أعجبه شيء، قال: "لبيك، إن العيش عيش الآخرة".
٧ - السابع: في التلبية وصفتها: عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنه-: أن النبيَّ ﷺ كان إذا استوت به راحلته قائمة عند مسجد ذي الحليفة، أهلَّ، فقال: "لبيك اللهمَّ لبيك، لبيك لا شريكَ لكَ لبيك، إن الحمدَ والنعمةَ لكَ، والملكَ، لا شريك لك".
وكان عبد الله بن عمر يزيد مع هذا: لبيك لبيك وسعديك، والخيرُ بيديك، والرغباءُ إليك والعمل، متفق عليه. فهذه صفة التلبية، ومعناه: إجابةً بعد إجابة، أو إجابةً لازمةً.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إجابة دعوة الله حين دعاهم إلى حج بيته على لسان خليله، والملبي هو المستسلم المنقاد لغيره، كما ينقاد الذي لُبِّبَ وأُخذ تلبيبُه، والمعنى: إنا مجيبون لدعوتك، مستسلمون لحكمك، مطيعون لأمرك، مرة بعد مرة دائماً لا نزال على ذلك، والتلبيةُ شعارُ الحج، فأفضلُ الحج: العَجُّ والثجُّ، فالعجُّ: رفعُ الصوت بالتلبية، والثجُّ: إراقة دم الهدي، انتهى.
стр. 82
قلت: أجمع المسلمون على تلك التلبية، غير أن قوماً قالوا: لا بأس أن يزيد فيها من ذكر الله تعالى ما أحبَّ، وهو قول محمد، والثوري، والأوزاعي، وخالفهم آخرون، فقالوا: لا ينبغي أن يُزاد على ما علمه رسول الله ﷺ ، وبجواز الزيادة قال الجمهور، وحكى ابن عبد البر عن مالك: الكراهةَ، وهو أحد قولي الشافعي، وكان الصحابة يزيدونها، ورسولُ الله ﷺ يسمعهم، فلا ينهاهم، ولا ينكر عليهم، وكان هو يداوم على تلبيته. ويلبي من حين يحرم، سواء ركب دابته، أم لا، وإن أحرم بعد ذلك، جاز.
واختلف في حكم التلبية، فقال الشافعي، وأحمد: إنها سنة، وقال أبو هريرة: واجبة، وحكاه ابن قدامة عن بعض المالكية، والخطابي عن مالك وأبي حنيفة، واختلف هؤلاء في وجوب الدم لتركها، قال ابن شاش من المالكية، وصاحب "الهداية" من الحنفية: إنها واجبة، يقوم مقامها فعلٌ يتعلق بالحج؛ كالتوجه إلى الطريق، وحكى ابن عبد البر عن الثوري، وأبي حنيفة، وابن حبيب من المالكية، والزبيري من الشافعية، وأهل الظاهر: أنها ركن في الإحرام، لا ينعقد بدونها، وأخرج ابن سعد عن عطاء بإسناد صحيح: أنها فرض، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر، وطاوس وعكرمة.
٢ - فصل في قطع التلبية
عن الفضل بن عباس -رضي الله تعالى عنهما-، قال: كنت رَديفَ رسول الله ﷺ من جَمْعٍ إلى مِنى، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، رواه الجماعة، وفي هذا دليل على أن التلبية تستمر إلى رمي جمرة العقبة، وإليه ذهب الجمهور، وقالت طائفة: يقطع المحرم التلبية إذا دخل الحرم، وهو مذهب ابن عمر، لكن يعاود التلبية إذا خرج من مكة إلى عرفة، وقالت طائفة: يقطعها إذا راح إلى الموقف. رواه ابن المنذر، وسعيد بن منصور بأسانيد صحيحة عن عائشة، وسعد بن أبي وقاص، وعلي، وبه قال مالك، وقيده بزوال الشمس يوم عرفة، وهو قول الأوزاعي، والليث، وعن الحسن البصري مثله، لكن قال: إذا صلى الغداة يوم عرفة.
стр. 83
واختلف الأولون: هل يقطع التلبية مع رمي أول حصاة، أو عند تمام الرمي؟ فذهب جمهورهم إلى الأول، وإلى الثاني أحمدُ، وبعض أصحاب الشافعي، ويدل لهم حديث فضل، قال: أفضتُ مع النبي ﷺ من عرفات، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة. ويكبر مع كل حصاة، ثم يقطع التلبية مع آخر حصاة، قال ابن خزيمة: هذا حديث صحيح مفسر لما أُبهم في الروايات الآخر، وإن المراد حتى رمى جمرة العقبة التي أتم رميها.
قال الشوكاني: والأمر كما قال ابن خزيمة؛ فإن هذه زيادة مقبولة خارجة مخرج الصحيح، غير منافية للمزيد، وقبولُها، متفق عليه كما تقرر في الأصول، وعن ابن عباس مرفوعاً: أنه كان يُمسك عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر، رواه الترمذي وصححه. وعن ابن عباس، عن النبي ﷺ ، قال: "يلبي المعتمر حتى يستلم الحجرَ" رواه أبو داود.
وقلت: ظاهره أنه يلبي في حال دخوله المسجد، وبعد رؤية البيت، وفي حال مشيه حتى يشرع في الاستلام، ويستثنى منه الأوقات التي فيها دعاء مخصوص. وقد ذهب إلى ما دل عليه الحديث من ترك التلبية عند الشروع في الاستلام: أبو حنيفة، والشافعي في الجديد، وقال في القديم: يلبي، ولكنه يخفض صوته، وهو قول ابن عباس، وأحمد.
٣ - فصل في آداب دخول مكة
وهي سبعة:
١ - الأول: استحب بعض السلف أن يقول عند الدخول في أول الحرم وهو خارجَ مكة -شرفها الله تعالى وعظمها-: "اللهمَّ هذا حرمُك وأمنُك، فحرِّمْ لحمي ودمي وبَشَري على النار، وآمِنِّي عذابَك يوم تبعثُ عبادَك، واجعلني من أوليائك وأهلِ طاعتك". ويروى: أن في زمن الطوفان لم يأكل كبارُ الحيتان صغارَها في الحرَم؛ تعظيما له، فينبغي للإنسان أن يسلك في ذلك المحل الشريف غايةَ الأدب مع الله تعالى في حركاته وسكناته، ويرجو من فضل الله تعالى أُمنياته؛ فإن المحل عظيم، والمقام كريم. قلت: ولم يرد بذلك الأدب نص.
стр. 84
٢ - الثاني: أن يغتسل بذي طوى؛ لأن النبي ﷺ كان يبيت بها، ويغتسل لدخول مكة، قالت الشافعية، والحنفية، والحنابلة: يستحب الغسلُ لمن دخل مكة وهو محرِم، حتى للحائض والنفساء، وعند المالكية: إنه مسنون لغير الحائض.
قلت: فمن تيسر له المبيت بها، والاغتسال فيها، وإلا، فلا شيء عليه من ذلك.
٣ - الثالث: أن يدخل من ثنية كَداء من أعلى مكة باتفاق الأربعة، إلا أن المالكية قالوا: يستحب لمن أتى من طريق المدينة، وفي حديث ابن عمر -رضي الله تعالى عنه-: كان النبي ﷺ إذا دخل مكة، دخل من الثنية العليا التي بالبطحاء، وإذا خرج، خرج من الثنية السفلى، رواه الجماعة إلا الترمذي، وفي الباب عن عائشة عند الشيخين، وأبي داود.
٤ - الرابع: أن يدخلها نهاراً، باتفاقهم، وذلك أفضل، ولو دخل ليلاً، جاز؛ كدخولها راكباً وماشياً، وصحح النووي أن دخولها ماشياً أفضل.
٥ - الخامس: أن يدخل مكة والمسجد من جميع الجوانب، لكن الأفضل أن يأتي من وجه الكعبة اقتداء بالنبي ﷺ ، فإنه دخلها من وجهه من الناحية العليا التي فيها اليوم باب المعلات، ولم يكن على عهد النبي ﷺ لمكة ولا للمدينة سور، ولا أبواب مبنية، ودخل المسجد من الباب الأعظم الذي يقال له: باب بني شيبة، وهذا أقرب الطريق إلى الحجر، ولم يكن قديماً بناء يعلو البيت، ولا كان بين الصفا والمروة والمشعر الحرام، ولا كان بمنى ولا عرفات مسجدٌ، ولا عند الجمرات، بل كل هذه محدثة بعد الخلفاء الراشدين، ومنها ما أحدث بعد ذلك، فقد كان البيت يُرى قبل دخول المسجد.
٦ - السادس: إذا دخل مكة، ووقع بصره على البيت، فليقل: لا إله إلا الله، اللهُ أكبر، اللهمَّ زدْ هذا البيتَ تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابة، وزِدْ مَنْ شرَّفه وكرَّمه ممَّن حجَّه أو اعتمر تشريفاً وتكريماً وتعظيماً وبِرّاً، اللهمَّ افتح لي أبواب رحمتك، وأدخلني جنتك، وأعِذْني من الشيطان الرجيم، ثم يدعو بما
стр. 85
شاء من خيري الدنيا والآخرة، ويستحب عند الشافعية: إذا رأى البيت أن يرفع يديه بباطن كفيه كما يرفعهما للدعاء، ولا يشير بيده ولا بالسبابة إلى البيت كما يفعله بعض العوام؛ فإن ذلك بدعة، وبه قال الحنابلة، وعند الحنفية: لا يرفع يديه عند رؤية البيت، وبه قال مالك، واستدلوا بحديث ابن جريج: أن النبي ﷺ كان إذا رأى البيت، رفع يديه، وقال: "اللهمَّ زِدْ. . . إلخ" رواه الشافعي في "مسنده"، وقال: ليس في هذا شيء، فلا أكرهه، ولا استحبه. قال البيهقي: فكأنه لم يعتمد على الحديث؛ لانقطاعه، وعن جابر: وسئل عن الرجل يرى البيتَ يرفع يديه، فقال: لقد حججنا مع رسول الله ﷺ ، فلم يكن يفعله، رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي، وسنده ضعيف، وفيه مقال.
والحاصل: أنه ليس في الباب ما يدل على مشروعية رفع اليدين عند رؤية البيت، وهو حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل.
٧ - السابع: إذا دخل المسجد، بدأ الطواف؛ لأن النبي ﷺ لما دخل، بدأ به، ولم يصلِّ قبل ذلك تحيةَ المسجد، ولا غير ذلك، بل تحية المسجد الحرام هو الطواف بالبيت، فله ألا يعرج على شيء دون الطواف، إلا أن يجد الناس في المكتوبة، فيصلي معهم ثم يطوف.
٤ - فصل في آداب الطواف
إذا أراد افتتاح الطواف؛ إما للقدوم، وإما لغيره، فينبغي أن يراعي أموراً.
الأول: الطهارة، وفي وجوبها في المطاف نزاع بين العلماء؛ فإنه لم ينقل أحدٌ عن النبي ﷺ أنه أمر بالطهارة للطواف، ولا نهى المحدِثَ أن يطوف، ولكنه طاف طاهراً، وثبت عنه ﷺ أنه نهى الحائض عن الطواف، وقد قال ﷺ : "مفتاح الصلاة: الطهور، وتحريمها: التكبير، وتحليلها: التسليم"، فالصلاة التي أوجب لها الطهارة، ما كان يفتتح بالتكبير، ويختتم بالتسليم، كالصلاة التي فيها ركوع وسجود، كصلاة الجنازة، وسجدتي السهو، وأما الطواف وسجود التلاوة فليس من هذا.
والاعتكافُ: يُشترط له المسجد، ولا يشترط له الطهارة بالاتفاق،
стр. 86
والمعتكفة الحائض: تُنهى عن اللبث في المسجد مع الحيض، وإن كانت تلبث في المسجد وهي محدثة، ولم ير حماد ومنصور بأساً في طواف البيت وهو غير متوضىء، واختلفت الرواية عن أحمد في اشتراط الطهارة فيه، ووجوبها، كما هو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة، لكن لا يختلف مذهب أبي حنيفة أنها ليست بشرط، ومن كان به نجاسة ولا يمكن إزالتها؛ كالاستحاضة، ومَنْ به سلس البول، فإنه يطوف، ولا شيء عليه باتفاق الأئمة، وكذلك الحائض إذا لم يمكنها طواف الفرض، إلا حائضاً بحيث لا يمكنها التأخر بمكة، جاز، وفي أحد قولي العلماء الذين يوجبون الطهارة على الطائف: إذا طاف الحائض، والجنب، أو المحدث، أو حامل النجاسة مطلقاً، أجزأه الطواف، وعليه دم، إما شاة، وإما بدنة مع الحيض والجنابة، وشاة مع الحدث الأصغر، ومنع الحائض من الطواف قد يُعلل بأنه يشبه الصلاة، وقد يُعلل بأنها ممنوعة من الحدث كما تمنع من الاعتكاف، كما قال لإبراهيم ﵇: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦]، فأمر بتطهيره لهذه العبادات، فمنعت من دخوله.
وقد أجمع العلماء على أنه لا يجب للطواف؛ ما يجب للصلاة من تحريم وتحليل وقراءة وغير ذلك، ولا يبطله الأكل والشرب والكلام وغيرُ ذلك، ولهذا كان يقتضي تعليل مَنْ منعَ الحائضَ لحرمة المسجد: أنه لا يرى الطهارة شرطاً، بل مقتضى قوله أنه يجوز لها دخول المسجد عند الحاجة، وقد أمر الله تعالى بتطهيره للطائفين والعاكفين والركع السجود، والعاكف فيه يُشترط له الطهارة من الحدث الأصغر باتفاق المسلمين، ولو اضطرت العاكفة الحائض إلى لبثها فيه للحاجة، جاز ذلك، وأما الركَّع السجود: فهم المصلون، والطهارة شرط للصلاة باتفاقهم، والحائض لا تصلي، لا قضاء، ولا أداء، بقي الطائف، هل يلتحق بالعاكف، أو بالمصلي، أو يكون قسماً ثالثاً بينهما؟ هذا محل نزاع، وقولهم: الطواف بالبيت صلاة، لم يثبت عن النبي ﷺ ، بل ثبت عن ابن عباس، وإن روي مرفوعاً.
стр. 87
ونقل بعض الفقهاء عنه -رضي الله تعالى عنه-: أنه قال: إذا طاف بالبيت وهو جنب، عليه دم، ولا ريب أن المراد بذلك أنه يشبه الصلاة من بعض الوجوه، وليس المراد: أنه نوع من الصلاة التي تشترط لها الطهارة، وهذا كقوله: إذا أتى أحدكم المسجد، فلا يُشَبكنَّ بين أصابعه؛ فإنه في صلاة، ما كانت الصلاةُ تحبسُه وما دام ينتظر الصلاة، وما كان يعمد إلى الصلاة، ونحو ذلك، فلا يجوز لحائض أن تطوف إلا طاهرة إذا أمكنها ذلك باتفاق العلماء، ولو قدمت المرأة حائضاً، ولم تطف بالبيت، لكن تقف بعرفة، وتفعل سائر المناسك، وإن اضطرت إلى الطواف، فطافت، أجزأها على الصحيح من قول العلماء، وعن عائشة: أن أول شيء بدأ به النبي ﷺ حين قدم مكة: أنه توضأ، ثم طاف بالبيت، متفق عليه.
٢ - الثاني: ستر العورة؛ لحديث أبي بكر، قال: لا يطوف بالبيت عُريان، رواه الشيخان، وفيه دليل على وجوب سترها حال الطواف، واختلف هل الستر شرط لصحة الطواف أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه شرط، وذهب الحنفية إلى أنه ليس بشرط، فمن طاف عرياناً، أعاد ما دام بمكة، وإن خرج، لزمه دم.
٣ - الثالث: الاضطباع، وهو مستحب عند الجمهور، سوى مالك، وقال الشافعية: هو في طواف ليس فيه الرمَل، وعند الحنفية: مستحب، أو سنة في جميع طواف القدوم، وطواف العمرة خاصة، وعند الشافعية: يستديم الاضطباع إلى آخر السعي إلا في ركعتي الطواف، وعند الحنفية والحنابلة: أنه في الطواف خاصة، ولا يشرع عند المالكية الاضطباعُ في الطواف، ولا في غيره، والحديث يردُّ عليهم، وكأنه لم يبلغهم.
والاضطباع: أن يجعل وسطَ ردائه تحت إبطه اليمنى، يجمع طرفيه على منكبه الأيسر، فيرخي طرفاً وراء ظهره، وطرفاً على صدره بالاتفاق.
٤ - الرابع: أن يَرْمُل في ثلاثة أشواط، ويمشي في الأربعة الآخر على الهيئة المعتادة؛ لحديث جابر: أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة: أتى الحَجَر فاستلمه، ثم مشى على يمينه، فرمل ثلاثاً، ومشى أربعاً، رواه مسلم، والنسائي، ولم
стр. 88
يقل: نويت طوافي لكذا, ولا أفتتحه بالتكبير كما يفعله كثير ممن لا علم عنده، وذلك من البِدَع المنكَرة.
ومعنى الرمَل: الإسراع في المشي مع تقارب الخطا، وهو دون العَدْو وفوقَ المشي المعتاد، ولا يعدو كما يفعل العوام؛ فإن ذلك مكروه، والمقصودُ منه ومن الاضطباع: إظهارُ الشطارة والجلادة والقوة، هكذا كان القصد أولاً؛ قطعاً لطمع الكفار، وبقيت تلك السنة، والأفضل الرمَلُ مع الدنو من البيت، فإن لم يمكنه من الزحمة، فالرمَلُ مع البعد أفضل، فليخرج إلى حاشية المطاف، وليرمُل ثلاثاً، ثم ليقرب إلى البيت في المزدحم، وليمش أربعاً، وإن أمكنه استلامُ الحجر في كل شوط، فهو الأحب، وإن منعته الزحمة، أشار باليد، وقَبَّل يَده.
٥ - الخامس: ألا يطوف في جورب ونحوه، ومن طاف فيه وفي نحوه لئلا يطأ نجاسة من خُرْ الحمام، أو غطى يده لئلا يمسَّ امرأة ونحو ذلك، فقد خالف السنة؛ فإن النبي ﷺ والصحابة والتابعين ما زالوا يطوفون بالبيت، وما زال الحمام بمكة، والاحتياط حسن ما لم يُفْضِ بصاحبه إلى مخالفة السنة المعلومة، فإذا أفضى إلى ذلك، كان خطأ، وكما أن القول الذي تيقن مخالفتها خطأ، كذلك قول من قال: إنه كان يخلع نعليه في الصلاة المكتوبة، وصلاة الجنازة؛ خوفاً من أن يكون فيها نجاسة خطأ مخالف السنة؛ فإن النبي ﷺ كان يصلي في نعليه، وقال: "إن اليهود لا يصلون في نعالهم، فخالفوهم" وقال: "إذا أتى أحدُكم المسجدَ، فلينظر في نعليه، فإن كان بهما أذًى، فليدْلُكْهما بالتراب؛ فإن التراب لها طهور"، وكما يجوز أن يصلي في نعليه، كذلك يجوز أن يطوف في نعليه.
٦ - السادس: ألا يستلم من الأركان إلا اليمانيين؛ لحديث ابن عمر، قال: لم أر النبي ﷺ يمسُّ من الأركان إلا اليمانيين، رواه الجماعة إلا الترمذي، لكن له معناه من رواية ابن عباس، وعنه: كان لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحَجَر في كل طوافه، رواه أحمد، وأبو داود. وإنما اقتصر على استلام هذين الركنين
стр. 89
لأنهما على قواعد إبراهيم ﵇، دون الشاميين، فعلى هذا يكون للركن الأول فضيلتان: كونه الحجر الأسود، وكونه على قواعد إبراهيم ﵇، وللثاني الثانية فقط، وليس للآخرين شيء منهما، فكذلك يقبل الأول، ويستلم الثاني، ولا يُقَبَّل الآخران، ولا يُستلمان على رأي الجمهور.
٧ - السابع: يُستحب أن يقبل الحجرَ الأسود، وإليه ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين وسائر العلماء، والتقبيلُ بالفم، والاستلامُ المسحُ باليد، فإن لم يستطع التقبيل، ولم يمكن استلامُه، وقف في مقابلته، وقَبَّل يديه، وإلا، أشار إليه. عن أبي الطفيل عامر ابن واثلة، قال: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت، ويستلم الحجر بمِحْجَن معه، ويقبل المحجنَ، رواه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه. وعن مالك: لا يقبل يده، وبه قال القاسم بن محمد بن أبي بكر، وفي رواية عند المالكية: يضع يده على فمه من غير تقبيل، والحديث والآثار ترد عليه.
قال الشوكاني: وقد استنبط بعضهم من مشروعية تقبيل الحجر، وكذلك تقبيل المِحْجن: جواز تقبيل كلِّ من يستحق التعظيم من آدمي وغيره، وقد نقل الإِمام أحمد: أنه سئل عن تقبيل منبر النبي ﷺ ، واستبعد بعضُ أصحابه صحةَ ذلك، ونُقل عن أبي الصيف اليماني أحدِ علماء مكة من الشافعية: جوازُ تقبيل المصحف، وأجزاء الحديث، وقبور الصالحين، كذا في "الفتح"، انتهى.
قلت: هذا الاستنباط غير مرضي عندي؛ فإنه لا يساعده دليل شرعي، والقياس على الحَجَر وتقبيلِه قياسٌ مفارق؛ لأن أعمال الحج خاصة به، ولا يقاس عليها شيء، وإلا كان السجود أيضاً لكل من يستحق التعظيم، فقد ثبت السجودُ على الحجر الأسود، كما ثبت التقبيل كما سيأتي.
٨ - الثامن: يُستحب السجدة عليه عند الشافعية والحنفية؛ لحديث ابن عباس موقوفاً: أنه كان يقبل الحجرَ الأسودَ، ويسجد عليه، أخرجه الشافعي، والبيهقي، ورواه الحاكم والبيهقي من حديثه مرفوعاً، وروى أبو داود الطيالسي، والدارمي، وابن خزيمة، وأبو بكر البزار، وأبو علي بن السكن، والبيهقي بإسناد متصل إلى ابن عباس: أنه رأى عمر يقبله ويسجد عليه، ثم قال: رأيت
стр. 90
رسول الله ﷺ فعل هذا، وفي سنده اضطراب، وحكى ابن المنذر عن عمر، وابن عباس، وطاوس، والشافعي، وأحمد: أنه يستحب بعد تقبيل الحجر الأسود السجود عليه بالجبهة، وبه قال الجمهور، وروي عن مالك: أنه بدعة، واعترف القاضي عياض بشذوذ مالك في ذلك.
٩ - التاسع: ألا يستلم ولا يقبِّل غيرَ ما ذُكر من البيت وغيره. قال شيخ الإِسلام ابن تيمية: وأما سائر جوانب البيت، ومقام إبراهيم، وسائر ما في الأرض من المساجد وحيطانها، ومقابر الأنبياء والصالحين؛ كحجرة نبينا محمد ﷺ ، ومغارة إبراهيم ﵇، ومقام نبينا ﷺ الذي كان يصلي فيه، وصخرة بيت المقدس، وغير ذلك، فلا يُستلم، ولا يُقبل باتفاق الأئمة، وأما الطواف بذلك، فهو من أعظم البدع المحرمة، ومن اتخذه ديناً، يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل.
ولو وضع يده على الشاذَرْوان الذي تربط فيه أستار الكعبة، لم يضره ذلك في أصح أقوال العلماء، وليس الشَّاذَرْوان من البيت، بل جعل عماد البيت، انتهى.
قال العز بن جماعة: وقد قال جماعة من السلف: إنه لا يقبل مقامَ إبراهيم ﵇، ولا غيره من الأحجار التي بمكة وبغيرها، قالوا: ولولا أن رسول الله ﷺ شرع تقبيل الحجر الأسود، واستلام الركن اليماني، لما فعلنا ذلك، انتهى.
١٠ - العاشر: أن يطوف ماشياً، وإن لم يمكنه فطاف راكباً أو محمولاً، أجزأه بالاتفاق، قال في "الفتح": لا دليل في طوافه ﷺ راكباً على جواز الطواف راكباً بغير عذر، وكلام الفقهاء يقتضي الجواز، إلا أن المشي أولى، والركوب مكروه تنزيهاً، والذي يترجح المنعُ؛ إذ طوافه ﷺ ، وكذا طواف أم سلمة كان قبل أن يحوط المسجد، فإذا حوط، امتنع داخله؛ إذ لا يؤمن التلويث، فلا يجوز بعد التحويط، بخلاف ما قبله، فإنه كان لا يحرم التلويث كما في السعي، انتهى.
١١ - الحادي عشر: استحب الشافعي وأصحابه، والحنابلةُ أن يقول عند ابتداء الطواف واستلام الحجر: "بِاسم الله، واللهُ أَكبر، اللهمَّ إيمانًا بك،
стр. 91
وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدك، وإتباعاً لسنة نبيك ﷺ ، واستحبوا أن يأتي بهذا الدعاء عند محاذاة الحجر الأسود واستلامه في كل طوفة.
ومذهب الشافعي: أن قراءة القرآن في الطواف أفضلُ من الدعاء بغير المأثور عن النبي ﷺ ، وأن الاشتغال بالدعاء المأثور الصحيح أفضلُ من الاشتغال بقراءة القرآن، وقال أبو حنيفة: ذكرُ الله أفضلُ من القراءة، وكرهَها مالك، والصحيح عند الحنابلة: أنه لا بأس بها سراً، والذي صحَّ عن النبي ﷺ في الطواف: أنه كَبَّرَ عندَ أركان البيت، وقال بين الركنين اليماني والحجر الأسود: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] وأن ذلك كان أكثر دعائه ﷺ فيه.
وفي "الصحيحين" من غير تقييد بالطواف. قال الشافعي: إنه أحبُّ ما يقال فيه، وصح عنه ﷺ : أنه كان يدعو في الطواف بـ: اللهم قَنّعني بما رزقتني، وباركْ لي فيه، واخلفْ عليَّ كلَّ غائبة لي بخير". وحكى صاحب "الهداية" وغيرُه من الحنفية عن محمد بن الحسن: أنه لم يذكر أدعيةً خاصة لمشاهد الحج؛ لأن التوقيت في الدعاء يُذهب رقةَ القلب، وقال: أن يترك بالمنقول عن النبي ﷺ فحسن، وأنكر مالك: التحديد في الدعاء في الطواف وغيره من مشاهد الحج، وغير المحدود منه سنة عندهم في الطواف. ويروى: أن الدعاء يستجاب فيه، فليدع الطائفُ لنفسه، ولمن أحبَّ بما أحبَّ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وليس فيه ذكر محدود عن النبي ﷺ ، لا بأمره، ولا بقوله، ولا بتعليمه، بل يدعو فيه بسائر الأدعية، وما يذكره كثير من الناس من دعاء معين تحت الميزاب ونحو ذلك، فلا أصل له، انتهى. وأباح الله سبحانه فيه الكلام، فمن تكلم فيه، فلا يتكلمْ إلا بخير.
٥ - فصل في صفة الطواف
إذا وصل إلى الحجر الأسود، فَلْيحاذِه بجميع بدنه؛ كما قال الشافعية، والحنابلة، فيقف عن يمينه مستقبلَ البيت، أو يقف والبيتُ عن يساره قبل محاذاة الحجر الأسود، وينوي عند الأربعة بطوافه الأول: طواف القدوم، إن كان
стр. 92
محرماً بالحج وحده، ودخل مكة قبل الوقوف، وإن قدم محرماً بالعمرة وحدها، نوى بطوافه طواف العمرة باتفاقهم.
وإن قدم محرماً بالحج والعمرة، ودخل مكة قبل الوقوف، نوى بطوافه طواف القدوم عند الشافعية، والمالكية، والحنابلة. وعند الحنفية: ينوي بأول طوافه طواف العمرة، فلو نوى به طواف القدوم، انصرف إلى العمرة، ونيته لغو، ثم يشرع في الطواف، فيجعل البيت عن يساره، ويمشي تلقاء وجهه خارجاً بجميع بدنه عن الشاذروان والحِجْر، وزمزم عن يمينه حتى ينتهي إلى الحجر الأسود، فإذا طاف كذلك سبع مرات، أجزأه الطواف، باتفاق الأربعة، وقد ذهب إلى أن هذه الكيفية شرطٌ لصحة الطواف الأكثرُ، وقالوا: لو عكس، لم يجز. قال في "البحر": ولا خلاف إلا عن محمد بن داود الأصفهاني، وأنكروا عليه، وهموا بقتله، انتهى.
وقد استفاض عن الصحابة: أن أول شيء كان يبدؤون به: الطوافُ بالبيت، ثم لا يحلون رواه الشيخان، واختلف في وجوبه، فذهب مالك، وأبو ثور، وبعض أصحاب الشافعي: إلى أنه فرض؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، أو لقوله ﷺ : "خذوا عني مناسككم"، وفعله، وقال أبو حنيفة: إنه سنة، وقال الشافعي: إنه كتحية المسجد؛ لأنه ليس فيه إلا فعلُه ﷺ ، وهو لا يدل على الوجوب، وأما الاستدلال على الوجوب بالآية، فقال شارح "البحر": إنها لا تدل على طواف القدوم؛ لأنها في طواف الزيارة إجماعاً. والحق الوجوب؛ لأن فعله ﷺ مبين لمجمَل واجبٍ، هو قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] وقوله: "خذوا عني مناسككم" وقوله: "حجوا كما رأيتموني أحج"، وهذا الدليل يستلزم وجوبَ كلِّ فعل فعلَه ﷺ ، إلا ما خصه دليل، فمن ادعى عدمَ وجوب شيء من أفعاله في الحج، فعليه الدليل على ذلك، وهذه كلية، فعليك بملاحظتها في جميع الأبحاث التي ستمر بك.
قال الشوكاني: لا يخفاك أنّ الحكم على بعض أفعاله ﷺ في الحج
стр. 93
بالوجوب لأنها بيان لمجمل، وعلى بعضها بعدمه، تحكُّمٌ محضٌ؛ لفقد دليل يدل على الفرق بينهما، انتهى. ويجوز أن يطوف من وراء قبة زمزم وما وراءها من السقاية المتصلة بحيطان المسجد، ولو صلى المصلي والناس يطوفون أمامه، لم يكره، سواء مرَّ أمامه رجل أو امرأة، وهذا من خصائص الحرم مكة.
وإذا فرغ من ذلك، ينبغي أن يصلي خلف المقام ركعتين، يقرأ في الأولى: قل يا أيها الكافرون، وفي الثانية: الإخلاص، عند الشافعية، والحنفية، والحنابلة؛ كما أخرجه البزار عن جابر مرفوعاً، وفيه: أنه جهر فيهما بقراءته نهاراً، فالجهر فيها السنة ليلاً ونهاراً، وهما ركعتا الطواف، وهما سنتان عند الشافعي، واجبتان عند أبي حنيفة، لا تجبران بدم، وعند المالكية: تُجبران به، ولما فعلهما رسول الله ﷺ ، تلا قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فأفهم أَن الآية آمِرَة بها، والمراد بمقام إبراهيم: الذي فيه أثر قدمه، وهو موجود الآن.
قال الزهري: مضت السنَّةُ أن يُصلي لكل سَبعْ ركعتين، وإن فرق بين الأسابيع، وصلى ركعتين، جاز، فعل ذلك رسولُ الله ﷺ ، وكلُّ أسبوع طوافٌ، ولْيدعُ بعد ركعتي الطواف بما شاء؛ فإن الدعاء يستجاب خلف المقام، ويصليهما عند الحنفية في وقت يُباح له أداءُ التطوع فيه، وعند الشافعية: هي صلاة لها سبب، فتباح في هذين الوقتين، وهو ظاهر الحديث، ثم لْيعدْ إلى الحَجَر، وليستلمه، وليختم به الطواف، والواجب أن يستكمل عدد الطواف سبعاً بجميع البيت، والمرأةُ كالرجل في الطواف، إلا أنها لا ترمْلُ، ولا تضطبع، بالاتفاق، ولا يُستحب لها تقبيلٌ ولا استلام إلا عند خلوِّ المطاف، بالاتفاق.
وكانت عائشة -رضي الله تعالى عنها- تطوف ناحية عن الرجال، لا تخالطهم، ولتحترز المرأة في طوافها من كشف عورتها, ولتحترز الحرة من كشف قدمها؛ للخروج من خلاف العلماء؛ فإن مذهب الشافعية والحنابلة: أنه لا يصح طوافُها وشيء من قدمها مكشوفٌ؛ خلافاً للحنفية والمالكية، ومن المنكرات بالاتفاق ما يفعله كثير من الجهلة في زماننا من مزاحمة الرجال
стр. 94
الطائفين بنسائهم الجميلات السافرات عن وجوههن، وربما كان ذلك بالليل، وبأيديهم الشموع، وكذلك نظرُ النساء إلى الرجال حالَ الطواف، والمشيُ بالتبختر والدلال، والمرورُ من قرب جماعة الرجال. وضررُ ذلك وكراهته لا يخفى. وإذا تم الطواف سبعاً، فليأت الملتزَمَ، وهو بين الحَجَر والباب، وهو موضع استجابة الدعوة، فليلتزقْ بالبيت، وليتعلقْ بالأستار، وليلصقْ بطنه بالبيت، وليضع عليه خده الأيمن، وليبسط عليه ذراعيه وكفيه، وليدعُ بما أحبَّ.
قال النووي في "الأذكار": ومن الدعوات المأثورة فيها: اللهمَّ لك الحمدُ حمداً يوافي نعمَك، ويكافىء مزيدَك، أحمدك بجميع محامِدك ما علمتُ منها وما لم أعلمْ، على جميع نعمِك ما علمتُ منها وما لم أعلم، وعلى كل حال، اللهمَّ صلِّ على محمد وعلى آل محمد، اللهم أعِذْني من الشيطان الرجيم، وأعِذْني من كل سوء، وقَنِّعْني بما رزقتني، وباركْ لي فيه، اللهمَّ اجعلني من أكرم وَفْدِك عندَك، وألزمْني سبيلَ الاستقامة حتى ألقاك يا رب العالمين، انتهى.
وقال الغزالي: ثم ليحمدِ الله كثيراً، ويصلِّ على الرسول وجميع الرسل كثيراً في هذا الموضع، وليدعُ بحوائجه الخاصة، ويستغفرْ من ذنوبه، وكان بعض السلف يقول لمواليه: تنحَّوا عني حتى أُقِرَّ لربي بذنوبي، انتهى. ولما استسعدتُ بالتزام الملتزم، تمثلت بهذه الأبيات، وأرجو من الله قبولها:
أسيرُ الخطايا عند بابكَ واقفُ ... على وَجَل مِمَّا به أنت عارفُ
يخافُ ذنوباً لم يغبْ عنك غيبُها ... ويرجوك فيها، فهو راجٍ وخائفُ
ومن ذا الذي يرجو سواكَ ويتقي ... وما لَكَ في فصل القضاء مخالفُ
فيا سيدي! لا تُخْزِني في صحيفتي ... إذا نُشرت يوم الحساب الصحائفُ
وكنْ مونسي في ظُلمة القبر عند ما ... يصد ذوو القربى ويجفو الموالفُ
لئن ضاقَ عن عفُوك الواسعُ الذي ... أُرَجِّي لإسرافي فإني لتالفُ
ولنعم ما قيل:
إلهي! عبدُك العاصي أتاكا ... مُقِرّاً بالذّنوبِ وقد دَعَاكَا
فإنْ تغفرْ فأنتَ لذاكَ أهلٌ ... وإنْ تَطْرُدْ فمنْ يرحَمْ سِوَاكا
стр. 95
٦ - فصل في السعي
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]، وفي الحديث: "إن الله كتب عليكم السعي"، وفي رواية: "فاسعوا" رواه أحمد، واستدل به من قال: بأن السعي فرض، وهم الجمهور، وعند الحنفية: أنه واجب يُجبر بالدم، وبه قال الثوري، وفي الناسي خلاف العامد، وقال عطاء: إنه سنة لا يجب بتركه شيء، وبه قال أنس فيما نقله عنه ابن المنذر، واختلف عن أحمد كهذه الأقوال الثلاثة.
وقد أغرب الطحاوي، فقال: قد أجمع العلماء على أنه: لو حج، ولم يطف بالصفا والمروة: أن حجه قد تم، وعليه دم، وحكاه صاحب "الفتح" وغيره عن الجمهور: أنه ركن لا يجبر بالدم، ولا يتم الحج بدونه، وأغرب ابن العربي المالكي، فحكى: أن السعي ركن في العمرة بالإجماع، وإنما الخلاف في الحج، وأغرب أيضاً المهدي في "البحر"، فحكى الإجماع على الوجوب. قال ابن المنذر: إن ثبت -يعني: الحديث المذكور-، فهو حجة في الوجوب.
قال في "الفتح": العمدة في الوجوب قولُه ﷺ : "خذوا عني مناسككم".
قلت: وأظهر من هذا في الدلالة على الوجوب حديثُ مسلم: "ما أتم اللهُ حجَّ امرىءٍ ولا عمرته، لم يطف بين الصفا والمروة"، انتهى.
وبالجملة: فالسعي بينهما واجب، والمشي أفضل من الركوب، وعليه أهل العلم.
وصفة السعي: أن يخرج من باب الصفا باتفاق الأربعة؛ كما فعل رسول الله ﷺ ، وهو في محاذاة الضلع الذي بين الركن اليماني والحجر، ويُستحب أن يقدِّم رجلَه اليسرى في الخروج من المسجد، ويقول عند خروجه: "اللهمَّ افتحْ لي أبوابَ رحمتك"، فإذا خرج من ذلك، وانتهى إلى الصفا، وهو جبل، ليرق فيه درجاً في حضيض الجبل بقدر قامة الرجل، فقد رقي
стр. 96
رسول الله ﷺ حتى بدت له الكعبة. وابتداء السعي من أصل الجبل كافٍ، وهذه الزيادة مستحبة، لكن بعض تلك الدرج مستحدثة، فينبغي ألا يخلفها وراء ظهره، فلا يكون متمماً للسعي.
وإن ابتدأ من هاهنا، سعى بينه وبين المروة سبعَ مرات، وهما في جانبي جبلي مكة، وعند رقيته في الصفا، ينبغي أن يستقبل البيت بالاتفاق، فيكبِّر ويهلل، ويقول: "لا إله إلا الله وحدَه، لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحدَه، أنجز وعدَه، ونصرَ عبدَه، وهزمَ الأحزابَ وحدَه"، ثم يصنع ذلك ثلاث مرات، ويدعو، ويصنع على المروة مثلَ ذلك، رواه مالك عن جابر بن عبد الله مرفوعاً. ويصلي على محمد ﷺ ، ويرفع يديه بالدعاء عند غير المالكية، ويدعو الله بما شاء من حاجة عقيب هذا الدعاء، ويأتي بما أحبَّ من الأذكار والأدعية.
ويروى: أن الدعاء يُستجاب على الصفا والمروة، وفي المسعى. ثم ينزل ويبتدىء السعي وهو يقول: "ربِّ اغفرْ وارحمْ، وتجاوزْ عما تعلم، إنك أنتَ الأعَزُّ الأكرم، ربَّنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار"، ويمشي هنية حتى ينتهي إلى الميل الأخضر، وهو أولُ ما يلقاه إذا نزل من الصفا، وهو على زاوية المسجد الحرام، فإذا بقي بينه وبين محاذاة الميل ستة أذرع، أخذ في السير السريع، وهو الرمَل حتى ينتهي إلى الميلين الأخضرين، وهو مذهب الثلاثة غير الحنفية، وهذا السعي بين بطن الوادي مستحبٌّ من العَلَم إلى العَلَم عند المالكية، وإن لم يسعَ فيه، بل مشى على هينته، أجزأه باتفاق العلماء، ولا شيء عليه، والمرأة لا تسرع في سعيها باتفاق الأربعة، ولا تصعد على الصفا, ولا على المروة عند الشافعية والحنابلة، وقال المالكية: إنها تصعد إذا كان المكان خالياً، وهو مقتضى كلام الحنفية.
ويستحب للمرأة أن يكون سعيها في الليل؛ لأنه أسترُ وأسلمُ لها ولغيرها من الفتنة. ثم يعود إلى الصفا، ثم إلى المروة، فإذا انتهى إلى المروة، صعِدها كما صعِد الصفا، وأقبل بوجهه على الصفا، ودعا بمثل ذلك الدعاء، وقد حصل
стр. 97
السعيُ مرة واحدة، فإذا عاد إلى الصفا، حصلت مرتان، يفعل ذلك سبعاً، ويرمُل في موضع الرمَل في كل مرة، ويسكن في موضع السكون كما سبق، وفي كل نوبة يصعد الصفا والمروة، فإذا فعل ذلك، فقد فرغ من طواف القدوم والسعي، وهما سنتان، ولا صلاة عقيبَ الطواف بالصفا والمروة، إنما الصلاة عقيبَ الطواف بالبيت سنةٌ باتفاق السلف والأئمة، والطهارةُ مستحبة للسعي، وليست بواجبة؛ بخلاف الطواف.
وإذا سعى، فينبغي ألا يعيد السعيَ بعد الوقوف، ويكتفي بهذا ركناً؛ فإنه ليس من شرط السعي أن يتأخر عن الوقوف، وإنما ذلك شرط في طواف الركن، نعم، شرط كل سعي أن يقع بعد طواف، أيَّ طوافٍ كان، وإذا طاف بين الصفا والمروة، فقد حل من إحرامه، كما أمر النبي ﷺ أصحابه لما طافوا بينهما أن يحلوا، إلا مَنْ كان معه هدي، فلا يحل حتى ينحره، والمفرِد والقارِن لا يحل إلى يوم النحر، ويستحب له أن يقص من شعره ليدع الحلاق إلى الحج، وإذا حل، له ما كان له حرام، وأقام ﷺ بمكة في الموضع الذي نزل فيه، وصلى بالناس قصراً في مكانه، ولم يأت المسجدَ الحرام للصلاة، فلما كان يوم التروية، نهض بمَنْ معه من المسلمين إلى منى.
٧ - فصل في المسير إلى منى، ومنها إلى عرفة
إذا كان يوم التروية؛ أي: ثامن ذي الحجة، أحرم بالحج، فيفعل كما فعل عند الميقات، إن شاء أحرم من مكة، وإن شاء من خارج مكة، مكياً كان أو غير مكي عند الشافعية والمالكية، وأصحابُ النبي ﷺ أحرموا كما أمرهم النبي ﷺ من البطحاء.
وإن السنة أن يُحرم من الموضع الذي هو نازل فيه، وكذلك أمرهم النبيُّ ﷺ ، والأفضلُ عند الشافعية أن يُحرم من باب داره، والأفضلُ عند المالكية: أن يُحرم المكي من المسجد عقبَ رجوعه، والأفضلُ عند الحنفية: من المسجد، ومن دُويرة أهله، وعند أحمد: من المسجد، ويستحب الغد، ويوم التروية.
стр. 98
والسنةُ: أن يبيت الحاج بمنى، فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، باتفاق الأربعة، والسنة: أن يمكث بمنى حتى تطلع الشمس، باتفاق الأربعة، كما فعل النبي ﷺ . وروى ابن المنذر من طريق ابن عباس، قال: إذا زاغت الشمس، فليرحْ إلى مِنى، قال ابن المنذر: لا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه أوجب على من تخلف عن منى ليلة التاسع شيئاً، ثم روى عن عائشة: أنها لم تخرج من مكة يوم التروية حتى دخل الليل وذهب ثلثه، وقال أيضاً: الخروج إلى منى في كل وقت مباح، إلا أن الحسنَ وعطاءً قالا: لا بأس أن يتقدم الحاج إلى منى قبل يوم التروية بيوم أو يومين، وكرهه مالك، وكره الإقامةَ بمكة يوم التروية حتى يمسي، إلا إن أدركه وقتُ الجمعة، فعليه أن يصليها قبل أن يخرج.
وبالجملة: إذا طلعت الشمس على ثبير، وهو جبل هناك، سار متوجهاً إلى عرفة، مكثراً من التلبية والذكر والدعاء، وإن شاء يقول: اللهمَّ اجعلْها خيرَ غدوةٍ غدوتُها، وأقربَها إلى رضوانك، وأبعدها من سخطك، اللهمَّ إليك توجهتُ، ووجْهَكَ الكريمَ أردتُ، فاجعلْ حجِّي مبروراً، وسعيي مشكوراً، وذنبي مغفوراً يا أرحم الراحمين.
فإذا قرب من عرفات، فيستحب نزوله بالموضع المعروف بنَمِرَةَ، كما قال الشافعية، والمالكية، والحنابلة، ويقيم بها إلى الزوال كما فعل النبي ﷺ ، وهي قرية بشرقي عرفات، وهي خرابٌ اليومَ، وبها ينزل الأمراء، ويضرب بها الإمامُ الخيمة، ومن كانت له خيمة، ضربها اقتداء برسول الله ﷺ .
ثم يسير منها [إلى] بطن الوادي، وهو موضع النبي ﷺ الذي صلى فيه الظهر والعصر وخطبَ، وهو في حدود عرفة، ويُستحب أن يذهب الإمامُ والناس إلى المسجد المعروف بمسجد إبراهيم؛ حيث صلى رسولُ الله ﷺ ، ولم يكُ هناك مسجدٌ على عهد رسول الله ﷺ ، وإنما بُني في أول دولة العباسيين، فيصلي هناك الظهر والعصر بعد خطبتين عند الشافعية، والحنفية، والمالكية، وبعد خطبة فردة عند الحنابلة، ويخطب بهم الإمامُ على بعيره كما خطبَ النبيُّ ﷺ خطبةً بليغة
стр. 99
بديعة، وقرر فيها قواعد الإسلام، وهدم فيها قواعد الشرك والجاهلية، وقرر فيها المحرَّمات التي اتفقت الملل على تحريمها، وهي: الدماء، والأموال، والأعراض، وغيرها من الأحكام.
ومذهب الشافعية: أنه يُسن الجمعُ بين هاتين الصلاتين جمعَ تقديم للمسافر سفراً طويلاً دونَ غيره الماكثين والمقيمين، وهو مذهب الحنابلة، ومذهب الحنفية، والمالكية: أن الجمع سنةٌ لكل أحد، لكن شَرطُ جوازِه عند أبي حنيفة أداءُ الصلاتين بجماعة إمامها الأعظم، أو نائبه، والإحرام بالحج، ومذهب الشافعية، والحنفية، والحنابلة: أنه لا يجوز قصرُهما إلا للمسافر مسافة القصر، ومذهب المالكية: أنه يقصر بعرفة غيرُ أهلها، ويتمُّ أهلُها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إذا قضى الخطبةَ، أذن المؤذنُ، وأقام، ثم يصلي كما جاءت بذلك السنة، ويصلي بعرفة ومزدلفة ومنى، وكذلك كانوا يفعلون خلف أبي بكر وعمر، ولم يأمر النبيُّ ﷺ ولا خلفاؤه أحداً من أهل مكة أن يُتموا الصلاة، ولا قالوا لهم بعرفة ومزدلفة: أتموا صلاتكم؛ فإنَّا قوم سفر، ومن حكى ذلك عنهم، فقد أخطأ، ولكن المنقول عن النبي ﷺ ، وعن عمر: أنه قال ذلك لما صلى بهم في جوف مكة.
وإنما نقل عن النبي ﷺ : أنه قال في غزوة الفتح لما صلى بهم بمكة، وأما في حجه، فإنه لم ينزل بمكة، ولكن خارجَ مكة، وهناك كان يصلي بأصحابه، ثم لما خرج إلى منى وعرفة، خرج معه أهلُ مكة وغيرُهم، ولما رجع من عرفة، رجعوا معه، ولما صلى بهم بمنى أيامَ منى، صلوا معه، ولم يقل لهم: أتموا صلاتكم؛ فإنا قوم سفر.
ولم يَحُدَّ النبيُّ ﷺ السفرَ لا بمسافة ولا بزمان، ولم يكن بمنى أحد ساكناً في زمنه، ولهذا قال: "منى مُناخ مَنْ سبق"، ولكن قيل: إنها سُكنت في خلافة عثمان -رضي الله تعالى عنه-، وأنه بسبب ذلك أتمَّ عثمان الصلاة؛ لأنه كان يرى أن ينزل بمكان لا يحتاج فيه إلى حمل الزاد والمزاد، وكان يرى أن المسافر يحمل الزاد والمزاد.
стр. 100
٨ - فصل في الوقوف بعرفة
إذا صلى الناسُ الظهر والعصر بمسجد إبراهيم كما ذكرنا، يذهب إلى عرفات، فهذه السنة، لكن في هذه الأوقات يكاد أحد يذهب إلى نَمِرة، ولا إلى مصلَّى النبي ﷺ ، بل يدخلون عرفات على طريق المَأْزِمين، ويدخلونها قبل الزوال، ومنهم من يدخلها ليلاً، ويبيتون بها قبل التعريف، وهو الذي يفعله الناس كلُّهم اليومَ إلا ما شاء الله، ويجزي معه الحج، لكن فيه نقصٌ عن السنة، فيفعل ما يمكن من السنة، مثل الجمع بين الصلاتين، فيؤذن أذاناً واحداً، ويقيم لكل صلاة، والإيقاد بعرفة وبمزدلفة بعد الرجوع من عرفة بدعة باتفاق العلماء.
وقال العز بنُ جماعة في "منسكه": وما يفعله جَهَلَة العوام من إيقاد الشموع ليلةَ عرفة ضلالةٌ فاحشة، وبدعة ظاهرة، جَمعت أنواعاً من القبائح، وتَشْغَلُ عن الذكر والدعاء المطلوبَيْن في ذلك الوقت الشريف، ويجب على مَنْ ولي الأمر، وعلى كل من تمكن من إزالة البدع إنكارُها وإزالتُها، والله المستعان، انتهى.
وبالجملة: يقف بعرفةَ من بعد الزوال إلى غروب الشمس، كما فعل سيدنا رسول الله ﷺ ، لا يخرج منها حتى تغرب، ولو وقف نهاراً، ثم فارق عرفة قبل الغروب، أراق دماً استحباباً عند الشافعية، ووجوباً عند أبي حنيفة، وفي أي موضع من عرفة وقف، أجزأه، لكن الأفضل عند الصخرات الكبار المفروشة، على مذهب الشافعية، والحنفية، والحنابلة. ومذهب مالك: أنه ليس لموضع من عرفة فضلٌ على غيره، وما اشتهر عند جهلة العوام من ترجيح الوقوف على الجبل، المسمى: بجبل الرحمة، فخطأ لا أصل له.
ووقف ﷺ في ذيل الجبل عند الصَّخَرات، والأفضلُ أن يكون الواقف مستقبلَ القبلة، متطهراً، ساتراً عورتَه، فمن وقف على غير هذه الصفات، صح وقوفه بالاتفاق، وفاتته الفضيلة، والأولى لمن وقف بعرفة الفطرُ، سواء أطاق الصومَ، أم لم يطقْه، وسواء ضعف به، أم لا، اقتداء بالنبي ﷺ ، وهو مذهب الشافعية، وأطلق كثير منهم أنه يُكره له صومُه، ومذهب الحنفية كما قال صاحب "المحيط": أنه مستحب في حق الحاج إن كان لا يضعفه، وإن كان يُضعفه،
стр. 101
فيستحب تركُه، وعند المالكية: أنه غيرُ مستحب له، بل يُستحب فطرُه، ومذهب الحنابلة: أنه لا يستحب صومُه إلا للتمتُّع إذا لم يجدِ الهدي، والسنةُ أولى بالاتباع.
ويستحب أن يستكثر من أعمال الخير في يوم عرفة وسائرِ أيام العَشْر، ويواظب في الوقوف بعرفة على تلاوة القرآن والذكر والدعاء بآدابه، فتارة يهلل، وتارة يقرأ القرآن، وتارة يكبر، وتارة يُسَبِّح، وتارة يستغفر، ويجتهد في هذه العشية، فهذا اليوم أفضلُ أيام السنة للدعاء، وهو معظم الحج، ومقصودُه المعوَّل عليه، فينبغي أن يستفرغ الإنسان وُسْعَه في الدعاء، ويدعو منفرداً، وفي جماعة لنفسِه ولوالديه ولأقاربه ومشايخه وأصحابه وأحبابه وأصدقائه، ولمن أحبَّ من سائر المسلمين، وسائر من أحسنَ إليه بما أحبَّ، وليحذرْ كلَّ الحذر من التقصير في ذلك كله؛ فإن هذا اليوم لا يمكن تداركُه؛ بخلاف غيره، ولا يتكلف السجعَ في الدعاء؛ فإنه يشغل القلب، ويُذهب الانكسارَ والخضوع، والافتقارَ والمسكنةَ والذلةَ والخشوع، ولا بأس بأن يدعو بدعواتِ محفوظٍ معه، له أو لغيره.
والسنة: أن يخفض صوته بالدعاء، ويُكثر من الاستغفار والتلفُّظ بالتوبة من جميع المخالفات، مع الاعتقاد بالقلب، ويلحُّ في الدعاء ويكرره، ولا يستبطىء الإجابة، ويفتح دعاءه ويختمه بالحمد له تعالى، والثناءِ عليه، والصلاةِ والتسليم على رسول الله ﷺ ، وليحرصْ على أن يكون مستقبلَ القبلة، وعلى طهارة، قاله النووي في "الأذكار". وكان ﷺ في دعائه رافعاً يديه إلى صدره كاستطعام المسكين.
وقد روي عن النبي ﷺ : "أنه قال: خيرُ الدعاء دعاءُ يوم عرفة، وخيرُ ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريك له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كل شيء قدير". وذكر من دعائه في الموقف:
اللهمَّ لك الحمدُ كالذي تقول، وخيراً مما نقول، اللهمَّ لك صلاتي ونُسكي ومحياي ومماتي لله ربِّ العالمين، وإليك مآبي، ولك ربِّ تُراثي.
стр. 102
اللهمَّ إني أعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة الصدر، وشَتات الأمر، اللهمَّ إني أعوذُ بك من شر ما تجيء به الرياح، اللهمَّ إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، لا يخفى عليك شيء من أمري، وأنا العبدُ البائس الفقير، الخائفُ المستجير، الوَجِلُ المشفقُ المعترفُ بذنبه، أسألك مسألةَ المسكين، وأبتهلُ إليك ابتهالَ المذنِب الذليل، وأدعوك دعاءَ الخائف الضرير، مَنْ خضعت لك رقبتُه، وفاضت لك عيناه، وذل لك جسدُه، ورَغِمَ لك أنفُه.
اللهمَّ لا تجعلْني بدعائك ربِّ شقياً، وكن لي رؤوفاً رحيماً يا خيرَ المسؤولين ويا خير المعطين.
وعن علي -رضي الله تعالى عنه-، عن النبي ﷺ قال: "أكثرُ دعائي ودعاءِ الأنبياء من قبلي يوم عرفة: اللهمَّ اجعلْ في قلبي نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً.
اللهمَّ اشرحْ لي صدري، وَيسِّرْ لي أمري، وأعوذُ بك من وساوس الصدر، وشَتاتِ الأمر، وفتنة القبر.
اللهمَّ إني أعوذُ بك من شرِّ ما يَلجُ في الليل، ومن شر ما يلج في النهار، وشرِّ
ما تهبُّ به الرياح، ومن شر بوائق الدهر".
ومن الأدعية التي اختارها بعض العلماء:
اللهمَّ ربنا آتِنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقِنا عذابَ النار.
اللهمَّ إني ظلمتُ نفسي ظلما كثيرًا، ولا يغفر الذنوبَ إلا أنت، فاغفرْ لي
مغفرةً من عندك، وارحمْني إنك أنت الغفور الرحيم.
اللهمَّ اغفر لي مغفرة تُصْلِح بها شأني في الدارين، وارحمني رحمةً واسعةً
أسعَدُ بها في الدارين، وتب عليَّ توبة نصوحًا لا أنكثها أبدًا، وأَلزِمْني سبيلَ
الاستقامة لا أزيغ عنها أبدًا.
اللهم انقلْني من ذُلِّ المعصية إلى عِزِّ الطاعة، وأَغْنِني بحلالك عن حرامك،
وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عَمَّنْ سواك، ونَوِّرْ قلبي وقبري، وأعذني من
стр. 103
الشرِّ كلِّه، واجمع لي الخيرَ كلَّه، اللهمَّ إني أسألك الهُدى والتُّقى والعَفاف والغنى.
اللهمَّ يسر لي اليسرى، وجَنِّبني العسرى، وارزقْني طاعتَك ما أَبقيتَني.
اللهمَّ متعني بسمعي وبصري أبداً ما أبقيتَني، واجعل ذلك الوارثَ مني، واجعل ثأري على من ظلمني، وانصرْني على مَنْ عاداني، ولا تجعلِ الدنيا أكبرَ هَمِّي، ولا مبلغَ علمي، ولا تسلِّط عليَّ بذنبي مَنْ لا يرحمُني يا أرحم الراحمين، استودعُك ديني وأمانتي وقلبي وبدني وخواتيمَ عملي، وجميعَ ما أنعمتَ به عليَّ وعلى جميع أحبائي والمسلمين أجمعين.
وثبت في "صحيح مسلم": أن رسول الله ﷺ قال: "ما مِنْ يومٍ أكثر من أن يُعتق اللهُ فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنون، ثم يباهي بهم الملائكة".
وعن طلحة بن عبيد الله بن كريز: أن رسول الله ﷺ قال: "ما رُئي أن الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام، إلا ما رئي يوم بدر؛ فإنه قد رأى جبريل يزع -أي: يسوي- الملائكةَ" رواه مالك مرسلاً.
وبالجملة: فليكنْ أهم اشتغاله في هذا اليوم الدعاء، ففي مثل هذه البقعة، ومثل ذلك الجمع ترجى إجابة الدعوات، ولْيُلِحَّ في الدعاء، وليعظم المسألةَ؛ فإن الله لا يتعاظمه شيء. ويستحب الإكثارُ من التلبية فيما بين ذلك، وبين الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ ، وأن يُكثر من البكاء معَ الذكر والدعاء، فها هنالك تُسكب العبرات، وتُستقال العَثَرات، وترتجى الطلبات، وإنه لموقفٌ عظيم، ومجمَعٌ جليل، تجتمع فيه خيار عباد الله الصالحين، وهو أعظم مجامع الدنيا.
قال مُطَرِّفُ بنُ عبد الله وهو بعرفة: اللهمَّ لا تَرُدَّ الجميعَ لأجلي.
وقال بكر بن [عبد الله] المزني: لما نظرتُ إلى أهل عرفات، ظننت أنهم قد غُفر لهم لولا أني كنت فيهم. وقد خطر ببالي مثلُ ذلك بعرفة، ولله الحمد.
وروي أن الفضيلُ بنَ عياض نظر إلى بكاء الناس بعرفة، فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل، فسألوه دانقاً، أكان يردُّهم؟ قالوا: لا والله، فقال: للمغفرةُ عندَ الله أهونُ من إجابة رجل بدانق.
стр. 104
وينبغي ألا يشتغل ذلك اليوم بغير الله. ويروى أن سالمَ بنَ عبد الله بنِ عمرَ بنِ الخطاب رأى سائلاً يسأل الناس، فقال: يا عاجزاً! في هذا اليوم يُسأل غيرُ الله؟!
ويجوز الوقوف راكباً وماشياً، وأما الأفضل، فيختلف باختلاف الناس، فإن كان ممن إذا ركب رآه الناس لحاجتهم إليه، أو كان يشق عليه تركُ الركوب، وقف راكباً، وهكذا الحج؛ فإن من الناس من يكون حجه راكباً أفضل، ومنهم من يكون حجه ماشياً أفضل.
قال العز بن جماعة: وقوف الرجل راكباً أفضل من الوقوف راجلاً إقتداء برسول الله ﷺ ، ووقوف المرأة قاعدة أفضل، وقال الحنفية والمالكية: إن الركوب أفضل، ثم القيام، ولم يفرقوا بين المرأة والرجل، وقال المالكية: لا يجلس إلا الكلال، وأطلق الحنابلة: أن الركوب أفضل، انتهى.
ويصح وقوف الحائض وغيرِ الحائض، ويُستحب الإكثار في الجملة من التلبية عند الشافعية والحنفية والحنابلة، وعند المالكية: أنه يقطع التلبية قبل الوقوف بعد الزوال إذا راح إلى مسجد إبراهيم بِنَمِرَة، ويستحب أن يرفع صوته بالتلبية بلا إفراط، وتخفيض صوته فيما سوى التلبية، كما قال الشافعية: ولْيُخلصِ الواقف التوبة من جميع المخالفات، مع الندم بالقلب والبكاء، ثم لْيُحسنِ الظنَّ بالله تعالى، قال الغزالي: وإن أمكنه الوقوف يوم الثامن ساعةً عند إمكان الغلط في الهلال، فهو الحزم، وبه الأمن من الفوات.
ويغتسل للوقوف باتفاق الأربعة، والاغتسالُ لعرفة قد روي فيه حديث عن النبي ﷺ رواه ابن عمر وغيره، ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه في الحج إلا ثلاثة أغسال:
١ - غسل الإحرام،
٢ - والغسل عند دخول مكة،
٣ - والغسل يوم عرفة، وما سوى ذلك كالغسل عند رمي الجمار والطواف والمبيت بمزدلفة لا أصل له عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، ولا استحبه مالك، ولا أبو حنفية، ولا أحمد، وإن كان قد ذكره طائفة، إلا أن يكون هناك سبب يقتضي الاستحباب، مثل أن تكون عليه رائحة يؤذي بها الناس، فيغتسل لإزالتها.
стр. 105
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: عرفةُ كلُّها موقف، ولا يقف ببطن عرنة، وأما صعود جبل الرحمة، ويقال لها: إِلال -على وزن هلال- فليس من السنة، وكذا القبة التي فوقه، يقال لها: قبة آدم لا يستحب دخولها، ولا الصلاة فيها، والطواف بها من الكبائر، وكذلك المساجد التي عند الجمرات لا يستحب دخول شيء منها، ولا الصلاة فيها، وأما الطواف بها أو بالصخرة، أو بحجرة النبي ﷺ ، أو ما كان غير "البيت العتيق"، فهو من أعظم البدع المحرمة.
٩ - فصل في الإفاضة من عرفة إلى المزدلفة
إذا غربت الشمس واستحكم غروبها بحيث تذهب الصفرة، فالسنة أن يفيض الإمام والناسُ من عرفة مُلَبين، وعند غير المالكية ذاكرين داعين شاكرين مستبشرين بنعمة الله عليهم وفضله، فقد جاء عن النبي ﷺ : أنه قال: "إن الله تعالى يقول للملائكة: انظروا عبادي أتوني شُعْثاً غبراً، أُشهدكم أني قد غفرتُ لهم ذنوبهم، وإن كانت عدد قطر السماء، ورمل عالج، أفيضوا عبادي مغفوراً لكم، ولمن شفعتم له".
وعنه ﷺ أنه قال: "إن إبليس يضع التراب على رأسه، ويدعو بالوبل والثبور بعد إفاضة الناس من عرفة، فيجمع إليه شياطينه، فيقولون: ما لك؟ فيقول: قومٌ فتنتُهم ستين وسبعين سنة غفر لهم في طرفة عين". ومن أفاض من عرفة، وخرج منها قبل غروب الشمس، ولم يعد إليها حتى طلع الفجر من ليلة النحر، فقد فاته الحج عند المالكية؛ خلافاً للثلاثة، قال أحمد: إذا أفضتَ من عرفات، فهلِّل وكبر ولَبِّ وقلْ:
"اللهمَّ إليكَ أفضتُ، وإليك رغبت، ومنك رَهِبت، فاقبلْ نسكي، وأعظم أجري، وتقبل توبتي، وارحم تضرُّعي، واستجبْ دعائي، وأعطني سؤلي".
والسنة أن يفيض بالسكينة والوقار، لا كما يفيض الجهال بالإسراع والزحمة المؤذية، ويجتنبُ وجيفَ الخيل وإيضاع الإبل كما يعتاده الجهال؛ فإن رسول الله ﷺ نهى عنه، وقال: "أيها الناس! عليكم بالسكينة، فإن البِرَّ ليس بالإيضاع، واتقوا الله، وسيروا سيراً جميلاً، لا توطئوا ضعيفاً، ولا تؤذوا
стр. 106
مسلماً"، ويكون في الطريق رافعاً صوته بالتلبية، فإذا وصل إلى مزدلفة، فلْيبتْ بها، وهو واجب عند الشافعي والحنابلة، وسنة عند الحنفية والمالكية، لكن عند المالكية النزولُ بها واجب، ويحصل المبيت بالحضور بالمزدلفة ساعةً من النصف الثاني من الليل، وهو مقتضى مذهب الحنابلة، والسنة عند الشافعية، والمالكية، والحنابلة: أن يصلي بها المغرب قبل حطِّ الرحال وتبريك الجمال إن تيسَّر، فإذا حطوا رحالهم، يصلي العشاء الآخرة بإقامة بلا أذان، ولا يصلي بينهما شيئاً، وعند الحنفية: أنه لو صلى المغرب أو العشاء في الطريق أو بعرفة، لم يجز به عند أبي حنيفة، ومحمد، وعليه إعادتها ما لم يطلع الفجر فإذا طلع الفجر، سقط القضاء.
وقالوا: إن من ضلَّ الطريق بين عرفة ومزدلفة، أو كان مريضاً لا يقدر على المشي، وليس له محمل، لا يصليهما دون المزدلفة، إلا أن يخاف طلوع الفجر قبل بلوغ المزدلفة، فيجوز، والخلاف فيمن يجمع ويقصر، ومن لا يجمع ولا يقصر، كالخلاف في صلاة الظهر والعصر يوم عرفة، وقد تقدم، غير أن الحنفية لا يشترطون في جواز هذا الجمع ما حكيناه عنهم أنهم شرطوه في الجمع بعرفة.
ويستحب عند الشافعية: الاغتسالُ بالمزدلفة بعد نصف الليل للوقوف بالمشعر الحرام، وقالت الحنابلة: إنه مستحب للمبيت. قلت: وليس بسنة ثابتة كما مر، ويستحب الإكثار في هذه الليلة من التلاوة والذكر والدعاء والصلاة، قال الغزالي: إحياء (١) هذه الليلة الشريفة من محاسن القربات لمن يقدر عليه، انتهى.
ويروى أن الدعاء يستجاب بالمزدلفة، وهذه الليلة هي ليلة العيد، وقد انضم إلى شرف الليلة شرفُ المكان، وكونه في الحرم والإحرام ومجمع الحجيج، ويجوز عند الأربعة: تقديم الضعفاء من النساء والصبيان ونحوهم بعد نصف
стр. 107
الليل إلى منى قبل زحمة الناس، ولا ينبغي لأهل القوة أن يخرجوا من مزدلفة إلى منى إذا غاب القمر حتى يطلع الفجر، ويصلوا بها الصبح، ويتأهب للرحيل من مزدلفة إلى منى.
واستجب الشافعية أن يأخذ منها الحصى لرمي جمرة العقبة، ففيها حجار رخوة صغار، فيأخذ سبعين [٧٠] حصاة، فإنها قدر الحاجة، ولا بأس بأن يستظهر بزيادة، فربما يسقط منه بعضها، ولتكن الحصى خفافاً بحيث يحتوي عليه أطراف البراجم، وأمر ﷺ ابن عباس بلقط حصى الخذف، وقال للناس: بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلوُّ في الدين، ولم يلتقطها من الليل كما يفعله الناس اليوم، ولا كسرها من الجبال.
قال الشافعية: يأخذ الحصى لرمي أيام التشريق من غير المزدلفة، وقال جماعة من الحنفية: يأخذ من المزدلفة سبعين حصاة، وقال صاحب "المحيط": يأخذ حصى الجمار من قارعة الطريق، وعند المالكية: يأخذ من أي موضع، وقال كثير من الحنابلة: يأخذ جميع حصى الجمار من المزدلفة، ومن أي موضع أخذ الحصى، أجزأه عند الأربعة، إلا أن الحنابلة قالوا: إنه يجزي الرمي بما رمى به هو أو غيره، ولا بالحجر النجس في الأصح.
والسنة بالاتفاق: أنه يصلي بالمزدلفة الصبح في أول وقتها، ثم يسير إلى قُزَح، ومزدلفةُ كلها موقف كما قال ﷺ فحيث وقف منها، جاز بالاتفاق، وعند المالكية: أنه لا فضل لموضع على موضع؛ كما قالوا في عرفة، والسنة: أن يتوجه إلى منى بعد الإسفار الكثير بالاتفاق، لكن المالكية قالوا: لا وقوف بعد الإسفار، ويستحب أن ينفر منها بسكينة ووقار كما قلنا.
١٠ - فصل في الوقوف بالمشعر الحرام
قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨] فإذا أفاض من عرفات، ذهب إلى المشعر الحرام على طريق المأزمين، وهو طريق الناس اليوم، وإنما قال الفقهاء: على طريق
стр. 108
المأزمين؛ لأنه إلى عرفات طريق آخر يسمى: طريق ضب، ومنها دخل النبي ﷺ إلى عرفات، وخرج على طريق المأزمين، فكان في المناسك والأعياد: يذهب من طريق، ويرجع من أخرى.
فدخل مكة من الثنية العليا، وخرج منها من الثنية السفلى، ودخل المسجد من باب بني شيبة، وخرج عند الوداع من باب خرورة، ودخل عرفات من طريق ضب، وخرج من طريق المأزمين، وأتى إلى جمرة العقبة يوم العيد من الطريق الوسطى التي يخرج منها إلى خارج منى، ثم يعطف على يساره إلى الجمرة.
ومزدلفةُ كلها يقال لها: "المشعر الحرام"، وقُزَحُ: جبلٌ يقف الناس اليوم فيه، وقد بنى عليه اليوم بناء، وهو المكان الذي يخصه كثير من الفقهاء باسم: "المشعر الحرام"، فإذا كان قبل طلوع الشمس، أفاض من مزدلفة، ثم يقف بالمشعر إلى أن يسفر جداً، وهو آخر المزدلفة، فيقف مستقبلاً للقبلة، ويأخذ بالدعاء والتضرع والتكبير والتهليل والتحميد والتسبيح، وهو نص القرآن الكريم، وسنة رسوله ﷺ ، ولكنه صار اليوم شرعاً منسوخاً، فلا يقف عنده واحد من ألف، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد ذهب جماعة من أهل العلم، منهم: مجاهد، وقتادة، والزهري، والثوري: إلى أن من لم يقف بالمشعر، فقد ضيع نسكاً، وعليه دم، وهو قول أَبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وروي عن عطاء، والأوزاعي: أنه لا دم عليه، وإنما هو منزل، من شاء نزل، ومن شاء لم ينزل به، وذهب ابن بنت الشافعي، وابن خزيمة إلى أن الوقوف بها ركن لا يتم الحج إلا به، وأشار ابن المنذر إلى ترجيحه، وروي عن علقمة، والنخعي، واحتج الطحاوي بأن الله لم يذكر الوقوف، وإنما قال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقد أجمعوا على أن من وقف بها بغير ذكر أن حجه تام، فإذا كان الذكر المذكور في القرآن ليس من تمام الحج، فالموطن الذي يكون فيه الذكر أحرى ألا يكون فرضاً.
قال النووي: إذا انصرف من المشعر الحرام إلى منى، فشعاره: التلبيةُ
стр. 109
والأذكار والدعاء والإكثار من ذلك، وليحرصْ على التلبية، فهذا آخر زمنها، وربما لا يقدر له في عمره تلبية بعدها، انتهى.
فإذا انصرف منه، وبلغ وادي محسِّر، وهو مسيل ماء فاصل بين مزدلفة ومنى، وقيل: إنه من منى، قال الأرزقي: هو خمس مئة ذراع، وخمسة وأربعون ذراعاً، أسرعَ قدرَ رمية حجر بالاتفاق، وكان وادي محسِّر موقفاً للنصارى والعرب يقفون فيه ويذكرون مفاخر آبائهم، فاستحب الشارع مخالفتَهم بالإسراع، وحكى الرافعي وجهاً ضعيفاً: أنه لا يستحب الإسراع للماشي، ويسمى وادي محسر: وادي النار؛ لأنه يقال: إن رجلاً صاد فيه صيداً، فنزلت عليه نار فأحرقته، فإذا خرج من وادي محسر، فالمستحب أن يسلك الطريق الوسطى التي تخرج إلى العقبة اقتداء بالنبي ﷺ ، وبين كل مشعرين برزخ ليس منهما، فبين عرفة ومزدلفة بطنُ عُرنة، وبين مزدلفة ومنى بطنُ مُحسر، فمنى من الحرم، وهي مشعر، ومحسر من الحرم، وليس بمشعر، ومزدلفة مشعر وحرم، وعرنة ليس بمشعر، وهي من الحل.
١١ - فصل في رمي جمرة العقبة يوم النحر
إذا وصل إلى منى، يستحب ألا يعرج على شيء من نزول أو حط رحل أو غير ذلك حتى يرمي جمرة العقبة بالاتفاق، وهو تحية منى، وهي في آخر منى مما يلي مكة المشرفة، وهي الجمرة الكبرى، ولا يرمي يوم النحر غيرها، فإذا وصل إليها، فالأفضل عند الشافعية، والحنفية، والمالكية: أن يقف تحتها، ويجعل مكة عن يساره، ومنى عن يمينه، ويستقبل الجمرة، هذا هو الذي صح عن النبي ﷺ فيها، ومذهب الحنابلة: أن الأفضل أن يستبطن الوادي، ويقف مستقبل القبلة، ويرميها عن يمينه.
وقال الشافعية: يقصد المرمى، وهو مجمع الحصى عند البناء الشاخص هناك، لا ما سال من الحصى، يرمي سبع حصيات في سبع مرات بيده، وهذا مقتضى قول الحنابلة، وعند الحنفية: يرمي بسبع حصيات في سبع مرات، فإن وقعت عند الجمرة أو قريباً منها، أجزأه، وإن وقعت بعيداً منها، لم يجزه، وقال
стр. 110
ابن الحاجب من المالكية: إنه يشترط كونه حجراً ورمياً على الجمرة أو موضع حصاها، واستحب الشافعية: أن يكون الرمي باليمنى، واستحب الشافعية والحنابلة: أن يرفع الرجل يده في الرمي حتى يُرى بياض إبطه، والمرأة لا ترفع، والحنفية: أنهما يرفعان.
والسنة عند الأربعة: أن يكبر مع كل حصاة، وإن شاء قال مع ذلك: "اللهم اجعله حجاً مبروراً، وسعياً مشكوراً، وذنباً مغفوراً"، قاله ابن مسعود، وابن عمر -رضي الله تعالى عنهما-، ولا يزال يلبي في ذهابه من مشعر إلى مشعر؛ مثل ذهابه إلى عرفات، ومن عرفة إلى مزدلفة، ومنها إلى منى حتى يرمي جمرة العقبة، فإذا شرع [في] الرمي، قطع التلبية؛ فإنه حينئذ يشرع التحلل، والعلماء في التلبية على ثلاثة أقوال:
١ - منهم من يقول: يقطعها إذا وصل إلى عرفة،
٢ - ومنهم من يقول: يلبي بعرفة،
٣ - والثالث: إذا فاض إلى مزدلفة لبى، ومنها إلى منى حتى يرمي جمرة العقبة، وهكذا صح عن النبي ﷺ .
وأما التلبية في وقوفه ﷺ بعرفة ومزدلفة، فلم يُنقل عنه ﷺ ، وقد نقل عن الخلفاء الراشدين وغيرهم أنهم كانوا لا يلبون بعرفة. والسنة عند الشافعية: أن يرمي راكباً، فإن رمي ماشياً، أجزأه، وعن أبي حنيفة ومحمد: الرمي كله راكباً أفضل، وعند المالكية: ماشياً أفضل.
قلت: وفي حديث جابر، قال: رأيت النبي ﷺ يرمي الجمرة على راحلته يوم النحر، رواه أحمد، ومسلم، والنسائي. وفيه أن رمي الراكب أفضل من رمي الراجل، وقيل: إن الرمي واجب بالإجماع، واقتصر في "الفتح" على حكاية الوجوب عن الجمهور، وقال: إنه عند المالكية سنة، وحكى عنهم: أن رمي جمرة العقبة ركن يبطل الحج بتركه. وحكى ابن جرير عن عائشة وغيرها: أن الرمي شرع حفظاً للتكبير، فإنْ تركه وكَبَّر، أجزأه.
والحق أنه واجب؛ لما قدَّمنا من أن أفعاله ﷺ : بيان لمجمَل واجب، وهو قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] وقوله ﷺ : "خذوا عني مناسككم"، ويدخل وقت رمي جمرة العقبة بنصف الليل من ليلة العيد، ويمتد