← Каваид фикха

Каваид фикха · id 17102

قواعد معرفة البدع

محمد حسين الجيزاني

Полный текст (174 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

قَوَاعِدُ معرفَة الْبِدَع تأليف مُحَمَّد بن حُسَيْن الجيزاني دَار ابْن الْجَوْزِيّ

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله على الإسلام والسنة والعافية؛ فإن سعادة الدنيا والآخرة ونعيمهما مبنيٌّ على هذه الأركان الثلاثة، وما اجتمعن في عبد بوصف الكمال إلا وقد كملت نعمة الله عليه، وإلا فنصيبه من نعمة الله بحسب نصيبه منها (١). والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد فالناس في تحديد مسمَّى البدعة وضبط معناها فريقان: فريق بالغ في التبديع، وتساهل في الحكم بالبدعة على كل محدثة أو قضية لم يبلغه دليُلها، وهؤلاء جعلوا باب الابتداع واسعًا وربما أدرجوا تحت مسمّى البدعة شيئًا من الشريعة والسنة. وفريق تساهل في الأخذ بالبدعة، وتوسَّع في ارتكابها، وهؤلاء جعلوا باب الابتداع ضيقًا، لا يدخل فيه سوى البدع الأمهات، وكبائر المحدثات، وربما وصل الحال بهم إلى إدراج الكثير من البدع والمحدثاث تحت مسمّى الشريعة والسنة.

стр. 3

فانظر رحمك الله كيف أن الفريق الأول وسَّعوا مسمّى البدعة حتى أدخلوا فيه ما ليس منه، وهم في المقابل قَصَروا مسمّى الشريعة على ما عرفوه وألفوه من النوازل والأحكام، حتى أخرجوا من مسمّى الشريعة بعض ما هو منها. وانظر كيف أن الفريق الآخر ضيَّقوا مسمّى البدعة حتى أخرجوا منه بعض أفراده، وهم في المقابل وسَّعوا مسمّى الشريعة والسنة حتى أدخلوا فيه ما ليس منه. ومن هنا يتبين لك - أيها الناظر - ما عند كل فريق من الخطأ في ضبط معنى البدعة، وهو الذي أثمر الخطأ في معنى السنة، إذ السنة والبدعة معنيان متقابلان، وعُلم بهذا أن كل فريق آخذ بطرف، مائل به عن الوسط. وقد أشار ابن تيمية إلى نحو ذلك بقوله: (لكنَّ أعظم المهم في هذا الباب وغيره تمييز السنة من البدعة؛ إذ السنَّة ما أمَر به الشارع، والبدعة ما لم يشرعه من الدين. فإن هذا الباب كثر فيه اضطرابُ الناس في الأصول والفروع، حيث يزعم كل فريق أنَّ طريقه هو السنة، وطريقَ مخالفه هو البدعة، ثم إنه يحكم على مخالفه بحكم المبتدع، فيقوم من ذلك من الشر ما لا يحصيه إلا الله) (١).

стр. 4

وكان الواجب إعطاء البدعة معناها دون إجحاف ولا إسراف. وإنما يتمهَّد هذا الواجب بوضْع ضوابط جليَّة لمعنى البدعة ورسْمِ معالم بيِّنة لحدودها، وما يدخل فيها وما لا يدخل. وبهذا يتأتّى الحكم على آحاد البدع وأعيانها، وذلك عندما تردُّ كلُّ بدعة إلى قواعدها الكليَّة. من هنا تظهر أهمية تحديد القواعد التي تُعرف بها البدع. ومن جهة أخرى فإنَّ ضبط الأمور المنتشرة المتعددة، وإجمال الأحكام الكثيرة المتفرقة أوعى لحفظها، وأدعى لرسوخها. والحكيم إذا أراد التعليم لا بد له أن يجمع بين بيانين: إجمالي تتشوَّف إليه النفس. وتفصيلي تسكن إليه (١). وبعد إطالة النظر وإمعان الفكر فيما حرَّره أهل العلم في باب البدع والمحدثات (٢) اجتمع لديَّ ثلاث وعشرون قاعدة، عليها يقوم الابتداع في الدين، وإليها يؤول الإحداث المشين.

стр. 5

ومن الموافقات اللطيفة أن يوافق عدد هذه القواعد عدد سني البعثة المحمدية ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾. وقد رأيت أن أجعل بين يديَّ هذه القواعد مدخلين: أولهما في حد البدعة، وثانيهما في الأصول الجامعة للابتداع. المدخل الأول في حد البدعة وفيه ثمان مسائل: ١ - معنى البدعة في اللغة. ٢ - معنى البدعة في الشرع. ٣ - موازنة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي. ٤ - العلاقة بين الابتداع والإحداث. ٥ - العلاقة بين البدعة والسنة. ٦ - العلاقة بين البدعة والمعصية. ٧ - العلاقة بين البدعة والمصلحة المرسلة. ٨ - خصائص البدعة.

стр. 6

المدخل الثاني في الأصول الجامع للابتداع وفيه تفصيل الكلام على الأصول الجامعة للابتداع، وهي ثلاثة: * الأصل الأول: التقرب إلى الله بما لم يشرع. * الأصل الثاني: الخروج على نظام الدين. * الأصل الثالث: الذرائع المفضية إلى البدعة. أما موضوع هذا الكتاب وعمود فسطاطه وهو بيان القواعد التي تُعرف بها البدع فقد قسَّمته إلى ثلاثة أقسام؛ بناء على أن هذه القواعد - وعددها ثلاث وعشرون - راجعة إلى أصول ثلاثة، وذلك على النحو التالي: الأصل الأول: التقرب إلى الله بما لم يشرع وتحته عشر قواعد: ١ - العبادة المستندة إلى حديث مكذوب. ٢ - العبادة المستندة إلى الهوى والرأي المجرد. ٣ - العبادة المخالفة للسنة التركية. ٤ - العبادة المخالفة لعمل السلف.

стр. 7

٥ - العبادة المخالفة لقواعد الشريعة. ٦ - التقرب إلى الله بالعادات والمباحات. ٧ - التقرب إلى الله بالمعاصي. ٨ - إطلاق العبادة المقيدة. ٩ - تقييد العبادة المطلقة. ١٠ - الغلو في العبادة. الأصل الثاني: الخروج على نظام الدين وتحته ثمان قواعد: ١١ - ما كان من الاعتقادات والآراء معارضًا لنصوص الوحي. ١٢ - ما لم يرد في الوحي ولم يؤثر عن الصحابة والتابعين من اعتقادات. ١٣ - الخصومة والجدال في الدين. ١٤ - الإلزام بشيء من العادات والمعاملات. ١٥ - أن يحصل بفعل العادة أو المعاملة تغييرٌ للأوضاع الشرعية الثابتة.

стр. 8

١٦ - مشابهة الكافرين في خصائصهم. ١٧ - مشابهة الكافرين في محدثاتهم. ١٨ - الإتيان بشيء من أعمال الجاهلية. الأصل الثالث: الذرائع المفضية إلى البدعة وتحته خمس قواعد: ١٩ - أن يفعل ما هو مطلوب شرعًا على وجه يُوهم خلاف ما هو عليه في الحقيقة. ٢٠ - أن يفعل ما هو جائز شرعًا على وجه يُعتقد فيه أنه مطلوب شرعًا. ٢١ - أن يعمل بالمعصية العلماء وتظهر من جهتهم، بحيث يعتقد العامة أن هذه المعصية من الدين. ٢٢ - أن يعمل بالمعصية العوام وتشيع فيهم، ولا ينكرها العلماء وهم قادرون على الإنكار، بحيث يعتقد العامة أن هذه المعصية مما لا بأس به. ٢٣ - ما يترتب على فعل البدع المحدثة من الأعمال. ثم ذيَّلت هذه القواعد بخاتمة تضمنت عرضًا مجملاً لهذه القواعد، وبيان مجالات البدعة.

стр. 9

هذه جملة موضوعات الكتاب. والمقصود من جمع هذه القواعد وترتبيها أن يستبين طريق الضلالة والابتداع، وأن يرفع الالتباس الناشئ بين السنن والبدع. وهما أمران لا ثالث لهما: إتباع السنة، وإتباع الهوى. فمن أراد إتباع السنة فإنه سيأخذ بجادّة الطريق، وهي: النصوص المُحْكمة وعمل السلف الصالح وسبيلهم. ومن أراد إتباع هواه فسيسلك لذلك بُنيَّات الطريق، وسيجد هنالك: عمومات، أو قياسًا، أو قول صحابي أو تابعي، أو رأيًا لبعض أهل العلم، جميع هذه في ظاهرها أدلة، وما هي - عند التحقيق - بأدلة. وكلُّ صاحب مذهب لا يعجزه أن يستدل لمذهبه بدليل شرعي؛ صحَّ أو لم يصح، والحقُّ - يا مبتغيه - إنما يُبتغى في إتباع الدليل الناصع واقتفاء السبيل الواضح، لا في موافقة جمهور الناس ومجاراتهم، والتوسعة عليهم. واعلم أن المتعرِّض لمثل هذا الأمر - أعني مخالفة جمهور الناس وعوائدهم - ينحو نحو الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى في العمل حيث قال: ألا وإني أُعالج أمرًا لا يعين عليه إلا الله، قد

стр. 10

فني عليه الكبير، وكبر عليه الصغير، وفصح عليه الأعجمي، وهاجر عليه الأعرابي حتى حسبوه دينًا لا يرون الحق غيره (١). أسأل الله جل شأنه أن يرينا الحقَّ حقَّ ويرزقنا إتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. * * *

стр. 11

المدخل الأول حدُّ البدعة وفيه ثمان مسائل: ١ - معنى البدعة في اللغة. ٢ - معنى البدعة في الشرع. ٣ - موازنة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي. ٤ - العلاقة بين الابتداع والإحداث. ٥ - العلاقة بين البدعة والسنة. ٦ - العلاقة بين البدعة والمعصية. ٧ - العلاقة بين البدعة والمصلحة المرسلة. ٨ - خصائص البدعة.

стр. 12

المسألة الأولى: معنى البدعة في اللغة (١) تأتي مادة (بدع) في اللغة على معنيين: أحدهما: الشيء المخترع على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ﴾. وجاء على هذا المعنى قول عمر ﵁: (نعمت البدعة) (٢)، وقول غيره من الأئمة؛ كقول الشافعي: (البدعة بدعتان: بدعة محمودة وبدعة مذمومة؛ فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم) (٣). قال ابن رجب: (وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية، فمن ذلك قول عمر ﵁ لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد، وخرج، ورآهم يصلون كذلك فقال: نعمت البدعة هذه) (٤).

стр. 13

والمعنى الثاني: التعب والكلال، يقال: أبدعت الإبل إذا بركت في الطريق من هزال أو داء أو كلال، ومنه قول الرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ فقال: إني أُبدع بي فاحملني فقال: «ما عندي» فقال رجل: يا رسول الله أنا أدله على من يحمله فقال رسول الله ﷺ : «من دل على خير فله مثل أجر فاعله» (١). وهذا المعنى رجع إلى المعنى الأول؛ لأن معنى أبدعت الإبل: بدأ بها التعب بعد أن لم يكن بها. المسألة الثانية: معنى البدعة في الشرع وردت في السنة المطهرة أحاديث نبوية فيها إشارة إلى المعنى الشرعي للفظ البدعة، فمن ذلك: ١ - حديث العرباض بن سارية ﵁، وفيه: قوله ﷺ : «وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة» (٢).

стр. 14

٢ - حديث جابر بن عبد الله ﵁، وفيه: أن النبي ﷺ كان يقول في خطبته: «إن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار» (١). وإذا تبيَّن بهذين الحديثين أن البدعة هي المحدثة استدعى ذلك أن يُنظر في معنى الإحداث في السنة المطهرة، وقد ورد في ذلك: ٣ - حديث عائشة ﵂ وهو قوله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (٢). ٤ - وفي رواية: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (٣). هذه الأحاديث الأربعة إذا تؤملت وجدناها تدل على حد البدعة وحقيقتها في نظر الشارع. ذلك أن للبدعة الشرعية قيودًا ثلاثة تختص بها، والشيء لا يكون بدعة في الشرع إلا بتوفرها فيه، وهي:

стр. 15

١ - الإحداث. ٢ - أن يضاف هذا الإحداث إلى الدين. ٣ - ألا يستند هذا الإحداث إلى أصل شرعي؛ بطريق خاص أو عام. وإليك فيما يأتي إيضاح هذه القيود الثلاثة: ١ - الإحداث. والدليل على هذا القيد قوله ﷺ : «من أحدث»، وقوله: «وكل محدثة بدعة». والمراد بالإحداث: الإتيان بالأمر الجديد المخترع، الذي لم يسبق إلى مثله (١). فيدخل فيه كل مخترع، مذمومًا كان أو محمودًا، في الدين كان أو في غيره.

стр. 16

وبهذا القيد خرج ما لا إحداث فيه أصلاً؛ مثل فعل الشعائر الدينية كالصلوات المكتوبات، وصيام شهر رمضان، ومثل الإتيان بشيء من الأمور الدنيوية المعتادة كالطعام واللباس ونحو ذلك. ولما كان الإحداث قد يقع في شيء من أمور الدنيا، وقد يقع في شيء من أمور الدين؛ تحتَّم تقييد هذا الإحداث بالقيدين الآتيين: ٢ - أن يضاف هذا الإحداث إلى الدين. والدليل على هذا القيد قوله ﷺ : «في أمرنا هذا». والمراد بأمره ها هنا: دينه وشرعه (١). فالمعنى المقصود في البدعة: أن يكون الإحداث من شأنه أن يُنسب إلى الشرع ويضاف إلى الدين بوجه من الوجوه، وهذا المعنى يحصل بواحد من أصول ثلاثة: الأصل الأول: التقرب إلى الله بما لم يشرع، والثاني: الخروج على نظام الدين، ويلحق بهما أصل ثالث، وهو الذرائع المفضية إلى البدعة. وبهذا القيد تخرج المخترعات المادية والمحدثات الدنيوية مما لا صلة له بأمر الدين، وكذلك المعاصي والمنكرات التي استحدثت، ولم تكن من قبل، فهذه لا تكون بدعة، اللهم إلا إن فُعلت على وجه التقرب، أو كانت ذريعة إلى أن يظن أنها من الدين.

стр. 17

٣ - ألا يستند هذا الإحداث إلى أصل شرعي؛ بطريق خاص ولا عام. والدليل على هذا القيد: قوله ﷺ : «ما ليس منه»، وقوله: «ليس عليه أمرنا». وبهذا القيد تخرج المحدثات المتعلقة بالدين مما له أصل شرعي، عام أو خاص، فمما أُحدث في الدين وكان مستندًا إلى دليل شرعي عام: ما ثبت بالمصالح المرسلة؛ مثل جمع الصحابة ﵃ للقرآن، ومما أُحدث في هذا الدين وكان مستندًا إلى دليل شرعي خاص: إحداث صلاة التراويح جماعة في عهد عمر ﵁ فإنه قد استند إلى دليل شرعي خاص. ومثله أيضًا إحياء الشرائع المهجورة، والتمثيل لذلك يتفاوت بحسب الزمان والمكان تفاوتًا بيِّنًا، ومن الأمثلة عليه ذكر الله في مواطن الغفلة. وبالنظر إلى المعنى الغوي للفظ الإحداث صحَّ تسمية الأمور المستندة إلى دليل شرعي محدثات؛ فإن هذه الأمور الشرعية اُبتدئ فعلها مرة ثانية بعد أن هُجرت أو جُهلت، فهو إحداث نسبي. ومعلوم أن كل إحداث دل على صحته وثبوته دليل شرعي فلا يسمى - في نظر الشرع - إحداثًا، ولا يكون ابتداعًا، إذ الإحداث والابتداع إنما يطلق - في نظر الشرع - على ما لا دليل عليه.

стр. 18

وإليك فيما يأتي ما يقرر هذه القيود الثلاثة من كلام أهل العلم: قال ابن رجب: (فكل من أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصل من الدين يرجع إليه؛ فهو ضلالة، والدين منه بريء) (١). وقال أيضًا: (والمراد بالبدعة: ما أُحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، فأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا، وإن كان بدعة لغةً) (٢). وقال ابن حجر: (والمراد بقوله: «كل بدعة ضلالة» ما أحدث ولا دليل له من الشرع بطريق خاص ولا عام) (٣). وقال أيضًا: (وهذا الحديث [يعني حديث «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»] معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده؛ فإن من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه» (٤).

стр. 19

التعريف الشرعي للبدعة: يمكننا مما سبق تحديد معنى البدعة في الشرع بأنها ما جمعت القيود الثلاثة المتقدمة، ولعل التعريف الجامع لهذه القيود أن يقال: البدعة هي: (ما أُحدث في دين الله، وليس له أصل عام ولا خاص يدل عليه). أو بعبارة أوجز: (ما أُحدث في الدين من غير دليل). المسألة الثالثة: موازنة بين المعنى اللغوي للبدعة والمعنى الشرعي وذلك من وجهين: ١ - أن المعنى اللغوي للبدعة أعم من المعنى الشرعي، فإن بينهما عمومًا وخصوصًا مطلقًا؛ إذ كل بدعة في الشرع داخلة تحت مسمى البدعة في اللغة، ولا عكس؛ فإن بعض البدع اللغوية - كالمخترعات المادية - غير داخلة تحت مسمى البدعة في الشرع (١). ٢ - أن البدعة بالإطلاق الشرعي هي البدعة الواردة في حديث «كل بدعة ضلالة» دون البدعة اللغوية، ولذلك فإن البدعة الشرعية

стр. 20

موصوفة بأنها ضلالة، وأنها مردودة، وهذا الاتصاف عام لا استثناء فيه، بخلاف البدعة اللغوية فإنها غير مقصودة بحديث «كل بدعة ضلالة» فإن البدعة اللغوية لا يلازمها وصف الضلالة والذم، ولا الحكم عليها بالرد والبطلان. المسألة الرابعة: العلاقة بين الابتداع والإحداث الابتداع والإحداث يردان في اللغة بمعنى واحد؛ إذ معناهما: الإتيان بالشيء المخترع بعد أن لم يكن. وأما في المعنى الشرعي فقد دلت الأحاديث الأربعة المتقدمة على أن للبدعة في الشرع اسمين: البدعة والمحدثة. إلا أن لفظ البدعة غلب إطلاقه على (الأمر المخترع المذموم في الدين خاصة). وأما لفظ المحدثة فقد غلب إطلاقه (على الأمر المخترع المذموم في الدين كان أو في غيره). وبهذا يعلم أن الإحداث أعم من الابتداع؛ لكون لفظ الإحداث شاملاً لكل مخترع مذموم، في الدين كان أو في غيره، إذ يدخل في معنى

стр. 21

الإحداث: الإثم وفعل المعاصي، ومنه قوله ﷺ : «من أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا» (١)، قال ابن حجر: (أي أحدث المعصية) (٢). وبذلك يتبين لنا أن لفظ المحدثة - بهذا النظر - متوسط بين معنيي البدعة في اللغة والشرع، فهو أخص من معنى البدعة في اللغة، وأعم من معناها في الشرع. فتحصل لدينا ثلاثة معان: ١ - الأمر المخترع مذمومًا كان أو محمودًا، في الدين كان أو في غيره. ٢ - الأمر المخترع المذموم في الدين كان أو في غيره. ٣ - الأمر المخترع المذموم في الدين خاصة. فالأول عام، وهو المعنى اللغوي للبدعة وللمحدثة. والثاني خاص، وهو المعنى الشرعي - الغالب - للمحدثة. والثالث أخص، وهو المعنى الشرعي للبدعة، وهو - أيضًا - المعنى الشرعي الآخر للمحدثة.

стр. 22

المسألة الخامسة: العلاقة بين البدعة والسنة يأتي نظير لفظ البدعة - في هذين الإطلاقين: اللغوي والشرعي - لفظُ السنة، وبيان ذلك: ١ - بالنظر إلى المعنى اللغوي. تأتي السنة في اللغة بمعنى البدعة في اللغة؛ إذ السنة لغةً بمعنى الطريقة؛ حسنة كانت أو سيئة، فكل من ابتدأ أمرًا عمل به قومٌ من بعده قيل هو سنة (١). فالسنة والبدعة - في المعنى اللغوي - لفظان مترادفان. ومن الأمثلة على ورود لفظ السنة بمعناه اللغوي قول الرسول ﷺ : «من سَنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سَنَّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء». ٢ - بالنظر إلى المعنى الشرعي: تأتي السنة بالمعنى الشرعي في مقابل البدعة بالمعنى

стр. 23

الشرعي؛ إذ السنة شرعًا هي طريقة النبي ﷺ وأصحابه. والبدعة هي ما كان مخالفًا لطريقة النبي ﷺ وأصحابه. فالسنة والبدعة - في المعنى الشرعي - لفظان متقابلان، فمن ذلك. قول النبي ﷺ : «ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة، فتمسكٌ بسنة خير من إحداث بدعة» (١). وقوله ﷺ : «فإن لكل عابد شرة، ولكل شرة فترة؛ فإما إلى سنة وإما إلى بدعة، فمن كانت فترته إلى سنة فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك» (٢). المسألة السادسة: العلاقة بين البدعة والمعصية أ - وجوه اجتماع البدعة مع المعصية: ١ - أن كلاً منهما منهي عنه، مذموم شرعًا، وأن الإثم يلحق فاعله، ومن هذا الوجه فإن البدع تدخل تحت جملة المعاصي (٣).

стр. 24

وبهذا النظر فإن كل بدعة معصية، وليس كل معصية بدعة. ٢ - أن كلاً منهما متفاوت، ليس على درجة واحدة؛ إذ المعاصي تنقسم - باتفاق العلماء - إلى ما يكفَّر به، وإلى كبائر وإلى صغائر (١)، وكذلك البدع؛ فإنها تنقسم إلى ما يُكفَّر به، وإلى كبائر وإلى صغائر (٢). ٣ - أنهما مؤذنان باندراس الشريعة وذهاب السنة؛ فكلما كثرت المعاصي والبدع وانتشرت كلما ضعفت السنن، وكلما قويت السنن وانتشرت كلما ضعفت المعاصي والبدع، فالبدعة والمعصية - بهذا النظر - مقترنان في العصف بالهدى وإطفاء نور الحق، وهما يسيران نحو ذلك في خطين متوازيين. يوضح هذا: ٤ - أن كلاً منهما مناقض لمقاصد الشريعة، عائد على الدين بالهدم والبطلان.

стр. 25

ب - وجوه الافتراق بين البدعة والمعصية: ١ - تنفرد المعصية بأن مستند النهي عنها - غالبًا - هو الأدلة الخاصة، من نصوص الوحي أو الإجماع أو القياس، بخلاف البدعة؛ فإن مستند النهي عنها - غالبًا - هو الأدلة العامة، ومقاصد الشريعة، وعموم قوله ﷺ : «كل بدعة ضلالة». ٢ - وتنفرد البدعة بكونها مضاهية للمشروع؛ إذ هي تضاف إلى الدين، وتلحق به، بخلاف المعصية فإنها مخالفة للمشروع، إذ هي خارجة عن الدين، غير منسوبة إليه، اللهم إلا أن فُعلت هذه المعصية على وجه التقرب، فيجتمع فيها - من وجهين مختلفين - أنها معصية وبدعة في آن واحد. ٣ - وتنفرد البدعة بكونها جرمًا عظيمًا بالنسبة إلى مجاوزة حدود الله بالتشريع؛ إذ حاصلها مخالفة في اعتقاد كمال الشريعة، ورمي للشرع بالنقص والاستدراك، وأنها لم تكتمل بعد، بخلاف سائر المعاصي؛ فإنها لا تعود على الشريعة بتنقيص ولا غض من جانبها، بل صاحب المعصية متنصل منها، مقر بمخالفته لحكمها. ٤ - وتنفرد المعصية بكونها جرمًا عظيمًا بالنسبة إلى مجاوزة جدود الله بالانتهاك؛ إذ حاصلها عدم توقير الله في النفوس بترك الانقياد

стр. 26

لشرعه ودينه، وكما قيل: (لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى من عصيت) (١)، بخلاف البدعة؛ فإن صاحبها يرى أنه موقر لله، معظم لشرعه ودينه، ويعتقد أنه قريب من ربه، وأنه ممتثل لأمره، ولهذا كان السلف يقبلون رواية المبتدع إذا لم يكن داعية إلى بدعته، ولم يكن ممن يستحل الكذب، بخلاف من يقترف المعاصي فإنه فاسق، ساقط العدالة، مردود الرواية باتفاق. ٥ - ولأجل ذلك أيضًا فإن المعصية تنفرد بأن صاحبها قد يُحدِّث نفسه بالتوبة والرجوع، بخلاف المبتدع؛ فإنه لا يزداد إلا إصرارًا على بدعته لكونه يرى عمله قربة، خاصة أرباب البدع الكبرى كما قال تعالى: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ وقد قال سفيان الثوري: (البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن المعصية يتاب منها والبدع لا يتاب منها) وفي الأثر أن إبليس قال: (أهلكت بني آدم بالذنوب، وأهلكوني بالاستغفار وبـ (لا إله إلا الله) فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء، فهم يذنبون ولا يتوبون؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا) (٢).

стр. 27

٦ - ولذلك فإن جنس البدعة أعظم من جنس المعصية، ذلك أن (فتنة المبتدع في أصل الدين، وفتنة المذنب في الشهوة) (١)، وهذا كله إنما يطرد ويستقيم إذا لم يقترن بأحدهما قرائن وأحوال تنقله عن رتبته. ومن الأمثلة على هذه القرائن والأحوال: أن المخالفة - معصية كانت أو ... بدعة - تعظم رتبتها إذا اقترن بها المداومة والإصرار عليها أو الاستخفاف بها أو استحلالها أو المجاهرة بها أو الدعوة إليها ويقل خطرها إذا اقترن بها التستر والاستخفاء أو عدم الإصرار عليها أو الندم والرجوع عنها. ومن الأمثلة على هذه القرائن أيضًا: أن المخالفة في ذاتها تعظم رتبتها بعظم المفسدة، فما كانت مفسدته ترجع إلى كلي في الدين فهو أعظم مما كانت مفسدته ترجع إلى جزئي فيه، وكذلك: ما كانت مفسدته متعلقة بالدين فإنه أعظم مما كانت مفسدته متعلقة بالنفس. والحاصل أن الموازنة بين البدع والمعاصي لا بد فيها من مراعاة الحال والمقام، واعتبار المصالح والمفاسد، والنظر إلى مآلات الأمور؛ فإن التنبيه على خطورة البدع والمبالغة في تعظيم

стр. 28

شأنها ينبغي ألا يفضي - في الحال أو المآل - إلى الاستخفاف بالمعاصي والتحقير من شأنها، كما ينبغي أيضًا ألا يفضي التنبيه على خطورة المعاصي والمبالغة في تعظيم شأنها - في الحال أو المآل - إلى الاستخفاف بالبدع والتحقير من شأنها. المسألة السابعة: العلاقة بين البدعة والمصلحة المرسلة (١) أ - وجوه اجتماع البدعة والمصلحة المرسلة: ١ - أن كلا من البدعة والمصلحة المرسلة مما لم يعهد وقوعه في عصر النبوة، ولا سيما المصالح المرسلة، وهو الغالب في البدع إلا أنه ربما وجدت بعض البدع - وهذا قليل - في عصره ﷺ ؛ كما ورد ذلك في قصة النفر الثلاثة الذين جاءوا يسألون عن عبادة النبي ﷺ . ٢ - أن كلا من البدعة - في الغالب - والمصلحة المرسلة خال عن الدليل الخاص المعين، إذ الأدلة العامة المطلقة هي غاية ما يمكن الاستدلال به فيهما. ب - وجوه الافتراق بين البدعة والمصلحة المرسلة: ١ - تنفرد البدعة في أنها لا تكون إلا في الأمور التعبدية، وما يلتحق

стр. 29

بها من أمور الدين بخلاف المصلحة المرسلة؛ فإن عامة النظر فيها إنما هو فيما عقل معناه، وجرى على المناسبات المعقولة التي إذا عُرضت على العقول تلقتها بالقبول فلا مدخل لها في التعبدات، ولا ما جرى مجراها من الأمور الشرعية. ٢ - وتنفرد البدعة بكونها مقصودة بالقصد الأول لدى أصحابها؛ فهم - في الغالب - يتقربون إلى الله بفعلها، ولا يحيدون عنها، فيبعد جدًا - عند أرباب البدع - إهدار العمل بها؛ إذ يرون بدعتهم راجحة على كل ما يعارضها، بخلاف المصلحة المرسلة؛ فإنها مقصودة بالقصد الثاني دون الأول، فهي تدخل تحت باب الوسائل؛ لأنها إنما شرعت لأجل التوسل بها إلى تحقيق مقصد من مقاصد الشريعة، ويدل على ذلك أن هذه المصلحة يسقط اعتبارها، والالتفات إليها شرعًا متى عورضت بمفسدة أربى منها، وحينئذٍ فمن غير الممكن إحداث البدع من جهة المصالح المرسلة. ٣ - وتنفرد البدعة بأنها تؤول إلى التشديد على المكلفين؛ وزيادة الحرج عليهم، بخلاف المصلحة المرسلة؛ فإنها تعود بالتخفيف على المكلفين، ورفع الحرج عنهم، أو إلى حفظ أمر ضروري لهم. ٤ - وتنفرد البدعة بكونها مناقضة لمقاصد الشريعة، هادمة لها،

стр. 30

بخلاف المصلحة المرسلة؛ فإنها - لكي تعتبر شرعًا - لا بد أن تندرج تحت مقاصد الشريعة، وأن تكون خادمة لها، وإلا لم تعتبر. ٥ - وتنفرد المصلحة المرسلة بأن عدم وقوعها في عصر النبوة إنما كان لأجل انتفاء المقتضي لفعلها، أو أن المقتضي لفعلها قائم لكن وجد مانع يمنع منه، بخلاف البدعة فإن عدم وقوعها في عهد النبوة كان مع قيام المقتضي لفعلها، وتوفر الداعي، وانتفاء المانع. والحاصل: أن المصالح المرسلة إذا روعيت شروطها كانت مضادة للبدع، مباينة لها، وامتنع جريان الابتداع من جهة المصلحة المرسلة؛ لأنها - والحالة كذلك - يسقط اعتبارها ولا تسمى إذ ذاك مصلحة مرسلة، بل تسمى إما مصلحة ملغاة أو مفسدة. المسألة الثامنة: خصائص البدعة بنظرة فاحصة في القيود الثلاثة الواردة في المعنى الشرعي للبدعة يمكننا استخراج سمات البدعة وخصائصها، تلك الخصائص التي تفترق بها البدعة عما يشتبه بها ويقترب منها. وهي أربع خصائص: الأولى: أنه لا يوجد في النهي عن البدعة - غالبًا - دليل خاص (١)، وإنما يستدل على النهي عنها والمنع منها بالدليل الكلي العام.

стр. 31

الثانية: أن البدعة لا تكون إلا مناقضة لمقاصد الشريعة، هادمة لها، وهذا هو الدليل الكلي على ذمها وبطلانها، ولأجل ذلك وُصفت في الحديث بأنها ضلالة. الثالثة: أن البدعة - في الغالب - إنما تكون بفعل أمور لم تعرف في عهده ﷺ ولا في عهد صحابته ﵃. قال ابن الجوزي: (البدعة: عبارة عن فعلٍ لم يكن؛ فُابتُدع) (١). ولذا سميت البدعة بدعة؛ فإن البدعة في اللغة: الشيء الذي أحدث على غير مثال سواء كان محمودًا أو مذمومًا، ومن هذا الوجه أطلق بعض السلف لفظ البدعة على كل أمر - محمودًا كان أو مذمومًا - لم يحدث في عهده ﷺ ، كما ورد ذلك عن الإمام الشافعي. الرابعة: أن البدعة مشابهة ولا بد للأمور الشرعية ملتبسة بها. بيان ذلك: أن البدعة تحاكي المشروع وتضاهيه من جهتين: ١ - من جهة مستندها؛ إذ البدعة لا تخلو من شبهة أو دليل موهوم، فهي تستند إلى دليل يظن أنه دليل صحيح (٢)، كما أن العبادة المشروعة تستند ولا بد إلى دليل صحيح.

стр. 32

٢ - من جهة هيئة العبادة المشروعة وصفتها؛ من حيث الكم أو الكيف أو الزمان أو المكان، أو من حيث الإلزام بها، وجعلها كالشرع المحتَّم. ذكر أمور لا تشترط في البدعة من المستحسن بعد بيان خصائص البدعة التنبيه على أمور قد يظن أنها من خصائص البدعة وليست كذلك، فمن ذلك: ١ - لا يشترط في البدعة ألا يوجد لها بعض الفوائد، بل قد توجد لبعض البدع بعض الفوائد، إذ ليست البدع من قبيل الباطل الخالص الذي لا حق فيه، ولا هي من الشر المحض الذي لا خير فيه. وهذه الفوائد التي قد توجد في بدعة من البدع لا تجعلها مشروعة، ذلك لأن الجانب الغالب في البدعة هو المفسدة، وأما جانب الفائدة والمنفعة فهو مرجوح؛ فلا يبنى عليه ولا يلتفت إليه. قال ابن تيمية: (بل اليهود والنصارى يجدون في عباداتهم أيضًا فوائد، وذلك لأنه لا بد أن تشتمل عباداتهم على نوع ما، مشروع من جنسه، كما أن أقوالهم لا بد أن تشتمل على صدق ما، مأثور عن الأنبياء ثم مع ذلك لا يوجب ذلك أن نفعل عباداتهم أو نروي كلماتهم.

стр. 33

لأن جميع المبتدعات لا بد أن تشتمل على شر راجح على ما فيها من الخير، إذ لو كان خيرها راجحًا لما أهملتها الشريعة. فنحن نستدل بكونها بدعة على أن إثمها أكبر من نفعها، وذلك هو الموجب للنهي، وأقول: إن أثمها قد يزول عن بعض الأشخاص لمعارض: لاجتهاد أو غيره (١). ٢ - لا يشترط في البدعة أن تُفعل على وجه المداومة والتكرار، بل إن الشيء قد يُفعل مرة واحدة دون تكرار ويكون بدعة، وذلك كالتقرب إلى الله بفعل المعاصي أو بالعادات. ٣ - لا يشترط في البدعة أن تُفعل مع قصد القربة والتعبد، بل إن الشيء ربما كان بدعة دون هذا القصد، فلا يشترط - مثلاً - قصد القربة في البدع الحاصلة من جهة الخروج على نظام الدين؛ كالتشبه بالكافرين، ولا في الذرائع المفضية إلى البدعة، إلا أن غالب البدع - خاصة في باب العبادات - تجري من جهة قصد القربة. ٤ - لا يشترط في البدعة أن يتصف فاعلها بسوء المقصد وفساد النية بل قد يكون المبتدع مريدًا للخير، ومع ذلك فعمله يوصف بأنه

стр. 34

بدعة ضلالة، كما ورد ذلك في أثر ابن مسعود ﵁ حيث قال: (وكم من مريد للخير لن يصيبه) (١). ٥ - لا يشترط في البدعة أن تخلو عن دلالة الأدلة العامة عليها، بل قد تدل الأدلة العامة المطلقة على شرعها من جهة العموم، ولا يكون ذلك دليلاً على مشروعيتها من جهة الخصوص؛ إذ أن ما شرعه الله ورسوله ﷺ بوصف العموم والإطلاق لا يقتضي أن يكون مشروعًا بوصف الخصوص والتقييد، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ فإنه لا يقتضي بعمومه مشروعية الأذان للعيدين على وجه الخصوص. * * *

стр. 35

المدخل الثاني الأصول الجامعة للابتداع وهي ثلاثة أصول: الأصل الأول: التقرب إلى الله بما لم يشرع. الأصل الثاني: الخروج على نظام الدين. الأصل الثالث: الذرائع المفضية إلى البدعة.

стр. 36

توطئة: لما كانت قواعد معرفة البدع تجمعها أصول ثلاثة اقتضى ذلك الإشارة إلى هذه الأصول قبل الشروع في بيان القواعد. فأقول ومن الله أستمد الإعانة والتوفيق: قد عُلم مما تقدم في حد البدعة أن المعني الكلي للابتداع هو الإحداث في الدين. ولفظ الدين يشمل جانبين: الجانب الأول: التقرب إلى الله بما شرعه سبحانه من الدين. والجانب الثاني: الانقياد لدين الله بالخضوع. هذا ما دلَّ عليه حديث عائشة ﵂: «من أحدث في أمرنا هذا»؛ إذ المراد بأمره ها هنا: دينه وشرعه. وقد ورد في بعض ألفاظ هذا الحديث: «من أحدث في ديننا ما ليس فيه فهو رد» (١). والمراد بالدين: دين الإسلام، وهو حكم الله وشرعه، والانقياد لشريعته بالطاعة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ يقال: دنتهم فدانوا: أي قهرتهم فأطاعوا (٢).

стр. 37

من هنا يُعلم أن الإحداث في الدين يحصل بواحد من أصلين: الأصل الأول: التقرب إلى الله بما لم يشرع. ذلك أن القاعدة المطردة في هذا الدين أن التقرب إلى الله لا يكون إلا بفعل ما شرعه الله ورسوله ﷺ من العبادة فمن تعبد الله بشيء لم يشرعه الله ولا رسوله ﷺ فقد ابتدع. والأصل الثاني: الخروج على نظام الدين. ذلك أن القاعدة المطردة في هذا الدين هي وجوب الرجوع إلى هذه الشريعة، والانقياد إلى أحكامها بالخضوع والطاعة، فمن أعطى غير شريعة الإسلام حق الانقياد والطاعة فقد ابتدع. فهذا أصلان جامعان للابتداع. ويلحق بهذين الأصلين أصلٌ ثالث، وهو: الذرائع المفضية إلى البدعة. ذلك أن الإحداث في الدين كما يقع ابتداء فقد يقع مآلاً، وذلك بفعل أمر لا إحداث فيه البتة: لا من جهة التقريب إلى الله بما لم يشرع، ولا من جهة الخروج على نظام الدين، لكن الإحداث في الدين وقع بفعل هذا الأمر في ثاني الحال؛ لكونه يفضي في المآل إلى الإحداث، فأُعطيت الذرائع المؤدية إلى البدعة حكم البدعة.

стр. 38

وقد أشار إلى هذا الأصل رواية: «من عمل عملاً» التي تدل على أن الابتداع قد يحصل ممن قام بالإحداث وابتدأه، وقد يحصل ممن كان تابعًا فيه غير إحداث منه ولا قصد (١). فهذه ثلاثة أصول جامعة: (أ) التقرب إلى الله بما لم يشرع. (ب) الخروج على نظام الدين. (ج) الذرائع المفضية إلى البدعة. وإليك فيما يأتي مزيد بيان لهذه الأصول الثلاثة:

стр. 39

الأصل الأول: التقرب إلى الله بما لم يشرع معنى هذا الأصل: أن كل من تعبد الله بشيء لم يشرعه الله ولا رسوله ﷺ فقد جاء ببدعة ضلالة؛ إذ لا يتقرب إلى الله إلا بما شرعه من طاعات، ولا يعبد سبحانه إلا بما أذن به من عبادات. ذلك أن الأصل في العبادات المنع؛ إذ هي مبنية على التوقيف. قال سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ وبهذا يعلم أن (كل من دان بشيء لم يشرعه الله فذاك بدعة) (١). قال الشاطبي: (ولا معنى للبدعة إلا أن يكون الفعل في اعتقاد المبتدع مشروعًا وليس بمشروع) (٢). والتقرب إلى الله بما شرع أصل عظيم من أصول هذا الدين، بل إنه مقتضى توحيد الله والإيمان به، وهو توحيد الإتباع، وهو أحد شرطي العمل الصالح إذ لا بد لقبول العمل من شرطين: الإخلاص والمتابعة. والمقصود أن الابتداع يقع من جهة هذا الأصل في كل ما يمكن أن يتقرب به إلى الله، فيشمل التقرب إلى الله بنوعين من العبادات:

стр. 40

أولهما: التقرب إلى الله بالعادت أو بالمعاصي، وهذه هي العبادات المخترعة من جهة أصلها ووصفها. وهذا النوع من الإحداث لا يكون بدعة إلا مع قصد القربة. وثانيهما: التقرب إلى الله بالعبادات الثابتة من جهة أصلها، المخترعة من جهة وصفها. وهذا النوع - حتى يكون بدعة - لا يفتقر إلى قصد القربة، بل يقع بدعة على كل حال؛ إذ لا يتصور في أمور العبادات غير قصد القربة. وأما افتراض عدم قصد القربة في العبادات فهو افتراض تخيلي لا يمكن وقوعه. وبذلك يعلم أن الإحداث في العبادات المحضة بدعة على كل حال؛ سواء قصد المُحدِث بعبادته القربة أو لم يقصدها. والابتداع الحاصل من جهة هذا الأصل - في كلا النوعين - يتأتّى من العبَّاد والنسَّاك والمنتسبين إلى الدين. الأصل الثاني: الخروج على نظام الدين معنى هذا الأصل: أن كل من جعل لغير شريعة الإسلام حقَّ الانقياد والطاعة فقد جاء ببدعة ضلالة؛ إذ الانقياد والإذعان لا ينبغي أن يكون لشيء إلا لدين الإسلام.
следующие страницы →