← Каваид фикха

Каваид фикха · id 17102

قواعد معرفة البدع

محمد حسين الجيزاني

Полный текст (174 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

توطئة: لما كانت قواعد معرفة البدع تجمعها أصول ثلاثة اقتضى ذلك الإشارة إلى هذه الأصول قبل الشروع في بيان القواعد. فأقول ومن الله أستمد الإعانة والتوفيق: قد عُلم مما تقدم في حد البدعة أن المعني الكلي للابتداع هو الإحداث في الدين. ولفظ الدين يشمل جانبين: الجانب الأول: التقرب إلى الله بما شرعه سبحانه من الدين. والجانب الثاني: الانقياد لدين الله بالخضوع. هذا ما دلَّ عليه حديث عائشة ﵂: «من أحدث في أمرنا هذا»؛ إذ المراد بأمره ها هنا: دينه وشرعه. وقد ورد في بعض ألفاظ هذا الحديث: «من أحدث في ديننا ما ليس فيه فهو رد» (١). والمراد بالدين: دين الإسلام، وهو حكم الله وشرعه، والانقياد لشريعته بالطاعة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾ يقال: دنتهم فدانوا: أي قهرتهم فأطاعوا (٢).

стр. 37

من هنا يُعلم أن الإحداث في الدين يحصل بواحد من أصلين: الأصل الأول: التقرب إلى الله بما لم يشرع. ذلك أن القاعدة المطردة في هذا الدين أن التقرب إلى الله لا يكون إلا بفعل ما شرعه الله ورسوله ﷺ من العبادة فمن تعبد الله بشيء لم يشرعه الله ولا رسوله ﷺ فقد ابتدع. والأصل الثاني: الخروج على نظام الدين. ذلك أن القاعدة المطردة في هذا الدين هي وجوب الرجوع إلى هذه الشريعة، والانقياد إلى أحكامها بالخضوع والطاعة، فمن أعطى غير شريعة الإسلام حق الانقياد والطاعة فقد ابتدع. فهذا أصلان جامعان للابتداع. ويلحق بهذين الأصلين أصلٌ ثالث، وهو: الذرائع المفضية إلى البدعة. ذلك أن الإحداث في الدين كما يقع ابتداء فقد يقع مآلاً، وذلك بفعل أمر لا إحداث فيه البتة: لا من جهة التقريب إلى الله بما لم يشرع، ولا من جهة الخروج على نظام الدين، لكن الإحداث في الدين وقع بفعل هذا الأمر في ثاني الحال؛ لكونه يفضي في المآل إلى الإحداث، فأُعطيت الذرائع المؤدية إلى البدعة حكم البدعة.

стр. 38

وقد أشار إلى هذا الأصل رواية: «من عمل عملاً» التي تدل على أن الابتداع قد يحصل ممن قام بالإحداث وابتدأه، وقد يحصل ممن كان تابعًا فيه غير إحداث منه ولا قصد (١). فهذه ثلاثة أصول جامعة: (أ) التقرب إلى الله بما لم يشرع. (ب) الخروج على نظام الدين. (ج) الذرائع المفضية إلى البدعة. وإليك فيما يأتي مزيد بيان لهذه الأصول الثلاثة:

стр. 39

الأصل الأول: التقرب إلى الله بما لم يشرع معنى هذا الأصل: أن كل من تعبد الله بشيء لم يشرعه الله ولا رسوله ﷺ فقد جاء ببدعة ضلالة؛ إذ لا يتقرب إلى الله إلا بما شرعه من طاعات، ولا يعبد سبحانه إلا بما أذن به من عبادات. ذلك أن الأصل في العبادات المنع؛ إذ هي مبنية على التوقيف. قال سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ وبهذا يعلم أن (كل من دان بشيء لم يشرعه الله فذاك بدعة) (١). قال الشاطبي: (ولا معنى للبدعة إلا أن يكون الفعل في اعتقاد المبتدع مشروعًا وليس بمشروع) (٢). والتقرب إلى الله بما شرع أصل عظيم من أصول هذا الدين، بل إنه مقتضى توحيد الله والإيمان به، وهو توحيد الإتباع، وهو أحد شرطي العمل الصالح إذ لا بد لقبول العمل من شرطين: الإخلاص والمتابعة. والمقصود أن الابتداع يقع من جهة هذا الأصل في كل ما يمكن أن يتقرب به إلى الله، فيشمل التقرب إلى الله بنوعين من العبادات:

стр. 40

أولهما: التقرب إلى الله بالعادت أو بالمعاصي، وهذه هي العبادات المخترعة من جهة أصلها ووصفها. وهذا النوع من الإحداث لا يكون بدعة إلا مع قصد القربة. وثانيهما: التقرب إلى الله بالعبادات الثابتة من جهة أصلها، المخترعة من جهة وصفها. وهذا النوع - حتى يكون بدعة - لا يفتقر إلى قصد القربة، بل يقع بدعة على كل حال؛ إذ لا يتصور في أمور العبادات غير قصد القربة. وأما افتراض عدم قصد القربة في العبادات فهو افتراض تخيلي لا يمكن وقوعه. وبذلك يعلم أن الإحداث في العبادات المحضة بدعة على كل حال؛ سواء قصد المُحدِث بعبادته القربة أو لم يقصدها. والابتداع الحاصل من جهة هذا الأصل - في كلا النوعين - يتأتّى من العبَّاد والنسَّاك والمنتسبين إلى الدين. الأصل الثاني: الخروج على نظام الدين معنى هذا الأصل: أن كل من جعل لغير شريعة الإسلام حقَّ الانقياد والطاعة فقد جاء ببدعة ضلالة؛ إذ الانقياد والإذعان لا ينبغي أن يكون لشيء إلا لدين الإسلام.

стр. 41

قال الشاطبي: (وكذلك جاء «لا حمى إلا حمى الله ورسوله» (١) ثم جرى بعض الناس ممن آثر الدنيا على طاعة الله؛ على سبيل حكم الجاهلية ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. ولكن الآية والحديث وما كان في معناهما أثبت أصلاً في الشريعة مطردًا لا ينخرم، وعامًا لا يتخصص، ومطلقًا لا يتقيد، وهو أن الصغير من المكلفين والكبير، والشريف والدنيء، والرفيع والوضيع في أحكام الشريعة سواء. فكل من خرج عن مقتضى هذا الأصل خرج من السنة إلى البدعة، ومن الاستقامة إلى الاعوجاج) (٢). فالأصل المستقر: أن يكون الدين والخضوع لله وحده، فمن أحدث شيئًا يخرج به عن دين الله وشرعه فهو مبتدع، سواء كان المُحدَث رأيًا أو عادة أو تعاملاً. والابتداع الحاصل من جهة هذا الأصل يتأتّى من أصحاب الرئاسات وأهل المطامع والأهواء. قال شارح الطحاوية: (فالملوك الجائرة يعترضون على الشريعة بالسياسات الجائرة، ويعارضونها بها، ويقدمونها على حكم الله ورسوله.

стр. 42

وأحبار السوء، وهم العلماء الخارجون عن الشريعة بآرائهم وأقيستهم الفاسدة، المتضمنة تحليل ما حرم الله ورسوله، وتحريم ما أباحه، واعتبار ما ألغاه، وإلغاء ما اعتبره، وإطلاق ما قيَّده، وتقييد ما أطلقه، ونحو ذلك. والرهبان وهم جهال المتصوفة، والمعترضون على حقائق الإيمان والشرع بالأذواق والمواجيد والخيالات والكشوفات الباطلة الشيطانية، المتضمنة شرع دين لم يأذن به الله، وإبطال دينه الذي شرعه على لسان نبيه ﷺ ) (١). والابتداع من جهة هذا الأصل واقع على كل حال، حتى لو لم يقصد مُحدِث البدعة بفعلها معارضة الشرع والخروج على نظام الدين. ولا يشترط أيضًا في مثل هذه المحدثات حتى تكون بدعة أن يقصد بها فاعلها التقرب إلى الله، فهي بدعة دون هذا القصد. أما إذا اقترن بهذا النوع من المحدثات قصد القربة فإنها تنتقل بهذا القصد إلى الأصل الأول، وهو التقرب إلى الله بما لم يشرع. وبذلك يعلم الفرق بين هذين الأصلين: أصل التقرب إلى الله بما لم يشرع، وأصل الخروج على نظام الدين.

стр. 43

ذلك أن الإحداث في الأصل الأول إنما حصل بقصد الدخول تحت حكم الشريعة، والانقياد لها بالطاعة والخضوع، فالمحدِث ها هنا يريد التقرب، لكنه وقع في الإحداث بتقربه هذا، وذلك لأنه تقرَّبَ إلى الله بما لم يشرع. أما الإحداث في الأصل الثاني فإنه يوجد دون قصد التقريب، فالمحدِث ها هنا لا يريد بإحداثه التقرب إلى الله؛ إذ هو لا يقصد الدخول تحت حكم الشريعة، أو الانقياد لدين الله بالخضوع، لكنه بإحداثه هذا خرج - من حيث قصد أو لم يقصد - عن حكم هذه الشريعة ونظام هذا الدين. الأصل الثالث: الذرائع المفضية إلى البدعة معنى هذا الأصل: أن كل عمل - ولو كان مشروعًا - يُفضي إلى الإحداث في الدين فهو ملحق بالبدعة إن لم يكن بدعة. قال ابن الجوزي: (فإن ابُتدع شيء لا يخالف الشريعة، ولا يوجب التعاطي عليها؛ فقد كان جمهور السلف يكرونه، وكانوا ينفرون من كل مبتدَع وإن كان جائزًا؛ حفظًا للأصل، وهو الإتباع) (١).

стр. 44

وهذا ما يعرف بقاعدة سد الذرائع، وهو أصل شرعي معتبر، مبناه على الاحتياط وحماية أحكام الدين (١). قال ابن تيمية: (والذريعة: ما كان وسيلة وطريقًا إلى الشيء، لكن صارت في عرف الفقهاء عبارة عما أفضت إلى فعل محرم، ولو تجردت عن ذلك الإفضاء لم يكن فيها مفسدة) (٢). مثال ذلك: أن الله نهى عن سب آلهة الكفار مع كونه من مقتيضات الإيمان بألوهيته سبحانه، وذلك لكون هذا السب ذريعة إلى أن يسبوا الله عدوًا وكفرًا على وجه المقابلة. قال تعالى: ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّواْ اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾. وبذلك يعلم أن ما أدى إلى الممنوع كان ممنوعًا؛ إذ للوسائل أحكام المقاصد، ولذا فإن ما أفضى إلى البدعة وأدّى إليها فهو ملحق بها، حكمه حكمها. إلا أنه لا بد من التبيُّن في إطلاق الحكم على عمل ما من الأعمال لمجرد إفضائه إلى الابتداع بأنه ذريعة إلى البدعة؛ فإن هناك شروطًا لا بد من مراعاتها في هذا الحكم.

стр. 45

شروط اعتبار الفعل ذريعة إلى البدعة: يشترط في أي فعل حتى يعتبر ذريعة مفضية إلى البدعة؛ فيلتحق بها شروط ثلاثة: الشرط الأول: أن يكون هذا الفعل مفضيًا إلى البدعة. بيان ذلك أن العمل المشروع يفضي إلى البدعة ويصير ذريعة إليها بواحد من أمور ثلاثة (١): ١ - إظهار هذا العمل - ولاسيما ممن يُقتدى به - وإشهاره في مجامع الناس، كإقامة النافلة جماعة في المساجد. ٢ - المداومة على هذا العمل والالتزام به، كالتزام قراءة سورة السجدة في صلاة الفجر من يوم الجمعة. ٣ - اعتقاد فضيلة هذا العمل، وتحري فعله عن قصد وعمد، وقد سئل الإمام أحمد: تكره أن يجتمع القوم، يدعون الله ويرفعون أيديهم؟ قال: (ما أكرهه للإخوان؛ إذا لم يجتمعوا على عمد، إلا أن يكثروا) (٢).

стр. 46

قال الشاطبي: (وبالجملة: فكل عمل أصله ثابت شرعًا، إلا أن في إظهار العمل به والمداومة عليه ما يُخاف أن يعتقد أنه سنة؛ فتركه مطلوب في الجملة من باب سد ... الذرائع) (١). الشرط الثاني: أن يكون إفضاء هذا الفعل إلى البدعة مقطوعًا به أو غالبًا. أما إن كان إفضاء هذا الفعل إلى البدعة - حسب العادة - نادرًا أو قليلاً فإنه لا عبرة بالقليل النادر، إذ الأحكام الشرعية إنما تبنى على الكثير الغالب. مثال ذلك: استلام الحجر الأسود وتقبيله مع كونه مشروعًا فإنه قد يُفضي - عند البعض - إلى الابتداع، وذلك باعتقاد النفع والضر في هذا الحجر، ودعائه من دون الله، لكن لما كان هذا الإفضاء نادرًا لم يلتفت إليه. وكذلك تحري الصلاة عند الأسطوانة التي في مسجد النبي ﷺ فإن هذا سنة؛ لما ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ كان يتحرى الصلاة عندها (٢).

стр. 47

والمقصود أن الذرائع التي تفضي إلى البدعة لا تمنع بكل حال، وإنما يمنع من هذه الذرائع ما كان إفضاؤه إلى البدعة غالبًا معتادًا. الشرط الثالث: ألا يترتب على اعتبار هذه الذريعة المفضية إلى البدعة بسدها والمنع منها مفسدة أخرى أعظم من مفسدة البدعة. أما إن ترتب على سد الذريعة المفضية إلى البدعة الوقوعُ في مفسدة أعظم فالواجب ها هنا ارتكاب أدنى المفسدتين دفعًا لأعلاهما، ويكون ذلك بارتكاب مفسدة البدعة؛ إذ هي أدنى المفسدتين. مثال ذلك: أن الإمام أحمد قيل له عن بعض الأمراء: إنه أنفق على مصحف ألف دينار فقال: دعهم، فهذا أفضل ما أنفقوا فيه الذهب. قال ابن تيمية تعليقًا على ذلك: (مع أن مذهبه [أي الإمام أحمد] أن زخرفة المصاحف مكروهة. وقد تأوَّل بعض الأصحاب أنه أنفقها في تجويد الورق والخط. وليس مقصود أحمد هذا، إنما قصده أن هذا العمل فيه مصلحة، وفيه أيضًا مفسدة كُره لأجلها. فهؤلاء إن لم يفعلوا هذا وإلا اعتاضوا بفساد لا صلاح فيه؛ مثل أن ينفقها في كتاب من كتب الفجور؛ من كتب الأسمار أو الأشعار، أو حكمة فارس والروم) (١).

стр. 48

هذه هي الشروط اللازم توفرها في أي فعل من الأفعال حتى يحكم عليه بأنه ذريعة إلى البدعة. ثم إنه لا يشترط في المنع من الذرائع أن يوجد من فاعلها القصد إلى البدعة. ذلك أن الذرائع لا يعتبر في سدها القصد والنية، بل المعتبر في سدها ومنعها إنما هو الإفضاء المعتاد إلى المفسدة فحسب، ولا يلتفت حينئذ إلى كون المتذرِع قاصدًا للمفسدة أو غير قاصد لها، عالمًا بها أو غير عالم. ومن هنا كانت البدعة في هذا الأصل - غالبًا - معدودة في البدع الإضافية، وذلك لأن الذريعة إلى البدعة حكمها من حيث الأصل غالبًا - أنها فعل مأذون فيه شرعًا، أو فعل مطلوب. ومن الأمثلة التي توضِّح هذه الشروط ما ذكره أبو شامة، حيث يقول: ... (وجرت عادة الناس أنهم يصلون بين الأذانين يوم الجمعة متنفلين بركعتين أو أربع ونحو ذلك إلى خروج الإمام، وذلك جائز ومباح وليس بمنكر من جهة كونه صلاة، وإنما المنكر اعتقاد العامة منهم ومعظم المتفقهة منهم أن ذلك سنة للجمعة قبلها، كما يصلون السنة قبل الظهر، ويصرِّحون في نيتهم (١) بأنها سنة الجمعة) (٢).

стр. 49

فهذا مثال خاص بصلاة الركعتين قبل الجمعة، وإليك فيما يأتي بيان انطباق الشروط السابقة على هذا المثال: يشترط في اعتبار الفعل ذريعة إلى البدعة أولاً: أن يكون هذا الفعل مفضيًا إلى البدعة، وفي هذا المثال نجد أن صلاة الركعتين قبل الجمعة صارت مفضية إلى البدعة بسبب إظهارها في مجامع الناس والمداومة عليها، فإنه قال: (جرت عادة الناس) ثم إن فعل هاتين الركعتين إنما يكون في المسجد الجامع الذي يشهده جمع كبير من الناس. ويشترط ثانيًا: أن يكون إفضاء هذا الفعل إلى البدعة غلبًا لا نادر، وفي هذا المثال نجد أن عامة الناس ومعظم المتفقهة منهم صاروا بسبب فعل هاتين الركعتين إلى اعتقاد أنها سنة الجمعة القبلية، كسنة الظهر، بل إنهم يصرحون في نيتهم بأنها سنة الجمعة. ويشترط ثالثًا: ألا يترتب على سد ذريعة البدعة مفسدة أعظم من مفسدة البدعة، وفي هذا المثال نرى أن المفسدة المترتبة على ترك هاتين الركعتين أهون من مفسدة البدعة؛ ذلك أن فعل هاتين الركعتين داخل تحت التنفل المطلق، فلا ضرر إن تُركت، بخلاف اعتقاد الناس أن هاتين الركعتين سنة راتبة للجمعة قبلها فإن هذا مخالفة واضحة للأمر الشرعي، وهو أنْ ليس للجمعة قبلها سنة راتبة.

стр. 50

وبذلك يمكن القول: إن صلاة الركعتين قبل الجمعة يؤدي إلى مفسدة شرعية، وهي إيقاع العامة في الاعتقاد الخاطئ في أنها سنة راتبة للجمعة قبلها، وهذا الاعتقاد عين البدعة؛ فصارت هذه الصلاة المفضية إلى هذا الاعتقاد ذريعة إلى البدعة يُطلب سدها. سواء أكان فاعل هاتين الركعتين يعلم بهذه المفسدة أم لا يعلم، وسواء أكان قاصدًا لها أم غير قاصد. ذلك أن سدَّ الذرائع لا ينظر فيه إلى كون المتذرِع قاصدًا أو غير قاصد، ولا إلى كونه عالمًا أو غير عالم. ومن الأمثلة على تطبيق السلف لقاعدة سد الذرائع في باب البدعة (١): ١ - امتناع عثمان ﵁ عن قصر الصلاة وهو مسافر بمنى، فيقال له: أليس قصرت مع النبي ﷺ فيقول: (بلى، ولكني إمام الناس، فينظر إليَّ الأعراب وأهل البادية أصلي ركعتين فيقولون هكذا فرضت) (٢).

стр. 51

قال الطرطوشي تعليقًا على ذلك: (تأملوا - رحمكم الله - فإن في القصر قولين لأهل الإسلام: منهم من يقول: فريضة ... ، ومنهم من يقول سنة ... ثم اقتحم عثمان ترك الفرض أو السنة لمّا خاف من سوء العاقبة، وأنْ يعتقد الناس أن الفرض ركعتان) (١). ٢ - ترك بعض الصحابة ﵃ الأضحية خشية أن يظن أنها واجبة، نُقل ذلك عن أبي بكر وعمر وابن عباس ﵃، وقال ابن مسعود ﵁: (إني لأترك أضحيتي وإني لمن أيسركم؛ مخافة أن يظن الجيران أنها واجبة) (٢). قال الطرطوشي تعليقًا على ذلك: (انظروا - رحمكم الله - فإن القول في هذا الأثر كالقول فيما قبله؛ فإن لأهل الإسلام قولين في الأضحية: أحدهما: سنة، والثاني: واجبة. ثم اقتحم الصحابة ترك السنة؛ حذرًا أن يضع الناس الأمر على غير وجهه، فيعتقدونها فريضة) (٣).

стр. 52

٣ - ما نُقل عن الإمام مالك رحمه الله تعالى. قال ابن وضاح: (وقد كان مالك يكره كل بدعة وإن كانت في خير، ولقد كان مالك يكره المجيء إلى بيت المقدس خيفة أن يتخذ ذلك سنة، وكان يكره مجيء قبور الشهداء، ويكره مجيء قباء خوفًا من ذلك، وقد جاءت الآثار عن النبي ﷺ بالرغبة في ذلك، ولكن لما خاف العلماء عاقبة ذلك تركوه) (١). ومن المفاسد المترتبة على إهمال العمل بقاعدة سد الذرائع في باب البدعة (٢): ١ - مخالفة عمل السلف الصالح، فقد كانوا - كما تمَّ نقل ذلك عنهم - يتركون أمورًا جائزة أو مندوبًا إليها، ويكرهون فعلها خوفًا من البدعة. ٢ - اعتقاد العوام ومن لا علم عنده ما ليس بفريضة فريضة، أو ما ليس بسنة سنة، أو ما ليس بمشروع أنه مشروع، وهذا فساد عظيم،

стр. 53

لأن اعتقاد الأمر على خلاف ما هو عليه، والعمل به على هذا الحد نحوٌ من تبديل الشريعة، والخروج على أحكامها. ومما يحسن التنبيه عليه: أن ظهور البدع وانتشارها يعد ضربًا من تبديل الشريعة بسبب طول الزمان واندراس الحق، ويعرف هذا في أصناف ثلاثة: الصغار حينما ينشأون على البدعة ويكبرون عليها، والكفار إذا أسلموا عليها، والأعراب وأهل البادية إذا تعلَّموها وحملوها معهم. وإلحاق ذرائع البدعة بالبدعة وتسميتها باسمها إنما يصح من جهة تنزيل الشيء منزلة ما يُفضي إليه. وهذا الإلحاق يتفاوت بحسب مرتبة الذريعة وقوة إفضائها؛ فإن كانت البدعة كبيرة، وكان الإفضاء إليها قويًا كانت الذريعة من قبيل الكبائر، وإن كانت البدعة دون ذلك فكذلك الذريعة المفضية إليها. وبذلك يعلم أن إطلاق البدعة على الذريعة فيه تساهل وتجوُّز، وإنما صير إليه ضرورة المحافظة على أحكام الشريعة من الإحداث (١). * * *

стр. 54

قواعد معرفة البدع وعددها ثلاث وعشرون قاعدة وهي مندرجة تحت أصول ثلاثة: * الأصل الأول: التقرب إلى الله بما لم يشرع. * الأصل الثاني: الخروج على نظام الدين. * الأصل الثالث: الذرائع المفضية إلى البدعة.

стр. 55

المنهج المتبع في ترتيب هذه القواعد وصياغتها أولاً: صنَّفتُ هذه القواعد إلى ثلاث أقسام ، وذلك وفق أصولها الثلاثة، وقد راعيتُ أن ينتظم جميعَ القواعد أرقامٌ متتابعة، فصار ترتيبها على النحو الآتي: الأصل الأول: التقرب إلى الله بما لم يشرع. وتندرج تحت هذا الأصل عشرُ قواعد: (من القاعدة ١ وحتى القاعدة ١٠). الأصل الثاني: الخروج على نظام الدين. وتندرج تحت هذا الأصل ثمانُ قواعد: (من القاعدة ١١ وحتى القاعدة ١٨). الأصل الثالث: الذرائع المفضية إلى البدعة. وتندرج تحت هذا الأصل خمسُ قواعد: (من القاعدة ١٩ وحتى القاعدة ٢٣). ثانيًا: رتَّبتُ الكلام على كل قاعدة وفق الآتي: ١ - رقم القاعدة. ٢ - نص القاعدة، وميَّزتُه بالحرف الأسود. ٣ - الأمثلة التطبيقية على القاعدة. وقد اقتصرت منها على القدر

стр. 56

الذي يُجلِّي القاعدة ويُصوِّرها، من غير استكثار أو استقراء لآحاد البدع وأعيان المحدثات المندرجة تحت كل قاعدة. وإذا كانت القاعدة ذات أمثلة متعددة فإنني أُصنِّف هذه الأمثلة تحت صور كليَّة تجمع شتاتها. ٤ - توضيح القاعدة، ويتضمن هذا التوضيح: شرح القاعدة، وبيان ما تنبني عليه من الأصول والقواعد، وما يتصل بها من الضوابط والفوائد، إضافة إلى إثبات كلام أهل العلم حول القاعدة. وربما استدعى المقام في بعض القواعد دون بعض الإطناب والإطالة في الشرح. ثالثًا: مما يلزم التنبيه عليه في هذا المقام: * أن هنالك تداخلاً بين هذه القواعد وتلازمًا وتعاضدًا؛ فقاعدة التقرب إلى الله بما تركه الرسول ﷺ من العبادات - مثلاً - يدخل في طيِّها كثير من القواعد: كقاعدة التقرب إلى الله بالمعاصي، والتقرب إليه بالعادات على وجه لم يُشرع، والتشبه بالكافرين. كما أن قاعدة العبادة المستندة إلى حديث موضوع تلازمها - في الغالب - قاعدة العبادة المخالفة لقواعد الشريعة، وتلازمها أيضًا قاعدة ترك السلف للعبادة وعدم ورودها عنهم.

стр. 57

* ومثل هذا يقال في الأمثلة والشواهد: فعلم الكلام - مثلاً - بدعة من جهة عدم وروده في الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة، وهو بدعة أيضًا من جهة اشتماله على الخصومة والجدال في أمور الدين. وكذلك صلاة الرغائب؛ هي بدعة من جهة استنادها إلى حديث موضوع، ومن جهة عدم ورودها عن السلف الصالح، ومن جهة مخالفتها لقواعد الشريعة ومقاصدها. والأمر في مثل هذا سهل وقريب؛ إذ الغاية منه الضبط والتقريب. * * *

стр. 58

الأصل الأول: التقرب إلى الله بما لم يشرع ويندرج تحت هذا الأصل عشر قواعد كلية. بيان ذلك: أن التقرب إلى الله لا بد فيه من إتباع الشرع في مقامين: أولهما في ثبوت أصل العبادة، وثانيهما في صفتها. أما ثبوت أصل العبادة فهو أن تستند العبادة إلى دليل شرعي صحيح، ومخالفة هذا المقام تحصل بالآتي: بأن تستند العبادة إلى حديث مكذوب، أو إلى قول من لا يحتج بقوله، أو بأن تكون العبادة مخالفة لسنة النبي ﷺ التركية، أو لعمل السلف، أو لقواعد الشريعة، فتحصل مما سبق خمس قواعد كلية. وأما صفة العبادة فهو أن تكون العبادة مشروعة من جهة أصلها ومن جهة وصفها، ومخالفة هذا المقام تحصل بالآتي: بأن تكون العبادة غير مشروعة في أصلها، وذلك هو التقرب إلى الله بفعل العادات، أو فعل المعاصي، فهاتان قاعدتان كليتان. أو بأن تكون العبادة مشروعة في أصلها، ولكن يطرأ تغيير على صفتها؛ إما بإطلاق العبادة المقيدة، أو تقييد العبادة المطلقة، ويجمع ذلك باب الغلو، فهذه ثلاث قواعد كلية، فتحصل مما سبق خمس قواعد. وإليك فيما يأتي بيان هذه القواعد:

стр. 59

القاعدة الأولى (١) كل عبادة تستند إلى حديث مكذوب على رسول الله ﷺ فهي بدعة (١). ومن الأمثلة على ذلك: الأحاديث الموضوعة في فضل سور القرآن الكريم سورة سورة (٢). ومن ذلك أيضًا: الحديث الموضوع في فضل صلاة الرغائب (٣). توضيح القاعدة: هذه القاعدة مبنية على أصل عظيم من أصول هذا الدين - وهو أن الأصل في العبادات التوقيف، ومعنى ذلك أن الأحكام الشرعية والتعبدات لا تثبت إلا بالأدلة الصحيحة المعتبرة من الكتاب والسنة. أما الأحاديث المكذوبة على رسول الله ﷺ فإنها ليست من سنته ﷺ ، فالعمل بها يكون بدعة؛ إذ هو تشريع ما لم يأذن به الله.

стр. 60

القاعدة الثانية (٢) كل عبادة تستند إلى الرأي المجرد والهوى فهي بدعة؛ كقول بعض العلماء أو العُبَّاد أو عادات بعض البلاد أو بعض الحكايات والمنامات (١). ومن الأمثلة على ذلك: أ - اعتماد الصوفية في إثبات كثير من الأحكام على الكشف والمعاينة، وخرق العادة؛ فيحكمون بالحل والحرمة، ويبنون على ذلك الإقدام والإحجام، كما حُكي عن بعضهم أنه كان إذا تناول طعامًا فيه شبهة ينبض له عرق في أصبعه فيمتنع منه (٢). ب - الأذكار البدعية، كذكر الله تعالى بالاسم المفرد (الله) أو بالضمير (هو هو) اعتمادًا على أن بعض المتأخرين كان يأمر به (٣). ج - دعاء الملائكة والأنبياء والصالحين بعد موتهم وفي مغيبهم، وسؤالهم، والاستغاثة بهم (٤).

стр. 61

توضيح القاعدة: تتضح هذه القاعدة بيان أصل مهم في علامات أهل البدع، وهو أنه ما من مبتدع إلا ويستدل على بدعته بدليل من الشرع، صحيحًا كان أو ضعيفًا. ذلك أن كل مبتدع (يأبى أن ينسب إليه الخروج عن الشرع؛ إذ هو مدَّعٍ أنه داخل - بما استنبط - تحت مقتضى الأدلة) (١). قال الشاطبي: (كل خارج عن السنة ممن يدعي الدخول فيها والكون من أهلها لا بد له من تكلف في الاستدلال بأدلتها على خصوصيات مسائلهم، وإلا كذّب اطراحها دعواهم) (٢). والأصل المستقر أن الكتاب والسنة هما جهة العلم عن الله وطريق الإخبار عنه سبحانه، وهما طريق التحليل والتحريم ومعرفة أحكام الله وشرعه (٣). فكل عبادة لا تستند إلى كتاب أو سنة فهي بدعة ضلالة، وإن استدل صاحبها واستمسك بأدلة يظنها أدلة، وهي - عند الراسخين - كبيت العنكبوت.

стр. 62

قال الشاطبي: (وبذلك كله يعلم من قصد الشارع: أنه لم يَكِلْ شيئًا من التعبدات إلى آراء العباد، فلم يبق إلا الوقوف عند ما حدَّه) (١). وقال الطرطوشي: (شيعوعة الفعل وانتشاره لا يدل على جوازه؛ كما أن كتمه لا يدل على منعه). وقال أيضًا - في معرض رده على من احتج على مشروعية بعض الأمور بانتشارها وذيوعها -: (وأكثر أفعال أهل زمانك على غير السنة، وكيف لا وقد روينا قول أبي الدرداء إذ دخل على أم الدرداء مغضبًا فقالت: ما لك؟ فقال: (والله ما أعرف فيهم شيئًا من أمر محمد ﷺ إلا أنهم يصلون جميعًا). وما روينا هنالك من الآثار! فإنه لم يبق فيهم من السنة إلا الصلاة في جماعة، كيف لا تكون معظم أمورهم محدثات؟ وأما من تعلق بفعل أهل القيروان فهذا غبي يستدعي الأدب دون المراجعة. فنقول لهؤلاء الأغبياء: إن مالك بن أنس رأى إجماع أهل المدينة حجة، فردَّه عليه سائر فقهاء الأمصار، وهذا هو بلد رسول الله ﷺ

стр. 63

وعرصة الوحي، ودار النبوة، ومعدن العلم، فكيف بالقيروان؟ (١). بيان الوجه الذي يدخل منه الفساد على عامة المسلمين: عقد الطرطوشي في كتابه الحوادث والبدع فصلاً بهذا العنوان، وصدَّره بالحديث الصحيح، وهو أن النبي ﷺ قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالاً، فسُئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» (٢). ثم قال رحمه الله تعالى: (فتدبَّر هذا الحديث، فإنه يدل على أنه لا يُؤتى الناس قط من قِبَل علماؤهم، وإنما يُؤتون من قِبَل أنه إذا مات علماؤهم أفتى مَنْ ليس بعالم، فيُؤتى الناس من قِبَله. وقد صَرَّف عمر هذا المعنى تصريفًا، فقال: (ما خان أمين قط، ولكنه اُؤتمن غير أمين فخان). ونحن نقول: ما ابتدع عالم قط، ولكنه استفتي من ليس بعالم فضلَّ وأضلَّ (٣).

стр. 64

تنبيهات: التنبيه الأول: التقليد هو إتباع قول الغير من غير معرفة دليله (١). والتقليد المذموم أنواع، منها (٢): - تقليد الآباء، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾. - تقليد مَن لا يَعلم المقلد أنه أهل لأن يُؤخذ بقوله، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. - التقليد بعد وضوح الحق ومعرفة الدليل، قال تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾. - تقليد المجتهد القادر على الاجتهاد مع اتساع الوقت وعدم الحاجة. - تقليد قول مَن عارض قول الله ورسوله ﷺ كائنًا من كان هذا المعارض، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء﴾.

стр. 65

أما تقليد العامي للمجتهد وإتباعه له فإنه لا يدخل تحت التقليد المذموم، بل هو داخل تحت عموم قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾. ذلك أن تقليد العامي لبعض المجتهدين جار من جهة أن هذا المجتهد مبلغ عن الله دينه وشرعه، وعلى العامي أن يعتقد ذلك. وعليه أيضًا أن يعتقد أن الطاعة المطلقة العامة إنما تجب لله وحده ولرسوله ﷺ ؛ إذ لا يجوز لأحد أن يأخذ بقول أو يعتقده لكونه قول إمامه، بل لأجل أن ذلك مما أمر الله به ورسوله ﷺ . ولهذا فإن العامي يمتنع عليه تقليد المجتهد متى عرف الحق وتبين له أن قول غير مقلده أرجح من قول مقلده (١). التنبيه الثاني: الإلهام (٢) هو ما يقع في القلب من آراء وترجيحات. وقد صرَّح الأئمة أن الأحكام الشرعية لا تثبت بالإلهام. وهو بالنسبة إلى صاحب القلب المعمور بالتقوى ترجيح شرعي، وكلما كان العبد أكثر اجتهادًا في طاعة الله وتقواه كان ترجيحه أقوى.

стр. 66

ذلك أن ما ورد به النص فليس للمؤمن فيه إلا الطاعة والتسليم التام، وأما ما ليس فيه نص وكان الأمر فيه مشتبهًا والرأي فيه محتملاً فهنا يرجع فيه المؤمن إلى ما حكَّ في صدره ووقع في قلبه. (فثبت بهذا أن الإلهام حق، وأنه وحي باطن، وإنما حُرمه العاصي لاستيلاء وحي الشيطان عليه) (١). قال السمعاني: (ونحن لا ننكر أن الله يكرم عبده بزيادة نور منه، يزداد به نظره ويقوى به رأيه، وإنما ننكر أن يرجع إلى قلبه بقول لا يعرف أصله. ولا نزعم أنه حجة شرعية، وإنما هو نور يختص الله به من يشاء من عباده، فإن وافق الشرع كان الشرع هو الحجة) (٢). التنبيه الثالث: الرؤيا هي: ما يراه الشخص في منامه (٣)، وحكمها كالإلهام؛ (فتعرض على الوحي الصريح: فإن وافقته وإلا لم يعمل بها) (٤). قال ابن حجر: (النائم لو رأى النبي ﷺ يأمره بشيء هل يجب عليه امتثاله ولا بد؟ أو لا بد أن يعرضه على الشرع الظاهر فالثاني هو المتعمد) (٥).

стр. 67

القاعدة الثالثة (٣) إذا تَرَكَ الرسول ﷺ فعل عبادة من العبادات مع كون موجبها وسببها المقتضي لها قائمًا ثابتًا، والمانع منها منتفيًا؛ فإن فعلها بدعة (١). ومن الأمثلة على ذلك: التلفظ بالنية عند الدخول في الصلاة. والأذان لغير الصلوات الخمس. والصلاة عقب السعي بين الصفا والمروة (٢). توضيح القاعدة: يرتبط بيان هذه القاعدة بمعرفة السنة التركية. والمقصود بالسنة التركية: أن يترك النبي ﷺ فعل أمر من الأمور (٣). وإنما يعرف ذلك بأحد طريقين: (٤)

стр. 68

أحدهما: تصريح الصحابي بأن الرسول ﷺ ترك كذا وكذا ولم يفعله؛ كقوله: (صلى العيد بلا أذان ولا إقامة) (١). والثاني: عدم نقل الصحابة للفعل الذي لو فعله ﷺ لتوفرت هممهم ودواعيهم أو أكثرهم أو واحد منهم على نقله، فحيث لم ينقله واحد منهم البتة، ولا حدَّث به في مجمع أبدًا عُلم أنه لم يكن، وهذا كتركه التلفظ بالنية عند دخوله في الصلاة، وتركه الدعاء بعد الصلاة مستقبل المأمونين وهم يؤمَّنون على دعائه دائمًا بعد الصبح والعصر أو في جميع الصلوات. والواجب على المؤمنين الإقتداء بالرسول ﷺ فيما يفعل وفيما يترك على حد سواء. وتركه ﷺ فعل أمر من الأمور لا يخلو من ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يترك ﷺ الفعل لعدم وجود المقتضي له، وذلك كتركه قتال مانعي الزكاة، فهذا الترك لا يكون سنة. الحالة الثانية: أن يترك ﷺ الفعل مع وجود المقتضي له، بسبب قيام مانع يمنع من فعله، وذلك كتركه ﷺ فيما بعد قيام رمضان جماعة بسبب خشيته أن يُكتب قيامُه على أمته (٢)، فهذا الترك لا يكون سنة.

стр. 69

الحالة الثالثة: أن يترك ﷺ الفعل مع وجود المقتضي له وانتفاء الموانع؛ فيكون تركه ﷺ والحالة كذلك - سنة كتركه ﷺ الأذان لصلاة التراويح. وبهذا يعلم أن تَرْكَه ﷺ إنما يكون حجة، فيجب تَرْكُ ما تَرَكَ بشرطين: الشرط الأول: أن يوجد السبب المقتضي لهذا الفعل في عهده ﷺ فإذا ترك ﷺ فعْل أمرٍ من الأمور مع وجود المقتضي لفعله - بشرط انتفاء المانع - علمنا بذلك أنه ﷺ إنما تركه ليسن لأمته تركه. أما إذا كان المقتضي لهذا الفعل منتفيًا فإنَّ تركه ﷺ لهذا الفعل عندئذ لا يعد سنة، بل إنَّ فعْل ما تركه ﷺ يصير مشروعًا غير مخالف لسنته متى وُجد المقتضي له ودلت عليه الأدلة الشرعية، وذلك كقتال أبي بكر ﵁ مانعي الزكاة (١)، بل إن هذا العمل يكون من سنته لأنه عمل بمقتضى سنته ﷺ . ويشترط في هذا المقتضي الذي يوجد بعد عهد النبي ﷺ : ألا يكون قد حدث بسبب تفريط الناس وتقصيرهم، كفعل بعض الأمراء (٢) في تقديمه الخطبة على الصلاة في العيدين حتى لا ينفض الناس

стр. 70

قبل سماع الخطبة، وقد كانوا على عهد رسول الله ﷺ لا ينفضُّون حتى يسمعوا الخطبة أو أكثرهم. قال ابن تيمية: (فيقال له: سبب هذا تفريطك؛ فإن النبي ﷺ كان يخطبهم خطبة يقصد بها نفعهم وتبليغهم وهدايتهم، وأنت قصدك إقامة رياستك ... فهذه المعصية منك لا تبيح لك إحداث معصية أخرى، بل الطريق في ذلك: أن تتوب إلى الله، وتتبع سنة نبيه) (١). الشرط الثاني: انتفاء الموانع، لأنه ﷺ قد يترك فعل أمر من الأمور - مع وجود المقتضي له في عهد - بسبب وجود مانع يمنع من فعله. وذلك كتركه ﷺ قيام رمضان مع أصحابه في جماعة - بعد ليال - وعلل ذلك بخشيته أن يُفرض عليهم، فإذا زال المانع بموته ﷺ كان فعل ما تركه ﷺ إذا دلت على هذا الفعل الأدلة الشرعية - مشروعًا غير مخالف لسنته، وذلك كما فعل عمر ﵁ في جمعه الناس على إمام واحد في صلاة التراويح (٢)، بل إن هذا العمل يكون من سنته ﷺ لأنه عمل بمقتضاها. بهذين الشرطين يكون تركه ﷺ حجة يجب إتباعها.

стр. 71

وقد أورد بعض الناس أسئلة وإشكالات على هذه القاعدة والتي تليها سيأتي ذكرها مع الجواب عليها في القاعدة التالية، وهي: ترك السلف الصالح؛ إذ الكلام على القاعدتين بعضه متصل ببعض. القاعدة الرابعة (٤) كل عبادة من العبادات ترك فعلها السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم أو نقلها أو تدوينها في كتبهم أو التعرض لها في مجالسهم فإنها تكون بدعة بشرط أن يكون المقتضي لفعل هذه العبادة قائمًا والمانع منه منتفيًا (١). ومن الأمثلة على ذلك: ١ - صلاة الرغائب المبتدعة. وقد اعتمد العز بن عبد السلام في إنكار هذه الصلاة وبيان بدعيتها على هذه القاعدة. قال ﵀: (ومما يدل على ابتداع هذه الصلاة أن العلماء الذين هم أعلام الدين وأئمة المسلمين من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وغيرهم ممن دوَّن الكتب في الشريعة مع شدة حرصهم على تعليم الناس

стр. 72

الفرائض والسنن لم ينقل عن أحد منهم أنه ذكر هذه الصلاة، ولا دوَّنها في كتابة، ولا تعرَّض لها في مجالسه. والعادة تحيل أن تكون مثل هذه سنة وتغيب عن هؤلاء الذين هم أعلام الدين وقدوة المؤمنين، وهم الذين إليهم الرجوع في جميع الأحكام من الفرائض والسنن والحلال والحرام) (١). ٢ - الاحتفال بأيام الإسلام ووقائعه المشهودة، واتخاذها أعيادًا شريعة من الشرائع فيجب فيها الإتباع، لا الابتداع (٢). فمن ذلك: الاحتفال بمولد النبي ﷺ فإنه لم ينقل عن أحد من السلف ذكره فضلاً عن فعله. قال ابن تيمية: (فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيرًا محضًا أو راجحًا لكان السلف ﵁ أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله ﷺ وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص. وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته وإتباع أمره، وإحياء سنته باطنًا وظاهرًا، ونشر ما بعُث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان.

стр. 73

فإن هذه طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ... بإحسان) (١). ومثل الاحتفال بالمولد - من غير فرق - اتخاذ رأس السنة الهجرية عيدًا يُذَكَّر فيه الناس بهجرة المصطفى ﷺ وما يتصل بها من دروس وعير، ويُهنئ الناس بعضهم بعضًا بمقدمه. قال ابن تيمية: (وللنبي ﷺ خطب وعهود ووقائع في أيام متعددة، مثل يوم بدر وحنين والخندق وفتح مكة، ووقت هجرته، ودخوله المدينة، وخطب له متعددة يذكر فيها قواعد الدين، ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ أمثال تلك الأيام أعيادًا، وإنما يفعل مثل هذا النصارى الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى ﵇ أعيادًا، أو اليهود. وإنما العيد شريعة، فما شرعه الله اُتبع، وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه) (٢). توضيح القاعدة: الأصل في هذه القاعدة أعني ترك السلف ما يأتي: قال حذيفة ﵁: (كل عبادة لم يتعبد بها أصحاب رسول الله ﷺ

стр. 74

فلا تتعبدوا بها؛ فإن الأول لم يدع للآخر مقالاً، فاتقوا الله يا معشر القراء، خذوا طريق من كان قبلكم) (١). وقال مالك بن أنس: (لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها) (٢). وقال سعيد بن جبير: ما لم يعرف البدريون فليس من الدين) (٣). وقال الطرطوشي: في إبطاله لبعض البدع: (ولو كان هذا لشاع وانتشر، وكان يضبطه طلبة العلم والخلف عن السلف، فيصل ذلك إلى عصرنا، فلما لم ينقل هذا عن أحد ممن يعتقد علمه، ولا ممن هو في عداد العلماء؛ عُلم أن هذه حكاية العوام والغوغاء) (٤). ويعتبر في العمل بهذه القاعدة جميع ما ذُكر من ضوابط وشروط في القاعد السابقة المتعلقة بترك النبي ﷺ ، سواء بسواء. ذلك أن كلتا القاعدتين ترجع إلى قاعدة واحدة، وهي: أن السكوت عن حكم الفعل أو الترك - إذا وُجد المعنى المقتضي

стр. 75

له وانتفى المانع منه - إجماع من كل ساكت على أنْ لا زائد على ما كان؛ إذ لو كان ذلك لائقًا شرعًا أو سائغًا لفعلوه، فهم كانوا أحق بإدراكه والسبق إلى العمل به (١). الأسئلة الواردة على القاعدتين: ربما يورد بعض الناس أسئلة وإشكالات على كلتا القاعدتين أو على إحداهما، فمن ذلك: السؤال الأول: من أين لكم أنه ﷺ لم يفعل هذه العبادة؛ فإن عدم النقل لا يستلزم نقل العدم. والجواب: أن هذا سؤال بعيد جدًا عن معرفة هديه وسنته وما كان عليه، وإنما يتمهد هذا الجواب بتثبيت أصلين: الأصل الأول: أن الرسول ﷺ بيَّن هذا الدين لأمته، وقام بواجب التبليغ خير قيام؛ فلم يترك أمرًا من أمور هذا الدين صغيرًا كان أو كبيرًا إلا وبلغه لأمته. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ وقد امتثل ﷺ لهذا الأمر وقام به على أحسن وجه.
следующие страницы →