← Каваид фикха

Каваид фикха · id 17102

قواعد معرفة البدع

محمد حسين الجيزاني

Полный текст (174 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقد أورد بعض الناس أسئلة وإشكالات على هذه القاعدة والتي تليها سيأتي ذكرها مع الجواب عليها في القاعدة التالية، وهي: ترك السلف الصالح؛ إذ الكلام على القاعدتين بعضه متصل ببعض. القاعدة الرابعة (٤) كل عبادة من العبادات ترك فعلها السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم أو نقلها أو تدوينها في كتبهم أو التعرض لها في مجالسهم فإنها تكون بدعة بشرط أن يكون المقتضي لفعل هذه العبادة قائمًا والمانع منه منتفيًا (١). ومن الأمثلة على ذلك: ١ - صلاة الرغائب المبتدعة. وقد اعتمد العز بن عبد السلام في إنكار هذه الصلاة وبيان بدعيتها على هذه القاعدة. قال ﵀: (ومما يدل على ابتداع هذه الصلاة أن العلماء الذين هم أعلام الدين وأئمة المسلمين من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين وغيرهم ممن دوَّن الكتب في الشريعة مع شدة حرصهم على تعليم الناس

стр. 72

الفرائض والسنن لم ينقل عن أحد منهم أنه ذكر هذه الصلاة، ولا دوَّنها في كتابة، ولا تعرَّض لها في مجالسه. والعادة تحيل أن تكون مثل هذه سنة وتغيب عن هؤلاء الذين هم أعلام الدين وقدوة المؤمنين، وهم الذين إليهم الرجوع في جميع الأحكام من الفرائض والسنن والحلال والحرام) (١). ٢ - الاحتفال بأيام الإسلام ووقائعه المشهودة، واتخاذها أعيادًا شريعة من الشرائع فيجب فيها الإتباع، لا الابتداع (٢). فمن ذلك: الاحتفال بمولد النبي ﷺ فإنه لم ينقل عن أحد من السلف ذكره فضلاً عن فعله. قال ابن تيمية: (فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيرًا محضًا أو راجحًا لكان السلف ﵁ أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله ﷺ وتعظيمًا له منا، وهم على الخير أحرص. وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته وإتباع أمره، وإحياء سنته باطنًا وظاهرًا، ونشر ما بعُث به، والجهاد على ذلك بالقلب واليد واللسان.

стр. 73

فإن هذه طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ... بإحسان) (١). ومثل الاحتفال بالمولد - من غير فرق - اتخاذ رأس السنة الهجرية عيدًا يُذَكَّر فيه الناس بهجرة المصطفى ﷺ وما يتصل بها من دروس وعير، ويُهنئ الناس بعضهم بعضًا بمقدمه. قال ابن تيمية: (وللنبي ﷺ خطب وعهود ووقائع في أيام متعددة، مثل يوم بدر وحنين والخندق وفتح مكة، ووقت هجرته، ودخوله المدينة، وخطب له متعددة يذكر فيها قواعد الدين، ثم لم يوجب ذلك أن يتخذ أمثال تلك الأيام أعيادًا، وإنما يفعل مثل هذا النصارى الذين يتخذون أمثال أيام حوادث عيسى ﵇ أعيادًا، أو اليهود. وإنما العيد شريعة، فما شرعه الله اُتبع، وإلا لم يحدث في الدين ما ليس منه) (٢). توضيح القاعدة: الأصل في هذه القاعدة أعني ترك السلف ما يأتي: قال حذيفة ﵁: (كل عبادة لم يتعبد بها أصحاب رسول الله ﷺ

стр. 74

فلا تتعبدوا بها؛ فإن الأول لم يدع للآخر مقالاً، فاتقوا الله يا معشر القراء، خذوا طريق من كان قبلكم) (١). وقال مالك بن أنس: (لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها) (٢). وقال سعيد بن جبير: ما لم يعرف البدريون فليس من الدين) (٣). وقال الطرطوشي: في إبطاله لبعض البدع: (ولو كان هذا لشاع وانتشر، وكان يضبطه طلبة العلم والخلف عن السلف، فيصل ذلك إلى عصرنا، فلما لم ينقل هذا عن أحد ممن يعتقد علمه، ولا ممن هو في عداد العلماء؛ عُلم أن هذه حكاية العوام والغوغاء) (٤). ويعتبر في العمل بهذه القاعدة جميع ما ذُكر من ضوابط وشروط في القاعد السابقة المتعلقة بترك النبي ﷺ ، سواء بسواء. ذلك أن كلتا القاعدتين ترجع إلى قاعدة واحدة، وهي: أن السكوت عن حكم الفعل أو الترك - إذا وُجد المعنى المقتضي

стр. 75

له وانتفى المانع منه - إجماع من كل ساكت على أنْ لا زائد على ما كان؛ إذ لو كان ذلك لائقًا شرعًا أو سائغًا لفعلوه، فهم كانوا أحق بإدراكه والسبق إلى العمل به (١). الأسئلة الواردة على القاعدتين: ربما يورد بعض الناس أسئلة وإشكالات على كلتا القاعدتين أو على إحداهما، فمن ذلك: السؤال الأول: من أين لكم أنه ﷺ لم يفعل هذه العبادة؛ فإن عدم النقل لا يستلزم نقل العدم. والجواب: أن هذا سؤال بعيد جدًا عن معرفة هديه وسنته وما كان عليه، وإنما يتمهد هذا الجواب بتثبيت أصلين: الأصل الأول: أن الرسول ﷺ بيَّن هذا الدين لأمته، وقام بواجب التبليغ خير قيام؛ فلم يترك أمرًا من أمور هذا الدين صغيرًا كان أو كبيرًا إلا وبلغه لأمته. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ وقد امتثل ﷺ لهذا الأمر وقام به على أحسن وجه.

стр. 76

وقد شهدت له ﷺ أمته بإبلاغ الرسالة وأداء الأمانة واستنطقهم بذلك في أعظم المواقف؛ فقد ورد في خطبته يوم حجة الوداع قوله: «ألا هل بلغت»؟ قالوا: نعم. قال: «اللهم فاشهد» (١). الأصل الثاني: أن الله تكفَّل بحفظ هذا الدين من الضياع والإهمال: فهيأ له من الأسباب والعوامل التي يسَّرت نقله وبقاءه حتى يومنا هذا وإلى الأبد إن شاء الله. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. والواقع المشاهد يصدِّق ذلك؛ فإن الله قد حفظ كتابه وسنة نبيه ﷺ ، ووفق علماء المسلمين إلى قواعد مصطلح الحديث وأصول الفقه وقواعد اللغة العربية. وبتقرير هذين الأصلين اتضح أن السؤال المذكور يستلزم: - إما عدم قيام الرسول ﷺ بواجب التبليغ؛ حيث إنه لم يُعلّم أمته بعض الدين. - وإما ضياع بعض الدين، حيث إن الرسول ﷺ فعل هذه العبادة وبلَّغها للأمة، لكن الصحابة ﵁ كتموا نقل ذلك. - ثم لو (صح هذا السؤال وقُبل لاستحب لنا مستحب الأذان للتراويح، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ واستحب لنا مستحب

стр. 77

آخر الغسل لكل صلاة وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ ... ... وانفتح باب البدعة، وقال كل من دعا إلى بدعة: من أين لكم أن هذا لم ينقل؟) (١). السؤال الثاني: إذا سُلِّم أن الرسول ﷺ لم يفعل هذه العبادة فذلك لأن المقتضي في حقه ﷺ منتف؛ لكونه قد غُفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، وتركه ﷺ كما تقرر - لا يكون حجة إلا بشرط قيام المقتضي، فهو ﷺ بخلاف أمته - ولاسيما المتأخرين - فإن المقتضي في حقهم قائم ثابت، وذلك لعظم تقصيرهم وكثرة ذنوبهم. والجواب: أن الرسول ﷺ قد بيَّن بطلان هذه الدعوى، وذلك في قصة الرهط الثلاثة الذين سألوا عن عبادته ﷺ فلما أُخبروا بها كأنهم تقالّوها، فقالوا: أين نحن من النبي ﷺ وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر! فقال ﷺ : «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له» (٢). وبذلك يعلم أن الرسول ﷺ بلغ الغاية القصوى في تقوى الله والحرص على التقرب إليه بأنواع التعبدات والطاعات. وبهذا يتقرر أصل مهم في هذا الباب، وهو: أن المقتضي لفعل عمل ما في باب العبادات متى ثبت في حق الأمة فثبوته في حق النبي ﷺ أولى وأتم؛ لأنه ﷺ كان أتقى هذه الأمة لله على الإطلاق.

стр. 78

ومثل هذا يقال أيضًا في حق السلف الصالح، فإن المعنى المقتضي للإحداث - وهو الرغبة في الخير والاستكثار من الطاعة - كان أتم في السلف الصالح؛ لأنهم كانوا أحق بالسبق إلى الفضل وأرغب في الخير ممن أتى بعدهم. وهذا بخلاف غير العبادات من الأعمال، فإن المقتضي لفعلها قد يوجد في حق النبي ﷺ وفي حق السلف، وقد لا يوجد (١). السؤال الثالث: أن الرسول ﷺ ربما لم يفعل بعض العبادات وتركها مع قيام المقتضي لفعلها؛ رحمة منه بأمته، وشفقة عليهم؛ كما ترك ﷺ الاجتماع في صلاة التراويح خشية أن يُكتب على أمته، فهذا هو المانع الذي لأجله ترك ﷺ فعل بعض العبادات، وترْكُه ﷺ مع وجود مانع - كما تقرر - لا يكون حجة. والجواب: أن هذا يفتح باب الإحداث في الدين على الإطلاق، فمن زاد في أعداد الصلوات، أو أعداد الركعات أو صيام شهر رمضان أو الحج أمكنه أن يقول: هذه زيادة مشروعة، وهي عمل صالح، والرسول ﷺ إنما تركها رحمة بأمته. بل الصواب أن يُنظر فيما تركه ﷺ من العبادات: هل تركه كذلك صحابته من بعده ﵃ والتابعون لهم؟

стр. 79

فإن كانت هذه العبادة قد تركها النبي ﷺ ثم - لما توفي - فعلها الصحابةُ ﵃ من بعده عُلم أنَّ ترك النبي ﷺ كان لأجل مانع من الموانع؛ كتركه ﷺ صلاة التراويح جماعة. أما إذا تواطأ النبيُ ﷺ وسلفُ الأمة من بعده على ترك عبادةٍ فهذا دليل قاطع على أنها بدعة. وإليك فيما يأتي شواهد من كلام أهل العلم تدل على تلازم هاتين القاعدتين في معرفة البدع: قال ابن تيمية في إنكاره لبعض البدع: (ومعلوم أنه لو كان هذا مشروعًا مستحبًا يثيب الله عليه لكان النبي ﷺ أعلمَ الناسِ بذلك، ولكان يعلِّم أصحابه ذلك، وكان أصحابه أعلمَ بذلك وأرغبَ فيه ممن بعدهم، فلما لم يكونوا يلتفتون إلى شيء من ذلك عُلم أنه من البدع المحدثة، التي لم يكونوا يعدونها عبادة وقربة وطاعة، فمن جعلها عبادة وقربة وطاعة فقد اتبع غير سبيلهم، وشرع من الدين ما لم يأذن به الله (١). وقال أيضًا: «فأما ما تركه [أي النبي ﷺ ] من جنس العبادات، مع أنه لو كان مشروعًا لفعله أو أذن فيه، ولفعله الخلفاء بعده والصحابة؛ فيجب القطع بأن فعله بدعة وضلالة، ويمتنع القياس في مثله» (٢).

стр. 80

وسئل تقي الدين السبكي عن بعض المحدثات فقال: (الحمد لله، هذه بدعة لا يشك فيها أحد، ولا يرتاب في ذلك، ويكفي أنها لم تُعرف في زمن النبي ﷺ ، ولا في زمن أصحابه، ولا عن أحد من علماء السلف) (١). وقال الشاطبي: (لأن ترك العمل به من النبي ﷺ في جميع عمره، وترك السلف الصالح له على توالي أزمنتهم قد تقدم أنه نص في الترك، وإجماعٌ مِن كلِّ مَن ترك؛ لأن عمل الإجماع كنصه) (٢). وبذلك يتقرر أن كل عبادة اتفق على تركها الرسول ﷺ وسلف الأمة من بعده فهي بلا شك بدعة ضلالة، ليست من الدين في صدر ولا ورد؛ وإن لم يرد بالنهي عنها دليل خاص، وإن دلت عليها أدلة الشرع بعمومها، وإن دل عليها القياس، وإن ظهرت لنا فيها مصالح وترتبت عليها فوائد. ذلك أن المانع من فعل عبادة من العبادات إن وجد في حق النبي ﷺ فلا يمكن أن يوجد في حق السلف من بعده؛ إذ لا يمنعهم عن فعل العبادات مانع، ولا يشغلهم عن بيان الدين شاغل.

стр. 81

وبهذا الجواب أيضًا يجاب عن السؤال التالي، وهو: السؤال الرابع: أن الصحابة ﵃ ربما لم يفعلوا بعض العبادات وتركوا الإتيان بها مع قيام المقتضي لفعلها؛ لاشتغالهم بما هو أهم: كالجهاد وإعداد الدولة الإسلامية من الناحية العلمية والسياسية والاقتصادية والعسكرية، فلأجل هذا المانع ترك الصحابة ﵃ فعل بعض العبادات، والترك لا يكون حجة - كما هو معلوم - مع قيام المانع. السؤال الخامس: من أين لكم أن الصحابة ﵃ والتابعين لم يفعلوا هذه العبادة؛ فإنهم ربما كانوا يأتون بهذه العبادة في صورة فردية أو هيئة اجتماعية خاصة لا تكاد تظهر. فمن ذلك: ما نُقل عن ابن عمر ﵄ في تتبعه لآثار النبي ﷺ ، ولم ينقل هذا عن جماهير الصحابة ﵃. والجواب: أن عدم النقل عنهم دليل ظاهر على مشروعية الترك، ثم إن هذا السؤال - كما تقدم في السؤال الأول - يفتح باب الإحداث في الدين؛ إذ لو صح لاستحب مستحب الأذان للتراويح، واستحب آخر أن يقال بعد الأذان: يرحمكم الله، وكل من أحدث بدعة أمكنه أن يقول: من أين لكم أن الصحابة ﵃ لم يفعلوا ذلك. أما إذا نُقل عن أحد السلف - كابن عمر - العملُ بما تواطأ الأكثرون على تركه فالأولى إتباع مذهب الأكثرين، فإنه أبلغ في الاحتياط، وأما مذهب الواحد فإنه يحتمل أمورًا عدة.

стр. 82

وقد قال ﷺ : «فعليكم بسني وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» (١) وقول الصحابي إذا خالفه نظيره ليس بحجة، فكيف إذا انفرد به عن جماهير الصحابة (٢). ومما يحسن بيانه في هذا المقام: منهج السلف الصالح من جهة عملهم بالأدلة الشرعية أو تركهم العمل ... بها (٣). ذلك أن كل دليل شرعي لا يخلو من ثلاثة أقسام: ١ - أن يكون معمولاً به في السلف المتقدمين دائمًا أو أكثريًا. ٢ - أن يكون معمولاً به عند السلف قليلاً أو في وقت ما. ٣ - ألا يثبت فيه عن السلف المتقدمين عمل. وبيان ذلك: أما القسم الأول وهو أن يكون معمولاً به دائمًا أو أكثريًا، فلا

стр. 83

إشكال في الاستدلال به ولا في العمل وفقه، وهي السنة المتبعة والطريق المستقيم كفعل النبي ﷺ مع قوله في الطهارات والصلوات على تنوعها من فرض أو نقل. وأما القسم الثاني وهو ما لا يقع العمل به إلا قليلاً فذلك الغير هو السنة المتبعة وأما ما لم يقع العمل عليه إلا قليلاً فيجب التثبت فيه وفي العمل على وفقه، وتجب المثابرة على ما هو الأعم والأكثر؛ فإن إدامة الأولين للعمل على مخالفة هذا الأقل لا بد أن يكون لمعنى شرعي تحروا العمل به. ولهذا القسم أمثلة كثير، وهي على وجوه: أحدها: أن يتبين فيه للعمل القليل وجه يصلح أن يكون سببًا للقلة، كما جاء في حديث إمامة جبريل بالنبي ﷺ يومين؛ وبيان رسول الله ﷺ لمن سأله عن وقت الصلاة، فقال: «صل معنا هذين اليومين» (١) فصلاته في اليوم في أواخر الأوقات وقع موقع البيان لآخر وقت الاختيار الذي لا يُتعدى، ثم لم يزل مثابرًا على أوائل الأوقات إلا عند عارض، كالإبراد في شدة الحر. ومنها: أن يكون محتملاً في نفسه، والذي هو أبرأ للعهدة وأبلغ في الاحتياط: تركه، والعملُ على وفق الأعم الأغلب. كقيام الرجل

стр. 84

للرجل إكرامًا له وتعظيمًا، فإن العمل المتصل تركه، فقد كانوا لا يقومون لرسول الله ﷺ إذا أقبل عليهم. ومنها: أن يكون مما فُعل فلتة، فسكت عنه ﷺ مع علمه به، ثم بعد ذلك لا يفعله ذلك الصحابي ولا غيره، ولا يشرعه النبي ﷺ ، ولا يأذن فيه ابتداء لأحد كما في قصة الرجل الذي بعثه النبي ﷺ في أمر فعمل فيه، ثم رأى أن قد خان الله ورسوله فربط نفسه بسارية من سواري المسجد (١). ومنها: أن يكون العمل القليل رأيًا لبعض الصحابة لم يُتابع عليه، كفعل ابن عمر ﵄ في تتبعه آثار النبي ﷺ وقصده الصلاة فيها؛ (فهذا لم ينقل عن غير ابن عمر من الصحابة، بل كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار يذهبون من المدينة إلى مكة حُجّاجًا وعُمّارًا ومسافرين، ولم ينقل عن أحد منهم أنه تحرَّى الصلاة في مصليات النبي ﷺ . ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحبًا لكانوا إليه أسبق؛ فإنهم أعلم بسنته وأتبع لها من غيرهم) (٢).

стр. 85

وبسبب هذه الاحتمالات ينبغي للعامل أن يتحرى العمل على وفق الأولين، فلا يسامح نفسه في العمل بالقليل، إلا قليلاً وعند الحاجة ومس الضرورة. أما لو عمل بالقليل دائمًا للزمه أمور: ١ - المخالفة للأولين في تركهم الدوام عليها، وفي مخالفة السلف الأولين ما فيها. ٢ - استلزام ترك ما داوموا عليه. ٣ - أن ذلك ذريعة إلى اندراس أعلام ما داوموا عليه، وذريعة اشتهار ما خالفوه. والقسم الثالث: ألا يثبت عن الأولين أنهم عملوا به على حال فهذا أشد مما قبله، فما عمل به المتأخرون من هذا القسم مخالف لإجماع الأولين فكل من خالف السلف الأولين فهو على خطأ، وهذا كاف، والحديث الضعيف الذي لا يعمل العلماء بمثله جار هذا المجرى. ومن هنا لك لم يسمع أهل السنة دعوى الرافضة أن النبي ﷺ نص على علي ﵁ أنه الخليفة بعده، لأن عمل كافة الصحابة على خلافه دليل على بطلانه أو عدم اعتباره، لأن الصحابة لا تجمع على خطأ، وكثيرًا ما تجد أهل البدع والضلالة يستدلون بالكتاب والسنة، يحمِّلونها مذاهبهم، ويغبرون بمشتبهاتهما في وجوه العامة، ويظنون أنهم على شيء.

стр. 86

السؤال السادس: سلَّمنا لكم أن هذه العبادة لم يُنقل فعلُها عن الرسول ﷺ ولا عن سلف هذه الأمة مع قيام المقتضي لفعلها، وانتفاء الموانع في حق الجميع، لكنها تشرع من جهة دلالة الأدلة العامة على مشروعيتها، ومن جهة قياسها على المشروع. مثال ذلك: أن يخصص أحدهم ليلة ما من الليالي التي ارتبطت بها نعمة خاصة أو عامة بالقيام والذكر فيقول: نعم إن إحياء هذه الليلة لم يفعله الرسول ﷺ ولا سلف الأمة من بعده لكنه يدخل تحت عموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ وقد دل على مشروعية هذا التخصيص أيضًا قياسهُ على يوم عاشوراء؛ فإن الرسول ﷺ عظَّم هذا اليوم وخصَّه بالصوم شكرًا لله على النعمة التي وقعت فيه، وذلك أن النبي ﷺ حين قدم المدينة رأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: «ما هذا»؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجَّى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال: «فأنا أحق بموسى منكم»، فصامه وأمر بصيامه (١). والجواب: أن الترك دليل خاص يقدم على العمومات وعلى القياس. بيان ذلك بأمثلة ثلاثة:

стр. 87

المثال الأول: تركه ﷺ للأذان في العيدين؛ فإن الرسول ﷺ تركه مع وجود المقتضي لفعله في عهده، وهو إقامة ذكر الله ودعاء الناس إلى الصلاة. فهذا الترك دليل خاص يقدم على العمومات الدالة على فضل ذكر الله، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ والأذان من الذكر الذي يدخل تحت هذا العموم. ويقدم أيضًا على القياس، وهو قياس الأذان في العيدين على الأذان في الجمعة. قال ابن تيمية تعليقًا على هذا المثال: (فهذا مثال لما حدث مع قيام المقتضي له وزوال المانع لو كان خيرًا. فإنَّ كل ما يبديه المُحْدِث لهذا من المصلحة، أو يستدل به من الأدلة قد كان ثابتًا على عهد رسول الله ﷺ ، ومع هذا لم يفعله رسول الله ﷺ . فهذا الترك سنة خاصة، مقدمة على كل عموم وكل قياس) (١). المثال الثاني: تركه ﷺ استلام الركنين الشاميين، وغيرهما من جوانب البيت.

стр. 88

وقد ورد في ذلك أن ابن عباس ومعاوية ﵃ طافا بالبيت، فاستلم معاوية الأركان الأربعة فقال ابن عباس: إن رسول الله ﷺ لم يستلم إلا الركنين اليمانيين، فقال معاوية: ليس من البيت شيء متروك. فقال ابن عباس: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة. فرجع إليه معاوية (١). المثال الثالث: تركه ﷺ صلاة ركعتين على المروة بعد الفراغ من السعي، وقد ذهب إلى استحباب ذلك بعض الفقهاء قياسًا على الصلاة بعد الطواف. قال ابن تيمية تعليقًا على هذا: (وقد أنكر ذلك سائر العلماء من أصحاب الشافعي وسائر الطوائف. ورأوا أن هذه بدعة ظاهرة القبح؛ فإن السنة مضت بأن النبي ﷺ وخلفاءه طافوا وصلوا، كما ذكر اللهُ الطوافَ والصلاة، ثم سعوا ولم يصلوا عقب السعي فاستحباب الصلاة عقب السعي كاستحبابها عند الجمرات، أو بالموقف بعرفات، أو جعل الفجر أربعًا قياسًا على الظهر والترك الراتب سنة؛ كما أن الفعل الراتب سنة) (٢).

стр. 89

وإذا تقرر أن الترك مقدم على العموم وعلى القياس عُلم بذلك أن سنة الترك أصل شرعي متين، تحفظ به أحكام الشريعة، وبه يوصد باب الإحداث في الدين. وحينئذٍ أمكن أن يقال: كل عبادة لم ينقل عن النبي ﷺ فعلها - مع وجود المقتضي وانتفاء المانع - فهي بدعة على كل حال؛ وإن لم يرد دليل خاص ينهى عن هذه العبادة بعينها، وإن دلت على تسويغها الأدلة الشرعية بعمومها، وإن دل على تسويغها قياسها على المشروع. السؤال السابع: سلَّمنا لكم أن هذه العبادة لن يقم بفعلها عن الرسول ﷺ ولا عن سلف هذه الأمة مع قيام المقتضي لفعلها، وانتفاء الموانع في حق الجميع، لكنها تشرع من جهة ما فيها من المصالح، ولأجل ما يترتب عليها من الفوائد. والجواب: أن السنة التركية قاعدة شرعية متينة، والعمل بها مقدم على كل ما يعارضها من عموم أو قياس أو مصالح يتوهمها المبتدع. والخير كل الخير في إتباع السلف، كما قال ابن مسعود ﵁: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم) (١).

стр. 90

ثم إن هذه المصالح المترتبة على هذا الابتداع ينظر فيها: هل كانت موجودة زمن التشريع أوْ لم تكن موجودة؟ والقاعدة الجارية: أن كل ما ظهرت مصلحته زمن التشريع لكنه لم يُفعل، ففعله فيما بعد بدعة محدثة (١). يدل على هذا قول عبد الله بن مسعود ﵁ لما رأى أناسًا يسبحون بالحصى: (والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد أو مفتتحوا باب ضلالة) (٢). ولعل هذا السؤال وجوابه يتضح بالمثال الآتي (٣): إمام مسجد يقوم بعد الفراغ من الصلاة المفروضة بالدعاء للناس بهيئة اجتماعية، بحيث يُؤمِّن الحاضرون على هذا الدعاء. قال السائل: هذا العمل وإن لم ينقل ففيه من المصالح والفوائد ما يأتي: الفائدة الأولى: إظهار وجه التشريع في الدعاء، وأنه بآثار الصلوات مطلوب. والجواب: أن هذا يقتضي كون الدعاء سنة بآثار الصلوات، وليس بسنة اتفاقًا حتى عند هذا القائل، وأيضًا فإن إظهار التشريع كان في زمان النبي ﷺ أولى، ولما لم يفعله ﷺ دل على مشروعية الترك.

стр. 91

الفائدة الثانية: أن الاجتماع على الدعاء أقرب إلى الإجابة. والجواب: أن هذه العلة كانت قائمة في زمانه ﷺ ؛ لأنه ﷺ كان مجاب الدعوة، لكنه لم يفعل هذا الاجتماع. الفائدة الثالثة: تعليم الناس الدعاء؛ ليأخذوا من دعاء الإمام ما يدعون به لأنفسهم؛ لئلا يدعو بما لا يجوز عقلاً أو شرعًا. والجواب: أن هذا التعليل لا ينهض؛ فإن النبي ﷺ هو الذي تلقينا منه ألفاظ الأدعية ومعانيها، وقد كان الناس في زمنه ﷺ أقرب عهد بجاهلية، فلم يشرع لهم ﷺ الدعاء بهيئة الاجتماع ليعلمهم كيفية الدعاء، بل علمهم ذلك في مجالس التعليم، وكان ﷺ يدعو لنفسه إثر الصلاة متى بدا له ذلك، ولم يلتفت إذ ذاك إلى النظر للجماعة، وهو أولى الخلق بذلك. الفائدة الرابعة: أن الاجتماع على الدعاء تعاونًا على البر والتقوى، وهو مأمور به. والجواب: أن هذا التعليل ضعيف؛ فإن النبي ﷺ هو الذي أُنزل عليه ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ولو كان الاجتماع للدعاء للحاضرين إثر الصلاة جهرًا من باب البر والتقوى لكان ﷺ أول سابق إليه، لكنه لم يفعله أصلاً، ولا أحد بعده حتى أحدثه المتأخرون، فدل على أن الدعاء على ذلك الوجه ليس بِرًّا وتقوى.

стр. 92

وبهذا المثال يتبين أن العمل بالترك - بشقيه: ترك الرسول ﷺ وترك السلف - أصل مقدم على كل ما يبديه المُحْدِث من المصالح والفوائد الحاصلة بهذه العبادة التي تركها النبي ﷺ . ثم إن هذه المصالح والمنافع التي قد توجد في بعض الأمور البدعية لا تدل على رجحان العمل بالبدعة؛ لأنها مصالح مرجوحة بالنظر إلى ما يترتب على البدع من مفاسد اعتقادية وعملية. السؤال الثامن: سلَّمنا أن التقرب إلى الله بهذا الفعل بدعة ضلالة، لكن هذا بشرط أن يعتقد فاعله خصوص الفضل (١). مثال ذلك: أن يخصص أحدهم ليلة ما من الليالي بالقيام والذكر فيقول: إن الصلاة في هذه الليلة كغيرها من الليالي، وأنا لا أعتقد لهذه الليلة الفضل أو الخصوصية. والجواب: أن هذه الدعوى لا تستقيم؛ فإن تخصيص تلك الليلة بالصلاة دون غيرها من الليالي لا بد أن يكون باعثه اعتقادًا في القلب، فيوجد حينئذٍ مع هذا التخصيص - ولا بد - تعظيم وإجلال في النفس لهذه الليلة، ولو خلت النفس عن هذا الشعور بفضل تلك الليلة لامتنع مع ذلك أن تعظمه.

стр. 93

فعُلم بذلك أن فعل البدعة ملازم ولا بد لاعتقاد القلب التعظيمَ لها، وملازم أيضًا لشعور النفس بالفضل والخصوصية لتلك البدعة، وهذا الاعتقاد والشعور من أعظم آفات البدع، ومن مفاسدها الخفية. السؤال التاسع: سلَّمنا أن هذا الفعل بدعة ضلالة، لكن هذا بشرط أن يقصد فاعله التقرب إلى الله بفعله. مثال ذلك: أن يخصص أحدهم يومًا من السنة بمزيد من الذكر والطاعة، فيقول: أنا لا أقصد بتخصيص هذا اليوم بالذكر والطاعة التقرب إلى الله، ولست أُلحقه بأمور الدين، وإنما جرى هذا مجرى العادات. والجواب: أن هذا افتراضي تخيلي، لا يتصوَّر وقوعه؛ إذ الذكر والطاعة من الأمور التعبدية، فلا ينفك عنها قصد القربة، وبهذا يعلم أن دعوى عدم إرادة القربة إنما تكون في الأمور العادية المحضة. ومن جهة ثانية فإن تخصيص يوم ما في السنة بنوع من الفضل والمزية يُصَيِّره عيدًا، والعيد شريعة من شرائع الدين، ثم إن لهذا اليوم ارتباطًا ظاهرًا بالدين؛ إذ هو متصل بذكرى يوم من أيام الإسلام.

стр. 94

القاعدة الخامسة (٥) كل عبادة مخالفة لقواعد هذه الشريعة ومقاصدها فهي بدعة (١). ومن الأمثلة على ذلك: ١ - الأذكار والأدعية التي يزعم أهلها أنها مبنية على علم الحروف (٢). ٢ - الأذان للعيدين؛ فإن الأذان لا يشرع للنوافل، إذ الدعاء إلى الصلاة إنما يختص بالفرائض (٣). ٣ - صلاة الرغائب (٤).

стр. 95

وهذه الصلاة تناقض قواعد الشريعة من وجوه. (١) ١ - أن النبي ﷺ نهى عن تخصيص ليلة الجمعة بالقيام فقال: (لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي) (٢). ٢ - مخالفة سنة السكون في الصلاة بسبب التسبيحات، وعد سورتي القدر والإخلاص في كل ركعة، ولا يتأتى ذلك إلا بتحريك الأصابع في الغالب. وقد ثبت أن النبي ﷺ قال: (اسكنوا في الصلاة) (٣). ٣ - مخالفة سنة خشوع القلب وحضوره في الصلاة، وتفريغه لله تعالى وإذا لاحظ المصلي عدَّ قراءة السورة والتسبيحات بقلبه كان ملتفتًا عن الله تعالى معرضًا عنه. ٤ - مخالفة سنة النوافل من جهة أن فعلها في البيوت أولى من فعلها في المساجد، ومن جهة أن فعلها بالانفراد أولى من فعلها في الجماعة إلا ما استثناه الشرع من ذلك.

стр. 96

٥ - أن كمال هذه الصلاة عند من وضعها من المبتدعين أن يفعلها مع صيام ذلك اليوم، ولا يفطر حتى يصليها، وعند ذلك يلزم تعطيل سنتين من سنن المصطفى ﷺ في ذلك، إحداهما: تعجيل الفطر، والثانية: تفريغ القلب من الشواغل المقلقة بسبب جوع الصائم وعطشه. وهذه الصلاة يُدْخَل فيها بعد الفراغ من صلاة المغرب، ولا يفرغ منها إلا عند دخول وقت العشاء الآخرة، فَتُوْصَل بصلاة العشاء، والقلق باق، ويتأخر الفطر إلى ما بعد ذلك. ٦ - أن سجدتي هذه الصلاة المفعولتين بعد الفراغ منها مكروهتان؛ فإنهما سجدتان لا سبب لهما، والشريعة لم ترد بالتقرب إلى الله تعالى بالسجود إلا في الصلاة، أو لسبب خاص من سهو أو قراءة سجدة. توضيح القاعدة: من المقرر أن هذه الشريعة مبرأة عن مقاصد المتخرصين وأهواء المبتدعين، وأن جميع أحكام هذا الدين جارية على نظام ثابت، وهي بدون استثناء مندرجة تحت أصول كلية. لذا فلا يُتصور أبدًا أن يأتي في هذه الشريعة عبادة مخالفة لقواعدها ومقاصدها. ولأجل ذلك فإن هذه القاعدة خاصة بما لم يصح ثبوته من

стр. 97

العبادات؛ إذ كل ما خالف هذه الشريعة وخرج عن قواعدها فلا يمكن ثبوته بطريق صحيح. وبذلك يُعلم أن كل عبادة وردت بطريق شرعي صحيح فهي موافقة لقواعد الشريعة، ولا تكون مخالفة لها بوجه من الوجوه (١). ويختص بفقه قواعد هذه الشريعة، ومعرفة مقاصد أحكام هذا الدين: الراسخون في العلم؛ إذ هم الذين يميَّزون السنة من البدعة، ويدركون المصلحة والمفسدة على هدى من الله، كما قال تعالى: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾ وأعظم الناس فهمًا لدين الله وأعمقهم فقهًا فيه الصحابة الكرام ﵃؛ فإنهم حضروا التنزيل وهم أعلم بالمقاصد. أما من لم يبلغ رتبة الرسوخ في العلم ودرجة الفقه في الدين فإنه لن ينتفع بمثل هذه القاعدة العظيمة، وربما زلت قدمه فرأى حسنًا ما ليس بالحسن، وعدَّ من السنة ما ليس منها، وأدخل في دين الله ما هو منه براء. وبسبب ذلك فإن الابتداع في الدين لا يقع من الراسخين في العلم اللهم إلا أن يكون فلتة، وهذه هي زلة العالم، ثم إنه متى تبين له الحق رجع إليه.

стр. 98

ومن هنا تُعلم الأهمية البالغة لفقه مقاصد الدين، وضبط أصول الشريعة، ومعرفة قواعد التشريع؛ فإن العالم المطلع على ذلك يُؤتى فرقانًا، ويرزق بصيرة وبرهانًا. القاعدة السادسة (٦) كل تقرب إلى الله بفعل شيء من العادات أو المعاملات من وجه لم يعتبره الشارع فهو بدعة (١). ومن الأمثلة على ذلك: اتخاذ لبس الصوف عبادة وطريقة إلى الله (٢). وكذلك التقرب إلى الله بالصمت الدائم، أو بالامتناع عن أكل الخبز واللحم وشرب الماء أو بالقيام في الشمس وترك الاستظلال (٣). توضيح القاعدة: هذه القاعدة خاصة بالعادات والمعاملات، التي تتخذ عبادة وقربة إلى الله تعالى، فالبدعة ها هنا مخترعة من جهتين: من جهة أصلها ومن جهة وصفها.

стр. 99

ومن هنا كانت الأمثلة على هذه القاعدة من قبيل البدعة الحقيقية، التي لا دليل عليها لا في الجملة ولا في التفصيل. إلا أن فعل العادة أو المعاملة قد يدخل تحت معنى العبادة، فلا يكون بدعة حينئذ، وذلك إن اقترن بهذا الفعل النية الصحيحة، أو كان وسيلة إلى العمل الصالح وعونًا عليه. مثال ذلك: قوله ﷺ : «ولست تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى اللقمة تجعلها في في امرأتك» (١). وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾. فمن هذا الوجه - دون غيره - يصح التقرب إلى الله بفعل العادة أو المعاملة، ولذلك قُيَّدت هذه القاعدة بكون التقرب من وجه لم يعتبره الشارع. ومن هنا يعلم أن اتخاذ العادة أو المعاملة بذاتها عبادة وقربة إلى الله تعالى أمر لم يعتبره الشارع؛ إذ التقرب إلى الله لا يكون إلا بفعل الطاعات من الواجبات والمستحبات.

стр. 100

قال ابن تيمية: (ومن تعبد بعبادة ليست واجبة ولا مستحبة، وهو يعتقدها واجبة أو مستحبة فهو ضال مبتدع بدعة سيئة لا بدعة حسنة باتفاق أئمة الدين؛ فإن الله لا يُعبد إلا بما هو واجب أو مستحب) (١). وقال ابن رجب: (فمن تقرب إلى الله بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة إلى الله فعمله باطل مردود عليه) (٢). القاعدة السابعة (٧) كل تقرب إلى الله بفعل ما نهى عنه سبحانه فهو بدعة (٣). ومن الأمثلة على ذلك: ١ - التقرب إلى الله بسماع الملاهي أو بالرقص (٤). ٢ - التقرب إلى الله بمشابهة الكافرين. وهذا المثال اجتمعت فيه أصول الابتداع الثلاثة. بيان ذلك أن الابتداع يحصل بفعل هذه المشابهة من الوجوه الآتية:

стр. 101

الوجه الأول: من حيث إنها تقرب إلى الله بما لم يشرعه مما نهى عنه، وهذا هو الأصل الأول من أصول الابتداع. والوجه الثاني: من حيث إنها خروج على نظام الدين لما فيها من الموافقة لأعداء الله، وهذا هو الأصل الثاني من أصول الابتداع. ولذا فإن الابتداع يحصل بمشابهة الكافرين وحدها دون قصد التقرب كما سيأتي. والوجه الثالث: من حيث إنها ذريعة إلى أن يُعتقد فيها أنها من الدين، وذلك إن وقعت هذه المشابهة وظهرت ممن يُقتدى به من أهل العلم والدين، وهذا هو الأصل الثالث من أصول الابتداع. توضيح القاعدة: تشترك هذه القاعدة مع القاعدة السابقة في كونهما متعلقتين بالبدع المخترعة من جهة أصلها ومن جهة وصفها أيضًا، ولذا فإن أمثلة هذه القاعدة من قبيل البدعة الحقيقية، إلا أن هذه القاعدة تختص بباب المعاصي والمنهيات، وتلك بباب العادات والمعاملات. وإذا كان التقرب إلى الله إنما يصح بفعل الواجبات والمندوبات، ولا يصح بفعل المباحات من العادات، فمن باب أولى ألا يصح التقرب إلى الله بفعل ما نُهي عنه من المعاصي والمحرمات.

стр. 102

قال الشاطبي: (كل عبادة نهي عنها فليست بعبادة؛ إذ لو كانت عبادة لم ينه عنها، فالعامل بها عامل بغير مشروع، فإذا اعتقد فيها التعبد مع هذا النهي كان مبتدعًا (١). القاعدة الثامنة (٨) كل عبادة وردت في الشرع على صفة مقَّيدة، فتغيير هذه الصفة بدعة (٢). ويدخل تحت هذه القاعدة الصور التالية (٣): ١ - المخالفة في الزمان كالتضحية في أول أيام ذي الحجة. ٢ - المخالفة في المكان كالاعتكاف في غير المساجد. ٣ - المخالفة في الجنس كالتضحية بفرس. ٤ - المخالفة في القدر (العدد) كزيادة صلاة سادسة. ٥ - المخالفة في الكيفية (الترتيب) كبدء الوضوء بغسل الرجلين ثم غسل اليدين ثم مسح الرأس ثم غسل الوجه.

стр. 103

توضيح القاعدة: بيان هذه القاعدة والتي تليها مبني على معرفة أصل مهم وهو أن مقصود الشارع في باب العبادات لا يتحقق إلا بمتابعته في أمرين: أولهما: في أصل العبادة من حيث كونها ثابتة بدليل صحيح. وثانيهما: في صفة العبادة من حيث كونها مقيَّدة أو مطلقة، فمن أطلق ما قيَّده الشارع فقد ابتدع، ومثله من قيَّد ما أطلقه الشارع. والواجب على الخلق إتباع الشارع في إطلاقه وتعيينه: فصَوْم النَّفل مثلاً مطلق من جهة، مقيد من جهة، فهو مطلق من جهة إيقاعه في أي يوم وفي أي مكان لكنه مقيد من جهة إيقاعه في وقت معين، وهو ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس. فمتى أطلق الشارع الأمر بعبادة من العبادات فينبغي أن يفهم من هذا الإطلاق: التوسعة، ولهذا فإن من خصص عبادة مطلقة بوقت معين أو بمكان معين فقد قيَّد ما أطلقه الشارع، وهذا التقييد مخالفة واضحة لمعنى التوسعة المستفاد من أمر الشارع المطلق. وهذا ما سيأتي بيانه في القاعدة التالية.

стр. 104

ومتى خَصَّصَ الشارع عبادة من العبادات بوقت معين أو مكان معين فينبغي أن يفهم من هذا التخصيص: تعين المصير إليه. لذا فإن من خصص عبادة بغير ما خصها به الشارع فقد أطلق ما قيَّده الشارع، وهذا الإطلاق مخالفة واضحة لمعنى التضييق المستفاد من تخصيص الشارع. قال ابن رجب: (وليس ما كان قربة في عبادة يكون قربة في غيرها مطلقًا، فقد رأى النبي ﷺ رجلاً قائمًا في الشمس فسأل عنه فقيل: إنه نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل وأن يصوم فأمره النبي ﷺ أن يقعد ويستظل وأن يتم صومه (١)، فلم يجعل قيامه وبروزه للشمس قربة يوفى بنذرهما ... مع أن القيام عبادة في مواضع أخر كالصلاة والأذان والدعاء بعرفة، والبروز للشمس قربة للمحرم (٢)، فدلَّ على أنه ليس كل ما كان قربة في موطن يكون قربة في كل المواطن، وإنما يتبع في ذلك ما وردت به الشريعة في مواضعها) (٣).

стр. 105

القاعدة التاسعة (٩) كل عبادة مطلقة ثبتت في الشرع بدليل عام؛ فإن تقييد إطلاق هذه العبادة بزمان أو مكان معين أو نحوهما بحيث يوهم هذا التقييد أنه مقصود شرعًا من غير أن يدلّ الدليل العام على هذا التقييد فهو بدعة (١). والأمثلة على هذه القاعدة تنظر في التوضيح الآتي وفي القاعدة التاسعة عشرة. توضيح القاعدة: هذه القاعدة خاصة بالعبادات الثابتة من جهة أصلها، المخترعة من جهة وصفها، وذلك من جهة مخالفة ما فيها من إطلاق وتوسعة. ويتصل بيان هذه القاعدة ببيان قاعدة أخرى، وهي: أن الأمر المطلق لا يمكن امتثاله إلا بتحصيل المعين، كالأمر بعتق الرقبة في قوله تعالى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ فإن الامتثال للأمر بالإعتاق - وهو مطلق - لا يمكن إلا بإعتاق رقبة معينة هي زيد أو عمرو. قال ابن تيمية: (... فالحقيقة المطلقة هي الواجبة، وأما

стр. 106

خصوص العين فليس واجبًا ولا مأمورًا به، وإنما هو أحد الأعيان التي يحصل بها المطلق؛ بمنزلة الطريق إلى مكة، ولا قصد للآمر في خصوص التعيين) (١). إذا عُلمت هذه القاعدة، وهي أن الأمر المطلق لا يتحقق إلا بتحصيل المعين فإن هنالك قاعدة أخرى مبنية عليها، وهي أن إطلاق الأمر لا يدل على تخصيص ذلك المعين بكونه مشروعًا أو مأمورًا به، بل يُرجع في ذلك إلى الأدلة؛ فإن كان في الأدلة ما يكره تخصيص ذلك المعين كُره، وإن كان فيها ما يقتضي استحبابه استحب، وإلا بقي غير مستحب ولا مكروه (٢). وقد عبَّر ابن تيمية عن القاعدة الأخيرة بقوله: (شرع الله ورسوله ﷺ للعمل بوصف العموم والإطلاق لا يقتضي أن يكون مشروعًا بوصف الخصوص والتقييد) (٣). ثم بين ﵀ أن هذه القاعدة إذا جُمعت نظائرها نفعت، وتميز بها ما هو من البدع من العبادات التي يشرع جنسها (٤).

стр. 107

مثال ذلك: أن الصوم في الجملة مندوب إليه لم يخصه الشرع بوقت دون وقت، ولا حدَّ فيه زمانًا دون زمان، ما عدا ما نهى عن صيامه على الخصوص كالعيدين، وندب إليه على الخصوص كعرفة وعاشوراء، فإذا خص المكلَّف يومًا بعينه من الأسبوع كيوم الأربعاء، أو أيامًا من الشهر بأعيانها كالسابع والثامن لا من جهة ما عينه الشارع فلا شك أن هذا التخصيص رأي محض بغير دليل، ضاهى به تخصيص الشارع أيامًا بأعيانها دون غيرها، فصار التخصيص من المكلف بدعة؛ إذ هي تشريع بغير مستند (١). (ومن ذلك: تخصيص الأيام الفاضلة بأنواع من العبادات التي لم تشرع لها تخصيصًا، كتخصيص اليوم الفلاني بكذا وكذ من الركعات، أو بصدقة كذا وكذا، أو الليلة الفلانية بقيام كذا وكذا ركعة، أو بختم القرآن فيها أو ما أشبه ذلك) (٢). إذا عُلمت هاتان القاعدتان فالواجب - كما سبق - إتباع الشارع في إطلاقه وتعيينه. ذلك أن الشارع إذا أطلق الأمر بعبادة من العبادات فينبغي أن يفهم من هذا الإطلاق: التوسعة، ولهذا فإن من خصص عبادة مطلقة بوقت

стр. 108

معين أو بمكان معين فقد قيَّد ما أطلقه الشارع، وهذا التقييد مخالفة واضحة لمعنى التوسعة المستفاد من أمر الشارع المطلق. قال أبو شامة: (ولا ينبغي تخصيص العبادات بأوقات لم يخصصها بها الشرع، بل يكون جميع أفعال البر مرسلة في جميع الأزمان، ليس لبعضها على بعض فضل إلا ما فضَّله الشرع وخصَّه بنوع من العبادة، فإن كان ذلك؛ اختص بتلك الفضيلة تلك العبادة ... دون غيرها، كصوم يوم عرفة، وعاشوراء، والصلاة في جوف الليل، والعمرة في رمضان) (١). وقد بيَّن ابن تيمية المفسدة المترتبة على مثل هذا التخصيص فقال: (... من أحدث عملاً في يوم؛ كإحداث صوم أول خميس من رجب ... ... فلا بد أن يتبع هذا العمل اعتقاد في القلب. وذلك لأنه لا بد أن يعتقد أن هذا اليوم أفضل من أمثاله، وأن الصوم فيه مستحب استحبابًا زائدًا على الخميس الذي قبله وبعده مثلاً ... ... إذ لولا قيام هذا الاعتقاد في قلبه، أو في قلب متبوعه لما انبعث القلب لتخصيص هذا اليوم والليلة؛ فإن الترجيح من غير مرجع ممتنع) (٢).

стр. 109

من هنا يُعلم أن هذا التخصيص يسوغ متى خلا من هذه المفسدة، وذلك بأن يستند التخصيص إلى سبب معقول يقصد مثله أهل العقل والفراغ والنشاط، كتخصيص يوم الخميس لصلاة الاستسقاء لكونه يومًا يفرغ الناس فيه من أعمالهم، فهو أيسر لاجتماع الناس، وكقصر المرء نفسه على ورد محدد من العبادة يلتزمه في أوقات مخصوصة، كل ليلة أو كل أسبوع، لكون ذلك أدعى لديمومة العمل وأقرب إلى الرفق، فمثل هذا التخصيص موافق لمقصد الشارع. أما إذا صار التخصيص ذريعة إلى أن يعتقد فيه ما ليس مشروعًا فيمنع منه لأمرين: أولاً: لأجل الذريعة، وثانيًا: لكونه مخالفًا لمعنى التوسعة. قال الشاطبي: (ثم إذا فهمنا التوسعة فلابد من اعتبار أمر آخر، وهو أن يكون العمل بحيث لا يوهم التخصيص زمانًا دون غيره، أو مكانًا دون غيره، أو كيفية دون غيرها، أو يوهم انتقال الحكم من الاستحباب - مثلاً - إلى السنة أو الفرض) (١). وبهذا يتبين أن تخصيص العبادة المطلقة يسوغ بشرطين: الأول: ألا يكون في هذا التخصيص مخالفة لمقصود الشارع في التوسعة والإطلاق.

стр. 110

والثاني: ألا يوهم هذا التخصيص أنه مقصود شرعًا. وسيأتي الكلام مفصلاً على هذا الإيهام في القاعدة التاسعة عشرة. وفي هذا المقام تنبيهات: ١ - أن في تخصيص العبادة المطلقة مخالفة لإطلاق الدليل وعمومه. ٢ - أن في هذا التخصيص فتحًا للذرائع حيث يوهم ما ليس مشروعًا. ٣ - أن في هذا التخصيص معارضة لسنة الترك، وذلك من جهة دلالة السنة التركية على المنع من هذا التخصيص، وقد سبق في القاعدة الرابعة التنبيه على أن سنة الترك دليل خاص مقدم على الأدلة العامة المطلقة. ٤ - أن في هذا التخصيص مخالفة لعمل السلف الصالح حيث كانوا يتركون السنة لئلا يعتقد أنها فريضة كما سبق نقل ذلك عنهم في الأصل الثالث، وهو الذرائع المفضية إلى البدعة. ٥ - أن في هذه القاعدة ردًا على الذين يتمسكون في الأخذ ببعض البدع بعمومات الأدلة وإطلاقتها. ٦ - وبذلك يظهر أن هذه القاعدة خاصة بالبدع الإضافية، التي لها متعلق بالدليل العام من جهة، لكنها مخالفة لمعنى التوسعة - المستفاد من العموم - من جهة أخرى.
следующие страницы →