← Книги сунны

Книги сунны · id 17103

عمدة الأحكام - ت الزهيري

عبد الغني المقدسي

Полный текст (192 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

العُمْدَةُ في الأَحْكَامِ تَأليف الإمَام الحَافِظ عَبد الغَني بْن عَبد الوَاحِد المَقدسي المتوفى ٦٠٠ هـ تحقيق سَمير بْن أمين الزهَيري

стр. 2

جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة للناشر، فَلَا يجوز نشر أَي جُزْء من هَذَا الْكتاب، أَو تخزينه أَو تسجيله بأية وَسِيلَة، أَو تَصْوِيره أَو تَرْجَمته دون مُوَافقَة خطية مسبقة من الناشر الطَّبَعة الأولى ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م (ح) مكتبة المعَارف للنشر والتوزيع، ١٤١٩ هـ فهرسة مكتبة الْملك فَهد الوطنية اثناء النشر الجماعيلي، عبد الْغَنِيّ بن عبد الْوَاحِد الْعُمْدَة فِي الاحكام / تَحْقِيق سمير بن أَمِين الزهيري - الرياض ٢٢٤ ص، ١٧ × ٢٤ سم ردمك ٩ - ٨٧ - ٨٠٤ - ٩٩٦٠ ١ - الحَدِيث - جَوَامِع الْفُنُون ٢ - الحَدِيث - أَحْكَام أ- الزهيري، سمير بن أَمِين (مُحَقّق) ب - العنوان ديوي ٢٣٧.٣ - ٣٢٨٢/ ١٨ رقم الْإِيدَاع: ٣٢٨٢/ ١٨ ردمك: ٩ - ٨٧ - ٨٠٤ - ٩٩٦٠ مكتبة المعَارف للنشِر وَالتوزيع هَاتف: ٤١١٤٥٣٥ - ٤١١٣٢٥٠ فاكس: ٤١١٢٩٣٢ - بَرقياً دَفتر صَ. بَ: ٣٢٨١ الريَاض، الرَّمْز البريدي: ١١٤٧١ سجل تجاري: ٦٣١٣ الريَاض

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة التحقيق إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. أما بعد: فإن أحسن الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

стр. 5

وبعد: فهذا كتاب "العمدة في الأحكام" للإمام الحافظ أبي محمد؛ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي ﵀. وهذا تعريف موجز بالمؤلِّف. اسمه ونسبه: هو الإمام، العالم، الحافظ، الكبير، الصادق، العابد، الأثري، عالم الحفاظ، تقي الدين؛ أبو محمد: عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور بن رافع بن حسن بن جعفر المقدسي، الجماعيلي، ثم الدمشقي المنشأ الصالحي. مولده: اختلف في مولد الحافظ عبد الغني ﵀، فقيل: سنة [٥٤١ هـ]. وقيل: [٥٤٣ هـ]. وقيل: [٥٤٤ هـ]. صفاته الخَلْقية: قال الضياء المقدسي: "ليس بالأبيض الأمهق، بل يميل إلى السمرة، حسن الشعر، كث اللحية، واسع الجبين، عظيم الخلق، تام القامة، كأن النور يخرج من وجهه، وكان قد ضعف بصره من البكاء، والنسخ، والمطالعة". رحلاته: لقد كان الحافظ عبد الغني شأنه شأن الحفاظ الكبار من قبله، فقلما تجد حافظًا من الحفاظ إلا وقد رحل في طلب العلم.

стр. 6

ولقد بدأ الحافظ ﵀ رحلاته وهو في العشرين من عمره تقريبًا، إذ رحل إلى بغداد سنة [٥٦١]، وإذا عرفت أنهم لم يكونوا يرحلون إلا بعد سماعهم من مشايخ بلدانهم، علمت أنه طلب العلم منذ صغره ﵀. فرحل إلى بغداد مرتين. رحل المرة الأولى سنة [٥٦١]، هو، وابن خاله الشيخ موفق الدين بن قدامة، واستغرقت إقامتهما ببغداد نحو أربع سنوات، وكان الحافظ ﵀ ميله إلى الحديث، والموفق يريد الفقه، وكان من أثر تلازمهما تفقه الحافظ، وسماع ابن قدامة. ثم رحل إلى الحافظ أبي طاهر السِّلفي بالإسكندرية مرتين: الأولى سنة [٥٦٦]، وأقام مدة، والثانية سنة [٥٧٠]، وسمع من السلفي كثرًا، فقد كتب عنه نحوًا من ألف جزء. وكان قبل رحيله إلى السلفي يحضر مجالس الحديث بدمشق، وكان يحضرها أيضًا الملك نور الدين بن زنكي، وكان إذا أشكل شيء على القارىء، بينه الحافظ، ففقده الملك بعد ذلك، فقال: أين ذاك الشاب؟، فقيل: سافر. وهذا يدل على نباهته، وقوة حفظه منذ الصغر. ورحل إلى مصر أيضًا مرتين، فسمع وحدث، وحدثت له فيها أحداث منها: أنه اجتمع بالملك العادل، إذ يقول هو في ذلك: "والملك العادل اجتمعت به، وما رأيت منه إلا الجميل،

стр. 7

فأقبل عليَّ، وقام لي، والتزمني، ودعوت له، ثم قلت: عندنا قصور هو الذي يوجب التقصير، فقال: ما عندك لا تقصير ولا قصور، وذكر أمر السنة، فقال: ما عندك شيء تعاب به، لا في الدين ولا الدنيا، ولابد للناس من حاسدين". وقال الضياء: ولما وصل إلى مصر كُنَّا بها، فكان إذا خرج للجمعة لا نقدر نمشي معه من كثرة الخلق. . . يجتمعون حوله، وكنا أحداثًا نكتب الحديث حوله، فضحكنا من شيء وطال الضحك، فتبسم، ولم يحرد علينا. ورحل أيضًا إلى أصبهان، واجتمع بالحافظ أبي موسى المديني. قال الضياء: سمعت الإمام عبد الله بن أبي الحسن الجبائي بأصبهان يقول: أبو نعيم قد أخذ على ابن منده أشياء في كتاب الصحابة، فكان الحافظ أبو موسى يشتهي أن يأخذ على أبي نعيم في كتابه الذي في الصحابة، فما كان يجسر، فلما قدم الحافظ عبد الغني أشار إليه بذلك، فاخذ على أبي نعيم نحوًا من مئتين وتسعين موضعًا. ولذلك كان أبو موسى ﵀ يقول: "قل من قدم علينا يفهم هذا الشأن كفهم الشيخ الإمام ضياء الدين أبي محمد؛ عبد الغني المقدسي، وقد وفق لتبين هذه الغلطات، ولو كان الدارقطني وأمثاله في الأحياء، لصوبوا فعله، وقل من يفهم في زماننا ما فهم، زاده الله علمًا وتوفيقًا".

стр. 8

ومما وقع له في رحلته إلى أصبهان، قال: أضافني رجل بأصبهان، فلما تعشينا كان عنده رجل أكل معنا، فلما قمنا إلى الصلاة لم يصل. فقلت: ماله؟! قالوا: هذا رجل شمسي -أي: يعبد الشمس- فضاق صدري. وقلت للرجل: ما أضفتني إلا مع كافر؟! قال: إنه كاتب، ولنا عنده راحة، ثم قمت بالليل أصلي، وذاك يستمع، فلما سمع القرآن تزفَّر، ثم أسلم بعد أيام، وقال: لما سمعتك تقرأ وقع الإسلام في قلبي. ولقد كان الناس بأصبهان يصطفون في السوق ينظرون إليه، حتى قيل: لو أراد أن يملك أصبهان لملكها. ورحل أيضًا إلى الموصل، وحران، وهمدان، وغير ذلك، وهو في كل رحلاته يفيد ويستفيد، ينشر سنة النبي ﷺ . شيوخه: لا شك أن من كانت رحلاته كالحافظ فلابد أن يكون قد سمع الجم الغفير من العلماء. فمثلًا: سمع ببغداد من: أبي الفرج ابن الجوزي، وأبي الفتح ابن البطِّي، وأبي الحسن؛ علي بن رباح الفراء، وعبد القادر الجيلي، وهبة الله بن هلال الدقاق، وأبي زرعة المقدسي، وأبي بكر ابن النقور، وأحمد بن عبد الغني الباجسرائي، وغيرهم. وسمع بمصر من: محمد بن علي الرحبي، وعبد الله بن بري، وغيرهم.

стр. 9

وسمع بالإسكندرية من: الحافظ أبي طاهر السلفي. وبأصبهان من: الحافظ أبي موسى المديني، وأبي الوفاء؛ محمود بن حَمَكَا، وأبي الفتح الخرقي، وغيرهم. وسمع بدمشق من: أبي المكارم بن هلال، وسلمان بن علي الرحبي، وأبي المعالي ابن صابر، وعدة. وغير ذلك الكثير. تلاميذه: الحافظ عز الدين محمد، والحافظ أبو موسى؛ عبد الله، والفقيه أبو سليمان، وهم أبناؤه. وحدث عنه أيضًا الشيخ موفق الدين بن قدامة، والحافظ الضياء، والشيخ الفقيه محمد اليونيني، والزين بن عبد الدايم، والشهاب القوصي، وخلق كثير. حفظه: لقد كان عبد الغني المقدسي من الحفاظ المعدودين، وجاء عنه في ذلك أخبار كثيرة تدل على قوة حفظه، وصفاء ذهنه. فقد سئل: لم لا تقرأ من غير كتاب؟. فقال: أخاف العجب. وقال الضياء المقدسي: كان شيخنا الحافظ لا يكاد يسأل عن حديث إلا ذكره وبينه، وذكر صحته أو سقمه، ولا يسأل عن رجل إلا قال: هو فلان بن

стр. 10

فلان الفلاني، ويذكر نسبه، فكان أمير المؤمنين في الحديث، سمعته يقول: كنت عند الحافظ أبي موسى المديني، فجرى بيني وبين رجل منازعة في حديث. فقال: هو في "صحيح البخاري". فقلت: ليس هو فيه. قال: فكتبه في رقعة، ورفعها إلى أبي موسى يسأله؟ قال: فناولني أبو موسى الرقعة، وقال: ما تقول؟ فقلت: ما هو في البخاري. فخجل الرجل. وقال أبو نزار ربيعة الصنعاني: قد حضرت الحافظ أبا موسى، وهذا الحافظ عبد الغني، فرأيت عبد الغني أحفظ منه. وقال الضياء: سمعت عبد الغني يقول: كنت عند ابن الجوزي، فقال: "وريرة بن محمد الغساني"، فقلت: إنما هو "وَزيرة"، فقال: أنتم أعرف بأهل بلدكم. وقال رجل للحافظ عبد الغني: رجل حلف بالطلاق أنك تحفظ مئة ألف حديث. فقال: لو قال أكثر لصدق. ومن شمائله: أنه نشر الحديث بالشام حتى قال أبو إسحاق؛ إبراهيم بن

стр. 11

محمد الحافظ: ما رأيت الحديث في الشام كله إلا ببركة الحافظ، فإنني كل من سألته يقول: أول ما سمعت على الحافظ عبد الغني. ولقد كان يهتم بالرحلة جدًا، ويحرّض الطلاب على ذلك، ورحّل غير واحد منهم. وكان ﵀ لا يضيع شيئًا من وقته في غير فائدة، فإنه كان يصلي الفجر، ويلقن القرآن، وربما أقرأ شيئًا من الحديث تلقينًا، ثم يتوضأ ويصلي ما شاء الله له أن يصلي، ثم ينام نومة، ثم يقوم فيصلي الظهر، ويشتغل بعد ذلك بالتسميع أو بالنسخ إلى المغرب، فإن كان صائمًا أفطر، ثم يصلي العشاء، وينام إلى نصف الليل أو بعده، ثم قام كأن إنسانًا يوقظه، فيتوضأ ويصلي إلى قرب الفجر، وربما توضأ سبع مرات أو أكثر، وكان يقول: ما تطيب لي الصلاة إلا ما دامت أعضائي رطبة، ثم ينام نومة يسيرة إلى الفجر. وهذا دأبه. وكان أخوة الشيخ العماد يقول: ما رأيت أحدًا أشد محافظة على وقته من أخي. وكان الحافظ ﵀ سخيّا جوادًا، لا يدخر دينارًا ولا درهمًا، وكان يخرج في الليل بقفاف الدقيق إلى بيوت الفقراء متنكرًا في الظلمة، وكان يُفتح عليه بالثياب، فيعطي الناس، وثوبه مرقع، وأخباره في ذلك كثيرة. وقال عنه ابن قدامة: كان الحافظ عبد الغني جامعًا للعلم والعمل، وكان رفيقي في الصبا، وفي طلب العلم، وما كنا نستبق

стр. 12

إلى خير إلا سبقني إليه إلا القليل. وكمَّل الله فضيلته بابتلائه بأذى أهل البدعة وعداوتهم، ورزق العلم، وتحصيل الكتب الكثيرة، إلا أنه لم يعمر حتّى يبلغ غرضه في روايتها ونشرها. ما ابتلي به الحافظ: ابتلي الحافظ عبد الغني ﵀ كثيرًا، كغيره من أهل السنة، فلقد عاداه أهل البدع في زمانه، ووشوا به إلى الحكام. ولم يكن ﵀ ممن تأخذه في الله لومة لائم، وأكثر ما جرّ عليه البلاء قيامه بنشر أحاديث النزول والصفات، وكعادة أهل البدع والضلال في كل عصر ومصر، وموقفهم من الآثار، فقد قاموا عليه، ورموه بالتجسيم، وأما هو ﵀ فقد كان قويّا في الحق، يجهر به، فما كان يداريهم كما فعل غيره من علماء عصره. ولقد ابتلي كثيرًا. قال الضياء: "كان الحافظ يقرأ الحديث بدمشق، ويجتمع عليه الخلق، فوقع الحسد، فشرعوا [أن] عملوا لهم وقتًا لقراءة الحديث، وجمعوا الناس، فكان هذا ينام، وهذا بلا قلب، فما اشتفوا، فأمروا الناصح ابن الحنبلي بأن يعظ تحت قبة النسر يوم الجمعة، وقت جلوس الحافظ، فأول ذلك أن الناصح والحافظ أرادا أن يختلفا الوقت، فاتفقا أن الناصح جلس بعد الصلاة، وأن يجلس الحافظ بعد العصر، فدسوا إلى الناصح رجلًا ناقص العقل

стр. 13

من بني عساكر، فقال للناصح في المجلس ما معناه: إنك تقول الكذب على المنبر، فضرب وهرب، فتمت مكيدتهم، ومشوا إلى الوالي، وقالوا: هؤلاء الحنابلة قصدهم الفتنة، واعتقادهم يخالف اعتقادنا، ونحو هذا، ثم جمعوا كبراءهم، ومضوا إلى القلعة إلى الوالي، وقالوا: نشتهي أن تحضر عبد الغني، فانحدر إلى المدينة خالي الموفق، وأخي الشمس البخاري، وجماعة، وقالوا: نحن نناظرهم. وقالوا للحافظ: لا تجيء فإنك حَدٌّ، نحن نكفيك، فاتفق أنهم أخذوا الحافظ وحده، ولم يدر أصحابنا، فناظروه، واحتدّ، وكانوا قد كتبوا شيئًا من الاعتقاد، وكتبوا خطوطهم فيه، وقالوا له: اكتب خطك، فأبى. فقالوا للوالي: الفقهاء كلهم قد اتفقوا على شيء، وهو يخالفهم، واستأذنوه في رفع منبره، وقالوا: نريد أن لا تجعل في الجامع إلا صلاة الشافعية، وكسروا منبر الحافظ، ومنعونا من الصلاة، ففاتتنا صلاة الظهر. ثم إن الحافظ ضاق صدره، ومضى إلى بعلبك، فأقام بها مدة، ثم توجه إلى مصر، فجاء شاب من دمشق بفتاو إلى صاحب مصر الملك العزيز، ومعه كتب أن الحنابلة يقولون كذا وكذا مما يشنعون به عليهم، فقال: إذا رجعنا أخرجنا من بلادنا من يقول بهذه المقالة، فاتفق أنه عدا به الفرس، فشب به، فسقط، فخسف صدره، كذلك حدثني يوسف بن الطفيل شيخنا، وهو الذي

стр. 14

غسله، فأقيم ابنه صبي، فجاء الأفضل من صرخد، وأخذ مصر، وعسكر وكرّ إلى دمشق، فلقي الحافظ عبد الغني في الطريق فأكرمه إكرامًا كثيرًا، ونفّذ يوصي به بمصر، فتلقي الإمام بالإكرام، وأقام بها يُسمعُ الحديث بمواضع -وكان بها كثير من المخالفين- وحصر الأفضل دمشق حصرًا شديدًا، ثم رجع إلى مصر، فسار العادل عمُّه خلفه فتملك مصر، وأقام، وكثر المخالفون على الحافظ، فاستدعي، وأكرمه العادل، ثم سافر العادل إلى دمشق، وبقي الحافظ بمصر، وهم ينالون منه، حتى عزم الملك الكامل على إخراجه، واعتقل في دار أسبوعًا، فكان يقول: ما وجدت راحة في مصر مثل تلك الليالي. وقال الشجاع بن أبي زكريا الأمير: قال لي الملك يومًا: هاهنا فقيه. قالوا: إنه كافر. قلت: لا أعرفه. قال: بلى، هو محدِّث. قلت: لعله الحافظ عبد الغني؟ قال: هذا هو. فقلت: أيها الملك! العلماء أحدهم يطلب الآخرة، وآخر يطلب الدنيا، وأنت هنا باب الدنيا، فهذا الرجل جاء إليك، أو أرسل إليك شفاعة أو رقعة، يطلب منك شيئًا؟. قال: لا. فقلت: والله هؤلاء يحسدونه. فهل في هذه البلاد أرفع منك؟. قال: لا. فقلت: هذا الرجل أرفع العلماء، كما أنت أرفع الناس. فقال: جزاك الله خيرًا كما عرفتني. ثم بعثتُ رقعة إليه، أوصيه به، فطلبني، فجئت، وإذا عنده شيخ الشيوخ ابن حمويه، وعز الدين الزنجاري الأمير، فقال لي

стр. 15

السلطان: نحن في أمر الحافظ، فقال: أيها الملك! القوم يحسدونه، وهذا شيخ الشيوخ بيننا، وحلّفته: هل سمعت من الحافظ كلامًا يخرج عن الإسلام؟ فقال: لا والله. وما سمعت عنه إلا كل جميل، وما رأيته. وتكلم ابن الزنجاري فمدح الحافظ كثيرًا وتلامذته. وقال: أنا أعرفهم، ما رأيت مثلهم. فقلت: وأنا أقول شيثًا آخر: لا يصل إليه مكروه حتى يقتل من الأكراد ثلاثة آلاف. فقال الملك الكامل: لا يؤذى الحافظ. فقلت: اكتب خطك بذلك. فكتب. ثم طلب من الحافظ أن يكتب اعتقاده، فكتب: أقول كذا؛ لقول الله كذا، وأقول كذا؛ لقول الله كذا، ولقول النبي ﷺ كذا. حتى فرغ من المسائل التي يخالفون فيها، فلما رآها الكامل قال: إيشٍ أقول في هذا، يقول بقول الله، وقول رسول الله ﷺ ؟! ". وزعم سبط ابن الجوزي أن الفقهاء أجمعوا على تكفيره، ولكن هذا من مجازفات السبط، وقلة ورعه، كما قال الحافظ الذهبي. ووقع له من البلاء أيضًا في أصبهان ما كاد يودي إلى قتله، ومثل ذلك وهو بالموصل. ولكنه ﵀ كان محبوبًا من أهل السنة، يكرمونه، ويعرفون قدره، وينزلونه منزلته. قال الضياء: ما أعرف أحدًا من أهل السنة رآه إلا أحبه،

стр. 16

ومدحه كثيرًا. وقال الذهبي: وبكل حال فالحافظ عبد الغني من أهل الدين، والعلم، والتأله، والصدع بالحق، ومحاسنه كثيرة. مصنفاته: صنف الحافظ عبد الغني كثيرًا من التصانيف المفيدة النافعة، نذكر منها ما يلي: ١ - الكمال في أسماء الرجال. وهو أول مؤلف في رجال الكتب الستة، قال عنه المزي: "هو كتاب نفيس، كبير الفائدة". ٢ - تبين الإصابة لأوهام حصلت لأبي نعيم في معرفة الصحابة. يقع في جزأين، يدل على براعة الحافظ وحفظه، وقد مدحه الحافظ أبو موسى المديني لما سمع منه هذا الكتاب. ٣ - الجامع الصغير لأحكام البشير النذير. ٤ - الصفات. ٥ - ذم الرياء. ٦ - ذم الغيبة. ٧ - فضل الصدقة. ٨ - الأحكام الصغرى (وهو كتابنا هذا). ٩ - الأحكام الكبرى. ١٠ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (وقد طبع بتحقيقي

стр. 17

في دار السلف بالرياض). وغير ذلك الكثير. وفاته: قال ولده الحافظ أبو موسى: مرض أبي في ربيع الأول مرضًا شديدًا منعه من الكلام والقيام، واشتد ستة عشر يومًا، وكنت أسأله كثيرًا: ما تشتهي؟، فيقول: أشتهي الجنة، أشتهي رحمة الله، لا يزيد على ذلك، فجئته بماء حار، فمد يده، فوضأته وقت الفجر، فقال: يا عبد الله! قم صل بنا وخفف، فصليت بالجماعة، وصلى جالسًا، ثم جلست عند رأسه، فقال: اقرأ يس، فقرأتها، وجعل يدعو، وأنا أؤمن. فقلت: هذا دواء تشربه. قال: يا بني ما بقي إلا الموت. فقلت: ما تشتهي شيئًا؟. قال: أشتهي النظر إلى وجه الله سبحانه. فقلت: ما توصي بشيء؟، قال: ما لي على أحد شيء، ولا لأحد عليَّ شيء. قلت: توصيني؟، قال: أوصيك بتقوى الله، والمحافظة على طاعته، فجاء جماعة يعودونه، فسلموا، فرد عليهم، وجعلوا يتحدثون، فقال: ما هذا؟ اذكروا الله، قولوا: لا إله إلا الله، فلما قاموا جعل يذكر الله بشفتيه، ويشير بعينيه، فقمت لأناول رجلًا كتابًا من جانب المسجد، فرجعت، وقد خرجت روحه ﵀، وذلك يوم الاثنين الثالث والعشرين من ربيع الأول، سنة ست مئة، وبقي ليلة الثلاثاء في المسجد، واجتمع الخلق من الغد، فدفناه (١).

стр. 18

وصف النسخ الخطيَّة: النسخة الأولى: نسخة نفيسة، كُتبت بخط نسخي جميل واضح، وتقع في (٩٨) لوحة، وناسخها هو: محمد بن إلياس بن عثمان، وهذه النسخة منقولة من نسخة قُرئت على الحافظ عبد الغني ﵀ كما أثبت ذلك الناسخ في آخرها. وكان الناسخ أمينًا في نقل كل ما وجده في الأصل الذي نقل منه فنقل السماعات والمعارضة والمقابلة، والإشارة إلى اختلاف النسخ، ثم كتب في آخر النسخة: نقله كما شاهده محمد بن إلياس بن عثمان. وهذا الناسخ هو أحد العلماء الفضلاء، له ترجمة في "شذرات الذهب" (٨/ ٣٠٣). وقد وقع خرم في هذه النسخة من بعد قوله في الحديث رقم (٤): "وفي لفظ لمسلم. . . " إلى قوله: "البارد" في الحديث رقم (٨٩). وأيضًا ورقة أخرى من قوله: "وفي لفظ. . . " حديث رقم (٢٧٢) إلى قوله: ". . . جالس فقالت" حديث رقم (٢٧٥). وهذه النسخة إليها الإشارة ب "أ" وهي محفوظة بمركز الملك فيصل بالرياض تحت رقم (٧٢٦). النسخة الثانية: نسخة تامة متقنة، تقع في (٥٣) لوحة، وهي مقابلة على

стр. 19

نسخ صحيحة، كما أنه عليها سماع وخط محمد مرتضى الحسيني الزبيدي صاحب "تاج العروس" وقد أثبت سنده المتصل إلى المؤلف الحافظ عبد الغني ﵀. وهذه النسخة إليها الإشارة بـ "ب" وهي برقم (٧٢٧) في مركز الملك فيصل بالرياض. النسخة الثالثة: هي النسخة التي شرحها العلَّامة ابن الملقن، وهي نسخة متقنة، وقد كُتِبت هذه النسخة سنة (٧٦٦ هـ)، وهي منقولة بالحرف من خط ابن الملقن نفسه مما يدل على نفاستها ودقتها. إلا أن هذه النسخة فيها خرم أيضًا من أول باب القراءة في الصلاة إلى أول باب الغسل للمحرم، وهو يمثل المجلد الثاني من شرح ابن الملقن من حديث (١٠٤) إلى حديث (٢٤٢) من كتاب [العمدة] وهذه النسخة إليها الإشارة بـ: [نسخة ابن الملقن]. كما أنني لم آلو جهدًا في مقابلة أحاديث الكتاب حرفًا حرفًا مع مصدريها؛ البخاري (١) ومسلم، كل ذلك من أجل تحرير نص الكتاب، وأسال الله تعالى أن أكون قد وفقت في ذلك. فإنه لمن المؤسف أن مثل هذا الكتاب النفيس -على كثرة انتشاره

стр. 20

وتدريسه- لا توجد له طبعة صحيحة خالية من الغلط. وبعد: لا يفوتني أن أشكر الأخ الكبير، والأستاذ الفاضل أبا عبد الرحمن؛ سعد بن عبد الرحمن الراشد صاحب مكتبة المعارف بالرياض، فقد كان هو -جزاه الله خيرًا- صاحب اقتراح تحقيق هذا الكتاب. كما أشكر الأخ الفاضل الأستاذ صالح الخريجي رئيس قسم المخطوطات بمركز الملك فيصل على ما أجده أنا وغيري من الباحثين من تعاونه الصادق، جزاه الله خيرًا. وأخيرًا: أسأل الله أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، وأن يثبت قلوبنا على دينه، وأن يحشرنا تحت لواء نبيه ﷺ إنه ولي ذلك والقادر عليه. وكتب سمير بن أمين الزهيري ١٨/ ٣/ ١٤١٨ هـ

стр. 21

العُمْدَةُ في الأَحْكَامِ تَأليف الإمَام الحَافِظ عَبد الغَني بْن عَبد الوَاحِد المَقدسي المتوفى ٦٠٠ هـ تحقيق سَمير بْن أمين الزهَيري

стр. 22

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَهُوَ حسبي قال الإمام السعيد، الحافظُ الفقيه الأوحد الصدر الكبير، ناقد الحفاظ، تقي الدين: أبو محمد؛ عبد الغني بن عبد الواحد بن عليّ بن سُرور المقدسيُّ أدام الله توفيقه وأيامه (١): الحمدُ لله الملكِ الجبّار، الواحدِ القهَّار، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَهُ لا شَريكَ له، ربُّ السماوات والأرضِ وما بينهما، العزيزُ الغفَّارُ، وصَلى الله على (٢) النبيِّ المُصطفى المختار، وآله (٣)، وصحبه الأطهار. أما بعدُ: فإنّ بعضَ إخواني سألنىِ اختصارَ جُملةٍ في أحاديث الأحكام مما اتفق عليه الإمامانِ: أبو عبد الله؛ محمد بنُ إسماعيل بن إبراهيم البُخاريُّ. ومُسلم بنُ الحجَّاج (٤)، فأجبتُهُ إلى

стр. 23

سؤاله؛ رجاءَ المنفعةِ به. وأسألُ الله أن ينفعنا به، ومَنْ كَتبه، أو سمِعَه، أو حَفِظَهُ، أو نظرَ فيه، وأن يجعله خالصًا لوجهه (١)، موجبًا للفوزِ لديه؛ فإنه حسبُنا، ونعم الوكيل.

стр. 24

١ - كتاب الطهارة ١ - عن عُمر بنِ الخطَّاب ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إِنَّما الأعمالُ بالنِّيَّة" -وفي رواية: بالنِّيَّات- وإنَّما لكلِّ امرىءٍ ما نَوى، فمَنْ كانت هِجرتُه إلى الله ورسُولِهِ فهجرتُه إلى الله ورسُولِهِ، ومَنْ كانت هجرتُه إلى دُنيا يُصِيبُها أو امرأةٍ يتزوَّجُها، فهجرتُه إلى ما هاجرَ إليه" (١). ٢ - عن أبي هُريرة ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لا يَقْبَلُ الله صلاةَ أحدِكُم -إذا أحْدَثَ- حتى يتوضَّأَ" (٢). ٣ - عن عبد الله بنِ عَمرو بْن العاص، وأبي هُريرة، وعائشةَ ﵃ قالوا: قال رسولُ الله ﷺ : "وَيْلٌ للأعقابِ مِن النَّارِ" (٣).

стр. 25

٤ - عن أبي هُريرة ﵁؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ: "إذا توضَّأَ أحدُكم فليجعلْ في أنفِهِ (١)، ثم ليَنْتَثِرْ. ومَن استجمرَ فليُوتِرْ. وإذا استيقظَ أحدُكم مِن نَومِهِ فليغسِلْ يديهِ قبلَ أنْ يُدخِلَهُما في الإناءِ ثلاثًا؛ فإنَّ أحدَكم لا يدرِي أين باتتْ يدُه" (٢). - وفي لفظٍ لمسلم: "فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمنخَرَيِه من الماءِ" (٣). - وفي لفظٍ: "مَنْ توضَّأ فليستنشِقْ" (٤). ٥ - عن أبي هُريرة ﵁؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال:

стр. 26

"لا يَبُولَنَّ أحدُكم في الماءِ الدَّائِم؛ الذي لا يَجْرِي، ثم يغتسِلُ فيه". (١) - ولمسلمٍ: "لا يغتسِلْ أحدُكم في الماءِ الدَّائمِ وهُو جُنُبٌ" (٢). ٦ - عن أبي هُريرة ﵁؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ: "إذا شَرِبَ الكلبُ في إناءِ أحدِكم، فليغْسِلْهُ سَبْغًا" (٣). - ولمسلمٍ: "أُولاهُنَّ بالتُّرابِ" (٤). ٧ - وله (٥): في حديثِ عبد الله بْن مُغَفَّل؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ: "إذا وَلَغَ الكلبُ في الإناءِ، فاغسِلُوه سبعًا، وعَفِّروه الثَّامنةَ بالتُّرابِ" (٦). ٨ - عن حُمْران -مولى عُثمان بْن عفّان- ﵄؛ أنه رأى عثمان دعا بوَضُوءٍ، فأفرغَ على يديهِ من إنائه. فغسلَهُما ثلاث مرَّاتٍ. ثم أدخلَ يمِينَه في الوَضُوءِ، ثم تمضمضَ واستنشقَ واسْتَنْثَرَ، ثم غَسلَ وجهَهُ ثلاثًا، ويديهِ إلى المِرْفقينِ ثلاثًا، ثم

стр. 27

مَسَحَ برأسِهِ، ثم غسلَ كِلتا رجليهِ ثلاثًا، ثمّ قال: رأيتُ النبيِّ ﷺ يتوضَّأَ نحوَ وُضُوئي هذا. وقال: "مَنْ توضَّأ نحوَ وُضُوئي هذا، ثم صلَّى ركعتينِ لا يُحَدِّثُ فيهما نفسَهُ، غُفِرَ له ما تقدَّمَ مِن ذَنبِهِ" (١). ٩ - عن عَمرو بن يحيى المَازني، عن أبيه قال: شهدتُ عَمرو بن أبي حسن سألَ عبد الله بنَ زيد: عن وضوء النبيِّ ﷺ ؟ فدعا بتَوْرٍ من ماءٍ، فتوضَّأَ لهم وضوءَ النبيِّ ﷺ . فأكفأَ على يديه من التَّوْرِ، فغسل يديه ثلاثًا. ثم أدخلَ يده في التور، فمضمضَ واستنشقَ واستنثرَ -ثلاثًا- بثلاث غَرَفَاتٍ. ثم أدخل يده، فغسلَ وجهَهُ ثلاثًا، ثم أدخلَ يديه، فغسلَهُما مرتين إلى المِرْفقين. ثم أدخلَ يده، فمسح رأسَه، فأقبلَ بهما وأدبرَ -مرةً واحدةً- ثم غسل رِجْليه (٢). - وفي روايةٍ: بدأ بمُقَدَّم رأسِهِ، حتى ذهب بهما إلى قَفَاهُ. ثمّ رَدَّهما حتى رجعَ إلى المكان الذي بدأَ منه (٣). - وفي روايةٍ: أتانا (٤) رسولُ الله ﷺ فأخرجْنَا له ماءً في تورٍ من صُفْرٍ (٥). التَّوْرُ: شِبْهُ الطَّستِ. ١٠ - عن عائشةَ ﵂ قالتْ: كان رسولُ الله ﷺ

стр. 28

يُعجبُه التَّيَمُّنُ في تَنَعُّلِه، وتَرَجُّلِهِ، وطُهُورِه، وفي (١) شأنه كلِّه" (٢). ١١ - عن نُعَيْم المُجْمِر، عن أبي هُريرة ﵁، عن النبي ﷺ ؛ أنَّه قال: "إنَّ أُمتي يُدْعَوْنَ يومَ القيامةِ غُزًّا مُحَجَّلين؛ من آثارِ الوُضُوء. فمَن استطاعَ منكم أن يُطِيل غُرَّتَهُ فليفعلْ" (٣). - وفي لفظٍ: رأيتُ أَبا هريرة يتوضَّأُ، فغسلَ وجهَه ويديه، حتى كاد يبلُغ المَنكبين، ثم غسلَ رجلَيه حتى رفعَ إلى السَّاقين، ثم قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إنّ أمَّتي يُدْعَوْن يومَ القيامةِ غُرًّا مُحجَّلين مِنْ أثرِ الوُضوءِ. فمَن استطاعَ مِنكم أن يُطيل غُرَّته فليفعلْ" (٤). ١٢ - وفي لفظٍ لمسلم: سمعتُ خليلي ﷺ يقول: "تَبلغُ الحِليةُ مِن المؤمنِ حيثُ يبلغُ الوُضوءُ" (٥).

стр. 29

باب الاستطابة (١) ١٣ - عن أنس بن مالك ﵁؛ أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء قال: "اللهُمَّ إنِّي أعوذُ بك من الخُبُثِ والخَبَائثِ" (٢). الخُبُثُ: بضم الخاء والباء جمع خَبيث، والخبائث: جمع خبيثة. استعاذَ من ذكران الشياطين وإناثهم (٣). ١٤ - عن أبي أَيوب الأنصاري رضى الله عنه قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا أتيتُم الغَائِطَ فلا تستقبلُوا القِبلةَ بغائطٍ ولا بولٍ، ولا تستدبِرُوها، ولكن شَرِّقوا أو غَرِّبوا". قال أبو أيوب: فقدمنا الشامَ، فوجدنا مراحيضَ قد بُنيت نحو الكعبة (٤)، فنَنْحَرِفُ عنها، ونستغفرُ الله (٥). قال المصنف: الغائط: الموضعُ المطمئنُ (٦) من الأرضِ

стр. 30

كانوا ينتابُونَه للحاجةِ، فكنُوا به عن نفسِ الحدثِ كراهةً لذكره بخاصِّ اسمِه. والمراحيض: جمع مِرحاض، وهو المُغتسل، وهو أيضًا كناية عن موضع التخلِّي. ١٥ - عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: رَقِيتُ يومًا على بيتِ حفصةَ، فرأيتُ النبيِّ ﷺ يقضي حاجتَه مُستقبِلَ الشَّامِ، مستدبرَ الكعبةِ (١). ١٦ - عن أنس بن مالك ﵁؛ قال: كان رسولُ الله ﷺ يدخلُ الخلاءَ، فأحمِلُ أنا -وغلامٌ نحوي- إدَاوَةً من ماءٍ، وعَنَزَةَ، فيستنجي بالماءِ (٢). العَنَزَةُ: الحَرْبهُ. ١٧ - عن أبي قَتادة -الحارث بْن رِبْعِي- ﵁؛ أن النبيِّ ﷺ قال: "لا يُمْسِكنَّ أحدُكم ذَكَرَهُ بيمِينِهِ وهو يبولُ. ولا يتمسَّحْ من الخلاءِ بيمِينِهِ، ولا يتنفَّسْ في الإناءِ" (٣). ١٨ - عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: مرَّ النبيُّ ﷺ بقبرين، فقال: "إنَّهما ليُعذَّبانِ وما يُعذَّبانِ في كبيرٍ. أما أحدُهُما: فكان لا يستترُ من البولِ. وأما الآخرُ: فكان يمشِي بالنَّميمةِ"، فأخذ جَرِيدةً رَطْبةً، فشقَّها نِصفين، فغرزَ في كلِّ قبرٍ

стр. 31

واحدةً، فقالوا: يا رسولَ الله! لِمَ فعلتَ هذا؟ قال: "لعلَّهُ يُخففُ عنهما ما لم ييبسَا" (١). باب السواك ١٩ - عن أبي هُريرة ﵁، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لولا أن أشُقَّ على أُمَّتي (٢) لأمرتُهم بالسِّواكِ عندَ كلِّ صلاةٍ" (٣). ٢٠ - عن حُذيفة بْن اليَمان ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا قامَ من الليلِ يَشُوصُ فَاهُ بالسِّواكِ (٤). يشوص: معناه يغسل. يقال: شاصه يشوصه، وماصه يموصه إذا غسله. ٢١ - عن عائشةَ ﵂ قالتْ: دخلَ عبد الرحمن بنُ أبي بكرٍ ﵁ على النبيِّ ﷺ وأنا مُسْنِدَتُهُ إلى صدري، ومع عبد الرحمن سواكٌ رَطْبٌ يستنُّ به. فأبَدَّهُ رسولُ الله ﷺ بَصَرَهُ. فأخذتُ السواكَ فَقَضِمْتُه وطَيَّبْتُهُ، ثم دَفَعْتُه إلى النبيِّ ﷺ .

стр. 32

فاستنَّ به، فما رأيتُ رسولَ الله ﷺ استنَّ استنانًا (١) أحسنَ منه. فما عدا أن فرغَ رسولُ الله ﷺ : رفِع يدَه -أو إصبعه- ثم قال: "في الرَّفيقِ الأعلى" -ثلاثًا- ثم قَضى. وكانت تقولُ: مات بين حَاقِنتي وذَاقِنتي (٢). - وفي لفظٍ: فرأيتُه ينظرُ إليه، وعرفتُ أنه يحبُّ السواكَ. فقلتُ: آخذهُ لك؟ فأشارَ (٣) برأسه: "أن نعم". - لفظ البخاري (٤). ولمسلم نحوه (٥). ٢٢ - عن أبي موسى الأشعري ﵁ قالَ: أتيتُ النبيِّ ﷺ وهو يستاكُ بسواكٍ. قال: وطَرَفُ السواكِ على لسانِهِ، يقولُ: "أعْ أعْ" والسواكُ في فيه. كأنه يَتَهَوَّع (٦). باب المسح على الخفين ٢٣ - عن المغُيرة بْن شُعبة ﵁ قال: كنتُ مع النبيِّ ﷺ في سَفَرٍ. فأهويتُ لأنزِعَ خُفّيه. فقال: "دعْهُما؛ فإنِّي

стр. 33

أدخلتُهما طَاهِرتين" فمسحَ عليهما (١). ٢٤ - عن حُذيفةَ بنِ اليمان ﵄ قال: كنتُ مع النبيِّ ﷺ ، فبالَ، فتوضَّأَ، ومسحَ على خُفّيه. مختصرٌ (٢). باب في المذي وغيره ٢٥ - عن عليّ بن أبي طالب ﵁ قال: كنتُ رجلًا مَذَّاءً، فاستحييتُ أن أسألَ رسولَ الله ﷺ -لمكان ابنتِهِ- فأمرتُ المقدادَ فسأله؟ فقال: "يَغسلُ ذكرَه. ويتوضَّأ" (٣). - وللبخاري: "اغسلْ ذكرَكَ. وتوضَّأْ" (٤). - ولمسلم: "توضَّأْ، وانضحْ فرجَك" (٥). ٢٦ - عن عَبَّاد بن تميم، عن عبد الله بن زيد بن عاصم المازنيّ ﵁ قال: شُكِي إلى النبيِّ ﷺ : الرجلُ يخيَّلُ إليه

стр. 34

أنه يجِدُ الشيءَ في الصَّلاةِ؟ فقال: "لا ينصَرِفُ حتَّى يسمعَ صوتًا، أو يجدَ ريحًا" (١). ٢٧ - عن أم قَيس بنت مِحْصَن الأسدية؛ أنها أتت بابنِ لها صغيرٍ -لم يأكلِ الطعامَ- إلى رسولِ الله ﷺ ، فأجلَسَه رسول الله ﷺ في حِجْرِهِ، فبالَ على ثوبه، فدعا بماءٍ، فنضَحهُ، ولم يغسِلْهُ (٢). ٢٨ - وعن عائشةَ ﵂؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ أُتي بصبيٍّ، فبالَ على ثوبهِ، فدعا بماءٍ، فأتبعَهُ إيّاه (٣). - ولمسلمٍ: فأتبعه بولَه، ولم يَغسِلْه (٤). ٢٩ - عن أنس بنِ مالكٍ ﵁ قالَ: جاءَ أعرابيٌّ، فبالَ في طائفةِ المسجدِ، فزجرَهُ الناسُ، فنهاهُم النبيُّ ﷺ . فلما قضَى بولَه أمرَ النبيُّ ﷺ بِذَنُوبٍ من ماءٍ فَأُهرِيق عليه (٥). ٣٠ - عن أبي هُريرة ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "الفِطْرةُ خمسٌ: الختانُ، والاستحدادُ، وقصُّ الشَّارِب، وتقليمُ الأظْفارِ، ونتفُ الإبطِ" (٦).

стр. 35

باب الجنابة ٣١ - عن أبي هُريرة ﵁؛ أنَّ النبي ﷺ لَقِيهُ في بعضِ طُرق المدينةِ، وهو جُنُبٌ قال: فانْخَنَسْتُ مِنْه، فذهبتُ فاغتسلتُ، ثم جئتُ. فقال: "أين كنتَ يا أبا هُريرة؟ " قال: كنتُ جُنُبًا فكرهتُ أن أُجالِسكَ، وأنا على غيرِ طهارةٍ. فقال: "سُبحان الله! إن المؤمنَ (١) لا يَنْجُسُ" (٢). ٣٢ - عن عائشةَ ﵂ قالتْ: كانَ رسولُ الله ﷺ ، إذا اغتسلَ من الجنابةِ، غسلَ يديه، وتوضَّأَ وُضوءَه للصَّلاةِ، ثم اغتسلَ. ثم يُخلِّلُ بيده (٣) شَعَرَهُ، حتى إذا ظنّ أنه قد أَرْوى بَشَرَتَهُ أفاضَ عليه الماءَ ثلاث مرّاتٍ، ثم غسلَ سائر جسدِه (٤). ٣٣ - وقالتْ: كنتُ أغتسِلُ أنا ورسولُ الله ﷺ من إناءٍ واحدٍ، نغترِفُ منه جميعًا (٥). ٣٤ - وعن ميمونة بنتِ الحارث -زوج النبيِّ ﷺ قالت: وضعَ رسولُ الله ﷺ وَضُوءَ الجنابةِ، فَأَكْفَأ بيمينه على يسارِه مرتين

стр. 36

أو ثلاثًا، ثم غسلَ فَرْجَهُ، ثم ضربَ يدهِ بالأرضِ أو الحائط -مرتين أو ثلاثًا- ثم تمضمضَ واستنشقَ، وغسلَ وجهَهُ وذراعيه، ثمّ أفاضَ على رأسِهِ الماءَ، ثم غسلَ جسدَه، ثم تنحّى فغسلَ رِجْليه، فأتيتُه بِخِرْقَةٍ فلم يُرِدْها، فجعلَ ينفُضُ الماءَ بيدِه (١). ٣٥ - عن عبد الله بنِ عمر؛ أن عمرَ بْن الخطاب ﵁ قال: يا رسولَ الله! أيرقدُ أحدُنا وهو جنبٌ؟ قال: "نعم، إذا توضَّأَ أحدُكم فليرقُدْ" (٢). ٣٦ - عن أُمّ سلَمة -زوج النبيِّ ﷺ قالتْ: جاءتْ أمُّ سُلَيم -امرأةُ أبي طلحة- إلى رسولِ الله ﷺ . فقالتْ: يا رسولَ الله! إن الله لا يستحيي من الحقِّ، فهل على المرأةِ من غُسل إذا هي احتلمتْ؟ فقالَ رسولُ الله ﷺ : "نعم. إذا رأتِ الماءَ" (٣). ٣٧ - عن عائشةَ ﵂ قالتْ: كنتُ أغسلُ الجنابةَ من ثوبِ رسُولِ الله ﷺ ، فيخرجُ إلى الصَّلاةِ، وإن بُقَعَ الماءِ في ثوبه (٤). ٣٨ - وفي لفظٍ لمسلمٍ: لقد كنتُ أفْرُكُه من ثوبِ رسولِ الله ﷺ فركًا، فيُصلِّي فيه (٥).

стр. 37

٣٩ - عن أبي هُريرة ﵁ قال: قال رسولَ الله ﷺ : "إذا جلسَ بين شُعَبِهَا الأربعِ، ثم جَهَدَهَا فقد وجبَ الغُسْلُ" (١). - وفي لفظٍ: "وإن لم يُنْزِلْ" (٢). ٤٠ - عن أبي جعفر؛ محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أنه كان -هو وأبوه- عند جابر بن عبد الله، وعنده قومه (٣) فسألُوه عن الغُسلِ؟ فقال: يكفيك صاعٌ. فقال رجلٌ: ما يكفني. فقال جابر: كان يكفي مَنْ هو أوفى منك شَعَرًا، وخيرًا منك -يريدُ: النبيَّ ﷺ ثم أمَّنَا في ثوبٍ (٤). - وفي لفظٍ: كان رسول الله ﷺ يُفْرغُ على رأسِه ثلاثًا (٥). الرجل الذي قال: "ما يكفيني" هو: الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالبٍ. أبوه: ابن الحنفية (٦).

стр. 38

باب التيمم ٤١ - عن عمران بن حُصين ﵁؛ أنَّ رسولَ الله ﷺ ؛ رأى رجلًا (١) معتزلاً لم يُصَلِّ في القوم فقال: "يا فلانُ! ما منعكَ أن تُصلِّي في القوم؟ " فقال: يا رسول الله أصابتني جنابةٌ ولا ماءَ. قال: "عليك بالصَّعِيَدِ؛ فإنَّه يكفِيكَ" (٢). ٤٢ - عن عَمَّار بن ياسر ﵁ قال: بعثني النبيُّ ﷺ في حاجةٍ فأجنبتُ. فلم أجد الماءَ، فتمرَّغْتُ في الصَّعيدِ كما تتمرَّغُ الدابةُ، ثم أتيتُ النبيَّ ﷺ ، فذكرتُ ذلك له. فقال: "إنَّما كان يكفِيكَ أن تقولَ بيدَيْكَ هكذا" ثم ضربَ بيديه الأرضَ ضربةً واحدةً، ثم مسحَ الشمالَ على اليمينِ، وظَاهِرَ كفّيه، ووجهه (٣). ٤٣ - عن جابر بنِ عبد الله ﵁؛ أنّ النبيَّ ﷺ قال: "أُعطيتُ خمسًا، لم يُعطَهُنَّ أحدٌ من الأنبياءِ قبلي: نُصرتُ بالرُّعبِ مسيرةَ شهرٍ، وجُعِلتْ لي الأرضُ مسجدًا وطَهورًا. فأيُّما رجُلٍ من أمتي أدركته الصلاةُ فليصلِّ، وأُحلَّتْ لي الغَنَائِمُ. ولم تَحِلّ لأحدٍ قبلي، وأُعطيتُ الشفاعةَ. وكان النبيُّ يُبعث إلى قومِهِ، وبُعثتُ إلى الناسِ عامةً" (٤).

стр. 39

باب الحيض ٤٤ - عن عائشة ﵂، أن فاطمةَ بنتَ أبي حُبَيشٍ سألتِ النبيَّ ﷺ ، فقالت: إني أُستحاضُ فلا أطهرُ، أفأدعُ الصلاةَ؟ فقال: "لا. إنّ ذلك عِرْقٌ، ولكن دَعي الصَّلاةَ قدرَ الأيامِ التي كُنتِ تحيضِين فيها، ثم اغتسِلي وصلِّي" (١). - وفي رواية: "وليسَ بالحيضةِ. فإذا أقبلتِ الحيضةُ فاترُكي الصَّلاةَ، فإذا ذهبَ قدرُها فاغسِلي عنكِ الدَّمَ، وصلِّي" (٢). ٤٥ - عن عائشةَ ﵂؛ أن أم حَبيبةَ استُحِيضتْ سبعَ سنين، فسألتْ رسولَ الله ﷺ عن ذلكَ؟ فأمرَها أن تغتسِلَ، فكانت تغتسلُ لكلِّ صلاةٍ (٣). ٤٦ - وعن عائشة ﵂ قالتْ: كنت أغتسلُ أنا ورسولُ الله (٤) ﷺ من إناءِ واحدٍ، كِلانا جُنُبٌ (٥). ٤٧ - وكان يأمُرني فأتَّزرُ، فيُباشِرُني وأنا حائضٌ (٦).

стр. 40

٤٨ - وكان يُخرج رأسَه إليَّ وهو مُعتكِفٌ، فأغسلُه وأنا حائضٌ (١). ٤٩ - عن عائشةَ ﵂ قالتْ: كانَ رسولُ الله ﷺ يتكىءُ في حِجْرِي، وأنا حائضٌ فيقرأ القرآنَ (٢). ٥٠ - عن مُعاذة ﵂ قالتْ: سألتُ عائشةَ ﵂، فقلتُ: ما بالُ الحائضِ تقضي الصَّومَ ولا تقضي الصَّلاةَ؟ فقالتْ: أحَرُورِيَّةٌ أنتِ؟ فقلتُ: لست بحَرُوريَّةٍ، ولكني أسألُ. قالت: كان يُصيبُنا ذلك، فنؤمرُ بقضاءِ الصَّومِ، ولا نُؤمرُ بقضاءِ الصَّلاةِ (٣).
следующие страницы →