← Гариб и словари

Гариб и словари · id 17104

النظم المستعذب في تفسير غريب ألفاظ المهذب

بطال الركبي

Полный текст (816 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

كتاب النَّظْمُ المُسْتَعْذَبُ فِي تفْسِير غريبِ ألْفَاظِ المهَذّبِ تصنيف الإمام بطّالِ بْن أحْمد بْن سُليْمان بْن بطّالِ الرَّكْبِيِّ المتوفى سنة ٦٣٣ هـ القسم الأول دراسة وتحقيق وتعليق دكتور مصطفى عبد الحفيظ سَالِم ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المكتبة التجارية - مكة المكرمة الشامية أمام فندق الصفا تليفون المركز الرئيسي: ٥٧٤٩٠٢٢ تليفون فرع النزهة: ٥٤٥٩٨٥٠ تليفون فرع الجامعة: ٥٥٨١٥٨٤

стр. 3

- أ - [مقدمة التحقيق] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تمهيد: أحمد الله تعالى وأصلى وأسلم على خير خلقه سيدنا ونبينا محمد ﷺ وعلى آله وصحابته والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد. . . . فإن من أجل العلوم وأشرفها وأعلاها منزلة: علوم القرآن وعلوم الحديث، وما يتصل بهما، وقد نالت هذه العلوم عظيم الاهتمام، من حين نزول الوحى بالقرآن الكريم على النبي ﷺ ، وإشراق الدنيا بنور القرآن الكريم مصدر التشريع الأول، والحديث الشريف مصدر التشريع الثاني. وقد نمت وترعرعت هذه العلوم فى ظل الرسول الأعظم والمعلم الأكبر محمد ﷺ ، والأئمة الأعلام من صحابته، رضوان الله عليهم أجمعين، وتمت نعمة الله على المسلمين بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ وكان تمام هذه النعمة فى استواء التشريع، وبيان العقيدة، وإيضاح معالم الدين من شرائع وقوانين كاملة للمعاملة والسلوك فى المجتمع الإسلامي الجديد. وصرف علماء الإسلام عنايتهم إلى دراسة مصادر التشريع، وتفرعت هذه الدراسات وآتت ثمارها، وكان من نتاجها المذاهب الفقهية الأربعة الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي، وانكب أصحاب كل مذهب على دراسته وتأصيله وتفريعه، وتوضيحه، يستمدون فى ذلك العون من أنواع العلوم الإسلامية والعربية. وازدهرت الحضارة الإسلامية وانبثق نور الإسلام على ربوع الدنيا، ودخل الناس فى دين الله أفواجا، لا يحجبهم جنس، ولا يمنعهم عنصر، ولا تدفعهم قومية، كل الخلق انضوى تحت لواء شعاره: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وكان لزاما على علماء الإسلام أن يجنحوا إلى الإطناب فى التوضيح والتفصيل والتدوين وتمخضت جهودهم عن شتى أنواع العلوم، ومنها: غريب القرآن الكريم، وغريب الحديث وغريب الفقه. أما غريب القرآن الكريم، وغريب الحديث فقد حظيا باهتمام كبير، فحسبهما الارتباط الوثيق بأهم مصادر التشريع. وأما غريب الفقه فقد أخذت أطراف العناية تتجه إليه فى أثناء القرن الثاني للهجرة، وبدأت بذور تدوينه فى أثناء القرن الثالث الهجري. فقد صنف ابن قتيبة كتابه غريب الحديث، وضع فى مقدمته شرحًا يسيرًا لبعض المصطلحات الفقهية العامة وهي، وإن كانت قليلة ومختصرة قياسًا إلى حجم كتابه، إلا أنها تعد من البذور الأولى فى تدوين غريب الفقه.

стр. 4

- ب - ثم صنف أبو بكر محمد بن القاسم بن محمد بن بشار بن الأنباري، كتابه الزاهر في معاني الكلمات التي يستعملها الناس في صلواتهم ودعائهم وتسبيحهم. وجمع في هذا الكتاب جملة وافرة من الألفاظ ذات الطابع الفقهي، غير أنه تناول أقوال العرب وأمثالهم فأكثر منها، فاتسم الكتاب بسمة كتب الأمثال، وغابت في طياته تلك الألفاظ. المصنفات في غريب الفقه: ثم أخذ التدوين في غريب الفقه يتخذ شكلًا آخر يتصف بالاستقلال والتخصص، شأنه شأن غريب القرآن الكريم، وغريب الحديث الشريف، وهو -وإن لم يكن منفصلاً عنهما في باب التشريع- في أمس الحاجة إلى مصنفات خاصة به، يقصدها الباحث والدارس تيسيرًا وتسهيلاً، فضلاً عن أنه يهتم بتفسير مصدر عظيم من مصادر التشريع. ومن ثم اتجه العلماء إلى وقف مصنفاتهم على هذا النوع من الغريب، ومنها: ١ - تفسير غريب الموطأ- لأبى عبد الله أصبغ بن الفرج المصري (توفى سنة ٢٢٥) في غريب الفقه المالكي. ٢ - تفسير غريب الموطأ -لأحمد بن عمران بن سلامة الأخفش- معاصر للأول. في غريب الفقه المالكي. ٣ - شرح ألفاظ المختصر- لأبى منصور الأزهري (٢٨٢ - ٣٧٠ هـ) في غريب ألفاظ الشافعي. ٤ - شرح غريب الموطأ- لابن السيد البطليوسي (توفى ٥٢١ هـ) في غريب الفقه المالكي. ٥ - طلبة الطلبة- للإمام نجم الدين بن حفص النسفي (توفى ٥٣٧ هـ). في غريب الفقه الحنفي. ٦ - شرح غريب الرسالة- للقاضي أبي بكر بن العربي (توفى ٥٤٣ هـ) في غريب الفقه الشافعي. ٧ - الأسامي والعلا في شرح غريب المهذب للشيرازي للإمام عمر بن محمد المعروف بابن البزري (توفى سنة ٥٦٠ هـ). ٨ - المغرب في ترتيب المعرب- للطرزى الحنفي (توفى سنة ٦١٠ هـ) في غريب الفقه الحنفي. ٩ - اللفظ المستغرب من شواهد المهذب- لأبي عبد الله بن محمد بن على القلعي (توفى ٦٣٠ هـ) في غريب الفقه الشافعي. ١٠ - النظم المستعذب في تفسير غريب ألفاظ المهذب- لابن بطال الركبي (توفى سنة ٦٣٣ هـ) في غريب الفقه الشافعي. ١١ - المغني في الإنباء عن غريب المهذب والأسماء- لابن بطال الركبي (توفى سنة ٦٣٣ هـ) في غريب الفقه الشافعي. ١٢ - تهذيب الأسماء واللغات- للنووي (توفى ٦٧٦ هـ). في غريب الفقه الشافعي. ١٣ - التحرير على ألفاظ التنبيه للنووي (توفى ٦٧٦ هـ). في غريب الفقه الشافعي.

стр. 5

- جـ - ١٤ - المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للفيومي الشافعي (توفى سنة ٧٧٠ هـ تقريبًا) في غريب الفقه الشافعي. ١٥ - لغات مختصر ابن الحاجب- للإمام عز الدين محمد بن عبد السلام الأموي (توفي سنة ٧٩٧ هـ) في غريب الفقه المالكي. ١٦ - غرر المقالة في شرح غريب الرسالة- لأبى عبد الله محمد بن منصور بن حمامة (مجهول) وغريب الفقه الشافعى وقد قمت بتحقيق كتاب اللفظ المستغرب من شواهد المهذب للقلعي، وصنفت دراسة تحليلية لأهم المصنفات في غريب الفقه تناولت فيها أكثر المصنفات المذكورة، ورأيت أن إتمام الفائدة يستوجب العمل الدائب في تحقيق ما يمكن تحقيقه من مصنفات هذا النوع من الغريب، فعقدت العزم على إخراج كتاب النظم المستعذب لابن بطال- بخاصة وأنه أشمل هذه المصنفات للألفاظ الفقهية، وأبسطها شرحًا، فاستعنت بالله تعالى، وبإرشاد أستاذى الفاضل الأستاذ الدكتور عبد الغفار هلال- في تحقيق هذا الكتاب. والله تعالى أسأل أن يوفقني إلى سواء السبيل وهو حسبي ونعم الوكيل دكتور مصطفى عبد الحفيظ سالم

стр. 6

ابن بطال الركبى حياته اسمه ونسبه وقبيلته: هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان بن بطال الركبى اليمنى، المشهور ببطال الركبى وعلى هذا اتفق كل الذين ترجموا حياته، وفى مقدمتهم: البهاء الجندى (١)، وأبو مخرمة (٢) والخزرجي (٣)، وغيرهم. وعن شهرته ببطال: ذكر البهاء الجندى (٤) أنه "ظهر لما منه ما ظهر من الكمال، قال عقلاء زمانه ضد اسمه". ولقب بشمس الدين كما ذكر حاجى خليفة (٥)، والبغدادى (٦)، وكحالة (٧)، حين ترجموا له، صدروا ذلك بقولهم: "شمس الدين أبو عبد الله" أو الشيخ الإمام شمس الدين". والركبى: نسبة إلى قبيلة الركْب من قضاعة في اليمن (٨)، وهم من ولد أَتْغَمَ بن الأشعر. والأشعر هو: نَبْتُ بن أدد بن زيد بن يشْجُبَ بن عَرِيب بن زيد بن كهلان بن سَبَأ (٩). وإلى الأشاعر ينتسب الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري، ﵁. وفي قبيلة الركب يقال المثل المشهور: "أَحبِبْ بِالرَّكْبِ وَبَني مَجِيدْ" (١٠)، وكانت تسكن مواطن متفرقة في اليمن، فمعظمهم كان ينزل في الجبال المطلة على طريق زبيد، وبعضهم في الجبال المطلة على حَيْس، وهو مخلاف بتهامة، بين المعافر وصنعاء غرباً، بينه وبين زبيد نحو يوم (١١)، قال ياقوت (١٢): وهو للركب من الأشعرين، وفيه يقول المسلم بن نعيم المالكي: أما ديار بنى عوف فمنجدة ... والعز قومى بحيس دارها الشعف من بعد آطام عز كان يسكنها ... منا الملوك وسادات لهم شرف وبعضهم كان ينزل في الدُّمْلُوَة، وهو حصن عظيم، في بلاد الحجرية شرقي الجند (١٣). وفى هذه المنظقة حبل يقال له: حبل الْحَرِيم، وكان ابن بطال الركبى يقطن قرية فيه تعرف بذي يَعْمِد (بفتح الياء المثناة من

стр. 7

تحت، وسكون العين المهملة، وخفض الميم وسكون الدال) كما ضبطها الجندى، وأبو مخرمة (١٤). وقد أجمع المترجمون لابن بطال على أنه من ركب الدملوة، وآنه كان يقطن هذه القرية. نشأته واتجاهه العلمى: بدأت حياة ابن بطال العلمية، من حين أودعه أهله رهينة عند الشيخ الموفق أبي الدر جوهر بن عبد الله المعظمي (١٥)، وكان أستاذًا حبشيًا، من موالى الزريعيين، تقيًا عاقلاً، ذكيًا، عالمًا، عاملاً حافظًا، فقيهًا، مقرئاً. وكان ينسب إلى سيده الداعى المعظم محمد بن سبأ بن أبى السعود الزريعى، الذى جعله نائبًا عنه في حصن الدُّمْلُوَة، ولما توفى وخلفه ابنه المكرم بن محمد، أبقى جوهرًا على نيابته للحصن، فلما دنت وفاة المكرم: جعل جوهرًا وصيًا على أولاده الصغار كلهم، فأكرمهم جوهر، وقام على تربيتهم خير قيام. ولم يذكر المترجون لابن بطال سببًا لإيداع أهله له رهينة عند جوهر المعظمى. غير أن جوهرًا تكفل بتربيته وتهذيبه، وتعليمه، يقول أبو مخرمة: "وببركة جوهر صار الإمام بطال بن أحمد الركبى إمامًا مقصودًا وذلك أن أهله تركوه رهينة عند الطواشى جوهر، فأشفق عليه، فعلمه القرآن، ثم أشغله بطلب العلم، حتى صار إلى ما صار إليه" (١٦). وقال البهاء الجندى في ترجمة جوهر المعظمى: "وكان من آثاره الفقيه بطال" (١٧) وفى ترجمة ابن بطال: "كانت بدايته وسلوكه لطريق العلم بإرشاد الحافظ أبى الدر جوهر المعظمى، إذ كان أهله رهنوه عنده فرباه وهذبه وجعله مع من عنده، ومن يصله من الفقهاء، فتفقه وتعلم العلم" (١٨). أساتذته: يعد أبو الدر جوهر المعظمى من أكبر أساتذته، والموجه الأول له، على ما سبق، وكما نص عليه المترجمون له، وفى مقدمتهم الجندى وأبو مخرمة، وغيرهما. ومن أشهر شيوخه: الإمام إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن حَدِيق السَّكْسَكِى (١٩)، وهو ممن أدرك رئاسة العلم في جَبَأ، وأخذ بها عنه جماعة من العلماء، وانتفعوا به، ونهم ابن بطال الركبى، وذكر ذلك كل من الجندى، وأبو مخرمة، وقدماه على سائر شيوخه بعد الشيخ جوهر المعظمى ومن كبار أساتذته: الإمام محمد بن أبي القاسم بن عبد الله المعلم الْجَبَائي. ذكره الجندى (٢٠)، وأبو مخرمة (٢١)، وقال الأخير عنه: قرأ على القاضى محمد بن أبى العباسى أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبى سالم القريظى الغريبين للهروى بعدن في جمادى الأولى (سنة ٥٨١ هـ) ولا أعرف من

стр. 8

حاله غير ذلك؛ إلا أنه كان موجوداً في سنة (٥٨٦ هـ) وتوفى لثلاث بقين من شهر ذى الحجة (سنة ٦٠٩ هـ). وقال الجندي: كان ابن بطال في مبتدأ أمره كثير التردد بين بلده، وعدن، وجبأ فأخذ عن محمد بن أبي القاسم الجبائى شارح المقامات. ومنهم: الإمام أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي سالم القريظي (٢٢). وهو شيخ عمر بن على بن سمرة الجعدي صاحب الطبقات، قال عنه: لديه معرفة تامة في اللغة والعربية، وفي الحديث حافظ مجود، لبث في مجلس الحكم والقضاء بعدن أربعين سنة، أيام الداعى المعظم محمد بن سبأ توفى سنة ٥٨٤ هـ ونعته أبو مخرمة بأنه كان فقيها محدثًا لغويًا متفننًا جامعًا لأسباب الفضائل. وذكر الجندى وابن أبي مخرمة (٢٣) أن ابن بطال أخذ عنه بعدن في بدء نشأته. ومنهم: الإمام أبو عبد الله محمد بن على بن إسماعيل بن أبي الصيف اليمنى (٢٤). من أهل زبيد، جاور بمكة، صاحب كتاب "الميمون" جمع فيه الأحاديث الواردة في فضائل اليمن وأهله وجمع أربعين حديثًا عن أربعين شيخًا من أربعين بلدة، وأكثر أسانيد علماء اليمن تنتهى إليه توفى بمكة (سنة ٦٠٩ هـ) وذكر الجندي أن ابن بطال أخذ عن ابن أبي الصيف، ولزم صحبته، قال: "ورأيت إجازته له وأن تاريخ ذلك سنة إحدى وسمائة" (٢٥). وذكر ذلك أيضًا أبو مخرمة (٢٦). ومنهم: الإمام رضي الدين الحسن بن محمد الصغاني (٢٧). وهو اللغوى المشهور صاحب العباب، والتكملة والذيل والصلة، ومجمع البحرين، وغيرها، يعدله ثلاثة وعشرون مؤلفا في اللغة، ونحو أربعة عشر في الحديث، ونحو أربعة في الوفيات، وكتابان في الفقه، وسبعة متفرقة. قال عنه الجندى: "كان إمامًا متضلعا لعلوم شتى، منها النحو، والفقه، والحديث، والفقه بمذهب أبي حنيفة غالبا" (٢٨). يذكر المؤرخون له أنه قدم اليمن أكثر من مرة، فبعدما حج سنة (٦٠٥ هـ) اتجه إلى عدن سنة (٦٠٦ هـ) ثم غادرها، وعاد إليها سنة (٦١٠ هـ) وهناك سمع من القاضى إبراهيم بن أحمد بن عبد الله بن سالم القريظى، وأخذ عنه جمع من علماء اليمن، وذاع صيته، والتقى بسليمان بن بطال الركبى، وأقام وفي هذا يقول الجندى (٢٩): "قدم اليمن مرارًا، وأقام في عدن، وصحبه ولد الفقيه بطال، سليمان وأقام معه مدة، ثم طلعا إلى بلدهم، فأقام معهم بذى ثور، وأخذ عنه الإمام بطال وغيره" وفي ترجمة بطال (٣٠) ذكر أن الصغانى قدم عليه موضعه، فأخذ كل واحد منهما عن صاحبه مالاق له أخذه عنه. وكذلك ذكر ابن أبي مخرمة (٣١) تبعا للجندي.

стр. 9

كما ذكر الجندى أن ابن بطال انتسخ كتاب التكملة والذيل والصلة، وانتسخه غيره من فضلاء أهل عدن وغيرهم. وهؤلاء ما تيسر لي الوقوف عليه من شيوخ ابن بطال، وهم أكثر من ذلك بكثير، يدل عليه ما ذكره كل من الجندى وأبو مخرمة (٣٢) من أنه ارتحل إلى مكة فلبث بها أربع عشرة سنة، فازداد علما ومعرفة، ولم يكن يترك أحدًا من الواردين، أو المقيمين لديه فضل يتحقق إلا أخذ عنه. تلامذته: أخذ عنه جمع من أعلام اليمن، ويذكر أنه لما عاد من مكة إلى اليمن ابتنى مدرسة في بلده، وقصده الناس من أنحاء اليمن للأخذ عنه، ومنهم: الإمام الحافظ: أبو الخير بن منصور بن أبي الخير الشَّمَّاخِي (٣٣). كان إمامًا في الفقه، والنحو، واللغة، والحديث، والتفسير، والفرائض، أخذ العلم في زبيد، ثم سافر إلى مكة، فأخذ عن أصحاب الحافظ السلفي، ويذكر الخزرجي والجندي وأبو مخرمة أنه أخذ عن الإمام بطال بن أحمد الركبي. وقالوا: "لم يكن له في آخر عمره نظير في جودة العلم، وضبط الكتب، وجمعت خزانته مائة أم سوى الختصرات توفى سنة (٦٨٠ هـ) بعد أن بلغ عمره نحوًا من تسعين سنة". الإمام: أبو الحسن على بن محمد بن عثمان بن أبي الفوارسي القيني (٣٤). قال عنه الخزرجي: نسبة إلى قين من عك. تفقه في الجبل على الإمام بطال بن أحمد الركبي توفى سنة (٦٨٨ هـ). الإمام: أبو الخطاب عمر بن مسعود بن محمد بن سالم بن سالم الحميري الأبْيَنِي، ذكره الخزرجي (٣٥)، وقال عنه: كان فقيها صالحاً، متورعًا، متعففًا، ملازمًا للسنة، تفقه بمحمد بن إسماعيل الحضرمى، وعلى بن قاسم الحكمي، وبطال بن أحمد الركبي. كان مدرسًا بذي هريم بالمدرسة النظامية توفى سنة (٦٥٨ هـ). الإمام عبد الله بن محمد بن قاسم بن محمد بن أحمد بن حسان الخزرجي. قال صاحب العقود: أخذ عن الشيخ بطال ابن أحمد بن على السُّرْدُدِي، ودرس في هريم، في المدرسة التى أنشأها الطواشي نظام الدين مختص. وعنه أخذ الإمام أحمد بن محمد الوزيري [النظم] المستعذب. وهو أحد شيوخ الشيخ أحمد بن على السُّرْدُرِي توفى سنة (٦٥٥ هـ) (٣٦). الإمام محمد بن سالم بن محمد بن سالم بن عبد الله بن خلف العامري. الإمام عبد الله بن سالم بن محمد بن سالم بن عبد الله بن خلف العامري. وهما أخوان، والدهما الشيخ سالم بن محمد، كان من كرام الفقهاء، غلب عليه علم الحديث، تفقه به ولداه محمد، وعبد الله، وقصده جمع كبير من أنحاء اليمن للأخذ عنه، وصحبته، ولما توفى سنة (٦٣٠ هـ) ارتحل ولداه إلى الإمام بطال، فأخذا عنه. ذكره الجندي (٣٧)، وأبو مخرمة (٣٨).

стр. 10

الإمام رضي الدين الصغاني: وقد سبق أنه لقى الإمام ابن بطال، ونزل في بيته، وأخذ كل منهما عن صاحبه. الإمام جمهور بن على بن جمهور، صاحب المذاكرة العربية في النحو، ذكره الجندي، وأبو مخرمة (٣٩) وذكر الجندي (٤٠) غير هؤلاء، منفردًا، منهم: الإمام عمر بن مفلح بن مهتون. الإمام عبد الله بن على بن أبي عبد الله المرادي. الإمام يحيى بن إبراهيم بن محمد بن موسى الإبى. الإمام محمد بن إبراهيم بن محمد بن موسى الإبى. وذكر من أصحاب الإمام بطال:- الإمام أبو الحسن على بن محمد بن على بن إبراهيم العامري الْوَعِلَاني. قال الجندي (٤١): "تفقه بالإمام بطال وكان كبير القدر شهير الذكر" وكان يروى عنه النظم المستعذب. الإمام: عمر بن محمد ابن الشيخ أحمد بن محمد. قال الجندى (٤٢): "كان فقيهًا فاضلاً، تفقه بالوعلاني، وغيره، وربما أدرك الإمام بطالا أيضًا وأخذ عنه، إذ كان جده يصحب الاثنين، أعنى بطالا، والوعلاني، ويقتدى بهما "وكان مع الفقه ذا فراسة وشجاعة". الإمام أحمد بن محمد بن مفضل بن عبد الكريم بن أسعد بن سبأ الداري: جد السابق (٤٣). أبناء ابن بطال ممن أخذوا عنه: الإمام أبو الربيع سليمان بن محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان بن بطال الركبى (٤٤). ابن المصنف، وصاحب الإمام اللغوى المشهور رضي الدين الصغاني. ذكر الجندي، وأبو مخرمة (٤٥) أنه كان دينا، أريبا، عارفاً، غلب عليه علم الحديث، والأدب، وأن غالب أخذه كان عن أبيه، وعن الصغاني. وقد سبق أنه لقى الصغاني في عدن، واصطحبه إلى بلده، وتوطدت عرى الصداقة بين الصغاني وبين أسرة سليمان، وبخاصة والده المصنف، الذي أخذ عنه الصغاني وأخذ هو أيضًا عنه، كما سبق. وأخذ أيضًا أبناء المصنف عن الصغانى. وكان سليمان أجمل شباب أهل عصره، وكان الصغاني معجبًا به، لما قدم إليه من سابق فضل ولما لمسه فيه من نجابة وشهامة. ويروى الجندى وأبو مخرمة أن الصغاني حين عاد إلى اليمن سنة ٦٣٧ هـ ونزل في مسجد بن البصرى، كتب إلى سليمان "صلنى معجلا، ولا يصحبك غير زاد الطريق، فعندى عشرة أحمال من الوَرَق

стр. 11

والوَرِق" فلما وقف سليمان على الكتاب: بادر بالسفر إليه. فلما وصل إلى منزل الصغاني في مسجد ابن البصري، تلاحقت الوفود عليهما، رجالًا نهارًا، ونساءً ليلًا، بحجة زيارة الإمام الصغاني، وليس لهم من هدف سوى مشاهدة سليمان، وما حباه الله به من حسن خلقة وجمال طلعة، فلما كثر ذلك، واشتهر الأمر، خشى الوالى من الفتنة، فقرر حبسه؛ ليخفيه عن أنظار الناس. فلما عزم الصغاني على الرحيل، أخرجه الوالى، ورحلا معا. وذكر الجندي، وأبو مخرمة (٤٦) أنه توفى بعد والده بقليل. الإمام عمران بن محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان بن بطال الركبى. ابن المصنف، أخذ علم النحو والتصريف عن والده، وكان عالمًا فاضلًا، ذكره الجندي (٤٧). الإمام إسماعيل بن محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان بن بطال الركبى. ابن المصنف، أخذ عن والده، وبرع في معرفة القراءات السبع، قال عنه الجندي: وهو آخر من عرفته من أولاد الشيخ بطال يستحق الذكر (٤٨). أحفاد ابن بطال ممن رَوَوْا عنه: محمد بن سليمان بن محمد بن أحمد: ذكره الجندى، وقال: تفقه بعض فقه، ثم درس بمدرسة جده، فوصله بعض دعاة الإسماعيلية، واستدرجه حتى دخل بمذهبه؛ لضعف علمه ودينه، واستمر ذلك وانتشر في ناحية البلد، وفي قومه إلى عصرنا. ومن ذلك الوقت انقطع ذكر الفقه عن ذرية الإمام بطال، ونسبهم الناس إلى السمعلة (٤٩). النفيس بن عبد الله بن محمد بن سليمان بن بطال: ابن ابنة الإمام بطال تجمع معه من طريق الآباء، في محمد بن سليمان، فإن عبد الله بن والد النفيس وأحمد ولد الفقيه أخوان. ذكره الجندى (٥٠) وقال عنه: تفقه بجده الإمام بطال، ثم لما توفى جده ارتحل إلى تهامة، وأخذ عن محمد بن إسماعيل الحضرمي، ثم انتقل إلى تعز، في جوار السلطان المظفر. بسبب خلاف نشب بينه وبين عمه، وأولاد شيخه الإمام بطال، فأخذ عنه فقهاء تعز مصنفات جده وشيخه، كالمستعذب وغيره، وكانت وفاته لبضع وسبعين وستمائة، بعد أن تفقه به جماعة. وللإمام بطال أبناء غير هؤلاء الذين أخذوا عنه، ذكر منهم الجندى وغيره:- محمد بن بطال بن أحمد بن سليمان: وكان مولعًا بالرياسة، مهما بالسياسة، متقربًا إلى الرؤساء، ويروى الجندى والخزرجى (٥١): أنه أخذ ولاية المقاليس من الملوك، وأنه أول من فعل ذلك من بني بطال، وأقام مدة، ثم قتله بنو عمه وله إذ ذاك ولد اسمه، محمد، مرهون بالدملوة مع خادم اسمه ياقوت، فأقامه مقام أبيه وساعده، فقوى أمره، واستمر على

стр. 12

ذلك فترة طويلة، واكتسب أموالًا كثيرة، وصاحب أعيان الدولة، فهرب منه الذين قتلوا أباه. وتوفى سنة (٧٠٩ هـ). وذكر البهاء الجندي (٥٢) أيضًا ولدا له يسمى إسحاق، ولم يذكر هو ولا غيره من المترجمين شيئًا عنه يستحق الذكر. كما ذكر الجندى في ترجمة الإمام عمر بن سالم أنه قدم عليهم الجند، فأخذ الإمام عمر عن الجندي كتاب الأربعين للإمام بطال بروايتها له عن التهامى بن بطال مصنفها (٥٣). ومما ذكر نتبين أن الإمام بطال كان ذا أثر كبير في الحياة العلمية في اليمن، فحين تصدى للتدريس قصده العلماء وطلاب العلم من مختلف الأنحاء اليمنية، كما صحبه أئمة أجلاء رووا عنه مصنفاته وأخذوا عنه، وأجازهم في رواية هذه المصنفات، التى اشتهرت وانتشرت على أيديهم في شتى الأقطار، كما كان في ذريته من أبناء وأحفاد من حمل لواء العلم بعده، فأخذ عنهم العلماء مصنفاته، وانتفع به وبذريته خلق كثير. وكان علماء عصره يتباهون برواية مصنفاته، فيقول الجندى (٥٤) عن كتابه: الأحاديث الحسان والصحاح الجامعة لما يستحب درسه عند المساء والصباح: "بيني وبينه بروايتها رجلان". ثناء العلماء عليه: سأل عنه البهاء الجندى (٥٥)، فأنشدوا فيه:- وَمَا سُمِّيَتْ سَوْدَاءَ وَالعِرْضُ شَائِنٌ ... وَلكِنَّهَا أُمُّ الْمَحَاسِنِ أَجْمَعَا وقال: "أتقن القراءات، والنحو، والفقه، والحديث، واللغة. . قصده طلبة العلم من جميع أنحاء اليمن، وجمعت حلقة تدريسه فوق ستين طالبا، يقوم بالمنقطع منهم .. وكتابه المعروف بالمستعذب يدل على ذلك. وأثنى على عائلته قائلًا: البيت الذى قد ظهر فيه الفضل، وانتفع الناس بتصنيف أهله، وانتشر عنهم الفقه انتشارًا مرضيًا: بنو بطال، أولهم جدهم أبو عبد الله محمد بطال بن أحمد". وقال فيه وفي ذريته بعض علماء عصره (٥٦): أما الفقيه محمد الملقب ببطال، ومن اليه، فهم -ولله دره- في جيد المحاسن، ووسط قلادة بعدت عن المشاين، ووجوههم للصباحة، وألسنتهم للفصاحة، وأيديهم للمسامحة، وعقولهم للرجاحة، فهم بدور المحافل إذا جمعت، وشمس الضحى ما ارتفعت. ونعته أبو مخرمة (٥٧) قائلاً: أوحد العلماء المشهورين، والفضلاء المذكورين، جمع بين العلم والعبادة والورع والزهادة، فما أحقه بقول القائل:- وَمَا سُمِّيَتْ سَوْدَاءَ وَالْعِرْضُ شَائِنٌ ... وَلَكِنَّهَا أُمُّ الْمَحَاسِنِ أَجمَعَا كان إمامًا فاضلاً متقنًا عارفًا بالقراءات، والتفسير، والأصول، والفقه، والنحو، واللغة، وبه تخرج جماعة من الفقهاء، وأخذ عنهم جماعة من الفضلاء.

стр. 13

وقال عنه السيوطى (٥٨): أتقن النحو، والقراءات، واللغة، والفقه، والحديث باليمن، ثم ارتحل إلى مكة، فازداد بها علما؛ لأنه لم يترك أحدًا ممن لديه فضيلة إلا أخذ عنه .. إلخ. زهده وورعه وحبه للعلم: يذكر المترجمون له أنه كان مع كماله في العلم ذا عبادة وورع، وكان في غالب زمانه يختم القرآن في كل يوم وليلة ختمة، وأنه ابتنى مدرسة ببلده، ووقف عليها أرضه وكتبه، وكان يتكفل بحاجة الفقراء من تلامذته. ويروى الجندى وأبو مخرمة (٥٩) أنه كان بعد أن ينتهى من دروس اليوم، يصطحب تلامذته وأولاده إلى صلاة العصر، وبعد أن يفرغ من الصلاة، يذب بهم إلى النزهة، ويعقد بينهم مسابقات في العدو والوثب، والمصارعة، وهو جالس ينظر إليهم، وأولاده من بينهم، حتى إذا تدانت الشمس للمغيب، انصرف إلى الطهارة، واستقبال القبلة، مع الذكر حتى يصلى المغرب، يتبعه أصحابه في ذلك. مصنفاته: أجمع الذين ترجموا لابن بطال على أن له من المصنفات ما يأتى: ١ - كتاب النظم المستعذب في تفسير غريب ألفاظ المهذب وهو كتاب المعنى بالتحقيق، وقد اختلف قليلاً في هذا الإطلاق، فقيل في تسميته: "كتاب المستعذب المتضمن لشرح غريب ألفاظ المهذب" كذا ذكره الجندي (٦٠)، وتبعه أبو مخرمة (٦١)، والزركلى (٦٢)، وكحالة (٦٣). "المستعذب في شرح غريب المهذب. كما ذكره السيوطى (٦٤)، وحاجي خليفة (٦٥)، والبغدادي (٦٦) "المستعذب" كما ذكره الخزرجي (٦٧). والثابت أن عنوان الكتاب: "النظم المستعذب في تفسير غريب ألفاظ المهذب" كما هو موجود على نسخة الجامع الكبير بصنعاء (٦٣ تاريخ كتاب ١٣٢) وقد كتبت على الصحيح في حياة المؤلف؛ لأن العنوان عليها مذيل بالعبارة: "تصنيف الشيخ الإمام الأوحد بطال بن أحمد بن سليمان بن بطال الركبى أعلى الله درجته، وجزاه عن المسلمين خيرًا" فهذا الدعاء له بإعلاء درجته، يدل على أنه كان لا يزال موجودًا حين كتابة هذه النسخة. وبهذا يكون عنوانها أقرب إلى الصحة. ٢ - "الأربعون حديثًا من الأحاديث الحسان والصحاح، الجامعة لما يستحب درسه عند المساء والصباح". كذا ذكره الجندي (٦٨)، وسماه أبو مخرمة (٦٩): أربعون حديثًا فيما يقال في الصباح والمساء. وسماه السيوطي (٧٠): الأربعين في أذكار المساء والصباح. وكذا ذكره حاجى خليفة (٧١) وسماه البغدادي (٧٢) أربعين فيما يقال في المساء والصباح. ولعل ما ذكره الجندى أقرب إلى الصحة؛ لأن الركبي كان يميل إلى السجع حتى في عناوين مصنفاته كما هو

стр. 14

واضح في عنوان الكتاب المحقق. ٣ - أربعون في لفظ الأربعين: ذكره الجندي، وقال: لم أقف عليها، بل أخبرني عنها الثقة (٧٣). وبهذا الإطلاق ذكره أبو مخرمة، والسيوطي، وحاجي خليفة، والبغدادي (٧٤). ويروى أن له شعرًا حسنًا، غير أن الذين ترجموا له، لم يذكروا غير أبيات مفردة، تنبىء عن موهبة ورصانة وإحكام، فقد ذكر الجندي (٧٥) وأبو مخرمة (٧٦) أن له شعرًا حسنًا، وذكرًا منه قوله: كفاك بموت العارفين بها رزء ... لقد قلتها حقًا وما قلتها هزء ألم تر أن الله أهلك منهم ... ثمانين جزء ثم أبقى لنا جزء وقوله: وطفت بها الأحياء طرا فلم أجد ... أديبًا لبيبا يعرف الخير والشرا وفاته: لم يحدد المؤرخون له على وجه الدقة تاريخ وفاة، كما لم يذكروا له على الإطلاق تاريخ مولد. وإنما ذكر الجندي (٧٧) أنه توفى بمنزله في قرية ذى يَعْمِد لبضع وثلاثين وستمائة وتابعه على هذا أبو مخرمة (٧٨)، والسيوطي (٧٩). وأنفرد حاجي خليفة بأنه توفى سنة ٦٣٠ هـ، وذكر ذلك في أكثر من موضع من كتابه (٨٠) وذكر كل من البغدادي (٨١) والزركلي (٨٢) وكحالة (٨٣) أنه توفى سنة ثلاث وثلاثين وستمائة للهجرة. وإذا ما عرفنا أن الجندي من أقدم- إن لم يكن أول من ترجم لابن بطال الركبي: كان قوله بالقبول أحرى في إطلاقه لفظ البضع دون تقييد، واتباعه أولى، وبخاصة وقد تابعه أبو مخرمة، والسيوطي.

стр. 15

منهجه صرح ابن بطال الركبي في مقدمة كتاب "النظم المستعذب" بأن من لهم فضيلة السبق في شرح غريب ألفاظ المهذب، اعتمدوا مناهج متفاوتة، في شروحهم، فمنهم من اختصر اختصارًا، فلم يوف الكتاب حقه من البيان، وهو يعنى بهذا ابن البرزي في كتابه: "الأسامى والعلل" وهو رسالة مختصرة في شرح بعض الألفاظ الغريبة والأسماء المبهمة في كتاب المهذب للشيرازي. ومنهم من توسط في شرحه، فتخير بعض الألفاظ، وترك بعضها، فأخل بأكثر المقصود. ولعله يقصد القلعى في كتابه "اللفظ المستغرب في شرح غريب المهذب" فإنه لم يتتبع كل الغريب في كتاب المهذب، وجعل قسما منه للأعلام الواردة في روايات الشيرازي. ومنهم من بسط شرحه، غير أنه لم يعول على شرح الغريب، وإنما تناول الأحكام والفروع وضرب في كل مذهب. فاختط ابن بطال الركبي لنفسه منهجا، يعتمد على استقصاء ألفاظ المهذب، وتناول ما غرب منها بالتحليل اللغوي، مستندا إلى المظان المعتمدة في اللغة، كالمعجمات الكبرى؛ والمصنفات في تفسير غريب القرآن الكريم؛ والحديث الشريف، مراعيا في شرحه "الايجاز والاختصار وحذف التطويل والاكثار". وهو في تتبعه للألفاظ المستغربة في المهذب: يسلك منهجًا واضحًا، يصدر فيه عن قراءة متأنية مثابرة للكتاب على ترتيبه المشهور في مصنفات الفقه الشافعي، والتى تبتدأ في العادة بكتاب الطهارة ثم كتاب الصلاة، فكتاب الحج، وكتاب البيوع .. إلخ. فيتابع الركبي هذه الكتب، بما تضمنته من أبواب، على نفس ترتيبها في كتاب المهذب، يبدأ بألفاظ كتاب الطهارة، ثم يتابع الألفاظ في باب الآنية، وباب السواك، وباب نية الوضوء، وباب صفة الوضوء، وباب المسح على الخفين، وباب الأحداث، وباب الاستطابة، وباب ما يوجب الغسل وباب التيمم، وباب الحيض، وباب إزالة النجاسة، على هذا الترتيب، ثم ينتقل إلى ألفاظ كتاب الصلاة، بما تضمنه من أبواب، وهكذا إلى آخر الكتاب. وبهذا المنهج يندرج في نظام مدرسة الأزهري في شرحه لغريب ألفاظ الشافعي في كتابه "الأم" متتبعا ترتيب كتاب "المختصر" للمزني، وفيه يذكر جملة من كلام الشافعي تشتمل ثناياها على ما يظن فيه غرابة، فيعمد إلى تحليله وتوضيحه بما يزيل عنه غرابته، ويرفع ظواهر إشكاله. وعلى هذا النحو نسج ابن بطال مادة كتابه "النظم المستعذب" حيث تخير في أثناء قراءته مواطن الغريب،

стр. 16

وأراد تنبيه القارى إليها، فدونها كعنوان لشرحه، ثم اتبعها بشرح لغوى دقيق. والألفاظ التى يعرض لشرحها لا تقتصر على الألفاظ الفقهية فحسب، بل تتضمن غريب الشواهد، من القرآن الكريم في الآيات التى يستدل بها على الأحكام، وغريب الشواهد، من الحديث الشريف من النصوص التى يستند إليها في توجيه هذه الأحكام. ومذهبه في عرض الألفاظ الفقهية واحد لا يكاد يختلف، إذ يذكر من قول الشيرازي جملة، يعمد منها إلى لفظ واحد، يأخذ في ذكر مشتقاته، وما يقصد منه في جملته، يبدأ أولا بشرح عنوان الكتاب أو الباب، فيقول مثلا في أول شرحه: من كتاب الطهارة. قوله: "الطهارة: أصلها: النظافة. . . .إلخ (١). ومن باب الآنية: قوله: "ومن باب الآنية" الآنية: جمع إناء، على أفعلة، مثل كساء وأكسية. . .إلخ (٢). وقد يتناول لفظ العنوان من غير تقديم له بلفظ "قوله" مثل: "ومن باب نية الوضوء" النية: هى القصد. . . إلخ (٣). هذا إذا تضمن عنوان الكتاب، أو الباب، ما يستوجب التوضيح. ثم يعين القول قول الشيرازي في المهذب، فيقول مثلا: قوله (٤): "إذا كان الماء قلتين فإنه لا يحمل الخبث" ويأخذ في شرح لفظ "القلة" ولفظ "الخبث" (٥). وقد ينص على اللفظ المقصود مباشرة، نحو قوله (٦): قوله: "لا يقلد" (٧)؛ قوله (٨): "محضة". . . . .إلخ. وفي عرضه للشواهد القرآنية الواردة في المهذب، يثبت موطن الشاهد على النحو الآتى: "قوله" (٩): وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ الأذى: هو المكروه الذى ليس بشديد (١٠). . .إلخ. ويقول في بعض المواطن: قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ فيه أقوال للمفسرين (١١). . . إلخ. وهذا الشاهد ورد في المهذب (١٢) حيث قال الشيرازي: وأما طهارة الثوب الذى يصلى فيه، فهى شرط في صحة الصلاة، والدليل عليه: قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. وقد لا يصدر الآية بلفظ (تعالى) وهذا ما لا يغفر له، لأنه بهذا يشكل على القارىء الذى لا يحفظ القرآن، فضلا عن ترك التأدب بآداب القرآن الكريم. ومن ذلك قوله: قوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ أى: فعلة فاحشة. . . . (١٣) إلخ، قوله: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ أى: مستقبلها، و ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أى: نحوه وتلقاءه، قال الشاعر. . . (١٤) إلخ. أما في عرضه لألفاظ الحديث الشريف، فإن سمته الغالبة: اثبات موطن الشاهد من جملة الحديث في إطار "قوله كذا" غير مميز له من كلام الشيرازي أو من كلام غيره، ومن ثم كان لزامًا عليَّ الفصلُ بين مختلف النصوص في حاشية التحقيق. ومثاله قوله: قوله: "فليرتد لبوله" (١٥)؛ قوله: "يضربان الغائط" (١٦)؛

стр. 17

قوله: "ييجع منه الكبد" (١٧) وهذا كثير جدا في الكتاب. وقد يميز الحديث في مواطن قليلة، مثل قوله في الحديث: "العينان وكاء السَّه" (١٨)؛ قوله في الحديث: "بل أنت نسيت" (١٩)؛ قوله ﷺ لأسماء بنت أبي بكر في دم الحيض: "حتيه ثم اقرصيه" (٢٠)؛ قوله ﷺ : "تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه" (٢١). مصادر النظم المستعذب: اعتمد ابن بطال الركبي في إخراج كتابه، على مصادر قيمة، صنفها أئمة ثقات، مشهود لهم بالصدارة والحُجِّية في أبواب اللغة وأنواع الغريب، واستند في كل نوع إلى المظان المعتمدة في بابه منها ومال في كثير من مواطن شرحه إلى إسناد كل قول إلى صاحبه، ومنها: في غريب الفقه: جعل عمدته أقدم المصنفات في هذا النوع من الغريب، وفي مقدمتها: ما جمعه الإمام اللغوى عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (٢١٣ - ٢٧٦ هـ) في أول كتابه "غريب الحديث" (٢٢) الذي افتتحه، على حد قوله "بتبيين الألفاظ الدائرة بين الناس في الفقه وأبوابه، والفرائض وأحكامها؛ لتعرف من أين أخذت تلك الحروف، فيستدل بأصولها في اللغة على معانيها، كالوضوء، والصلاة، والزكاة، والأذان، والصيام، والعتاق، والطلاق، والظهار، والتدبر، وأشباهها، مما لا يكمل علم المتفقه والمفتى إلا بمعرفة أصوله" (٢٣). وجعل عنوان ما ذكره منها: ذكر الألفاظ في الفقه والأحكام واشتقاقها (٢٤). وثانيها: كتاب الإمام اللغوى أبي بكر محمد بن القاسم ابن الأنبارى (٢٧١ - ٣٢٨ هـ)، وهو: الزاهر (٢٥) في معاني الكلمات التى يستعملها الناس في صلواتهم ودعائهم وتسبيحهم وتقربهم إلى ربهم، وهم غير عالمين بمعنى ما يتكلمون به من ذلك. وفي مقدمته يقول ابن الأنبارى: "وأنا موضح في كتابي هذا، إن شاء الله تعالى، معاني ذلك كله؛ ليكون المصلى إذا نظر فيه عالما بمعني الكلام الذى يتقرب به إلى خالقه، ويكون الداعى فَهِيما بالشيىء يسأله ربه، ويكون المسبح عارفا بما يعظم به سيده. . . ." (٢٦). وثالثها: كتاب الإمام اللغوى أبي عبيد القاسم بن سلام (١٥٤ - ٢٢٤ هـ) وهو: غريب الحديث (٢٧) وقد تناول فيه جملة وافرة من الألفاظ الفقهية. اعتمد عليها الركبي إلى حد كبير. ورابعها: كتاب اللغوى الكبير أبي منصور الأزهري (٢٨٢ - ٣٧٠ هـ) وهو شرح ألفاظ المختصر (٢٨) وهو أقدم المصنفات المتخصصة في شرح غريب الفقه، فقد صنفه أبو منصور الأزهري قبل تهذيب اللغة، خاصة في تفسير ألفاظ الإمام الشافعي، فيما اختصره الإمام إسماعيل بن يحيى المزنى من كلام الشافعي،

стр. 18

والمشهور في مصنفات الشافعية بمختصر المزني (٢٩). والمصنفات السابقة تعد بحق أهم المصادر في شرح الألفاظ الفقهية، والمنهل العذب لكل وارد وعدة كل من تصدر للتصنيف في غريب الفقه، على شتى المذاهب. وخامسها: كتاب الإمام أبى عبد الله محمد بن على القلعى (توفى ٦٣٠ هـ) وهو "اللفظ المستغرب من شواهد المهذب" (٣٠) ويعد من أهم المصنفات التى شرحت غريب كتاب المهذب، وقد تأثر به الركبي إلى حد كبير، وبخاصة وهو يَمَنِىٌّ مثله، وكانا متعاصرين. وسادسها: كتاب الإمام اللغوي الأديب والفقيه الحنفي أبو الفتح ناصر بن عبد السيد المشهور بالمطرزي (٥٣٨ - ٦١٠ هـ) وهو كتاب "المُغْرِب في المُعَرَّب" (٣١) وضعه المطرزي في شرح ألفاظ الفقه الحنفي، وألفه على نظام المعاجم الحديثة، فاستوعب بطريقته هذه كمًا هائلاً من ألفاظ الفقه. ويعد هذا الكتاب أصلًا للمصباح المنير في غريب الشرح الكبير للفيومي، وقد نقل عنه الركبي في عدة مواطن. ويضاف إلى ما سبق من مصادر: ما أثبته مسندا من التفسيرات اللغوية التى يذكرها الفقهاء في مصنفاتهم الخاصة بالفقه، كالإمام الشافعي في الأم، وابن الصباغ في البيان، وابن أبى الخير في الشامل، والغزالي في الوسيط. وغيرهم متفرقات في أثناء الكتاب. في غريب الحديث الشريف: اعتمد في هذا النوع أوثق المصادر وأشهرها عند أهل اللغة والغريب والحديث، ومنها: - غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام. - غريب الحديث لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة. - غريب الحديث (٣٢) لأبي سليمان حَمَد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي (٣١٩ - ٣٣٨ هـ). - معالم السنن: له أيضًا. - إصلاح خطأ المحدثين: له أيضًا. - إصلاح غلط أبي عبيد في غريب الحديث لابن قتيبة. - الغريبين: غريبى القرآن والحديث لأبي عبيد أحمد بن محمد الهروي (توفى ٤٠١ هـ). - الفائق في غريب الحديث: للعلامة جار الله محمود بن عمر الزمخشري (٤٦٧ - ٥٨٣ هـ). - شروح صحيح البخاري وصحيح مسلم، وغيرها مما نثر في ثنايا مصنفات غريب الفقه، والمعجمات من شروح لألفاظ الحديث الشريف. في تفسير غريب القرآن الكريم: أكثر الركبي من شواهد القرآن الكريم، وقراءاته، وشرح غريبه، واعتمد في شرحه على المصادر الآتية:

стр. 19

- معانى القرآن وإعرابه لأبي إسحاق الزجاج (٢٣٠ - ٣١٠ هـ). - الغريبين: غريبى القرآن والحديث للهروي، وكان معتمده في أكثر نقوله. - تفسير غريب القرآن: لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة. - تفسير غريب القرآن لأبي بكر محمد بن عزيز السجستاني العزيزي (توفى ٣٠٣ هـ). - تفسير الواحدي على بن أحمد بن محمد النيسابوري (توفى ٤٦٨ هـ). وفيما عدا ذلك يعمم في نقله، فيقول: قال في التفسير. في غريب اللغة بعامة: تبدت المادة اللغوية في النظم المستعذب صافية نقية، لا تشوبها شائبة، في غالب أحوالها، وذلك؛ لأن ابن بطال صدر في شرحه عن المصنفات اللغوية التى اعتنق مصنفوها مذهب التنقية اللغوية، فلم يثبتوا فيها إلا ما أجمع على صحته أهل اللغة والعربية، ومنها: تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري، وكان هذا المعجم عدته وعتاده، فلا تكاد تخلو مادة لغوية في النظم من نصوص الصحاح، يثبتها كما هي عليه، من غير ما تأليف ولا تحريف، وقد بلغ هذا حدًا كبيرًا جعلني اعتمد الصحاح نسخة ثالثة في التحقيق. وانبرى إلى أصول الصحاح، ومصنفات النقود عليه، وتكملته، ومن ذلك: إصلاح المنطق لابن السكيت (١٨٦ - ٢٤٤ هـ). أدب الكاتب لابن قتيبة. - ديوان الأدب للفارابي (توفي ٣٥٠ هـ). - التكملة والذيل والصلة للصغاتي الحسن بن محمد بن الحسن (توفى ٦٥٠ هـ). - العباب له أيضًا. كما نقل أيضًا عن مصادر هذه المصنفات، مثل: - العين للخليل بن أحمد الفراهيدي (١٠٠ - ١٧٥ هـ). - جمهرة اللغة لابن دريد (٢٢٣ - ٣٢٥ هـ). - تهذيب اللغة- للأزهري. - البارع لأبي على القالى (٢٨٨ - ٣٥٦ هـ) والأمالي له أيضًا. - المجمل في اللغة لابن فارس (توفى ٣٩٥ هـ). وغير هذا من المصنفات اللغوية في أنواع العلوم العربية، كفقه اللغه للثعالبي، وشروح المقامات للمطرزي والشريشي، ورسائل خلق الإنسان، والإبل، والنبات، والفروق اللغوية، والمذكر والمؤنث، ومصنفات النحو التصريف، وغيرها مما تكشف عنه كتاب النظم المستعذب. وبهذا العرض نستطيع التقرير بأن كتاب ابن بطال الركبي يعد بحق من أفضل المصنفات التى اهتمت بشرح غريب الفقه، وأبسطها من حيث الاستطراد في تفسير المادة وتدعيمها بكثرة النقول عن المصنفات المتعتمدة في

стр. 20

شرح أنواع غريب اللغة، ومن أصحها مادة من قبل اهتمامه بالنقل عن المصادر التى التزمت بما أجمع على صحته علماء اللغة العربية. كما يعد من أشمل المصنفات في جمع المادة الفقهية بعامة، وفي كتاب المهذب بخاصة. مظاهر الشرح في النظم المستعذب تأصيل المعانى: من أبرز سمات شرح الركبي: اهتمابه برد المعانى إلى أصولها، يفعل هذا مبالغة في توضيح المعنى المراد، بمختلف الوسائل اللغوية، ولا تكاد تخلو مادة من المواد التى تناولها من هذه المحاولات الملحة. والوسائل المتنوعة التى نلمسها من اللغويين على تفاوت مذاهبهم في رد معانى المشتقات إلى أصولها تسير حسب اجتهاد وميل كل واحد منهم، وذلك؛ لأن اثبات أصول المعانى لهذه المشتقات لا يخضع إلى قياس محدد، ومن ثم نرى تفاوتًا بين هذه الأصول. وقد ثبت هذا في شرح الركبي على عدة صور، منها: - التنبيه بدء على أصل المعنى، ثم ذكر الاستعمالات التى تؤيد ما يذهب إليه. وذلك نحو قوله: "أصل العَفو: المحو، يقال: عفا الأثرُ، أى: امّحى وذهب وعفا الربع: امحى رسمُه ودرس، فكأنه مُحى عنه الذنبُ، ولم يكتب عليه (٣٣). وقوله: "أصل الفحش": القبح، والخروج عن الحق، وذلك قيل للمفرط في الطول: إنه لفاحش الطول، والكلام القبيح غير الحق: كلام فاحش، والمتكلم به: "مُفحش" (٣٤) وقوله: "أصل الفجر": الشق، ومنه سمى الفجر، كما سمى فَلَقا وفَرَقا، والعاصى: شاق لعصا الطاعة" (٣٥) وقوله: "تحريم المبتوتة" أصله: من بَتَّ الحبلَ: إذا قطعه، كأنه قطع بالطلاق مواصلتها ومعاشرتها (٣٦) وقوله: "أصل الفطر: الشق، يقال: فطر ناب البعير: إذا انشق موضعُه للطلوع، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ (٣٧) أى: انشقت، فكأن الصائم يشق صومه بالأكل" (٣٨). وهذا فيما كان أصل معناه واضحا، ويكاد يجمع عليه أهل اللغة. ولا شك في أنه يعول على الأصل الذى يتصل بالمعنى المراد، لأن مادة (ع ف و) تحتمل أصول معان كثيرة، فمنها مثلا: العفو: بمعنى الكثرة، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ (٣٩) ومنه الحديث: "أنه ﷺ أمر أن تُحْفى الشوارب وتُعْفى اللحى" (٤٠). قال الكسائى: قوله: "تعفى" توفر وتكثر (٤١)، وقال الخطابي (٤٢): غلام عاف أى: وافر اللحم، وأصله: من قولك: عفا الشىءُ: إذا كثر، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أى: كثروا ونموا: وأنشد أبو عبيدة (٤٣) شاهدا له قول لبيد: ولكنا نُعِضُّ السيفَ منها ... بأسْوُقٍ عافياتِ اللحمِ كومِ ومن أصول معانيه أيضًا: الطلب، ومنه قول الأعشى (٤٤):

стр. 21

يطوف العُفاة بأبوابِه ... كَطَوْفِ النصارى بِيَيْت الوَثَنْ ومنه الحديث: "من أحيا أرضًا ميتة فهى له، وما أصابت العافية منها، فهو له صدقة" (٤٥) وفي هذا يقول الزمخشري: كل طالبٍ رزقًا من طائر أو بهيمة أو إنسان: فهو عاف (٤٦). وقبله ذكر ذلك أبو عبيده (٤٧) وغيره (٤٨). والأصل الذي ذكره الركبي: مجمع عليه من أهل اللغة، كأصل من الأصول المعنوية التى يؤديها يتساهل أحيانا في التعبير، فابن الأثير يقول في العفو: "وأصله: المحو والطمس" (٤٩) ثم يعود فيذكره بمعنى الطلب في الحديث المذكور. وينقل الأزهري (٥٠) عن ابن الأنباري، أن الأصل في قول الله جل وعز: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ (٥١): محا الله عنك، مأخوذ من قولهم: عفت الرياحُ الآثارَ: إذا درستها ومحتها. بيد أن ابن الأنباري لم ينص بلفظ "الأصل" وعبارته (٥٢): معناه: درس الله ذنوبك ومحاها عنك. . . . إلخ. وإن كان ابن الأنباري يكثر من التعبير بالأصل فيقول: أصل كذا، ولكنه يريد المعنى، وقد يذكر أكثر من أصل، وهو يريد المعانى. وبعض اللغويين يدقق ويتحرز في التعبير تحسبا لمثل هذا كالخليل (٥٣) والجوهري (٥٤) وغيرهما. ولا شك في أن الفئة الأولى تميل إلى المذهب الاشتقاقي في الربط بين تفريعات المادة وأصولها (٥٥). - والركبى متابع في أكثر الأمثلة التى يذكرها من هذا القبيل، فإذا تفرد بعضهم بمذهب ذكره مُسنَدًا إليه، وذلك في نحو قوله: "أصل الحفد: العمل والخدمة، ومنه الحفدة، وهم: الخدم" (٥٦) وقوله: "في تسجية الميت: قال الزمخشري، قال ابن الأعرابي: أصله: الغيبوبة ومنه قوله تعالى: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٥٧) أى: ذهبنا وغبنا، فكأن الكافر جار عن الطريق الحق، أو غاب عنه الحق فلم يعرفه، ولم يهد له" (٥٨). ونلاحظ أنه ذكر حسب تعبيره أصلين في معنى الضلال، وأسند الثاني إلى ابن الأعرابي. وهذا لأن الأصل الأول متفق عليه، قال ابن فارس (٥٩): كل جائر عن القصد: ضال، وكذلك ذكر في المظان اللغوية (٦٠). وفي المعنى الثاني قال الخطابي (٦١): قال أبو عمر: أصل الضلال: الغيبوبة يقال: ضل الماء في اللبن: إذا غاب، وكذلك: ضل النَّاسِى: إذا غاب عنه حفظه، وهو قوله تعالى: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ (٦٢). وفي الحديث: "ذروني في الريح لعلى أضل الله" (٦٣) يقال: أضللت الشيىء: إذا غيبته، وأضللت الميت: دفنته.

стр. 22

رد اللفظ إلى أصول معنوية كثيرة: قد يحتمل اللفظ الرد إلى أكثر من أصل معنوي، فلا يتوانى في ذكرها جميعا، يبتغى بذلك الوصول إلى أصح المعانى وأوضحها، ومن ذلك قوله (٦٤): "أصل الزكاة في اللغة: النماء والكثرة، زكا المال يزكو: إذا كثر، ودخلته البركة، وزكا الزرع: إذا نما، وسميت الصدقة زكاة لأنها سبب النماء والبركة، وقيل أصلها: الطهارة" من قوله تعالى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَاكِيَةً﴾ (٦٥) أى: طاهرة. وقوله تعالى: ﴿لِيَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ (٦٦) أي: طاهرا. وقيل: مأخوذ من تزكى، أى: تقرب، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ (٦٧) وقيل: العمل الصالح. وقال تعالى: ﴿خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ (٦٨) أى عملا صالحا. فكأنها تطهر من الذنوب، وتقرب إلى الله تعالى. فقد ذكر هنا: النماء والزيادة. والطهارة. والقربة. والعمل الصالح، ثم جمعها في التطهر والتقرب بالعمل الصالح في توضيح المعنى. ونلاحظ أنه بهذا كان من أكثر اللغويين جمعا لأصول معانيها؛ لأن ابن الأنبارى الذى يهتم بجمع المعانى؛ وتعدادها، لم يذكر في أصول معانيها سوى النماء والزيادة، وفسر زكية في الآية ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ بأنها: زائدة الخير لم تذنب ولم تكن منها خطيئة (٦٩)، وكذلك ابن قتيبة اقتصر على معنى النماء والزيادة (٧٠). وذكر الخليل الزكاة بمعنى التطهير؛ وبمعنى الصلاح، وقال: تقول: رجل زكى تقى ورجال أزكياء أتقياء (٧١). واقتصر الزمخشري على التطهر (٧٢) وممن جمع أكثر معانيها ابن الأثير في النهاية (٧٣) حيث قال: "وأصل الزكاة في اللغة: الطهارة، والنماء، والبركة، والمدح، وكل ذلك قد استعمل في القرآن والحديث". وهذا يدل على دأب الركبي في جمع أصول المعانى، كما يفعل أصحاب المعجمات. - وقد يجتهد في إيجاد أصل معنوى غير مشهور يرد إليه معنى اللفظ المستعمل، ومن ذلك قوله: "التقليد أصله: من القلادة التى تكون في العنق؛ كأنه يجعل ذلك الأمر كالقلادة في عنقه يتحمل مأثمه" (٧٤) وقوله أصل البد الفراق، مثل قولهم: لابد من كذا، كأنه قال: لا فراق منه (٧٥) وقوله ": هَتَكَ حُرْمَتَه، أى: خرقها، وأصل الهتك: خرق الستر عما وراءه"، (٧٦) وقوله: "وكفة الصائد: حِبالته، ولعل أصله من الكف، وهو المنع والتوقف" (٧٧) وقوله: "الجزية أصلها الفداء" (٧٨). وهذا كله محاولة منه لتقريب المعنى. اهتمامه بأصول الاشتقاق المادى: وعنايته بأصول المعانى كان قسيما لاهتمامه بأصول اشتقاقات المادة ذاتها، وقد كان مولعا بهذا مما سوغ لنا القول بأنه كان من كبار الاشتقاقين. ودليل هذا قوله (٧٩): "وفي تسمية الصلاة صلاة لأهل الاشتقاق ثلاثة أقوال: قيل لما فيها من الدعاء؛ وقيل: لرفع الصلا في الركوع، وهو مغرز الذنب من الفرس؛ وقيل: لما فيها من الخشوع واللين، يقال: صليت العود بالنار: إذا لينته والمصلى يلين ويخضع"، وقوله (٨٠): "أيام التشريق، في اشتقاق تسميتها بذلك أوجه، أحدها: لأنهم يشرقون فيها اللحم، بمعنى أنهم يشمسونه، وقيل:

стр. 23

يشققونه ويقددونه، ومنه الشاة الشرقاء، وهى مشقوقة الأذن طولا؛ وقيل: من قولهم في الجاهلية: "أشرق ثبير كيما نغير. وقيل: لأن الضحايا والهدى يذبح فيها عند شروق الشمس، وهو طلوعها". وقوله (٨٢): في البيت العتيق: سمى عتيقًا؛ لأنه قديم، وقيل: لأن الله تعالى أعتقه من جبابرة الملوك .. وقال مجاهد: سمى عيتقا؛ لأنه لم يملك قط. وقال ابن السائل: سمى عتيقا؛ لأنه أعتق من الغرق زمان الطوفان". فقد أرجع اشتقاق لفظ الصلاة إلى ثلاثة أصول مرتبة حسب اشتهارها بين اللغويين، والإجماع على الدعاء عند العرب كان يسمى صلاة، وشاهده قول الأعشى (٨٣): تَقُولُ بِنْتي وَقَدْ قَرَّبْتُ مُرْتَحِلاً ... يَاربِّ جنِّبْ أبي الأَوْصَابَ وَالْوَجَعَا عَلَيْكِ مِثلُ الذِى صَلَّيْتِ فاغْتَمِضِى ... نَوْمًا فَإنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعَا وقوله أيضًا: وَقَابَلَهَا الرِّيحُ فِي دَنَّهَا ... وَصَلَّى عَلَى دَنِّهَا وَارْتَسَمْ ذكر هذا الخليل وابن قتيبة وابن الأنباري والأزهري، وابن دريد، والجوهري، والزمخشري، وابن الأثير (٨٤)، وغيرهم. - والأصل الثاني: الصلا، وهو: واحد الصلوين، وهما مكتنفا الذنب من الناقة وغيرها (٨٥)، وأول موصل الفخذين من الإنسان (٨٦) وهما عن يمين العصعص وشماله، وقد ذكر ذلك اللغويون بعد الأول، فقد نقل أبو عبيد (٨٧) عن الأصمعي: أن أصل ذلك في الخيل، فالسابق؛ والمصلى: الثانى الذى يتلوه، قال: وإنما قيل له المصلى. لأنه يكون عند صلا الأول. وأكد هذا ابن دريد في قوله: وقال قوم: بل اشتقاق الصلاة: من رفع الصلا في السجود، والمصلى من الخيل: الذى يجىء وجحفلته على صلا السابق، ثم كثر في كلامهم حتى سموا الثانى من كل شىء مصليا. وعلق بأن الأول أعلى (٨٨). والأصل الثالث: يدل على شغفه بالاشتقاق؛ لأنه ربط بين اللين والخشوع في الصلاة، بتقويم العود بسبب تليينه بالنار، وقد ذكر اللغويون هذا الاستعمال (٨٩)، ففى العين (٩٠): وصلى عصاه: إذا أدارها على النار يثقفها، قال: فَلَا تَعْجَلْ بِأَمْرِكَ وَاسْتَدِمْهُ ... فَمَا صَلَّى عَصَاكَ كَمُسْتَدِيمِ غير أنهم لم يحاولوا رد اشتقاق الصلاة المعروفة إليه. وإن ألمح الزمخشري إلى هذا في قوله (٩١): وأصل التصلية: من قولهم: صلى عصاه: إذا سخَّنها بالصلاء، وهى النار ليقومها، وأنشد البيت المذكور. وقال: وقيل للرحمة صلاة، وصلى عليه الله: إذا رحمه؛ لأنه برحمته يُقوِّم أمر من يرحمه، ويذهب باعوجاج حاله وَأَوَدِ عمله.

стр. 24

ولا ندري كيف لم يعرج الركبي على أصل ذَكَرَه اشتقاقى كبير، كالزجاج، هو أولى بالتقديم من هذا الأخير الذى ذكره، فقد استعرض الزجاج (٩٢) الأصول والمعانى السابقة، ثم قال: وأصل هذا كله عندى من اللزوم، يقال: صلى وأصلى واصطلى: إذا لزم، ومن هذا يصلى في النار، أى أنه يلزم. . . وكذلك الصلاة: إنما هى: لزوم ما فرض الله، والصلاة من أعظم الفرض الذى أمر بلزومه. وما ذكره في أيام التشريق تابع فيه الجوهري، وكله ثابت ومقرر عن أئمة اللغة كالأصمعي، وابن السكيت وأبي عبيد، وابن الأنباري، والزمخشري، وابن الأثير، وغيرهم (٩٣). وشرح الركبي ملىء بمثل هذه الاشتقاقات، يذكرها متابعة لأئمة اللغة، أو يستخلصها بحاسته اللغوية فيرد البئر إلى بأر بمعنى حفر، والاحتياط والحائط: من حاطه يحوطه، والاحتراز: من الحرز الذى يمنع وصول ما يكره، والمزادة: من الزيادة التى تزاد فيها من جلد ثالث، والمخمصة: من الخموص، وهو ضمور البطن، والجدرى: من جدر بمعنى نتأ وارتفع، ومنه الجدار، والحمام: من الماء الحميم وهو: الحار، والخمار: من التخمير، وهو التغطية، ومنه الخمر؛ لأنها تغطى العقل، والإزاز: من المؤازرة، وهى: المساعدة والمعاونة، والمحراب: من الحرب؛ لأنه يدافع عنه ويحارب دونه، والمعاركة بمعنى القتال: من عَرَكَت الرحى الحب: إذا طحنته، والجنين: من الجنة، وهو: ما استترت به من سلاح، ومن الجن؛ لاستتارهم، والبر قمح: من قامحت الناقة: إذا رفعت رأسها، وأقمح الرجل: إذا شمخ بأنفه، والسكين: من تسكين الذبيحة، والسحور: من السحر، وهو: آخر الليل. وغير ذلك مما يطالعنا به الركبي في شرحه. وكنت أحسبه يبعد في المذهب حين جعل اشتقاق المائدة من ماد (٩٤): إذا مال؛ لأن حاملها يميل بها، ومنه قوله تعالى: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ (٩٥). حتى رأيت أبا عبيدة (٩٦) يقول في قوله تعالى: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ (٩٧). أصلها: أن تكون مفعولة، فجاءت فاعلة، يقولون: تطليقة بائنة، وعيشة راضية، وإنما مِيدَ صاحبها بما عليها من الطعام، فيقال: مادنى يميدنى. ويعقب عليه الزجاج، قائلا (٩٨): والأصل عندى في مائدة أنها فاعلة من ماد يميد: إذا تحرك، فكأنها تميد بما عليها. تصريفات الأفعال: بدت ظاهرة تصريفات الأفعال واضحة في شرح ابن بطال الركبي، بعد ظاهرة الاشتقاق المعنوي والمادي إذ اعتمد إلى حد كبير على تحديد أبواب الأفعال، قاصدا تمييز المعانى، مبينا المعنى المقصود من التعبير وقد استعمل مختلف الطرق المشهورة لدى اللغويين بصدد أشكال الأفعال ودلالاتها، فبين لغات الفعل الماضى من حيث اختلاف حركة عينه، وما يترتب عليه، من اختلاف الدلالة أو اتفاقها، نحو: بَثَر، وبَثِرَ وبثر وجهه، وكذا في الأمر، مثل: زُرَّه؛ وزُرُّه؛ وزرِّه.

стр. 25

ورتب لغات الأفعال على حسب أفصحيتها، ونبه إلى المهموز منها وغير المهموز، وأشار إلى ما أنكره اللغويون مما تخففه العامة، والتحقيق فيه أفصح، كقولهم: توضيت في توضأت، وذكر في المعتل منه، ما يقال بالواو والياء في مثل: حثا التراب يَحْثُوا ويحثى حثوا وحثيا، فضلا عن رده المعتل إلى أصله واو يا كان أو يائيا. وميز الأفعال بحسب اختلاف صوغها، فبين ما اتفق معناه، واختلف تبعا لهذا، في نحو: فَرَطَ بالتخفيف: إذا تقدم وَفَرَّطَ بالتشديد: إذا قَصَّر، وأفْرَطَ: إذا جاوز الحد. ونحو: نجوت الشجرة وانتجيتها واستنجيتها: إذا قطعتها كما أشار إلى صيغتى فعل وأفعل باتفاق معنى واختلافه،، غير ذلك مما تباين في الص وغ واتفق أو اختلف في الدلالة. وفصل بين المتعدى واللازم، ما يتعدى بنفسه وما يتعدى بغيره، ونبه إلى الأفعال المتعدية اللازمة، في نحو مَقَل، فقر، هدى، ونص على الأفعال التى تتعدى بحروف مختلفة، ويترتب عليها دلالة التضاد كرغب في الشىء: أراده، ورغب عنه: أعرض. كما تناول الأفعال التى تتداخل فتنتج أبوابا متراكبة، كما سيأتى بيانه مفصلا. فمن أبواب الأفعال بحسب كم ورودها في الكتاب: باب فَعَلَ يَفْعُلُ: من الثلاثى الصحيح: بثر وجهه يبثر (٦٦) بطَش يبطُش (١٣٤) حجزه يحجزه حجزا، أى: مَنعه وكفه (١٠٧) حجل الطائر يحجل حجلانا (٢٢٧) حرن يحرن حرونا (٧٥) حصره يحصره حصرا: إذا ضيق عليه (٤٤) رتب الشىء يرتب رتوبا، أى: ثبت (٨٩) رشد بالفتح يرشد بالضم رُشْداً (١٥٩، ٢٧١) رفث ورفث (١٧٨) رفضه يرفضه رفضا (١٣٥) ركزت الرمح أركزه ركزا (١٥٦) سرب الماء يسرب: إذا سال (٣٨) سلف يسلف سلفا، مثل طلب يطلب طلبا، أى: مضى (١٧٠) شرقت الأذن أشرقها شرقا من باب قتل (٢١٨) عركت الشىء أعركه عركا: إذا دلكته (١٣١) عكف على الشىء يعكف (١٧٨) غمره الماء يغمره: إذا علاه (١٥) فَرَط في الأمر يفرط فرطا، أى: قصر فيه وضيعه (١٥٩) فضل يفضل: مثل دخل يدخل (١٥٧) قتر على عياله يقتر قترا وقتورا، أى: ضَيَّقَ (٢٧٠) قدر الله الأمر يقدره قَدْرا وقَدَرًا (١٧٨) لمظ يلمظ: إذا تتبع بقية الطعام في فيه (٢٢١) مَثَلَ به يَمْثُل مَثْلًا (٢١١): إذا غاص في الماء (١٤) نبع الماء ينبع (١٠) نبش ينبش (٦٨) نجس ينجس (١٠) نخسه بالعود ينخسه (٥٢) ندر الشىء يندر: إذا سقط وشذ (٣٩) نكل عن العدو واليمين ينكل: إذا جبن (٢٥٢). ومن المضاعف: أَتَهُ يَؤُتُّهُ أتَّا: إذا غلبه بالحجة (١١٢) ثج الماء يثج: إذا سال منه (٤٧) حَفَّت المرأة وجهها من الشعر تحفُّه حفًّا (١٢٦) حَلَّ المكان يحلُ بالضم حلا وحلولا ومَحلا (٢٦٣) خب الفرس يخب بالضم (٢٠٥) سَحَّ الماء يُسحُّ (١٢١) غل يغل غلولا: إذا خان في المغنم (٦٤). ومن المعتل: حثا التراب يحثو (١٣٥) حاطه يحوطه، أى: كلأه ورعاه (٢٦٩) دام يدوم (١٢١) زكا المال يزكو: إذا كثر (١٣٩) طاف حول الشىء يطوف طوفا وطوفانا (٢٠٣) فاحت ريح المسك تفوح فيما (٥٣) قصا المكان يقصو، أى: بعد (٩٨).

стр. 26

بَابُ فَعَلَ يَفْعِلُ: من الثلاثى الصحيح: بَطَشَ يَبْطِشُ (١٣٤) حجل الطائر يحجل حجلانا: إذا نزا في مشيه (٢٢٥) حنذت الشاة أحنذها حنذا، أى: شويتها (٢٢٥) خفرت الرجل أخفره بالكسر خفرا: إذا أجبرته، وكنت له خفيرا تمنعه (١٨٢) رفث يرفث (١٧٥) رفضه يرفضه رفضا (١٣٥) عتم الليل يعتم (٥٣) عضدت الشجر أعضضه بالكسر (٢٠٠) عكف يعكف (١٧٨) غبطته أغبطه غبطا وغبطة (٢٧٠) غطسه في الماء يغطسه (١٧٥) لَثَمَت المرأة تَلْثِمُ لَثْمًا: إذا شدت اللثام (٧٣، لفقت الثوب ألفقه لفقا (٤٦) نبزه ينبزه نبزًا: إذا لقبه فسماه بغير اسمه (١٩٦) نبع الماء ينبع (١٠). من المضاعف: جَدَّ في الأمر يجد جدًا (١٠٦) جف الثوب يجف بكسر الجيم (٤٦) حل يحل: إذا قضى فروض الإحرام، فصار حلالا (٢٠٠) حل الدين يحل بالكسر حلولا (٢٦٣) دب على الأرض يدب دبيبا: إذا مشى (٢٢٣) رم العظم يَرِمُّ (٣٩) لججت تلج: لغة (٢٢١) ندَّ البعير يندندا وندادًا وندودًا: نفر (٢٣٢) هر الكلب يهر هريرا (١٠٦). ومن المعتل: حثى يحثى، وهو: إرسال الماء وغيره من الكف (٤٢) ضَاعَ يَضِيعُ ضياعًا (١١١) فاحت ريح المسك تفيح (٥٣). كاده يكيده كيدا (٩٩) مزت الشيء أميزه ميزًا: إذا عزلته وفرزته (٢٦٤) مَاع الجامد يميع: إذا ذاب وماع الشيء أيضًا: إذا سال على وجه الأرض (١٢) نما الشىء ينمى: إذا زاد نماء ونموا (٢٦٤) هوى يهوى هويا، أى: سقط إلى أسفل (٢٧٤) وقذه يقذه وقذا (٢٢٩). من المهموز: أبدت البهيمة تأبد، أى: توحشت (٢٣٢). بَابُ فَعِلَ يَفْعَلُ من الصحيح: حرج صدره يحرج حرجا (٦٥) خرق بالكسر يخرق خرقا (٦٥) رشد بالكسر يرشد بالفتح لغة (١٩٥، ٢٧١) رمض يومنا بالكسر يرمض رمضا بالتحريك: اشتد حره (٨٢) سفه يسفه سفها وسفاهة (١٤٢) شملهم الأمر يشملهم، أى: عمهم (١٠٩) ضلع بالكسر يضلع ضلعا (٢١٧) لهب بالكسر يلهب لهبا (٢٢٩) نجس الشىء بالكسر ينجس بالفتح نجسا بالتحريك (٩). من المعتل: رقى يرقى (٢٠٧) وسعه الشىء بالكسر يسعه (٧٥). من المهموز: بئس الرجل يبأس بؤساً: إذا اشتدت حاجته (٢١٨) سئمت من الشيء أسأم سآمة أى مللت (٩١) فجئه الأمر يفجأه (١٧١) وطئت الشيء برجلى وطأ ووطىء الرجل امرأته، يطأ فيهما (١٩٧). من المضاعف: لججت تلج لجاجا ولجاجة (٢٢١). فَعَلَ يَفْعَلُ: من الصحيح: بخسه حقه يبخسه بخسًا: إذا نقصه (١١٩) فغر فاه يفغره (١٢٦) قحط المطر يقحط قحوطا: إذا احتبس (١١٩) نبع الماء ينبع (١٠) نخسه بالعود ينخسه نخسا (٥٢) نضحت القربة تنضح

стр. 27

بالفتح نضحا، ونضح ينضح (٤١). من المعتل: ضحا الرجل يضحى (٥٠) رقى يرقى رُقْيةً (٢٠٧) نال خيرا ينال نيلا (١٥٦) ولغ الكلب في. الإناء يلغ ولوغا (١٦). من المهموز: درأه يدرؤه: إذا دفعه (٧٥) رقأ الدم يرقأ: إذا انقطع (٢٠٧) قنأ يقنأ قنوء: إذا اشتدت حمرته (٤٧). من المضعف: برَّه يبره برا (٢٠٣). فَعُلَ يَفْعُل: من الصحيح: بثر وجهه يبثر (٦٦) خبث الشىء يخبث خبثا (٣٦) خلق الثوب يخلق وغيره: إذا صار خَلَقا (٣٢) طَهُرَ يَطهُرُ (٩) عَمُق يعمق (٣٣). من المهموز: ردؤ الشيء يردؤ رداءة (١٥٣). فَعِلَ يَفْعِلُ: من الصحيح: قَنِط يقنِط (١٢١). من المعتل: وثقت به أثق: إذا ائتمنته (٢٦٣) وسعه الشيء يسعه سعة (٧٥). فعل وأفعل وقعت صيغتا فعل وأفعل بمعنى، واختلاف معنى، في شرح الركبي كثيرا، وكانتا في غالب ما ذكره على سبيل المتابعة لما ذكره اللغويون الذين نقل عنهم ومن أهمهم الجوهرى في الصحاح، وكان ورود الصيغتين بمعنى أكثر منه باختلاف معنى، ومن ذلك: فعل وأفعل بمعنى: الجائفة: من أجافه وجافه، يقال: أجَفْتُهُ الطعنة وجُفْتُه بها عن الكسائى (١٧٣) والجبار: القهار، يقال في فعله: جبره وأجبره (٢٦٦، ٢٦٧) جَدَّ في الأمر يجِدُّ جدًّا وأجد في الأمر مثله (١٠٦) جهده الصوم بالفتح يَجْهَدُه وأجهده الصوم يجهده (١٧٠) حفت المرأة وجهها من الشعر تحفه حفا وأحفت أيضًا (١٢٦) يقال للزرع إذا بلغ الحصاد: أحنط وحنط (١٢٨) خلف فوه خلوفة وخلوفا، وأخلف إخلافا إذا تغير، قال ابن أحمر: بان الشباب وأخلف العمر . (٢٢) الركس: من ركسه: إذا رده مقلوبا، يقال: أركسه الله وركسه (٤٨) الرفث: الفحش وكلام النساء في الجماع تقول منه: رفث الرجل وأرفث (١٥٨) زها البسر يزهو، وأزهى يزهى (٢٤٨) سجد البعير وأسجد: إذا خفض رأسه ليركب (٨٠) سقيته وأسقيته بمعنى واحد (١١٩) شالت الناقة بذنبها وأشالته: إذا رفعته (١٨٦) قحط المطر يقحط قحوطا: إذا احتبس، وأقحط القوم: أصابهم القحط (١١٩) نجز حاجته ينجزها وأنجز الوعد (١٠٥) الإنصات: السكوت مع الإسماع، يقال: نهمت وأنصت بمعنى واحد

стр. 28

(١١٤) أبو العباس عن ابن الأعرابى: هنأنى وأهنأنى ومرأنى وأمرأنى (١٢٠) وجرت الصبى وأوجرته بمعنى (١٧٤). فعل وأفعل باختلاف معنى: يقال: خفرت الرجل أخفره بالكسر خفرًا: إذا أجرته، وكنت له خفيرا تمنعه، وأخفرته: إذا نقضت عهده، وغدرت به (١٨٢) ويقال سقيته لشفته، وأسقيته لماشيته وأرضه (١١٩) شعر بالشيء: إذا علمه، وأشعر الهدى، أى: جعل له علامة يعرف بها (٥٧) فَرَطَ بالتخفيف: إذا تقدم، وأفرط: إذا جاوز الحد (١٥٩) نشطت الحبل: عقدته أنشوطة، وأنشطه: حللته (٢٠١). وبمقارنة ما ذكره ابن بطال في هاتين الصيغتين بمعنى وباختلاف معنى، تحقق ما ذهب إليه، فمثلا ما نص عليه في صيغتى خلف وأخلف أكده كثير من اللغويين وفي مقدمتهم الزجاج في فعلت وأفعلت (١) والجواليقى (٢) والفارابي (٣) والجوهري (٤) والزمخشري (٥) وهو الذى تابعه المصنف فنقل عنه نص عبارته. وفي صيغتى سجد وأسجد اختار الركبي كونهما بمعنى، غير أن المشهور أنهما مختلفان في المعنى، فقد وضعهما الزجاج في فعل وأفعل والمعنى مختلف، وقال: سجد الرجل من السجود، وأسجد إسجادا: إذا طأطأ رأسه وانقاد (٦) وهذا ما ذكره ابن السكيت حيث فرق بينهما، فوضع أسجد بإزاء فتور النظر والتطا من والانحناء، وجعل سجد لوضع الجبهة بالأرض (٧)، وقرر ذلك السرقسطى في أفعاله (٨) وابن الأثير في النهاية (٩) وكل من ذهب إلى اختلافهما في المعنى، ومن ذهب إلى اتفاقهما في المعنى، ينشد على مذهبه قول حميد بن ثور: فضول أزمتها أسجدت ... سجود النصارى لأربابها وليس من العسير لمح الصلة بين الانحناء والتطامن وفتور الطرف، ووضع الجبهة في الأرض عند السجود وما يلزمه من الانحناء، مما يقرب المعنى بينهما، أو يجعله واحدًا. ولهذا قال ابن حمزة الأصبهاني تعليقا على قول ابن السكيت وإنشاده لبيت حميد، وبيت كثير: أغرك منا أن ذُلَّكِ عندنا ... وإسجاد عينيك الصيودين رابح قال (١٠): وهذا أيضًا، يقال على فَعَل وأفْعَلَ بمعنى، ولولا ذلك للزم حميدا أن يقول: إسجاد النصارى ولكنه لما كان يقال: سجد وأسجد بمعنى، قال: سجود النصارى. ولهذا، ولما هو ظاهر من المعنى: اختار الركبي كونهما بمعنى واحد. وقد كان تناوله لهاتين الصيغتين مشاكلا لموقف أصحاب التنقية اللغوية، الذين لا يثبتون في اللغة سوى المجمع على صحته، وفي مقدمتهم الأصمعى الذى كان كثيرا ماينكر صيغة أفعل أو يصفها بالرداءة، وكان الجوهرى ممن يعتنقون هذا المذهب، والتزامه بما أثبته في صحاحه شاهد لهذا، وكان ابن بطال يتابع الجوهرى فيما ذكره في صيغتى فعل وأفعل ومن ثم

стр. 29

تحقق صحة ما ذهب إليه فيهما. كما تناول كثيرا من الصيغ التى تختلف مبنى وتتفق معنى، ومنها: فَاعَل وفَعَّل: نحو قوله في الأذان: وفيه لغتان: آذن وأذَّن: إذا كان بمعنى الأعلام (٥٥). فَعَّل وتَفَعَّلَ: كقوله في التأويل: أولته تأويلا وتأولته بمعنى (١٤٨). فَعَّل وأفْعَلَ: مثل قوله: جوَّزَ له ما صنع وأجاز له (٢٧١) وقوله: يقال: أسعر أهل السوق وسعروا: إذا اتفقوا على سعر (٢٥٥). افْتَعَلَ وَتَفَاعَلَ وافَّاعَل: وهذا في قوله: يقال: صَالح صِلَاحا، وقد اصطلحا، وتصالحا، واصَّالحا (٢٧٣). فَعِلَ وأفْعَلَ: ومنه: كلئت الأرض وأكلأت، فهى مكلئة، وكلئة (١٦٤). فَعَلَ يَفْعَل في معنى افْتَعَلَ يَفْتَعِلُ: وذلك قوله: وقد نجعوا ينجعون في معنى: انتجعوا ينتجعون عن يعقوب (١٦٣). أفْعَلَ: اسْتَفْعَلَ وتَفَعَّلَ: في قوله: أنقذه من فلان، واستنقذه منه، وتنقذه: بمعنى، أى: نحاه وخلصه (٢٧٣). فَعِلَ وَتَفَعَّلَ وافْتَعَلَ: وفي مثله يقول: وقد وَسِخَ الثوب يوسخ، وتوسخ، واتسخ: كله بمعنى (١٥٩). فَعَلَ وَافْتَعَلَ واسْتَفْعَلَ: نحو قوله: نجوت الشجرة، وانتجيتها، واستنجيتها: إذا قطعتها (٢٠). فَعَلَ وَأفْعَلَ وافْتَعَلَ: في قوله: شرت العسل، وأشرته، واشترته، فهو مشور ومشتار ومشار (٥٦). أفْعَلَ وَفَعَّلَ واسْتَفْعَلَ: في مثل: أوطنت الأرض، ووطنتها توطينا واستوطنتها، أى: اتخذتها وطنا (٦٧). فَعَل وافْتَعَل وتَفَعَّل: نحو: لثمت المرأة، والتثمت، وتلثمت: إذا شدت اللثام، وهى حسنة اللثمة (٧٣). فَعَلَ وَفَعَّلَ: نحو قوله: قدر الله الأمر يقدره قدرًا وقدر الله الأمر تقديرا (١٧٨). فَعَلَ وتَفَعَّل: في قوله: تلمظ يتلمظ، ولمظ يلمظ: إذا تتبع بلسانه بقية الطعام في فيه، أو أخرج لسانه فمسح شفتيه، فجعله في فيه (٢٢١). واهتم ابن بطال بذكر لغات الفعل الواحد، ماضيا كان أو مضارعا، يبتغى بذلك توجيه لغة الفقهاء على الوجوه الجائزة في استعمال الفعل، وبخاصة والفقهاء لا يدققون في اختيار الأفصح لغة، وإنما يستخدمون في توجيه الأحكام ما طاع لهم من الأفعال والأسماء على أي وجه صحيح فمن ذلك في الماضى: قوله: طَهَرَ الشيء بالفتح وَطَهُر بالضم طهارة فيها (٩) وقوله: وقد بَثَرَ وجهُهُ يَبْثُر ثلاث لغات: بَثِرَ، وبَثرَ، وبَثُر بالفتح

стр. 30

والكسر والضم (٦٦) وقوله: سَخَن الماء وسخُن وسخِن (١١) وقوله: ورغم أنفه ورغم بالفتح والكسر (٩٥). وقوله: يَنْبَعُ وَيَنْبُعُ وَيَنْبعُ نبع الماء ينبع وينبغ وينبع ثلاث لغات (٩). ونلاحظ أنه حريص على جمع لغات الفعل حرصا يكاد يفوق حرص كثير من اللغويين الذين يهتمون بجمع الأفعال خاصة فقد جمع في الفعل "بثر" ثلاث لغات، بينما لم ينص السرقسطي (١) في أفعاله على أكثر من لغتين منها، وهما: بَثِرَ، وَبَثَر وعبارته: بَثِرَ الجسد بَثَراً: خرجت فيه أورام صغار، ويقال: بَثَر أيضًا بفتح الثاء وقد ذكر الفارابي (٢) اللغات الثلاث، وتابعه الجوهري (٣)، وتابعه الركبي كما ذكرها الفيومي (٤) والفيروز آبادى (٥)، وابن منظور (٦)، وكثير غيرهم من اللغويين، مما يؤكد صحتها. وكان شديد الحرص في التنبيه على لغات الفعل المعتل، واويًا كان أو يائيا، والجمع بينهما إذا ما سُمِعَ فيه اللغتان ونص عليه اللغويون، ومنه قوله: حثا التراب يحثو ويحثى حثوا وحثيا (١٣٥) وقوله: قنوت الغنم وغيرها قنوة، وقنيت أيضًا قنية بالكسر، وقنية بالضم: إذا اتخذتها لنفسك لا للتجارة (١٥٥) وقولا: نقوت العظم ونقيته: إذا استخرجت نقيه: أى: مخه (٢١٧) وقوله: نما الشيء ينمى: إذا زاد نماء ونموا، وربما قالوا: ينمو، بالواو: (٢٦٤). اهتمامه بالفصل بين المهموز وغير المهموز، وموقفه من الهمز والتسهيل. نبذة عن الهمز والتسهيل: الهمز: هو نبر الحرف، أو الضغط عليه، أو إعطاؤه حقه بن الإشباع حتى يظهر متمكنا في مخرجه، وقد غلبت تسمية الهمز على صورة (أ) الهمزة التى يطلق عليها المحدثون (The glattal stop) أو الوقفة الحنجرية، ويحدث هذا الصوت حين ينطبق الوتران الصوتيان انطباقا تاما بحيث لا يُسمح للهواء بالمرور، ثم ينفرجان فجأة، فيحدث صوت انفجارى نتيجة لاندفاع الهواء، ويخرج حينئذ صوت الهمزة، وانتاج هذا الصوت يكلف عضلات الحنجرة جهدًا كبيرًا نتيجة للانحباس الشديد، والانفجار التابع له، وكل هذا يتم في فترة وجيزة، فضلاً عن قرب ما بين الحنجرة ومصدر إطلاق الهواء، واندفاعه بشكل مباشر عن طريق القصبة الهوائية المستقيمة، ولهذا يتعين على عضلات الحنجرة أن تتخذ أشكالا متعددة لإحكام غلق فتحة المزمار ثم فتحها بقدر معين وفي فترة يسيرة لكى ينطلق الهواء سريعا حاملا هذا الصوت (٧). ومن العرب من يستحسن نطق الصوت على هذا النحو من التحقيق، وقد أثر عن القبائل الضاربة في البداوة، كتميم، وقيس، وأسد، وتيم الرباب، وغنى، وعكل، وعقيل (٨). واللغة المثالية تؤثر هذا النوع من الحقيق وتعتد به، ويدل لذلك التنزيل الكريم، وما حملته آياته من تحقيق الهمز.

стр. 31

كما وردت الرويات باستحسان أئمة اللغة لهذه الصفة، فيما أثر عن عيسى بن عمر قوله: ما آخذ من قول تميم إلا بالنبر، وهم أصحاب النبر، وأهل الحجاز إذا اضطروا نبروا (١). وبلغ ولوع بعضهم إلى حد تحقيق ما أباح القياس تسهيله، فقد روى أبو زيد قول العرب (٢): غفر الله له خطائته، ومنه قول الشاعر: فإنك لا تدرى متى الموت جائىء ... إليك ولا ما يحدث الله في غد وهمزوا ما ليس بمهموز أصلا، كقولهم: معائش في معايش، ومنائر في مناير، ومصائب في مصاوب والخأتم والعألم، وقرأ ابن كثير: ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَأقَيْهَا﴾ (٣) بالهمز وأنشد الفراء: يا دار مى بدكا ديك البرق ... صبرا فقد هيجت شوق المشئق ويقولون: لبأت بالِحج، ورثأت زوجى، وحلأت السويق، واستلأمت الحجر. وقرأ عمرو بن عبيد: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ (٤) وقرأ أيوب السختيانى: ﴿وَلَا الضَّألِّينَ﴾ بالهمز ومنه: شأبة ودأبة، وابيأض وادهأم (٥). ويقولون في الوقت (٦)؛ هذه حبلأ في حبلى، ورأيت رجلأ في "رجلاً". وعلى النقيض من ذلك: نظر قوم منا لعرب إلى الثقل الذى يصَاحبُ إنتاج صوت الهمزة، من حيث كونها أدخل الحروف في الحلق، وفي إخراجها شدة وانفجار ونبر كريه يجرى مجرى التهوع (٧)، لذلك فروا من التحقيق إلى التسهيل، ومن هؤلاء قوم معتد بلغتهم، كقريش، وأكثر أهل الحجاز، ومنهم هذيل، وأهل المدينة، والأنصار، وغاضرة، وكنانة بن بكر (٨). وقد روى أبو زيد أن أهل الحجاز، وهذيل وأهل مكة، والمدينة لا ينبرون (٩)، وروى عن على ﵁ أنه قال: "نزل القرآن بلسان قريش وليسوا بأصحاب نبر، ولولا أن جبريل ﵇ نزل بالهمز على النبى ﷺ ما همزنا" (١٠) وروى في الحديث أن رجلا قال للنبي ﷺ : يا نبىء الله فقال: "لا تنبر باسمى" أى لا تهمز. وفي رواية: "إنا معشر قريش لا نبر" (١١). وقد اعتدت اللغة المثالية بهذا التسهيل، وأخذت به كصفة مستحسنة تفرعت عن التحقيق الذى آثرته قبلا، وتنزل ببعض مظاهرها القرآن الكريم، وتصرف العرب في الهمز بقصد التسهيل والتيسر، بطرق مختلفة، منها الحذف، والتسهيل، والإبدال، يقول سيبويه (١٢) اعلم أن الهمز إنما فعل بها هذا من لم يخففها؛ لأنه بَعُدَ مخرجُها، ولأنها نبرة في الصدر تخرج باجتهاد، وهى أبعد الحروف مخرجا، فثقل عليهم ذلك. لأنه كالتهوع. وقال (١٣): اعلم أن الهمزة تكون فيها ثلاثة أشياء: التحقيق والتخفيف والبدل، فالتحقيق قولك: قرأت، ورأس، وسأل، ولؤم، وبئس، وأشباه ذلك، وأما التخفيف فتصير الهمزة فيه بين بين، وتبدل وتحذف.

стр. 32

وقد فصل علماء العربية أنواع التسهيل هذه على النحو الآتى، مختصرا. (١) إذا سكنت الهمزة وأريد تسهيلها، فإن فتح ما قبلها: صارت ألفا، وإن ضم ما قبلها: صارت واوا، وإن كسر ما قبلها: صارت ياء، نحو راس في رأس، وقرات في قرأت، وجُونة في جؤنة، وسُوتُ في سؤت وذيب في ذئب، وجيت في جئت، وقد قعدوا هذا وجعلوه قياسا مطردا في أمثاله (١). (٢) إذا تحركت الهمزة، فإن سكن ما قبلها صحيحا: ألقيت حركتها على ما قبلها، وحذفت، كمسلة في مسألة، والمرة في المرأة. وإن كان ما قبلها ياء أو واو مد زائدتين: قلبت إليهما، وأدغم أحد الحرفين في الآخر، كخطية في خطيئة، ومقروة في مقروءة، والنبى في النبىء. وتجرى ذلك على ياء التصغير كأفيِّس في أفيئس (٢). وإذا تحركت، وتحرك ما قبلها،. وأريد تخفيفها، فحكمها أن تجعل بين بين، أى: بين مخرج الهمزة، وبين مخرج الحرف الذى منه حركة الهمزة، وفي هذا إضعاف لنبرة الهمز الثقيل، وبقية منه تدل عليه. فإن كانت مفتوحة، وفتح ما قبلها: جعلت بين الهمزة والألف، كسال في سأل وقرا في قرأ، فإن ضم ما قبلها: فإنها تفسير بين الهمزة والواو، كجون في جؤن. وإن كسر ما قبلها: صارت بين الهمز والياء كبير في بئر. وإن كانت مكسورة وقبلها متحرك، وأريد تخفيفها: جعلت بين بين، سواء كانت الحركة فتحة أو ضمة أو كسرة، مثل: سَيِمَ في سَئِمَ، وسُيِل في سُئِلَ. وإذا كانت مضمومة، وتحرك ما قبلها بالفتح، أو الكسر، أو الضم: تجعل كذلك بين بين، فتقرب من الواو الساكنة كلُوم في لُؤْم، ورُوس في رُوُوس، ويستهزون في يستهزئون (٣). وهذا مذهب سيبويه. وكأن الأخفش يقلب الهمزة المكسورة، المكسور ما قبلها ياء خالصة. وبعض العرب يبدلون همزة بين بين إلى حروف بين خالصة، سواء كانت الفا، أو ياء، أو واوا، كسال، وروس، ومستهزين، وليس هذا بقياس مطرد عند سيبويه (٤). عود إلى ظاهرة الهمز والتسهيل في النظم المستعذب. اهتم بن بطال الركبي بالفصل بين المهموز وغير المهموز من الأفعال، فنبه إلى ما يهمز وما لا يهمز وما يجوز فيه الهمز وغيره، وما لا يجوز تسهيله إلا في لغة العامة، ومن ذلك: في حديث ابن عمر ﵄: أن النبى ﷺ قال: "إذا صلى أحدكم، فليلبس ثوبيه فإن الله تعالى أحق من يزين له، فمن لم يكن له ثوبان فليتزر إذا صلى ولا يشتمل اشتمال اليهود" (٥). يقول الركبي: قوله "فليتزر" صوابه: فليأتزر بالهمز ولا يجوز التشديد؛ لأن الهمزة لا تدغم في التاء، وقولهم "اتزر" عامى، والفصحاء على ائتزر، وقد لحنوا من قرأ ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ بالتشديد (٧٢).

стр. 33

وفي قول الشيرازى (*): "ويرقى على الصفا والمروة" يقول ابن بطال: يقال: رقى بكسر القاف، وبالياء في الماضى يرقى بفتحها والألف في المستقبل رَقْيًا ورُقِيًّا: إذا صعد، وارتقى: مثله، ولا يقال: رَقَى بفتح القاف إلا من الرُّقْيَةِ، فإنه يقال رَقَى يَرْقَى رُقْيَةً. ورقأ الدم يرقأ بالهمز: إذا انقطع (٢٠٧). وفي قول الشيرازى (/): "يوم التروية" يقول: فيه تأويلان، أحدهما: أنه مأخوذ من الروية، وهى: التفكر في الأمر، يقال: رَوَّيْتُ في الأمر: إذا فكرت فيه ونظرت، يهمز ولا يهمز. والثانى: أنه مأخوذ من رَوَّيْتُ أصحابى: إذا أتيتهم بالماء، وأصله من الرِّىَّ الذى هو ضد العطش (٢٠٧، ٢٠٨). وفي قول الشيرازى (١): "ملك ضعيف لا يحتمل المواساة" هى مفاعلة من الآسى، وهو: الطيب، كأنها في النفع بمنزلة الدواء في النفع مع العلة. وقال الجوهرى: آسيته بمالى، أى: جعلته إسوتى فيه، وواسيته: لغة ضعيفة فيه (١٣٩). وفي قول الشيرازى (٢): "وأومأ في السجود" يقول الركبي (٣): يقال: أومأ برأسه بالهمز وأشار بيده، وأومأت إليه: أشرت. ولا يقال: أوميت. وومأت إليه ومأ: لغة، قال: فقلت السلام فاتقت من أميرها ... فما كان إلا ومؤها بالحواجب وفي قوله: "الوضوء" يقول الركبي: وتوضأت للصلاة بالماء، بالهمز ولا تقل: توضيت، وبعضهم يقوله (٩). وفي قوله (٤): "فإذا طرأ" يقول: مهموز، أى: حدث، وأصله: الطرىء: ضد العتيق (٢٦٨). وظاهر أن ابن بطال متابع إلى أصحاب التنقية اللغوية، ولا يميل إلى استعمال ما هو عامى في مذهبهم، فما ذكره في اتزر: ذكره ابن السكيت في إصلاح المنطق (٥) والزمخشرى في الفائق (٦) وابن الأثير في النهاية (٧) وأنكره الخطابى (٨) في قولهم "اتَّجَرَ" و "اتُّمِنَ" وكذلك أنكره المطرزى في المغرب (٩). غير أنه أجاز "إيتزر" بالياء، ومن الإزار، وبهذا يصح إدغامها في فاء افتعل، كما لو كانت أصلا، كذا ذكر الفيومى (١٠)، ونص الصغانى (١١) على أنه يجوز أن تقول: اتزر بالمئزر أيضًا فيمن أدغم الهمزة في التاء، كما يقال: اتَّمَنْتُهُ، والأصل: أئتمنته والجوهري الذى سبق أنه من الذين لا يجيزون غير الصحيح، يقول: أزَّرته تأزيرًا فتأزر، واتَّزر إزرة حسنة (١٢)، فثبت بهذا صحة هذه اللغة، وإن كانت على غير الأفصح. وما ذكره في "أومأ" نبه إليه ابن السكيت (١٣)، ولكن ابن قتيبة وضعه في باب ما يهمز أوسطه من الأفعال ولا يهمز بمعنى واحد، وعبارته: أومأت إلى فلان وأوميت (١٤)، وأنشد الأخفش لذى الرمة: إذا قلَّ مالُ المرءِ قل صديقُهُ ... وَأوْمَتْ إليه بالعيوب الأصَابعُ إنما أراد: أومأت، فاحتاج فخفف تخفيف إبدال، ولم يجعلها بين بين، إذ لو فعل ذلك لانكسر البيت؛

стр. 34

لأن المخففة تخفيفا بين بين في حكم المحققة (١). وقال المطرزى: العرب تقول: أومى برأسه، أى: قال لا، يعنى بترك الهمز. فثبت صمحه ما منعه الركبي. ونبه إلى أن "طرأ" مهموز، وذلك، لجريان لفظ "الطريان" على ألسنة الفقهاء، وقد ورد كثيرا في الوجيز (٢) للغزالى، كقوله: "طريان ما يغير مقدار الدية" (٣) وقد أجازه النسفى في طلبة الطلبة (٤)، على سبيل تليين الهمزة للتخفيف، ولا وجه لتسهيل الهمزة المفتوحة في مثل الطرآن، وقد خطأ المطرزى هذا التسهيل في قوله: "وأما الطريان فخطأ أصلا" (٥). ونراه يتابع الجوهرى في إنكار قولهم "توضيت" وهذا على أن اللغة الفصحى: توضأت، وقد تابع الجوهرى (٦) اللغويين المتشددين في تنقية العربية، كابن السكيت (٧) وابن قتيبة (٨)، وقد وضعا هذا القول في جملة كلام العوام ونصوا على أن الأفصح توضأت بالهمز. وفي الكتاب الذى وضعه ابن برى في غلط الضعفاء من الفقهاء (٩) قولهم: توضيت. وهذا صريح في أن التسهيل خطأ من العوام، غير أن متابعة الهمزة في هذا الموضوع، أى: كونها مفتوحة: ما قبلها مفتوح، فضلا عن تطرفها، ووجود نظائر لها وقع فيها التسهيل، كل هذا يبيح تسهيلها وابن السكيت الذى أنكر مثل هذا التسهيل إباحة في مثل أرجأ، فقال: تقول: هذا رجل مرجىء وهم الرجئة وإن شئت قلت: مرج، وهم المرجية؛ لأنه يقال: أرجأت الأمر وأرجيته: إذا أخرته (١٠). وابن قتيبة يقر أرجيت، حيث وضع تسهيلها مع تحقيقها على قدم المساواة في أداء المعنى، فقال في باب ما يهمز أوسطه من الأفعال (١١)، ولا يهمز بمعنى واحد: أرجأت الأمر وأرجيته. وذكر فيه: تأممت وتيممت وابن برى يعترف بأنه يجوز أن يقال: استبريت الجارية، على لغة ضعيفة (١٢) ويقر أيضًا. بأنه: ليس أحد يقول بَدِيت بمعنى بدأت إلا الأنصار، والناس كلهم بَدَيْت وبدأت. وعليه قول شاعرهم ابن رواحة: باسم الِإله وبه بدينا ... ولو عبدنا غيره شقينا (١٣) والفيومى يجعل التسهيل في مثل هذا قياسا، فيقول: إن تسهيل همزة الطرف في الفعل المزيد، وتسهيل الهمزة الساكنة قياس، فيقال: أرجأت الأمر وأرجيته، وأنسأت وأنسيت، وأخطأت وأخطيت، وتوضأت وتوضيت، وهو كثير فالفقهاء جرى على ألسنتهم التخفيف (١٤). وعن أبي زيد، قال: وقال أبو عمر الهذلي: قد توضيت، فلم يهمز وحولها ياء (١٥). وكل هذا يدل على جواز التسهيل فما منع ابن بطال الفقهاء منه، كما يؤكد ما ذهبنا إليه من أنه كان يتابع المتشددين في تنقية اللغة العربية.

стр. 35

تركب اللغات: وكما اهتم بن بطال بأبواب الأفعال عرض إلى ما تداخلت أبوابه، فنبه إلى ما ورد منها في ألفاظ المهذب، ومنه في حديث ميمونة ﵂: "أجنبت فاغتسلت من جفنة ففضلت فيها فضلة" (١) يقول الركبي: فضل الشيء بالكسر يفضل بالفتح، وفضل الشيء بالفتح يفضل بالضم، وفضل بالكسر يفضل بالضم ثلاث لغات، والثالثة: قليلة عزيزة، ولها نظائر من الصحيح والمعتل مع قلتها (٤٣) وانظر ١٥٧. وفي دعاء الاستسقاء (٢): "اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين" يقول: قَنَطَ يَقْنِطُ، وَقَنَطَ يَقْنُطُ قُنُوطاً فهو قانط، وفيه لغة ثالثة: قَنِطَ يَقْنِطُ قَنَطَا. وَقَنِطَ يَقْنِطُ، بالكسر فيهما، عن الأخفش (١٢١). وفي قوله الشيرازي (٣): لأن الفقراء أهل رشد لا يولى عليهم. يقول الركبي: يقال: رشد بالفتح يرشد بالضم، ورشد بالكسر يرشد بالفتح، لغة فيه (١٥٩). الأفعال المتعدية اللازمة: ونبه ابن بطال إلى الأفعال المتعدية اللازمة، ومنه في قوله الشيرازي (٤): "ويدخل إصبعه في فيه ويسوك أسنانه، ولا يفغر فاه" يقول: فغر فاه يفغره، وفغر فوه، أى: انفتح، وفغر فاه، يتعدى ولا يتعدى (١٢٦) وفي قوله الشيرازي (٥): "فيلحقهم وهن" يقول: قد وهن الإِنسان ووهنه غيره، يتعدى ولا يتعدى (٢١٥). وفي الحديث: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه" (٦) يقول: مقل يمقل: إذا غاص في الماء، وقد مقلته: لازم ومتعد (١٤، ١٥). الفروق في استخدام لغات الأفعال: ومما عنى به الركبي: ذكر الفروق المعنوية المترتبة على اختلاف لغات الأفْعَال، ومنه قوله: نفست المرأة: إذا حاضت، بفتح النون، أى: سال دمها، فهى نافس، ونفست -بضم النون، فهى نفساء، على ما لم يسم فاعله: إذا ولدت (١٣، ٤٧)، وقوله: فرَّطَ بالتشديد: إذا قصر، وفرط بالتخفيف: إذا تقدم وأفرط: إذا جاوز الحد (٥٥، ١٥٨) وقوله: قنع بالفتح يقنع بالكسر قنوعا: إذا سأل، ويقال من القناعة: قنع بالكسر يقنع بالفتح (٢١٨) رقوله: حللت من الإِحرام (٢١٣) وحل الدين يحل بالكسر حلولا، وحل بالمكان يحل بالضم حلا وحلولا ومحلا (٢٦٣) وقوله: هوى بالكسر يهوى هوى، أى: أحب، وهوى بالفتح يهوى هويا، أى: سقط إلى أسفل (٢٧٤). وقوله: غبنته في البيع بالفتح، أى: خدعته وقد غبن فهو مغبون؛ وغبن رأيه بالكسر: إذا نقص، فهو غبين، أي: ضعيف الرأى (٢٧٦) وقوله: وَهَمْتُ في الشيء بالفتح أهِمُ وَهْمًا: إذا ذهب وهمك إليه وأنت تريد غيره؛ ووَهِمْتَ بالكسر في الحساب أوْهَمُ وَهْماً: إذا غلطت فيه وسهوت (٥٩).

стр. 36

استخدام تصريفات الأفعال لإيضاح معانى الأسماء: ومن ذلك قوله: الإحليل: مجرى البول من الذكر، ويكون أيضًا مخرج اللبن من ضرع الناقة وغيرها، مأخوذ من تحلل: إذا جرى (٣٤) وقوله: السباطة: الكناسة التى تطرح كل يوم بأفنية البيوت فتكثر، من سبط عليه العطاء: إذا تابعه (٣٧) وقوله: الاستنجاء: مأخوذ من نجوت الشجرة وانتجيتها واستنجيتها: إذا قطعتها (٤٠) وقوله: التلفيق: مأخوذ من لَفَقْتُ الثَّوْبَ ألْفِقُهُ لَفْقًا (٤٦). ذكر الفعل ومطاوعه: ومنه قوله: جذمت الحبل فانجذم، أى: قطعته فانقطع (٦١) وقوله: "جفا السرج عن ظهر الفرس وأجفيته أنا: إذا رفعته عنه وجافاه عنى فتجافى (٦٧) وقوله: ودفعت الرجل فاندفع، مثل درأته فاندرأ (١٦٠) وقوله: زرقه بالرمح فانزرق فيه الرمح: إذا نفذ فيه ودخل (١٧٣). ذكر أفعال تحمل على لغة العامة: ومنه في الحديث: "حتى لتوشك الظعينة أن تخرج منها بغير جوار حتى تطوف بالكعبة" يقول: توشك بالكسر أى: تسرع، يقال: أوشك فلان يوشك إيشاكا. . . والعامة تقول: يوشَك بفتح الشين، وهى لغة رديئة (١٨٣، ١٨٤). وقوله: وقولهم "اتَّزَر" عامى، والفصحاء على "ائْتَزَرَ" (٧٢) وقد سبق التعليق عليه. ذكر نوادر الأفعال فيما يقال وما لا يقال: في قول الشيرازي (١): كما لو غسل يده ثم كشط جلده. يقول ابن بطال: كشط جلده، أى: نزعه، يقال: كشطت البعير كشطا: نزعت جلده، ولا يقال: سلخت (٢٨، ١٩٦). وفي قول الشيرازي (٢): فإن صلى مقبرة تكرر فيها النبش لم تصح صلاته. يقول: هو إثارة التراب وإخراج الموتى. يستعمل ذلك في إخراج الموتى ولا يستعمل في غيره، ولا يقال: نبشت الماء ولا نبشت البئر، بل يقال: حفرت (٦٨). وقوله: النضخ -بالخاء المعجمة- أكبر من النضح، ولا يقال منه فَعَل ولا يَفْعَلُ، قال أبو زيد: يقال منه: فَعَلَ يَفْعَلُ (٤١). وفي قول الشيرازي (٣): ويستحب أن يستلم الحجر. يقول: استلم الحجر: لمسة إما بالقبلة أو باليد، ولا يهمز لأنه مأخوذ من السلام، وهو الحجر، كما يقال: استنوق الجمل. وقيل: إنه مأخوذ من السلام بمعنى التحية (٢٠٤). وقوله: خلُق -بضم اللام- يقال خلُق الثوب يخلُق، وغيره: إذا صار خلقا، أى: بالياء، بضم اللام، مثل ظرف يظرف، ولا يقال بكسرها (٣٢).

стр. 37

وقوله: يقال: نما المال ينمى، وينمو: لغة ضعيفة (١٤١) وفي موطن آخر: "وربما قالوا ينمو (٢٦٤). وقوله: يقال: هنأنى الطعام ومرأنى، فإذا لم يذكر هنأنى، قلت: أمرأنى، ولا يقال: مرينى (١٢٠). تنبيه الفقهاء إلى أنواع الأخطاء: والركبي ينبه الفقهاء إلى أخطاء لغوية مختلفة، فإلى ما ذكره في باب الهمز والتسهيل، نراه يهتم بما يقع فيه التصحيف، فيقول في قول الشيرازي: ويجوز الدباغ بكل ما ينشف فضول الجلد، كالشب والقرظ: قال بعضهم: الشب بالباء بنقطة واحدة من تحت، وليس بشىء، وهو الذى يستعمله الأساكفة والصباغون قال الأزهري: السماع فيه بالباء، وقد صحفه بعضهم، فقال: الشث، والشث: شجر مر الطعم، لا أدرى أيدبغ به أم لا. (١٧، ١٨). وفي الحديث: أن قدح النبى ﷺ انكسر (مكان الشفة سلسلة من فضة (١). يقول الركبي: قوله: "مكان الشفة" ذكر القلعى أنه "مكان الشعب" وهو الشق و "الشفة" خطأ. ولم نسمعه إلا "الشفة" وليس بخطأ، إنما أراد الموضع الذى يضع عليه شفته حين يشرب، وهو حرف الإناء. . . إلخ (٢٠). وفي قول الشيرازي: وإن كان مما يقصد منه الورق كالتوت. . . إلخ (٢) يقول الركبي: بتاءين معجمتين من فوق، شجر معروف يعلفه دود القز، وله حمل أحمر طيب يؤكل، ولا تقل "التوث" بالثاء المثلثة (٢٤٨). والذى ذهب إليه الأزهرى أنه الشب بالباء، وليس الشث بالثاء (٣)، متابعة للإمام الشافعى، حيث قال (٤) الدباغ: بكل ما دبغت به العرب من قرظ وشب، يعنى بالباء الموحدة. ذكر نقيضه المطرزى: فقال (٥) قولهم: "يدبغ بالشب" بالباء الموحدة تصحيف؛ لأنه صباغ، والصباغ لا يدبغ به، لكنهم صحفوه من الشَّثَّ بالثاء المثلثة، وهو شجر مثل التفاح الصغار ورقه كورق الخلاف يدبغ به. ويؤكد مذهب المطرزى قول الفارابى (٦): والشت: ضرب من شجر الجبال يدبغ به. وقال في الشب (٧): حجارة منها الزاج وأشباهه. وتابعه الجوهرى (٨) في الشث، فقال: ثبت طيب مر يدبغ به. وقال ابن الأثير (٩): في الحديث "أليس في الشث والقرظ ما يطهره" يعنى جلد الشاة الميتة: الشث والقرظ: نبتان يدبغ بهما، هكذا يروى هذا الحديث بالثاء المثلثة، وكذا يتداوله الفقهاء في كتبهم وألفاظهم. ومن ثم فإن قول الأزهرى ليس بالقول الفصل، ولذا قال الفيومى (١٠): فحصل من مجموع ذلك أنه يدبغ بكل واحد منهما لثبوت النقل به، والإثبات مقدم على النفى. والذى ذكره الركبي في حديث انكسار القدح، وأنه "مكان الشفة" ورد تخطئة القلعى، فيه نظر،

стр. 38

لأن الحديث روى في مشكل الآثار (١١) "الشعب" وكذا في النهاية (١٢)، وخطأ النووى (١٣) "الشفة" والرواية في بعض نُسخ المهذب "الشعب" كما هو مذكور في النسخة التى بين أيدينا، وعليه فإن في قول الركبي نظر كثير. أما قوله: ولا تقل التوث بالثاء المثلثة، فقد جاء هذا نقلا عن الجوهري جماعة منعوا منه ومنهم ابن السكيت (١٤) وثعلب (١٥). وذكر ابن قتيبة (١٦) قول الأصمعى: الفُرسُ تقول: توث والعرب تفول توت. وذكر أبو حنيفة الدينوري أنه بالثاء، وحكى عن بعض النحويين أنه بالتاء، قال أبو حنيفة: ولم يسمع في الشعر إلا بالثاء، وأنشد لمحبوب النهشلى (١٧): لروضة من رياض الحزن أو طرف ... من القرية حزن غير محروث أحلى وأشهى لعينى إن مررت به ... من كرخ بغداد ذى الرمان والتوث فدل ذلك على أن التوث بالمثلثة لغة، والمنع منها من قبيل التشدد. ومنها في التخفيف والتشديد: في الحديث: أن رسول الله ﷺ خرج معتمرا، فحالت قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه، وحلق رأسه بالحديبية" يقول: الحديبية: مخففة لا تشدد إلا في لغة رديئة. والجعرانة: مخففة، قال الربيع: سمعت الشافعى يقول: الحديبية: بالتخفيف. وقال ابن عبد الحكم: قال الشافعى: لا تقل: الجِعرّانة ولكن قل الجعرانة بالتخفيف (٢٠٢) ومنها في التصريف: وفي الحديث: "أتى بفرس معرور" يقول: أى: عرى، ليس عليه سرج، قال أهل اللغة، يقال: فرس عرى، وخيل أعراء، ولا يقال: فرس معرور. وإنما المعرورى: الذى يركب الفرس عريا، يقال: اعرورى الفرس: إذا ركبه عريا. (١٣٣). وفي قوله الشيرازي: "الخضروات" يقول: قال مجاهد: أراد التفاح والكمثرى، وما أشبهها، والعرب تقول للبقول: الخضراء. ومنه الحديث: "إياكم وخضراء الدمن، وهو اسم للبقول، وليس بصفة، فلذلك جمع بالألف والتاء، كالمسلمات، ولو كان صفة لجمع جميع الصفات على خضر وصفر (١٤٩). لغات الأسماء: عنى ابن بطال بذكر اللغات الممكنة في الأسماء والتى أقرها أئمة اللغة، فنص على ما فيه لغتان، وما يحتمل ثلاث لغات،: ما يقال بأربع لغات، وما يقال خمس لغات إلى ما ذكر اللغويون فيه ست لغات. يهدف من ذلك التوسعة على الفقهاء في مجال التعبير اللغوى، ودفع كثير مما نسب إليهم من أخطاء لغوية صادرة في الغالب عمن يعتنق مذهب التنقية والتشدد اللغوى.

стр. 39

فمما ذكر فيه لغتين: قوله: جَدَاد وجِدَاد وهو قطع الثمرة وصرامها (١٥٢) وقوله: جُدرى، وهو نفط منتفخ يحدث في الجسد يزيده ألما، يقال بضم الجيم وفتحها (٤٤) وقوله: جَص وجص بالفتح والكسر (١٣٥، ١٣٦) وقوله: جِهَاز السفر يفتح ويكرس (١٨٥) وقوله: حَج وحِج، بالفتح والكسر (١٨١) وقوله: حَصاد وحِصاد، بالفتح والكسر، وقد قرىء بهما معا (١٥٢) وقوله: والرُّفْعَة: الجماعة ترافقهم في سفرك، والرِّفعة بالكسر: مثله (١٨٨). وقوله: القِطْنِيَّة بكسر القاف وإسكان الطاء .. وحكى الهروى فيه لغة ثانية: الْقَطْنية، بفتح القاف وسكون الطاء (١٥٢) وقوله: المِرْفق: مفصل ما بين العضد والساعد، يقال فيه: مَرْفِق بفتح الميم وكسر الفاء؛ ومِرْفَق بكسر الميم وفتح الفاء: لغتان جيدتان (٢٨) وقوله: والْمَشَعْرُ الحرام: أحد المشاعر، وكسر الميم فيه لغة (٢١٥) وقوله: المكث بالضم: الاسم من المكث، قال الجوهرى، الاسم: المُكث والمِكث: بضم الميم وكسرها (١٦) وقوله: يَسَار ويسار بالفتح والكسر، والفتح أفضح (١٠٢). وقوله: الحرج: الضيق، يقال: مكان حَرَجٌ وحَرِجٌ (٢١١) وقوله عن ابن السكيت: شَعَر رَجَل ورَجلٌ: إذا لم يكن شديد الجعودة (١٧٩) وقوله: رُسُغ وَرُسْغٌ مثل عُسُر وعُسْر، بالضم والإسكان، والسين والصاد (٧٦) وقوله: الزئبر: بكسر الزاى والباء، والهمزة: هو ما يعلو الثوب الجديد من الزغب، وما يعلو الخز، قال يعقوب: وقد قيل: زِئْبرُ، بِضم الباء (٥٠) وقوله: شعائر الحج، قال الأصمعى: الواحدة شعيرة، وقال بعضهم: شعارة (٢١٥) وقوله: يقال (في الطحلب) طُحْلُبٌ وطُحْلَبٌ، كجندب وجندب (١٢) وقوله: اللبن: جمع لبنة، مثل كلمة وكلم، ويجوز لَبْنَةٍ وَلِبْن، بالإسكان، مثل لبدة ولبد، قاله ابن السكيت (٢٧٠) وقوله: المقبرة: فيها لغتان فصيحتان: فتح الباء وضمها، وفتح الميم لا غير، ولا يقال: مقبرة، بكسر الباء (٦٦، ٦٧) وقوله: الْهَدْىُ والهَدِىُّ: ما يهدى إلى الحرم من النعم .. وقرىء ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ بالتخفيف والتشديد، الواحدة: هَدْيَةٌ (٢١٥) وقوله: الْوَحَلُ بفتح الحاء وسكونها: لغتان (٩٨) وقوله: يقال: جمل مقصوُّ وَمَقْصِىُّ (٢١٠). وكل ما سبق تابع فيه الجوهرى، الفارابى، وابن قتيبة، وابن السكيت، والصحاح، وديوان الأدب، وأدب الكاتب، وإصلاح المنطق. وقد نصت المعجمات على اللغتين فيما ذكر، غير أنه لم يراع الدقة في ترتيب اللغات حسب تقديم الأفصح منها، ثم الذى يليه، بالترتيب الذى دونه المحققون من اللغويين، فعلى سبيل المثال، نراه يقدم في الذكر لغة فتح الميم وكسر الفاء، ويؤخر لغة كسر الميم وفتح الفاء. والعكس هو المختار عند المحققين، فقد اقتصر الأصمعى. ومعه البصريون، ويونس بن حبيب وأبو عبيدة (١) على كسر الميم وفتح الفاء في مرفق اليد، وهذا يعنى أولا انكسارهم للغة الثانية. ثم حمل ابن السكيت، وابن قتيته (٢) اللغة الثانية على لغة العوام. غير أن الفراء صرح بأن أكثر العرب على كسر الميم من الأمر، ومن الإنسان وقال: والعرب أيضًا تفتح الميم من مرفق الإنسان، لغتان (٣). وذكر ابن دريد أنها لغة الكوفين، وهى قليلة (٤). ولذا جمع اللغويون بين اللغتين على الترتيب مقدمين لغة كسر الميم وفتح الفاء (٥). وعلى هذا، فإن الركبي لم يكن يهتم بغير جمع اللغات فقط غير مراع لترتيبها. وعلى ذلك قياس ما ذكر فيه لغتين.

стр. 40

ومما ذكر فيه ثلاث لغات: - قوله: في بغات الطير: هى شرارها، يقال فيه: بِغَاثٌ، وَبُغَاثٌ، وَبَغَاثٌ: ثلاث لغات (٢٧٠). وقوله: بغداد. فيها ثلاث لغات: بغداد- بداليين مهملتين؛ وبغدان- بدال مهملة ونون؛ وبغداذ بدال وذال (١١٥). وقوله: في قوله تعالى ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢)﴾ [الفرقان: ٢٢] قرى بالضم والفتح والكسر، والحجر: الحرام، وفيه ثلاث لغات (٢٦٩) وقوله، في الخفارة: الاسم: الخفرة، بالضم، وكذلك الخُفَارَةُ بالضم، والخفارة بالكسر (١٨٢). وقوله: فعلت الشىء على رغم أنفه، أى: ألصقته بالتراب. وفيه ثلاث لغات: رَغْم، ورِغْم، ورُغم (٩٥). وقوله: في الزبيل: هو الزنبيل، معروف، وفيه لغات: زِنْبِيل بالكسر والنون؛ وزِبِّيل، بالتشديد، وكسر الزاى بغير نون؛ وزَبيل، بفتحها والتخفيف (٢٥٨). وقوله: السقط: الولد يولد قبل تمامه، وفيه ثلاث لغات: سقط بضم السين، وفتحها، وكسرها (١٣١). وقوله: السقيم المريض، والسُّقَام والسُّقْمُ والسَّقَمُ: المرض، وهما لغتان، مثل حزن وحزن (٩٩). وقوله: الشام. .. فيه ثلاث لغات: شآم- بالهمز والفتح والمد؛ وشأم- بالهمز والسكون. وَشَامٌ- بترك الهمز (١٨٧). وقوله في قصاص الشعر، فيه ثلاث لغات: قُصَاصٌ، وَقَصَاصٌ؛ وَقِصَاصٌ، والضم أعلى (٨٢). تعليق على بعض ما ذكر: بعد عرض هذه اللغات على مصادر اللغة ظهر أن الركبي متابع في تسجيل هذه اللغات للجوهرى، والفارابى، وابن السكيت، وابن قتيبة؛ وأنه يهتم أولا بجمع اللغات، ولا يعنيه ترتيبها، وأن متابعته لهؤلاء اللغويين وضعه في زمرة أصحاب التنقية اللغوية، ولذا نراه يقتصر على ما أجمع عليه اللغويون من لغات. وثمة اختلاف بين اللغويين، في ترتيب ما يحتمل ثلاث لغات، فعلى سبيل المثال لفظ "السقط" يضعه ابن السكيت فيما ورد على فَعْل وفُعْل وفِعْل، ثم يقول: وهو سُقْط الرمل، وسَقْط، وسِقْط. وكذلك: سِقْط النار والولد. كذا الضبط بالشكل. وقد لاحظت أنه جمع الفتح والضم والكسر في فاء فعل، كعنوان، ثم ذكر ما ورد من أمثلة، تارة على ترتيب شكل العنوان، وتارة على غير ترتيب شكله، كما ذكر في السقط (١). ثم نرى ابن قتيبة يخالف هذا، فيقول (٢): يقولون للولد: سِقْط، رالأجود: سُقط (الأول: بكسر السين، والثانى: بضمها) ثم يجمع اللغتين في موطن آخر (٣)، فيما جاء بلغتين واستعمل الناس أضعفهما، سُقْط للولد، وسِقْط ثم يجمع ثلاث لغات فيه من غير ترتيب: سِقْط، وسُقْط، وسَقْط (كذا) (٤) للرمل. ولا أستطيع الجزم بأن الشكل المذكور من تصحيف المحققين؛ لعدم نص ابن السكيت وابن قتيبة
следующие страницы →