← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17116

التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

أبو حيان الأندلسي

Полный текст (3 950 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

وقوله ويتعين النصب في نحو: أنت مني فرسخين, بمعنى أنت من أشياعي ما سرنا فرسخين إنما تعين النصب على الظرف لأن قوله: "أنت مني" بمعنى: من أشياعي, مبتدأ وخبر, بخلاف قولك: أنت مني فرسخان, وأنت تريد: بعدك مني, فإن "مني" متعلق بذلك المقدر المحذوف, وليس في موضع خبر, وإنما الخبر "فرسخان", فمن رفع فالتقدير: بعد مكانك مني فرسخان, ومن نصب فعلى الظرف, وهو في موضع الخبر, وإذا كان "أنت مني" بمعنى: أنت من أشياعي, فيكون كقوله:﴾ فَمَن تَبِعَنِى فَإنَّهُ مِنّىِ ﴿, وينتصب فرسخين بالخبر الذي يتعلق به مني, أي أنت تابع من أتباعي في فرسخين, أي في سيرنا فرسخين. وظاهر كلام المصنف أن "فرسخين" منصوب بذلك الذي قدره, وهو: ما سرنا فرسخين, وليس بجيد لأن "ما سرنا" "ما" فيه مصدرية ظرفية, و "سرنا" صلة "ما", و "فرسخين" معمول لصلة "ما", ولا يجوز حذف الموصول والصلة وإبقاء معمولها. وقال س: "أنت مني فرسخين تقديره: أنت مني ما دمت تسير فرسخين". وهو شبيه بتقدير المصنف, إلا أن س جعل صلة "ما" "دام" الناقصة, وحذف "ما" و "دام" وخبرها, وأبقى/ معمول الخبر, فهو أبعد من تقدير المصنف. وقد رد أحمد بن يحي على س قوله, فقال: ليس على هذا الإضمار دليل, ولا يدعو إليه اضطرار, ولا ينبغي أن يطالب الإضمار إذا قام الكلام الظاهر بنفسه.

стр. 1087

والذي ينبغي أن يخرج عليه كلام س وتقديره إنما هو تفسير المعنى لا تفسير الإعراب؛ لأنه إذا كان تابعا من أتباعه في فرسخين دل على أنه لا يكون تابعه في أكثر منها, فهذا معنى قول س: "ما دمت تسير فرسخين", فإذا كان تفسير معنى بطل رد أحمد بن يحي. وفي البسيط: هو مني فرسخان, لا يجوز النصب لأنك تريد: بيني وبينه هذه المسافة, فلا عمل فيه إلا أن تريد معنى المصاحبة, أي: هو مصاحبي, كما قاله س. وقد قيل: إن منه: هو مني عدوة الفرس, ودعوة الرجل, وفوت اليد, ولذلك لم يكن فيه النصب. وأما قولهم: "أنت مني مرأى ومسمع" فرفعوه- وإن لم يكن فيه المعنى المذكور- لأنهم جعلوه كـ "قريب" لكثرة استعماله في هذا المعنى, وقد ينصب لعدمه. "وأما داري خلف دارك فرسخا" فكيف انتصب والمعنى: بين داري ودارك هذا القدر من خلفها, فهو متأول: أما س فجعل الخبر في خلف, ونصب فرسخا على التمييز لاستقلال الكلام, ولأنه مبين للمقدار الذي بينهما. ونصبه المبرد على الحال؛ لأنه لما قال: "داري خلف دارك" علم أنها تبعد عنه أو تقرب, فلو قال بعيدة أو قريبة لصح على الحال, فجعل فرسخا بمنزلة "بعيدة", ولو قال: "خطوة" لكان حالا كـ "قريبة". ورد تأويل س بأن التمييز مقدر بـ "من", ولا يصح هنا. ورد بأنه يلزم في قولك: "أفضلهم رجلا" أن يكون تمييزا لأنك لا تقول: "من رجل", فكما يقدر هنا: أفضلهم من الرجال؛ لأن الأول رجل, كذلك

стр. 1088

هنا معناه: قدر ما بين داري وداره فرسخ من الفراسح. وفيه نظر, والوجهان محتملان. وقد قيل: إن مراد س بالبيان الحال. ويجوز أن ترفع فرسخا, فتقول: داري خلف دارك فرسخ, إذا ألغيت خلف, ويقوى الإلغاء إذا قلت: من خلف دارك. وقال يونس: إن من لا تضعف الظروف- وإن جر بها- لأنها تدخل على غير المتمكنة كعندك, فلا تخرجها عن الظرفية, فكذلك في المتمكن. ورضيه س. -[ص: ونصب اليوم إن ذكر مع الجمعة ونحوها مما يتضمن عملا, خلافا للفراء وهشام, وفي الخلف مخبرا به عن الظهر رفع ونصب, وما أشبههما كذلك, فإن لم يتصرف كالفوق والتحت لزم نصبه.]- ش: تقول: اليوم الجمعة, برفع اليوم ونصبه. ويعني بقوله "ونحوها مما يقتضي عملا" مثل يوم السبت والعيد والفطر والنوروز والأضحى والمهرجان, فكل هذه تقتضي عملا لأن في الجمعة معنى الاجتماع, وفي السبت معنى القطع, وفي العيد معنى العود, وفي الفطر والأضحى معنى

стр. 1089

الإفطار والتضحية,/ وفي النوروز والمهرجان معنى السرور, فكل هذه يجوز في "اليوم" معها الرفع والنصب, فتقول: اليوم الجمعة, وكذلك باقيها. وذكر المصنف أن الرفع والنصب في اليوم مع هذه الأسماء جائز بلا خلاف, إلا أنه لم يذكر الأضحى والمهرجان, وذكر غيره أن ذلك يجوز في اليوم معها. وقوله لا إن ذكر مع الأحد ونحوه نحوه هو الاثنان والثلاثاء والأربعاء والخميس. وقوله: مما لا يقتضي عملا لأن الأحد بمنزلة الأول, والاثنين بمنزلة الثاني, والثلاثاء بمنزلة الثالث, والأربعاء بمنزلة الرابع, والخميس بمنزلة الخامس, فهذه لا يلحظ فيها معنى عمل, فلا يجوز فيها إلا الرفع لأن انتصابها إنما هو على معنى أنه كائن فيها شيء, ولا شيء كائن فيها, بخلاف "اليوم الجمعة" فإن في الجمعة معنى الاجتماع, وهو معنى تصلح كينونته في اليوم, فيكون اليوم ظرفا له. وقوله خلافا للفراء وهشام يعني أنهما أجازا الرفع والنصب في اليوم مع سائر أسماء الأيام, فإذا رفع اليوم جعل الذي بعده بعينه, وإذا نصب بني على الآن, ومعنى هذا أن الآن أعم من الأحد والاثنين, فتجعل الأحد والاثنين واقعا في الآن, كما تقول في هذا الوقت: هذا اليوم. قال المصنف في الشرح: "وقد قال س ما يقوى هذا؛ لأنه قد أجاز "اليوم يومك" بنصب اليوم بمعنى الآن, وقال: "لأن الرجل قد

стр. 1090

يقول: أنا اليوم أفعل ذلك, ولا يريد يوما بعينه". فهذا مما يقوي قول الفراء. وللمحتج لـ "س" أن يقول: إن قول القائل: اليوم يومك, بمعنى: اليوم شأنك وأمرك الذي تذكر به, فأجريا مجرى واقع وموقوع فيه, بخلاف: اليوم الأحد" انتهى كلامه. وتقضي قواعد البصريين في غير أسماء الأيام من أسماء الشهور ونحوها الرفع في نحو: الوقت الطيب المحرم, وأول السنة المحرم, واليوم يومك, على تقدير: هذا الوقت وقتك, ولا يجوز النصب في شيء من هذا. وقوله وفي الخلف مخبرا به عن الظهر رفع ونصب تقول: ظهرك خلفك, فمن نصب فعلى الظرف, ومن رفع فلأنه في المعنى الظهر, وهو ظرف متصرف. وقوله وما أشبهها كذلك أي: ما أشبه الخلف والظهر. ومعنى كذلك أي: في جواز الرفع والنصب, نحو: رجلاك أسفلك, أو نعلاك أسفلك, وقرئ:﴾ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ﴿برفع (أسفل) ونصبه. وقوله فإن لم يتصرف إلى آخره قال الأخفش: "العرب تقول: فوقك راسك, فينصبون الفوق لأنهم لم يستعملوه إلا ظرفا, والقياس أن يرفع لأنه هو الرأس, وهو جائز, غير أن العرب لم تقله. قال: وتقول: تحتك رجلاك, لا يختلفون في نصب التحت". وقال خطاب الماردي: إن أخبرت عن شيء من هذه الظروف بخبر

стр. 1091

رفعته بالابتداء, وكانت أسماء لا تتضمن شيئا كسائر الأسماء, فتقول: خلفك واسع, وأمامك ضيق, كما تقول: زيد قائم. وقال بعض النحويين: إنه يجوز هذا فيما كان في الجسد, كقولك: فوقك رأسك, وخلفك ظهرك, وتحتك رجلاك, فهذا كله/ مبتدأ وخبر, ويعنون بالخلف الظهر, وبالأمام الصدر, وبالفوق الرأس, وبالتحت الرجلين, والأكثر أن تكون ظروفا, في الجسد كانت أو غيره, وهذا قول الأخفش. وقيل: إن من قال: فوقك راسك لا يقول: فوقك قلنسوتك, وتحتك نعلك؛ لأن القلنسوة والنعل ليستا من الجسد. قال: وهذا قياس من النحويين, وأما كلام العرب فنصب في هذا كله من الجسد والقلنسوة. وقال غيره: وأما خلفك واسع فهو عربي جيد. انتهى. مسألة: أجاز يونس وهشام: زيد وحده, ومنعه الجمهور, أجراه يونس وهشام مجرى عنده, وتقديره: زيد موضع التفرد, وعلى هذا يجوز تقديمه, فيقال: وحده زيد, كما يقال: في داره زيد. وقال هشام قولا آخر, قال (زيد وحده" نصب بفعل مضمر, يخلف الفعل المضمر وحده, كما قيل: زيد إقبالا وإدبارا, والمعنى: يقبل إقبالا, ويدبر إدبارا, والتأويل عند هشام: زيد وحده. وقال هشام: حكي الأصمعي عن العرب وحد يحد. يذهب هشام إلى أن

стр. 1092

وَحْدَه خلف وحد كخلافة الإقبال والإدبار أقبل وأدبر. قال هشام: ومثل زيد وحده في مثل هذا المعنى: زيد أمره الأول, وسعد قصته الأولى, وحالة الأولى. يذهب هشام إلى خلافة هذا المنصوب الناصب كما خلف الوحد وحد, وكان يسمى هذا منصوبا على الخلاف. وقال: لا يجوز: وحده عبد الله, كما لا يجوز: إقبالا وإدبارا عبد الله, ولا يصلح قصته الأولى زيد, من قبل أن الفعل لا يضمر إلا بعد الاسم. وقال أحمد بن يحي: لا يضمر الفعل إلا بعد الاسم لأنه ثان للاسم, ترتيب الاسم أن يكون, ثم يفعل, فلم يضمر إلا في مكانه الأصلي السابق ليكون ذلك أقرب إلى الفهم وأبعد من اللبس. انتهى. ويعني بقوله: "ترتيب الاسم أن يكون, ثم يفعل" أن ترتيب الاسم في الابتداء أن تنطق به أولا, ثم تخبر عنه بقولك يفعل في نحو: زيد إقبالا وإدبارا, وما جرى مجراه, فلذلك لا يجوز تقديم المصدرين على المبتدأ لأن العامل فيهما المحذوف رتبته أن يكون بعد المبتدأ, فكما لا يجوز تقديم الفعل كذلك لا يجوز تقديم ما خلفه, وهو معموله. وحجة الجمهور أن "وحده" اسم جرى مجرى المصدر. قال س في: "مررت بعبد الله وحده": تأويله أفردت عبد الله بالمرور به, فالوحد صفة عبد الله, وتقديره: إفراده. وقال بعض النحويين: وحده مما نصب على الحال, وهو في لفظ

стр. 1093

التعريف, كما فعل ذلك في: رجع عوده على بدئه, وإذا كان اسما جرى مجرى المصدر أو مجرى الحال لم يصح أن يقع خبرا عن زيد. وقد رد على الجمهور بما نقل عن العرب من أنهم قالوا: "زيد وحده", فجعلوا وحده خبرا, وإذا جعلته العرب خبرا لم يصلح أن يقع حالا من حيث لم يجز: زيد قائما, ولا: عمرو جالسا, ونص العرب على قولهم: "زيد وحده" هو حجة هشام ويونس. مسألة: قال الكسائي: العرب تقول: القوم خمستهم وخمستهم,/ وكذلك عشرتهم وعشرتهم, من رفع الخمسة رفعها بالقوم, ومن نصبها ذهب بها مذهب وحدهم, ولم يقل وحده إلا بالنصب في هؤلاء الأمكنة. وقال س: "مررت بالقوم خمستهم وخمستهم, خمستهم تقديره كلهم, لم ادع منهم أحدا إلا مررت به, وخمستهم تقديره وحدهم, مررت بهم إفرادا أفردتهم بالمرور دون غيرهم" انتهى. وعلى ما قدره س لا يصلح أن يكون "خمستهم" خبرا, سواء أكان بمعنى كلهم أم بمعنى وحدهم على مذهب س في وحدهم, من جهة أنه لا يصح أن تقول: زيد وحده, وقد نقلوا أن العرب قالت: زيد وحده, والقوم خمستهم بالرفع والنصب, فوجب قبوله وإن خالف رأي س أو غيره. مسألة: لا يجوز "زيد دونك" بالرفع عند س, وأنت تريد المكان, وأجازة غيره, قاله ابن أصبغ.

стр. 1094

وقال الفراء: سواك ومكانك وبدلك ونحوك ودونك لا تجعل أسماء مرفوعة, فإذا قالوا قام سواك وبدلك ومكانك ونحوك ودونك نصبوا, ولم يرفعوا على اختيار, وربما رفعوا, قال أبو ثروان: أتاني سواؤك, فرفع سواءك. وقال الفراء أيضا: الرفع في سوى وبدل وغيرهما أقوى منه في دون لأن انفراد هذه الحروف أكثر من انفراد دون, فقد قالوا: هما سواء, وقد يفردون دون, فيقولون: هذا رجل دون, يريدون خسيسا, وإذا قصدوا هذا أعربوا دونا بوجوه الإعراب. وقال س: "أما دونك فلا ترفع أبدا لأنها مثل, وإن قيل: "هو دونك في السن والنسب"؛ لأن هذا مثل, كما أن قولهم: "هذا مكان هذا" في البدل ذكر مثلا". قال ابن الأنباري: يذهب س إلى أن كونه وصفا لم ينقله عن مذهب الظرف الذي يجب له فيه النصب, فعارضه أحمد بن يحيي بأنه لما جوز "زيد خلفك" وجب عليه أن يلزم دونك من جواز الرفع ما ألزمه خلفك. مسألة: لا يجوز: زيد مثل عمرو, بالنصب عند أحمد من البصريين, وأجازه الكوفيون, وذلك أن "مثلك" عندهم من القسم الثاني من القسمة التي قسموها المحال, وهو الذي يعرب في مواضع النعوت والأخبار

стр. 1095

بتعريب الأسماء، وينصب في كل حال، وإذا وقع موقع أسماء الفاعلين من الماس رفع، ولم ينصب. وهذا القسم هو عندهم هذه الأسماء: قرنك وسنك وشبهك ولدتك ومثلك، قالوا: يقال: عبد الله سنك وسنك، ومثلك ومثلك، وهذا رجل شبهك وشبهك، ومررت برجا مثلك ومثلك، فإذا قالوا قام مثلك، وجاءني سنك وشبهك ولدتك، رفعوا ولم ينصبوا. ولتجويزهم أن مثلك يكون محلًا أجازوا أن يقع صلة لموصول. ولا يجيز البصريون أن يكون مثلك محلًا، فإن نقل عن العرب "زيد مثلك" بالنصب، وكثر، وجب قبوله، وأما ما استدلوا به في صلة الموصول في تأوله البصريون. مسألة: الظرف المقتطع قبل وبعد لا يخبر به، ولا يوصف/ به، ولا يوصل به، ولا يكون حالًا، ولم يعتلوا لذلك إلا بضعفها حسب، وشبهها سيبويه والفارسي بالأصوات. قال ابن الدهان: والصحيح عندي أنهم لم يجمعوا عليها حذف العامل فيها ومعمولها وجعلها معتمدًا لفائدة، فأما قوله: فأضحت زهير في السنين التي خلت وما بعد لا يدعون إلا الأشائما فـ "ما: زائدة، وبعد منصوب الموضع عطفًا على موضع الجار والمجرور.

стр. 1096

وقوله تعالى ﴿ومِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ فليست ﴿مَا﴾ موصلة (ومن قبل) الخبر، وإنما ﴿مَا﴾ زائدة. فإن قيل: ما العامل في (من قبل)؟ فالجواب أن المعنى بالعامل هو الفعل هنا، وإنما حرف جر موصل له، فموضعها نصب. انتهى. وقد نص س على أن الظرف المتقطع عن الإضافة لا يقع خبرًا للمبتدأ، وقد هم الومخشري وغيره في تجويزه ذلك في قوله (ومن قبل ما فرطتم)، إذا جعل (ما) مصدرية في موضع المبتدأ، و (من قبل) خبر، أي: ومن قبل تفريطكم في يوسف، وقد رددناه عليه في "البحر المحيط" في التفسير من تأليفنا. ص: ويُغني عن خبر اسم عين باطراد مصدر يؤكده مكررًا أو محصورًا، وقد يرفع خبرًا، وقد يغني عن الخبر غير ما ذكر من مصدر أو مفعول به أو حال. وقد يكون للمبتدأ خبران فصاعدا بعطف وغير عطف، وليس من ذلك ما تعدد لفظًا دون معنى، ولا ما تعدد لتعدد صاحبة حقيقة أو حكمًا، وإن توالت مبتدآت أخبر عن آخرها مجعولًا هو وخبره متلوه، والمتلو مع ما بعده خبر متلوه إلى أن يخبر عن الأول بتاليه مع ما بعده، ويضاف غير الأول إلى ضمير متلوه، أو يجاء بعد خبر الآخر بروابط المبتدآت أول لآخر، وتال لمتلو.

стр. 1097

ش: مثاله مكررًا: زيد سيرًا سيرًا، ومثاله محصورًا: ما أنت إلا سيرًا، يسير سير سيرًا، فحذف الفعل، واستغنى عنه بمصدره، وجعل تكراره بدلًا من اللفظ بالفعل، فامتنع إظهاره لئلا يجتمع عوض ومعوض عنه، والحصر قام مقام التكرار في سببية التزام الإضمار. ومثل المصنف في الشرح المحصور بقوله: إنما أنت سيرًا، ومثله س ب"ما" و"إلا"، وسواء أكان في المصدر الألف واللام أو لم تكن نحو: ما أنت إلا الضرب الضرب، وما أنت إلا سير البريد سير البريد، وهذه مثل س. وتقول: م أنت إلا تسير سيرًا، فتظهر الفعل. فإن قلت: كيف الجمع بين هذا وبين قولك فيما تقدم إنه بدل من اللفظ بالفعل، فلا يظهر الفعل، وهنا قد ظهر؟ فالجواب أن الإخبار إذا كان عن شيء متصل بزمان الإخبار لم ينقطع فالفعل واجب الإضمار، وإذا أردت أنه سار، ثم انقطع السير، أو أخبرت أنه يسير في المستقبل، فإن الفعل يظهر، ذكر ذلك س. وقوله وقد يرفع خبرًا مثاله: زيد سير سير، وما أنت إلا شرب الإبل، تجعل الآخر هو الأول على سبيل المبالغة. وإذا أخبرت بالمصدر عن عين فثلاثة مذاهب: أحدها مذهب س أن ذلك على سبيل المبالغة، حيث جعلت الذات نفس المصدر مبالغة. ومذهب

стр. 1098

الكوفيين أنه محرف عن أصله، فإذا قلت زيد عدل فمعناه عادل. ومذهب أبي العباس أنه على حذف مضاف تقديره: ذو عدل. وقوله وقد يغني عن الخبر غير ما ذكر من مصدر مثاله: زيد سيرًا، أي يسير سيرًا، فأما قول بعض العرب: "إنما العامري عنته" أي: يتعمم عمته، فهذا من المصدر المحصور نظير: ما أنت إلا سيرًا، فهو من الكثير المقيس. وقوله أو مفعول به مثاله ما روى: "إنما العامري عمامته"، التقدير" يتعهد عمامته، وقوله تعالى (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ) و (فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ) التقدير: يقولون ما نعبدهم،: فيقال لهم أكفرتم. قال المصنف: "ومن ذلك ما رواه الكوفيون من قول العرب: حسبت أن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو إياها، أي: فإذا هو يساويها". ولا يجوز أن يكون إياها قد شذ وقوعه في موضع رفع كما شذ في موضع جر، كقول العرب: مررت بإياك، حكاه الفراء عنهم، ثم قال: وأنشد الكسائي"

стр. 1099

وأحسن، وأجمل في أسيرك إنه ضعيف، ولم يأسر كإياك آسر انتهى. وتقديره: فإذا هو يساويها، لما حذف الفعل انفصل الضمير. وهذا الذي ذكر أن الكوفيين رووه عن العرب هي المسألة التي جرت بين الكسائي والفراء، وبين سيبويه بحضرة هارون الرشيد، وقيل: بل حضرة يحي بن خالد البرمكي، وتسمى المسألة الزنبورية، واختلف النقل فيها: فقيل: أجازة س بقوله: فإذا هو إياها، وقال الكوفيون: فإذا هو هي، وقيل: أجازه س بقوله: فإذا هو هي، وقال الكوفيين: فإذا هو إياها. وكلا الجوابين له توجيه من العربية: فمن قال: "فإذا هو إياه" فـ "إياها" مفعول بفعل محذوف يدل عليه المعنى، فلما حذف الفعل انفصل الضمير. ومن قال: "فإذا هو هي" فليس المعنى أن الزنبور هو العقرب حقيقة، وإنما هو من باب زيد زهير، أي: فإذا هو مثلها في اللسع لا أشد لسعًا منها. وقد نظم هذا المعنى شيخنا الإمام العلامة رئيس الأدباء غير مدافع في عصره أبو الحسن حازم بن محمد بن حازم الأنصاري الأندلسي، أنشدنا لنفسه بمدينة تونس من قصيدة له في النحو قوله: والعرب قد تحذف الأخبار بعد "إذا" إذا عنوا فجأة الأمر الذي دهما

стр. 1100

فإن تلاها ضميران اكتسي بهما وجه الحقيقة من إشكاله غممًا لذاك أعيت على الإفهام مسألة أهدت إلى سيبويه الحتف والغمما وقد كانت العقرب العوجاء أحسبها أشد لسعة من لسعة الزنبور وقع حما وفي الجواب عليها هل "إذا هو هي" أو هل "إذا هو إياها" قد اختصما وغاط عمرًا علي في حكومته يا ليته لم يكن في مثلها حكمًا كغيظ عمرو عليًا في حكومته يا ليته لم يكن في مثلها حكمًا وفجع ابن زياد كل منتخب من آله إذا غدا منه يفيظ ذما كفجعة ابن زياد كل منتخب من آله إذا غدا منه يفيض دما وفي البسيط: فإذا هو هي. وقال الكسائي والكوفيون: فإذا هو إياها حجة البصريين أن "هو" مبتدأ، والخبر إما أن يكون "إذا" التي للمفاجأة لأنها مكان، فيلزم أن يكون الثاني حالًا، و"إياها" لا يكون حالًا. وأما أن يكون الخبر الضمير الثاني، و"إيا" من ضمائر النصب، فلا يكون خبرًا فتعين أن يكون ضمير رفع خبرًا للمبتدأ. واحتج الوفيون من وجهين: أحدهما: أن العرب شهدوا بذلك، وأقروا به. والثاني: أن "إذا" التي للمفاجأة يجوز أن يرتفع ما بعدها بالمبتدأ والخبر، وأن ينصب على إضمار وجد، وعلى ذلك جاءت الحكاية.

стр. 1101

وقال ثعلب: هو عماد، أي: وجدته إياها. وهو ضعيف لأنها لا بد لها من مفعولين، وليسا في الكلام، ولا يكون "هو" عمادًا- أعني فصلًا- لأن الفصل يكون بين اسمين، وليسا هنا. وقوله أو حال مثاله ما روى الأخفش من قول بعض العرب: زيد قائمًا، والأصل: زيد ثبت قائمًا، أو عرف قائمًا. وروى عن علي ﵁ أنه قرأ" () بالنصب. وما حكاه الأزهري من قول بعض العرب: حكمك مسمطًا، أي" حكمك لك مثبتًا، فـ "لك" خبر حذف، واستغنى عنه بالحال، وليس نظير: صربي زيدًا قائمًا، وعلى ذلك يخرج فول النابغة الجعدي: وحلت سواد القلب، لا أنا باغيًا سواها، ولا في حبها متراخيًا أي: لا أنا أرى باغيًا، فحذف "أرى" وهو خبر "أنا" وأنا: مبتدأ، ودل عليه المعمول، وهو أولى من جعل "لا" عاملة في المعرفة. وقوله وقد يكون للمبتدأ خبران فصاعدا بعطف وغير عطف مثاله بغير عطف قوله تعالى (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ)، وقول الراجز:

стр. 1102

/ من يك ذا بت فهذا بتي مقيط مصيف مشتي وقوله: ينام بإحدى مقلتيه، ويتقي بأخرى الأعادي فهو يقظان هاجع ومثاله بعطف: زيد فقيه وشاعر، ويجوز فيما قبله دخول الواو. وقوله وليس في ذلك ما تعدد لفظًا دون معنى مثاله: هذا حلو حامض، بمعنى مز، وهذا أعسر يسر، بمعنى أضبط، أي: عامل بكلتا يديه، فهذان قام مقام خبر واحد في اللفظ والمعنى، ولا يستعمل فيه العطف لأن مجموعة بمنزله مفرد، فلو استعمل فيه العطف لكان عطفه بعض كلمة على بعض، وأجاز ذلك أبو علي، فيقول: هذا حلو وحامض. وقوله ولا تعدد لتعدد صاحبة حقيقة مثاله: بنو زيد فقيه وشاعر وكاتب، وقول الشاعر: يداك يد خيرها يرتجي وأخرى لأعدائها غائظه ولا تستعمل هذه الأخبار إلا بحرف العطف. وقوله أو حكمًا مثاله في قوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ)، وقول الشاعر:

стр. 1103

والمرء ساع لأمر ليس يدركه والعيش شح وإشفاق وتأميل ولا يستعمل هذا أيضًا دون عطف. انتهى ما شرح به الكلام في تعداد الأخبار، وهو ملخص من شرح المصنف. ونقول: إذا تعدد المبتدأ في اللفظ أو في المعنى فخبره مطابقة في اللفظ أو في المعنى، نحو: الزيدان قائمان، الزيدان قائم وقاعد، وزيد وعمرو شاعران، وزيد وعمرو شاعر وكاتب، والزيدون قائمون، والزيدون قائم وقاعد ومضطجع، وزيد وعمرو وبكر قائمون، وزيد وعمرو وبكر شاهر وكاتب وفقيه. وإذا اتحد لفظًا ومعنى ففي جواز تعدد الخبر مع اتحاد المبتدأ خلاف: منهم من أجاز مطلقًا، سواء أكان الخبران فصاعدا من قسم المفرد أم من قسم الجمل أم مركبًا منهمًا، نحو: زيد كاتب شاعر، وزيد أبوه قائم أخوة خارج، وهند منطلقة أبوها خارج، وزيد أمه منطلقة خارج. ومنهم من قال: لا يقضي إلا خبرًا واحدًا، فإن قضيته أكثر فلا بد من حرف التشريك، نحو: زيد قائم ومنطلق، أو زيد قام أخوه وأبوه مسافر، إلا أن تريد اتصافه بذلك في حين واحد فيجوز، نحو: هذا حلو حامض، أي: مز، فإذا لم ترد أن يتصف بذلك في حين واحد، وكان ذلك في وقتين، فلا يجوز، نحو: زيد ضاحك راكب، وهذا هو اختيار من عاصرناه من الشيوخ. وإذا كان للمبتدأ خبران في حين واحد، وكانا بغير تشريك، وهما مشتقان الاشتقاق الذي يتحمل صاحبه/ الضمير، نحو: هذا حلو حامض،

стр. 1104

وزيد قائم قاعد، أي: مضطرب الرأي، وقوله: ينام بإحدى مقلتيه، ويتقي بأخرى الأعادي، فهو يقظان هاجع أي: متحذر أو متخوف، فهل فيما ضميران أم الأول خال من الضمير، والثاني محتمل ضمير المبتدأ؟ فيه نظر: نقل لنا عن أبي علي الفارسي أنه ليس إلا ضميرًا واحد تحمله الخبر الثاني؛ لأن الأول تنزل من الثاني منزله الجزء منه، وصار الخبر إنما هو بتمامها. والذي أختاره أن كلًا منهما تحمل ضميرًا من المبتدأ، وأن كونهما خبرين في وقت واحد لا يخرجهما عما استقر في الخبر المشتق من تحمله الضمير. وثمرة هذا الخلاف تظهر إذا جاء بعدهما اسم ظاهر، نحو قولك: هذا البستان حلو حامض رمانه، فإذا قلنا: لا يحتمل الأول ضميرًا تعين أن يكون الرمان مرفوعًا بالثاني، وإذا قلنا إنه يتحمل أن يكون من باب الإعمال، ولا التفاف لمن شرط في باب التنازع أن العاملين لا يتنازعان سببًا مرفوعًا، وسيأتي القول في ذلك في بابه إن شاء الله. وقال بعض أصحابنا: قال أبو علي: "إن ارتفعا بأنهما خبر فلا يكون؛ لأنه لا يوجد رافع لاسمين هكذا، ولأنه محمول على الفاعل، ولا

стр. 1105

فاعل هكذا. ولا يصح في حامض أن يكون صفة لامتناع وصف الحلو به، ولا بدلًا لأنه لا يراد أحدهما، ولا خبر مبتدأ محذوف لصيرورة الكلام جملتين، وإنما يريد أنه جمع الطعمين لا أنه هو هذا وهذا". وقيل ليس بخارج عن الصفة، فكان الخبر هو الأول موصوفًا بهذا، أي: حلو مكسور بحموضة، كما تقول إذا كان مبتدأ، نحو: الحلو الحامض هو السكنجبين، فالحامض صفة، فكذلك في الخبر، والصفات قد توصف إذا تنزلت منزلة الجوامد، نحو: مررت بالضارب العاقل، وكذلك: هو زيد المنطلق، وهذا رجل منطلق، وقد جوز س فيهما الخبرية على الجمع، لكت ينتقض الوصف إذا كان أحدهما معرفة والآخر نكرة، نحو: هذا زيد قائم، وقد جوزه س على الجمع. ومثل هذين الخبرين لا يعطف الثاني فيه على الأول لأن الواو لا تدخل إلا حيث تستقل الإفادة. وقيل: تدخل واو الجمع كما تدخل في: اختصم زيد وعمرو، وإن كان الفعل لا يتم بالأول وإذا لم يحضر الخبرين لفظ واحد، وقصدت الجمع، كان في الأمر الأكثر منزله: هذا حلو حامض، في الأكثر: ومنه قراءة عبد الله (وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا)، ومنه (كَلَّا إِنَّهَا لَظَى. نَزَّاعَةً لِلشَّوَى)، وقوله: (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ. ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ) وقول الشاعر:

стр. 1106

من يك ذا بت فهذا بتي مقيظ مصيف مشتي أي: صالح للقيظ والصيف والشتاء. ويصلح هنا العطف، ويحسب قصدك الجمع/ بحذفهما، والخبران هنا ليس متنافيين، ويصلح أن يستقل كل واحد منهما بالخيرية، بخلاف: هذا حلو حامض. وقال صاحب البديع: "قد يرد للمبتدأ خبران فصاعدا، قالوا: هذا حلو حامض، وهذا أبيض أسود، وعليه قوله: "وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ)، وهذان الخبران وقعا جميعًا خبرًا للمبتدأ لمتشابهتهما الجمل، فلا يجوز الفصل بينهما ولا تقدمهما على المبتدأ عند الأكثرين، ولا تقدم أحدهما تأخر الآخر، وأجازه بعضهم، والضمير يعود على المبتدأ من معنى الكلام، كأنك قلت: هذا مز، لأنه لا يجوز خلو الخبرين من الضمير لنقص ما تقرر من اضطرار اسم الفاعل إليه، ولا يجوز أحدهما به لأنه ليس أولى من الآخر، ولا يجوز أن يكون فيهما ضمير واحد لأن عاملين لا يعملان في معمول واحد، ولا يجوز أن يكون فيهما ضميران لأنه يصير التقدير: كله حلو وكله حامض، وليس هذا الغرض منه. وقال الأخفش: الخبر الثاني وقع كالصفة للأول، وإنما أرادوا بالإخبار أن هذا حلو فيه حموضة" انتهى. وفي "الغرة" أن ابن جني أجاز تقديم أحد الخبرين على المبتدأ، ونشد في كتاب "التمام": بان الخليط الذي ما دونه أحد عندي، ولو لم يكن يرضى به أحد فيجوز أن يكون "دونه و"عندي" خبرين للمبتدأ. وقال الأخفش في "المسائل الكبير": "اعلم أن قولهم: هذا حلو

стр. 1107

حامض، وهذا أبيض أسود، إنما أرادوا أن هذا حلو فيه حموضة، فينبغي أن يكون الثاني صفة للأول، وليس قولهم إنهما جميعًا خبر واحد بشيء، وكيف يكون؟ هذا ليس له مذهب في العربية". وذكر أبو الفتح أنه راجع أبا علي في هذا الفصل نيفًا وعشرين سنة في عود الضمير حتى يتبين له. وقوله وإن توالت مبتدآت إلى آخره: في ذلك طريقان: أحدهما جعل الروابط في الأخبار. والثاني جعله في المبتدآت: فمثال الأول: زيد هند الأخوان الزيدون ضاربهما عندها بإذنه، والمعنى: الزيدون ضاربو الأخوين عند هند بإذن زيد. ومثله من الموصول: الذي التي اللذان التي أبوها أبوهما أختها أخوالك أخته زيد، قال ابن الخباز: فلا تدخل العرب موصولًا على موصول، بل ذلك من وضع النحويين، وهي مشكلة جدًا. ومثال الثاني: زيد أمه أخواها عمها قائم، والمعنى: عم أخوي أم زيد قائم. وقد ذكر هذه المسألة الأستاذ أبو الحسن بن عصفور، وطول فيها، وهي من واضح المسائل. وقد ذكرها غيره من أصحابنا. وذكر على ثلاثة أوجه: فالوجهان ما سبقا. والثالث ما تركب منهما، وهو على ضربين: أحدهما أن يتقدم بعض المبتدآت المعراة، ويتأخر بعض عن

стр. 1108

المعرى، فيحتاج الأولى إلى/ ضمائر أخيرة، كقولك: زيد عمرو هند أبوها أخوه منطلق من أجله عنده، وتلخيصها: أخو أبي هند منطلق من أجل عمرو عند زيد. والثاني بالعكس كقولك: زيد غلامه أبوه عمرو العمران منطلقان من أجله عنده، وتلخيصه، العمران منطلقان من أجل عمرو عند أبي غلام زيد. وقد تتركب تركيبًا آخر ثلاثيًا بأن يتقدم المعرى، ثم تثنيه بالمشتغل، ثم تثلثه بالمعرى، وبالعكس، فيكثر المفروض. وهذه المسائل التي وضعها النحويون للاختبار، ولا يوجد نظير تراكيبها في لسان العرب، وإنما اقتضتها صناعة النحو. ونظير ذلك أن نقول: أعلمت زيدًا عمرًا قائمًا حسنًا أمامك يوم الجمعة ضاحكًا وهندًا عائشة منطلقة إعلاميًا قبيحًا وراءك يوم الخميس باكية، فمثل هذا التركيب اقتضته صناعة النحو، ولا يوجد مثله في كلامها البتة. في كتاب "المقتضب" لأبي العباس وكتاب "اللباب" للحوفي من هذا النوع مسائل وضعت للاختبار وتمرين الذهن، وأما أن تلك التراكيب توجد في كلام العرب فلا. ونبهت هنا على هذا لئلا يتوهم أن مثل هذا التركيب الذي ركبه النحويين هو موجود في كلام العرب.

стр. 1109

-[ص: فصل تدخل الفاء على خبر المبتدأ وجوبًا بعد أما إلا في ضرورة أو مقارنة قول أغنى عنه المقول، وجوازًا بعد مبتدأ واقع موقع من الشرطية أو ما أختها، وهو أل الموصولة بمستقبل عام، أو غيرها موصولًا بظرف أو شبهه، أو يفعل صالح للشرطية، أو نكرة عامة موصوفة بأحد الثلاثة، أو مضاف إليها مشعر بمجازاة، أو موصوف بالموصول المذكور، أو مضاف إليه.]- ش: خبر المبتدأ مرتبط بالمبتدأ ارتباطًا المحكوم به بالمحكوم عليه، فلا يحتاج إلى حرف يربط بينهما، كلا لا يحتاج الفعل والفاعل إلى ذلك، فكان الأصل أن لا تدخل الفاء على شيء من خبر المبتدأ، لكنه لما ألحظ في بعض الأخبار معنى ما تدخل الفاء فيه دخلت، وهو الشرط والجزاء. فمثال ذلك في "أما" قوله تعالى" (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ)، وقد تقررت كيفية دخولها مع "أما" في آخر الفصل الخامس من "باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلك". ومثال حذفها في الضرورة قوله: فأما القتال لا قتال لديكم ................ أي: فلا قتال. وقوله أو مقارنه قول أغنى عنه المقول مثاله ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ

стр. 1110

وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ أي: فيقال أكفرتم. وقد كرر المسألة في آخر الفصل الخامس من "باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلك"، فقال: "ولا تحذف في السعة إلا مع قول يغني عنه محكيه". وقوله وجوازًا بعد مبتدأ يعني بالجواز أنه يجوز أن تراعى أن الخبر مستحق بالصلة أو الصفة، فتدخل الفاء ولا بد، أو لا تراعي هذا المعنى، فيمكن أن يكون مستحقًا به أو بغيره، فلا تدخل، فما معنيان مقصودان يترتب عليهما دخول الفاء وعدم دخولها. وقوله واقع من الشرطية أو ما/ أختها يعني أن الموصول أو الموصوف يكون فيه عموم، فلو كان الموصول خاصُا، أو يعني بالنكرة الموصوفة خاص، لم تدخل الفاء، نحو: الذي يزورنا فهو مكرم، وتريد به شخصًا بعينه. وفي هذا خلاف: من النحويين من أجاز دخول الفاء وإن لم يكن الموصول عامًا، ولكونه عامًا زعم هشام أن الموصول إذا وصف أو أكد لم يجز دخول الفاء في خبره مع استيفاء الشروط، فلا يجوز عنده أن تقول: الذي يأتيك نفسه فله ردهم، قال: لأنك لا تريد أن تريد أن تخص رجلًا بعينه، وإنما تريد: كل من كان منه إتيان فله درهم، فإذا قلت: "نفسه" ذهب معنى الجزاء. وكذلك "الذي يأتيك الظريف فأكرمه" لا يجوز عنده. وهذا الذي ذهب إليه يعضده أنه لا يحفظ دخول الفاء مع التأكيد أو النعت من كلام العرب. وقوله وهو آل الموصولة بمستقبل عام مثل المصنف ذلك بقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)، وقال: "فلو قصد به

стр. 1111

مضي أو عهد أل شبه من وما". ويعنى فلم تدخل الفاء. وفي كلام المصنف نفذ من جهات: أحدهما: أنه قال" بعد مبتدأ واقع موقع من الشرطية أو ما أختها، وهو أل الموصولة" وليس "أل" وهو المبتدأ، بل هو وصلته هو المبتدأ، لذلك ظهر الإعراب في الصلة. الثاني: أنه قال "بمستقبل عام"، والعموم في الوصف إنما استفيد من "أل"، فقد وصف "أل" بقوله "الموصولة بمستقبل عام"، فتوقفت معرفة "أل" على وصفها بما ذكر، وتوقفت معرفة وصف "مستقبل" بالعموم على قوله: "عام"، فلا يعرف المستقبل إلا بدخول "أل"، ولا يعرف "أل" إلا بوصفة بالمستقبل العام، وهو المستفاد عمومه من "أل"، فلزم مكلًا منهما أن تتوقف معرفته على معرفة ما يتعرف به، وذلك لا يصح البتة. الثالث: أنه بدأ من المبتدأ الذي ادعى أن الفاء تدخل في خبرة بشيء مختلف فيه، ولم بذكر الخلاف لا في فص الكتاب ولا في شرحه، فدل علة أنه لم يطلع على الخلاف، وذلك أن النحويين اختلفوا في دخول الفاء في خبر المبتدأ الذي دخلت عليه "أل": فذهب جمهور البصريين إلى أن ذلك لا يجوز لأن السبب المسوغ لدخول الفاء في خبر "الذي" و"التي" ونحوهما غير موجود فيما دخلت عليه "أل" بمعناها، وهو أن تكون الصلة ظرفًا أو مجرورًا أو جملة فعلية غير شرطية، فهذا ما شرط في الصلة. وأما ما شرط في الخبر فهو أن يكون مستحقًا بالصلة، وسيأتي توضيح هذا كله إن شاء الله.

стр. 1112

وذهب الكوفيون -وقيل: الفراء والمبرد والزجاج- إلى أن ذلك يجوز، وحملًا عليه قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ لأن ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ في معنى الذي يزني والتي تزني. ولا حجة لهما في/ ذلك لأن خبر الزاني والزانية محذوف، تقديره: فيما فرض عليكم الزانية والزاني، أي: حكمها، ودل على ذلك قوله تعالى قبل: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾. ويدل على أن التقدير كذلك رفع أكثر القراء لهما مع أن المختار في نحو "زيدًا فاضربه" النصب، فلولا أن التقدير ما ذكرناه لكان المختار نصيب. فأما ما اعتل به الفراء من أن مثل هذا لا ينصب لأن تأويله الجزاء فتعليل غير صحيح؛ لأن تعليل الجزاء لا وجه له لمنعة النصب؛ لأن الاسم في الجزاء ينتصب، تقول: أيًا تضرب أضربه، فلما رفعهما أكثر القراء، والعامل في الضمير أمر، دل ذلك على أن قوله ﴿فَاجْلِدُوا﴾ ليس في موضع الخبر، بل الخبر محذوف. وقرأ ناس من القراء منهم عيس بن عمر ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ بالنصب، فيكون نحو: زيدًا فاضربه. وقوله وغيرهما موصولًا بظرف أي: وغير "أل" موصولًا بظرف،

стр. 1113

مثاله قول الشاعر: ما لدى الحازم اللبيب معارًا فمصون، وماله قد يضيع وقوله أو شبهه هو الحار والمجرور، ومثله المصنف وغيره بقوله تعالى ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾. فإن قلت: قد ذكرت أن الفاء لا تدخل في الخبر حتى يكون مستحقًا بالصلة، وكون النعم من الله غير مستحق باستقرار نعمة بنا. فالجواب أن العرب قد تقيم السبب مقام المسبب، وتستغني به عن ذكره، فالمعنى: وما بكم من نعمة فاشكروا الله عليها لأنها منه، فأقيم سبب شكره تعالى على النعم، وهو كونها منه، مقام الشكر، واستغنى به عنه. وقوله أو بفعل صالح للشرطية احترز بقوله "أو بفعل" وبما قبله من أن تكون الصلة جملة اسمية، فإنه إذ ذاك لا تدخل الفاء، نحو: الذي هو محسن فهو مكرم. واحترز بقوله: "صالح للشرطية" من أن يكون غير صالح لأداء الشرط، وذلك صور: إحداها أن تكون أداة الشرط قد باشرته، نحو: الذي إن يكرمني أكرمه فهو مكرم، فلا يجوز دخول الفاء هنا لأن الشرط قد استوفى جزاءه في الصلة، فلا يكون له جزءان؛ إذ الفاء إنما تكون داخلة على الخبر لاستحقاقه بالصلة وكوبه جوابًا لها في المعنى، والصلة قد أخذت جوابها،

стр. 1114

فلو دخلت للزم أن يكون للشرط جوابان، وذلك غير جائز. وأيضًا فإذا دخل خبر "الذي" الفاء كان منزلًا منزلة اسم الشرط، واسم الشرط لا يجوز دخوله على أداة الشرط، فكذلك ما كان منزلًا منزلته. وأجاز بعضهم ذلك، نحو: الذي إن تطلع الشمس ينظر إليها فهو صحيح النظر، نظرًا إلى أن الشرط والجزاء مستقبلان، ولا يلزم ما قال أبو علي من أنه يكون للشرط جزءان لأن السبب يختلف والمسبب يختلف، فيدخل أحدهما على الآخر؛ لأنه لا يبعد أن يكون ارتباطًا سبب لمسبب سببًا لمسبب آخر كالمثال/ الذي سبق، وارتباط الرؤية بطلوع الشمس دال على حدة البصر، قاله صاحب البسيط عن بعض شيوخه. وقد أجاز الفراء وغيره كون الشرط جوابًا للشرط، وعليه حمل ﴿فَإِمَّا يَاتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ﴾. وحمله بعضهم على حذف الجواب، أي: فاتبعوه، فمن تبع. وفي البسيط أيضًا: "وأما إن دخلت على جملة شرط، وبها تمت صلتها، فهو جائز عند النحويين س والمبرد وغيرهما، فتقول: الذين إن يأتني أحسن إليه فله درهم، وأي من يأتني أكرمه فله درهم، وكذلك سائر أخواتها" انتهى. يعني أخوات "إن" من أدوات الشرط. الصورة الثانية: أن يكون الفعل ماضي المعنى، نحو قولك: الذي

стр. 1115

زارنا أمس فله دينار، فلا يجوز ذلك لأن "زارنا" لا يصلح لأداة الشرط لمضي الفعل معنى. وأجاز ذلك بعضهم واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وبقوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾، ومعلوم أن هذا ماض لفظًا ومعنى مقطوع بوقعه صلة وخبرًا. وقد تأولناه على معنى التبين، كأنه قيل: وما يتبين إصابته إياكم، وما يتبين إفاءة الله على رسوله منهم، ويكون نظير قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ أي: إن تبين كون قميصه قد من قبل. الصورة الثالثة: أن يكون مستقبلًا مصحوبًا بالسين أو سوف أو لن أو قد أو ما، نحو: الذي سيأتيني أو سوف يأتيني أو لن يأتيني أو قد يأتيني أو ما يأتيني له درهم، فلا يجوز دخول الفاء على هذا الخبر لأنه لا تصلح هذه الصلات لدخول أداة الشرط على شيء منها. وكذلك لو كان داخلًا عليه لما، نحو: الذي يأتني له درهم، بخلاف لم؛ لأن أداة الشرط لا يصلح دخولها على لما، ويصلح دخولها على لم. وهذا الذي ذكر المصنف من اشتراط صلاح الصلة إذا كانت فعلًا لأداة الشرط فيه خلاف: قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور ما نصبه: ومن الناس من اشتراط في الفعل الواقع صلة إذا دخلت الفاء في الخبر أن

стр. 1116

يكون الفعل مما يحسن وقوعه بعد أداة الجزاء، فلو قال: "الذي ما يؤذيني فله درهم" لم يجز ذلك عنده لأن أداة الشرط لا تدخل على "ما" النافية. ومن الناس من أجاز ذلك مع الموصولـ وإن لم يجزه مع أداة الشرط، لأنه ليس بشرط صحيح، وإنما هو مشبه به. قال: والصحيح عندي أن الامتناع من إجازة ذلك لأنه غير محظوظ من كلام العرب، وإذا لم يسمع من كلامها أمكن أن تكون امتنعت من إجازته لما ذكرتاه من أن الصلة إذا ذاك لا تشبه فعل الشرط. وقوله أو نكره عامة موصوفة بأحد الثلاث يعني الظرف أو مشبهه أو الفعل الصالح للشرطية، مثال ذلك: رجل عند حزم فهو سعيد، وعبد لكريم/ فما يضيع، ونفس تسعى في نجاتها فلن تخيب، وشرط بعضهم في فاعل الفعل الذي صلة أو صفة أن يكون عامًا، قال: فلو كان معينًا لم يجز لأنه يخصص به الفعل، فيخرج عن الإبهام، ولذلك كانت النكرة ولا بد عامة. ولم يشترط ذلك بعضهم، وما حكى الكسائي من قولهم: "الدار التي أسكنها فمعطاة" فشاذ من وجهين: تعيين الفاعل، ومعهودية الذكر، ويخرج على زيادة الفاء أو الندور. وقوله أو ضاف إليها مشعر بمجازاة مثاله: كل رجل عنده حزن فهو سعيد، وكل عبد لكريم فما يضيع، وكل نفس تسعى في نجاتها فلن تخيب، قال الشاعر: نرجو فواصل رب سيبه حسن وكل خير لديه فهو مسؤول وروي: فهو مبذول. قال بعض أصحابنا: ولا يلزم أن تكون النكرة العامة لفظ "كل"،

стр. 1117

خلافًا لبعضهم، بل كل نكرة يراد بها العموم من جهة المعنى حكمها وحكم "كل" في ذلك سواء، ولو قلت: "رجل يأتيني فله درهم" جاز دخول الفاء لأن معناه ومعنى "كل رجل يأتيني" واحد وأجاز الفراء: ضارب عمرًا فله دينار؛ لأن معناه ومعنى قولك" "كل رجل ضارب عمرًا" سواء. والصحيح أم ذلك لا يجوز الشبه المسوغ لدخول الفاء في الخبر مفقود؛ لأن ضاربًا ليس موصوفًا بجملة تشله الشرط. واختر بقوله: "مشعر بمجازاة: وقوله أو موصوف بالموصول المذكور مثاله قوله تعالى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ)، وقول الشاعر: صوا الحزم، فالخطب الذي تحسوبنه يسيرًا فقد تلقونه متعسرًا وهذا الذي ذكره فيه خلاف، قال بعض أصحابنا: "الصحيح عندي أن ذلك لا يجوز لأن الاسم المخبر عنه- وهو الموصوف ب"الذي"- ليس بمشبه لاسم شرط؛ لأن اسم الشرط لا يقع بعده إلا الفعل ظاهرًا أو مضمرًا، والاسم الموصوف بـ "الذي" ليس كذلك" انتهى. ويمكن تأويل الآية على أن يكون (الْقَوَاعِدُ) مبتدأ، و (اللَّاتِي) خبره، كأنه قال: والقواعد من النساء هن اللاتي لا يرجون نكاحًا، والجملة من قوله: (فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ) جملة مرتبطة بالفاء بالجملة التي قبلها من المبتدأ والخبر.

стр. 1118

ويحتمل أن يكون (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ) مبتدأ، و (اللَّاتِي) مبتدأ ثانيًا، والرابط فيه محذوف، أي: اللاتي لا يرجون نكاحًا منهن فليس عليهن جناح، ودخلت الفاء لأن الجملة وقعت خبرًا عن (اللَّاتِي)، وهو موصول فيه شرط جواز دخول الفاء معبرة في خبره، وكأنه قسم من النساء إلى قسمين: أحدهما لا يرجون نكاحًا، فحكم عليهن أنه ليس عليهن جناح. والثاني ما يرجون نكاحًا، فعليهن الجناح. وأما البيت فيتخرج على زيادة الفاء، أي: قد/ لا تلقونه، كما قال: ................... ............. والصغير فيكبر وقوله أو مضاف إليه: أي: إلى الموصول، مثاله قول زينب بنت الطثرية ترثي أخاها: يسرك مظلومًا، ويرضيك ظالمًا وكل الذي حملته فهو حامل -[ص: وقد تدخل على خبر "كل" مضافًا إلى غير موصوف، أو إلى موصوف بغير ما ذكر، وعلى خبر موصول غير واقع موقع "من" الشرطية، ولا "ما" أختها، ولا تدخل على خبر ذلك، خلافًا للأخفش. وتزيلها نواسخ الابتداء إلى إن وأن ولكن على الأصح.]- ش: مثاله ما روى عن بعض السلف: "كل نعمة فمن الله"،

стр. 1119

وقال الأفوه: وكل قرينة فإلى افتراق ولكن فرقة تنفي الملاما ومثاله موصوف بغير ما ذكر قول الشاعر: كل أمر مباعد أو مدان فمنوط بحكمه المتعالي ومثال ما ذكر بعده قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وهكذا مثله المصنف في الشرح، وقد تقدم أن بعض النحويين أجاز ذلك، وإن كانت الصلة ماضية في المعنى، فالمصنف موافق له، وقد ذكرناه تأويل ذلك. وقوله لا تدخل على خبر غير ذلك قال المصنف في الشرح: "أجاز الأخفش دخول الفاء على خبر المبتدأ الذي لا يشبه أداة الشرط، نحو: زيد فمنطلق، وزعم أنهم يقولون: أخوك فوجد، ومثل ما زعم قول الشاعر: ................. ويحدث ناس، والصغير فيكبر

стр. 1120

ولا حُجَّة له في قول الشاعر: وقائله: خولان فأنكح فتاتهم وأكرومه الحين خلو كما هيا ولا قول الآخر: أرواح مودع أن بكور أنت فانظر لأي ذاك تصير لأن معنى الأول: هذه خولان، فخولان خبر مبتدأ محذوف. ومعنى الثاني: أنظر أنت، فأنت فاعل محذوف، على أن زيادة الفاء قد سهلها كون الخبر أمرًا، كما يسهلها كون الفاعل أمرًا، مفرغًا في نحو: زيدًا فاضرب، ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾؛ لأن الأمر تطرق إلى ما تعلق به معنى المجازاة، فالقائل: زيدًا فاضرب، أو زيد فاضربه، كأنه قال: ما يكن من شيء فزيدًا اضرب، وما يكن من شيء فزيد اضربه، فلا يلزم من جواز هذا جواز: زيد فمنطلق؛ إذ ليس الخبر أمرًا، فيطرق إلى ما تعلق به معنى المجازاة" انتهي. وأجاز الفراء وجماعة منهم الأعلم دخولها في الخبر إذا كان أمرًا أو نهيًا، نحو: زيد فلا تضربه، وزبد فاضربه، وزيد فليقم، سواء أكان المبتدأ موصولًا أو موصوفًا بالشرط الذي/ ذكر أو كان غير ذلك، واستدل بقوله: يا رب موسى أظلمني وأظلمه فاصبب عليه ملكًا لا يرحمه

стр. 1121

وفي الإفصاح ما ملخصه: ذكر أبو علي أن زيدًا ونحوه كان مبتدأ لم تدخل الفاء في خبره؛ لأن الفاء تؤذن باستحقاق ما بعدها بما قبلها. وأجاز الأخفش على زيادة الفاء، وحكي عنهم: زيد فوجد، وزيد فقائم، وهذا لم يسمعه س إلا فيما يحتمل نحو: وقائلة: خولان فانكح فتاتهم .................... وأول على: هذه خولان: فتعطف الفاء جملة علة جملة وإن لم يتناسب المتعاطفتان؛ إذ الصحيح جواز ذلك. ومنهم من يقول: أصله مهما يكن من شيء فزيد اضربه، وعوض مهما وفعلها "أما"، فتقول" أما زيد فاضربه، ثم تحذف "أما" اختصارًا ويبقى اللفظ على حاله. ومنهم من قال: التقدير تنبه فزيدًا اضربه، فلما حذف "تنبه" أو ما في معناها قدموا الاسم دليلًا على ذلك المعنى، والأكثر نصبه بسبب الأمر. وأجاز الفراء: زيد فاضربه، قال: ولا يجوز: زيد فمنطلق. قال ابن طاهر: لأنه على زيادة الفاء عنده أو للتنبيه. وقد أجاز أبو علي وابن جني زيادة الفاء في الأمر والنهي، وعليه حملًا ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.

стр. 1122

وقال أبو إسحاق: ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾ خبر ﴿هَذَا﴾. وشبهه بقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾. وخطأه أبو علي، وقال: "هذا ليس فيه معنى الفعل شيء، وفي ﴿السَّارِقُ﴾ ما استحق به العقاب". فعلى قول أبي على (هذا) مفعول بفعل مضمر، كقولك: زيدًا فاضربه، و ﴿وَحَمِيمٍ﴾ خبر مبتدأ، أي: هو حميم. وفي قول ذي فائش الحميري لعلبة "الله درك! مثلك فليصف أسرته" ما يشهد لما حكي عن أبي الحسن في زيادة الفاء. وتؤول على نية: مثلك فليكلف. وقال الأعلم: إن هذا رفع على الإهمال. وزعم في البيت أنه يرفع على الإهمال. وذكر أن كلامهم: زيد فاضربه، وهو غالب، وأنه يجوز: الله فاعبده. ولا وجه لقوله لأن الإهمال عدم العامل، وكيف يكون عاملًا، وقد وجدنا الأعداد المتناسقة وحروف الهجاء المتناسبة وحروف فواتح السرور غير معربة لإهمالها، وكذلك كل مهمل. وقوله وتزيلها نواسخ الابتداء إلا إن وأن ولكن على الأصح قال

стр. 1123

المصنف في الشرح: "إذا دخل بعض النواسخ على مبتدأ دخلت الفاء في خبره أزال شبهه بأداة الشرط، فامتنع دخول الفاء على الخبر" انتهى. فقوله: "إذا دخل بعض النواسخ على مبتدأ دخلت الفاء على خبره" إلى آخره يدل على أن الناسخ يدخل على مبتدأ دخلت الفاء في خبره، وليس كذلك، بل إذا دخل الناسخ فلا يدخل إلا على مبتدأ لا تكون الفاء في خبره، وليس المعنى أنه إذا دخل الناسخ أزال الفاء. وقال في الشرح: "ما لم يكن الناسخ إن وأن ولكن، فإنها ضعيفة العمل إذ/ لم يتغير بدخولها المعنى الذي كان مع الابتداء، ولذلك جاز العطف معها على معنى الابتداء، ولم تعمل في الحال، بخلاف كأن وليت ولعل، فإنها قوية العمل، مغيرة بدخولها المعنى الذي كان مع الابتداء، مانعة بدخولها من العطف على معنى الابتداء، صالحة للعمل في الحال، فقوى شبهها بالأفعال، وساوتها في المنع من الفاء المذكورة" انتهى. وقوله "ولذلك جاز العطف معها على معنى الابتداء، مذهب س والمحققين أنه لا يجوز، والعجب للمصنف أنه ذكر جواز ذلك لإجماع في باب إن وأخواتها، وجهل الخلاف في ذلك، ولاسيما خلاف س، وسيأتي بيان ذلك في بابه إن شاء الله. وقوله "مانعة بدخولها من العطف على معنى الابتداء، قد ذكر هو- أعني المصنف- الخلاف في ذلك في "باب إن"، وستقف عليه. وقوله على الأصح وهو راجع إلى الثلاثة، وهو ظاهر كلام المصنف.

стр. 1124

وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: الموصول الذي يجوز دخول الفاء في خبره إذا دخلت عليه ليت أو لعل أو ما أشبههما من نواسخ الابتداء لم يجز دخول الفاء في خبره؛ لأن الموصول إذ ذاك لا يشبه اسم الشرط؛ لأن اسم الشرط لا يعمل فيه ما قبله، وإذا زال الشبه باسم الشرط لم يكن لدخول الفاء وجه إلا أن تكون زائدة، وزيادة الفاء لا تنقاس ما لم يكن الناسخ إن، فإن كان "إن" جاز دخول الفاء في الخبر، ومنه ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾، وجاز ذلك معها وحدها من بين سائر أخواتها لأن العرب تعامل "إن زيد قائم" معاملة "زيد قائم" لما كانا في معنى واحد، بدليل قولهم: إن زيدًا قائم وعمرو، ولا كذلك النواسخ، فعاملوا: "إن الذين يأتيك فله درهم" معاملة "الذين يأتيك فله ردهم" انتهى. فظهر من هذا النقل أن دخول الفاء مخصوص بإن وحدها خاصة ومن منع ذلك في خبر إن احتج بأن "إن" تحقق الخبر، والشرط فيه توقف وإخراج عن صريح الخبر، فلا يجتمعان، وهو رأي الأخفش. وقد قيل: إدخال "إن" في الموانع من الفاء هو رأي س، وإخراجها رأي الأخفش. والعجب للمصنف أن ذكر الخلاف في إن وأن ولكن خاصة، فأفهم كلامه أن باقي النواسخ لا خلاف في أنه لا تدخل الفاء معها، وفي ذلك تفصيل وخلاف، فنقول"

стр. 1125

إن دخل على المبتدأ المستوفي الشروط ناسخ فإن كان ليت أو لعل أو كأن فلا تدخل الفاء، وفي لعل خلاف: منهم من ألحقها بما لا يغير معنى الابتداء، فأجاز دخول الفاء لأنها قد وصلت بها الموصولات في قوله: وإني لرام نظرةً قبل التي لعلي -وإن شطت نواها- أزورها /وقد تؤول هذا البيت. وكونها وصل بها الموصول على تسليم ذلك شيء مشترك بينها وبين كأن، فكان ينبغي أن تدخل في خبر كأن كما تدخل في خبر لعل أو إن أو أن أو لكن، دخلت خلافًا لأبي الحسن في أحد قوليه. وهو محجوج بسماع ذلك، قال تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ومَاتُوا وهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم﴾، ﴿إنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤)﴾، وقال تعالى: ﴿واعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾، وقال الشاعر: علمت يقينًا أن ما حم كونه فسعي امرئ في صرفه غير نافع وقال آخر: بكل داهيةٍ ألقى العداة وقد يظن أني في مكري بهم فزع كلا، ولكن ما أبديه من فرقٍ فكي يغروا فيغريهم بي الطمع
следующие страницы →