← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17116

التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

أبو حيان الأندلسي

Полный текст (3 950 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

المُصْلِحِينَ﴾، قال: "لأن المصلحين هم الذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة، فيتحصل به ما كان يتحصل بضمير مع تأكيد الاعتناء ومزيد الثناء" انتهى. وهذا الذي ذكره هو مذهب الأخفش. -[ص: وقد يحذف إن علم ونصب بفعل أو وصف، أو جر بحرف تبعيض أو ظرفية، أو بمسبوق مماثل لفظًا ومعمولًا، أو بإضافة اسم فاعل، وقد يحذف بإجماع إن كان مفعولًا به، والمبتدأ كل أو شبهه في العموم والافتقار، ويضعف إن كان المبتدأ غير ذلك، ولا يخص جوازه بالشعر، خلافًا للكوفيين.]- ش: احترز بقوله "إن علم" من نحو: زيد ضربته في داره، فلا يجوز حذف هذا الضمير لأنه لا يدري أحذف أم الفعل مسلط على غيره مما يجوز حذفه من المفعولات. واحترز بقوله "ونصب" من أن يكون الضمير مرفوعًا، فإنه لا يجوز حذفه. ومثال ما نصب بفعل قول الشاعر: ثلاث كلهن قتلت عمدًا فأخزى الله رابعة تعود أي: قتلتهن عمدًا ومثال المنصوب بوصف قول الراجز:

стр. 1052

غني نفس العفاف المغني والخائف الإملاق لا يستغني التقدير: العفاف المغنيه، أي: الذي يغنيه هو غني نفس، فالعفاف: مبتدأ، والمغني: مبتدأ ثان، وخبره "غني نفس"، وفي "المغني" ضميران: أحدهما عائد على العفاف، وهو الفاعل باسم/ الفاعل. والآخر ضمير نصب، وهو المحذوف العائد على أل، و"المغني" وصف جرى على غير من هو له، ولم يبرز الضمير، ولو برز لقال: المغنيه هو. ومعنى هذا الكلام: الذي يغنيه العفاف غني نفس. ويحتمل وجهًا آخر من الإعراب، وهو أظهر وأقل تكلفًا، وهو أن يكون "غني نفس" مبتدأ، وسوغ الابتداء فيه -وإن كان نكرة- كونه متخصصًا بالإضافة، أو كونه نعتًا لمنعوت، أي: إنسان غني، والعفاف: مبتدأ ثان، وخبره "المغني"، وهو وصف جار على من هو له؛ إذ هو خبر عن "العفاف"، فالجملة من قوله: "العفاف المغني" في موضع خبر المبتدأ الذي هو "غني النفس"، والعائد من الجملة محذوف، وهو الضمير المنصوب؛ إذ التقدير: المغنيه، والمعنى: غني النفس العفاف يغنيه. ومثال المجرور بحرف تبعيض "السمن منوان بدرهم" أي: منوان منه، فمنوان: مبتدأ ثان، وسوغ الابتداء به هذا الوصف المحذوف، وهو "منه"، وبدرهم" خبره، والجملة خبر لقوله: "السمن"، والعائد هو "منه" المحذوف، وهو ضمير مجرور بمن، وهو حرف تبعيض. ومثال الظرفية قوله: فيوم علينا، ويوم لنا ويوم نساء، ويوم نسر

стр. 1053

أي: نساء فيه، ونسر فيه. وقولهم: "شهر ثري، وشهر ترى، وشهر مرعى" أي: وشهر ترى فيه النبات. ومثال ما جر بمسبوق مماثل لفظًا ومعمولًا قول الشاعر: أصخ، فالذي توصى به أنت مفلح فلا تك إلا في الفلاح منافسا أراد: أنت مفلح به، فحذف "به" لأنه مسبوق بمماثل لفظًا ومعمولًا، وهو نظير قوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخَيْرَاتِ﴾، أي: نسارع لهم به. ومثال ما جر بإضافة اسم فاعل قول الشاعر: سبل المعالي بنو الأعلين سالكة والإرث أجدر من يحظى به الولد أي: سالكتها، وأنت "سالكة"، وكان القياس: سالكون، لأن "بني" يؤنث، تقول: قالت بنو عامر ............. ...................... وقوله وقد يحذف بإجماع إن كان مفعولًا به، والمبتدأ كل أو شبهه في العموم والافتقار مثاله قراءة ابن عامر (وكل وعد الله الحسنى)، أي:

стр. 1054

وَعَده. وقول الراجز: قد أصبحت أم الخيار تدعي علي ذنبًا، كله لم أصنع أي: لم أصنعه. قال المصنف في الشرح: "وكذا ما أشبه كلًا في العموم، نحو: أيهم يسألني أعطي، على جعل أي موصولة. وكذا ما عم وإن لم يكن موصولًا، نحو: كل رجل/ يدعو إلى خير أجيب، آمر بخير ولو كان صبيًا أطيع، أكثر السائلين أعطي. فول كان المبتدأ غير ذلك، والضمير مفعول به، لم يجز عند الكوفيين حذفه مع بقاء الرفع إلا في الاضطرار. والبصريون يجيزون ذلك في الاختيار، ويرونه ضعيفًا، ومنه قراءة السلمي: (أفحكم الجاهلية يبغون) برفع الحكم. ومثل هذا القراءة قول الشاعر: وخالد يحمد أصحابه بالحق، لا يحمد بالباطل هكذا رواه أبو بكر بن الأنباري برفع "خالد" و"أصحابه" انتهى ما ذكره المصنف، وما مثلناه قبل فمن تمثيله إلا قليلًا. وهذا التقسيم الذي سلكه في العائد على المبتدأ بالنسبة إلى جواز حذفه غير الطريق الذي سلكه أصحابنا، وفيه ما اختلف فيه وما اتفق عليه،

стр. 1055

وفي كلام المصنف دعوى إجماع لا تصح، ونقل عن البصريين والكوفيين لا يوافق عليه، ونحن نوضح ذلك، فنقول: الضمير العائد على المبتدأ من الجملة التي وقعت خبرًا عنه إما أن يكون مرفوعًا أو منصوبًا أو مجرورًا؛ إن كان مرفوعًا لم يجز حذفه سواء أكان مبتدأ أم غيره، فلا يجوز: الزيدان قام، ولا: الزيدون ضرب. وذهب بعض النحويين إلى أنه يجوز حذفه إذا كان مبتدأ، نحو قوله: إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن عارًا عليك، ورب قتل عرب تقديره: هو عار، فحذف "هو" من الجملة التي هي خبر عن قوله: ورب قتل. وقال صاحب البسيط: "إن كان مبتدأ جاز حذفه، نحو: زيد هو قائم؛ إذ لا مانع من ذلك" انتهى. وهذا ليس بشيء لأنك إذا قلت: زيد قائم، وحذفت "هو"، لم يعلم أن "هو" محذوف لصلاحية "قائم" أن يكون خبرًا مستقلًا، وقد منع الخليل: ليس زيد قائم، على تقدير: هو قائم، وحذف "هو"؛ لصلاحية نصب "قائم" فيكون الخبر. وإن كان منصوبًا فإما أن يكون منصوبًا بفعل أو بغيره: إن كان منصوبًا بغير فعل لم يجز حذفه، نحو: زيد كأنه أسد. وإن كان منصوبًا بفعل فإما أن يكون فعلًا تامًا أو فعلًا ناقصًا: إن كان فعلًا ناقصاً لم يجز

стр. 1056

حذفه، نحو: الصديق كأنه زيد. وإن كان فعلًا تامًا فإما أن يكون متصرفًا أو غير متصرف: إن كان غير متصرف لم يجز حذفه، نحو: زيد ما أحسنه! واختلف النقل عن الفراء: فحكي عنه أبو بكر بن الأنباري أنه لا يجوز حذف هذه الهاء. ونقل عنه المصنف أنه يجيز حذفها. قال: "مع أنه لا يجيز: زيد ضربت، وذلك أن فعل التعجب لا تسلط له على ما قبله، فاستوي تفريغه وعدم تفريغه، بخلاف/ زيد ضربت، فإن تفريغه مع إيثار الابتداء بالعمل ترجيح الأضعف على الأقوى". قال: "ولم يعتبر ذلك في نحو "كله لم أصنع" لشبه كل بالموصول العام، وكذا ما ككل في العموم" انتهى كلامه. وحكي أبو بكر بن الأنباري أن الكسائي كان يجيز: أبوك ما أحسن! قال: "لما لم أصل إلى نصب الأب أضمرت له هاء تعود عليه، فرفعته بها، والتقدير: أبوك ما أحسنه! ". وإن كان متصرفًا فمذهب البصريين أنه لا يجوز حذفه إلا في الشعر، وسواء أكان يؤدي إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه، نحو: زيد ضربه عمرو، أو لا يؤدي، نحو: زيد هل ضربته؟ وزيد هلا ضربته، وزيد إن تضربه أضربه، وسواء في ذلك عندهم أن يكون المبتدأ كلًا أو غيره، ونصوا على شذوذ قراءة ابن عامر (وكلٌ وعد الله الحسنى).

стр. 1057

وقد سلك الأدب في ذلك شيخنا الأستاذ أبو الحسين بن أبي الربيع، فقال: "جاء في الشعر وفي قليل من الكلام، قرأ ابن عامر (وكلٌ وعد الله الحسنى) ". وذهب هشام إلى أنه يجوز "زيد ضربت" في الاختيار. وذهب الفراء ومن وافقه من الكوفيين إلى أنه يجوز إذا كان المبتدأ اسم استفهام أو كلًا أو كلا أو كلتا، وإن أدى حذفه إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه، فأجاز أن تقول: أيهم ضربت؟ برفع أي، وكل رجل ضربت. ومما جاء من ذلك قوله: ............................ علي ذنبًا كله لم أصنع وقوله: ثلاث كلهن قتلت عمدًا ................................. وقوله أرجزًا تطلب أم قريضًا أم هكذا بينهما تعريضا كلاهما أجد مستريضا وإنما جاز ذلك مع هذه الأسماء خاصة لأن اسم الاستفهام من أسماء الصدور، ولا يجوز أن يتقدم ما بعده عليه، فأشبه لذلك الموصول؛ ألا

стр. 1058

ترى أن الموصول لا تتقدم صلته عليه، فكما أنه يجوز أن يحذف هذا الضمير من الصلة، فكذلك يحذف من الخبر. وكذلك كل وكلا، يدخل الكلام إذا ابتدأت بهما معنى "ما"، و"ما" من أدوات الصدور، فإذا قلت: "كل القوم ضربته" فالمعنى: ما من القوم إلا من ضربته، وكلا الرجلين ضربته، معناه: ما من الرجلين إلا من ضربته. والدليل على أن الكلام يدخله معنى "ما" قوله: وكلهم حاشاك إلا وجدته كعين الكذوب جهدها واحتفالها أدخل "إلا" على خبر "كل" لأن المعنى: ما منهم أحد إلا من وجدته، فأشبهت لذلك الموصول، فساغ حذف الضمير. وقال الفراء أيضًا: لا أضمر الهاء إلا مع ستة أشياء: كل ومن وما وأي -يعني في الاستفهام- ونعم وبئس. ومثال ذلك في نعم وبئس: نعم الرجل لقيت، وبئس الرجل ضربت، وهذا على مذهب الفراء في أن نعم وبئس يرتفعان على الابتداء. قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: "والصحيح أن حذف الضمير/ من الجملة الواقعة خبرًا لهذه الأسماء لا يجوز إذا أدى إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه؛ كما لا يجوز ذلك في غيرها، وإن جاء منه شيء في الكلام فشاذ لا يقاس عليه، وإنما جاز حذفه من الصلة، ولم يجز من خبر المبتدأ، لأن حذفه من الصلة لا يؤدي إلى تهيئة العامل للعمل وقطعِه عنه؛

стр. 1059

إذ الصلة لا تعمل في الموصول، وليس كذلك أسماء الاستفهام وكل كلا لأن ما من أسماء الاستفهام يسوغ له أن يعمل فيها، وكذلك ما بعد كل وكلا قد يجوز أن يعمل فيها، وأيضًا فالصلة والموصول كالشيء الواحد، فطال لذلك الموصول بصلته، والطول موجب للتخفيف بالحذف، وليست أسماء الاستفهام وكل وكلا مع أخبارها كالشيء الواحد، فيسوغ التخفيف بحذف الضمير من أخبارها" انتهى كلامه. وقال أبو جعفر الصفار: "أجاز س في الشعر: زيدٌ ضربت، ومنع ذلك الكسائي والفراء وأصحاب س، وحكي عن أبي العباس أنه قال: لا يضطر الشاعر إلى هذا لأن وزن المرفوع والمنصوب واحد. وأجاز الكسائي والفراء: كلهم ضربت، ورجل ضربت أفضل من رجل تركت؛ لأن كلا إحاطة، إذا قلت "كلهم ضربت" فمعناه: لم يبق أحد إلا ضربت، فلما صار المعنى يصير إلى النكرة صار الفعل كأنه صلة للنكرة، وكذلك النكرات كلها عندهما. وأجاز الفراء أيضًا الرفع في كل اسم لا يكون إلا في صدر الكلام مثل كم وأي، وفي كل اسم لا يتعرف نحو من وما؛ لأن الاسم يكون في صدر الكلام لا يزايله، والفعل له، فكثر الكلام به، وإنما يجئ مفعولًا به في بعض الكلام، وقد عرف موضعه بالرفع، فأجروه على ذلك، وأضمروا الهاء، ولم يجز ذلك في زيد وعمرو لأنهما يتقدمان ويتأخران، هذا احتجاج الفراء" انتهى ما نقله أبو جعفر. وأين ما ادعى المصنف من الإجماع في "كل" وما أشبهه في العموم، ولم يقل به في "كل" إلى الفراء في نقل، وإلا الفراء والكسائي في نقل آخر؟

стр. 1060

وإن كان الضمير مجرورًا فإما أن يكون مجرورًا بالإضافة أو بحرف جر: إن كان مجرورًا بالإضافة فلا يجوز حذفه، وسواء أكان أصله النصب نحو: زيد أنا ضاربه، أم لم يكن نحو: زيد قام غلامه، هذا نقل أكثر أصحابنا وإطلاقهم، وفي كلام بعضهم أنه إذا كان مجرورًا وأصله النصب فقد يحذف. وإن كان مجرورًا بحرف جر فإما أن يؤدي إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه أو لا: إن أدى لم يجز حذفه، نحو: زيد مررت به، وإن لم يؤد جاز، فتقول: السمن منوان بدرهم، التقدير: منوان منه بدرهم، وقال الشاعر: /كأن لم يكونوا حمى يتقى إذ الناس إذ ذاك من عز بزا أي: من عز منهم بز. ومنه في أحد الأقوال: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (٣٠)﴾ أي: منهم. ولخص بعض أصحابنا حذف الضمير، فقال: لا يجوز حذفه إلا بشرط أن لا يكون فاعلًا ولا مفعولًا لم يسم فاعله ولا مؤديًا إلى لبس، نحو: زيد ضربته في داره، ولا إلى إخلال نحو: زيد قام غلامه، لأن حذفه يخل بالتعريف الذي استفادة الغلام منه، ولا إلى التهيئة والقطع، فهذه خمسة شروط في جواز حذف الضمير العائد من الجملة إلى المبتدأ. وتبين أن ما ذكره المصنف في الفص وفي الشرح منقود من وجوه:

стр. 1061

أحدهما: أنه إذا نصب بفعل أو وصف فقد يحذف. وذكرنا أن ذلك لا يجوز عند البصريين إلا في الشعر، وسواء أكان فعل تعجب أم غيره. الثاني: أنه إذا جر بحرف تبعيض فقد يحذف. وليس كما ذكر؛ إذ لو كان حذف الضمير منجرًا بـ"من" التبعيضية، وأدى إلى تهيئة العامل وقطعه، لم يجز، نحو: الرغيف أكلت منه، فلا يجوز حذف "منه" لأن حذفه يؤدي إلى التهيئة والقطع. الثالث: أنه إذا جر بحرف ظرف فقد يحذف. واستدل على ذلك بقوله: ........................... ويوم نساء، ويوم نسر وبقوله: وشهر ترى. وهذا لا يجوز لأنه يؤدي إلى التهيئة والقطع. الرابع: أنه أعرب "ويوم نساء، ويوم نسر" و"شهر ترى" مبتدأ، والجمل بعدها أخبارها. وهذا يحتمل أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، أو خبر مبتدأ محذوف، و"نسر" و"ترى" جمل في موضع الصفة، وحملها على الصفة أولى لأن الحذف منها أقرب من الحذف من أخبار المبتدأ. الخامس: أنه إذا كان منجرًا باسم الفاعل فإنه ذكر أنه يحذف. وذكرنا أنه لا يجوز ذلك عند أصحابنا، وإن جاء منه شيء فبابه الشعر. السادس: دعواه بالإجماع إذا كان المبتدأ كلًا أو شبهه في العموم والافتقار. وقد ذكرنا أن الكسائي والفراء في نقل أجازا ذلك مع كل، وأن الفراء أجازه في نقل آخر مع كل.

стр. 1062

السابع: أنه ذكر أن ما أشبه كلًا في العموم والافتقار يجوز حذف الضمير من الخبر معه، ومثل بـ"أيهم" الموصولة. ولا أعلم له سلفًا في ذلك، بل ذلك عند أصحابنا إن وجد ففي الشعر. الثامن: أنه ذكر أنه فصل بين: زيد ضربت، وبين: كل ضربت، فالرفع في "كل" جائز عند الإجماع، والرفع في "زيد ضربت" ضعيف. ولا فصل بينهما عند أصحابنا. التاسع: نقله عن البصريين جواز "زيد ضربت" في الكلام، وأن الكوفيين يخصونه بالشعر. والنقل عن الكوفيين مختلف، أما هشام/ فنقل عنه أنه يجيزه في الاختيار، وأما الكسائي والفراء فمنعا ذلك في الشعر. وأما البصريون فجوزوه في الشعر. وهذا اضطراب كثير في هذه المسألة للمصنف، ﵀. -[ص: ويغني عن الخبر باطراد ظرف، أو حرف جر تام معمول في الأجود لاسم فاعل كون مطلق، وفاقا للأخفش تصريحًا، ولسيبويه إيماء، لا لفعله، ولا للمبتدأ، ولا للمخالفة، خلافًا لزاعمي ذلك. وما يعزى للظرف من خبرية وعمل فالأصح كونه لعامله، وربما اجتمعا لفظًا.]- ش: مثال الظرف: زيد أمامك، ومثال حرف الجر: زيد في الدار. وقوله تام احتراز من أن يكون ناقصًا، نحو: زيد فيك، وزيد عنك، فإن مثل هذا لا يصح أن يخبر به عن "زيد".

стр. 1063

وقوله معمول في الأجود لاسم فاعل كون مطلق فإذا قلت: "زيد أمامك" فتقديره: زيد كائن أمامك. وإنما كان أجود عنده أن يقدر العامل مفردًا لأن أصل الخبر أن يكون مفردًا، فجعل المحذوف مفردًا لا فعلًا لأتنه جملة بإجماع، ولأن العرب حين تجمعت بين العامل والمعمول جمعت بينهما والعامل اسم فاعل على ما سيأتي، إن شاء الله، ولأن تقدير الفعل لا يغني عن تقدير اسم الفاعل ليستدل به على أنه في موضع رفع، واسم الفاعل لا يحتاج إلى تقدير، ولأن كل موضع وقع فيه الظرف صالح لوقوع اسم الفاعل، وبعض المواضع لا يصلح فيه الفعل، نحو: أما عندك فزيد، وجئت فإذا عندك زيد. وقوله لا لفعله هذا منسوب إلى س، وبه قال أبو علي والزمخشري وغيرهما. ورجح هذا القول بأن الفعل متعين في وصل الموصولات، والفرق بينهما أنه الوصل واقع موقعًا لا يقع فيه المفرد، بل إن وقع أول

стр. 1064

بجملة، وهنا الأصل فيه المفرد، وإذا وقعت فيه الجملة أولت بالمفرد. ورجح أيضًا بأن أصل العمل للفعل، فمتى أمكن أقر على حاله، وقد أمكن بتقديره. وعورض بأن الموضع للمفرد. وقال ابن الدهان: رأيت بيتًا هو حجة على أنه جملة، وهو قوله: أفي الله أما بحدل وابن أمه فيحيا، وأما ابن الزبير فيقتل ومعلوم أن "ما" تقطع ما بعدها عما قبلها، والهمزة لا تصدر إلا جملة، ولا تتصدر مفردًا، فثبت أنه جملة. وقوله ولا للمبتدأ زعم ابن أبي العافية وابن خروف وغيرهما أن مذهب س أن الظرف منصوب بالمبتدأ نفسه، وهو خبر عنه، وعمل فيه المبتدأ النصب لا الرفع لأنه ليس الأول في المعنى، فإذا كان الخبر هو الأول رفع، وإذا كان غير الأول نصب. قال ابن خروف: "العامل عند س/ في الظرف المبتدأ، وهو الذي نص عليه في أبواب الصفة، عمل فيه نصبًا كما عمل في المفرد رفعًا لكونه إياه، ولما لم يكن المبتدأ الظرف عمل فيه نصبًا، وهو مذهب متقدمي أهل البصرة" انتهى.

стр. 1065

وذكر المصنف في الشرح أن ابن خروف ذهب إلى ذلك، وأنه قال: "هو مذهب س". ثم ذكر المصنف كلامًا لـ"س"، زعم أنه هو الذي حمل ابن خروف على نسبة هذا المذهب لـ"س"، وتأوله، وطول فيه، قال: وهو يبطل من سبعة أوجه: أحدها: أنه قول مخالف لما شهر عن البصريين والكوفيين مع عدم دليل، فوجب اطراحه. قلت: أما قوله: "إنه مخالف لما شهر عن البصريين والكوفيين" فليس كما ذكر؛ ألا ترى إلى نقل ابن خروف وغيره أنه مذهب متقدمي أهل البصرة. وأما قوله: "مع عدم دليل" فليس كما ذكر، بل الدليل يدل عليه، فكما أعلمنا المبتدأ في الخبر إذا كان إياه رفعًا، كذلك أعملناه فيه نصبًا، ومتى أمكن نسبة العمل إلى ملفوظ به كان أولى من المقدر، وقد أمكن ذلك بما ذكرناه. الثاني: أن قائله يوافقنا على أن المبتدأ عامل رفع، ويخالفنا بادعاء كونه عامل نصب، وما اتفق عليه إذا أمكن أولى مما اختلف فيه، ولا ريب في إمكان تقدير خبر مرفوع ناصب للظرف، فلا عدول عنه. قلت: لا نوافق على أن المبتدأ عامل رفع على الإطلاق، بل الاتفاق على أنه عامل رفع إذا كان الخبر هو الأول، أما إذا كان الخبر ظرفًا فلا. الثالث: أنه يلزم تركيب كلام تام من ناصب ومنصوب لا ثالث لهما، ولا نظير له، فوجب اطراحه.

стр. 1066

قلت: لا يلزم ما ذكر، بل تركب الكلام من مرفوع ومنصوب، فصار نظير: إن زيدًا قائم، فإنه تركب من منصوب ومرفوع. الرابع: أنه يستلزم ارتباط متباينين دون رابط، ولا نظير له. قلت: لا يلزم ما ذكره إذ هو نظير: أبو يوسف أبو حنيفة، فهذا التركيب الخاص حصل به الربط بين هذين المتباينين، كما أن تركب "زيد خلفك" هذا التركيب الخاص حصل به الربط، وليس حصول الربط مستدعيًا لفظًا ثالثًا يحصل به الربط. الخامس: أن نسبة الخبر من المبتدأ نسبة الفاعل من الفعل، والواقع موقع الفاعل من المنصوبات لا يغني عن تقدير الفاعل، وكذا الواقع موقع الخبر من المنصوبات لا يغني عن تقدير الخبر. قلت: ليست نسبة الخبر من المبتدأ نسبة الفاعل من الفعل، فيلزم عنه ما ذكر، بل نسبة الخبر من المبتدأ نسبة الفعل من الفاعل لأنه محكوم به ومسند إلى المبتدأ، كما أن الفعل محكوم به ومسند إلى الفاعل. السادس: أن الظرف الواقع موقع الخبر من نحو: "زيد خلفك" نظير المصدر من نحو: "ما أنت إلا/ سيرًا" في أنه منصوب مغن عن مرفوع، والمصدر منصوب بغير المبتدأ، فوجب أن يكون الظرف كذلك إلحاقًا للنظير بالنظير. السابع: أن عامل النصب في غير الظرف المذكور بإجماع لا يكون إلا فعلًا أو شبيهه أو شبيه شبيهه، والمبتدأ لا يشترط فيه ذلك، فلا يصح انتصاب الظرف المذكور به. قلت: من زعم أن الظرف منصوب بالمبتدأ نفسه لا يخرج المبتدأ عن

стр. 1067

أن يكون شبيهًا بالفعل أو شبيه شبيه، والجامع بينهما الاقتضاء. وقوله ولا للمخالفة هو قول الكوفيين، حكاه عنهم ابن كيسان، فإذا قلت: "زيد أخوك"، فالأخ هو زيد، وإذا قلت: "زيد خلفك" فالخلف ليس بزيد، فمخالفته له عملت فيه النصب. وقال غيره: الكوفيون الكسائي والفراء وهشام وشيوخ الكوفيين مجمعون على أن المحل ينصب لأنه خلاف الاسم الذي المحل حديثه، لا فعل ينصبه، ولا يقدر معه من قبله ولا من بعده. ومبناهم على ضعف المحل، وأن الذي يضعف لا يحمل من الحركات إلا الفتح، والفائدة في "زيد خلفك" أن المخاطب دل على موضع زيد، ولم يقصد لفعله في استقرار ولا قيام ولا قعود. وخالف أحمد بن يحيي أصحابه، فقال: "المحل منصوب بفعل محذوف". ورد هذا المذهب المنسوب للكوفيين بوجوه: أحدها: أن تخالف المتباينين معنى نسبته إلى كل منهما كنسبته إلى الآخر، فإعماله في أحدهما ترجيح من غير مرجح. الثاني: أن المخالفة بين الجزأين محققة في مواضع كثيرة، ولم تعمل فيها بإجماع، نحو: أبو يوسف أبو حنيفة، وزيد زهير، ونهارك صائم، وأنت فطر، و ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾، فلو صلحت المخالفة للعمل في الظرف

стр. 1068

المذكور لعملت في هذا الأخبار ونحوها لتحقق المخالفة فيها. الثالث: أن المخالفة معنى لا يختص بالأسماء دون الأفعال، فلا يصح أن تكون عاملة؛ لأن العامل عملًا مجمعًا عليه لا يكون غير مختص، هذا إذا كان العامل لفظًا مع أنه أقوى من المعنى، فالمعنى إذا عدم الاختصاص أحق بعدم العمل لضعفه. الرابع: أن المخالفة لو كانت صالحة للعمل للزم على مذهب الكوفيين أن لا تعمل في الظرف عند تأخره؛ لأن فيه عندهم عائدًا، هو رافع المبتدأ مع بعده بالتقدم، فإعمال ذلك العائد في الظرف لقربه منه أحق. وقوله وما يعزى للظرف من خبرية وعمل فالأصح كونه لعامله هذا الذي اختاره المصنف هو مذهب ابن كيسان وظاهر قول السيرافي، فإذا قلت: "زيد خلفك" على مذهب من جعل العامل في الظرف هو غير المبتدأ من اسم فاعل أو فعل فتسميته/ الظرف خبرًا هو مجاز، والخبر في الحقيقة هو العامل المحذوف. وكذلك إذا قلت: "زيد خلفك أبوه" فأبوه يقال هو فاعل بالظرف، وليس على الحقيقة، بل هو فاعل باسم الفاعل أو بالفعل العامل النصب في الظرف. وكذلك تحمله للضمير المرفوع العائد على زيد. وذهب أحمد بن يحيي إلى أن المحل نائب عن الفعل المحذوف الناصب له، يضمر فيه من ذكر الاسم ما يضمر في الفعل.

стр. 1069

وذهب الفراء إلى أن المحل إذا تأخر تحمل ضمير "زيد"، وإذا تقدم لا يتحمل ضميرًا لأنه يرفع الظاهر، فزيد مرفوع بالمحل تقدم أو تأخر، إلا أنه إذا تأخر رفع الظاهر، ورفع ضميره. والمنقول عن البصريين أنه يتحمل ضمير المبتدأ سواء أتقدم على المبتدأ أم تأخر، وأنه يرفع ذلك المضمر، ويرفع الاسم بعده، فإذا قلت: "زيد خلفك" ففي خلفك ضمير مرفوع. والدليل على ذلك أن العرب أكدت ذلك الضمير، فقالوا: إن زيدًا خلفك هو نفسه، بالرفع، فـ"نفسه"" تأكيد للضمير الذي تحمله الظرف، و"هو" تأكيد له لأنك أكدته بلفظ النفس، فاحتيج إلى توكيد بضمير منفصل. وتقول: إن المال عندك أجمع، فـ"أجمع" توكيد لذلك الضمير المستكن في الظرف، ولم يحتج إلى تأكيد لأنك أكدت بأجمع. وقال الشاعر: .............................. فإن فؤادي عندك الدهر أجمع وإذا قلت: "زيد خلفك أبوه" فـ"أبوه" مرفوع بالظرف على الفاعلية، ويجوز أن يرتفع على الابتداء، والظرف قبله خبر، والجملة من المبتدأ والخبر خبر عن "زيد"، والوجه الأول أولى لأنه إخبار بمفرد، والثاني إخبار بجملة، هكذا تلقنا هذا الإعراب من شيوخنا. وفي "الغرة" ما ملخصه: أبو علي وابن جني يدعيان انتقال الحكم إلى الظرف، إذ لو كان الحكم للعامل لجاز: قائمًا زيد في الدار،

стр. 1070

كما جاز مع العامل. وقد استخرج من س هذا القول، فقال: تقول: إياك أنت وزيد، ولا تقول: إياك وزيد؛ لأنه المضمر المرفوع لا يعطف عليه حتى يؤكد، والظرف كهذا في النيابة. وذهب أبو زيد السهيلي إلى أنه "لا يصح ارتفاع اسم بعد الظرف والمجرور بالاستقرار على أنه فاعل، وإن كان في موضع خبر أو نعت، بل بالابتداء، كما يرتفع في "قائم زيد" بالابتداء". قال: "فإن قيل: أليس يرتفع بـ"قائم" إذا اعتمد، فليرتفع هنا به؟ وقد توهم قوم أن هذا مذهب س، وأنه يجوز أن يرفع الظرف إذا قلت: زيد في الدار أبوه، ومررت برجل معه صقر، وليس مذهبه، وقد بين السيرافي مراده، وشرح وجه الغلط بما فيه غنية. فالجواب: أن الفرق بين الظرف واسم الفاعل أن اسم الفاعل مشتق، وفيه لفظ الفعل/ موجود، فإذا اقترنت به قرينة من القرائن التي يقوى بها معنى الفعل عمل عمله، والظرف لا لفظ للفعل فيه، إنما هو معنى يتعلق بالحرف، ويدل عليه، فلم يكن في قوة القرينة التي اعتمد عليها أن تجعله كالفعل، كما لم يكن في قوته إذا كان ملفوظًا به دون قرينة أن يكون كالفعل حتى يجتمع الاعتماد المقوي لمعنى الفعل مع اللفظ المشتق من الفعل، فيعمل حينئذ عمل الفعل. ووجه آخر من الفرق: إذا قلت "مررت برجل قائم أبوه" فالقيام مسند إلى الأب في المعنى، وإلى رجل في اللفظ، واتفق لما كان للكلام لفظ ومعنى، فكان في اللفظ جاريًا على ما قبله، وفي المعنى مسندًا إلى ما

стр. 1071

بعده، وأما الظرف والمجرور فليس للصفة المشتقة لفظ يجري على ما قبله، وإنما هو معنى يتعلق به الجار، وذلك المعنى مسند إلى الاسم المرفوع وخبر عنه، فصح أنه مبتدأ، والمجرور خبر له، والجملة في موضع نعت أو خبر. فإن قيل: يلزمكم إذا قدرتم الظرف في موضع خبر، وقدرتم فيه ضميرًا يعود على المبتدأ، أن تجيزوا: في الدار نفسه زيد، وفيها أجمعون إخوتك، وهذا لا يجيزه أحد، وفي هذا حجة للأخفش ولمن رفع بالظرف. قلنا: إنما قبح توكيد المضمر لأن الظرف في الحقيقة ليس هو الحامل للضمير، إنما هو متعلق بالاسم الحامل للضمير، وذلك الاسم غير موجود في اللفظ حتى يقال إنه مقدم في اللفظ مؤخر في المعنى، وإذا لم يكن ملفوظًا به فهو في المعنى والرتبة هو المبتدأ، والمجرور المقدم قبل المبتدأ دل عليه، والدال على الشيء غير الشيء، فلهذا قبح "فيها أجمعون الزيدون" لأن التوكيد لا يتقدم على المؤكد" انتهى. وفي الإفصاح: المجرورات إذا كانت معتمدة على ما قبلها، أي صفة أو حالًا أو خبرًا عنه فأكثر النحويين على أن ما بعد المجرور يرتفع به ارتفاع الفاعل لا غير، والمجرور في موضع الصفة أو الحال أو الخبر. ومنهم من قال: المجرور في هذه المواضع خبر مقدم، وما بعده مبتدأ، وتكون الجملة في موضع الصفة أو الحال أو الخبر. ومنهم من أجاز الوجهين، كما يرى أبو الحسن في المجرورات

стр. 1072

والظروف وإن لم تعتمد. وكلام س محتمل، وكل تأول على مذهبه. وقوله وربما اجتمعا لفظًا مثاله ما ورد من قول الشاعر: لك العز إن مولاك عز، وإن يهن فأنت لدى بحبوحة الهون كائن وفي هذا البيت دليل على أن العامل في الظرف هو اسم فاعل إذ ظهر في هذا البيت. ومثل هذا البيت قوله: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًا عِندَهُ﴾ فـ"مستقرًا" حال، والعامل فيها محذوف، وقد ظهر في هذا، وهو امس فاعل لا فعل. وقال ابن الدهان: ﴿مُسْتَقِرًا﴾ ليس عاملًا/ في الظرف، وإنما (عنده) للرؤية، و ﴿مُسْتَقِرًا﴾ حال من الهاء. -[ص: ولا يغني ظرف زمان غالبًا عن خبر اسم عين ما لم يشبه اسم المعنى بالحدوث وقتًا دون وقت، أو تعم إضافة معنى إليه، أو يعم واسم الزمان خاص أو مسؤول به عن خاص. ويغني عن خبر اسم معنى مطلقًا، فإن أوقع في جميعه أو أكثره وكان نكرة رفع غالبًا، ولم يمتنع نصبه ولا جره بـ"في"، خلافًا للكوفيين. وربما رفع خبرًا الزمان الموقوع في بعضه.]- ش: لا تقول: زيد اليوم، ولا: بكر غدًا. واحترز بقوله: "غالبًا" من قول امرئ القيس "اليوم خمر وغدًا أمر"، وقول الشاعر:

стр. 1073

جارتي للخبيص، والهر للفأ ر، وشاتي إذا أردت مجيعا فشاتي: مبتدأ، وهي جثة، وإذا ظرف زمان، وقد وقع خبرًا للجثة. وكذا "اليوم خمر"، الخمر جثة، واليوم ظرف زمان، وهو خبر عنه. وقوله ما لم يشبه اسم المعنى بالحدوث وقتًا دون وقت مثاله: الهلال الليلة، والرطب شهري ربيع، والطيالسة ثلاثة أشهر، والصيد شهري ربيع؛ وزيد حين بقل وجهه، وزيد حين طر شاربه، والجباب شهرين، والثلج شهرين، والحجاج زمان ابن مروان، ومتى أنت وبلادك؟ أي: متى عهدك ببلادك؟ واختلف النحويون في هذا: فذهب الجمهور إلى أنه لا يقع ظرف الزمان خبرًا عن الجثة من غير تفصيل، سواء أجئت بالظرف منصوبًا أم جررته بفي، وتأولوا ما ورد من ذلك على حذف مضاف. وأجاز ذلك قوم بشرط أن يكون فيه معنى الشرط، نحو: الرطب إذا جاء الحر. وذهب بعض المتأخرين إلى أنه لا يمتنع ذلك إذا أفادت، وإن لم يكن فيه معنى الشرط، وإذا وصفت الظرف، ثم جررته بفي، جاز وقوعه

стр. 1074

خبرًا للجثة، نحو: نحن في يوم طيب، ونحن في يوم صائف. وقال أبو الحسين بن عبد الوارث -وهو ابن أخت أبي علي الفارسي-: "الهلال الليلة هو على ظاهره لا على حذف مضاف؛ لأن الهلال يكون ظاهرًا، ثم يستنير، ثم يظهر، فلما اختلفت به الأحوال جرى مجرى الأحداث التي تقع مرة، وتزول أخرى، فجاز جعل الزمان خبرًا عنه". قال عبد القادر الجرجاني: "ويوضح ما قاله أن الهلال ليس باسم وضع علمًا للنير كالشمس والقمر، وإنما هو اسم يتناوله في حال دون حال، والاسم الموضوع له "القمر"، فلما كان كذلك صار إذا قيل: "الهلال" كأنه قيل: استنارة القمر، أو بدو القمر، فهو إذًا متضمن لمعنى الحدوث، فيجوز أن تجعل "الليلة" خبرًا عنه، ولهذا قال ابن السراج: لو قلت: الشمس اليوم، والقمر الليلة، لم يجز لأنه غير متوقع، فلا يتضمن الدلالة على الحدوث". وقال السهيلي:/ "فإن قلت: فقد قالوا: زيد حين بقل وجهه، وطر شاربه. قلنا: إنما جاز ذلك بقرينة أخرجته عن معنى الظرف من الزمان إلى معنى الوصف بمقدار السنين، وهي إضافة الوجه إليه، ولو قلت: "حين بقل وجه عمرو" لم يجز مع أنه أيضًا مخصوص بلفظ "حين"، ولو قلت "زيد يوم بقل وجهه" لم يجز لما في لفظ "حين" من لفظ حان يحين الذي يصح أن يكون خبرًا عن زيد".

стр. 1075

وقوله أو تعم إضافة معنى إليه ثبت في بعض النسخ عوض هذا قوله: "أو تنو إضافة معنى إليه", مثاله: أكل يوم ثوب تلبسه؟ وأكل ليلة ضيف يؤمك؟ وقال الراجز: أكل عام نعم تحوونه يلقحه قوم, وتنجونه وقال الشاعر: أفي كل عام مأتم تبعثونه على محمر ثوبتموه, وما رضا التقدير: تجدد ثوب, وإحراز نعم, وحدوث مأتم. وقوله أو يعم واسم الزمان خاص مثاله: نحن في شهر كذا. وقوله أو مسؤول به عن خاص مثاله: في أي الفصول نحن؟ وفي أي شهر نحن؟ وفي أي عام نحن من تاريخ خلافة فلان؟ لأن مثل هذا قد يجهل. وقوله ويغني عن خبر اسم معنى مطلقا يعني بقوله: "مطلقا" سواء أوقع المعنى في جميعه أو في بعضه. وقوله فإن أوقع في جميعه مثاله:﴾ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ

стр. 1076

شَهْرًا ﴿, وقوله تعالى:﴾ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ﴿. وقوله أو أكثره:﴾ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ﴿ وقوله وكان نكرة لأنه إن كان معرفة فيجوز فيه الرفع والنصب باتفاق من الكوفيين والبصريين, نحو: قيامك يوم الخميس, وصومك اليوم, إلا أن النصب هو الأصل والغالب. وقوله رفع غالبا, ولم يمتنع نصبه ولا جره بـ "في", خلافا للكوفيين تقدم تمثيل رفعه, وأما نصبه وجره بـ "في" فلا يمتنع عند البصريين, ومنع ذلك الكوفيون. وحجتهم صون اللفظ عما يوهم التبعيض فيما يقصد به الاستغراق. وهذا مبني على قول بعضهم إن "في" للتبعيض, حكاه السيرافي. وليس بصحيح, وإنما "في" للظرفية بحسب الواقع في مصحوبها, فإن كان يستغرق فلا تمنع منه "في" ولا معناها, ولذلك يقال: في الكيس درهم, وفي الكيس ملؤه من الدراهم. انتهى شرح هذا ملخصا من كلام المصنف في شرحه. ونقول: الظرف الزماني إما أن يقع خبرا لزمان أو لمصدر, وقد تقدم الكلام عليه مع الجثة. فإن وقع خبرا لزمان غير أيام الأسبوع, وهو على قدر المبتدأ, فالرفع فقط, تقول: زمان خروجك الساعة, وإن كان أعم جاز الرفع والنصب, تقول: زمان خروجك يوم الجمعة, فيوم الجمعة بالنصب حقيقة, ويوم بالرفع مجاز, تجعل الخروج طويلا/ قد استغرق اليوم أجمع.

стр. 1077

وإن كان من أيام الأسبوع فالرفع, نحو: الأحد اليوم, وكذلك أسماء الأيام جميعها إلا الجمعة والسبت, فإنه يجوز رفع اليوم ونصبه. هذا مذهب البصريين, وسيأتي ذكر الخلاف في ذلك عند تعرض المصنف له. وإن وقع خبرا لمصدر, وكان معرفة, فالرفع والنصب. وإن كان نكرة فذهب هشام إلى أنه يلتزم فيه الرفع, فتقول: ميعادك يوم ويومان. وذهب الفراء إلى أن المنكور من المواقيت يرفع وينصب كالمعرفة, وهو مذهب البصريين, هذا نقل أبي بكر بن الأنباري. وحكي السيرافي أنه يجوز الرفع والنصب باتفاق معرفة كان أو نكرة. وحكي النحاس عن الكوفيين رفعه نكرة ونصبه معرفة. وحكي غيرهما التفصيل عن الكوفيين: فإن كان معدودا فالاختيار الرفع, وقل النصب, نحو: القتال يومان؛ لأنه صار في معنى ما الثاني فيه الأول؛ ألا ترى أن المعنى: أمد ذلك يومان, فالأول إذا هو الثاني, فيكون الرفع مختارا. وإن كان غير معدود فالنصب أحسن, نحو: القتال يوم الجمعة؛ لأن هذا ليس بأمد؛ ألا ترى أن المعنى: وقت الجمعة. ومستندهم أن السماع ورد به, قال تعالى:﴾ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا

стр. 1078

شَهْر﴾. ولا يدل إلا على أن الرفع في المعدود أحسن منه في غير المعدود, وأما أن يكون أحسن من النصب فلا؛ لأن النصب هو الحقيقة. وهذا كله إذا لم يكن الحدث مستغرقا للزمان. فإن كان مستغرقا فمذهب البصريين أنه يجوز فيه الرفع والنصب, ومذهب الكوفيين انه لا يجوز فيه إلا الرفع, فإذا قيل: "قيامك يوم" فالقيام آخذ بجملة اليوم, فإن كان القيام في بعض اليوم فهو منصوب مع النعت أو الصلة, فتقول: قيامك يوما مباركا من الدهر, فإن قلت: "قيامك شهر" فالرفع والنصب على المعنيين المختلفين, والمضاف للمصدر كالمصدر, نحو: أفضل قيامك يوم الجمعة, برفع "يوم الجمعة" ونصبه, والمصادر كلها تنتصب على الأوقات. فإذا وقعت خبرا لزمان, وكان أعلم من الزمان, جاز الرفع والنصب, نحو: زمان خروجك خلافة الحجاج, أو مساويا فالرفع نحو: زمان خروجك خفوق النجم. وإن وقعت خبرا لغير زمان جار عند البصريين الرفع والنصب من غير تفصيل, قيل: فتقول: قيامي صياح الديك, وخروج الأمير وخروجكم, وخروجنا, ويجوز الرفع على قبح على أن القيام وقت الخروج. وفصل الكوفيون, فقالوا: إن كان معدودا فالرفع عندهم أحسن, نحو: خروجي خلافة الحجاج. وإن لم يكن معدودا فالنصب خاصة إن كان أعلم, نحو: ولادة زيد ظهور الأزراقة. ولم يشترط الكوفيون في نصب المصدر ميقاتا أن يكون فيما يعرف. ولا نقل أحفظه عن البصريين/ في ذلك إلا ما حكي عن الزجاج أنه لا يجيز هذا إلا فيما يعرف, نحو: قدوم

стр. 1079

الحاج, وخفوق النجم, ولو قلت: لا أكلمك قيام زيد, تريد: وقت قيام زيد, لم يجز لأنه لا يعرف. ولا يكون المصدر وقتا إلا أن يكون مصرحا, فمن قال: يعجبني أن تقوم, وما تقوم, لا يقول: خروجنا أن يصيح الديك, ولا: ما يصيح الديك. وإذا كان المصدر خبرا للمصدر, ولم يرد به زمن البتة وجب الرفع, ويكون بمنزلة قوله: وظني بها حفظ بعين ورعية لما استودعت, والظن بالغيب واسع أراد: ومظنوني بها كذا, أو: وصاحب ظني كذا, فهو مصدر لم يخرج إلى الزمان. وقوله وربما رفع خبرا الزمان الموقع في بعضه مثاله: الزيارة يوم الجمعة, وسواء أكان الظرف معرفة أم نكرة, وقال: زعم البوارح أن رحلتنا إذا وبذاك خبرنا الغداف الأسود يروى بنصب غد ورفع. قال المصنف في الشرح: "والوجهان في هذا النوع جائزان بإجماع, إلا أن النصب أجود لأن الحذف معه أقيس, واستعماله أكثر" انتهى. وما ذكر من أن الوجهين جائزان بإجماع ليس بصحيح, فقد ذكرنا أن هشاما يوجب الرفع في النكرة, ولا يجيز النصب, وأن الفراء يجيزهما في النكرة كالبصريين. ص: ويفعل ذلك بالمكاني المتصرف بعد اسم عين: راجحًا إن كان

стр. 1080

المكاني نكرة, ومرجوحا إن كان معرفة, ولا يخص رفع المعرفة بالشعر, أو بكونه بعد اسم مكان, خلافا للكوفيين. ويكثر رفع المؤقت المتصرف من الظرفين بعد اسم عين مقدر إضافة بعد إليه. ويتعين النصب في نحو: أنت مني فرسخين, بمعنى: أنت من أشياعي ما سزنا فرسخين. ش: أي: ويفعل ذلك أي: الرفع. واحترز بقوله: "المتصرف" مما لا يتصرف, نحو: عندك, وانتصب "راجحا" على الحال من اسم الإشارة. ومثال رجحانه في المكاني النكرة: المسلمون جانب والمشركون جانب, ونحن قدام وأنتم خلف. "والنصب جائز عند البصريين والكوفيين ومن زعم أن مذهب الكوفيين في هذا التزام الرفع فقد وهم". وقوله ولا يخص رفع المعرفة بالشعر, أو بكونه بعد اسم مكان, خلافا للكوفيين المختار عند البصريين نحو: زيد خلفك, ويجوز الرفع نحن: زيد خلفك, وأمامك, وسواء أكان خبرا لاسم مكان أو ذات غيره نحو: داري أمام دارك, وزيد أمام دارك. وقد قصر الكوفيون جواز الرفع على الشعر, أو على أن يكون خبرا لاسم مكان, وهذا معنى الذي ذكره المصنف في شرحه كلامه. وفيه تفصيل, فنقول: الظرف المكاني إذا وقع خبرا فإما أن يكون خبرا للأسماء غير المواضع والمصادر, أو للمواضع, أو للمصادر: إن وقع خبرا للأول فإما أن يكون مضافا أو غير مضاف: إن كان مضافا فإما لنكرة أو لمعرفة:/ إن

стр. 1081

كان مضافاً لنكرة نحو: زيد خلف حائط, وبكر وراء جبل, فاتفق البصريون والكوفيون على جواز رفعه ونصبه. وإن أضيف إلى معرفة نحو: زيد خلفك, فمذهب البصريين جواز رفعه ونصبه, ومذهب الكوفيين أنه لا يجوز إلا النصب, هذا إن لم يملأه, فإن ملأه فالرفع عندهم أحسن من النصب, نحو: زيد مكانك, تجعله المكان لأنه قد ملأه, فصار كأنه هو, فأما قول الشاعر: .................. .................. إلا جبرئيل أمامها فقالوا: لما كان لعظمه يملأ الأمام رفع الأمام, ولا فرق عند البصريين بين أن يملأ أو لا يملأ, يجيزون الرفع والنصب. وإن لم يكن مضافا فإما أن يكون مصحبا من أو غير مصحب من: إن كان مضحبها جوزوا كلهم رفعه ونصبه, نحو: زيد قريبا منك, وقريب منك, والقوم ناحية من الدار, وناحية من الدار, قال س: "قال يونس: العرب تقول: هل قريبا منك أحد؟ ". وقال الكسائي والفراء وهشام: يقال: عبد الله قريب منك, وقريبا منك, وبعيد منك, وقليل في كلام: بعيدا منك, وإنما قل لأنهم لما قالوا: عبد الله قربك, وبقربك حسن ذلك مذهب المحل في قريبا منك, وحين لم يقولوا: عبد الله بعدك, وببعدك قبح ذلك مذهب المحل في: بعيدا منك, وهو جائز في القياس. وأجازوا:

стр. 1082

إن قريباً منك الماء, بنصب الماء ورفعه, وقال الكسائي والفراء وهشام: كلام العرب: إن بعيدا منك الماء, برفع الماء, ونصبه قليل, وأنشدوا قول الراجز: إن قريبا منك صقرا صائدا وإن كان غير مصحب بـ "من" فإما أن يكون بألف ولام, أو بغير ألف ولام: إن كان بألف واللام فالرفع عند الكوفيين والبصريين, وأما النصب فلا يجوز عند الكوفيين, ويجوز عند البصريين, فتقول: زيد الأمام, وزيد الشمال, وبكر اليمين. وإن كان بغير ألف ولام فإما أن يعطف عليه منكور مثله أو لا يعطف: إن عطف فالاختيار عند الكوفيين الرفع, ويجيزون النصب على غير اختيار. والبصريون يسوون بين الرفع والنصب, فيقولون: القوم يمين وشمال, ويمينا وشمالا, وزيد مرأى ومسمعا, ومرأى ومسمع. وإن لم يعطف عليه مثله رفعه الكوفيون لا غير, وجوز البصريون رفعه ونصبه, فقالوا: زيد خلف وخلفا. فإن كان الظرف مختصا لم يرفع ولم ينصب, نحو: زيد دارك أو دارك, لا يجوز لا برفع ولا بنصب إلا فيما سمع نحو قولهم: زيد جنبك, ولا يقاس عليه: زيد ركن الدار, لا برفع ولا بنصب. وإن وقع الظرف المكاني خبرا للمواضع نصب ورفع, نحو: مكاني خلفك وخلفك, وقالت العرب: منزله شرقي الدار, رفعوا على أن المنزل هو الشرقي؛ ونصبوا على مذهب الناحية/. فإن كان الظرف المكاني مختصا فالرفع, نحو: موعدك ركن الدار,

стр. 1083

وموعدك المسجد والمقصورة, لا ينصب شيء من هذا, فأما: موعدك باب البردان وباب الطاق, فيرفع على أن الموعد هو الباب, وينصب على معنى: موعدك ناحية باب البردان, وناحية باب الطاق, والمستعمل بالنصب من المختصات لا يقاس عليه غيره مما لم يكثر استعماله, ولذلك من قال: موعدك بيت المقدس, ومدينة أبي جعفر, وطاق الحراني, لا ينصب شيئا منه وهو يقصد الناحية لأنه لم يكثر به استعمال. وإن وقع الظرف المكاني خبرا للمصادر, نحو: القتال خلفك, والضرب قدامك, فالنصب, والنص على أنه لا يجوز "خروجك وراؤنا" بالرفع. وقد اتضح بهذا الذي ذكرناه ما في كلام المصنف من التقصير في نقل الأحكام والخلل: أما التقصير فإنه لم يستوف ما يكون الظرف المكاني خبرا له من أسماء المواضع ومن المصادر ومن غيرهما من الأسماء كأسماء الناس وغيرهم. وأما الخلل فقوله "إنه يرفع المكاني المتصرف بعد اسم عين راجحا إن كان المكاني نكرة", وإذا كان نكرة ففيه ما ذكرناه من التفصيل من أنه لا يخلو أن يكون مضافا لنكرة أو مصحبا بمن أو غير مصحب, فإن كان مضافا لنكرة أو مصحبا بمن جاز الرفع والنصب, أو غير مصحب بمن معطوفا عليه منكور مثله فالاختيار الرفع عند الكوفيين,

стр. 1084

ويجوزون النصب على غير اختيار, والبصريون يسوون بينهما, أو غير معطوف عليه مثله فالوجهان عند البصريين, وأما الكوفيون فلا يجوز عندهم فيه إلا الرفع, هذا هو الصحيح في النقل عن الكوفيين لا ما زعم المصنف في الشرح من قوله "إن من زعم أن مذهب الكوفيين في هذا التزام الرفع فقد وهم". قال أبو بكر بن الأنباري: إذا أتى خبرا لأسماء الناس, وأفرد من الإضافة, رفعه الكوفيون لا غير, وجوز البصريون رفعه ونصبه, فقالوا: زيد خلف وخلفا, وأبطل الكوفيون: زيد خلفا. وقال الفراء: العرب تقول: التقى الجيشان فالمسلمون جانب والروم جانب, ولا يجوز في جانب وجانب إلا الرفع لتنكيرهما, فإذا قلت: "فالمسلمون جانب الروم والروم جانب المسلمين" لم يكن في الجانبين إلا النصب لتعريفهما, فإن قالوا: "فالمسلمون جانب من الروم والروم جانب من المسلمين" جاز في جانب وجانب الرفع والنصب, أدنته "من الإضافة, وشبهته بما يكون مضافا بغير من, قال الشاعر: فيما بي من حمى ولا مس جنة ولكن عمي الحميري كذوب عيشة لا عفراء منك بعيدة فتسلو, ولا عفراء منك قريب معناه: مكان قريب. ومن الخلل الواقع في كلام المصنف قوله "ولا يخص رفع المعرفة بالشعر أو بكونه بعد اسم مكان, خلافا للكوفيين", فأفهم أن الكوفيين

стр. 1085

يخصون رفع المعرفة/ بالشعر أو بكونه خبرا لاسم مكان, وهذا عند الكوفيين فيه تفصيل, قالوا: ما يحسن من المحال فيه "في" يختار رفعه في أخبار المواضع, ويجوز نصبه, وما لا يحسن فيه "في" يختار نصبه, ويجوز رفعه, فالذي يؤثر فيه الرفع: منزله ذات اليمين وذات الشمال؛ لأن "في" يحسن, فيقال: في ذات اليمين وفي ذات الشمال. والذي يؤثر نصبه: منزلي خلفك, لا يحسن فيه: في خلفك. وقوله ويكثر رفع الموقت المتصرف من الظرفين بعد اسم عين مقدر إضافة بعد إليه الموقت هو المحدود كيوم ويومين وثلاثة أيام وفرسخ وميل. واحترز بقوله: "المتصرف" من الظرف الذي التزم فيه النصب على الظرفية كـ "ضحوة" معينا. ويعني بقوله: "من الظرفين" ظرف الزمان وظرف المكان, ومثال ذلك: زيد مني يومان أو فرسخان, أي: بعد زيد مني يومان أو فرسخان. فلو كان مختصا لم يجز الرفع ولا النصب نحو: زيد دارك وبستانك, وزيد البيت والمسجد, إلا فيما سمع نحو: زيد جنبك, ولا يقاس عليه: زيد يديك ورجليك وكتفيك وعضديك, ما لم يقع به استعمال, أو إلا أن يقصد المقدار, وقام على ذلك دليل, نحو: زيد مني المسجد الجامع, ولا يكون فيه إذ ذاك إلا الرفع, حكي الكسائي والفراء "زيد مني الكوفة" على هذا المعنى, ولا وجه لنصب الكوفة, وأجاز الفراء: هو مني مكان الحائط منك, النصب على المحل, والرفع بتأويل: قدره مني كقدر مكان الحائط منك. ويجري مجرى الظرف في ذلك المصدر, قالوا: هو مني فوت اليد, وهو مني دعوة رجل وعدوة فرس, بالرفع والنصب, فإذا رفعوا أضمروا القدر, وإذا نصبوا بنوا على المحل.

стр. 1086

وقوله ويتعين النصب في نحو: أنت مني فرسخين, بمعنى أنت من أشياعي ما سرنا فرسخين إنما تعين النصب على الظرف لأن قوله: "أنت مني" بمعنى: من أشياعي, مبتدأ وخبر, بخلاف قولك: أنت مني فرسخان, وأنت تريد: بعدك مني, فإن "مني" متعلق بذلك المقدر المحذوف, وليس في موضع خبر, وإنما الخبر "فرسخان", فمن رفع فالتقدير: بعد مكانك مني فرسخان, ومن نصب فعلى الظرف, وهو في موضع الخبر, وإذا كان "أنت مني" بمعنى: أنت من أشياعي, فيكون كقوله:﴾ فَمَن تَبِعَنِى فَإنَّهُ مِنّىِ ﴿, وينتصب فرسخين بالخبر الذي يتعلق به مني, أي أنت تابع من أتباعي في فرسخين, أي في سيرنا فرسخين. وظاهر كلام المصنف أن "فرسخين" منصوب بذلك الذي قدره, وهو: ما سرنا فرسخين, وليس بجيد لأن "ما سرنا" "ما" فيه مصدرية ظرفية, و "سرنا" صلة "ما", و "فرسخين" معمول لصلة "ما", ولا يجوز حذف الموصول والصلة وإبقاء معمولها. وقال س: "أنت مني فرسخين تقديره: أنت مني ما دمت تسير فرسخين". وهو شبيه بتقدير المصنف, إلا أن س جعل صلة "ما" "دام" الناقصة, وحذف "ما" و "دام" وخبرها, وأبقى/ معمول الخبر, فهو أبعد من تقدير المصنف. وقد رد أحمد بن يحي على س قوله, فقال: ليس على هذا الإضمار دليل, ولا يدعو إليه اضطرار, ولا ينبغي أن يطالب الإضمار إذا قام الكلام الظاهر بنفسه.

стр. 1087

والذي ينبغي أن يخرج عليه كلام س وتقديره إنما هو تفسير المعنى لا تفسير الإعراب؛ لأنه إذا كان تابعا من أتباعه في فرسخين دل على أنه لا يكون تابعه في أكثر منها, فهذا معنى قول س: "ما دمت تسير فرسخين", فإذا كان تفسير معنى بطل رد أحمد بن يحي. وفي البسيط: هو مني فرسخان, لا يجوز النصب لأنك تريد: بيني وبينه هذه المسافة, فلا عمل فيه إلا أن تريد معنى المصاحبة, أي: هو مصاحبي, كما قاله س. وقد قيل: إن منه: هو مني عدوة الفرس, ودعوة الرجل, وفوت اليد, ولذلك لم يكن فيه النصب. وأما قولهم: "أنت مني مرأى ومسمع" فرفعوه- وإن لم يكن فيه المعنى المذكور- لأنهم جعلوه كـ "قريب" لكثرة استعماله في هذا المعنى, وقد ينصب لعدمه. "وأما داري خلف دارك فرسخا" فكيف انتصب والمعنى: بين داري ودارك هذا القدر من خلفها, فهو متأول: أما س فجعل الخبر في خلف, ونصب فرسخا على التمييز لاستقلال الكلام, ولأنه مبين للمقدار الذي بينهما. ونصبه المبرد على الحال؛ لأنه لما قال: "داري خلف دارك" علم أنها تبعد عنه أو تقرب, فلو قال بعيدة أو قريبة لصح على الحال, فجعل فرسخا بمنزلة "بعيدة", ولو قال: "خطوة" لكان حالا كـ "قريبة". ورد تأويل س بأن التمييز مقدر بـ "من", ولا يصح هنا. ورد بأنه يلزم في قولك: "أفضلهم رجلا" أن يكون تمييزا لأنك لا تقول: "من رجل", فكما يقدر هنا: أفضلهم من الرجال؛ لأن الأول رجل, كذلك

стр. 1088

هنا معناه: قدر ما بين داري وداره فرسخ من الفراسح. وفيه نظر, والوجهان محتملان. وقد قيل: إن مراد س بالبيان الحال. ويجوز أن ترفع فرسخا, فتقول: داري خلف دارك فرسخ, إذا ألغيت خلف, ويقوى الإلغاء إذا قلت: من خلف دارك. وقال يونس: إن من لا تضعف الظروف- وإن جر بها- لأنها تدخل على غير المتمكنة كعندك, فلا تخرجها عن الظرفية, فكذلك في المتمكن. ورضيه س. -[ص: ونصب اليوم إن ذكر مع الجمعة ونحوها مما يتضمن عملا, خلافا للفراء وهشام, وفي الخلف مخبرا به عن الظهر رفع ونصب, وما أشبههما كذلك, فإن لم يتصرف كالفوق والتحت لزم نصبه.]- ش: تقول: اليوم الجمعة, برفع اليوم ونصبه. ويعني بقوله "ونحوها مما يقتضي عملا" مثل يوم السبت والعيد والفطر والنوروز والأضحى والمهرجان, فكل هذه تقتضي عملا لأن في الجمعة معنى الاجتماع, وفي السبت معنى القطع, وفي العيد معنى العود, وفي الفطر والأضحى معنى

стр. 1089

الإفطار والتضحية,/ وفي النوروز والمهرجان معنى السرور, فكل هذه يجوز في "اليوم" معها الرفع والنصب, فتقول: اليوم الجمعة, وكذلك باقيها. وذكر المصنف أن الرفع والنصب في اليوم مع هذه الأسماء جائز بلا خلاف, إلا أنه لم يذكر الأضحى والمهرجان, وذكر غيره أن ذلك يجوز في اليوم معها. وقوله لا إن ذكر مع الأحد ونحوه نحوه هو الاثنان والثلاثاء والأربعاء والخميس. وقوله: مما لا يقتضي عملا لأن الأحد بمنزلة الأول, والاثنين بمنزلة الثاني, والثلاثاء بمنزلة الثالث, والأربعاء بمنزلة الرابع, والخميس بمنزلة الخامس, فهذه لا يلحظ فيها معنى عمل, فلا يجوز فيها إلا الرفع لأن انتصابها إنما هو على معنى أنه كائن فيها شيء, ولا شيء كائن فيها, بخلاف "اليوم الجمعة" فإن في الجمعة معنى الاجتماع, وهو معنى تصلح كينونته في اليوم, فيكون اليوم ظرفا له. وقوله خلافا للفراء وهشام يعني أنهما أجازا الرفع والنصب في اليوم مع سائر أسماء الأيام, فإذا رفع اليوم جعل الذي بعده بعينه, وإذا نصب بني على الآن, ومعنى هذا أن الآن أعم من الأحد والاثنين, فتجعل الأحد والاثنين واقعا في الآن, كما تقول في هذا الوقت: هذا اليوم. قال المصنف في الشرح: "وقد قال س ما يقوى هذا؛ لأنه قد أجاز "اليوم يومك" بنصب اليوم بمعنى الآن, وقال: "لأن الرجل قد

стр. 1090

يقول: أنا اليوم أفعل ذلك, ولا يريد يوما بعينه". فهذا مما يقوي قول الفراء. وللمحتج لـ "س" أن يقول: إن قول القائل: اليوم يومك, بمعنى: اليوم شأنك وأمرك الذي تذكر به, فأجريا مجرى واقع وموقوع فيه, بخلاف: اليوم الأحد" انتهى كلامه. وتقضي قواعد البصريين في غير أسماء الأيام من أسماء الشهور ونحوها الرفع في نحو: الوقت الطيب المحرم, وأول السنة المحرم, واليوم يومك, على تقدير: هذا الوقت وقتك, ولا يجوز النصب في شيء من هذا. وقوله وفي الخلف مخبرا به عن الظهر رفع ونصب تقول: ظهرك خلفك, فمن نصب فعلى الظرف, ومن رفع فلأنه في المعنى الظهر, وهو ظرف متصرف. وقوله وما أشبهها كذلك أي: ما أشبه الخلف والظهر. ومعنى كذلك أي: في جواز الرفع والنصب, نحو: رجلاك أسفلك, أو نعلاك أسفلك, وقرئ:﴾ وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ﴿برفع (أسفل) ونصبه. وقوله فإن لم يتصرف إلى آخره قال الأخفش: "العرب تقول: فوقك راسك, فينصبون الفوق لأنهم لم يستعملوه إلا ظرفا, والقياس أن يرفع لأنه هو الرأس, وهو جائز, غير أن العرب لم تقله. قال: وتقول: تحتك رجلاك, لا يختلفون في نصب التحت". وقال خطاب الماردي: إن أخبرت عن شيء من هذه الظروف بخبر
следующие страницы →