← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17116

التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

أبو حيان الأندلسي

Полный текст (3 950 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

على الماضي، نحو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ أي: فأصبحت: وعطف الماضي على المضارع، نحو قول الشاعر: ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت، ثمت قلت: لا يعنيني أي: ولقد مررت. ووقوع المضارع خبرًا لكان وأخواتها، نحو كان زيٌد يقوم، وأصبح زيٌد يقوم، وأصبح زيٌد يضحك. وإهماله في الظرف الماضي نحو قوله: يجزيه رب العالمين إد جزي جنات عدٍن في العلالي العلا كأنه قال: جزاه رب العالمين إذ جزي، وجعل الوعد بالجزاء جزاًء. وهذا أولى من أن يعتقد في إذا أنها بمنزلة إذا؛ لأن صرف معنى المبهم إلي الماضي لقرينه قد ثبت من كلامهم، ولم يثبت وضع إذ موضع إذا بقاطع. وزعم الأستاذ أبو الحسن بن عصفور أن من القرائن الصارفة معنى المضارع إلي المضي"لما" المحتاجة إلي الجواب، قال: "نحو قولهم: لما قوم زيٌد قام عمرٌو، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وجَاءَتْهُ البُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾، أي جادلنا "انتهى.

стр. 107

ولا دليل في هذه الآية على مدعاه؛ لأن لما في الآية اتصل بها الماضي، فليست مطابقة للمثال الذي ذكره من قوله: لما يقوم زيٌد قام عمرٌو، إنما جاء مضارعًا الجواب لا الذي اتصل بلما. على أنه يحتمل أن يكون الجواب محذوفًا، أي: شرع يجادلنا، أو أخذ يجادلنا، وحذف لدلالة المعنى عليه ولطول الكلام. وقد ذكر المصنف فيما تقدم أن"لما"التي لا تجزم لا يليها إلا الماضي لفظًا ومعنى إن/كانت بمعنى حين، أو ماٍض مستقبٌل معنى إن كانت بمعنى إلا. وله اطلاع على اللغة، فإن سمع كلامهم: لما يقوم زيٌد قام عمرٌو، كان ذلك حجة للأستاذ أبي الحسن، وإلا فلا نقيس ما يلي "لما"على جوابها، فنقول: كما جاء جوابها بالمضارع، والمراد به المضي، فكذلك نقول فيما يليها، وقد ذكرنا احتمال حذف الجواب في الآية. -[ص: وينصرف الماضي إلي الحال بالإنشاء، وإلي الاستقبال بالطلب وبالوعد وبالعطف على ما علم استقباله وبالنفي بـ"لا"و"إن"بعد القسم.]- ش: مثال انصراف الماضي إلي الحال بالإنشاء ألفاظ العقود، نحو: زوجتكها، وقبلت، بعتك، واشتريت، وأقسمت لأضربن زيدًا، وخلفت ما زيٌد قائٌم. ومثال الطلب: غفر الله لك، و"اتقى الله امرٌؤ فعل خيرا يثبت عليه"، وعزمت عليك إلا فعلت، ولما فعلت. و"غفر الله"دعاءٌ، و"إلا فعلت"و"لما فعلت"معناه: إلا أن تفعل، ومعنى اتقى: ليتق، فهو طلب بصيغة

стр. 108

الماضي، ولذلك جزم"يثب عليه". ومثال الوعد ﴿إنَّا أَعْطَيْنَاكَ الكَوْثَرَ﴾، ﴿وأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾. ومثال العطف على معلوم الاستقبال قوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾، ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ﴾، أي فيوردهم، وفيفزع. ومثال النفي بـ"لا"بعد القسم مثله المصنف في الشرح بقوله: ردوا، فوالله لا ذدناكم أبدًا ... ما دام في مائنا ورٌد لنزال ولا حجة فيه على أن النفي بـ"لا" بعد القسم يصرفه إلى الاستقبال، وإنما انصرف هنا إلى الاستقبال بإعماله في الظرف المستقبل، وهو قوله "أبدًا"، فلو جاء: والله لا قام زيدٌ، كان ذلك الفعل ماضيًا لفظًا ومعنى؛ لأن "لا" ينفى بها الماضي قليلًا. ومثال النفي بـ"إن"بعد القسم قال المصنف في الشرح" قوله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ أَن تَزُولا ولَئِن زَالَتَا إنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: والله لئن زالتا ما يمسكهما" انتهى كلامه. وليس انصراف الماضي إلي المستقبل بانتفائه بإن بعد القسم؛ ألا ترى أنك لو قلت: واللهِ إن

стр. 109

قام زيدٌ، بمعنى: ما قام، لم تصرفه إن إلى الاستقبال، بل هو ماضٍ لفظًا ومعنى، وإنما انصرف إلى الاستقبال في الآية لأنه في المعنى معلقٌ على مستقبل، وهو الشرط، لأن (إن أمسكهما) جوابٌ للقسم المحذوف، وجواب الشرط محذوفٌ لدلالة جواب القسم عليه، وجواب الشرط المحذوف مستقبلٌ قطعًا، فكذلك ما دل عليه، وهو جواب القسم. -[ص: ويحتمل المضي والاستقبال بعد همزة التسوية، وحرف التحضيض، وكلما، وحيث، وبكونه صلة، أو صفةً لنكرةٍ عامة.]- ش: مثال ذلك بعد همزة التسوية: سواءٌ علي أقمت أم قعدت، فيحتمل أن يكون المعنى على المضي، ويحتمل أن يكون على الاستقبال، وسواء أكان للفعل معادل بـ "أم" كما مثلنا أم لم يكن، كقولك، سواءٌ علي أي وقت جئتني؛ لأن أيا فيه/ عموم أوقات. فإن كان معادل الماضي بعد"أم"مقرونًا بـ"لم" تعين المضي، نحو قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ﴾؛ لأن المعادل المنفي ماٍض من حيث المعنى، فوجب مضي الأول. فإن كان المعادل جملة اسمية بقي الاحتمال، كقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ﴾. ومثال التخضيض: هلا ضربت زيدًا، إن أردت المضي كان المراد التوبيخ، أو الاستقبال كان المراد الأمر، كقوله: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾، استدل به على وجوب العمل بخبر الواحد؛ إذ هو بمنزلة لينفر. ومثاله بعد "كلما" ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾، فهذا ماض،

стр. 110

وقوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾، فهذا مستقبل. ومثاله بعد "حيث" ﴿ومِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ المراد به الاستقبال، ﴿فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ المراد به المضي. ومثال الصلة ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ المراد به المضي، ﴿إلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ المراد به الاستقبال، وقال الشاعر: وإني لآتيكم تذكر ما مضى من الأمر، واستيجاب ما كان في غد فـ"مضى"ماضٍ لفظًا ومعنى، و"ما كان في غد"ماٍض لفظًا مستقبٌل معني. ومثال الواقع صفة لنكرة عامة قوله: رب رفٍد هرقته ذلك اليو م وأسرى من معشٍر أقتال بهذا للمضي مثله المصنف في الشرح. وهذا ليس بجيد لأن رفدًا ليس بنكرة عامة؛ إذ"رب"على ما ينسب لـ"س"للتقليل، والتقليل ينافي

стр. 111

العموم، ولم يرد الشاعر أن كل رفد هرقه ذلك اليوم، ولا يتعين أن يكون"هرقته"صفة لـ"رفد"؛ إذ يجوز أن يكون هو الجواب العامل في موضع"رب رفٍد"على مذهب من لا يشترط وصف مخفوض رب، وهو الصحيح، وفي الحديث"نضر الله أمرًأ سمع مقالتي فأداها كما سمعها"، بهذا مثله المصنف، فـ"نضر"دعاء لترغيب من أدرك حياته في حفظ ما سمعه منه، فالمعنى: يسمع مقالتي فيؤديها كما يسمعها. وهذه المثل التي مثلنا بها هذه المسائل الست معظم الكلام فيها هو من كلام المنصف في الشرح، وظاهر كلام المصنف أن الاحتمال في هذه المسائل الست هو على سبيل التسوية، والذي يظهر الحمل على المضي لإبقاء اللفظ على موضوعه، وإنما فهم الاستقبال فيما مثل به من خارج، فإذا ورد شيء من هذه المسائل وقفنا فيه مع الظاهر حتى يقوم دليل على أنه ماٍض أريد به الاستقبال.

стр. 112

-[ص: باب إعراب الصحيح الآخر الإعراب ما جيء به لبيان مقتضي العامل من حركٍة، أو حرٍف، أو سكوٍن، أو حذٍف ]- ش: الإعراب لغًة ينطلق على الإبانة، أعرب الرجل عن حاجته: أبان عنها. وعلى التحسين، أعربت الشيء: حسنته. وعلى التغيير، عربت المعدة، وأعربها الله: غيرها. وقال المهاباذي: يقال: هو مأخوذ من عربت معدته إذا/ فسدت، ومعناه على هذا إزالة الفساد، أي: أزلت عربة، نحو شكاني فأشكيته، أي: أزلت شكايته، وأعتبته: أزلت عتابه، فالهمزة للسلب. وعلى الانتقال، عربت الدابة: جالت في مرعاها، وأعربها صاحبها: أجالها. وأما في الاصطلاح فحده المصنف بما ذكر، وجعل نفس الإعراب هو الحركة أو الحرف أو السكون، أو الحذف الحادث ذلك بالعامل، قال في الشرح: "وهذا المجعول قد يتغير لتغير مدلوله، وهو الأكثر، كالضمة والفتحة والكسرة في نحو: ضرب زيٌد غلام عمرٍو، وقد يلزم للزوم مدلوله كرفع: لا نولك أن تفعل، ولعمرك، وكنصب: سبحان الله، ورويدك، وكجر: الكلاع، وعريط من: ذي الكلاع، وأم عريط". وهذا الذي ذهب إليه المصنف قول طائفة من النحاة، ذهبوا إلى أن

стр. 113

الحركات اللاحقة أواخر المعربات من الأسماء والأفعال هي الإعراب بنفسه؛ لأنه لا شيء يتبين به إعراب المعرب غيرها، وعلى هذا فيكون الإعراب عند هؤلاء لفظيًا. وذهب متأخرو أصحابنا إلي أن الإعراب معنوي، وهو تغير في آخر الكلمة لعامل داخل عليها في الكلام الذي هي فيه، فتكون الحركات هي دلائل الإعراب وعلامات له، وهذا مذهب طائفة، وظاهر قول س، واختبار الأعلم. قالوا: لو كانت هي الإعراب، وحذفت لعلة حكيمة كالوقف وغيره، لوجب أن يكون الاسم أو الفعل غير معرب؛ لأنه لا واسطة بين المعرب والمبني، فإذا وجد أحدهما ارتفع الآخر. وإلي أنه لفظي ذهب أبو الحسن بن خروف والأستاذ أبو علي. قال ابن خروف: "الإعراب صوت يحدثه العامل في آخر الكلمة". وهذا فاسد لأن الإعراب قد يكون بحذف لا بصوت، نحو لم يفعلا، ولم يفعلوا. ولما رأي الأستاذ أبو علي أن الإعراب قد يكون صوتًا وحذفًا قال في حده: "الإعراب حكٌم يحدثه العامل في آخر الكلمة" ليعم جميع ذلك. وهذا الحد منقود من جهة أنه لا يفهم ما أراد؛ إذ قد يمكن أن يحد الإعراب به من مذهبه أن الإعراب تغير؛ لأن التغير حكم يحدثه العامل في آخر الكلمة.

стр. 114

وجعل الإعراب معنويًا لفظيًا أولى من حيث اللفظ؛ لأنا إذا أطلقنا الإعراب المصطلح عليه على التغير، كنا قد خصصناه ببعض التغيرات، ففي ذلك تخصيص له ببعض مطلقاته، وإذا أطلقناه على اللفظي-وهي الحركات أوالحروف أو السكون أو الحذف-كان ذلك نقلًا للفظ بالكلية عن مدلوله اللغوي، وليس المصطلحين نقل اللفظ عن معناه بالكلية. وقال صاحب البسيط: "المختار في رسمه أن نقول: هو قبول الكلمة العوارض الحادثة في آخرها لفظًا أو تقديرًا، المؤثرة عن العوامل المختلفة العمل، المكافئة لها تأثيرًا لفظًا أو تقديرًا". فقوله: "المكافئة لها"أحسن من قولهم: "الداخلة"لأنه يؤذن بخلوها عنه، وبعض المعمولات لا يخلو عن عامل. وقوله: "تأثيرًا أوليًا"ليخرج ما يكون تأثيرًا ثانيًا بسبب التأثير/ الأول، كالكسر لالتقاء الساكنين، وما يلحقه من التغيير بسبب التحريك للإعراب من الانقلاب نحو الكلو رفعًا والكلي جرا. وقال بعض علمائنا: "الإعراب تشكل آخر الاسم بأشكال مختلفة لاختلاف أحوال المعنى المدلول عليه بذلك الاسم"انتهى. وقال ابن خروف أيضًا: "هو وضعك العلامة في آخر لفظًا أو تقديرًا على وفق العامل دليلة على معناه". قال المصنف في شرحه وقد ذكر ما لزم حالة واحدة من الإعراب نحو: لا نولك، وسبحان، ما نصه: "وبهذا الإعراب اللازم يعلم فساد قول من

стр. 115

جعل الإعراب تغيرًا". قال: "وقد اعتذر عن ذلك بوجهين: أحدهما: أن ما لازم وجهًا واحدًا صالح للتغير، فصدق عليه أنه متغير، وعلى الوجه الذي لزمه أنع تغير. ورد هذا بأن ما صلح لمعنى ولم يقم به لا يوصف به حقيقة؛ ألا ترى أن"رجلًا"صالح لأن يبني مع لا، وقبل ذلك لا يسمى مبنيًا، و"خمسة عشر"صالح للإعراب بفك تركيبه، ولا يقال فيه إنه معرب، فكذلك لا ينسب تغير لما لم يقم به في الحال. والثاني: أنه متغير عن الحالة التي كان عليها قبل عقد التركيب، وهي السكون. ورد هذا بأن المبني على حركة مسبوق بأصالة السكون، فقد شارب المعرب في ذلك". وهذا الرد ليس بشيء لأنا لم نقتصر على مطلق التغير، بل تغير في آخر الكلمة بعامل، وتغير المبني على حركة وإن كان مسبوقًا بسكون ليس ذلك بعامل، فلا يشرك المبني المعرب في ذلك، ولما أحس المصنف بهذا الجواب قال: "ولا يخلص من هذا القدح قولهم"لتغير العامل"فإن زيادة ذلك توجب زيادة فساد؛ لأن ذلك يستلزم كون الحال المنتقل عنها حاصلة بعامل، ثم خلفه عامل آخر حال التركيب، وذلك باطل بيقين إذ لا عامل قبل التركيب"انتهى. وقوله: "قولهم لتغير العامل"ليس هذا قولهم فيلزم عنه ما ذكر، ولعله قول بعض مغفليهم، إنما قالوا: للعامل الداخل عليها. وقال المصنف في شرحه ما نصه: "وقال بعضهم: لو كانت الحركات وما يجري مجراها إعرابًا لم تضف إلي الإعراب؛ لأن الشيء لا

стр. 116

يضاف إلى نفسه. وهذا قول صادر عمن لا تأمل له؛ لأن إضافة أحد الاسمين إلي آخر مع توافقهما معنى أو تقاربهما واقٌع في كلامهم بإجماع، وأكثر ذلك فيما يقدر أولهما بعضًا أو نوعًا والثاني كلًا أو جنسًا، وكلا التقديرين في حركات الإعراب صالح، فلم يلزم من استعماله خلاف ما ذكرنا"انتهى كلامه. وقوله: "لأن إضافة أحد الاسمين إلي الآخر مع توافقهما معنى أو تقاربهما واقعة في كلامهم بإجماع"ليس كما ذكر، ولا أجمع النحويون على جواز إضافة أحد الاسمين إلي آخر مع توافقهما، بل المنقول عن البصريين أن ذلك لا يجوز وإن اختلف اللفظان. وقال الكوفيون: يجوز ذلك إذا اختلف اللفظان. وهي مسألة خلاف، ذكرها أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد بن أبي سعيد الأنباري، وأبو البقاء العكبري، في كتابيهما في اختلاف النحويين. /قوله: ما جيء به لبيان مقتضى العامل المقتضى هو المطلوب، والعامل هو ما أثر في آخر الكلمة من اسم أو فعل أو حرف، والأصل في أن يكون من الفعل، ثم من الحرف، ثم من الاسم، والأصل تخالفه مع المعمول في النوع، فإن كانا من نوع واحد فلمشابهته ما لا يكون من نوع المعمول، ولا يؤثر العامل أثرين في محل واحد، ولا يجتمع عاملان على معمول واحد إلا في التقدير، نحو: ليس به زيٌد بجباٍن، ولا يمتنع أن يكون له معمولات.

стр. 117

وقوله: من حركٍة هو بيان لإبهام"ما"في قوله: "ما جيء به". والحركات ثلاث: ضمة، وفتحة، وكسرة. وقوله: أو حرٍف هو الواو والألف والياء والنون على مذهب من يرى ذلك. والحركة مع الحرف، لا قبله ولا بعده؛ لأن الحرف يوصف بأنه متحرك كما يوصف بالشدة والجهر، فهي صفة، والصفة لا تتقدم الموصوف ولا تتأخر عنه، إنما توجد معه؛ إ لا تقوم نفسها، ولأن حروف العلة تنقلب إلي غيرها لتحركها، فلو كانت بعدها لم تقلب، ولم تنقلب الألف همزة عند التحرك، ولأنه إن لم تكن الحركة على الحرف كان عاريًا منها، فكان ساكنًا، حتى إنه لو كان ما قبله ساكنًا لزم التقاء الساكنين من غير تحريك. وذهب قوم منهم ابن جني إلي أن الحركة بعد الحرف؛ لأن الحرف المتحرك لم يدغم في مثله، وذلك لحيلولة، ولا حائل إلا الحركة، ولأنك إذا أشبعت الحركة تولد منها حرف، والحرف لا ينشأ عن الحرف، ولا يكون له شركة فيه، فهو عن الحركة، فالحركة بعده. والجواب عن الأول أن عدم الإدغام تارة يكون للحاجز، وتارة يكون للتحصن بالحركة، فلا تكون على عدمه الحيلولة خاصة. وعن الثاني أن حدوث الحرف إنما هو عن الحرف المتصف بالحركة المجانسة للحرف الحادث من حيث هو متحرك بالمجانس بشرط الإشباع؛ لأن الحروف كالموصوفات، وهي الجواهر، والحركات كالأعراض، والأعراض لا تنشئ

стр. 118

الجواهر، وسيأتي ذكر الخلاف في ذلك إن شاء الله تعالى. وقوله: أو سكون أو حذف هكذا يقوله أكثر النحويين، وهذا عندي ليس كذلك، بل يكفي الحذف؛ لأن الحذف على قسمين: حذف حركة نحو يضرب، إذا أدخلت الجازم قلت لم يضرب، فتحذف الحركة. وحذف حرف نحو لم يذهبا، أصله يذهبان، فالحذف يشمل حذف الحركة وحذف الحرف، فلا يجعل ما كان قسماً من الشيء قسيماً له. -[ص: وهو في الاسم أصل لوجوب قبوله بصيغة واحدة معاني مختلفة، والفعل والحرف ليسا كذلك، فبنيا.]- ش: الضمير في "هو" عائد على الإعراب، ذكر أنه أصل في الأسماء، وعلل ذلك بقوله: "لوجوب قبوله بصيغة واحدة معاني مختلفة"، وذلك أن المعاني التي تعتور على الكلمة تارة تكون قبل التركيب وتارة بعد التركيب، فالتي قبله هي التثنية والجمع والتكسير والمبالغة والمفاعلة، ولهذه المعاني صيغ تدل عليها، فلا نحتاج إلى الإعراب. والتي بعد التركيب هي الفاعلية والمفعولية والإضافة، فدل عليها بالإعراب، إذ ليس لهذه المعاني صيغ تدل عليها. وقوله: والفعل والحرف ليسا كذلك أي: ليس كل واحد منهما قابلاً بصيغة واحدة معاني مختلفة. وهذا يمكن أن ينازع / فيه، أما الفعل فسيأتي الكلام عليه عند ذكر الخلاف في هذه المسألة، وأما الحرف فإنا نجد كثيراً من الحروف يكون لمعان كثيرة يفهم منه كل معنى منها حالة التركيب، وذلك نحو "من" فإنها تكون لابتداء الغاية، وللتبعيض، وللتبيين، عند من يرى ذلك،

стр. 119

ولم يعرب شيء منها. وما ذهب إليه المصنف من أن الإعراب أصل في الأسماء لا في الأفعال هو مذهب البصريين، وذهب الكوفيون إلى أن الإعراب أصل في الأفعال، وحكي عن بعض المتأخرين أن الفعل أحق بالإعراب من الاسم؛ لأنه وجد فيه بغير سبب، فهو بذاته، بخلاف الاسم، فهو له لا بذاته، فهو فرع. احتج جمهور أهل البصرة بأن قالوا: الإعراب يفتقر إليه في الأسماء في نحو: ما أحسن زيداً! إذا تعجبت، وما أحسن زيد، إذا نفيت عنه الإحسان، وما أحسن زيد؟ إذا استفهمت، فلولا الإعراب لالتبست هذه المعاني، وحمل ما لا لبس فيه من الأسماء على ما فيه لبس، نحو شرب زيد الماء، كما حمل أعد وتعد ونعد على يعد، ولا كذلك الأفعال؛ لأنه لو زال الإعراب منها ما التبست معانيها. واحتج أبو الحسن بن خروف لما ذهب إليه البصريون بأن أكثر الأسماء معرب، والقليل منها مبني، وأكثر الأفعال مبني، وواحد منها معرب، وهو المضارع بشرطه، والكثرة دليل الأصالة، والقلة دليل الفرعية. وهذا ليس بذلك الدليل؛ إذ تكثر الفروع، وتقل الأصول. واحتج أبو الحسن بن عصفور أيضاً لهم، فقال: الدليل على أنه

стр. 120

أصل في الأسماء فرع في الأفعال أن الأسماء كلها معربة إلا ما أشبه منها مبنياً، والأفعال كلها مبنية إلا ما أشبه منها المعرب، فارتباط الإعراب في الفعل بشبهه بالمعرب دليل على أنه إنما دخله الإعراب من جهة الشبه لا من جهة أنه فعل؛ إذ لو كان الإعراب فيه من جهة أنه فعل لوجب أن يدخل الإعراب جميع الأفعال كلها، وارتباط البناء في الاسم بوجوده مشبهاً لمبني دليل على أن البناء فيه إنما دخله بالشبه للمبني، ولذلك إذا لم يشبه مبنياً على أصله من الإعراب. واحتج أهل الكوفة بأن العلة التي ادعاها البصريون موجبة لكون الإعراب أصلاً في الأسماء، وهو كونه يفتقر إليه في الأسماء في بعض المواضع، هي بعينها موجودة في الأفعال في بعض المواضع، تقول: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، فبالجزم نهي عن الفعلين مجتمعين ومفترقين، وبالنصب نهي عن الجمع بينهما، وبالرفع نهي عن الأول وإباحة للثاني. وكذلك لام الأمر ولام كي، و "لا" في النهي و "لا" في النفي، لولا الإعراب لالتبست المعاني. وأجاب البصريون عن ذلك بأن النصب في مسألة "لا تأكل السمك وتشرب اللبن" بإضمار "أن" في المذهب الصحيح، والجزم على إرادة "لا" والرفع على المقطع، فلو أظهرت العوامل المضمرة لكانت دالة على المعاني، ولم يحتج إلى الإعراب، فالإعراب في هذا الباب إنما دل على المعاني لما حذفت العوامل/، وجعلت دليلاً عليها، وذاك فرع، والأصل ما ذكرنا من إظهار العوامل. وليس كذلك: ما أحسن زيداً! لأن الرافع والناصب والخافض لـ "زيد" على كل حال لفظ "أحسن" وأما لام الأمر ولام كي فالفرق بينهما أن لام الأمر تكون ابتداء، ولام كي لابد أن يتقدمها عامل.

стр. 121

وأما "لا" الناهية و "لا" النافية فالفرق بينهما أنه إذا خيف التباس بالنافية أتي بغيرها من حروف النفي نحو "ما" وإنما كان يلزم اللبس لو لم يكن للنفي أداة إلا "لا". وذهب أبو علي قطرب إلى أن الإعراب لم يدخل للفرق بين المعاني، وإنما دخلت الحركات ليفرق بين وصل الاسم والوقف عليه. -[ص: إلا المضارع، فإنه شابه الاسم بجواز شبه ما وجب له، فأعرب ما لم تتصل به نون توكيد أو إناث.]- ش: أخذ المصنف بقول البصريين إن الإعراب أصل في الاسم فرع في الفعل، وخالف في العلة المقتضية لإعراب المضارع، فبين في الشرح أن المضارع تعرض له بعد التركيب معان، ككونه مأموراً به، أو علة، أو معطوفاً، أو مستأنفاً. وهذا هو تعليل الكوفيين في إعراب المضارع. قال: "فهذه تتعاقب على صيغة واحدة، فيفتقر إلى الإعراب، والاسم والمضارع شريكان في قبول المعاني بعد التركيب، فليشتركا في الإعراب، لكن الاسم عند التباس بعض ما يعرض له ببعض ليس له ما يغننيه عن الإعراب؛ لأن معانيه مقصورة عليه، فجعل قبوله لها واجباً. وأما المضارع فعند عروض الإلباس فقد يغني عن الإعراب تقدير اسم مكانه، ففي النهي عنهما تقول في "لا تغن بالجفاء وتمدح عمرا" إذا نهيت عن الفعلين مطلقاً: لا تغن

стр. 122

بالجفاء ومدح عمراً، وفي الجمع بينهما: لا تغن بالجفاء مادحاً عمراً، وفي الاستئناف: لا تعن بالجفاء ولكن مدح زيد". قال: "فقد ظهر بهذا تفاوت ما بين سبب إعراب الاسم وإعراب الفعل في القوة والضعف، فلهذا جعل الاسم أصلاً والمضارع فرعاً". وذهب البصريون إلى أنه أعرب لشبهه بالاسم في الانبهام والاختصاص. وزاد بعضهم دخول لام الابتداء. وعنوا بالإبهام احتمال الصيغة للزمانين المستقبل والحال، كما أنك إذا قلت "رجل" احتمل كل واحد من جنس الرجال. وعنوا بالتخصيص تخليص رجلاً بالألف واللام. وأما دخول اللام فتقول: إن زيداً ليقوم، كما تقول: لقائم، ولا يجوز: لقام. واضطرب في هذه اللام قول أبي علي، فجعلها في الإغفال وجهاً من وجوه الشبه. وبه قال الصيمري. وقال في موضع آخر: "إنما دخلت على المضارع لمشابهته الاسم بالشياع والتخصيص، وبعد أن دخلت قوي الشبه، فأعرب". ولم يذكرها في الإيضاح؛ لأن لام الابتداء خاصة كالإعراب، فيمكن أن تكون معلولة بالإعراب لا علة فيه وهذه العلة والتي قبلها إذا حققتا لا يصح شيء منها، ولتزييف ذلك مكان

стр. 123

غير/ هذا. والذي يظهر أن المعاني التي تعتور على الاسم والفعل مشتركة بينهما، فمنها ما يدخل عليهما قبل التركيب، كالتصغير والجمع في الاسم، وكالمضي والاستقبال في الفعل. ومنها ما يدخل عليهما بعد التركيب، كالفاعلية والمفعولية في الاسم، وكالأمر والنهي والشرط في الفعل، فكما دخل الإعراب الاسم، فكذلك يدخل الفعل. وقد طول المصنف بترجيح ما أبدى من التعليل لإعراب المضارع على ما ذكر غيره مما يوقف عليه في شرحه. والمسألة قليلة الجدوى؛ لأنه خلاف في علة، وأما الحكم فهو أن الإعراب دخل في المضارع كما دخل في الاسم. وقوله: فإنه شابه الاسم بجواز شبه ما وجب له إنما قال: "بجواز شبه" لأن المعاني التي أوجبت للاسم الإعراب ليست المعاني التي جوزت الإعراب للفعل، بل هذه شبه تلك؛ لأن الفاعلية والمفعولية والإضافية لا تكون في الفعل، فلذلك قال: "بجواز شبه ما وجب له"، ولم يقل: بجواز ما وجب له. -[ص: ما لم تتصل به نون توكيد أو إناث]- ش: يعني فأنه لا يعرب، وإنه متى اتصل به نون التوكيد بني. أما نون التوكيد ففي المضارع إذا لحقته ثلاثة مذاهب: البناء مطلقاً، وهو مذهب الأخفش، سواء أكان المضارع مما

стр. 124

اتصل به ألف الجمع أو واوه أو ياء المخاطبة أم لم يتصل به شيء من ذلك. والإعراب مطلقاً، وهو مذهب بعض النحويين. والتفصيل بين أن تتصل بالفعل - فيكون مبنياً - النون، أو لا تتصل به بحجز الضمير بينهما، فيبقى على إعرابه، وهو المشهور والمنصور، وهذا ظاهر قول المصنف لقوله: "ما لم تتصل به"، وقد تكرر له اختيار هذا المذهب في كتبه وفي شروحاته. ومن ذكر من النحويين أنه إذا اتصل به نون التوكيد فإنه مبني بلا خلاف ليس بحافظ لمقالات النحويين، وقد تكلمنا على شيء من هذا في باب نوني التوكيد في كتاب التكميل فأغنى عن إعادته هنا. وتكلم المصنف في شرحه على اختياره أنه إذا لم تتصل بالفعل بقي على إعرابه، بأن المضارع إنما بني مع هذه النون لتركيبه معها وتنزله منزلة صدر المركب من عجزه، وهذا مفقود فيما حجز بينهما حاجز مما ذكر؛ إذ لا تتركب ثلاثة أشياء، فتجعل كشيء واحد، ولرجوع علامة الرفع إذا وقفت على المضارع الذي لحقته الخفيفة مما كان بينهما حاجز، ورد ذلك الحاجز، فتقول إذا وقفت على "هل تفعلن" من قولك: هل تفعلن يا رجال؟ هل تفعلون، برد النون والواو التي للجمع، فلو كان مبنياً لم تختلف حالة وقفه

стр. 125

وحالة وصله. ولا يكون هذا البناء عند لحاق هذه النون للمضارع لكونها من خصائص الأفعال؛ لأنه كان يلزم بناء المجزوم والمقرون بحرف التنفيس والمسند إلى ياء المخاطبة؛ لأنها تختص بالفعل، بل هي أليق بالفعل من جهة أنها ناسبت لفظاً ومعنى، والنون ناسبت لفظاً؛ إذ معناها يصح للاسم، وهو التأكيد. وقد انتهى ما لخصناه من كلام المصنف في الشرح. وأما نون الإناث فذكر المصنف في الشرح أنه مبني على السكون بلا خلاف. وذكر في الاعتلال لبنائه ثلاث علل: إحداها: ما ذهب إليه س من أن يبنى حملاً على الماضي المتصل بها، إذا أصلهما البناء على السكون، فأعرب المضارع للعلة التي تقدمت، وبني الماضي على حركة لشبهه بالمضارع في وقوعه صفة وصلة وحالاً وشرطاً ومسنداً بعد النواسخ، بخلاف الأمر، فكما اشتركا في الخروج عن الأصل كذلك اشتركا في العود إليه بالنون. وقيل: بني لتركيبه معها؛ لأن الفعل والفاعل كالشيء الواحد، وإذا انضم إلى ذلك أن يكون مستحق الاتصال لكونه على حرف واحد تأكد امتزاجه، وهذا يقتضي أن يبنى إذا اتصل به ألف الجمع، أو واوه أو ياؤه، لكن منعه من ذلك شبهه بالمثنى والمجموع، كما منع أنا من البناء شبهها ببعض وكل معنى واستعمالاً. وقيل: بني لنقصان شبهه بالاسم؛ لأن النون لا تلحق الأسماء. انتهى ما لخص من كلامه. وما ذكره المصنف من أنه إذا لحقته نون الإناث مبني على السكون بلا خلاف ليس بصحيح، بل المسألة خلافية:

стр. 126

ذهب ابن درستويه إلى أنه معرب، وتبعه على ذلك السهلي وابن طلحة وطائفة من النحويين. واستدلوا بأن الإعراب قد استحق في المضارع، فلا يعدم إلا بعدم موجبه، وبقاء موجبه دليل على أنه معرب كما كان قبل النون، إلا أنه كان قبل دخول النون ظاهراً، وهو معها مقدر في الحرف الذي كان فيه ظاهراً قالوا: وإنما منع من ظهوره ما عرض فيه من الشبه بالماضي للنون التي لحقته، كما عرض في الأسماء المضافة لياء المتكلم، فالتزم كسر أواخرها لأجل ذلك، وجعل الإعراب فيها مقدراً. وذهب أكثر النحويين المتقدمين والمتأخرين إلى أنه مبني واحتجوا بأنه لما لحقته النون تعارض فيه شبهان، شبه بالاسم من حيث الإبهام والتخصيص، وشبه بالماضي من الوجه الذي ذكره س، وهذا يرده إلى أصله، ويجذبه إلى جنسه، فانبغى أن يغلب عليه هذا لأنه أولى، وإذا غلب حكم هذا فليس إلا البناء لأن البناء أصل الفعل، فأدنى شيء يرده إليه، والإعراب فيه خروج عن الأصل. وأما كلام س فيحتمل وجهين، إلا أن هذا القول الأخير يظهر منه لقوله: "وبني على هذه العلامة"، فظاهر هذا اللفظ البناء ومن وقف مع أنه معرب تكلف في إخراج البناء عما يطلقه عليه النحويون. وكنى س بالعلامة هنا عن السكون. وقال س: "فليس هذا بأبعد فيها - أي: ليس حملها على الماضي فتبنى بأبعد - من يفعل" حين حمل

стр. 127

على الاسم فأعرب، بل وجه دخول الإعراب فيه أبعد من وجه رجوع البناء إليه؛ لأن شبه المضارع بالماضي شبه قوي، حتى إنه هو، وشبهه بالاسم ليس كذلك، إذ الفعل ليس باسم، ولا شك أن استحكام حكم المشبه به في المشبه يكون على قدر الشبه. -[ص: ويمنع إعراب الاسم مناسبة الحرف بلا معارض منها تمكنا.]- ش: قال المصنف في الشرح ماملخصه: الحرف أمكن في البناء - إذ لا/ حرف معرب - من الفعل، إذ منها معرب، وما لا يعرب منه شبيه بالمعرب، أما الماضي فلوقوعه موقع المضارع في مواضع، ولهذا الشبه لم تلحقه هاء السكوت وقفاً، إذ لا تلحق حركة إعرابية ولا شبيهة بها. وأما الأمر فلجريانه مجرى المجزوم في السكون والحذف، ولا يعامل بهذا مبني غيره، بل يسكن كـ "الذي" و "التي". وإذا ثبت أن المبني من الأفعال شبيه بالمعروف ضعف جعل مناسبته سبباً لبناء شيء من الأسماء المبنية، كقول بعضهم في نزال وهيهات: بنيا لأنهما بمعنى انزل وبعد. ويضعف هذا أيضاً أنه كان يلزم بناء سقياً لك، وضرباً زيداً، لأنهما بمعنى الأمر، وإعراب أف وأوه لأنهما بمعنى أتضجر وأتوجع، وهما معربان، فثبت أن بناء أسماء الأفعال لمناسبتها الحروف، وشبهها هو بالحروف الناسخة للابتداء في لزوم معنى الفعل، والاختصاص بالاسم، وكونها عاملة غير معمولة. انتهى ما لخص من كلامه. أما قوله: "ولهذا الشبه لم تلحقه هاء السكوت" فهذه مسألة مختلف فيها

стр. 128

إذا وقفت على الفعل الماضي، نحو قعد، وفيه ثلاثة مذاهب يفرق في الثالث بين أن يكون متعدياً فلا تلحق وبين أن يكون لازماً فتلحق وقد استوفينا الكلام على ذلك في باب الوقف وأما قوله: "وكونها عاملة غير معمولة" فقد كرر ذلك في كتبه، وأن أسماء الأفعال ليست معمولة لشيء فلا محل لها من الإعراب. وكأنه لم يعرف في ذلك خلافاً. وقد ذكرنا في باب أسماء الأفعال من شرح هذا الكتاب الخلاف في ذلك، وأن مذهب س والمازني وأبي علي الدينوري وأبي علي الفارسي في تذكرته أن الأسماء الأفعال منصوبة بأفعال مضمرة وقيل: هي في موضع رفع مبتدأه والضمير الذي رفيها مرفوع بها سد مسد خبر المبتدأ، كما في قولك: أقائم زيد؟ ومذهب الأخفش والفارسي في حلبياته أنها لا موضع لها من الإعراب. وأمعنا الكلام على ذلك، فأغنى عن إعادته هنا. وكلام المصنف يدل على أن سبب البناء واحد، وهو شبه الاسم الحرف، ونص على ذلك في بعض تصانيفه. ونوع وجوه الشبه إلى شبه لفظي، وهو أن يبنى الاسم على حرف واحد أو على حرفين. وإلى شبه

стр. 129

معنوي، كشبه" متى" إن كانت شرطاً ب "إن" من حيث المعنى، أو استفهاماً بالهمزة وغير ذلك من وجوه الشبه عنده. ولا أعلم أحداً سلك هذا المسلك غير هذا المصنف، إلا أن في كتاب البسيط نقلاً عن بعض النحويين أنه ذهب إلى نحو من ذلك في بعض أسماء الأفعال، قال: " بنيت لأن فيها ما وضعه وضع الحروف نحو قدك وهاك، وهي مبنيات فحملت البواقي عليها" وقد رد هذا المذهب بما سنذكره في بابه إن شاء الله. وأما غيره من النحويين فذكروا أسبابً للبناء: منها شبه الحرف، كالمضمر واسم الإشارة والموصول. ووجه الشبه أنها في تأدية معناها مفتقرة إلى غيرها، كما أن الحرف يفتقر إلى غيره في بيان معناه. ومنها تضمن معنى? الحرف، كأسماء الشرط وأسماء الاستفهام. ومنها وقوعه موقع المبني كأسماء الأفعال والمنادى المبني بسبب النداء. ومنها مضارعة ما وقع موقع المبني وهو ما كان معدولاً لمؤنث نحو حذام ورقاش، ضارع نزال، ونزال وقع موقع انزل. ومنها ما خرج عن النظير وهو " أي" الموصول إذا اجتمع فيه شرط البناء، وذلك على مذهب س، نحو ما أنشد سلمه.

стр. 130

أباهل لو أن الرجال تبايعوا على أينا شر قبيلاً وألأم بضم "أينا" التقدير: على الذين هم شر قبيلاً ومنها الإضافة إلى مبني نحو قوله: على حين عاتبت المشيب على الصبا .................... وقوله: لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت ............... بفتح حين وغير. والكلام على هذا النوع الأخير يأتي في موضعه من هذا الكتاب أما "على حين" ففي باب الإضافة، وأما " غير أن نطقت" ففي باب الاستثناء إن شاء الله. هذا تقسيم أصحابنا في أسباب البناء. وذهب أبو علي الفارسي إلى أنه لا موجب للبناء إلا الشبه بالحرف أو تضمن معناه، ولا يجوز أن يبني- عنده- اسم لوقوعه موقع اسم مبني، لأن الأسماء ليس أصلها البناء، فلا يحمل عليها غيرها لوقوعها موقعها. ولا يجوز- عنده أيضاً- أن تبنى الأسماء لوقوعها موقع الفعل، لأن الأسماء إذا

стр. 131

أشبهت الأفعال فإنما يحصل فيها أنها تمتع الصرف لا أن تبنى. اعتذر عن بناء الاسم المنادى بأنه وقع موقع ضمير المخاطب، والغالب عليه الحرفية، فكأنه بني لوقوعه موقع الحرف. والدليل على أن الغالب عليه الحرفية أنه إذا كان اسماً كان فيه معنى الخطاب، وذلك هو الذي اختص الحرف بإعطائه، وقد يتجرد لمعنى الحرفية، إلا ترى أنك تقول ضربت فتكون التاء اسماً الأفعال نحو دراك فبينت لتضمنها معنى الحرف، وهو لام الأمر، ألا ترى أن درك في معنى لتدرك وأما شتان ووشكان وسرعان فبنيت - وإن لم تتضمن - لأن الغالب على أسماء الأفعال أن تكون بمعنى الأمر ولا تجيء بمعنى الخبر إلى قليلاً فعوملت معاملة أسماء الأفعال إذا كانت بمعنى الأمر. وأما أي فله أن يأخذ فيها بمذهب الخليل أو يونس، فلا تكون - عنده- مبنية. وأما حذام ويسار وأمثاله فله أن يذهب فيها إلى مذهب ألربعي من أنه بني لتضمنه معنى علامة التأنيث لأن حذام معدول عن حازمة، ويسار معدول عن يسرة. وهذا الذي ذهب إليه أبو علي مذهب شديد التعسف، كثير التكلف، وهو مع ذلك فاسد بدليل بناء الاسم لإضافته إلى مبني، وإن لم يشبه الحرف، ولا تضمن معناه. وكل ما اعتذر عنه فأنه بني فيه على الحمل على

стр. 132

الغالب، وسامح نفسه في ذلك. وكان يتحمل ما قال لو أدى ما فر منه إلى شيء مستحيل ولا يبعد إذا وضعت كلمة أصلها الإعراب موضع كلمة أصلها البناء أن يحكم لها بحكم ما حلت محله. فأما الأسماء المسكنة قبل التركيب/ كحروف الهجاء المسرودة وأسماء العداد إذا قلت: ألف. باء. تاء. ثاء. جيم. إلى آخره، وواحد. اثنان. ثلاثة. أربعة. خمسة، فاختار المصنف أنها مبنية على السكون لشبهها بالحرف، لأنها كلم غير عاملة في شيء ولا معمولة لشيء فأشبهت الحروف المهملة ك "هل" و"لو". وذهب غيره إلى أنها ليست مبنية ولا معربة. أما كونها غير معرب فواضح لأنها لم تركب مع عامل. وأما كونها غير مبنية فلسكون آخرها وصلاً بعد ساكن نحو: قاف سين، وليس في المبنيات ما يكون كذلك. وذهب بعضهم إلى أنها معربة في الحكم لا في اللفظ، ولا يلزم من كونها ليست معربة لفظاً أن لا تكون حكماً ولو لزم ذلك لم يعل في الأفراد فتى ونحوه، لأن سبب الإعلال في مثله فتح ما قبل الآخر مع تحركه أو تقدير تحركه، ولكان الموقوف عليه مبنياً. وكذا المحكي والمتبع. وما ذهب إليه ليس يجبد، لأن المحكي والمتبع والموقوف عليه

стр. 133

مركب مع عامل يطلب الإعراب لفظاً أو حكماً وأما هذه الأسماء فلم تركب مع عامل، فيستحيل أن يتخل فيها الإعراب حكماً وإنما قلنا به في تلك لدخول العامل. وأما فتى فهو مما وضع في أول أحواله متحرك الآخر، فلذلك أعل، وهو قبل التركيب موضوع على حركة أو تقدير الحركة فلذلك انقلبت ياؤه ألفاً لتحركها مع انفتاح ما قبلها. وقوله: بلا معارض احتراز من "أي" فإنها معربة مع مناسبتها للحرف، لأنها إن كانت استفهاماً ناسب معناها معنى الهمزة أو شرطاً ناسب معناها معنى إن أو موصولة فهي مفتقرة افتقار غيرها من الموصولات، والموصولات مبنية غيرها، لكن عارض هذه المناسبة إضافتها لزوماً لفظاً ومعنى أو معنى لا لفظاً فتكون بمعنى "بعض" إن أضيفت إلى معرفة، وبمعنى "كل" إن أضيفت إلى نكرة فغلبت مناسبتها للمعرب على مناسبتها للحرف، لأن هذه المناسبة تدعو إلى ما يستحقه الاسم بالأصالة، وهو الإعراب هذا معنى ما شرح به المصنف قوله: " بلا معارض" مع زيادة بيان قال: " وليثبت بذلك مزية لما له جابر على ما لا جابر له، لأن إلغاء شبه الحرف في "أي" بما فيها من شبه المتمكن كإلغاء عجم "لجام" ونحوه بما فيه من شبه الاسم العربي بقبول الألف واللام والإضافة" انتهى كلامه. وهذا الذي ذهبت إليه المصنف ليس بجيد لأنه يشرك أيا أيضا في هذا المعنى الذي يثبت لها به الإعراب غيرها، وهو مبني وذلك لدن فإنها لازمة الإضافة بل هي أقوى في ذلك لأنها لا تنفك عنها لفظاً وهي بمعنى عند، وعند معربة ولدن مبنية فكان ينبغي أن تعرب لدن كما أعربت أي، إذ قد اشتركا في المعنى الذي أوجب الإعراب لأي. وقوله: والسلامة منها تمكن أي من مناسبة الحرف، وسمى ذلك تمكناً

стр. 134

لأنه تصرف في الكلمة بحركات أو بحروف على من يرى ذلك، بخلاف المبني، فإنه/ فاقد لهذا التصرف. والمتمكن على قسمين: متمكن أمكن وهو الاسم المنصرف، ومتمكن غير أمكن وهو الاسم الذي لا ينصرف وسمي بذلك لأنه نقصه من جهات التمكن شيء واحد، وهو الجر. -[ص: وأنواع الإعراب رفع ونصب وجر وجزم وخص الجر بالاسم لأن عامله لا يستقل فيحمل غيره عليه، بخلاف الرفع والنصب وخص الجزم بالفعل لكونه فيه كالعوض من الجر.]- ش: ذكر المصنف أن أنواع الإعراب أربعة، فالإعراب على هذا جنس، وهذه أنواعه فالذي يدل به على الرفع حركة وحرف عند من يرى ذلك وكذلك الذي يدل به على النصب والجر، والذي يدل به على الجزم هو حذف الحركة أو الحرف عند من يرى ذلك وعدمهما فالجزم هو عدم تلك الحركة أو الحرف. وإذا تقرر هذا بطل أن تكون أنواع الإعراب أربعة، لأن ثلاثة منها ثبوتيات والواحد عدمي لأنه عدم تلك الثبوتيات وما يكون عدمياً لا يشترك في النوعية مع الوجودي، فإذا ليست أنواع الإعراب أربعة، ولذلك قال الكسائي في بعض كتبه: " أواخر الكلم على ثلاثة أحرف، على الرفع والنصب والخفض". وكذلك قال أكثر الكوفيين وتابعهم على ذلك المازني روي عنه أنه قال: " الجزم ليس بإعراب، وإنما هو عدم الإعراب". وقدم المصنف الرفع لأن الكلام لا يستغني عنه، وغيره قد يستغنى

стр. 135

عنه وقدمه مع النصب لاشتراك الاسم والفعل فيهما، فبدأ بالمشترك وقدم الجر لاختصاصه بما هو أصل، وهو الاسم، وأخر الجزم لاختصاصه بما هو فرع، وهو الفعل وهذا كله ترتيب استحساني لا ضروري ولو قدم النصب لكون محله أوسع من الرفع لكان ذلك مناسباً وقد فعل ذلك س فقال: " وهي تجري على ثمانية مجار، على النصب والرفع والجر والجزم والفتح والضم والكسر والوقف" فقدم النصب والفتح على الرفع والضم. ولو قدم الجر لاختصاص الأشرف به، وهو الاسم والجزم لاختصاص الفعل به، ثم ذكر المشترك وهو الرفع لكان لذلك وجه من المناسبة. وقوله: وخص الجر بالاسم. إلى آخره قال المصنف في شرحه لكلامه: " لما كان الاسم في الإعراب أصلاً للفعل كانت عوامله أصلا لعوامله، فقبل رافع الاسم وناصبه أن يفرع عليهما لاستقلالهما بالعمل وعدم تعليقهما بعامل آخر، بخلاف عامل الحر، فإنه غير مستقل لافتقاره إلى ما يتعلق به ولذلك إّا حذف الجار نصب معموله، وإذا عطف على المجرور جاز نصب المعطوف، وربما اختير النصب فشارك المضارع الاسم في الرفع والنصب لقوة عامليهما بالاستقلال وإمكان التفريع عليهما، وضعف عامل الجر لعدم استقلاله عن تفريع غيره عليه، فانفرد به الاسم، وجعل جزم الفعل عوضاً مما فاته من المشاركة في الجر، فانفرد به ليكون لكل واحد من صنفي المعرب ثلاثة أوجه من الإعراب بتعادل، وذلك أن الجزم راجح باستغناء عامله عن تعلق بغيره، والجر/ راجح بكونه ثبوتا بخلاف الجزم، فإنه بحذف حركة أو حرف، فتعادلا بذلك" انتهى كلام المصنف. وهذا التعليل الذي ذكره لاختصاص الجر بالاسم والجزم بالفعل لو كان صحيحاً كان ينبغي أن لا يذكره في هذا الكتاب لأنه كتاب جامع لأكثر أحكام

стр. 136

النحو موضوع لذلك، لم يقصد المؤلف فيه إلى تمثيل حكم ولا لتعليله ولا لدليله السمعي، فذكره لتعليل ذلك ليس بمناسب. وأما طلب العلة لاختصاص كل واحد منهما بما اختص به، فهو شيء قد بحث فيه النحويون، وطولوا في ذلك بما لا فائدة في ذكره، والصواب في ذلك ما حرره بعض أصحابنا، وهو أن التعرض لامتناع الجر من المضارع المعرب، وامتناع الجزم من الأسماء المعربة على الإطلاق تعرض للسؤال عن مبادئ اللغات، والسؤال عن مبادئ اللغات لا سبيل إليه، لأنه يؤدي إلى التسلسل، إلا ترى أن السؤال إذا وضع عن انفراد الأسماء بالخفض والأفعال بالجزم مطلقاً لم يخل أن تريد: لأي شيء لم تجزم الأسماء بجوازم الأفعال أو بعامل من عواملها يعلمه بدل عمله أو مع عمله؟ وكذلك لأي شيء لم تخفض الأفعال بخواض الأسماء أو بعامل من عواملها يعمله بدل عمله أو مع عمله؟ وكيفما فرض السؤال فإنه يلزم مثل ذلك في الرفع والنصب فيقال: لأي شيء لم ترفع الأفعال بروافع الأسماء أو بعامل من عواملها التي لا تعمل الرفع بدل عمله أو يعمله مع عمله؟ ولأي شيء لم تنصب بنواصب الأسماء أو بعامل من عواملها التي لا تعمل النصب بدل عمله أو مع عمله، حتى يعمل الرافع للأفعال بدل رفعه نصباً، أو يعمل مع رفعه نصباً ومثل ذلك السؤال يلزم أيضا في روافع الأسماء ونواصبها،

стр. 137

فكما لا يتعرض لتعليل ذلك أنه سؤال عن مبادئ اللغات لأنه بتقدير أن يكون الأمر على ما سأل عنه يسوغ له السؤال: لم لم يكن الأمر بخلاف ذلك؟ فيؤدي إلى تسلسل السؤال، فكذلك لا ينبغي أن يتعرض لامتناع الخفض من الأفعال والجزم من الأسماء مطلقاً، وإنما ينبغي أن يسأل عما كان يحب قياساً فامتنع. والذي يجب قياساً خفض المضارع إذا أضيفت أليه أسماء الزمان نحو قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ لأنه فعل معرب وقد دخل عليه عامل خفض ولم يؤثر فيه. وكذلك أيضاً يجب قياساً جزم الأسماء التي لا تنصرف أنها لما أشبهت الفعل فزال منها التنوين والخفض، وجب أن تكون - إذا دخل عليها عامل من عوامل الخفض- دون علامة لزوال علامة الخفض بالشبه، والجزم هو أن يدخل عامل، فلا يحدث علامة، بل يكون ترك العلامة علامة له. فأما الفعل المضارع فلم يؤثر فيه الاسم المضاف إليه لأن الإضافة في المعنى إنما هي للمصدر المفهوم منه، ألا ترى أن قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ﴾ معناه: يوم نفع الصادقين ودلالة الفعل على المصدر من قبيل دلالة التضمن والعرب لا تخبر عن شيء ولا تضيف إليه إلا إذا أتت في لإخبار أو في الإضافة باللفظ الذي يدل عليه دلالة مطابقة/ فلا تقول: أعجبني السقف تعني الحائط الذي هو عليه أو خشبة منه، فلذلك لم يؤثر الاسم المضاف في الفعل لأنه غير مضاف إليه، من حيث إنه لا يدل على المصدر الذي هو اسم الزمان مضاف إليه في المعنى دلالة مطابقة. وأما الأسماء التي لا تنصرف فلم تبق ساكنة في حال الخفض حتى

стр. 138

يكون ترك العلامة لها علامة للخفض، لأنهم لو فعلوا ذلك لكان إجحافاً بها لما يلزم فيها من حذف شيئين من جهة واحدة، كل واحد منهما لمعنى، وذلك غير موجود في كلامهم فيما ليس له معنى- أعني حذفين أو إعلالين من جهة واحدة- إلا في ضرورة شعر أو نادر كلام إن جاء، فكيف فيما له معنى. وهذا الذي ذهبت إليه من امتناع تعليل الانفراد مطلقاً بل حيث ذكرنا مذهب س، ألا ترى أنه قال في تعليل امتناع الخفض من الأفعال: " لأن المجرور داخل في المضاف إليه ومعاقب للنونين" فلم يعلل امتناع الخفض منها بغير الإضافة لما ذكرنا من أنه يظهر أنه كان يجب أن تخفض في الإضافة خاصة. وأما قول س في تعليل امتناع الجزم من الأسماء " لتمكنها ولحاق التنوين لها" فإنه يعني بذلك الأسماء غير المنصرفة، ومراده: لتمكنها ولحاق التنوين إياها في الأصل، بخلاف الفعل الذي لا حظ له في التمكن ولا في التنوين. وقوله " فإذا ذهب التنوين" يعني بالشبه بالفعل. وقوله: " لم يجمعوا عليه ذهابه وذهاب الحركة" يريد: لما في ذلك من الإجحاف الذي تقدم تبيينه. انتهى. وقد سبق إلى أن مراد س بامتناع الجزم من الأسماء هو في الأسماء التي لا تنصرف أبو نصر النحوي، قال س: " وليس في الأسماء

стр. 139

جزم"، قال أبو نصر: " يريد الأسماء المضارعة للأفعال وهي التي لا تنصرف، وإنما فيها الجزم حين منعت الجر والتنوين كما منعهما الفعل ليكون عوضاً من الجر". قال س: " فإذا ذهب التنوين لم يجمعوا عليه ذهابه وذهاب الحركة". وقال الزجاج: " قال لبعضهم: لم تجزم الأسماء لخفتها ولم تخفض الأفعال لثقلها" وقال عبد الدائم القيرواني: الذي أختاره أنا قول المازني وهو أنه لم يدخل الجزم الأسماء لأنه لا يكون إلا بعوامل يمتنع دخولها على الأسماء من جهة المعنى، نحو لم ولما وحروف المجازاة وشبه ذلك، فلما لم يصح معنى الجازم فيها امتنع دخولها عليها. وكذلك العلة في دخول الخافض على الأفعال هي عدم صحة المعنى. ومما ر يتعقب على المصنف في كلامه قوله في عامل الجر" إنه غير مستقل لافتقاره إلى ما يتعلق به" وليس هذا على الإطلاق: لأن حرف الجر إذا كان زائداً لا يفتقر إلى ما يتعلق به، وكذلك إذا كان غير زائد في نحو: لولاك، ولعل زيد قائم في لغة من خفض. وقوله: " ولذلك إذا حذف

стр. 140

الجار نصب معموله" ليس على الإطلاق بل منه ما يرفع معموله نحو ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾ وما قام من رجل وما زيد بقائم في لغة تميم، فإنك تقول (كفى الله) وما قام رجل، وما زيد قائم. /ص: والإعراب بالحركة والسكون أصلا، وينوب عنه الحرف والحذف. فارفع بضمة وانصب بفتحة، وجر بكسرة، واجزم بسكون إلا في مواضع النيابة. ش: استدل المصنف في الشرح على أن الإعراب بالحركة أصل للإعراب بالحرف، وأن الإعراب بالسكون أصل للإعراب بالحذف بأنه لا يصار إلى غيرها إلا عند تعذرها، ولذلك اشترك الاسم والفعل في الرفع بضمة والنصب بفتحة ولم يشتركا في إعراب بحرف. وكانت أصالة الإعراب في غير الجزم للحركة لأنها أخف وأبين، إذ لا تخفي زيادتها على بنية الكلمة وإدراك المدلول دونها، بخلاف الحرف، فسقوطه في الغالب مخل بمفهوم الكلمة كالتثنية والجمع المذكر المسلم، ولذلك اختلف في المعرب بحرف، هل هو قائم مقام الحركة أم الحركة مقدرة فيه أو فيما قبله. كان السكون في الجزم أصلاً لأن بنية الفعل لا تنقص به، بخلاف حذف آخره، ولذلك قد يستغنى عن حذفه بتقديره ظاهر الحركة قبل الجزم. واستدل بعض أصحابنا على أن أصل الإعراب للحركات بأن أكثر المعربات إنما أعربت بالحركات وإنما أعرب بغيرها ما رفع بالنون لتعذر الحركة فيه والمجزوم لكون العلامات قد استغرقت فجعل ترك العلامة

стр. 141

علامة، ولأن الإعراب زائد على الكلمة والحركات بعض حروف العلة، فالضمة بعض الواو والفتحة بعض الألف، والكسرة بعض الياء، وزيادة بعض أهون من زيادة حرف كامل. وهذا الذي ذكره بعض أصحابنا يدل على خلاف ما قاله المصنف، لأنه ادعى أن الإعراب بالحركة والسكون أصل، وهذا لم يجعل إعراب السكون أصلاً، بل إنما جعل الأصل الإعراب بالحركات بل جعل في المجزوم ترك العلامة علامة. وقول هذا القائل" والحركات بعض حروف العلة" كلام لا تحقيق فيه، بل ليست بعضاً فإن أشبعت الحركات حدثت تلك الحروف، وحدوثها عند الإشباع لا يدل على أن الحركة بعضها. وقوله وينوب عنهما الحرف والحذف هذا فيه لف في الضمير إذ الحرف ينوب عن الحركة على مذهب والحذف ينوب عن السكون، وينوب أيضاً عن الفتحة في الأمثلة الخمسة، وقد سبق لنا الكلام على قوله في أول الباب أو سكون أو حذف" وأوردنا هناك ما أوردناه، وهو وراد هنا. وقوله: فارفع بضمة، وانصب بفتحة، وجر بكسرة هكذا قال غيره من النحويين، وكان القياس على مذهب البصريين أن يقال بدل " ضمة" " رفعة"، وبدل "فتحة" وبدل "كسرة" لأن الضم والفتح والكسر إنما هي للمبني، فينسب ما هو من لفظها إلى المبني، والرفع والنصب والجر للمعرب، فينبغي أن ينسب ما هو من لفظها إلى المعرب لكنهم أطلقوا على

стр. 142

حركات الإعراب ضمة وفتحة وكسرة على سبيل التوسع، لأن اللفظ بالمضموم والمفتوح والمكسور/ كاللفظ بالمرفوع والمنصوب والمجرور. -[ص: وتنوب الفتحة عن الكسرة في جر ما لا ينصرف إلا أن يضاف أو يصحب الألف واللام أو بدلها والكسرة عن الفتحة في نصب أولات والجمع بزيادة ألف وتاء، وإن سمي به فكذلك، والأعرف حينئذ بقاء تنوينه وقد يجعل كأرطاة علماً.]- ش: اختلف النحويون في حركة مالا تنصرف في حالة الجر، وفي حركة المجموع بالألف والتاء المزبدتين، فذهب الجمهور إلى أنهما حركتا إعراب وذهب الأخفش والمبرد إلى أنهما حركتا بناء، وزعما أن هذين الصنفين من الأسماء يعربان في حالين، ويبنيان في حال فما لا ينصرف يعرب في حال الرفع والنصب وينبي في حال الجر، وكذلك الجمع ويعرب في حال الرفع والجر، ويبني في حال النصب. وهذا القول مرغوب عنه لأنه لا يبنى إلا لسبب، وقد تقدم ذكر الأسباب التي للبناء، وهذان النوعان ليس فيهما سبب منها، وأيضاً فلم

стр. 143

نجد اسمًا يعُرب في حالين أو حالة، ويبني في حالة أو حالين. فأما احتياجُخما بأمس، وقولهما إنها تُبني تارة، وتُعرب تارة، وتشبيهُ دينك بأمس، فهو فاسم لأن أمس لا يبني إلا حال تضمنه معني الخرف، وهو لام التعريف، وتضمن معني الحرف من موجبات البناء، ويُعرب إذا لم يتضمنه، وذلك معدوم فيما لا ينصرف وفي ذلك الجمع؛ ألا ترى أن أمس إذا كانت نكرة أو مضافة أو معرفة بلام التعريف هي معربة بالاتفاق، فإن كانت معرفة بغير أداة التعريف، نحو قولك: خرجت أمس، تريد اليوم الذي قبل يومك بليلة، ينبت لتضمنها معني أداة التعريف. قوله: وتنوب الفتحة عن الكسرة في جزء مالا ينصرف امتناع ما لا ينصرف من الكسر اختلف في علته بعد اتفاقهم على أن ما لا ينصرف التنوين، فمن النحويين من قال: لما أشبه الفعل فمنع التنوين منع أيضاً لذلك الشبه الكسرة فشبهه بالفعل اقتضى له ما منعه الفعل، وهو الكسر والتنوين، فلما منع الكسرة جر بالفتحة وحمل المجرور على المنصوب لاشتراكهما في الفضيلة وفي غير ما شيء ولم يحمل الجر على الرفع لتباين ما بينهما إذا المرفوع عمدة والمجرور فضله. ومنهم من قال: لما أشبه الفعل منع التنوين فقط، وامتنع الكسرة لعلة أخرى، وهو أنه جر بالكسرة لتوهم أنه مضاف إلى ياء المتكلم وأنه حذفت من الاسم، واجتزئ بالكسرة عنها، أو توهم أنه مبني على الكسر، أن الكسرة لا تكون إعراباً إلا إن كان في الاسم تنوين أو يعاقبه في الألف واللام أو الإضافة. وإلى هذا ذهب ابن الأنباري، ومال إليه السهيلي

стр. 144

واستحسنه ابن القاسم، ولا يصح إلا على مذهب الكسائي والفراء وأما س فلا يحذف هذه الياء إلا في النداء وإتباعا لخط المصحف أو ضرورة قال ابن الأنباري: فإذا دخلت أل أو أضيف زال اللبس لأنهما لا يجتمعا مع الياء فردت الكسرة. وقوله: إلا أن يضاف أو يصحب بالألف واللام/ إنما جر بالكسرة في هاتين الحالتين لأنه دخله ما عاقب التنوين، والاسم إذا دخله التنوين جر بالكسرة، فكذلك إذا دخله ما عاقبه. ومنهم من قال: السبب في ذلك أنه دخله خاصة من خواص الأسماء، فضعف فيه شبه الفعل فجر بالكسرة وضعف هذا بأنه يدخل عليه حرف الجر ويصغر وينعت وهذه من خواص الأسماء وأجيب بأنه لم يدخل عليه حرف الجر إلا بعد ما تمكن الشبه فيه فلم يعتد به، وبأن التصغير قد يوجد في الأفعال نحو: ما أمليح زيداً! فلم يتمحض لأن يكون من خواص الأسماء، إذ قد وجد في نوع ما من أنواع الأفعال وبأن النعت ليس اتصاله بالمنعوت كاتصال الألف واللام والإضافة، فلذلك لم تعتبر هذه الخواص واعتبرت الألف واللام والإضافة فعاد بهما إلى أصله من الجر بالكسرة.

стр. 145

ويشمل قوله الألف واللام كونها للتعريف نحو قوله تعالى: ﴿كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ﴾ موصول كقول الشاعر: وما أنت باليقظان ناظره إّذا رضيت بما ينسيك ذكر العواقب وزائدة نحو قول الشاعر: رأيت الوليد بن اليزيد مباركاً شديداً بأحناء الخلافة كاهله وقوله: أو بدلها إبدال لام التعريف ميماً هي لغة حمير ومثال دخولها على ما لا ينصرف فجر بالكسرة قول الشاعر: أأن شمت من نجد بريقاً تألقا تكابد ليل امأرمد اعتاد أولقا أراد: ليل الأرمد. وذكر صاحب " المعرب" أنها لغة لطيئ. وإذا أضيف أو دخلته أل فمذهب أبي علي وابن جني أنه يسمى
следующие страницы →