Полный текст (3 950 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
علامة، ولأن الإعراب زائد على الكلمة والحركات بعض حروف العلة، فالضمة بعض الواو والفتحة بعض الألف، والكسرة بعض الياء، وزيادة بعض أهون من زيادة حرف كامل.
وهذا الذي ذكره بعض أصحابنا يدل على خلاف ما قاله المصنف، لأنه ادعى أن الإعراب بالحركة والسكون أصل، وهذا لم يجعل إعراب السكون أصلاً، بل إنما جعل الأصل الإعراب بالحركات بل جعل في المجزوم ترك العلامة علامة.
وقول هذا القائل" والحركات بعض حروف العلة" كلام لا تحقيق فيه، بل ليست بعضاً فإن أشبعت الحركات حدثت تلك الحروف، وحدوثها عند الإشباع لا يدل على أن الحركة بعضها.
وقوله وينوب عنهما الحرف والحذف هذا فيه لف في الضمير إذ الحرف ينوب عن الحركة على مذهب والحذف ينوب عن السكون، وينوب أيضاً عن الفتحة في الأمثلة الخمسة، وقد سبق لنا الكلام على قوله في أول الباب أو سكون أو حذف" وأوردنا هناك ما أوردناه، وهو وراد هنا.
وقوله: فارفع بضمة، وانصب بفتحة، وجر بكسرة هكذا قال غيره من النحويين، وكان القياس على مذهب البصريين أن يقال بدل " ضمة" " رفعة"، وبدل "فتحة" وبدل "كسرة" لأن الضم والفتح والكسر إنما هي للمبني، فينسب ما هو من لفظها إلى المبني، والرفع والنصب والجر للمعرب، فينبغي أن ينسب ما هو من لفظها إلى المعرب لكنهم أطلقوا على
стр. 142
حركات الإعراب ضمة وفتحة وكسرة على سبيل التوسع، لأن اللفظ بالمضموم والمفتوح والمكسور/ كاللفظ بالمرفوع والمنصوب والمجرور.
-[ص: وتنوب الفتحة عن الكسرة في جر ما لا ينصرف إلا أن يضاف أو يصحب الألف واللام أو بدلها والكسرة عن الفتحة في نصب أولات والجمع بزيادة ألف وتاء، وإن سمي به فكذلك، والأعرف حينئذ بقاء تنوينه وقد يجعل كأرطاة علماً.]-
ش: اختلف النحويون في حركة مالا تنصرف في حالة الجر، وفي حركة المجموع بالألف والتاء المزبدتين، فذهب الجمهور إلى أنهما حركتا إعراب وذهب الأخفش والمبرد إلى أنهما حركتا بناء، وزعما أن هذين الصنفين من الأسماء يعربان في حالين، ويبنيان في حال فما لا ينصرف يعرب في حال الرفع والنصب وينبي في حال الجر، وكذلك الجمع ويعرب في حال الرفع والجر، ويبني في حال النصب.
وهذا القول مرغوب عنه لأنه لا يبنى إلا لسبب، وقد تقدم ذكر الأسباب التي للبناء، وهذان النوعان ليس فيهما سبب منها، وأيضاً فلم
стр. 143
نجد اسمًا يعُرب في حالين أو حالة، ويبني في حالة أو حالين. فأما احتياجُخما بأمس، وقولهما إنها تُبني تارة، وتُعرب تارة، وتشبيهُ دينك بأمس، فهو فاسم لأن أمس لا يبني إلا حال تضمنه معني الخرف، وهو لام التعريف، وتضمن معني الحرف من موجبات البناء، ويُعرب إذا لم يتضمنه، وذلك معدوم فيما لا ينصرف وفي ذلك الجمع؛ ألا ترى أن أمس إذا كانت نكرة أو مضافة أو معرفة بلام التعريف هي معربة بالاتفاق، فإن كانت معرفة بغير أداة التعريف، نحو قولك: خرجت أمس، تريد اليوم الذي قبل يومك بليلة، ينبت لتضمنها معني أداة التعريف.
قوله: وتنوب الفتحة عن الكسرة في جزء مالا ينصرف امتناع ما لا ينصرف من الكسر اختلف في علته بعد اتفاقهم على أن ما لا ينصرف التنوين، فمن النحويين من قال: لما أشبه الفعل فمنع التنوين منع أيضاً لذلك الشبه الكسرة فشبهه بالفعل اقتضى له ما منعه الفعل، وهو الكسر والتنوين، فلما منع الكسرة جر بالفتحة وحمل المجرور على المنصوب لاشتراكهما في الفضيلة وفي غير ما شيء ولم يحمل الجر على الرفع لتباين ما بينهما إذا المرفوع عمدة والمجرور فضله.
ومنهم من قال: لما أشبه الفعل منع التنوين فقط، وامتنع الكسرة لعلة أخرى، وهو أنه جر بالكسرة لتوهم أنه مضاف إلى ياء المتكلم وأنه حذفت من الاسم، واجتزئ بالكسرة عنها، أو توهم أنه مبني على الكسر، أن الكسرة لا تكون إعراباً إلا إن كان في الاسم تنوين أو يعاقبه في الألف واللام أو الإضافة. وإلى هذا ذهب ابن الأنباري، ومال إليه السهيلي
стр. 144
واستحسنه ابن القاسم، ولا يصح إلا على مذهب الكسائي والفراء وأما س فلا يحذف هذه الياء إلا في النداء وإتباعا لخط المصحف أو ضرورة قال ابن الأنباري: فإذا دخلت أل أو أضيف زال اللبس لأنهما لا يجتمعا مع الياء فردت الكسرة.
وقوله: إلا أن يضاف أو يصحب بالألف واللام/ إنما جر بالكسرة في هاتين الحالتين لأنه دخله ما عاقب التنوين، والاسم إذا دخله التنوين جر بالكسرة، فكذلك إذا دخله ما عاقبه.
ومنهم من قال: السبب في ذلك أنه دخله خاصة من خواص الأسماء، فضعف فيه شبه الفعل فجر بالكسرة وضعف هذا بأنه يدخل عليه حرف الجر ويصغر وينعت وهذه من خواص الأسماء وأجيب بأنه لم يدخل عليه حرف الجر إلا بعد ما تمكن الشبه فيه فلم يعتد به، وبأن التصغير قد يوجد في الأفعال نحو: ما أمليح زيداً! فلم يتمحض لأن يكون من خواص الأسماء، إذ قد وجد في نوع ما من أنواع الأفعال وبأن النعت ليس اتصاله بالمنعوت كاتصال الألف واللام والإضافة، فلذلك لم تعتبر هذه الخواص واعتبرت الألف واللام والإضافة فعاد بهما إلى أصله من الجر بالكسرة.
стр. 145
ويشمل قوله الألف واللام كونها للتعريف نحو قوله تعالى: ﴿كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ﴾ موصول كقول الشاعر:
وما أنت باليقظان ناظره إّذا رضيت بما ينسيك ذكر العواقب
وزائدة نحو قول الشاعر:
رأيت الوليد بن اليزيد مباركاً شديداً بأحناء الخلافة كاهله
وقوله: أو بدلها إبدال لام التعريف ميماً هي لغة حمير ومثال دخولها على ما لا ينصرف فجر بالكسرة قول الشاعر:
أأن شمت من نجد بريقاً تألقا تكابد ليل امأرمد اعتاد أولقا
أراد: ليل الأرمد. وذكر صاحب " المعرب" أنها لغة لطيئ.
وإذا أضيف أو دخلته أل فمذهب أبي علي وابن جني أنه يسمى
стр. 146
منجزًا لا منصرفا. ومذهب الزجاج والزجاجي والسيرافي أنه يسمى منصرفاً وهذا مبني على الاختلاف في سبب تسميته منصرفاً وغير منصرف
وقوله: والكسرة عن الفتحة في نصب أولات قال تعالى: ﴿وَإِن كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ﴾ وأولات في المؤنث نظير أولو في المذكر، إلا أن أولو يخص العاقل. ولا مفرد لهما من لفظهما قال أبو عبيدة: " أولات واحدها ذات". قال أبو علي: وزنها فعل مثل هدى، العين متحركة ولا تكون ساكنة لانقلاب اللام ولا تنقلب اللام في القياس إلا لفتح ما قبلها، فاللام في أولات كالعين في ذات في انقلابها، لكن حذفت الألف المنقلبة مع الألف والتاء فوزنه فعات/ وصارت محمولة على نظيرتها، وهي ذوات وهما في ذلك جريا للزومهما الإضافة مجرى مالم يتمكن نحو هيهات فيمن كسر، لأن قياس قوله أن تكون من مضاعف الياء، وأن اللام حذفت مع الألف والتاء والأصل هيهات.
فإن قيل: لو كانت أولات على فعل لم يقل في جمعه للمذكر ألون وقياسه أن يكون مثل مصطفون؟
стр. 147
فالجواب: أنه لعدم تمكنه أجري مجرى الذوين فكسروا مع الياء، وضموا مع الواو، فكما كسروا الواو في الذورين وكان حقها الفتح لأنه جمع ذوى وقد جاء في المتمكن ومنه قوله:
ظعائن من بني الحلاف تأوي إلى خرس نواطق كالفتينا
وكقوله:
............. ........... لا فصافص في كبينا
حملوا فيه الحركات بعضها على بعض.
ويحتمل أن يكون أصله أل، الآخر منه ياء وحذفت للألف والتاء كما حذفت ياء"الذي" في "اللذان".
فإن قلت: ليس في الأسماء على فعل؟
فالجواب: أنه يجوز أن يكون ك "ثن" ثم تحركت بالفتح لأجل
стр. 148
الألف، وضمت لأجل الواو في "ألوان"
وشمل قوله: والجمع بألف وتاء ما جمع بهما من مذكر كحسامات وحمامات ومن مؤنث كزينبات، وقيد ذلك بقوله: " بزيادة ألف وتاء"ليحترز عن مثل أبيات، فإن التاء فيه أصلية وعن مثل قضاة، لأن الألف فيه منقلبة عن أصل. ونصب هذين بالفتحة مغيرهما من جموع التكسير.
وهذا الذي ذكره المصنف من أن الكسرة تنوب عن الفتحة في ذلك هو مذهب البصريين ولا يعرفون غيره، ولا يجيزون الأصل. وجوز الكوفيون نصبه بالفتحة في حال النصب، وحكوا من ذلك: " سمعت لغاتهم" بفتح التاء، وأنشدوا:
فلما جلاها بالإيام تحيزت ثباتا، عليها ذلها واكتئابها
بنصب تاء ثبات.
وقال الرياشي: سمعت بعض العرب يقول- وليس هو بالمعروف-: أخذت أرائهم، بنصب التاء.
стр. 149
"وقال أبو عمرو بن العلاء لأبي خيرة: كيف تقول: حفرت إراتك؟ قال: حفرت إراتك. قال: فكيف: استأصل الله عزقاتهم أو عزقاتهم؟ فقال: استأصل الله عزقاتهم. فلم يعرفها أبو عمرو، وقال: لأن جلدك يا أبا خيرة. يقول أخطأت. قال أحمد بن يحي: هي لغة لم تبلغ أبا عمرو. يقال: وأرت إرة أثرها وأرا: إذا حفرت حفرية تطبخ فيها، وإرات: جمع إرة. قال أبو عثمان: كان أبو عمرو يرده، ويراه لحناً".
وقال هشام: حكي الكسائي: سمعت لغاتهم قال: وهذا في الناقص ولا يجوز من هذا شيء عند البصريين، لأنه لا فرق بين الناقص والتام.
وحكي الكوفيون: انتزعت علقاتهم وعزقاتهم بكسر التاء وفتحها، فأما انتزعت علقاتهم فهو جمع علقة، يقال لما يض ١ ن به: علقة، ولا يجوز الفتح به عند البصريين. وقال الأصمعي: انتزعت عزقاتهم، بفتح/ التاء وهي واحدة أي: أصل مالهم.
وتلخص من هذه النقول أن مذهب البصريين كسر التاء في النصب وجوباً ومذهب الكوفيين جوازاً فقيل مطلقاً وقيل: في الناقص.
والسبب في إعراب هذا الجمع في حالة النصب بالكسرة هو أنه مشبه لما
стр. 150
جمع بالواو والنون، فحمل فيه النصب على الجر في الكسرة كما حمل نصب ذلك الجمع على جره في الياء لما تقرر من أن الفروع تحمل على الأصول وأصل هذا الجمع أن يكون للمؤنث السام، كما أصل ذلك الجمع "أن يكون للمذكر السالم.
وذهب أبو الحسن بن كيسان إلى أن موجب ذلك هو أنهم أرادوا التفرقة بين جمع السلامة من المؤنث، وبين ما يشبهه في اللفظ وليس بجمع سلامة كأبيات وأموات. وكان الذي حمل فيه النصب على الخفض للفرق جمع المؤنث السالم، ولم يكن جمع التكسير الذي يشبه في اللفظ لأنه لا شبه بين أبيات وأمثاله وبين جمع المذكر السالم، ولا هو فرعه، فحمل عليه لذلك هكذا ذكر بعض أصحابنا عن ابن كيسان. ونقل غيره أن ذلك تعليل الكوفيين، وأن ابن كيسان وافق الجماعة، وأن ما فيه هاء الجمع ضارع التثنية والجمع، فجعل إعرابه على وجهين لئلا يخالفهما.
وقوله: وإن سمي به فكذلك أي: فينصب بالكسرة وإن كان قد زال معنى الجمعية منه بكونه صار علماً فتقول فيمن يسمى هندات: هذه هندات، ورأيت هندات ومررت بهندات، كما تقوم إذا كان جمعاً لهند، كما فعلوا ذلك بجمع المذكر السالم إذا سمي به، فإنك تقول لمن يسمى زيدين: قال زيدون، ورأيت زيدين، ومررت بزيدين، كما تقول إذا كان جمعاً لزيد.
وقوله: والأعراف حينئذ بقاء تنوينه أي: حين إّذ يسمى به، فيكون علماً يبقى فيه التنوين كما يبقى حين كان جمعاً قال المصنف في الشرح: "ومن العرب من يكتفي بعد التسمية بتقابل الكسرة للياء ويسقط التنوين،
стр. 151
فيقول: هذه عرفات، ورأيت عرفات، ' ومررت بعرفات"
وقوله: وقد يجعل كأرطاة علماً قال المصنف في الشرح: " ومنهم - يعني من العرب- من يقول: رأيت عرفات، ومررت بعرفات فيلحق لفظه بلفظ مالا ينصرف. وإلى هذه اللغة الإشارة بقولنا: " وقد يجعل كأرطاة علماً" أي: يجعل كواحد زيد في آخره ألف وتاء كأرطاة وعلقاه وسعلاة" انتهى كلامه.
وقد تكلمنا على كلامه هنا في كتاب " التكميل لشرح التسهيل" في " باب التسمية بلفظ كائن ما كان" ونحن نتكلم عليه هنا، إذ الكلام هنا على ذلك أمس، فنقول: ذكر المصنف أن إعرابه إعراب مالا ينصرف لغة، وهو خلاف مذهب البصريين والمنقول عن البصريين أنه إذا سمي بهذا الجمع يجوز فيه وجهان:
أحدهما: إعرابه كإعرابه قبل أن يسمى به.
والآخر: أن يحذف منه التنوين ويبقى مرفوعا بالضمة منصوباً ومجروراً بالكسرة من غير تنوين في الأحوال/ الثلاثة، ومن ذلك قول
стр. 152
الشاعر:
تنورتها من أذرعات وأهلها ... ...........................
في رواية من رواه بالكسر دون تنوين.
وأجاز الكوفيون الوجه الأول، وأجازوا وجها ثانياً وهو منع الصرف فيضم رفعاً ويفتح نصباً وجراً كما يفعل بفاطمة.
قال أصحابنا: ومذهب البصريين صحت به الرواية، ويقتضيه القياس، لأن التاء في هندات بعد التسمية باقية على حكمها، ألا ترى أنها لا تقلب هاء في الوقف، كما كانت لا تقلب قبل التسمية ولو كانت محكوماً لها بحكم فاطمة لقلبت هاء في الوقف، كما تقلب في فاطمة فإذا ثبت أنها محكوم لها بحكم تاء الجمع وجب أن تكون مكسورة نصباً وخفضاً. انتهى.
وإذا كان الأمر كذلك فكيف يقول المصنف إن إعرابه إعراب مالا ينصرف لغة؟ وليس للكوفيين دليل في ذلك من سماع ولا أورد عنهم في ذلك شيء، وإنما قالوه بالقياس على فاطمة لما اجتمع فيه التأنيث والعلمية.
وقال بعض النحويين ما نصه: " وأجاز الكوفيون فتح هذه التاء إذا سموا بما هي فيه، وأن تفتح في موضع الخفض والنصب في الشعر، وأنشدوا:
стр. 153
تنورتها من أذرعات وأهلها بيثرب، أدنى دارها نظر عالي
وفتحها عند البصريين لا يجوز البتة لأنها بمنزلة الياء في مسلمين، وترك التنوين عندهم جائز في الشعر، وإثباته أحسن لأنه بمنزلة النون في مسلمين" انتهى كلامه.
فتلخص من هذا النقل أن البصريين لا يجيزون إذا سمي به أن تفتح التاء البتة، وأن الكوفيين جوزوا ذلك في الشعر، وأن البصريين ترك التنوين عندهم جائز في الشعر، وكل هذه الأحكام مخالفة لما قاله المصنف أما فتح التاء حالة الجر فجعله لغة، ولم يذكر أن ذلك لا يجوز على مذهب البصريين، وناهيك من مذهب البصريين، وقد جهله، ولا أن ذلك أجازه الكوفيون في الشعر. وأما حذف التنوين مطلقاً والجر بالكسرة فذكر أن ذلك قول العرب وأنه لغة، وهؤلاء البصريون يجعلون ذلك جائزاً في الشعر.
وفي البسيط مال ملخصه: " للعرب فيه عند التسمية مذهبان: الأكثر والأشهر إثبات التنوين، ومعاملته معاملة النكرة. والثاني أن تنل هذه التاء منزلة تاء فاطمة بحذف التنوين، وبفتحها نصباً وجراً وبرفعها رفعاً وأنشدوا للأعشى:
تخيرها أخو عانات دهراً ... ورجى نفعها عاماً فعاما
وهو قول أبي الحسن. وقال المبرد والزجاج: إذ حذف التنوين وجب الكسر، ولا يجوز الفتح، وأنشدا:
تنورتها من أذرعات ........... ................
стр. 154
بالكسر بغير تنوين. وقال الأصمعي: " ترك التنوين مع الكسر خطأ".
-[ص: وتنوب الواو عن الضمة، والألف عن/ الفتحة والياء عن الكسرة، فيما أضيف إلى غير ياء المتكلم من أب وأخ وحم غير مماثل قرواً وقراءاً وخطأ وفم بلا ميم، وفي ذي بمعنى صاحب، والتزم نقص هن أعرف من إلحاقه بهن]-
ش: لما ذكر المصنف نيابة الحركة عن الحركة أخذ يذكر نيابة الحرف عن الحركة، فذكر أن حروف العلة تنوب فيما أضيف إلى غير ياء المتكلم، فشمل ما أضيف إلى الظاهر والمضمر غير الياء نحو: قام أخو زيد، ورأيت أخاه، ومررت بأخيك.
وهذا شرط واحد ذكره، وأهمل شرطين:
أحدهما: أن لا يكون شيء منها مصغراً فإنه إذ ذاك لا تنوب فيه الحروف بل تقول: جاء أخي زيد وهذا أبي خالد وحمي جعفر وفويه عمرو.
الثاني: أن يكون مفرداً أي: ليس مثنى ولا مجموعاً لأنه إذ ذاك يصير حكمه حكم المثنى والمجموع
والعذر للمصنف في إهمال هذين الشرطين هو أنه علق الحكم بعين لفظ أب وأخواته، فإذا صغر أو ثني أو جمع فليس نفس اللفظ المعلق عليه الحكم، وأصحابنا يقولون: مادامت مكبرة مفردة مضافة لغير الياء
وقوله: إلى غير ياء المتكلم احتراز من أن تضاف إلى الياء فإنها إذ ذاك تذهب حروف العلة، فتقول: قام أبي وأخي وحمي، سيأتي الكلام على إضافتها إلى الياء في آخر فصل الإضافة إن شاء الله.
стр. 155
وقوله من أب وأخ لا خلاف بين البصريين أن وزنهما فعل بدليل أبوان وأخوان وآباء وإخاء، قال س: " هذا جماع فعل" بدليل إخراج أب على الأصل في قول الشاعر:
تقول ابنتي لما رأتني شاحباً: كأنك فينا يا أبات غريب
جعله مثل عصا.
وزعم الكسائي والفراء أن وزنهما فعل بسكون العين، وأنشد الفراء والكسائي:
لأخوين كانا خير أخوين شيمة وأنفعه في حاجة لي أريدها
وقال رجل من بني طيئ:
ما المرء أخوك إن لم تلفه وزراً ... عند الكريهة معواناً على النوب
قال الفراء: استثقلت فيه الواو، فحذفت كما حذفوها من غد. قال: وإنما عربوا الأب والأخ من مكانين، ولم يفعلوا ذلك في غد ويد ودم لأن في أول أب ألفاً والعرب قد تترك الهمزة من أب وأخ، فلما اجتمع عليهما
стр. 156
ذهاب الواو من آخرها والهمزة من أولهما، وبقي الحرف أسماً كرهوا أن يكون اسم على حرف واحد، فذهبوا به إلى مثل ذي وذو وفي وفو. انتهى.
وهذا الذي ذهب إليه الفراء فاسد لوجود هذا الإعراب من مكانين على زعمه في حم وهن وليس أولهما همزة. وأما قوله: " إنه معرب من مكانين" فسيأتي ذكر فساده.
وأما حم فوزنه فعل عند البصريين، قالوا إحماء. وقال الفراء: الأصل حموا بإسكان الميم. والحم: أبو زوج المرأة وغيره من أقاربه، وهذا المشهور وقد يطلق على أقارب الزوجة.
/وقوله: غير مماثل هذا القيد في حم خاصة، فإذا ماثل شيئا من موازنة كان إعرابه بالحركات الظاهرة كإعرابه، فتقول: هذا حموك وحمؤك وحمؤك.
وقوله: وفم بلا ميم هو معطوف على قوله: "من أب وأخ وحم" وداخل في قيد ما أضيف إلى غير متكلم، فيشمل ذلك إضافته إلى الظاهر وإلى المضمر غير الياء، فتقول: هذا فو زيد، ورأيت فازيد، ونظرت إلى في زيد، وهذا فوه، ورأيت فاه، ونظرت إلى فيك، قال الشاعر:
لعمري لسعد حيث حلت دياره أحب إلينا منك فا فرس حمر
وقال:
стр. 157
فوه كشق العصا، لأيا تبينه أصك ما يسمع الأصوات، مصلوم
ووزنه عند الخليل وس فعل بدليل جمعه على أفواه كسوط وأسواط. وذهب الفراء إلى أن وزنه فعل بضم الفاء، واستدل ك"س" بقول الفصحاء فم بفتح الفاء حالة التعويض. ونظير هذا استدلال س على أن أبنا مفتوح الفاء بقولهم بنون.
وقوله: وفي ذي بمعنى صاحب هذا معطوف على المجرور ب"في" من قوله: " فيما أضيف" لا معطوف على المجرور ب" من" ولذلك كرر "في"، وإنما فعل ذلك لأن "ذا" بمعنى صاحب لا يضاف إلى الضمير مطلقاً، سواء أكان ضمير غائب أو مخاطب أو متكلم، على أن في إضافته إلى المضمر خلافاً س منعه والمبرد أجازه، وقال صاحب البديع: لم يرد مضافاً للضمير إلا مجموعاً وقد جاء مجموعاً غير مضاف:
فلا أعني بذلك أسفليكم ولكني أريد به ألذوينا
ومن أجاز ذلك قال في الإضافة إلى ياء المتكلم " ذي" كقولهم في.
стр. 158
وسيأتي ذلك مستوفى في باب الإضافة إن شاء الله.
واحترز المصنف بقوله: " بمعنى صاحب" من "ذي" التي يشار بها إلى مؤنث ويرد عليه "ذو" الطائية في بعض لغات طيئ، فأنها تعرب فتقول: جاء ذو قام، ورأيت ذا قام، ومررت بذي قام، وليست بمعنى صاحب، وسيأتي ذكرها في الموصولات.
ووزن ذي بمعنى صاحب عند س فعل، وأصله ذوي حذفت لامه. ولو سميت به على مذهبه أتممت. ويدل على أن هذا أصله قولهم: " ذواتا" في التثنية فعادت اللام، كما قالوا في تثنية أب: أبوان، ودل ذلك على أن وزنه فعل وهو - عنده- من باب طويت وبه قال أبو الحسن واحتج بهذه الحجة.
وقال أبو علي وابن جني: لا يلزم هذا لأنه لما استمر تحريك
стр. 159
العين لحذف اللام لم يعتبر ردها لأنه عارض، فتركوها محركة كما قالوا: غدوي ودموي وقد قال الشاعر:
يديان بيضاوان عند محلم ... ...........................
والجمهور على أنه فعل على أن النحاس حكي أن من النحويين من جعله فعلا بهذا البيت. وهذا يلزم في مذهب س. وقد احتج أبو العباس في "دم" أنه فعل بقول الشاعر:
....................... /جرى الدميان بالخبر اليقين
стр. 160
والأكثر على أن هذا لا يلزم لما تقدم. وذهب الخليل إلى أن وزنه فعل، وأنه من باب قوة، فأصله ذو مثل قو. وقال ابن كيس: يحتمل الوزنين جميعاً.
ومما يعكر على مذهب س في أن أصله ذوي، ثم صار ذوى، ثم حذفت اللام أنهم قالوا: ذوو مال، فلو كان أصل هذه الواو الفتح على ما زعم س لقالوا: ذوو مال كما قالوا: مصطفو زيد، فكانت الألف تسقط لمكان واو الجمع، وينفخ ما قبل الواو ليدل على المحذوف
وقوله: والتزام نقص هن أعرف من إلحاقه بهن إما إلحاقه بهن وإعرابه بالواو رفعاً والألف نصباً والياء جراً ففي ذلك خلاف:
ذهب الفراء إلى أنه من هذه الأسماء قال الفراء: وأما ما لم يتم في حال، وجاء منقوصاً فقولهم دم ومثله هن وهنة، قال: فهذا لم بجد له في الواحد تماماً.
وذهب س إلى أنه من هذه الأسماء قال س: " ومن العرب من يقول هنوك وهناك ومررت بهنيك ويقولون هنوان، فيجريه مجرى الأب" انتهى. ومن حفظ حجة على من لم يحفظ ولما لم يكن ذلك بالمشهور في كلام العرب لم يعده كثير من النحويين منها والمشهور نقصه كما قال الفراء، وفي الحديث" من تعزى بعزاء الجاهلية فأغضوه بهن أبيه لا
стр. 161
تكنوا" ورُوي عن علي ﵁" من يطل هن أبيه ينطق به"، وقال:
رحت وفي رجليك ما فيهما ... وقد بدا هنك من المئزر
أراد: هنك، فسكن كما يسكن عضد. ووزن هن أيضا فعل عند البصريين.
-[ص: وقد تشدد نونه وخاء أخ وباء أب وقد يقال أخو، وقد يقصر حم وهما أو يلزمها النقص كيد ودم وربما قصرا، أو ضعف دم.]-
ش: مثال تشديد نون هن قول عبد بني الحسحاس:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة وهتي جاز بين لهزمني هن
وتشديدا خاء أخ- فيكون كفخ- وباء أب ذكره الأزهري، وأنه يقال
стр. 162
في الاشتقاق: استأببت فلاناً بباءين، أي: اتخذته أباً.
وقوله: وقد يقال أخو قد ذكرنا الدليل على ذلك فيما أنشد الكسائي والفراء دليلا على أنه وزنه فعل بسكون العين.
وقوله: وقد يقصر حم وهما وهذا هو الأصل، لأنه من حيث وزنها فعل كان يلزم القصر فيها، سواء أضيفت أم لم تضف، فتقول: قام حماك وأباك وأخاك وقام أبا وأخا وحماً، وقصر حم مشهور، نص عليه أصحابنا، ومنه قيل للمرأة حماة، وحكاه أبو عبيد عن الأصمعي وأما قصر أب فقال الفراء من العرب من يقول: هذا أباك، بالألف على كل حال وقال:
إن أباها وأبا أباها قد بلغا في المجد غايتاها
وأما قصر أخ فزعم الفراء أن قصر أخ لم يسمعه كما سمعه في أب وأجاز ذلك هشام، أجاز: جاءني ومررت/ بأخاك وحكي " مكره أخاك لا بطل"، وأنشد المصنف في الشرح مستدلاً على قصر
стр. 163
الأخ:
أخاك الذي إن تدعه لملمه يجبك بما تبغي، ويكفك من يبغي
وإن تجفه يوماً فليس مكافئاً فيطمع ذا التزوير والوشي أن يصغي
ولا دليل فيه لأنه يحتمل أن يكون منصوباً بإضمار فعل، التقدير: ألزم أخاك، وإّذا دخل الدليل الاحتمال سقط به الاستدلال.
والضمير في قوله: أو يلزمها النقص عائد على أخ وأب وحم، ويعني بالنقص حذف لاماتها كحذف لام غد وشبهه، فمن نقص أب قول الراجز:
يأبه اقتدى عدي في الكرم ومن يشابه أبه فما ظلم
وقول الآخر:
سوى أبك الأدنى وأن محمداً ... علا كل عال يا بن عم محمد
ومن نقص أخ ما حكاه أبو زيد من قولهم: " جاءني أخك". وأجاز الفراء: هذا أبك وأخك. فدل ذلك على أنه لغة لا ضرورة.
وأما نقص حم فحكي الفراء أنه يقال: هذا حمك: وأنكر هذه اللغة البصريون قال س في النسب إلى حم: حموي، قال: " ولا يجوز إلا
стр. 164
ذا" ولو جاز أن تقول " هذا حمك" لجاز أن تقول في النسب: حمي، كما تقول إلى يد: يدي ويدوي.
فتلخص في أب وأخ وحم القصر والنقص ومصاحبة الحروف حالة الإضافة، وفي أب وأخ التشديد، وفي أخ وحم بناؤه على فعل، وفي حم بناؤه مهموزاً على فعل أو فعل، وفي هن النقص والتشديد ومصاحبة الحروف حالة الإضافة. وترتيب لغات حم في الجودة: مصاحبة الحروف، فالإتمام على فعل بالواو كدلو، فالقصر، والنقص، فالإتمام على فعلٍ بالهمز، فعلى فعل بالهمز، ذكره بعض أصحابنا.
وقوله: كيد ودم، وربما قصرا استطرد من ذكر لغات هذه الأسماء إلى ذكر لغة غيرها مما شبهها به، ومن غَلب عليه حُبُّ شيء استغرقه، وليس من الضروري ذكر لغاتِ هذه الأسماء فضلاً عن ذكر ما شبهت به، ولا هو داخل في علم النحو. وأنشد المصنف في الشرح قولَ الشاعر:
غفلت، ثم أتت تطلبه ... فإذا هي بعظام ودما
وقولَ الراجز:
يا رُبَّ سارٍ بات ما توسدا ... إلا ذراع العنس أو كف اليدا
ويحتمل هذا البيت أن يكون "اليدا" تثنيةً على لغة من
стр. 165
يثني بالألف مطلقاً، وحذف النون على حد قولهم " بيضك ثنتا وبيضي مائتا" فلا يكون فيه حجة، فيحتاج في إثبات قصر اليد إلى دليل غيره. وقول الآخر:
أهان دمك فرغاً بعد عزته ... يا عمرو بغيك إصراراً على الحسد
وقولَ الآخر:
............... ... والدم يجري بينهم كالجدول
-[ص: وقد تُثَلَّثُ فاء فم منقوصاً أو مقصوراً، أو يضعف مفتوح الفاء أو مضمومها، أو تتبع فاؤه حرف إعرابه في الحركات كما فُعل بفاء مرءٍ وعيني/ امرئ وابنم، ونحوهما فوك وأخواته على الأصح، وربما قيل: "فا" دون إضافة صريحة نصباً، ولا يختص بالضرورة نحو:
يصبح ظمآن وفي البحر فمه
خلافاً لأبي علي.]-
ش: قال أبو جعفر النحاس: حكي الكوفيون في فم لغات لا يعرفها أكثر البصريين. قال أبو عمرو الشيباني: يقال: فم، وفم، وقال الفراء: وفي فم لغات: إعراب الفاء والميم، ورفع الفاء في كل وجه، وفتح الفاء وإعراب الميم. فقول المصنف: " وقد تثلث فاء فم منقوصاً" فالفتح هو
стр. 166
المشهور، وحكى س في تثنيته: فمان، والضم حكاه الشيباني والفراء والكسر حكاه الشيباني.
وقوله: أو مقصوراً يعني أنه يقال: فما وفما وفماً ولم يذكر المصنف في شرحه شاهداً إلا على الفتح، قال: " أنشد الفراء:
يا حبذا عينا سليمي والفما
وحكي ابن الأعرابي في تثنيته: فموان وفميان". وأطلق القول، فدل على أن ذلك لا يختص بالنظم دون النثر وعلى هذا يكون قول الفرزدق:
هما نفثا في في من فمويهما .....................
فصيحاً، إذ قد ثبت القصر وتثنيته بقول ابن الأعرابي وقد أجاز ذلك س، أجاز فموان وأنشد بيت الفرزدق
ولأبي العباس في هذا البيت قولان:
أحدهما: أن قوله: "فمويهما" لحن، لأنه جاءت الميم مع الواو، والميم بدل منها، فالجمع بينهما خطأ.
والقول الآخر: أنه جعل الواو بدلا من الهاء لخفائها للين وهذا إنما
стр. 167
قاله أبو العباس لاعتقاده أن الميم ليست من أصل بنية الكلمة، وإنما هي بدل من الواو. قال أبو العباس: تقول في الإفراد فم فاعلم، فتبدل الميم من الواو لأنهما من مخرج واحد. وإنما الميم والباء والواو من الشفة، وكانت الميم أولى بالبدل من الباء لأن الواو من الشفة، ثم تهوي في الفم لما فيها من المد واللين حتى تنقطع عند مخرج الألف، والميم تهوي في الفم حتى تتصل بالخياشيم لما فيها من الغنة والباء لازمة لموضعها" انتهى كلامه.
وعلى ثبوت لغة القصر تكون الميم من أصل بنية الكلمة وانقلبت الألف في التثنية واواً وياء اعتباراً لما انقلبت عنه من ياء أو واو.
وقوله: أو يضعف مفتوح الفاء أو مضمونها أما التضعيف فحكاه ابن السكيت وأنشد
يا ليتها قد خرجت من فمه
قال: ولو قيل من فمه لجاز. وأنشد صاحب الترقيص:
ألذ ما ضممت عندي ضمه ... كطعم شهد ريقه وفمه
стр. 168
وحكى كراع فم بالضم والتشديد وحكي صاحب " اليواقيت" الفتح والضم والكسر مع التشديد، قال: " والأول أفصح" يعني الفتح، وقال اللحياني: " يقال فم وأفمام" فدل الجمع على أن التشديد لغة ضرورة، إذ كان تفريعاً على مادة المفرد. وخالف ابن جني فقال: " الوجه أن تشديد الميم ليس بلغة" انتهى.
واتضح بهذه النقول أنه له مواد أربع: " ف وهـ" وهي التي زعم الأكثرون أنها الأصل، ويدل عليها التصغير والتكسير والاشتقاق، نحو فوية وأفواه وما فاه بكذا وفلان أفوه ومفوه ونحوها. " ف م ي" " ف م و" ويدل عليه: هذا الفما، والتثنية فميان فموان. "ف م م" يدل عليه أفمام
وقوله: أو تتبع فاؤه حرف إعرابه في الحركات هذا حكاه الفراء، فتقول: هذا فم ورأيت فماً ونظرت إلى فم.
стр. 169
والأفصح في فم المخفف فتح فاء فم، ثم ضمها ثم كسرها، ثم الإتباع وهي أضعف اللغات، لأن سبب الإتباع إنما هو الإضافة، فإذا زالت الإضافة فينبغي أن يزول الإتباع وكان الضم دون الفتح لأنه يلزم فيه الخروج من ضم إلى كسر حالة جر، ولولا أن الكسرة عارضة لما جاز ذلك. وكان الكسر دون الضم لأنه فيه الخروج من كسر إلى ضم، ولا يوجد البتة لا في اسم ولا فعل، الخروج من ضم إلى كسر، فإنه يوجد في الفعل نحو ضرب.
وقوله: كما فعل بفاء مريء لغا ثلاث: إحداها الفتح على كل حال، وبها جاء القرآن قال تعالى: ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ والثانية الكسر على كل حال. والثالثة حكاها ابن السكيت وغيره وهي الإتباع بأنه تبع لأن الهمزة قد تخفف، فتقول: مر، فيقع على الراء الإعراب وقرأ الحسن بكسر الميم، يعني في قوله: ﴿بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ وقرأ ابن
стр. 170
أبي إسحاق (بين المرء) بضم الميم. وقال: ناس من تهامة يجرون الميم، كأنه يكسر الميم إذا انكسرت الهمزة، ويضمها إذا انضمت، ويفتحها إذا انفتحت، كما يقول بعض العرب: هذا فمك، وفي فمك.
وقوله: وعيني امرئ وابنم أما امرؤ ففيه لغتان: إحداهما الإتباع كما ذكر المصنف، وهي لغة القرآن، قال تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾. والثانية فتح الراء في كل حال والإعراب في الهمزة حكاها الفراء، وأنشد:
بأبي امرأ والشام بيني وبينه أتتني ببشرى برده ورسائله
قال: وأنشد أبو ثروان:
أنت امرأ من خيار الناس كلهم ... تعطي الجزيل، وتشري الحمد بالثمن
وعلى هذه اللغة جاء التأنيث، قالوا: امرأة وهي الأصل. وحكي الجوهري أن من العرب من يضم الراء على كل حال، فيقول: رأيت امرؤ ومررت بامرؤ.
ولا تدخلا أل على امرئ استغنوا بدخولها على مريء. وقال الفراء بعض نويس يقولون: الامرؤ الصالح وإلا مرآة الصالحة فيدخلون اللام على امرئ. وقال أبو علي: " ولعل هذا الذي سمعها منه لم يكن فصيحاً.
стр. 171
لأن قول الأكثر على خلافه"
واختلفوا في وزن امرئ: فذهب ألجرمي إلى أن وزنه فعل بفتح العين ولذلك قال: إن سميت به وجمعته بالواو والنون قلت مرؤون، أو جمع تكسير قلت أمراء لأنه على مثال ابن. وذهب أبو بكر/ بن شقير إلى أن وزنه فعل بسكون العين، وقال تعالى: ﴿بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ ومن قال في النسب مرئي فإنما غيره كما غيرت أشياء كثيرة في النسب.
وأما "أبنم" فهو ابن زيدت عليه الميم، وفيه لغتان: إحداهما فتح النون وهي القليلة فتقول جاء أبنم ورأيت ابنماً ومررت بابنم. والثانية إتباع حركة النون لحركة الإعراب في الميم، فإذا ثنيت فتحت النون والميم، تقول ابنمان. ولم تجمعه العرب فتقول ابنمون، وإن كانوا قد جمعوا ابناً فقالوا بنون. ولم يسمع بتأنيثه، وإن كان قد سمع تأنيث ابن نحو ابنة
وقال المتلمس:
وهل لي أم غيرها إن ذكرتها أبى الله إلا أن أكون لها ابنما
قال أبو العباس: " وأتبعوا لأن هذه الميم زيدت على اسم كان مفرداً منها، وكان الإعراب يقع على آخره فلما زدت عليه ميماً عربت الميم إذ كانت طرفاً وأتبعت ما قبلها إذ كانت الميم قد تسقط فيرجع الإعراب" انتهى.
وهذا الذي ذكرناه من أن الحركة التي في راء امرئ ونون ابنم إذا وافقت حركة الآخر وهي حركة إتباع لا حركة إعراب هو مذهب البصريين.
стр. 172
وذهب الفراء وغيره من الكوفيين إلى أنها حركة إعراب، وأن الاسم معرب من مكانين، قال يعقوب: يقال: هو امرؤ فيعرب من مكانين من الراء ومن الهمزة، وقال الفراء: وأما ابنم فيعرب من مكانين وكذلك أبوك وأخوك وحموك وفوك وذو مال، هي معربة عندهم من مكانين وسيأتي تبيين ذلك عند ذكرنا المذاهب التي في هذه الأسماء إن شاء الله تعالى
وقوله: ونحوهما فوك وأخواته على الأصح يعني أن أباك وأخواته نحو امرئ وابنم في الإتباع، فإذا قلت قام أبوك فأصله أبوك ثم أتبعت حركة الباء لحركة الواو، فقيل أبوك ثم استثقلت الضمة في الواو فحذفت. وإذا قلت مررت بأبيك فأصله يأبوك ثم أتبعت حركة الباء لحركة الواو، فصار بأبوك ثم استثقلت الكسرة في الواو فحذفت، فصار بأبوك، ثم انقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها فصار بأبيك. وإذا قلت رأيت أباك فأصله أبوك، فقيل: تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفاً والأولى أن نقدر أن حركة الباء هي حركة إتباع بعد حذف حركة الأصل لتتوافق الأحوال كلها رفعاً ونصباً وجراً في الإعراب.
وهذا الذي ذكر أنه الأصح هو مذهب س وأبي علي
стр. 173
الفارسي وجمهور البصريين وأصحابنا وأتبع في هذه الأسماء ولم يتبعوا في نظيرها مثل عصاك لأن الإعراب كان قد دخل الحرف الذي قبل حرف الإعراب في حال من الأحوال من غير أن يتغير معنى الاسم في الحالين حين قلت: أخ وأب وحم وهن، ولما لزم الإتباع في هذه أتبعوا في فيك وذي مال وإن لم يدخل فيما قبل حرف الإعراب منهما إعراب في حال من الأحوال/ حملاً على أخواتهما، إذ قد استقر من أحكام كلامهم أنه إذا لزم شيء في بعض الباب حمل الباقي عليه كيعد وما حمل عليه.
وقوله: على الأصح مما يفسد اختياره أولا أن هذه الحروف هي نفس الإعراب، وأنها نابت عن الحركات فنابت الواو عن الضمة والألف عن الفتحة، والياء عن الكسرة.
وهذا الذي اختاره من النيابة وأنها هي الإعراب هو مذهب قطرب والزيادي والزجاجي من البصريين وهشام من الكوفيين في أحد قوليه.
стр. 174
ولم يذكر المصنف في هذا الكتاب غير هذين المذهبين وفي هذه الأسماء عشرة مذاهب: منها هذان المذهبان.
والثالث: مذهب المازني وأصحابه واختاره الزجاج، وهو أنها معربة بالحركات التي قبل هذه الحروف وهذه الحروف إشباع.
الرابع: مذهب قوم منهم ألربعي، وهو أنها معربة بالحركات التي قبل هذه الحروف وهي حركات منقولة من هذه الحروف.
والخامس: مذهب قوم من المتأخرين منهم أبو الحجاج الأعلم وأبو عبد الله بن أبي العافية، وهو أنها معربة بالحركات التي قبل هذه الحروف وليست منقولة بل هي الحركات التي كانت فيها قبل أن تضاف فثبتت الواو في الرفع لأجل الضمة، وانقلبت ياء لأجل الكسرة وألفاً لأجل الفتحة.
السادس: مذهب الكسائي والفراء وهو أنها معربة بالحركات والحروف معاً وهو الذي يعنون به أنه إعراب من مكانين.
السابع: مذهب ألجرمي وهشام في أحد قوليه وهو أنها معربة
стр. 175
بالتغير والانقلاب حالة النصب والجر، وبعدم ذلك حالة الرفع.
الثامن: مذهب أبي زيد السهلي وتلميذه أبي علي الرندي، وهو أن " فاك" و"ذا مال" معربان بحركات مقدرة في الحروف وأن أباك وأخاك وحماك وهناك معربة بالحروف.
التاسع: مذهب الأخفش أنها دلائل إعراب. وقال كذلك في المثنى والمجموع على حده. واختلف في تفسير قول الأخفش إنها دلائل إعراب على قولين:
فقال أبو إسحاق والسيرافي: المعنى أنها معربة بحركات مقدرة في الحروف التي قبل حروف العلة ومنع من ظهور الحركات في تلك الحروف كون حروف العلة تطلب حركات من جنسها.
وقال ابن السراج وابن كيسان: معنى قول الأخفش أنها حروف إعراب ولا إعراب فيها لا ظاهر ولا مقدر فهي دلائل إعراب بهذا التقدير.
فعلى هذا الاختلاف في فهم قول الأخفش في المثنى يمكن أن يفسر قوله في هذه الأسماء إنها دلائل إعراب فيكون قولا التفسير مذهبيين، وهما التاسع والعاشر.
وقال صاحب البسيط: " قال الأخفش: هي زوائد دوال على الإعراب
стр. 176
كالحركات. وظاهر هذا القول أنها ليست حروفاً للإعراب ولا إعراباً كما قال قطرب.
وقال أبو علي وجماعة من أصحابه: هي حروف إعراب ودوال على الإعراب وكأن جمع بين قول/ الأخفش وسيبويه، فحكموا بأنها حروف إعراب وصورها المختلفة تغني عن تقدير الإعراب فهي لامات. والجمع لا يصح، لأن كونها دوال يقتضي كونها زائدة على مذهب الأخفش وكونها حرف إعراب يقتضي كونها غير زائدة " انتهى.
فأما المذهب الأول فهو الذي اختاره المصنف أولاً وبدأ به، ونصره في الشرح ب"أن الإعراب إنما جيء به لبيان مقتضى العامل، ولا فائدة في جعل مقدر متنازع فيه دليلاً وإلغاء ظاهر واف بالدلالة المطلوبة، ولا يمنع من ذلك أصالة الحروف لأن الحرف المختلف الهيئات صالح للدلالة، أصلا كان أو زائداً مع أن في جعل الحروف المشار إليها نفس الإعراب مزيد فائدة، وهو كون ذلك توطئة لإعراب المثنى والمجموع على حدة لأنهما فرعان على الواحد وإعرابهما بالحروف لا مندوحة عنه، فإذا سبق مثله في الآحاد أمن من الاستبعاد فلم يحد عن المعتاد" انتهى ما ذكره المصنف. وفيه مناقشات:
الأولى: قوله: " ولا فائدة في جعل مقدر متنازع فيه دليلاً" وهذا لا يتم إلا على مذهب من يقول: الإعراب مقدر في الحروف أو فيما قبل الحروف أما على مذهب من يزعم أن هذه الحركات التي قبل هذه الحروف
стр. 177
هي الإعراب -وذلك على مذهب المازني أو ألربعي أو الأعلم - فليس الإعراب مقدراً فقد تساوت هذه المذاهب مع مذهبه في أن الإعراب ظاهر.
المناقشة الثانية قوله: " ولا يمنع من ذلك أصالة الحروف إلى آخر تعليله" نعم يمنع من ذلك لأن الحرف الأصلي لا يكون إعرابا لأن الإعراب زائد على أصول الكلمة أو ما نزل منزلة الأصل من زائد والفرض أن هذا الحرف أصل، فتدافعا. وقوله هذا يؤدي إلى مذهب ألجرمي لأن أصل هذه الحروف هو واو وقد ثبت في الرفع ولم ينقلب وانقلب في النصب والجر، وسيأتي فساده.
والمناقشة الثالثة قوله: " وإعرابهما بالحروف لا مندوحة عنه" بل عنه مندوحة، وسيأتي ذكر الخلاف في إعراب المثنى والمجموع وأن أكثر النحويين لا يقول إنهما معربان بالحروف.
وقد رد أصحابنا هذا المذهب الذي اختاره المصنف وقالوا: هو فاسد لأمرين:
أحدهما أن الواو قد ثبتت في هذه الأسماء قبل دخول العامل عليها، فلو كانت إعرابا لم يوجد فيها إلا بعد دخول العامل. وقد تنبه المصنف لهذا حين قال: " ونحوهما فوك وأخواته على الأصح" فقال في الشرح مرجحاً للأصح عنده: " إن من الأسماء السنة ما يعرض استعماله دون عامل، فيكون بالواو، كقولك: أبو جاد هوز، فلو كانت الواو من الأسماء قائمة مقام ضمة الإعراب لساوتها في التوقف على عامل، وفي عدم ذلك دليل على أن الأمر بخلاف ذلك" انتهى قوله. وهو منقود أيضاً لأن الضمة تساوي الواو، ولا
стр. 178
يتوقفان على عامل، حكي النحويون أن العرب إذا تلفظت بأسماء العدد لمجرد العدد، ولم تعن معدودًا، ولا دخل عليها عامل لا في اللفظ ولا في التقدير، أنها تكون مضمومةً/ لكن بشرط أن تعطف على غيرها، أو يعطف غيرها عليها، فيقولون لمجرد العدد بلا عامل: واحد واثنان وثلاثةً وأربعةً، كلها بالضم، فقد ساوت الضمة الواو في ذلك.
والأمر الثاني في إفساد هذا المذهب هو أن الإعراب زائد على الكلمة، فيؤدي ذلك إلى بقاء فيك وذي مالٍ على حرف واحد، وهما معربان وصلًا وابتداء، وذلك لا يوجد إلا في شذوذ من الكلام، نحو ما حكي أبو بكر بن مقسم عن أبي العباس أحمد بن يحيى من قولهم: "شربت ما يا فتى"، يريدون: شرب ماء يا فتى. وأما بقاء الاسم المعرب على حرف واحد في الوصل دون الابتداء فيوجد في كلامهم، نحو قولك: "من أب لك" في لغةً من ينقل.
وأما المذهب الثاني - وهو مذهب س - فهو الذي صححه المصنف، ورجحه بما سبق ذكره عنه، وبأن أصل الإعراب أن يكون بحركات ظاهرة أو مقدرةً، فإذا أمكن القدير على وجه يوجد معه النظير فلا عدول عنه، وقد أمكن ذلك. وإذا كان التقدير مرعيًا في المقصور والمحكي والمتبع في نحو: جاء الفتى، ومن زيدًا؟ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ووا غلام زيداه، مع عدم ظاهر تابع للمقدر، فهو عند وجوده ذلك أحق بالرعاية.
стр. 179
وأما المذهب الثالث فرده أصحابنا بان الإشباع بابه الشعر، نحو قوله في إشباع الواو:
وأنني حيثما يثني الهوى بصري من حيثما سلكوا أدنوا فانظروا
وفي إشباع الألف:
أعوذ بالله من العقراب الشائلات عقد الأذناب
وفي إشباع الياء:
يحبك قلبي ما حييت، فإن أمت يحبك عظم في التراب تريب
يريد: فأنظر، والعقرب، وترب. وهذه الحروف تكون في هذه الأسماء في فصيح الكلام.
وأما المذهب الرابع فرده أصحابنا بأن النقل لا يكون إلا في الوقف
стр. 180
بشرط أن يكون الحرف المنقول إليه الحركة ساكنًا صحيحًا، والمنقول منه صحيحًا، نحو قوله:
أنا ابن ماويةً إذ جد النقر
يريد النقر. وهذه الأسماء ينطق بها هكذا في الوصل والوقف، وقد فات شرط النقل في الوقف أيضًا. وضعفه المصنف في الشرح بأنه يلزم فيه جعل حرف الإعراب غير آخر والتباس فتحة الإعراب بالفتحة الني تستحقها البنية.
وأما المذهب الخامس فهو فاسد لأنه إما أن تكون الحروف لامات الكلمات ردت إليها حالة الإضافة، أو تكون زائدةً نشأت عن الحركات، فإن كانت زائدةً نشأت عن الحركات فهو المذهب الثالث، وقد تبين فساده. وإن كانت لامات الكلمات ردت إليها فيلزم من ذلك جعل الإعراب في عينات الكلمات أو في فاءاتها مع وجود اللامات التي هي حروف الإعراب، أو العينات التي هي محل الإعراب عند فقد اللامات، وذلك/ لا يجوز لأن الإعراب إنما يكون في آخر الكلمة لفظًا أو تقديرًا.
وأما المذهب السادس فهو فاسد بما فسد به قول من قال: "الإعراب بالحروف". وأيضًا ففيه خروج عن النظير؛ إذ لا يوجد علامتا إعراب في معرب واحد.
следующие страницы →