← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17116

التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

أبو حيان الأندلسي

Полный текст (3 950 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

موضع نصب على ما تقرر في عمل هذه الأفعال. وإذا كان مفرداً انتصب، ولا يجوز أن يرتفع على أن يكون خبر مبتدأ محذوف، لا تقول: كنتُ قائمٌ، تريد: أنا قائمٌ؛ لأنه إضمار لا فائدة في تكلفه، وقد نص الخليلُ على ذلك، ولَحَّنوا زياداَ الأعجم في قوله: هل لكَ في حاجتي حاجةٌ ... أَمَ آنْتَ لها تارِكٌ طارحُ أَمِتْها، لك الخيرُ، أو أحْيها ... كما يَفْعَلُ الرجلُ الصالحُ إذا قلْتُ: قد أَقبلَتُ، أَدْبرَتْ ... كمَنْ ليسَ غادٍ ولا رائحُ أراد: كمن ليس غاديًا ولا رائحًا، فرفع على إضمار هو، أي: كمن ليس هو غادِ ولا رائحٌ. قالوا: (ولا حجة في كلامه عند أكثر العلماء لأنه نزل بإصْطَخْرَ من بلاد فارس، ففسد لسانه بها، ولذلك لقب الأعجم، فكثيراً ما يوجد اللحن في شعره) انتهى. وهذا الذي قالليس بجيد لأن إمام الصنعة س قد استشهد في كتابه بشعره. وأما البيت الذين زعموا أنه لحن فليس على ما زعموا، وله وجه صحيح في العربية، وهو أن يرتفع غادٍ ورائح على أنه اسم ليس، ويكون خبرها محذوفًا على حد قولهم: ........................... ... حينَ ليسَ مُجيرُ تقديره: كمن ليس له غادٍ ولا رائح، أي: ليس له من يغدو عليه ولا من يروح، فلا يكون على هذا اسمُ ليس ضميراً يعود على مَنْ، فيلزم منه أن

стр. 1262

ينتصب غادٍ ورائح على خبرها، والمعنى: أن حاجته لا تنبتً ولا ينقضي أمرها، فهي كشيء ليس له من يغدو عليه ولا من يروح فيبقى هملاً كحاجته. ووهم ابن عصفور في إنشاد شعر زياد، فركْب نصفاً من بيت على نصف بيت آخر، وأنشد: أَمِتْها - لك الخير - أو أَحْيهِا كَمَنْ ليسَ غادٍ ولا رائحُ وإذا كان له توجيه صحيح في العربية فلا يكون لحناً. فأما قول الآخر: كَم مِنْ لئيمٍ رأينا كانَ ذا إِبلِ فأصبحَ اليومَ لا مُعْطٍ ولا قارِ فينبغي أن يُتأول على أنه أراد: لا مُعطيًا ولا قاريًا، وحذف الياءَ للضرورة، فيكون نحو قوله: وَكَسَوتَ عارٍ لحمُه ......... ... .......................... يريد: عاريًا، وهذا أولى من ادِّعاء (هو) مضمرة، فيقدر: لا هو مِعْطٍ ولا هو قارٍ. وفي البسيط: أكثر النحويين اتفقوا على أن الاسم / ثاني من معمولي (كان) وأخواتها خبر بنفسه، ولا يكون في موضع رفع بتقدير مبتدأ، كقولك: كان زيدٌ قائمًا، ولا يجوز رفعه على الإضمار، فأما قولُه: ....................... فأَبيتُ لا حَرِجٌ ولا محرومُ

стр. 1263

فهو عند الخليل على الحكاية، أي: أَبيتُ كالذي يُقالُ له لا حَرِجٌ ولا محروم. وقال بعض النحويين: يجوز أن يكون في موضع خبر، أي: لا أنا حرجٌ. انتهى وقال س بعدما حكى تخريج البيت على الحكاية ما نصُّه: (وقد زعم بعضهم أنَّ رفعه على النفي، كأنه قال: فأبيتُ لا حَرِجٌ ولا محرومٌ بالمكان الذي أنا به) قال س: (والتفسير على النفي كأنه أسهل) انتهى. ويَعني بالنفي النفيَ العامْ، وإذا كان لا حَرِج ولا محروم نفيًا عامًا لكل حَرِج ومحروم لزم منه أن يكون الثابت لا حَرِجًا ولا محرومًا لأنه فرد من أفراد العامّ. فأن كان الموضعُ تفصيل جاز النصب، وجاز الإضمار، نحو قولك: كان الزيدان قائمًا وقاعدًا؛ لأن موضع التفصيل تقوى فيه الدلالة على الإضمار، والمعنى على أن المراد أحدهما كذا والآخر كذا، وما أشبه ذلك، وقد نص س على جواز ذلك، ومنه قول الشاعر: فأصبحَ في حيثُ الْتقيْنا شَرِيدُهُمْ طَليقٌ ومكتوفُ اليدين ومُزْعَفُ التقدير: أحدُهم طليقٌ، والآخر مكتوف اليدين، والآخر مُزْعف، أو: مِنْهم طليقٌ، ومنهم مكتوفُ اليدين، ومنهم مُزْعف.

стр. 1264

وفي البسيط: فإن كان في موضع تقسيم جاز، كقولك: كان الزيدان قائمٌ وقاعدٌ، أي: أحدهما. وخالف بعض الكوفيين. أما ما عدا أفعال المقاربة فقالوا هو منصوب على الحال، وليس مشبهًا بالمفعول به) انتهى. وقد تقدم ذكرُ حُجَج الكوفيين والبصريين في أوائل هذا الباب. مسألة: أجاز الجمهور رفع الاسمين بعد (كان). وأنكر الفراء سماعه. وهو محجوج بثبوت ذلك عن العرب، نحو قولِه: إذا مت كان الناس صنفان: شامت وآخر مثن بالذي كنت أصنع في رواية من رواه (صِنْفان) بالألف، وقوله: هي الشفاء لدائي لو ظفرت بها ... وليس منها شفاء الداء مبذول وإذا ارتفع الاسمان بعد كان فمذهب الجمهور أن في (كان) ضمير الشأن، والجملة من المبتدأ والخبر في موضع نصب على الخبر. ونقل عن الكسائي أن كان ملغاة، ولا عمل لها. وإلى ذلك كان يذهب أو الحسين بن الطراوة. نقله عن السُّهيلي وغيره. قال السُّهيلي: والصحيح ما ذهب إليه النحويون، يدل على ذلك قول العرب: (إنه أَمةُ اللهِ ذاهبةٌ)، فتَبَيَّنَ ضمير الأمر في (إنَّ) لما كان نصبًا، ولم يتبين في (كان) لما كان رفعًا، وصارت الجملة في موضع خبر.

стр. 1265

فإن قيل: هلا كانت تامة مكتفية باسم واحد، وهو المضمر فيها، وكانت الجملة بدلًا؛ لأن الجملة حديث، والمضمر فيها حديث؟ قلنا: قولهم: "إن أمة الله ذاهبة" يبين أن الجملة في موضع خبر؛ إذا لا يصح في "إن" أن تكتفي باسم واحد، فبان أنها في موضع خبر. مسألة: "كان" إذا أضمر فيها ضمير الشأن فهي ناقصة، والجملة الواقعة بعدها في موضع خبرها، وليست غير الناقصة فتكون قسمًا برأسها، هذا مذهب الجمهور، وذهب أبو القاسم خلف بن فرتون الشنتريني، عرف بابن الأبرش، إل أنها قسم غير الناقصة. مسألة: أجاز هشام: ما كان أحد زائلًا يذكرك، ولا أظن أحدًا زائلًا يذكرك. وأباهما الفراء. مسألة: أجاز الكسائي وهشام: ما يزال أحد يقول ذلك، ونحوها من المستقبل. وانفرد هشام بإجازتها مع الماضي. ومنعها الفراء فيهما. مسألة: اختلفوا: هل تعمل في الظروف والمجرورات والأحوال أو لا؟ فقيل: لا تعمل لأنها لا استدعاء لها لذلك، والعامل مستدع. وقيل: تعمل لأنها فعل، وإذا عمل "هذا" في الحال بتأويل الفعل فأحرى "كان". مسألة: لا يجوز الاقتصار على الفاعل دون الخبر كما لا يجوز في المبتدأ والخبر، وأما حذف الاختصار فيمتنع في اسمها لأنه هنا كالفاعل، وأما في الخبر ففيه خلاف، أجازه في البسيط، قال: تقول في جواب من قال: ألم تكن غنيًا؟ كنت، ويقول: أكاد زيد يقوم؟ فتقول: قد كاد. وقال ابن عصفور ما معناه: "ما المانع من حذف الخبر، وأنت إن حكمت له بحكم لفظه فإنه يشبه المفعول، والمفعول يجوز حذفه، أو

стр. 1266

بحكم أصله فهو خبر في الأصل، والخبر يجوز حذفه اختصارًا لفهم المعنى، فكان ينبغي أن يجوز حذفه على كل حال؟ والجواب أنه قد صار عوضًا من المصدر، فلا يجمع بينهما كراهة الجمع بين العوض والمعوض، وإنما عوض منه لأنه في معنى المصدر؛ ألا ترى قولك: "كان زيد قائمًا" أن القيام كون من أكوان زيد، فلما كان الخبر المصدر في المعنى استغني عنه كما استغني بـ"ترك" عن "وذر" لما كان معناهما واحدًا، ولولا أنه عوض لصرح بالمصدر إذ لا فعل إلا له مصدر أخذ منه، وقيام الدليل على ذلك، فلما صار عوضًا من المصدر صار كأنه من تمام الفعل، وكأنه جزء من أجزائه. وأيضًا فالأعواض لازمة لا يجوز حذفها، وقد يحذف الخبر في الضرورة، نحو: ................................... ............. حين ليس مجير" وهذا تلخيص من كلام أبي بكر أحمد بن الحسن المعروف بابن/ شقير في "كان" واسمها وخبرها ومعموله وما يتصور فيه من التراكيب: كان زيد آكلًا طعامك، كان آكلًا طعامك زيد، آكلًا طعامك كان زيد، كان زيد طعامك آكلًا، طعامك كان زيد آكلًا، طعامك كان آكلًا زيد، كان آكلًا زيد طعامك، زيد كان آكلًا طعامك، زيد آكلًا طعامك كان، آكلًا طعامك زيد كان، زيد كان طعامك آكلًا، طعامك زيد كان آكلًا، زيد طعامك كان آكلًا. قال ابن شقير: كل هذا جائز من كل قول. كان طعامك آكلًا زيد، كان طعامك زيد آكلًا، جائزتان من قول الكوفيين، وخطأ من قول البصريين.

стр. 1267

آكلًا كان زيد طعامك، زيد آكلًا كان طعامك، آكلًا زيد كان طعامك، الثلاث جائزات من قول البصريين، وخطأ من قول الكوفيين إلا على كلامين من قول الكسائي. طعامك آكلًا كان زيد، زيد طعامك آكلًا كان، طعامك آكلًا زيد كان، هذه الثلاث جائزة من قول البصريين والكسائي، وخطأ من قول الفراء لأنه لا يقدم مفعول خبر كان عليه إذا كان خبر كان مقدمًا من قبل أنه لو أراد رده إلى فعل ويفعل لم يجز عنده. والكسائي يجيز تقديمه كما يجيز تقديم الحال. طعامك زيد آكلًا كان جائز، من قول البصريين، وخطأ من قول الكوفيين. آكلًا كان طعامك زيد خطأ من كل قول.

стр. 1268

-[ص: فصل ألحق الحجازيون بـ"ليس" "ما" النافية بشرط تأخر الخبر، وبقاء نفيه، وفقد "إن"، وعدم تقدم غير ظرف أو شبهه من معمول الخبر. و"إن" المشار إليها زائدة كافة لا نافية، خلافًا للكوفيين. وقد تزاد قبل صلة "ما" الاسمية والحرفية، وبعد "ألا" الاستفتاحية، وقبل مدة الإنكار. وليس النصب بعدها لسقوط باء الجر، خلافًا للكوفيين. ولا يغني عن اسمها بدل موجب، خلافًا للأخفش. وقد تعمل متوسطًا خبرها، موجبًا بـ"إلا" وفاقًا لـ"س" في الأول، وليونس في الثاني. والمعطوف على خبرها بـ"بل" و"لكن" موجب، فيتعين وفعه.]- ش: أصل العمل للأفعال، يدل على ذلك أن كل فعل لابد له من فاعل، إلا ما استعمل زائدًا نحو "كان" على خلاف ذلك، أو استعمل في معنى الحرف نحو "قلما"، أو تركب مع غيره نحو "حبذا" على خلاف في هذا. وما عمل من الأسماء فلشبهه بالفعل. وأما الحرف فإما أن يختص بما دخل عليه أو لا، إن اختص فإما أن يتنزل منزلة الجزء منه أو لا، إن تنزل فلا يعمل لأن جزء الشيء لا/ يعمل في الشيء، وإن لم يتنزل فقياسه إن اختص بالفعل أن يعمل من الإعراب النوع المختص بالفعل، وهو الجزم، وإن اختص بالاسم فقياسه أن يعمل من الإعراب النوع الذي يختص بالاسم، وهو الجر، وإن لم يختص بما يدخل عليه فقياسه أن لا يعمل، و"ما" من هذا النوع. ولها شبهان: أحدهما هذا، وهو عام فيما لا يعمل من الحروف، وراعاه بنو تميم، فلم يعملوها. والثاني خاص، وهو شبهها

стр. 1269

بـ"ليس" في كونها للنفي وداخلة على المبتدأ والخبر، وتخلص المحتمل للحال كما أن "ليس" كذلك، وراعى هذا الشبه أهل الحجاز. وقوله ألحق الحجازيون بليس يعني في العمل بأن ارتفع ما بعدها اسمًا لها، وانتصب الثاني خبرًا لها، وه ١ االإلحاق هو على مذهب البصريين، وسيأتي مذهب الكوفيين في ذلك. وقال الكسائي: هي لغة أهل تهامة. وقال الفراء: "لا يكاد أهل الحجاز ينطقون إلا بالباء" انتهى. وقد جاء النصب في أفصح الكلام وأجله، قال تعالى: ﴿فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾، قالوا: ولم يحفظ ذلك في كلامهم إلا في بيت من الشعر، قال: وأنا النذير بحرة مسودة تصل الجيوش إليكم أقوادها أبناؤها متكنفون أباهم حنقو الصدور، وما هم أولادها وأجمع النحويون على إجازة: ما زيد قائم. وحكى س أنها لغة

стр. 1270

تميم. وحكى الكسائي والفراء أنها لغة أهل نجد. وقال المصنف: "إنها لغة غير أهل الحجاز"، فيدخل فيه تميم وأهل نجد وغيرهم، وقد تقدم قول الكسائي إن النصب لغة أهل تهامة، وهذا يرد على المصنف. وقوله بشرط تأخر الخبر فلو قدمته ارتفع، قال الشاعر: وما حسن أن يمدح المرء نفسه ولكن أخلاقًا تذم وتحمد وقال الآخر: وما خذل قومي، فأخضع للعدا ولكن إذا أدعوهم فهم هم وهذا مذهب عامة النحويين، ويأتي ذكر الخلاف فيه عند كلام المصنف على ذلك. وكان ينبغي للمصنف أن ينبه على أن الخبر إذا كان ظرفًا أو مجرورًا جاز توسيطه، فتقول: ما عندك زيد، فيكون عندك في موضع نصب في مذهب أهل الحجاز، وخالف في ذلك الأخفش، فزعم أنه في موضع رفع، وسنتكلم على المذهبين إن/ شاء الله. وأما تقديم الباء وولايتها لـ"ما" نحو "ما بقائم زيد" فمنعه مطلقًا الكوفيون على اللغتين. وقياسه أن الباء لتأكيد النفي، فكأنها للنفي، فلا تجتمع مع "ما" كـ"إنَّ" واللام. وجوز البصريون ذلك، لكنه يلزم أن يصير

стр. 1271

الحجازي في التقديم تميميًا لأنه لا يجوز التقديم في حال النصب، فكذلك إذا كان عارضًا، والسماع كثير، قال: .................................... وما بالحر أنت ولا القمين وقوله وبقاء نفيه إذا انتقض النفي بألا أبطل العمل كقوله تعالى: ﴿ومَا مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ﴾، وهذا هو المشهور، ويأتي الخلاف فيه عند تعرض المصنف له. وقوله وفقد "إن" إذا كان بعد "ما" "إن" بطل العمل، نحو قول فروة لن مسيك، وهو حجازي: فما إن طبنا جبن، ولكن منايانا ودولة آخرينا وقال آخر: بني غدانة ما إن أنتم ذهب ولا صريف، ولكن أنتم خزف ولم يذكر المصنف خلافًا في هذا الشرط لا في الفص ولا في الشرح، بل ذكر أن مجيء "إن" بعد "ما" مبطل لعمل "ما"، قال في الشرح -وقد ذكر الشروط الأربعة التي ذكرها- ما نصه: "لما كان عمل ما

стр. 1272

استحسانيًا لا قياسيًا اشترط فيه تأخير الخبر، وتأخر معموله، وبقاء النفي، وخلوها من مقارنة "إن"؛ لأن كل وادح من هذه الأربعة حال أصلي، فالبقاء عليها تقوية، والتخلي عنها أو عن بعضها توهين، فأحق الأربعة بلزوم الوهن عند عدمه الخلو من مقارنة "إن"؛ لأن مقارنة "إن" تزيل شبهها بليس؛ لأن ليس لا تليها "إن"، فإذا وليت "ما" تباينا في الاستعمال، وبطل الإعمال دون خلاف، ولا يلزم مثل هذه المباينة بنقض النفي ولا بتوسط الخبر كما سيأتي ذلك مبينًا إن شاء الله" انتهى. فقد نص على أن مجيء "إن" بعد "ما" مبطل للعمل بلا خلاف، وليس كما ذكر، بل المسألة خلافية: ذهب البصريون إلى إبطال العمل إذا جيء بعد "ما" بـ"إن"، وإنه لا يجوز النصب. وذهب الكوفيون إلى أنه يجوز النصب، فتقول: ما إن زيد ذاهبًا، وحكي ذلك يعقوب، وأنشد: بني غدانة ما إن أنتم ذهبًا ولا صريفًا، ولكن أنتم الخذف بنصب "ذهب" و"صريف". وخرج على أن "إن" نافية مثلها في قوله: ﴿ولَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾، وأتى بها بعد "ما" لتأكيد النفي من حيث كانت بمعناها كما أكدت "عن" بالباء لما كانت تستعمل بمعناها في قوله: /فأصبحن لا يسألنني عن بما به أصعد في غاوي الهوى أم تصوبا ويكون العمل في بيت يعقوب لـ"إن" كما أن العمل للباء، و"إن" قد

стр. 1273

ترفع الاسم وتنصب الخبر، نحو قوله: إن هو مستوليًا على أحد ..................................... انتهى هذا التخريج، وهو عكس التوكيد إذ الأصل أن يؤكد الأول بالثاني لا أن يؤكد الثاني بالأول. وقوله وعدم تقدم غير ظرف أو شبهه من معمول الخبر مثاله: ما طعامك زيد آكل، وهذا جائز عند الجمهور، وحكي عن الرماني منعه، وهو محجوج بقول الشاعر: وقالوا: تعرفها المنازل من منى وما كل من وافى منى أنا عارف في رواية من نصب "كل". فإن كان المتقدم ظرفًا أو جارًا ومجرورًا لم يبطل عمل "ما"، نحو: ما اليوم زيد ذاهبًا، وما بسيف زيد ضاربًا، وقال الشاعر: بأهبة حرب كن وإن كنت آمنا فما كل حين من يوالي مواليا ويعني بالتقدم على الاسم. فإن تقدم معمول الخبر على "ما" نفسها، نحو "طعامك ما زيد آكلًا أو آكل" لم يجز ذلك عند البصريين رفعت آكلًا أو نصبته؛ لأن "ما" لما صدر الكلام. وأجاز ذلك الكوفيون، وقاسوه على لا ولن ولم. قال

стр. 1274

أبو البقاء العكبري: "وما أصل حروف النفي، فلا يسوى بينهما" انتهى. ويقتضي هذا الجواز لأنه يتصرف في الأصل ما لا يتصرف فيما ليس بأصل، دليل ذلك همزة الاستفهام و"إن" الشرطية. وقال أبو بكر: "وقوم يجيزون دخول الباء، فيقولون: ما طعامك زيد بآكل، وما فيك زيد براغب، إلا أنهم يرفعون الخبر إذا لم تدخل الباء، ولا يجيزون النصب". قال: "ولا يجوز: طعامك ما زيد آكلًا أبوه. وقد أجازه بعض الكوفيين". ونقص المصنف من الشروط شرطين: أحدهما: أن لا تؤكد "ما" بـ"ما"، فإن أكدت بطل العمل، تقول: ما ما زيد ذاهب، ولا يجوز ذاهبًا، هذا على مذهب عامة النحويين. وحكي أبو علي الفارسي عن بعض الكوفيين إجازة النصب. وفي الغرة: "كفوا "ما" بـ"ما"، فقالوا: ما ما زيد قائم، وأجاز النصب جماعة من الكوفيين، والبصري يأبى ذلك ". الشرط الثاني: أن لا تبدل الخبر بدلًا مصحوبًا بإلا، نحو قولك: ما زيد شيء أو بشيء إلا شيء لا يعبأ به، فهنا تستوي اللغتان الحجازية والتميمية، ذكر ذلك س. وعلة ذلك أن البدل موجب بـ"إلا"، فلا يكون منصوبًا، فهو إذ ذاك واجب الرفع، وحكم البدل والمبدل منه في الإعراب واحد، فيلزم من ذلك رفع المبدل منه، وموضع "بشيء" أيضًا يتعين أن يكون رفعًا لهذه العلة.

стр. 1275

وفي كتاب أبي الفضل الصفار: "إن كان المنصوب/ خبر "ما" فلا يجوز فيه النصب على البدل، ولا تقول: ما أحد صديقًا لك إلى عمرًا، فإنما يجوز نصبه على الاستثناء وعلى الصفة، كأنك قلت: ما أحد صديقًا لك غير عمرو، ويجوز البدل على الموضوع، فتقول؛ ما أحد صديقًا لك إلى زيد" انتهى. وهذا وهم فاحش، وأي موضع لقوله: "صديقًا لك"؟ بل لفظه هو موضعه، ولو كان البدل من خبر "ليس" لزم أيضًا أن يكون نصبًا لأن "ليس" ينتصب خبرها بعد "إلا"، فيكون مثل قوله: يا بني لبيني لستما بيد إلا يدًا ليست لها عضد وقوله و"إن" المشار إليها زائدة كافة لا نافية، خلافًا للكوفيين قال المصنف في الشرح: "الذي دعموه مردود بوجهين: أحدهما أنها لو كانت نافية مؤكدة لم تغير العمل كما لا يتغير بتكرير "ما" إذا قيل: ما ما زيد قائمًا، كما قال الراجز: لا ينسك الأسى تأسيًا، فما ما من حمام أحد معتصما فكرر "ما" النافية توكيدًا، وأبقى عملها" انتهى هذا الوجه. ودل هذا على أن المصنف لم يكن له شعور بأن من شرط إعمال "ما" أن لا تكرر؛ ألا تراه ذكر ذلك على سبيل الاستدلال على الكوفيين، وقد ذكرنا أن عامة النحويين شرطوا ذلك، وأن أبا علي حكي فيه خلافًا عن بعض الكوفيين.

стр. 1276

فإن قلت: فما تصنع بهذا البيت، وظاهره يدل على جواز إعمال "ما" إذا أكدت بـ"ما" كما ذهب إليه بعض الكوفيين؟ قلت: يحمل ذلك على الشذوذ، أو يتأول على أن الكلام تم عند قوله "فما"، ويكون قد حذف لعد "ما" فعل يدل عليه المعنى السابق، أي: فما يجدي الحزن، ثم ابتدأ، فقال: ما من حمام أحد معتصما، فعلى هذا لا تكون "ما" توكيدًا لـ"ما". قال المصنف: "الثاني أن العرب قد استعملت إن زائدة بعد "ما" التي بمعنى "الذي"، وبعد "ما" المصدرية، وبعد "ما" التوقيتية، لشبهها في اللفظ بـ"ما" النافية، فلو لم تكن زائدة المقترنة بـ"ما" النافية لم يكن لزيادتها بعد الموصولتين مسوغ". وقوله وقد تزاد قبل صلة "ما" الاسمية إلى قوله الإنكار مثل ذلك قوله: يرجى المرء ما إن لا يراه وتعرض دون أدناه الخطوب أي: الذي لا يراه. وقوله: ورج الفتى للخير ما إن رأيته على السن خيرًا لا يزال يزيد فـ"ما" مصدرية توقيتية. وقوله: ألا إن سرى ليلي، فبت كئيبا أحاذر أن تنأى النوى بغضوبا /وقال بعض العرب: "أأنا إنية"، فزاد "غن" قبل مدة الإنكار،

стр. 1277

وذكرنا هذا في آخر باب الحكاية موضحًا مبينًا في كتاب التكميل. وذكر زيادة "إن" في هذه المواضع استطراد، وليس من مسائل "ما" النافية، وذلك على عادة المصنف. وقوله وليس النصب بعدها لسقوط باء الجر، خلافًا للكوفيين قال الكسائي وهشام/ تنصب الاسم بطرح الباء، وترفع عبد الله بقائم إذا قلت: ما عبد الله قائمًا. وقال الفراء: "لما حذفوا اختاروا أن يكون لها أثر فيما خرجت منه، فنصبوا" لأن الصفة إذا خلفت من الفعل نصب، فتقول: أتيتك مستهل الشهر، والمعنى: في مستهله. وقد رد المصنف هذا المذهب في الشرح "بأن الباء قد تدخل بعد "هل" وبعد "ما" المكفوفة بإن، فإذا سقطت الباء تعين الرفع بإجماع، فلو كان سقوط الباء ناصبًا لنصب في هذين الموضعين. ومثل تعين الرفع في هذين الموضعين عند سقوط الباء تعينه عند سقوطها في نحو: كفى بزيد رجلًا، وبحسب عمرو درهم، وتعينه عند سقوط من في نحو: ما فيها من أحدٍ" انتهى. وقال ابن عصفور: "زعم الكسائي والفراء أن "ما" لا تعمل شيئا في اللغة الحجازية لكونها غير مختصة بما تدخل عليه، وذلك أنهم يقولون كثيرًا: ما زيد بقائم، فلما أسقطوا الباء نصبوا ليفرقوا بذلك بين الخبر إذا قدر أن الباء سقطت منه وبينه إذا قدر أن الباء لم تدخل عليه في الأصل، فإذا قدم الخبر عندهم لم ينتصب لأنه لا ينبغي أن يقدر محذوفًا منه الباءُ؛

стр. 1278

لأن الباء لا تدخل على الخبر وهو متقدم إلا قليلًا جدًا، أنشد الفراء: أما والله أن لو كنت حرًا وما بالحر أنت ولا الصديق وكذلك أيضًا إذا دخلت "إلا" على الخبر لم يجز نصبه لأن النصب عندهم إنما هو لإسقاط الباء، والباء لا تدخل إذا ذاك على الخبر. وكذلك أيضًا لم ينتصب الخبر إذا كانت "إن" بعد "ما"، لا يقال: ما زيد إلا بقائم، ولا: ما إن زيد قائم. قال: وما ذهبوا إليه باطل بدليل أن حرف الجر الزائد إذا حذف من الاسم كان إعرابه على حسب ما يطلبه الكلام، إن كان في موضع نصب نصبته، أو في موضع رفع رفعته، فكان ينبغي أن يقال في ما زيد بقائم إذا سقطت الباء: ما زيد قائم؛ لأنه في موضع رفع؛ إذ هو خبر المبتدأ" انتهى. وقد أجاز الكسائي والفراء: ما إليك بقاصد زيد، وما فيك براغب عمرو، وإذا طرحت الباء رفعت. وهذا تناقض. وأجاز الفراء أيضًا: ما بقائم زيد. فيلزمه أن يقول: ما قائمًا زيد. ورد الفراء على س بقول العرب: ما أنت إلا أخونا، وما قائم أخوك. ولا يلزم هذا س، وقد بينه بقوله: "ليست بفعل". وقوله ولا يغني عن/ اسمها بدل موجب، خلافًا للأخفش مثال ذلك: ما قائمًا إلا زيد، التقدير: ما أحد قائمًا إلا زيد، فـ"إلا زيد" بدل من "أحد"

стр. 1279

المحذوف، وأغنى عن اسم "ما". قال المصنف: "ومثل هذا لو سمع من العرب لكان جديرًا بالرد؛ لأن المراد فيه مجهول؛ لاحتمال أن يكون أصله: ما أحد قائمًا إلا زيد، وأن يكون أصله: ما كان أحد قائمًا إلا زيد، وما كان هكذا فالحكم بمنعه أولى من الحكم بجوازه، ولأن شرط جواز الحذف أن يكون المحذوف متعينًا لا محتملًا، ولذلك لا يجوز لمن قال: تمرون الديار ................ .............................. أن يقول: رغبت زيدًا؛ لأن المراد مجهول؛ لاحتمال أن يكون أراد: رغبت في زيد، وأن يكون أراد: رغبت عن زيد" انتهى. وهكذا صور المصنف هذه المسألة، وأن "إلا زيد" بدل موجب أغنى عن اسمها. وصورها غيره على خلاف هذا، قال: مسألة: إن قدمت الخبر منصوبًا، وأدخلت "إلا" على الاسم، أجازها الأخفش، ومنعها البصريون، فـ"إلا زيد" هو الاسم، والمنصوب المتقدم هو الخبر، وليس الاسم محذوفًا و"إلا زيد" بدل منه. وفي تصوير المصنف يكون الاسم محذوفًا، والخبر واقع موقعه من التأخر. والصحيح منع التصويرين، أما تصوير المصنف فلأن فيه حذف اسم "ما"، وهو لا يجوز حذفه لأنها عملت تشبيهًا بليس، واسم "ليس" لا

стр. 1280

يجوز حذفه لا اقتصارًا ولا اختصارًا، فكذلك اسم "ما"، ولو أجزنا ذلك في "ما" لأدى إلى تصرف الفرع أكثر من تصرف الأصل، وهو لا يجوز. وأما تصويره غيره فلأنه أدى إلى توسط الخبر، وهو لا يجوز، مع أن هذا التركيب غير مسموع، وإنما قيل بالقياس، وهو قياس فاسد. وقوله وقد تعمل متوسطًا خبرها هذا الذي قاله وأجازه هو مذهب الفراء، أجاز الفراء أن تقول: ما قائمًا زيد، وحكي الجرمي أن ذلك لغية، وحكي: "ما مسيئًا من أعتب"، ولم يحفظ ذلك س إلا في قول الفرزدق: فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم إذ هم قريش، وإذ ما مثلهم بشر وقال آخر: نجران إذ ما مثلها نجران ولم يحفظ منه إلا هذا الذي أنشدناه، وقد اختلف النحاة في توجيهه، ولو كان ثابتًا في الكلام لما تكلفوا توجيهه. وقال س: "وزعموا أن بعضهم قال"، وأنشد بيت الفرزدق. وأنكر عليه هذا أصحابه، ولم يجيزوا نصب خبر "ما" إذا تقدم، قالوا: والفرزدق نم بني تميم، وبنو تميم يرفعون الخبر إذا تأخر، فكيف إذا تقدم.

стр. 1281

وخرجه المازني والمبرد على الحال، نحو: فيها قائمًا رجل، والخبر محذوف تقديره: وإذ ما مثلهم في الوجود بشر/، والخبر المحذوف هو العامل في الحال. وكذا قال المبرد في: يا ليت أيام الصبا رواجعا إن تقديره: يا ليت لنا، ورواجعًا حال. وضعف ذلك من جهة أن حذف خبر "ما" لا يحفظ من كلامهم، وكأن المانع من ذلك أنها محمولة في العمل على "ليس"، وحذف الخبر في باب "ليس" فبيح، فهو قبيح أيضًا في باب "ما"، وبأن معاني الأفعال لا تعمل مضمرة. وقال الفراء وقد أنشد بيت الفرزدق: في هذه المسألة وجهان: إن شئت نصبت مثلًا لأنها خبر، وإن شئت نصبتها كنعت النكرة إذا تقدم، وإن شئت رفعتها. وقيل: استعمل الفرزدق لغة غيره، فغلط لأنه قاس النصب مع التقديم على النصب مع التأخير. وإلى هذا ذهب أبو علي الرندي. ورد عليه بأن العربي إذا جاز له القياس على لغة غيره جاز له القياس في لغته، فيؤدي ذلك إلى فساد لغته.

стр. 1282

وقال الأعلم: نصب ضرورة لئلا يختلط المد بالذم؛ لأنك إذا قلت: ما مثلك أحدًا، فنفيت الأحدية، احتمل أن يكون مدحًا وذمًا، فإذا نصبت مثلك، ورفعت أحدًا، كان الكلام مدحًا، فلذلك نصب مثلهم في البيت. ورد هذا الوجه بأن ما قبله وما بعده يدل على أنه قصد المدح. وذهب الكوفيون إلى أن "مثل" هنا ظرف بمنزلة "بدل"، وحكي القالي في أماليه: هو نحوك، بالنصب، أي: مثلك، ونصبه على الظرف. وذهب بعض النحويين إلى أنها ظرف، وأصله صفة لظرف، التقدير: وإذ ما مكانًا مثل مكانهم، وحذف الموصوف، وحذف المضاف، وأقيمت الصفة والمضاف إليه مقامهما. ورد بأن "مثل" ليس من الصفات المختصة، فيحذف معها الموصوف، ولا تقدم ما يدل عليه. وقيل: "ما" لم تعمل شيئًا، و"مثلهم" في موضع رفع، وهو مبني لإضافته إلى مبني كيومئذ وحينئذ. وصححه ابن عصفور. وهذا لم يذكره س إلا في الإضافة للفعل أو "أنَّ" أو "أنْ". والصحيح الذي عليه عامة النحويين أنه لا يجوز نصب خبر "ما" إذا توسط، بل يجب الرفع، فإن لم يطابق ما بعده كان مبتدأ، وكان ما بعده مرفوعًا به أغنى عن الخبر، وإن طابق فيجوز هذا الوجه، ويجوز أن يكون خبرًا مقدمًا.

стр. 1283

فإن كان الخبر ظرفًا أو مجرورًا فقد ذكرنا الخلاف في جواز تقديمه على لغة الحجاز، فذهب الأخفش إلى أن ذلك لا يجوز، وأنك إذا قلت "ما في الدار زيد" لم تعمل "ما"، وكان "في الدار" في موضع رفع. وحمله على ذلك أن "ما" أضعف في العمل من "إن" لعدم اختصاصها، ولذلك لم يجمع العرب على إعمالها، ولا يعملها من أعملها في كل موضع بل بشروط، قال: فلما ضعفت عنها لم يجز فيها ما جاز في "إن". قالوا: والصحيح أن ذلك جائز فيها بدليل/ قوله تعالى: ﴿فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾، فـ"ما" حجازية، وقد فصل بمعمول الخبر - وهو منكم- بين "ما" واسمها، والفصل بين "إن" واسمها بالظرف والمجرور إذا كانا معمولين لخبرها أضعف من تقديم الظرف والمجرور إذا كان خبرًا، فإذا جاز في "ما" ما يضعف في باب "إن" فالأحرى أن يجوز فيها ما يقوى في باب "إن". وقوله وموجبًا بإلا الذي عليه الاتفاق بين النحويين أنك إذا أدخلت "إلا" على الخبر ارتفع، وحكي المصنف جواز النصب عن يونس من غير تفصيل. وقال صاحب "رؤوس المسائل": "إن أدخلت "إلا" على الخبر مؤخرًا، وكان اسمًا هو الأول في المعنى أو منزلًا منزلته لا وصفًا، لم يجز فيه إلا الرفع عند الجمهور، وأجاز الكوفيون النصب فيما كان فيه الثاني منزلًا منزلة الأول. وإن كان الواقع بعد "إلا" صفة أجاز الفراء فيه النصب،

стр. 1284

ومنعه البصريون" انتهى. فمثال أن يكون اسمها هو الأول قولك: ما زيد إلا أخوك، ومثال المنزل: ما زيد إلا زهير، ومثال الوصف: ما زيد إلا قائم. وقال أبو جعفر الصفار: "لا اختلاف بين النحويين في قولك: "ما زيد إلا أخوك" أنه لا يجوز إلا الرفع، وهو عند البصريين على الابتداء والخبر، وعند الكوفيين أحدهما مرفوع بصاحبه". فتقييد صاحب "رؤوس المسائل" وحكاية الإجماع من "الصفار" يدلان على مخالفة ما حكاه المصنف عن يونس من جواز النصب على الإطلاق من غير تفصيل. وقال الصفار: "فإن قلت: ما أنت إلا لحيتك فالبصريون يرفعون، والمعنى عندهم: ما فيك إلا لحيتك، وكذا ما أنت إلا عيناك، وجاء بهذا الكوفيون بالنصب، ولا يجوز النصب عند البصريين في غير المصادر إلا أن يعرف المعنى فتضمر ناصبًا، نحو: ما أنت إلا لحيتك مرة وعينك أخرى، وما أنت إلا عمامتك تحسينًا ورداءك تزيينًا. ويقول البصريون أيضًا بالرفع في قولك: ما أنت غير قائم، وما أنت غير لحيتك. وأجاز الفراء النصب، وأجاز الفراء: ما أنت إلا راكبًا فأما ماشيًا فلست بشيء، قال: تضمر إنك جميل في حال ركوبك، وإنك شيء إذا ركبت، وإذا مشيت فلست بشيء. قال: وزعم الكسائي أنه سمع بعضهم يقول: إنما أنت راكبًا، يريد: إنما أنت إذا ركبت، وذا خطأ عند البصريين؛ لأن الحال لا تكون إلا بعد تمام الكلام، وليس هذا موضع إضمار" انتهى. فلو كان الخبر مصحوبًا بحرف التنفيس أو بـ"قد" أو بـ"لم" جاز دخول "إلا" عليه، فتقول: ما زيد إلا سوف يقوم، وما بشر إلا قد يقوم، وما بكر إلا لم يخرج/. ومنع من جواز ذلك الفراء، وزعم أن "إلا لا يكون بعدها شيئان.

стр. 1285

قال الفراء: فإن قلت "ما زيد إلا عمرًا يضرب" فهذه فاسدة في التقدير لأن "إلا" لا يكون بعدها حرفان، ثم أجازها على قبح. وهذا كلام جيد على مذهب البصريين. وقال صاحب "رؤوس المسائل": "إن قدمت مفعول الخبر الذي هو صفة مشتقة عليه بعد "إلا" لم يجز النصب عند البصريين" يعني مثل: ما زيد إلا عمرًا ضارب، لا يجوز النصب في ضارب. قال: "وأجازه الكسائي والفراء إلا أنهما اختلفا في التوجيه" انتهى. فوجهه الكسائي على أنه كأنه استثناء، وليس هذا موضع استثناء، ووجهه الفراء على أن المعنى: ما زيد إلا ضاربًا إلا عمرًا، وهذا بعيد لأن الأولى أن يكن ما بعد "إلا" داخلًا في الإيجاب. قال الصفار: ولا يجيز الفراء: ما عبد الله إلا بالجارية كفيل، وما بالجارية إلا عبد الله كفيل؛ لئلا يصير بعد "إلا" حرفان، وكذا لا يجيز: ما كان إلا عبد الله قائمًا، ولا يكون، كذا حسبت وظننت، وذلك جائز عند البصريين والكسائي إلا أن الكسائي يجعل "إلا" بمعنى غير، يريد: ما كان غير عبد الله قائمًا، فيجعل "إلا" في موضع "غير" في الجحود، وفي كل موضع صلحت فيه "أحد". وقوله وفاقًا لسيبويه في الأول يعني في نصب خبر "ما" متوسطًا، فتقول ما منطلقًا زيد. وهذا الذي ذكره عن س من جواز إعمال "ما" ونصب ما توسط من الخبر ليس مذهب س، قال س: "وإذا قلت: ما منطلق عبد الله، وما مسيء من أعتب، رفعت، ولا يجوز أن يكون مقدمًا مثله مؤخرًا، كما أنه

стр. 1286

لا يجوز أن تقول: إن أخوك عبد الله، على حد قولك: إن عبد الله أخوك؛ لأنها ليست بفعل". فهذا نص من س على منع النصب في الخبر متقدمًا، ولم يكفه حتى شبهه بشيء لا يجوز البتة، ولا خلاف فيه، وهو "إن أخوك عبد الله". ثم قال س بعد ذلك: "وزعموا أن بعضهم قال، وهو الفرزدق: فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم إذ هم قريش، وإذ ما مثلهم بشر وهذا لا يكاد يعرف". فهذا لم يسمعه س من العرب، وإنما قال: "وزعموا أن بعضهم قال". ثم قال: "وهذا لا يكاد يعرف"، نفى المقاربة، والمقصود نفي العرفات كقوله ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾، فإذا كان قوله هذا فكيف ينسب إليه أنه أجاز نصب الخبر مقدمًا، وقد نص النص الذي لا يحتمل التأويل أنه يرفعه، وأن مثل "وإذ ما مثلهم بشر" لا يكاد يعرف، فكيف يبنى على ما لا يكاد يعرف قانون، فيسوغ نصب الخبر تسويغًا جائزًا؟ هذا تحميل لكلامه ما لا يحتمله. واستشهد الفارسي على نصب خبر "ما" مقدمًا/ بقول الشاعر: أما والله عالم كل غيب ورب الحجر والبيت العتيق لو أنك يا حسين خلقت حرًا وما بالحر أنت ولا الخليق وقول نصيب:

стр. 1287

والحلم رشد، ورأي الجهل مرجعه غي، وما بالسواء الغي والرشد بناء على أن الباء لا تدخل على الخبر إلا وهو مستحق للنصب، ويأتي الكلام على هذه المسألة إن شاء الله، ويتبين أنه لا حجة فيه للفارسي. وقوله وليونس في الثاني قال المصنف في الشرح: "روي عن يونس من غير طريق س إعمال "ما" في الخبر الموجب بإلا" انتهى. وإلى جواز ذلك ذهب الأستاذ أبو علي في تنكيته على المفصل. واستدل له بقول المغلس: وما حق الذي يعثو نهارًا ويسرق ليله إلا نكالا وبقول الآخر: وما الدهر إلا منجنونا بأهله وما صاحب الحاجات إلا معذبا وتأول ذلك على أن ينصب نكالًا ومعذبًا على المصدر، أي: إلا ينكل نكالًا، وإلا يعذب تعذيبًا، وصار نظير: وما زيد إلا سيرًا، أي: يسير سيرًا، كذلك يكون التقدير: إلا ينكل نكالًا، وإلا يعذب معذبًا، أي: تعذيبًا. وأول "إلا منجنونا" على أن المعنى: إلا يدور دوران منجنون، أي: دولاب، فعلى هذا يكون منجنون اسمًا أضيف إليه مصدر تشبيهي حذف منه "مثل" الذي هو صفة لمصدر وضع موضع الفعل الواقع خبرًا، والتقدير: وما الدهر إلا يدور دورانًا مثل دوران منجنون.

стр. 1288

وقيل: منجنون اسم وضع موضع مصدر وضع موضع الفعل الذي هو خبر "ما"، تقديره: وما الدهر إلا يجن جنونًا، ثم حذف "يجن"، فقيل: وما الدهر إلا جنونا، على حد: ما أنت إلا شربًا، ثم أوقع "منجنون" موقع "جنون". وقيل: منجنون اسم في موضع الحال، وخبر "ما" محذوف، التقدير: وما الدهر موجودًا إلا على هذه الصفة، أي: مثل المنجنون، وهي السانية، يريد: لا يستقر على حالة. وزعم طاهر بن بابشاذ أن منجنونًا منصوب على إسقاط حرف الجر، أصله: وما الدهر إلا كمنجنون. وهذا فاسد لأن المجرور الذي يحذف منه حرف الجر فينتصب هو المجرور الذي هو من موضع نصب، وهذا هنا هو في موضع رفع، فلو حذف حرف الجر منه لارتفع على أنه الخبر. وقوله والمعطوف/ على خبرها ببل ولكن موجب، فيتعين رفعه مثال: ما زيد قائمًا بل قاعد، وما زيد قائمًا لكن قاعد، وارتفاعه على انه خبر مبتدأ محذوف. وقوله "والمعطوف على خبرها ببل ولكن" ليس بجيد لأنه لا يسمى ما بعدهما معطوفًا على خبر "ما"؛ إذ ليس بل ولكن والحالة هذه حرفي عطف، بل هما حرفا ابتداء لأنهما جاءت بعدهما الجملة؛ ألا ترى أن التقدير: بل هو قاعد، ولكن هو قاعد، هكذا نصوا على أنهما لا يعطفان إلا المفرد، وهذا على خلاف أيضًا في "لكن"، سنذكره في "باب العطف" إن شاء الله، وقد أشار المصنف إلى على امتناع النصب بقوله "موجب".

стр. 1289

ومن النحويين من جعل "بل" بعد النفي على وجهين: أحدهما: ما ذكرته من أن "بل" توجب لما بعدها ما نفى عما قبلها، فلا يكون ما بعدها منصوبًا. الثاني: أن تكون "بل" بعد النفي على حالها بعد الواجب لزوال الغلط، فهذه ينتصب الخبر بعدها لأن التقدير: بل ما هو قاعدًا. وقال بعض شيوخنا: "الذي يظهر أنك متى أردت هذا المعنى جئت بالثاني بدلًا" انتهى. يعني أن ذكر الخبر أولًا كان على جهة الغلط، فأتيت بالثاني لتستدرك الغلط أن قصدك أولًا إنما كان للاسم الثاني، فيصير نظير: مررت برجل بل امرأة، قصدت أن تقول: مررت بامرأة، فسبق لسانك غلطًا إلى قولك، رجل، فأضربت عن ذلك، وقلت: بل امرأة. ورفع الاسم بعد "بل" في قولهم "ما زيد قائمًا بل قاعد" أورده س سماعًا عن العرب، وعلل رفعه بنقض النفي. وقال الفارسي: "قياس لكن أن تكون مثل بل" انتهى. وقد جاء ذلك نصًا في "ليس"، قال: ولست الشاعر السفساف فيهم ولكن مدره الحرب العوان وقياس "ما" على "ليس" يقتضي جواز: ما زيد قائمًا لكن قاعد. وقال

стр. 1290

المصنف في الشرح: "قياس مذهب يونس أن لا يمتنع نصب المعطوف ببل ولكن" انتهى. ومفهوم كلام المصنف أنك إذا عطفت بغير "بل" و"لكن" لا يلزم الرفع في المعطوف بعد منصوب، بل يجوز فيه الرفع وغيره، وهذا على قسمين: منه ما يجوز فيه النصب، ويكون أولى لكونه من عطف المفردات، ويجوز فيه الرفع على ضعف لكونه يصير من عطف الجمل، نحو: ما زيد قائمًا ولا قاعدًا، والرفع على إضمار هو. وقد منع قوم النصب في" ليس"، فلم يجيزوا: ليس زيد قائمًا ولا قاعدًا، بالنصب، وقالوا: يجب الرفع على إضمار "هو"، أي: ولا هو قاعد. وعللوا ذلك بأنه لا يجوز: ولا ليس قاعدًا./ وإذا منعوا ذلك في ليس فلأن يمنعوه في "ما" أحرى وأولى. وحكي س الخفض على توهم الباء. وسيأتي حكمه. -[ص: وتلحق بـ"ما" "إن" النافية قليلًا، و"لا" كثيرًا، ورفعها معرفة نادر، وتكسع بالتاء، فتختص بالحين أو مرادفه، مقتصرًا على منصوبها بكثرة، وعلى مرفوعها بقلة، وقد يضاف إليها "حين" لفظًا أو تقديرًا، وربما استغنى مع التقدير عن "لا" بالتاء. وتهمل "لات" على الأصح إن وليها "هنا". ورفع ما بعد "إلا" في نحو "ليس الطيب إلا المسك" لغة تميم، ولا ضمير في "ليس" خلافًا لأبي علي. ولا تلزم حالية المنفي بـ"ليس" و"ما" على الأصح.]- ش: "إن" النافية حرف لا يختص، فهو يلي الجملة الفعلية، نحو

стр. 1291

قوله تعالى: ﴿ولَئِن زَالَتَا إنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾، والجملة الاسمية نحو قوله تعالى: ﴿إنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾، وما كان هكذا فقياسه أن لا يعمل. واختلفوا في جواز إعماله إعمال "ما"، فيرفع به المبتدأ، وينصب خبره، فذهب إلى إجازة ذلك الكسائي وأكثر الكوفيين وابن السراج والفارسي وأبو الفتح، ومنع من إعماله الفراء وأكثر البصريين، واختلف على س والمبرد: فنقل السهيلي أن س أجاز إعمالها، وأن المبرد منع من ذلك، ونقل أبو جعفر النحاس عكس ذلك، قال: "س والفراء يرفعان، والكسائي ينصب، وهو مذهب أبي العباس" انتهى. وأكثر أصحابنا يذهب إلى أن "إن" لا تعمل". قال ابن عصفور: "ويعطيه كلام س لأنه لم يذكرها في نواسخ الابتداء والخبر" انتهى كلامه. والصحيح الإعمال، والدليل على ذلك القياس والسماع: أما القياس فإنها شاركت "ما" في النفي، وفي دخولها على المعرفة والنكرة، وفي نفي الحال.

стр. 1292

وأما السماع فقول العرب في نثرها وسعة كلامها: "إن ذلك نافعك ولا ضارك"، و"إن أحد خيرًا من أحد إلا بالعافية"، بنصب نافعك وضارك وخيرًا، حكي ذلك الكسائي عن أهل العالية، وأنه سمعهم يقولون ذلك، وسمع أعرابيًا يقول: "إن قائمًا"، فأنكرها عليه، وظن الكسائي أنها "إن" المشددة وقعت على "قائم"، قال: فاستثبته، فإذا هو يريد: إن أنا قائمًا، فترك الهمز، ثم أدخل النون في النون، كما قال جل وعز ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾، وقرأ سعيد بن جبير ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾. وخرجه أبو الفتح على أنها "إن" النافية، وقال: "معناه: ما الذين تدعون من دون الله عبادًا أمثالكم، يعني في الإنسانية، وإنما هي حجارة ونحوها مما لا حياة له ولا عقل، فضلالكم بعبادتهم أشد من ضلالكم لو عبدتم أمثالكم". /ولا يتعين هذا التخريج، بل تحتمل هذه القراءة الشاذة أن تكون "إن" هي المخففة من الثقيلة، ويكون قد أعملها، ونصب الخبر بها على حد ما جاء ذلك في "إن" المشددة في قول عمر بن أبي ربيعة: إذا اسود جنح الليل فلتأت، ولتكن خطاك حثاثًا، إن حراسنا أسدا وهذا التخريج أحسن، بل يتعين لتوافق القراءتين، وأما تخريج أبي الفتح ففيه تنافي القراءتين، ولا يناسب هذا التنافي في القرآن، بل يستحيل

стр. 1293

ذلك إذ قراءة التشديد تقتضي أن يكونوا عبادًا أمثالهم، وقراءة التخفيف على تخريج أبي الفتح تقتضي أن لا يكونوا عبادًا أمثالهم، وهو محال في كلام الله تعالى. وقال الشاعر في إعمال "إن": إن هو مستوليًا على أحد إلا على أضعف المجانين وقال آخر: إن المرء ميتًا بانقضاء حياته ولكن بأن يبغى عليه، فيخذلا وبهذا السماع يتبين بطلان قول من ذهب إلى أنه لم يأت منه إلا قوله" إن هو مستوليًا على أحد"، وتخصيصه إياه بالضرورة، وأنه إذا دخلت على الاسم فلابد أن تكون بعدها إلا، نحو ﴿إنِ الكَافِرُونَ إلاَّ فِي غُرُورٍ﴾، وإذا كان ذلك لغة لبعض العرب فلا يصح قول المصنف "إنه تلحق بما قليلًا". والحامل على هذا كله هو عدم الاستقراء والاطلاع على كلام العرب. وقال المصنف في الشرح: "أكثر النحويين يزعمون أن مذهب س في "إن" النافية الإهمال، وكلامه مشعر بأن مذهبه فيها الإعمال، وذلك أنه قال في باب عدة ما يكون عليه الكلم: "فأما إن مع ما في لغة أهل الحجاز فهي بمنزلة ما مع إن الثقيلة، تجعلها من حروف الابتداء، وتمنعها أن تكون حروف ليس". فعلم بهذه العبارة أن في الكلام حروفًا مناسبة

стр. 1294

لليس من جملتها ما، ولا شيء من الحروف يصلح لمشاركة ما في هذه المناسبة إلا إن ولا، فتعين كونهما مقصودين" انتهى. ولا تؤخذ القواعد الكلية من مثل قوله "وتمنعها أن تكون من حروف ليس"، فيقضى على أن إن تعمل عمل ما؛ إذ المتبادر إليه الذهن أن قوله "تمنعها أن تكون من حروف ليس" أي: تمنعها من أن ترفع الاسم وتنصب الخبر كخروف ليس، أي: أخوات ليس التي هي كان وأخواتها، فعني بجروف ليس "كان" وأخواته، وإطلاق الحروف على الأفعال وعلى الأسماء إطلاق سائغ عند النحويين، وذلك بمعنى الكلمات لا حقيقة الحرف الذي هو قسيم الاسم والفعل، ومع هذا الاحتمال فليس في كلام س إشعار بأن "إن" تعمل. وقال المصنف في الشرح: "مقتضى النظر أن يكون/ إلحاق "إن" النافية بـ"ليس" راجحًا على إلحاق "لا" لمشابهتها لها في الدخول على المعرفة، وعلى الظرف والجار والمجرور، وعلى المخبر عنه بمحصور، فيقال: إن زيد فيها، وإن زيد إلا فيها، و ﴿إنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ﴾، و ﴿إنْ أَنتَ إلاَّ نَذِيرٌ﴾ كما يقال بـ"ما"، ولو استعملت "لا" هذا الاستعمال لم يجز" انتهى. وقال س: "وتكون إن كـ"ما" في معنى ليس". قال الأستاذ أبو بكر بن طاهر: "هذا نص على أن "إن" كـ"ما" تعمل عمل ليس كقوله: إن هو مستوليًا على أحد ... ..................

стр. 1295

وقال الأستاذ أبو علي: هذا الكلام ليس بنص على ذلك؛ لأنه يحتمل أن يريد أن "إن" تكون ك"ما" في النفي، فيكون قد عبر بقوله "في معنى ليس" عن النفي، وهذا أولى أن يحمل عليه كلامه لأن العمل في "إن" شاذ. وقوله و"لا" كثيراً يعني أن عمل "إن" قليل، وعمل "لا" كثير، والعكس هو الصواب لأن "إن" قد عملت نثراً ونظماً، و"لا" إعمالها قليل جداً، حتى إن أبا الحسن زعم أنها يرفع ما بعدها بالابتداء، ومنع النصب، وتبعه أبو العباس، فهي عندهم لا تعمل عمل "ليس"، و: .................. ... ..................... لا براح و: ............... لا مستصرخ مبتدأ، والخبر مضمر، ولم يشترطوا تكريراً، ولم يجمعوا قول س "وإن شئت قلت: لا أحد أفضل منك" في قول من جعلها كليس إلا قياساً منه، فلذلك صاغ الخلاف، وظاهر كلامه أنه مسموع، وحتى إن بعض النحويين زعم أن "لا" أجريت مجرى "ليس" في رفع الاسم خاصة لا في

стр. 1296

نصب الخبر، وهو مذهب الزجاج، ذهب إلى أنها ترفع الاسم، ولا تعمل في الخبر شيئاً، وهي مع الاسم الذي عملت فيه الرفع في موضع رفع بالابتداء، حكي ذلك عنه ابن ولآد. وهذا فاسد إذ لا عامل له، وقد نصب. وزعم بعضهم أنه لم يسمع النصب في خبر "لا" ملفوظاً به. وليس كذلك، بل سمع إعمالها عمل "ليس" ونصب الخبر، لكنه في غاية الشذوذ والقلة، قال: تعز، فلا شيء على الأرض باقيا ... ولا وزر مما قضى الله واقيا وقال آخر: نضرتك إذ لا صاحب غير خاذل ... فبوئت حصناً بالكماة حصنا وأورد المصنف في الشرح دليلاً على إعمالها إعمال "ليس" قول الشاعر، وهو سواد بن قارب: وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة ... بمغن فتيلاً عن سواد بن قارب وقول الآخر: فرطن، فلا رد لما بت، وانقضى ... ولكن بغوض أن يقال: عديم

стр. 1297

وقول الآخر: من صد عن نيرانها ... فأنا ابن قيس لا براح قال: "فحذف الخبر ومثله قول الآخر: والله لولا أن تحش الطبخ ... بي الجحيم حين لا مستصرخ" قال: "فهذا وأمثاله مشهور، أعني إعمال "لا" في نكرة عمل ليس" انتهى. ولا حجة في هذه الأبيات الثلاثة إذ يحتمل أن تكون: ذو شفاعة، وبراح، ومستصرخ مبتدآت إذ ليس فيها خبر يظهر نصبه؛ إذ قوله "بمغن" مشغول بحرف الجر، فيحتمل أن يكون في موضع رفع، و"براح" و"مستصرخ" لم يذكر لهما خبر البتة، فيحتمل أن يكون المحذوف مرفوعاً، فلم يبق ما يدل على أنها تعمل عمل "ليس" إلا البيتان السابقان، وهما من القلة بحيث لا تبنى عليه القواعد. لا يقال: الذي يدل على أن "لا" في الأبيات السابقة عملت عمل "ليس" كونها لم تتكرر؛ لأنها إذا كان بعدها المبتدأ تكررت، وإذا عملت عمل "ليس" لم يلزم تكرارها؛ لأن تكرارها على مذهب أبي العباس لا يلزم، وقد جاءت غير مكررة وبعدها المبتدأ في قوله: بكت جزعاً، واسترجعت، ثم آذنت ... ركائبها أن لا إلينا رجوعها

стр. 1298

وعلى هذا حمل أبو العباس الشواهد المتقدمة. ولو ذهب ذاهب إلى أنه لا يجوز أن تعمل "لا" هذا العمل لذهب مذهباً حسناً؛ إذ لا يحفظ ذلك في نثر أصلاً، ولا في نظم إلا في ذلك البيتين النادرين، ولا ينبغي أن تبنى القواعد على ذلك، وليس في كتاب س ما يدل على أن إعمالها عمل "ليس" مسموع من العرب لا قتيلاً ولا كثيراً، فيكون مقياس مطرداً، بل قال س: "وزعموا أن بعضهم قرأ (ولات حين مناص)، وهي قليلة، كما قال بعضهم في قول سعد بن مالك: من صد عن نيرانها ... فأنا ابن قيس لا براح فجعلها بمنزلة ليس" انتهى كلام س. فظاهر كلام س أن جعلها بمنزلة "ليس" في هذا البيت تأويل من ذلك البعض الذي قال عنه س "كما قال بعضهم في قول سعد بن مالك"، ولو كان التأويل ل"س" لم يكن مثل هذا البيت تبنى عليه قاعدة؛ ألا ترى أن س شبه رفع الحين بعد "لات" برفع براح بعد "لا"، ولا ترفع "لات" غير الحين، فكذلك لا ترفع "لا" غير "براح"، وأما ما تقدم من كلامه السابق فتقدم قول الأخفش / والمبرد فيه. ومن وقفنا على كلامه ممن ذكر أن "لا" تعمل عمل "ليس" لم ينص على أن ذلك بالنسبة إلى لغة مخصوصة، إلا ما في كتاب "المغرب" لأبي الفتح ناصر بن أبي المكارم ألمطرزي الخوارزمي، فإنه ذكر فيه ما نصه: "ما ولا

стр. 1299

بمعنى ليس ترفعان الاسم، وتنصبان الخبر، نحو: ما زيد منطلقاً، ولا رجل أفضل منك، وعند بني تميم لا تعملان". فظاهر هذا أن غير تميم يعملونها. وفي البسيط: "وأما بنو تميم فالقياس عندهم عدم الحمل على ليس، وكذلك في الثاني" يعني في نحو: لا رجل قائم. قال: "لأنهم إذا امتنعوا من الحمل الموافق فالمخالف أولى، وهو ظاهر كلام الزمخشري؛ لأنه قال: "هي في قول أهل الحجاز: لا رجل أفضل منك، وأما قول حاتم: .................... ... ولا كريم من الولدان مصبوح فيحتمل أن يترك طائيته إلى الحجازية، ويحتمل أن لا يكون خبراً، لكنه صفة على موضع لا وما بعدها" انتهى. ويحتمل أن يقال: وافق بنو تميم أهل الحجاز على هذا النحو من العمل، لكن القياس يقتضي أن يكون الحمل فيها على إن وأخواتها، شبهوها بنقيضها" انتهى. وأكثر من أجاز إعمالها إعمال "ليس" اشتراط أن تعمل في النكرات، نحو: لا رجل قائماً، ولم يجيزوا: لا زيد أخاك، وأن لا يتقدم خبرها على اسمها، وأن لا ينتقض النفي، فلو قلت: لا قائم رجل، ولا رجل إلا أفضل منك، وجب الرفع. ونصوا أيضاً على أنه لا يجوز الفصل بين "لا"وما عملت فيه. وقال في البسيط: "وهل يكون الفصل مبطلاً للعمل؟ والظاهر أنه يبطل لأن "لا" أضعف من "ما" وفيهما الخلاف، ولأنهم يرجعون إلى

стр. 1300

التكرار في "لا رجل"، فهذا أولى" انتهى. يعني أنه إذا كان الفصل بين "لا" العاملة عمل "إن" ومعمولها مع كثرة ذلك مانعاً من إعمالها، فلأن يكون مانعاً من عمل "لا" العاملة عمل "ليس" مع قلة عملها أولى وأحرى، فيبطل إذ ذاك العمل، ويلزم التكرار. وقوله ورفعها معرفة نادر قال المصنف في الشرح: "وشذ إعمالها في معرفة في قول النابغة الجعدي: بدت فعل ذي رحب، فلما تبعتها ... تولت، وردت حاجتي في فاديا وحلت سواد القلب، لا أنا باغياً ... سواها، ولا في حبها متراخيا وقد حذا المتنبئ حذو النابغ، فقال: إذا الجود لم يرزق خلاصاً من الأذى ... فلا الحمد مكسوباً، ولا المال باقيا والقياس على هذا سائغ عندي، وقد أجاز ابن جني إعمال "لا" في المعرفة، ذكر ذلك / في كتاب التمام " انتهى. وقد تأولوا بيت النابغة على أن الأصل: ولا أرى باغياً، فلما حذف الفعل انفصل الضمير، ف"أنا" مفعول لم يسم فاعله، و"باغياً" حال. وهذا الذي ذكره المصنف من أن "لا" عملت في معرفة ذكره
следующие страницы →