Полный текст (3 950 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.
стр. 1296
نصب الخبر، وهو مذهب الزجاج، ذهب إلى أنها ترفع الاسم، ولا تعمل في الخبر شيئاً، وهي مع الاسم الذي عملت فيه الرفع في موضع رفع بالابتداء، حكي ذلك عنه ابن ولآد. وهذا فاسد إذ لا عامل له، وقد نصب.
وزعم بعضهم أنه لم يسمع النصب في خبر "لا" ملفوظاً به. وليس كذلك، بل سمع إعمالها عمل "ليس" ونصب الخبر، لكنه في غاية الشذوذ والقلة، قال:
تعز، فلا شيء على الأرض باقيا ... ولا وزر مما قضى الله واقيا
وقال آخر:
نضرتك إذ لا صاحب غير خاذل ... فبوئت حصناً بالكماة حصنا
وأورد المصنف في الشرح دليلاً على إعمالها إعمال "ليس" قول الشاعر، وهو سواد بن قارب:
وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة ... بمغن فتيلاً عن سواد بن قارب
وقول الآخر:
فرطن، فلا رد لما بت، وانقضى ... ولكن بغوض أن يقال: عديم
стр. 1297
وقول الآخر:
من صد عن نيرانها ... فأنا ابن قيس لا براح
قال: "فحذف الخبر ومثله قول الآخر:
والله لولا أن تحش الطبخ ... بي الجحيم حين لا مستصرخ"
قال: "فهذا وأمثاله مشهور، أعني إعمال "لا" في نكرة عمل ليس" انتهى.
ولا حجة في هذه الأبيات الثلاثة إذ يحتمل أن تكون: ذو شفاعة، وبراح، ومستصرخ مبتدآت إذ ليس فيها خبر يظهر نصبه؛ إذ قوله "بمغن" مشغول بحرف الجر، فيحتمل أن يكون في موضع رفع، و"براح" و"مستصرخ" لم يذكر لهما خبر البتة، فيحتمل أن يكون المحذوف مرفوعاً، فلم يبق ما يدل على أنها تعمل عمل "ليس" إلا البيتان السابقان، وهما من القلة بحيث لا تبنى عليه القواعد.
لا يقال: الذي يدل على أن "لا" في الأبيات السابقة عملت عمل "ليس" كونها لم تتكرر؛ لأنها إذا كان بعدها المبتدأ تكررت، وإذا عملت عمل "ليس" لم يلزم تكرارها؛ لأن تكرارها على مذهب أبي العباس لا يلزم، وقد جاءت غير مكررة وبعدها المبتدأ في قوله:
بكت جزعاً، واسترجعت، ثم آذنت ... ركائبها أن لا إلينا رجوعها
стр. 1298
وعلى هذا حمل أبو العباس الشواهد المتقدمة.
ولو ذهب ذاهب إلى أنه لا يجوز أن تعمل "لا" هذا العمل لذهب مذهباً حسناً؛ إذ لا يحفظ ذلك في نثر أصلاً، ولا في نظم إلا في ذلك البيتين النادرين، ولا ينبغي أن تبنى القواعد على ذلك، وليس في كتاب س ما يدل على أن إعمالها عمل "ليس" مسموع من العرب لا قتيلاً ولا كثيراً، فيكون مقياس مطرداً، بل قال س: "وزعموا أن بعضهم قرأ (ولات حين مناص)، وهي قليلة، كما قال بعضهم في قول سعد بن مالك:
من صد عن نيرانها ... فأنا ابن قيس لا براح
فجعلها بمنزلة ليس" انتهى كلام س.
فظاهر كلام س أن جعلها بمنزلة "ليس" في هذا البيت تأويل من ذلك البعض الذي قال عنه س "كما قال بعضهم في قول سعد بن مالك"، ولو كان التأويل ل"س" لم يكن مثل هذا البيت تبنى عليه قاعدة؛ ألا ترى أن س شبه رفع الحين بعد "لات" برفع براح بعد "لا"، ولا ترفع "لات" غير الحين، فكذلك لا ترفع "لا" غير "براح"، وأما ما تقدم من كلامه السابق فتقدم قول الأخفش / والمبرد فيه.
ومن وقفنا على كلامه ممن ذكر أن "لا" تعمل عمل "ليس" لم ينص على أن ذلك بالنسبة إلى لغة مخصوصة، إلا ما في كتاب "المغرب" لأبي الفتح ناصر بن أبي المكارم ألمطرزي الخوارزمي، فإنه ذكر فيه ما نصه: "ما ولا
стр. 1299
بمعنى ليس ترفعان الاسم، وتنصبان الخبر، نحو: ما زيد منطلقاً، ولا رجل أفضل منك، وعند بني تميم لا تعملان". فظاهر هذا أن غير تميم يعملونها.
وفي البسيط: "وأما بنو تميم فالقياس عندهم عدم الحمل على ليس، وكذلك في الثاني" يعني في نحو: لا رجل قائم. قال: "لأنهم إذا امتنعوا من الحمل الموافق فالمخالف أولى، وهو ظاهر كلام الزمخشري؛ لأنه قال: "هي في قول أهل الحجاز: لا رجل أفضل منك، وأما قول حاتم:
.................... ... ولا كريم من الولدان مصبوح
فيحتمل أن يترك طائيته إلى الحجازية، ويحتمل أن لا يكون خبراً، لكنه صفة على موضع لا وما بعدها" انتهى. ويحتمل أن يقال: وافق بنو تميم أهل الحجاز على هذا النحو من العمل، لكن القياس يقتضي أن يكون الحمل فيها على إن وأخواتها، شبهوها بنقيضها" انتهى.
وأكثر من أجاز إعمالها إعمال "ليس" اشتراط أن تعمل في النكرات، نحو: لا رجل قائماً، ولم يجيزوا: لا زيد أخاك، وأن لا يتقدم خبرها على اسمها، وأن لا ينتقض النفي، فلو قلت: لا قائم رجل، ولا رجل إلا أفضل منك، وجب الرفع. ونصوا أيضاً على أنه لا يجوز الفصل بين "لا"وما عملت فيه.
وقال في البسيط: "وهل يكون الفصل مبطلاً للعمل؟ والظاهر أنه يبطل لأن "لا" أضعف من "ما" وفيهما الخلاف، ولأنهم يرجعون إلى
стр. 1300
التكرار في "لا رجل"، فهذا أولى" انتهى. يعني أنه إذا كان الفصل بين "لا" العاملة عمل "إن" ومعمولها مع كثرة ذلك مانعاً من إعمالها، فلأن يكون مانعاً من عمل "لا" العاملة عمل "ليس" مع قلة عملها أولى وأحرى، فيبطل إذ ذاك العمل، ويلزم التكرار.
وقوله ورفعها معرفة نادر قال المصنف في الشرح: "وشذ إعمالها في معرفة في قول النابغة الجعدي:
بدت فعل ذي رحب، فلما تبعتها ... تولت، وردت حاجتي في فاديا
وحلت سواد القلب، لا أنا باغياً ... سواها، ولا في حبها متراخيا
وقد حذا المتنبئ حذو النابغ، فقال:
إذا الجود لم يرزق خلاصاً من الأذى ... فلا الحمد مكسوباً، ولا المال باقيا
والقياس على هذا سائغ عندي، وقد أجاز ابن جني إعمال "لا" في المعرفة، ذكر ذلك / في كتاب التمام " انتهى.
وقد تأولوا بيت النابغة على أن الأصل: ولا أرى باغياً، فلما حذف الفعل انفصل الضمير، ف"أنا" مفعول لم يسم فاعله، و"باغياً" حال.
وهذا الذي ذكره المصنف من أن "لا" عملت في معرفة ذكره
стр. 1301
هبة الله بن الشجري، وأنشد بيت النابغة.
ومثال بيت المتنبي قول الشاعر:
أنكرتها بعد أعوام مضين لها ... لا الدار داراً، ولا الجيران جيران
وقوله وتكسع بالتاء، فتختص بالحين أو مرادفه مقتصراً على منصوبها بكثرة، وعلى مرفوعها بقلة الكسع هو ضرب الرجل مؤخر الرجل بظهر قدمه، قال الفرزدق:
كسعة ابن المراغة حين ولى ... إلى شر القبائل والديار
وفي الأفعال لابن القطاع: "كسع القوم كسعاً: ضرب أدبارهم بالسيف، والإنسان: ضربت دبره بظهر قدمك، والرجل: تكلمت بأثر كلامه بما ساءه، والناقة: أبقيت في ضرعها لبناً يستدعي غيره، وأيضاً نضج على ظهرها الماء البارد، وضربه بظاهر كفه ليرتفع لبنها، وكسع الطائر كسعاً: ابيض ذنبه والفرس: ابيضت أطراف ثنته "
واختلف النحويون في لات:
فذهب س إلى أنها مركبة من "لا" والتاء، وعلى هذا لو سميت بها حكيته كما تحكي لو سميت بـ"إنما".
стр. 1302
وذهب الأخفش والجمهور إلى أنها "لا" زيدت عليها التاء كما زيدت على "ثم"، فقيل: ثمت.
وذهب الأستاذ أبو الحسين بن الطراوة وغيره إلى أنها ليست للتأنيث، وإنما هي زائدة على الحين، واستدل على ذلك بقول الشاعر:
العاطفون تحين ما من عاطف ... ....................
أي: حين ما من عاطف. وقد سبقه إلى ذلك أبو عبيد، وسيأتي الكلام في هذا البيت
وذهب الأستاذ أبو الحسين بن أبي الربيع إلى أن الأصل في "لات" "ليس"، قال: ويظهر لي أن الأصل في "لات" "ليس"، فأبدل من السين التاء، كما فعل ذلك في ست، ثم قبلت الياء ألفاً لأنه كان الأصل في ليس لاس لأنها فعل، وكأنهم كرهوا أن يقولوا ليت، فيصير لفظها لفظ التمني، ولم يفعل هذا إلا مع الحين، كما أن "لدن" لم تشبه نونها بالتنوين إلا مع غدوة، ويجب على هذا أن يوقف عليها بالتاء، وكذا وقف جميع القراء إلا
стр. 1303
الكسائي، فروي عنه الوجهان، فمن وقف بالهاء فهي "لا" التي للنفي لحقتها تاء التأنيث، نحو ثمت، وجاء الحين بعدها مرفوعاً، حكاه س، فهو اسمها، والخبر محذوف" انتهى.
وفي البسيط: ويحتمل أن تكون التاء بدلاً من سين ليس كما في ست/، وانقلبت الياء ألفاً على القياس فتكون "ليس" نفسها ضعفت بالتغيير، فعملت في لغة أهل الحجاز عملها في موضعها، وهو الحال.
واختلفوا هل لها عمل أم لا؟ والذين قالوا إنها تعمل اختلفوا: فذهب س والجمهور إلى أنها تعمل عمل "ليس"، قال س وقد تكلم في عمل "ما" عمل "ليس" ما نصه: "كما شبهوا بليس لات في بعض المواضع، وذلك مع الحين خاصة، لا تكون لات إلا مع الحين، تضمر فيها مرفوعاً، وتنصب الحين لأنه مفعول به، ولم تمكن تمكنها، ولم تستعمل إلا مضمراً فيها". فقول س "كما شبهوا بليس لات في بعض المواضع" ظاهر في أنها لا يلزمها الإعمال دائماً، بل إعمالها إنما جاء في بعض المواضع، وكأنه يشير إلى أنها جاء بعدها غير ما ذكر. وقوله "وذلك مع الحين خاصة، لا تكون لات إلا مع الحين" نص على أنها لا تعمل عمل "ليس" في غير الحين، وظاهر في اختصاصها بلفظه.
وفي البسيط: "اختصت بأن جعلت عاملة في الظرف المخبر به عن الظرف، وخصصوا من أنواع الظروف الحين كما تقول: اليوم يوم السبت، وكذلك في الحين، ورب شيء يختص في العمل بنوع ما لا لسبب، كما أعملوا لدن مع غدوة ليس إلا، والتاء في القسم، ثم التزموا في إعمالها
стр. 1304
حذف الاسم، شبهوها بليس ولا يكون في الاستثناء، فإنه لابد هنا من اسم لازم التقدير، قال تعالى ﴿فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾، معناه: فنادوا ولات حين تناديهم حين مناص لهم، أي: خلاص، لكنه في "لات" محذوف لا يصح إضماره لكونه حرفاً. وقيل: قد ورد شاذاً إظهار المرفوع، وقد قرئ (ولات حين مناص) وحذف الخبر" انتهى.
وقول س "تضمر فيها مرفوعاً" لا يريد الإضمار حقيقة لأن الحرف لا يضمر فيه، وإنما يريد: يحذف المرفوع معها، وسماء إضماراً بجامع ما اشتركا فيه من أن كل واحد منهما لا يكون ملفوظاً به، ويبين أن مراده بالإضمار الحذف قوله بعد ذلك: "وليست لات كليس في المخاطبة والإخبار عن غائب، تقول: لست وليسوا، وعبد الله ليس ذاهباً، فتبني على المبتدأ، وتضمر فيه، ولا يكون هذا في لات، لا تقول: عبد الله لات منطلقاً، ولا: قومك لأتوا منطلقين". فهذا كله نص على أنه يريد بالإضمار الحذف.
وقوله "وتنصب الحين لأنه مفعول به" أي: مشبه بما شبه بالمفعول به؛ لأن لات شبهت بليس، وليس شبهت بضرب، ومنصوب ضرب هو المفعول به حقيقة.
والذين ذهبوا إلى أنها تعمل عمل "ليس" اختلفوا: فمنهم من قصر إعمالها على لفظ الحين خاصة، وهو ظاهر كلام س ومذهب الفراء.
стр. 1305
ومنهم من أجاز ذلك في الحين/ وما رادفه وسواء أكان معرفة أم نكرة, وهو اختيار ابن عصفور , قال:" ومن إعماله فيه معرفة قول الأعشى:
لات هنا ذكرى جبيرة أو من جاء منها بطائف الأهوال
فـ "هنا" اسم زمان مرفوع بـ"لات" وذكرى جبيرة: في موضع نصب على أنه خبر "لات" والتقدير: لات هنا حين ذكرى جبيرة أي: لات هذا الحين حين ذكرى جبيرة" انتهى.
وقال ابن الأعرابي: لات أني أنسى ذكرها. وقال الأصمعي: ليس ذكرى جبيرة. وجعل الفارسي من إعمالها فيما رادف الحين قول الشاعر:
حنت نوار, ولات هنا حنت ... وبدا الذي كانت نوار أجنت
أي: ليس هذا أوان حنين. وقال الأصمعي في لات هنا: تأويله ليس الأمر حيث ذهبت أي: ليس حين ذلك, وهو في قوله , أنشده الأصمعي:
أفي أثر الإظعان قلبك يلمح ... نعم, لات هنا إن قلبك متيح
стр. 1306
أي: يذهب ويجيء في ضيقه, والمتيح والتيجان: الذي يتعرض في كل شيء.
ومثال عملها في الحين مقتصراً على منصوبها قوله تعالى: ﴿فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ وقول الشاعر:
غافلا تعرض المنية للمرء, فيدعى ولات حين إباء
ومثال عملها فر مرادف الحين مقتصراً على منصوبها قوله:
ندم البغاة ولات ساعة مندم ... والبغي مرتع مبتغيه وخيم
ومثال عملها في الحين مقتصراً على مرفوعها قراءة من قرأ " ولات حين مناص" بالرفع. فأما ورد من رفع غير الحين بعدها فشاذ نحو قوله:
................. ... يبغي جوارك حين لات مجبر
وتؤول على حذف كأنه قال: حين لات حين مجير فهو على الرفع, فحذف وأقام المضاف إليه مقامه.
ولا يحفظ من كلام العرب مجيء الاسم بعدها مرفوعاً والخبر منصوباً مثبتين معاً, بل إن ذكر المنصوب لم يذكر المرفوع وإن ذكر المرفوع لم يذكر المنصوب.
стр. 1307
وذهب الأخفش في قوله ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ إلى أنها لا تعمل عمل ليس بل جعل ﴿حِينَ﴾ اسم ﴿لاتَ﴾ وهي للنفي العام نحو, لا غلام سفر, والخبر محذوف تقديره. ولات حين مناص لهم. وجوز أيضا فيه وجهاً آخران وهو أن يكون ﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي: ولات الحين حين مناص ووجها /آخر وهو أن يكون مفعولاً بفعل محذوف أي: ولات أرى حين مناص. وهذا كله محتمل.
ونقل ابن عصفور أن مذهب الأخفش أنها لا تعمل شيئاً بل الاسم الذب بعدها إن كان مرفوعاً مبتدأ , وخبره محذوف, أو خبر ابتدأ مضمر. وإن كان منصوباً فنصبه بإضمار فعل. انتهى.
وما ذهب إليه الأخفش من النصب على إضمار الفعل ليس بشيء لأن "لات" لا يحفظ في الفعل بها في موضع من المواضع, وإنما نقول إن الحين إذا كان منصوباً كان في موضع خبر مبتدأ محذوف, إذ الأولى عندي أن لات لا تعمل شيئاً, وإن كان معناها معنى "لا", لأنها كما ذكرنا لا يحفظ الإتيان بعدها باسم وخبر مثبتين.
ونحن نقول في قراءة ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ على قول من ادعى أن اسمها لم يلفظ به, وإن ﴿وحِينَ مَنَاصٍ﴾ انتصب خبراً: لا يخلو هذا
стр. 1308
الاسم المُدَّعى أنه مرفوع بها ولم يلفظ به من أمرين: إما أن يكون مضمراً, أو يكون محذوفاً لا جائز أن يكون مضمراً في "لات" لأن الحروف لا يضمر فيها, ولا جائز محذوفاً لأنها عندهم أجريت مجرى "ليس"
في العمل و"ليس" هي الأصل, واسم "ليس" لا يجوز حذفه, فكذلك اسم "لات" لا يجوز حذفه إذ لو جاز حذف اسم "لات" لكانوا قد تصرفوا في الفرع ما لم يتصرفوا في الأصل, و"لات" على زعم من أعملها مقصورة في إعمالها على الحين, بخلاف "ليس" فإنها تعمل في المعارف والنكرات. وإنما لم يجز حذف اسم"ليس" لأنها مشبهة في عملها بالفعل المتعدى إلى واحد في رفع أحد الاسمين ونصب الآخر, كما أن الفعل المتعدي كذلك, فمرفوعها مشبه بالفاعل, ومنصوبها مشبه بالمفعول , فكما أن الفاعل لا يحذف وحده, فكذلك اسمها لا يحذف. وهذا الذي اخترناه من أن "لات" لا تعمل شيئاً هو مروي عن الأخفش,
ونقل صاحب البسيط عن السيرافي أنه قال في ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾: هو على الفعل, أي: ولات أراه حين مناص, ونحوه. ورد لأنه يخرج عن الاختصاص بالحين المتفق عليه, ولأن حذف الفعل ومفعوله من غير دلالة عليه لا يكون. انتهى.
وزعم الفراء أن"لات" قد يخفض بها أسماء الزمان وأنشد قول الشاعر:
طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء
وقول الآخر:
стр. 1309
فلتعرفن شمائلاً محمودة ... ولتندمن ولات ساعة مندم
ولا يعرف ذلك البصريون.
وقد قرئ ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ بالخفض ووجه على وجهين:
أحدهما: أن "لات" بمعنى "غير" وصف لمحذوف كأنه قيل: فنادوا حيناً غير حين مناص.
ورد هذا التأويل بلزوم زيادة الواو, فلا فائدة لهل حينئذ وبأنه لو كانت بمعنى "لا" صفة لزم تكرارها, نحو: مررت رجل لا قائم ولا قاعد.
الثاني: أن الكسرة كسرة بناء مقطوعة عن مضاف, وما بعد"لات" يقطع عن الإضافة فيبنى والتقدير: ولات حين مناصهم, والإضافة إلى المناص كأنها إضافة إلى الحين لأنه معه كشيء واحد, فكأنه قال: ولات حينهم, ثم حذف الضمير من "مناص" فكأنه حذفه من الحين, فتضمنه الحين. وهذا بعيد جداً وقد علل به الزمخشري.
وتأولوا ما ورد من ذلك في الشعر. وتأولوا "ولات أوان" على أن الأصل فيه: ولات أوان صلح, فقطع أواناً عن الإضافة ونواها وبني أواناً على الكسر بفعال, وهذا تأويل أبي العباس, والتنوين عنده ليس للتمكين بل هو في أوان كهو في "إذا" لأن أواناً يضاف إلى الجمل, نحو قولك: جئت أوان زيد قائم , وأوان قام زيد فحذف المضاف وعوض منه التنوين والنون ساكنة كسكون ذال"إذ" وكسرت لالتقائها مع التنوين.
стр. 1310
قال صاحب البسيط:" وقول أبي العباس هنا غير مرضي لأن أواناً قد يضاف إلى الآحاد نحو قوله:
هذا أوان الشد, فاشتدي زيم
وقوله:
وهذا أوان العرض حتى ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمس
وأما الجماعة ف"أوان" عندهم مجرور ب"لات" وذلك لغة شاذة" انتهى.
وقوله وقد يضاف إليها "حين" لفظاً قال:
لعل حلومكم تأوي إليكم ... إذا شمرت, واضطرمت شذاتي
وذلك حين لات أوان حلم ... ولكن قبلها اجتنبوا أذاتي
وقوله أو تقديراً مثاله قول الآخر:
تذكر حب ليلى لات حينا وأمسى الشيب قد قطع القرينا
التقدير: حين لات حين تذكر. ولا تضطر إلى هذا التقدير كما
стр. 1311
زعم المصنف, إذ يصح المعنى بقوله: تذكر حب ليلى لا ت حين تذكر, أي: ليس الحين حين تذكر.
وقوله وربما استغنى مع التقدير عن "لا" بالتاء أشار المصنف إلى قوله:
العاطفون ت حين ما من عاطف والمنعمون يداً إذا ما أنعموا
قال المصنف:"أراد: هم العاطفون حين لات حين ما من عاطف, فحذف حين مع لا. وهذا أولى من قول من قال: إنه أراد العاطفونه بهاء السكت ثم أثبتها/ وأبدلها تاء" انتهى.
وتخريج المصنف هذا البيت على ذكر لا يتعقل لأنه يكون المعنى: هم العاطفون وقت ليس الحين حين ليس ثم عاطف.
وأحسن من التخريج الثاني زعم من زعم أن التاء زيدت على "حين" في هذا البيت, والمعنى على أن هؤلاء العاطفون وقت انتفاء العاطف, وهذا هو المعنى الذي يمدح به. وإذا احتمل هذا البيت هذا التخريج والتخريج الذي قبله, ولم يتعقل تخريج المصنف له, فكيف يستنبط منه حكم أنه ربما استغني مع التقدير عن "لا" بالتاء؟ وذلك شيء لا يتعقل.
وقوله وتهمل"لات" على الأصح إن وليها هنا تقدم إنشادنا:
حنت نوار, ولات هنا حنت ..............
стр. 1312
قال المصنف:" لا عمل للات في هذا وأشباهه, ولكنها مهملة و"هنا" في موضع نصب على الظرفية والفعل بعدها صلة لأن محذوفة, وأن وصلتها في موضع رفع بالابتداء, والخبر هنا كأنه قال: ولات هنا لك حنين, هكذا قال أبو علي" انتهى.
وقد ذكرنا قبل عن أبي علي أن "لات" عاملة في "هنا" فيمكن أن يكون لأبي علي القولان.
وكونها عاملة في "هنا" هو قول الأستاذ أبي علي وتلميذه الأستاذ أبي الحسن بن عصفور. ورد عليهما المصنف بكون "هنا" ظرفاً غير متصرف فلا يخلو من معنى "في" إلا بأن تدخل عليه "من" أو" إلى" وهو رد صحيح.
ومن مع إعمالها في قوله:
لات هنا ذكرى خبيرة ............. ..............
تأوله على أن ذكرى مبتدأ وهنا ظرف في موضع الخبر, وهي ظرف مكان مثل"هنا" يستعمل زماناً ومكاناً والجملة في المبتدأ والخبر منفية بلا, وقد جاءت "لات" غير مضاف إليها "حين" ولا مذكور بعدها "حين", ولا ما رادفه في قول الأفوه الأودي:
стр. 1313
ترك الناس لنا أكنافهم ... وتولوا لات لم يغن الفرار
وهذا يدل على أن"لات" لا تعمل وإنما هي في هذا البيت حرف نفي مؤكد بحرف النفي الذي هو قوله"لم يغن الفرار" ولو كانت عاملة لم يجز حذف الجزأين بعدها, ألا ترى أنه لا يجوز حذفهما بعد"لا" ولا "ما" العاملتين عمل ليس.
والعطف على خبر لات عند من أجاز إعمالها إعمال "ما" الحجازية كالعطف على خبر "ما" منصوباً نحو: لات حين جزع وحين طيش, ويجوز: ولا حين طيش, كما تقول: ما زيد شريفاً وكريماً ويجوز: ولا كريماً فإن كان الحرف يقتضي الإيجاب رفعت ما بعده على خبر ابتداء مضمر, نحو: لات حين قلق بل حين صبر, أو: لكن حين صبر, التقدير: بل الحين حين صبر.
وقوله ورفع ما بعد"إلا" في نحو" ليس الطيب إلا المسك" لغة تميم هذه المسألة هي من باب "كان" وكان ذك رها في باب "كان" أليق/ من ذكرها في باب "ما" إلا أن المحسن لذكرها هنا هو أن مذهب الحجاز إعمال "ما" إعمال ليس بالشروط السابقة , ومذهب تميم الإهمال فكما أن أهل الحجاز أعملوا"ما" إعمال"ليس" إذا لم ينتقض النفي, فكذلك تميم أهملت"ليس" إذا انتقض النفي حملاً على "ما".
وقول العرب "ليس الطيب إلا المسك" حكاه س عنهم ولا يكون ذلك إلا على اعتقاد حرفيتها وقد جوز ذلك س في قولهم: ليس
стр. 1314
خلق الله أشعر منه, وجوز فيها هنا أن يكون فيها ضمير الأمر, أي: ليس الأمر خلق الله أشعر منه. وقد ذكرنا عن أبي علي قولين في ليس: أحدهما أنها فعل كقول الجماعة. والآخر أنها حرف وذكرنا عن ابن شقير أنها حرف قولا واحداً.
وهذا الذي ذكره المصنف من أن ذلك لغة تميم صحيح, ذكر ذلك ونقله عنهم أبو عمرو بن العلاء وذكر أن لغة الحجاز النصب, وهذه المسألة جرت بين أبي عمر عيسى بن عمر الثقفي وأبي عمرو بن العلاء , كان عيسى ينكر الرفع, وأبو عمرو يجيزه فاجتمعا, فقال له عيسى في ذلك, فقال له أبو عمرو: نمت يا أبا عمر, وأدلج الناس, ليس في الأرض حجازي إلا وهو ينصب ولا تميمي إلا وهو يرفع. ثم وجه أبو عمرو خلفاً الأحمر وأبا محمد اليزيدي إلى بعض الحجازيين وجهدا أن يلقناه الرفع, فلم يفعل وإلى بعض التميميين , وجهدا أن يلقناه النصب فلم يفعل ثم رجعا وأخبرا بذلك عيسى وأبا عمرو فأخرج عيسى خاتمه من أصبعه ورمى به إلى أبي عمرو, قال: هو لك , بهذا فقت الناس.
وقوله ولا ضمير في "ليس" خلافاً لأبي علي إذا ثبت أن ذلك لغة فلا يمكن التأويل لأن التأويل لا يكون إلا إذا كانت الجادة على شيء ثم جاء شيء يخالف الجادة فيتأول أما إذا كانت لغة طائفة من العرب لم تتكلم إلا بها فلا تأول.
стр. 1315
وأما أبو علي فتأول قولهم" ليس الطيب إلا المسك" وذلك أنه لم يبلغه- والله أعلم- نقل أبي عمرو ذلك أنها لغة تميم, وزعم أنه يحتمل وجوهاً:
أحدها أن يكون في "لبس" ضمير الأمر والشأن والطيب مبتدأ والمسك خبره, وقال مثله السيرافي.
فألزم أبو علي أنه لو كان كذلك للزم دخول إلا على الجملة من المبتدأ والخبر التي هي خبر لضمير الأمر لا على جزئها الثاني, فكان يكون التركيب, ليس إلا الطيب المسك, كما تقول: ليس كلامي إلا زيد منطلق, كما قال الشاعر:
ألا ليس إلا ما قضى الله كائن وما يستطيع المرء نفعاً ولا ضراً
فأجاب أبو علي عن هذا الإلزام بأن"إلا" كان أصلها أن تدخل على الجملة, لكنها دخلت في غير موضعها. ونظير دخول"إلا" في غير موضعها قوله تعالى: ﴿إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً﴾ وقول الشاعر:
أحل به الشيب أثقاله ... وما اغتره الشيب إلا اغترارا
فهذا لو حمل على ظاهره كان فاسداً لأنه معلوم أنه لا يظن غير الظن, ولا يغتر الشيب إلا اغتراراً والمعنى: إن نحن إلا الظن ظناً, ما اغتره إلا الشيب اغتراراً.
وهذا لا حجة فيه على أن "إلا" دخلت في غير موضعها لأن ذلك لم
стр. 1316
يثبت, والآية والبيت يتخرجان على حذف الصفة لفهم المعنى, وتبقى "إلا" في موضعها, وحذف الصفة لفهم المعنى سائغ في كلام العرب, والتقدير: إن نظن إلا ضعيفاً وما اغتره الشيب اغتراراً بيناً
قال أبو علي: والوجه الثاني أن يكون الطيب اسم ليس, والخبر محذوف وإلا المسك بدل منه, كأنه قيل: ليس الطيب في الوجود إلا المسك.
وقال بهذا التأويل المصنف إتباعا لأبي علي, قال:" ويكون الاستغناء هنا بالبدل عن الخبر كالاستغناء به في نحو: لا فتى إلا علي, ولا سيف إلا ذو الفقار". والعجب له إتباع أبي علي في هذا التأويل مع اعتقاده أن ذلك لغة.
ثم قال أبو علي: والوجه الثالث أن يكون "الطيب" اسم ليس, و"إلا المسك" نعت له, والخبر محذوف كأنه قال: ليس الطيب الذي هو غير المسك طيباً في الوجود, وحذف خبر "ليس" لفهم المعنى قد يجيء قليلاً نحو قوله:
................. ... تبغي جوارك حين ليس مجير
قال: فإذا احتمل قولهم"ليس الطيب إلا المسك" لم يقس عليه.
стр. 1317
انتهى. ويبطل هذه التأويلات كلها أن ذلك لغة بني تميم.
وفي الإفصاح:" وهذا الذي ذكره - بعنب الفارسي- غفلة منه عما ذكره س. قال:" إلا أن بعضهم قال: ليس الطيب إلا المسك, وما كان الطيب إلا المسك". فلو أن من رفع في "ليس" يكون رفعه على ما تأول أبو علي جاز ذلك في "كان" لأن الحكم واحد والعامل واحد, وكأنه أدري عليهم في "كان" فنصبوا فلما روى س عنهم النصب في "كان" علم أنهم لم يتأولوا ذلك التأويل" انتهى.
ولأبي نزار الحسين بن صافي بن عبد الله الملقب بملك النحاة تخريج غريب في قولهم: ليس الطيب إلا المسك, وهو أنه زعم أن "الطيب" اسم "ليس" والمسك: مبتدأ, وخبره محذوف وتقديره: إلا المسك أفخره, والجملة من قولك "إلا المسك أفخره" في موضع نصب على أنها خبر"ليس" كما تقول: ليس زيد إلا عمرو ضاربه قال: وقد تخبط س والسيرافي في هذا, وما أتيا بطائل. وقد رد عليه ابن الجباب الجليس المصري.
ونقل أبي عمرو أن تلك لغة تميم مبطل لما تأوله الفارسي وأبو نزار, لأن التميمي يقول: ما كان الطيب إلا المسك وينصب وليس الطيب إلا المسك, ويرفع, والحجازي ينصب فيهما, فدل على فرقان اللغتين, وأن التميمي جعلها ك"ما" في لغته وأنه أراد حصر الخبر كما
стр. 1318
أراد الحجازي. ولذلك قيل للمنتجع التميمي: ليس ملاك/ الأمر إلا طاعة الله والعمل بها, فرفع, ولقن النصب, فلم يقبله. وقيل لأبي المهدي- وهو بأهلي- ليس ملاك الأمر إلا طاعة الله والعمل بها, بالرفع, فنصب, وقيل له بالرفع, فقال: ليس هذا من لحني ولا لحن قومي. والدليل على أنهم أرادوا حصر الخبر أنهم قالوا لأبي مهدي: ليس الطيب إلا المسك, قال لخلف واليزيدي: أتأمراني بالكذب على كبرة سني فأين الجادي, وحكي ابن الأعرابي: فأين بنة الإبل الصادرة, وهي الرائحة الطيبة. وقيل له: ليس الشراب إلا العسل, قال: فما يصنع سودان هجر؟ مالهم شراب إلا هذا التمر. ففهم من هذا الكلام الحصر, ولذلك اعترض عليه, ولم ينطق به, إذ لا يتأتى عنده الحصر لأنه كذب, فلم يفعل أن يوافق عليه. ثم قيل له: ليس ملاك الأمر إلا طاعة الله والعمل بها, قال: هذا كلام لا دخل فيه, ليس ملاك الأمر إلا طاعة الله والعمل بها, فنصب ونطق بهذا لأنه كلام صادق الإسناد.
وقوله ولا تلزم حالية المنفي ب"ليس" و"ما" على الأصح هذه المسألة قد ذكر طرفاً منها في أول الكتاب, وذكر عن الأكثرين أنه يتعين الحال في المضارع إذا نفي بليس وما وإن وذكر الدلائل له على صحة دعواه, وناقشناه هناك فيما أمكن فيه المناقشة, والمدعى هنا أعم من المدعى
стр. 1319
أول الكتاب. وقال في الشرح:" زعم قوم أن ليس وما مخصوصتان بنفي الحال, والصحيح أنهما تنفيان الحال والماضي والمستقبل. وقد تنبه لذلك أبو موسى الجزولي , فقال:" وليس لانتفاء الصفة عن الموصوف مطلقاً" لأن س حكي: ليس خلق الله مثله. وأجاز الأستاذ أبو علي ل"س" ما زيد ضربنه, على أن تكون "ما" حجازية, وبين أن النفي في الحال إنما هو إذا لم يكن الخبر مخصوصاً بزمان فيحمل إذ ذاك على الحال كما يحمل الإيجاب عليه.
ومن استقبال المنفي بليس ﴿أَلاَ يَوْمَ يَاتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ ﴿وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ , ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾ , وقال حسان:
وما مثله ولا كان قبله ... وليس يكون الدهر ما دام يذيل
وقال زهير:
بدا لي أني لست مدرك ما مضى ولا سابقاً شيئاً إذا كان جائيا
ومثله:
стр. 1320
ولست لما لم يقضه الله واجداً ... ولا عادماً ما الله حم, وقدرا
ومثله:
إني على العهد لست أنقضه ... ما اخضر في رأس نخلة سعف
ومثله:
ولست بمستبق أخاً لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب
ومثله:
فليس بآتيك منهيها ... ولا قاصر عنك مأمورها
ومن استقبال المنفي بـ"ما" ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ﴾ , ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ ﴿وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ , ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾ ,وقال الشاعر:
وما الدنيا بباقاة لحي ولا أحد على الدنيا بباق
وقال:
стр. 1321
وما المرء ما دامت حشاشة نفسه ... بمدرك أطراف الخطوب ولا آل
-[ص: وتزاد الباء كثيراً في الخبر المنفي بليس و"ما" أختها وقد تزاد بعد فعل ناسخ للابتداء, وبعد ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ﴾ وشبهه, وبعد"لا" التبرئة و"هل" و"ما" المكفوفة بأن, والتميمية خلافاً لأبي علي والزمخشري وربما زيدت في الحال المنفية وخبر إن ولكن.]-
ش: مثال الزيادة في خبر ليس وما أختها المنفي ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ , ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ﴾. واحترز ب"المنفي" من الخبر الموجب فإنه لا يجوز: ليس زيد إلا بقائم ولا: ما زيد إلا بخارج.
فلو زيدت "كان" بين اسم "ما" وخبرها "ما زيد كان بقائم" لم يجز دخول الباء عند الفراء وأجازه البصريون والكسائي.
ولو كان الخبر ظرفاً أو كاف تشبيه أو مثلاً أجاز البصريون نصب مثل, فتقول: ما زيد مثلك, ودخول الباء وأجازوا دخول الباء على الظرف الذي يجوز أن يستعمل اسماً, ومنع هشام دخول الباء على الكاف وعلى مثل. وهذا جائز على مذهب ألكسائي حكي: ليس بكذلك وأجاز هشام دخولها على الظروف, فأجاز: ما عبد الله بحيث تحب.
واضطرب الفراء فقال مرة: لا تدخل الباء على مثل لأنها بمعنى الكاف, وقال مرة: تدخل الباء على الكاف, ولا تدخل على شيء من الصفات غيرها لأنها في معنى مثل.
стр. 1322
وأطلق المصنف في خبر "ليس" وكان ينبغي أن يقيد فيقول: إلا الواقع في الاستثناء نحو: قام القوم ليس زيداً فلا يجوز: ليس بزيد.
ومثال ذلك بعد الفعل الناسخ قوله:
وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل
وقال آخر:
دعاني أخي والخيل بيني وبينه فلما دعاني لم يجدني بمقعدد
وذكر في الرشح أن الخبر المنفي ب"لا" أخت ليس تزاد الباء فيه, وأنشد قول/ سواد بن قارب:
وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة بمغن فتيلاً عن سواد بن قارب
وقول الآخر:
ولقد غدوت وكنت لا ... أغدو على واق وحاتم
فإذا الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم
وكذالك لا خير ولا شر على أحد بدائم
ولا حجة في هذا كما ذكرناه قبل في بيت سواد, إذ يحتمل أن يكون ما بعد "لا" مبتدأ ولم تكرر"لا" وقد ورد ذلك عن العرب فيكون هذا
стр. 1323
منه, وإن كان قليلاً أو شاذاً. وقال ابن هشام:" لم يسمع في خبر"لا" فلا يقاس على خبر "ما" لأن الزمان مجاز".
وقوله وبعد ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ﴾ مثاله قوله تعالى: ﴿َوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ﴾. وهذا من إجراء الشيء على ما هو معناه كأن المعنى: أوليس الله بقادر فزاد الباء في خبر أن على هذا المعنى.
ولا تقاس الزيادة فيما ذكر من هذه المنفيات إلا في خبر ليس وما, وأحسنه ما كان النفي متوجهاً عليه في المعنى كهذه الآية.
وقوله وشبهه.
ومثال زيادتها بعد"لا" التبرئة قول العرب " لا خير بخير بعده النار" إذا لم تجعل الباء بمعنى "في" هكذا قاله المصنف.
وقال أبو علي:" تكون زائدة في خبر"لا" وهو مرفوع وذلك إذا جعلت " بعده النار" وصفاً للخبر المنفي" انتهى. كأنه قال: لا خير بعده النار, كما تقول: لست بزيد. وإذا كانت الباء بمعنى "في" فالمجرور في موضع الخبر, و"بعده النار" صفة ل"خير" المجرور. قيل: ويجوز أن تجعل"بعده النار" صفة للاسم المنفي مع إبقاء "بخير" خبراً ويجوز أن تجعل "بعده النار" صفة للخبر المنفي , والباء زائدة. وقد أجاز أبو علي هذا
стр. 1324
كله في "التذكرة" وقد منع في موضع آخر من "التذكرة" أن تكون الباء زائدة.
وجماعة من النحويين لا يجيزون في هذه المسألة إلا الوجهين الأولين. ومن منع زيادة الباء من هؤلاء لم يجزوا إلا وجهاً واحداً وبه كان يأخذ أبو القاسم بن القاسم, وهو أن تكون الباء محلاً لا غير.
وعلى ما قاله أبو علي هنا من زيادة الباء أبو بكر بن طاهر وابن خروف. وقد قال/ أبو علي في التذكرة:" لا تكون الباء هنا زائدة لأنها لا تزاد في المرفوع".
قال بعض أصحابنا: وهذا لا يقاس لا يقال: لا رجل بقائم ولا إنسان بورع, لأنه لم يأت به سماع صحيح غير متأول.
وقد منع قوم أن تجعل الجملة صفة ل"خير" المنفي لأنه يختص بالصفة, فلا يبقى على العموم كقولك: لا حيوان حيوان عاقل, ولا رجل كاتب, لأن المنفي هو الخبر, وحين وصفته ونوعته من الأول صرت كأنك قلت: لا حيوان عاقل في الحيوان, ولا رجل كاتب في الرجال, فالحيوان العاقل بعض الحيوان, والرجل الكاتب بعض الرجال, ومحال نفي النوع عن الكل.
وأجاز هؤلاء: لا خير بعده النار خير, لأن الأول خاص والثاني عام. وهذا لا يصح لأن الصفة تخصص الموصوف, فلا يصح أن ينفى عنه عمومه لاسيما إذا كان اللفظ المخصص هو الخبر بعينه, فهذا يبطل لأن من وصفته بصفة فقد أخرجته عن تناوله اسمه بتلك الصفة, فإذا قلت "لا رجل كاتب رجل" لم يستقم لأن الرجل الكاتب رجل, فكيف ينفي عنه أن يكون رجلاً؟ والنفي في الحقيقة إنما هو للخبر, ولا يصح أن ينفي عنه أن يكون بعض الرجال, وقد أوجبت له ذلك إذ جعلته مبتدأ معلوماً عند المخاطب كما هو معلوم عندك وإذا علم أنه رجل كاتب فكيف يجهل أنه رجل, ولا بد للرجل الكاتب أن يكون رجلاً.
стр. 1325
وبعد "هل" قوله:
يقول إذا اقلولى عليها، وأقردت ... ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم
وبعد "ما" المكفوفة ب"إن" قوله:
لعمرك ما إن أبو مالك ... بواه، ولا بضعيف قواه
وقوله خلافاً لأبي علي والزمخشري عزاه في "البسيط" إلى أبي بكر وأبي علي في أحد قوليه، والصحيح خلاف ما ذهبا إليه للسماع والقياس والإجماع:
أما السماع فكثرة وجود ذلك في أشعار بني تميم ونثرهم، ونص على ذلك س والفراء، ونص الفراء أيضاً على أن أهل نجد كثيراً ما يجرون الخبر بالباء، فإذا أسقطوا الباء رفعوا. انتهى. حتى إنهم إذا عطفوا على المجرور بالباء في هذه اللغة رفعوا المعطوف على الموضع، كما أنهم في اللغة الحجازية يعطفون على الموضع نصباً، قال الشاعر:
لعمرك ما سعد بخلة آثم ... ولا نأنأ يوم الحفاظ ولا حصر
يروى برفع "نأنأ" على موضع "بخلة" وبخفضه على اللفظ.
стр. 1326
وقد اضطرب أبو علي في ذلك، فمرة قال ما حكي عنه المصنف. وشبهته في ذلك أن ما بعد "ما" مرفوع بالابتداء / والخبر، فكما أنه لا يجوز في الموجب: زيد بقائم، فكذلك في النفي، وإنما دخلت في الحجازية تشبيهاً بدخولها في خبر ليس. ومرة قال: يجوز ذلك، وتدخل في كل خبر منفي.
وأما القياس فلأن "إن" إذا كفت "ما" ومنعتها العمل تدخل في خبر المبتدأ، وكذلك في الخبر بعد "هل"، وكلاهما مرفوع، فكذلك تدخل في خبر "ما" التميمة.
وأما الإجماع فنقله أبو جعفر الصفار، قال: أجمعوا على أن الباء تدخل على المرفوع والمنصوب، فتقول: ما زيد بمنطلق.
واختلف في فائدة المجيء بالباء، فقال البصريون: فائدتها أنه يجوز أن لا يسمع المخاطب "ما" فيتوهم أن الكلام موجب، فإذا جئت بالباء صح المعنى. وقال الكوفيون: هذا نفي لقول القائل: إن زيداً لمنطلق، والباء بمنزلة اللام.
ولو قدمت الخبر أو معموله، نحو: ما بقائم زيد، وما طعامك بآكل زيد، فذهب قوم إلى أنه لا تجوز زيادة الباء في الخبر.
وذهب الفراء إلى جواز ذلك فيهما، وفصل قوم، فأجازوا دخول الباء مع تقديم معمول الخبر، ومنعوا ذلك مع تقديم الخبر نفسه.
стр. 1327
وأجاز الفراء: ما هو بذاهب زيد، فإن ألقيت الباء نصبت، فقلت: ما هو ذاهباً زيد، وهذا خطأ عند البصريين في "ما" إذا جاءت في خبرها الباء مع الجمل، ولا يجيزون: ما هو قائماً زيد؛ لأن هاء الإضمار إنما تفسره جملة قائمة بنفسها، والباء لا تدخل على جملة، فأما قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ﴾ فلا حجة فيه للفراء، وفيه وجوه من التأويل:
أحدها أن يكون ﴿هُوَ﴾ عائداً على (أحد) من قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾، و ﴿أَن يُعَمَّرَ﴾ فاعل بـ"مزحزحه" أو بدل من ﴿هُوَ﴾
والثاني: أن يكون ﴿هُوَ﴾ عائداً على التعمير المفهوم من قوله ﴿لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ثم جاء بقوله
﴿أَن يُعَمَّرَ﴾ تبييناً.
والثالث: أن يكون ﴿هُوَ﴾ كناية عن التعمير، و ﴿أَن يُعَمَّرَ﴾ بدل منه، وليس ﴿هُوَ﴾ عائداً على المصدر المفهوم من ﴿أَن يُعَمَّرَ﴾ بل يفسره البدل.
وقوله وربما زيدت في الحال المنفية مثاله قوله:
فما رجعت بخائبة ركاب ... حكيم بن المسيب منتهاها
وقوله:
كائن دعيت إلى بأساء داهمة ... فما انبعثت بمزؤود ولا وكل
стр. 1328
التقدير عنده: فما رجعت خائبة ركاب، وفما انبعثت مزؤوداً ولا وكلاً.
وما ذهب إليه المصنف في هذين البيتين من زيادة الباء في الحال لا يتعين؛ إذ يحتمل أن تكون الباء للحال لا زائدة في الحال، أي: فما رجعت بحاجة خائبة، أي: متلبسة / بحاجة خائبة، وكذلك: فما انبعثت بمزؤود، ويعني بذلك نفيه، والمتكلم قد يسند الفعل إلى اسم ظاهر، ويريد بذلك نفسه، نحو قولك: لقد صحبك مني رجل صالح، ولو جئتهم بي لجئت بفارس بطل، أي: لجئت متلبساً بفارس بطل، وهو يريد نفسه.
وقوله وخبر إن أنشد المصنف شاهداً على ذلك قول الشاعر:
فإن تنأ عنها حقبة لا تلاقها ... فإنك مما أحدثت بالمجرب
يريد: فإنك المجرب مما أحدثت.
ولا يتعين أن يكون "بالمجرب" خبراً لأن لجواز تعلق "بالمجرب" بقوله: "مما أحدثت"، وخبر إن هو قوله: "مما أحدثت"، ويكون قوله "فإنك" على حذف مضاف، أي: فإن نأيك وعدم ملاقاتك مما أحدثت، أي: بسبب ما أحدثت بالمجرب.
وقوله ولكن مثاله قول الشاعر:
ولكن أجراً لو فعلت بهين ... وهل ينكر المعروف في الناس والأجر
وقد سمع دخولها في خبر "ليت"، قال الفرزدق:
يقول إذا اقلولى عليها، وأقردت ... ألا ليت ذا العيش اللذيذ بدائم
стр. 1329
أقرد: لصق بالأرض. وقال الجوهري: "أقرد: سكن وتماوت"، وأنشد البيت، لكنه أنشد عجزه "ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم". واقلولى: ارتفع.
وأجاز الأخفش زيادتها في الواجب، نحو: زيد بقائم، واحتج بقوله تعالى: ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾، ويدل على زيادتها قوله تعالى. ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾
وتؤول على أن يكون الخبر عاملاً في الجار، أي: واقع بمثلها أو على أن يكون ﴿ِمِثْلِهَا﴾ متعلقاً بقوله ﴿وَجَزَاءُ﴾، والخبر محذوف.
ومما جاء فيه دخول الباء في الخبر الموجب قول الشاعر:
فلا تطمع - أبيت اللعن - فيها ... فمنعكها بشيء يستطاع
-[ص: وقد يجر المعطوف على الخبر الصالح للباء مع سقوطها، وينذر ذلك بعد غير "ليس" و"ما". وقد يفعل ذلك في العطف على منصوب اسم الفاعل المتصل.]-
ش: مثال ذلك ما أنشده س:
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلا ببين غرابها
стр. 1330
وما أنشده المصنف:
ما الحازم الشهم مقداماً ولا بطل ... إن لم يكن للهوى بالعقل غلابا
فقوله: "ولا ناعب" معطوف على "مصلحين" على توهم الباء، وكذلك "ولا بطل" معطوف على "مقداماً" على توهم الباء.
وقول المصنف: "الخبر الصالح للباء" يشمل خبر "ليس" وخبر "ما" كما ذكرناه، ويظهر من المصنف جواز ذلك وأنه يطرد، وهي مسألة مختلف فيها:
فذهب عامة النحويين إلى أنه لا يجوز ذلك، وما ورد منه فهو محمول على التوهم، والعطف على النوهم عندهم لا يقاس.
وحكي أبو جعفر النحاس عن سيبويه إجازته، قال أبو جعفر: أجاز س خفض المعطوف على خبر "ما" نحو: ما زيد منطلقاً ولا خارج، وأنشد: مشائيم. البيت. قال: لأنه يجوز أن تقع في الأول الباء، وهذا عند أصحابه خطأ لأن حروف الخفض لا يستعمل فيها هذا، وقد حكي عن ألكسائي أنه أجاز ذلك. انتهى ما قاله أبو جعفر.
قال إبراهيم بن أصبغ الأزدي: "لا أعلمه من قول س إلا في ليس دون ما". ووجدت بخط أستاذنا أبي جعفر بن الزبير ما نصه: "إذا عطفت على الخبر، وكان حرف العطف غير موجب، والخبر منصوب، نصبت، وحكي س الخفض على التوهم، وجعله الفراء قياساً" انتهى.
واحترز المصنف بقوله: "الصالح للباء" من خبر لا يصلح للباء،
стр. 1331
نحو: ليس زيد إلا قائماً وذاهب، وليس زيد يقوم ولا خارج، وما زيد يركب ولا ذاهب، فإنه لا يجوز الجر في ذاهب ولا خارج لأن قائماً ويقوم ويركب لا يصلح شيء منها لدخول الباء.
وقوله ويندر ذلك بعد غير "ليس" و"ما" قال المصنف: "عومل بهذه المعاملة المعطوف على منصوب كان المنفية، كقول الشاعر:
وما كنت ذا نيرب فيهم ... ولا منمش منهم منمل
جر منمشاً، كأنه قيل: وما كنت بذي نيرب ولا منمش، والنيرب: النميمة، والمنمش: المفسد ذات البين، والمنمل: الكثير النميمة".
ومما جاء من عطف المجرور على التوهم قول الشاعر:
أجدك لن ترى بثعيلبات ... ولا بيداء ناجية ذمولا
ولا متدارك والليل طفل ... ببعض نواشغ الوادي حمولا
وقول الآخر:
تقي نقي لم يكثر غنيمة ... بنهكة ذي قربى ولا بحقلد
стр. 1332
توهم أنه قال مكان لن ترى: لست براء، ومكان لم يكثر: ليس بمكثر غنيمة، فعطف "ولا متدارك" على توهم: لست براء، وعطف "ولا بحقلد" على: ليس بمكثر.
وقوله وقد يفعل ذلك في العطف إلى آخر المسألة أنشد المصنف:
وظل طهاة اللحم من بين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجل
وقال: "لأن المنصوب باسم الفاعل يجر كثيراً بإضافته إليه، فكأنه إذا انتصب مجرور، وجواز جر المعطوف على منصوب اسم الفاعل مشروط بالاتصال كاتصال منضج بالمنصوب، فلو كان منفصلا لم يجز الجر، نحو أن يقال: من بين منضج بالنهار صفيف شواء؛ لأن الانفصال يزيل تصور الإضافة المقتضية للجر، فلذلك لا يجوز جر المعطوف مع انفصال اسم الفاعل من معموله".
وهذا الذي ذكره من جر المعطوف فيما ذكر لا يجيزه أصحابنا، لا يجيزون: هذا ضارب زيداً وعمرو، وهي مسألة ليست من الباب الذي نحن فيه، وإنما ذكرها على سبيل الاستطراد.
وأما البيت فلا شاهد فيه، وإذا جعل معطوفاً على مراعاة جر "صفيف" فسد المعنى لأنه يصير التقدير: من بين منضج صفيف أو قدير، فكأنه قال: من بين منضج أحد هذين، فيكون قد قسم الطهاة - وهم الطباخون -إلى قسمين: أحدهما منضج صفيف أو قدير، والآخر لم يذكره؛ لأن "بين" تقتضي وقوعها بين شيئين أو أشياء، ولا تدخل على شيء واحد.
стр. 1333
وإنما تأوله شيوخنا على أن يكون "أو قدير" معطوفاً على قوله: "منضج" لا على محل "صفيف"، ويكون على حذف مضاف، و"أو" بمعنى الواو، والتقدير: من بين منضج صفيف شواء أو طابخ قدير، ثم حذف "طابخ"، وأقيم المضاف إليه مقامه، وتكون إذ ذاك "بين" قد وقعت بين شيئين، وهما: منضج صفيف شواء، وطابخ قدير معجل، ويكون التقسيم صحيحاً، وقد جاءت "أو" مكان الواو في "بين"، قال الشاعر:
قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم ... من بين ملجم مهره أو سافع
-[ص: وإن ولي العاطف بعد خبر "ليس" أو "ما" وصف يتلوه سببي أعطي الوصف ما له مفرداً، ورفع به السببي، أو جعلا مبتدأ وخبراً. وإن تلاه أجنبي عطف بعد "ليس" على اسمها، والوصف على خبرها. وإن جر بالباء جاز على الأصح جر الوصف المذكور، ويتعين رفعه بعد "ما".]-
ش: مثال المسألة الأولى: ليس زيد قائماً ولا ذاهباً أخوه، وما زيد قائماً ولا ذاهباً أخوه. قال: فهذا يجوز فيه وجهان:
أحدهما: أن تجعل الوصف المعطوف كأنه لم يذكر بعده سببي، وحكمه إذ ذاك حكم المفرد، ويجوز إذ ذاك فيه - على ما قرر المصنف - النصب والجر على توهم أن يكون الخبر المعطوف عليه مجروراً، وتقدم
стр. 1334
ذكر الخلاف / فيه، وأن عامة النحويين لا يجيزون الجر في المعطوف على توهم الجر في المعطوف عليه.
والوجه الثاني: أن يكون مبتدأ وخبراً، فترفع الوصف، فتقول: ولا ذاهب أخوه، وتكون قد قدمت خبر المبتدأ عليه، والتقدير: ولا أخوه ذاهب، ويطابق الخبر المبتدأ.
ويجوز فيه وجه آخر، وهو أن يعرب الوصف مبتدأ، والسببي فاعل به أغنى عن الخبر لأنه قد اعتمد الوصف على حرف النفي. والاختيار أن لا يطابق الوصف مرفوعه، ويجوز أن يطابق، وذلك في لغة: أكلوني البراغيث.
وقوله وإن تلاه أجنبي مثاله: ليس زيد قائماً ولا ذاهباً عمرو، ف"عمرو"معطوف على اسم "ليس" و"ذاهباً" معطوف على الخبر.
وتقدم لنا أن من قدماء النحويين من لا يجيز فيها النصب لأن "ليس" لا تتقدر بعد "لا" فيوجبون الرفع
وقد رد س عليهم مذهبهم في كتابه بقول العرب: ليس زيد ولا أخوه قاعدين.
ويجوز جعلهما مبتدأ وخبراً، فتقول: ولا ذاهب عمرو.
وقوله وإن جر بالباء جاز على الأصح جر الوصف المذكور مثاله: ليس زيد بقائم ولا ذاهب عمرو، قال المصنف: "الجر بباء مقدرة مدلول
стр. 1335
عليها بالمتقدمة، وهو كثير في الكلام، ومنه قول الشاعر:
وليس بمدن حتفه ذو تقدم لحرب، ولا مستنسيء العمر محجم
ومنه قول الآخر:
فليس بآتيك منهيها ولا قاصر عنك مأمورها
ونه قول الآخر:
وليس بمعروف لنا أن نردها صحاحًا، ولا مستنكر أن تعقرا"
قال: "وليس هذا من العطف على عاملين، بل من حذف عامل لدلالة مثله عليه، وحذف حرف الجر من المعطوف لدلالة مثله عليه كثير". ثم ذكر من ذلك مثلًا وردت في كلام العرب.
وقوله ويتعين رفعه بعد "ما" أي: رفع الوصف إذا تلاه الأجنبي، سواء أنصب خبر "ما" أو جر بالباء، فتقول: ما زيد قائمًا ولا ذاهب عمرو، وما زيد بقائم ولا ذاهب عمرو. قال المصنف: "لأن المعطوف عليه مع قربه من العامل لو قدم فيه الخبر لبطل العمل، فبطلانه بالتقديم في المعطوف لبعده من العامل أحق وأولى، ومثال ذلك قول الشاعر:
следующие страницы →