Полный текст (3 950 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
قولك: كأني بك راحل، إنما هو للكاف التي هي ضمير ولياء المتكلم، فلا يُجعلان لغوًا زائدًا، ويُجعل الإسناد للشتاء وللكاف في: بك راحلٌ، ومثل هذا لم يُعهد في لسان العرب.
ولابن عصفور تخريج مُلفق من قول أبي علي، وهو أنه قال: "الصحيح عندي أن (كأن) للتشبيه، وكأنك أردت أن تقول: كأن الفرج آتٍ، وكأن الشتاء مُقبلٌ، إلا أنك أردت أن تدخل الكاف، وألغيت (كأن) لزوال اختصاصها بالجملة الاسمية لما لحقها اسم الخطاب، كما ألغيت لما لحقتها (ما) في نحو (كأنما) لزوال الاختصاص، وكذلك تُلغى إذا لحقها ضمير المتكلم، نحو: كأني بك تفعل كذا؛ ألا ترى أنها إذ ذاك تدخل على الجملة الفعلية التي هي: تفعل كذا. والباء في (بالشتاء مقبلٌ) زائدة، وكأنه قال: كأنك الشتاء/ مقبلٌ، أرادا أن يقول: كأن الشتاء مقبلٌ، فألحق الكاف للخطاب، وألغى (كأن)، وزاد الباء في المبتدأ، كما زيدت في: بحسبك زيدٌ" انتهى.
وهذا تخريج عجيب، فيه دعوى إلغاء (كأن) للحاق كاف الخطاب، وفي دعوى لحاق كاف الخطاب لها، وفي دعوى زيادة الباء، وفي دعوى أنها تليها الجملة الاسمية والفعلية لزوال الاختصاص، والعجب دعواه إلغاءها، وقد اتصل بها ضمير المتكلم في نحو: كأني بك تفعل كذا، وهب أنه يدعي في كاف (كأنك) أنها حرف للخطاب، أتراه يدعي في ياء المتكلم في (كأني) أنه حرف للمتكلم، وأنه لا عمل لـ (كأن) فيها؟ وعلى قوله يكون قوله (بك) من قوله "كأني بك تفعل كذا" متعلقًا بـ (تفعل)، وذلك لا يجوز لما تقرر من امتناع: تمر بك وتتفكر فيك. وأما إذا
стр. 1402
دخلت (كأن) على ياء المتكلم في نحو قوله "فكأنني بكما إذاً قد صرتما" و "كأني بك تفعل كذا"، وقول الحريري:
كأني بك تنحط ............................
فلا يُمكن أن يكون الفعل خبرًا لـ (كأن) لاختلاف مدلول ياء المتكلم وضمير المخاطب في: قد صرتما، وتفعل، وتنحط. ويتخرج ذلك على حذف الخبر، وإبقاء معموله دليلًا على حذفه، والتقدير: كأني عالمٌ بكما إذًا، أو مُلتبسٌ بكما، وكأني عالمٌ بك تفعل، أو مُلتبسٌ، وكذلك التقدير في "كأني بك تنحط"، والجملة من قوله: قد صرتما، وتفعل كذا، وتنحط، في موضع الحال من ضمير الخطاب المجرور بالباء. والدليل على أن هذه الجملة في موضع الحال صحة جواز دخول واو الحال عليها، فتقول: كأني بكما وقد صرتما كذا، وكأني بك وقد طلعت الشمس.
وذهب الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن عمرون الحلبي في قول الحسن: "كأنك بالدنيا لم تكن، وبالآخرة لم تزل" إلى جواز أن يكون خبر (كأن) هو المجرور، والجملة من قولك "لم تكن" و "لم تزل" في موضع الحال.
ثم اعترض، فقال:
стр. 1403
"فإن قيل: إن (بالدنيا) لا يتم به الكلام، والحال فضلة.
فالجواب: إن من الفضلات ما لا يتم الكلام إلا به، كقوله تعالى ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ فـ ﴿مُعْرِضِينَ﴾ حال من الضمير المخفوض، ولا يستغني الكلام عنها؛ لأن الاستفهام في المعنى إنما هو عنها. ومما يبين ذلك قولهم: ما زلت بزيدٍ حتى فعل، لا يتم الكلام بقولك: بزيد. ويدل على صحة الحال قولك: كأنك بالشمس وقد طلعت، ونحوه ما حُكي عن بعضهم: كأنا بالدنيا لم نكن.
وعلى هذا يُحمل قول الحريري:
كأني بك تنحط ..................................
وخرجه المطرزي في (شرح المقامات): كأنين أُبصر بك، وترك الفعل لدلالة الحال. وما ذكرته أولى لأنه إضمار فعل وزيادة حرف جر لا يُحتاج إليه" انتهى كلامه، وهو تخريج حسن.
وقد تدخل (كأن) في التنبيه والإنكار والتعجب، تقول: فعلت كذا وكذا كأني لا أعلم، وفعلتم كذا كأن الله لا يعلم/ ما تفعلون، ومنه قوله تعالى ﴿لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾، (وي) في قول الخليل كلمة مفصولة، و (كأن) هي هذه، و (وي) كلمة تنبيه وتندم على أمر سبق، ووقع التشبيه بعده على أحد معنيين:
أحدهما: تأويل الخليل أنهم أوقعوا التشبيه على ما في علمهم وعرفهم، أو أُوقع لهم ذلك، فقيل: وقولوا: كأن الله يبسط الزرق، أي:
стр. 1404
كأن الله يعطي الرزق من عنده بقدر منه لا بعلم الشخص وقوةٍ منه لما يرى من تبدل حاله، وكذلك ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ أي: كأن الأمر لا يُفلح الكافرون، وكأنه قيل: أما يُشبه هذا الأمر أن يكون هكذا؟
والمعنى الثاني: أن يكون التشبيه ليس على أصله، بل المراد به التحقيق، أي: إن الله يبسط الرزق، وإن الأمر لا يُفلح الكافرون، فكما يدخلها معنى التعجب فكذلك يرجع إلى التحقيق عند هذه الكلمة، كقوله:
ويكأن من يكن له نشب يحـ بب، ومن يفتقر يعش عيش ضر
لا يريد إلا التحقيق. وقيل: (ويك) كلمة واحدة. وقيل: الكاف للخطاب، و (أن) في القولين هي المفتوحة، وهي بإضمار، كأنه قال: هل تعلمون بهذا أن الله يبسط الرزق؟ وفسر المفسرون (ويكأن) على معنى: ألم تر أن الله، فيُمكن أن يكون تفسير المعنى. مقتضب من (البسيط).
وقوله و (ليت) للتمني ويقال (لت) بإبدال الياء تاء وإدغام التاء في
стр. 1405
التاء. ويكون في المستحيل والممكن، تقول: ليت عمرًا قادمٌ، وليت الشباب عائدٌ. وقال المصنف في الشرح: "يكون في الممكن وغير الممكن" فقوله: "وغير الممكن" ليس بجيد لأن غير الممكن قسمان: واجب، ومستحيل، والتمني لا يكون في الواجب، لا تقول: ليت غدًا يجئ.
وقوله و (لعل) للترجي وللإشفاق يعني: للترجي في المحبوبات، ولإشفاق في المحذورات، نحو: لعل العدو يأتي. ويُعبر أصحابنا عن هذا بالتوقع، ولا تستعمل (لعل) إلا في الممكن، لا يقال: لعل الشباب يعود. ومن الإشفاق قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ﴾ وقول الشاعر:
أتوني، فقالوا: يا جميل تبدلت بثينة إبدالًا، فقلت: لعلها
وعل حبالًا كُنت أحكمت فتلها أتيح لها واشٍ رفيقٌ، فحلها
والترجي والتمني من باب الإنشاء، فيُشكل تعلقها بالماضي، وقد جاء الماضي خبرًا لهما، قال تعالى ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾، وقال:
فليت اليوم كان غرار حول .....................
والتمني قد يقع لما مضى ندامة، وقال:
стр. 1406
لعلك في حدراء لمت على الذي تخيرت المعزى على نجل غالب
ومنع وقوع الماضي خبرًا لـ (لعل) مبرمان.
وقال في (الغرة): تقول: أريد المضي إلى/ فلانٍ لعله خلا بنفسه وأمضي إلى داره التي اشتراها لعله سكن فيها. قلنا: هذه حكاية حال، يدل عليه أنك تعطف عليه المضارع، فتقول: لعله خلا بنفسه فأحدثه أو فيُحدثني، رفعًا ونصبًا، ولو قلت (فحدثته) كان خطأ، ولا أرى الماضي يمتنع من ذلك، وتقول: صفحت عن فلان، فيقال لك: لعله خدمك، ولا يحسن: لعله يخدمك. وكذلك تقول في الخبر يرد عليك: لعلي سمعت هذا. فالموضع لـ (كأن)؛ ألا ترى أن المعنى: كأني سمعت هذا.
وقد امتنعوا من الجمع بين (ليت) و (سوف)، فلا يقولون: ليت زيدًا سوف يقوم؛ لأن (ليت لما لم يثبت، وسوف لما ثبت. وقد جاءت مع (لعل)، قال الشاعر:
فقولا لها قولًا رفيقًا لعلها سترحمني من زفرةٍ وعويل
وحكي الأخفش: لعل زيدًا سوف يقوم.
وقوله وللتعليل والاستفهام لم يذكر أصحابنا لـ (لعل) هذين المعنيين، فأما التعليل فذكره المصنف، وتبع الكسائي والأخفش، قال الأخفش في المعاني: ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ نحو قول الرجل لصاحبه:
стр. 1407
افرغ لعلنا نتغدى، والمعنى: لنتغدى، وتقول للرجل: اعمل عملك لعلك تأخذ أجرك، أي: لتأخد". قال المصنف: "وكقول الشاعر:
وقلتم لنا: كفوا الحروب لعلنا نكف، ووثقتم لنا كل موثق
فلما كففنا الحرب كانت عهودكم كلمع سرابٍ في الملا متألق"
وهذا عند أصحابنا (لعل) فيه، وفي قوله: ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ وفي المثالين اللذين ذكرهما الأخفش، للترجي.
وأما الاستفهام فهو شيء قاله الكوفيون، ونص النحاس منهم على الفراء، وقال عنه وعن الطوال: إن لعل شك. وبتعهم في الاستفهام هذا المصنف، قال: "وتكون لعل أيضًا للاستفهام كقوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾، وقال النبي لبعض الأنصار وقد خرج إليه مستعجلًا (لعلنا أعجلناك) "؟
وهي عندنا في ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ للترجي، وفي قوله "لعلنا أعجلناك" للإشفاق. وكون (لعل) للتعليل وللاستفهام وللشك خطأٌ عند البصريين. و (لعل) عندهم ترج. وقال أبو العباس: هو توقع.
وقوله ولهن شبهٌ بـ (كان) الناقصة إلى قوله فأعطيا إعرابيهما هذا كلام واضح، وهو على طريقة البصريين، وقد تقدم مذهب الكوفيين في أنها لم تعمل في الخبر شيئا. وشبهها بـ (كان) الناقصة هو قول الخليل.
стр. 1408
وقال أبو إسحاق: استدللنا على أن (إن) مضارعة للفعل بأنا رأيناها تعمل في شيئين، وهذا للفعل، وفيها معنى التوكيد، والإضمار فيها كالإضمار في الفعل.
وقال ابن كيسان: أشبهت الفعل باللفظ والمعنى، فأما اللفظ فآخرها كآخر الفعل في فتحه، وأما/ المعنى فإنه بمعنى: ثبت عندي حديث زيد، ولما كان معناها للخبر وجب أن ترفعه لأنها مُحققة له، وهو أولى بها، والاسم مدخلٌ فيها، فكان المفعول به، فانتصب، وكان أولى بالتقديم لأنه لا يغير بناءها، وكنايته كظهوره.
وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور مما لخصناه من كلامه: "أوجب لها العمل عند المحققين شبهها بالأفعال في الاختصاص. وقيل: أشبهت الأفعال في أنها على ثلاثة أحرف فصاعدًا مثلها، وأنها مفتوحة الأواخر كالماضي، وأن معانيها معاني الأفعال من التأكيد والترجي والتشبيه والتمني، ولحاق نون الوقاية، واتصال ضمائر النصب بها، وطلبها اسمين طلب الفعل المتعدي لهما.
وهذا باطل لأن اتصال ضمائر النصب بها ونون الوقاية إنما اتصلت بها بعد العمل، وأما باقي وجوه الشبه فتُشاركها فيا (ثم) لأنها ثلاثيةٌ مفتوحة الآخر للعطف، كأنك قلت: عطفت، وهي مع ذلك لا تعمل وأما طلبها للاسمين طلب الفعل المتعدي لهما فإن أريد أنها تطلبهما على الاختصاص فذلك وحده مُوجب للعمل، ورفعت أحدهما ونصبت الآخر تشبيهًا بـ (ضرب)، وأيضًا فلا يُمكن فيها أكثر من ذلك، وذلك أنها لا تخلو من أن ترفعهما، وذلك باطل لأنه لم يوجد عامل واحد يعمل في اسمين رفعًا من غير أن يكون أحدهما تابعًا للآخر. أو تنصبهما، أو
стр. 1409
تخفضهما، أو تنصب أحدهما وتخفض الآخر، وذلك باطل لأنه لم يوجد عامل يعمل نصبًا أو خفضًا من غير أن يكون مع ذلك يعمل رفعًا. أو ترفع أحدهما وتخفض الآخر، فهو باطل إذ لا خفض إلا بواسطة حرف".
قال أستاذنا أبو جعفر: "وهذا خلفٌ، فإنه في قوة أن لو أجاب من قال له: لم لا تخفض؟ فقال: لأنها لا تخفض".
قال الأستاذ أبو الحسن: "فلم يبق إلا أن ترفع أحدهما وتنصب الآخر"، ثم ذكر نحوًا من تعليل المصنف.
وقوله ويجوز نصبهما بـ (ليت) عند الفراء، وبالخمسة عند بعض أصحابه هذا نقل هذا المصنف، ونقل ابن أضبغ أن مذهب الجمهور أنه لا يجوز نصب الاسمين بعد شيء من هذه الحروف، قال: "وأجازه الفراء في كأن وليت ولعل، وأجازه الكسائي في ليت، وبعض المتأخرين في الستة".
وقال ابن عصفور: "زعم بعض النحويين أنه يجوز فيها أن تنصب الاسم والخبر معًا، وممن ذهب إلى ذلك ابن سلام في (طبقات الشعراء)، وزعم أنها لغة رؤبة وقومه".
стр. 1410
وقال أستاذنا أبو جعفر: "حكي هذا المذهب أبو علي الشلوبين عن جماعة من المتأخرين، سمى منهم ابن الطراوة" انتهى. وممن ذهب إلى ذلك أبو محمد بن السيد البطليوسي.
فصارت المذاهب فيها ثلاثة: أحدها جواز النصب في جميعها. والثاني اختصاص/ ذلك بـ (ليت). الثالث جواز ذلك في كأن وليت ولعل.
ونحن نسرد ما أتى عن العرب شاهدًا على ذلك مما استدلوا به، فحكي عن بني تميم أنهم ينصبون بـ (لعل)، فيقولون: لعل زيدًا أخانا، وقال:
إن العجوز خبةً جروزا أكل كل ليلةٍ قفيزا
وقال عمر بن أبي ربيعة:
إذا اسود جنح الليل فلتأت ولتكن خطاك خفافًا، إن حراسنا أسدا
وقال أبو نخيلة:
стр. 1411
كأن أذنيه إذا تشوفا قادمةً أو قلمًا محرفا
وقال آخر:
كأن مكاكيه بالجواء حول الدفاليس شربًا ثمالا
وقال آخر:
ليت الشباب هو الرجيع على الفتى والشيب كان هو البديء الأول
وقال آخر:
ليت هذا الليل دهرًا لا نرى فيه عريبا
وقال:
يا ليت أيام الصبا رواجعا
وقال آخر:
стр. 1412
يا ليته إذ لم يكن حمارا لؤلؤةً في الدار أو مسمارا
يريد: مسمارًا لمصحف. وقال آخر:
ألا يا ليتني حجرًا بوادٍ قام، وليت أمي لم تلدني
وقال آخر:
فيا ليتني إذ لم تجودي بنظرةٍ لما بي، وليت الحب شيئًا محرما
وقال آخر:
فليت اليوم كان غرار حولٍ وليت اليوم أيامًا طوالا
وقال آخر:
سئلت، وكان البخل منك سجيةً فليتك ذا لونين، يُعطي ويمنع
وقال آخر:
стр. 1413
............... ....... وليت الحب شيئًا محرما
/ وحكي الكسائي: "ليت الدجاج مذبحًا".
وأما ما وجد في كتب بعض المتأخرين من قول الشاعر:
أتيناك زوارًا وسمعًا وطاعةً فليتك يا خير البرية داعيا
فتصحيف (فلبيك) بـ (فليتك).
وروي في الحديث "إن قعر جهنم لسبعين خريفًا". وحكي الكسائي عنهم: ليت الدجاج مذبحًا. وقد عمل على ذلك بعض المولدين، قال ابن المعتز:
مرت بنا سحرًا طيرٌ، فقلت لها: طوباك، يا ليتني إياك، طوباك
ذكره أبو القاسم الزجاجي في (الأمالي) له فيما ذكر لي.
وقوله وما استشهد به محمولٌ على الحال أو على إضمار فعل، وهو رأي الكسائي تأول المصنف "خبةً جروزا" على أنه حال من الضمير ي (تأكل)، و "إن حراسنا أسدا" على: يشبهون أسدًا، و"ليت الشباب هو
стр. 1414
الرجيع" على تقدير: كأن الرجيع، فلما حذف (كان) انفصل الضمير الذي كان اسمها، قال: "ويُقوي ما ذهب إليه إظهار (كان) كثيرًا بعد ليت وإن". و"لسبعين خريفًا" على أنه ظرف، و (قعر) مصدر، وأخبر به عن المصدر. و (قادمةً) على: تخلفان.
وتأول غيره جميع ما أتى في (ليت) على أن خبر (ليت) في ذلك محذوف، وذلك المنصوب الذي زعموا أنه خبر هو منصوب على الحال أو على خبر (كان) مضمرة، وإن كان معرفة لم يجز فيه إلا أن يكون خبر (كان) مضمرةً، والتقدير: عادت رواجع، وعاد دهرًا، وعاد لؤلؤةً، وعدت حجرًا، وكان هو الرجيع، وكان شيئًا محرمًا، وعاد غرار حولٍ، وعاد أيامًا طوالًا، وعاد مذبحًا، وتحكيان قامةً، ويحكين شربًا، وتلفيهم أسدًا.
وروي ابن جني:
قادمتا أو قلما محرفا
على تقدير: قادمتان أو قلمان محرفان، فحذفت نون التثنية في الشعر.
وقال ابن عصفور: "وأما قول أبي نخيلة فإن الأصمعي وأبا عمرو لحناه بحضرة الرشيد، ولولا أنه غير فصيح لما جاز لهما ذلك".
وقال الأستاذ أبو علي الشلوبين: "هذه الحكاية لا تصح، وله محمل من التأويل من غير أن يحتاج إلى تلحين عربي" انتهى.
стр. 1415
ومما يدل على بطلان الحكاية أن فيها "إن أبا عمرو لحنه بحضرة الرشيدة"، ولم يجتمع أبو عمرو مع الرشيد، وهو متقدم الوفاة.
وإنما سوغوا تأويل هذا الأبيات على حذف الخبر لأن أخبار هذه الحروف يجوز حذفها إذا دل عليها المعنى؛ لأنها أخبار للمبتدأ في الأصل، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
-[ص: وما لا تدخل عليه (دام) لا تدخل عليه هذه الأحرف، وربما دخلت (إن) على ما خبره نهيٌ. وللجزأين بعد دخولهن ما لهما مجردين، لكن يجب هنا تأخير الخبر/ ما لم يكن ظرفًا أو شبهه، فيجوز توسيطه، ولا يُخص حذف الاسم المفهوم معناه بالشعر، وقلما يكون إلا ضمير الشأن، وعليه يُحمل "إن من أشد الناس عذابًا يوم القيامة المُصورون" لا على زيادة (من)، خلافًا للكسائي.]-
ش: تقدم ما تدخل عليه (كان) وأخواتها من المبتدآت، وزادت (دام) أن خبرها لا يكون مفردًا طلبيًا، وهذه الأحرف كذلك، فلذلك أحالها على (دام).
وقوله وربما دخلت (إن) على ما خبره نهيٌ وأنشد على ذلك في الشرح:
стр. 1416
إن الذين قتلتم أمس سيدهم لا تحسبوا ليلهم عن ليكم ناما
وأنشد غيره
ولو أصابت لقالت وهي صادقةٌ إن الرياضة لا تُنصبك للشيب
وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور في شرحه الصغير لكتاب الجمل: "أما الجملة غير المحتملة للصدق والكذب ففي وقوعها خبرًا لهذه الحروف خلاف، والصحيح أنها تقع في موضع خبرها، ومن ذلك قوله.
إن الذين قتلتم. البيت.
فأوقع قوله (لا تحسبوا) موقع خبر (إن)، وهي جملة نهي" انتهى كلامه.
وينبغي أن يُخص الخلاف بـ (إن) وحدها؛ إذ هو مورد السماع، ولا يمكن أن يكون الخلاف في (ليت)، ولا في (لعل)، ولا في (كأن)؛ لأنه يمتنع أن تكون جملة النهي متعلقًا للترجي والتمني والتشبيه، وإن ألحق بـ (إن) (لكن) فيمكن ذلك.
والذي نختاره أن ذلك لا يجوز، وعليه نصوص شيوخنا، وتأولوا البيتين على إضمار القول، أي: أقول لكم لا تحسبوا، وكذلك: أقول لا
стр. 1417
تُنصبك للشيب، وكثيرًا ما يُضمر القول، وكذلك تأوله الأستاذ أبو الحسن في شرحه الكبير للجمل.
وقوله وللجزأين بعد دخولهن ما لهما مُجردين يعني أن لهما من الأحوال والأقسام، فكما انقسم المبتدأ إلى اسم عين وإلى اسم معنى، وانقسم الخبر إلى الأقسام المذكورة في باب الابتداء، واستُصحبت الأحوال والشروط، كذلك هنا. ومن الشروط عود ضميرٍ من الجملة المخبر بها. ومن الأحوال جواز حذفه لدليل، قال الشاعر:
وإن الذي بيني وبينك لا يبنى بأرضٍ - أبا عمرٍو - لك الدهر شاكر
أراد: لا يني به أو من أجله، قاله المصنف، ولخصته منه.
وقوله لكن يجب هنا تأخير الخبر علة ذلك أن عملها بحق الفرعية فلم يتصرفوا فيها كما تصرفوا في باب (كان) لأن عملها بحق الأصالة لكونها أفعالًا، فأبقوا معموليها على ترتيبها الأصل، وباب المبتدأ أن يكون مقدمًا على الخبر.
وعلل أبو موسى ذلك بأن عملها هو بحق الفرعية والحمل على/ الفعل، والأصل في الفعل أن يُقدم المرفوع على المنصوب، وقد يخرج عن هذا الأصل، فيُقدم المنصوب على المرفوع، فلما كان عمل هذه الحروف فرعيًا، وتقديم منصوب الاسم على مرفوعه فرعيًا، جعلوا منصوب هذه الحروف قبل مرفوعها لتكون صورتها في العمل كصورة ما
стр. 1418
هو فرع في الأفعال التي هذه الحروف محمولةً عليها. وقد أشار المصنف إلى هذا بقوله "ليكونا معهن كمفعولٍ قدم وفاعلٍ أخر تنبيهًا على الفرعية".
وقوله ما لم يكن ظرفًا أو شبهه، فيجوز توسيطه مثال توسيطه ظرفًا: إن أمامك زيدًا، ومثاله مجرورًا: إن في الدار زيدًا. وينبغي أن يؤخذ قول المصنف "فيجوز توسيطه" على الجواز الذي هو يقابل الامتناع لا على الجواز الذي يقابله الامتناع والوجوب؛ لأن من مسائل الظرف والمجرور ما يجب فيه تقديمهما على الاسم، نحو: إن في الدار ساكنها، وإن عند هند أخاها، فإن أخذت الجواز على ما يقابل الوجوب والمنع خرجت هذه المسألة ونظائرها.
وفي (الغرة): "ويجب أن يُقدر العامل في الظرف بعد الاسم كيلا يُقدم الخبر وهو غير ظرف".
قال المصنف في الشرح: "جاز تقديمه لأنه في الحقيقة معمول الخبر، وكان حقه ألا يتقدم على الاسم كما لا يتقدم الخبر، إلا أن الظرف والجار والمجرور يُتوسع فيهما ما لا يُتوسع في غيرهما، ولذلك فُصل بهما بين المضاف والمضاف إليه، وبين (كان) واسمها وخبرها، وبين الاستفهام والقول الذي يعمل عمل الظن، ولم يُبطل علم (ما) تقديمهما على اسمها، واغتُفر تقديمهما على العامل المعنوي، نحو: أكل يومٍلك درهمٌ؟ وعلى المنفي بـ (ما)، نحو قول بعض الصحابة:
стр. 1419
ونحن عن فضلك ما استغنينا
ومثله:
لم يكن غيرها خلةً لي ولها ما كان غيري خليل
ولو عومل غيرهما معاملتها في شيء من ذلك لم يجز" انتهى.
وقوله "ولو عومل إلى آخره" لا يصح على الإطلاق لأنه قد أجاز هو وغيره أن يُفصل بين المضاف إذا كان مصدرًا وبين المضاف إليه إذا كان فاعلًا بالمفعول به. وكذلك في الإقحام في النداء على مذهب س في: يا زيد عمروٍ. وكذلك أجاز المصنف في الاختيار الفصل بين المضاف إذا كان اسم فاعل والمضاف إليه الذي هو مفعول في المعنى بمفعول آخر.
قال المصنف في الشرح: "والأصل في الظرف الذي يلي (إن) أو إحدى أخواتها أن يكون ملغي، أي: غير قائم مقام الخبر، نحو، إن عندك زيدًا مقيمٌ، وكقول الشاعر:
стр. 1420
فلا تلحني فيها، فإن بحبها أخاك مصاب القلب جمٌ بلابله
فأما القائم مقام الخبر فجدير بألا يليها لقيامه مقام ما لا يليها، لكن اغتفر إيلاؤه/ إياها التفاتًا إلى الأصل" انتهى.
وكلامه يدل على جواز أن يتقدم معمول الخبر المصرح به على الاسم، نحو قوله: إن عندك زيدًا مقيمٌ، ونحو البيت الذي أنشده.
ونص أصحابنا على أنه لا يلي (إن) وأخواتها إلا اسمها إن تقدم على الخبر، أو خبرها إن تقدم على الاسم، وكان ظرفًا أو مجرورًا، فلو تقدم معمول الخبر، وكان غير ظرف أو مجرور، نحو: إن طعامك زيدًا آكلٌ، فلا خلاف يُعرف في بطلان ذلك، وإن كان ظرفًا أو مجرورًا فقد جاء ما ظاهره يقتضي جواز ذلك، نحو البيت الذي أنشده المصنف، فإن ظاهره يقتضي أن يكون قوله (بحبها) متعلقًا بالخبر الذي هو (مُصاب) وقد تأوله أصحابنا بأن جعلوه متعلقًا بفعل محذوف، تقديره: أعني، كأنه قال: أعني بحُبها، وفُصل بهذه الجملة الاعتراضية بين (إن) واسمها، فيكون نحو قول الآخر:
كأن - وقد أتى حولٌ كميلٌ- أثافيها حماماتٌ مثول
فصل بين (كأن) واسمها بجملة الاعتراض التي هي: وقد أتى حولٌ كميلٌ.
стр. 1421
وفي (الغرة): وقد منع الأخفش في (المسائل الكبير) أن يُفصل بينهما بما لا يُسمع، فقال: لو قلت: "إن بينك يومين زيدًا مقيمٌ" كان في القياس جائزًا، ولم يُسمع، ولا نُجيزه إلا في المسموع. وكذلك لم يُجز إن حتى اليوم زيدًا مقيمٌ؛ لأن (حتى) معناها الانتهاء، فلابد أن يتقدمها كلام، وقد منع تقدمها بلا إن، كما منع أن تتقدم على رب إن.
وقال المصنف: "وقد عاملوا الحال معاملة الظرف، فأولوها (كأن)، ومنه قول الشاعر:
كأن وقد أتى حولٌ كميلٌ. البيت" انتهى.
وقد ذكرنا قول أصحابنا إن قوله "وقد أتى حولٌ كميلٌ" جملة اعتراضية لا حالية، فعلى قولهم لم يعاملوا الحال معاملة الظرف، ولا أولها (كأن).
ومن غريب المنقول ما وقع في (النكت التي على إيضاح الفارسي) تأليف أبي على الحسن بن علي بن حمدون الأسدي المعروف بالجلولي، وهو ما نصه: "يجوز أن يُفرق بين (إن) واسمها بالحال لأنهم قد أجروا الحال مجرى الظرفن فإذا قلت (إن زيدًا قائمٌ ضاحكًا) جاز تقديم (ضاحكًا) على (زيد)، فتقول: إن ضاحكًا زيدًا قائمٌ.
стр. 1422
فإن قيل: إذا قدمت (ضاحكًا) - وهو متعلق بقائم - صرت كأنك قدمت بعض الخبر.
قلت: لو امتنع هذا لامتنع تقديم الظرف، والنية به التأخير والتعلق بالخبر، نحو: إن في الدار زيدًا قائمٌ، و (في الدار) متعلق بقائم، وهذا عندهم جائز. ومنع قومٌ التفرقة بين (إن) واسمها بالحال" انتهى كلامه.
وتضمن هذا الذي ذكره أن النحويين اختلفوا في الفصل بين اسم (إن) وبينها بالحال، وأن الظرف إذا كان معمولصا للخبر المصرح به يجوز/ أن يُفصل به بين (إن) واسمها، وقد تقدم منع أصحابنا لذلك.
ويُشترط في الظرف والمجرور الواقعين خبرًا أن يكونا تامين، وقد تقدم ذلك في باب الابتداء.
وزعم الفراء ومن أخذ بمذهبه أنه يجوز أن يقع الظرف الناقص والمجرور الناقص خبرًا في اللفظ، وهو معمول لمتعلقة في المعنى ومتعلقة حال في اللفظ، وهو خبر في المعنى، نحو: إن زيدًا بالجارية كفيلًا، وإن زيدًا اليوم قائمًا.
وفي كتاب (الواضح): إن الكوفيين يحكون النصب مع الناقص عن العرب، إلا أنهم يقولون: النصب مع لتام أكثر في لسان العرب وأصح علة، أنشد أحمد بن يحي:
فلا تلحني فيها ........... البيت
стр. 1423
رُوي بنصب (مُصاب) على الحال، وجعل الباء خبر (إن)، وما يتم الكلام بها دون (مُصاب)، وهذا متفرع على باب المبتدأ والخبر، ومبني على مسألة: عبد الله بالجارية كفيلٌ، فالرفع في (كفيل) واجب عند البصريين، وهو المختار عند الكوفيين، وزعموا أن من العرب من يقول: عبد الله بالجارية كفيلًا، بالنصب.
وقال أبوجعفر النحاس: لا حُجة في البيت لأنه إن كان مسموعًا بالنصب فإنه على قولك: أنا بالله وبك، على معنى الانقطاع والملازمة.
وقوله ولا يُخص حذف الاسم المفهوم معناه بالشعر قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: "يجوز حذف أسماء هذه الحروف في فصيح الكلام إذا كان في الكلام ما يدل عليه، نحو قوله:
فلو كنت ضبيًا عرفت قرابتي ولكن زنجيٌ عظيم المشافر
يريد: ولكنك زنجيٌ. ومن ذلك قوله:
فليت دفعت الهم عني ساعةً فبتنا على ما خيلت ناعمي بال
يريد: فليتك".
وذكر أبو الحسن علي بن عبد الصمد السخاوي في (شرح المفصل) أن ذلك لا يجوز إلا ضرورة.
стр. 1424
وقوله وقلما يكون إلا ضمير شأن قال المصنف: "ويجوز حذف الاسم إذا فهم معناه، ولا يخص ذلك بالشعر، بل وقوعه فيه أكثر، وحذفه وهو ضمير الشأن أكثر من حذفه وهو غيره، ومن وقوع ذلك في غير الشعر قول بعضهم: إن بك زيد مأخوذ، حكاه س عن الخليل، يريد: إنه بك زيد مأخوذ. وحكي الأخفش: إن بك مأخوذ أخواك، بحذف الاسم، وهو ضمير المخاطب، وجعل (مأخوذ) خبرًا مرتفعًا به (أخواك)، كما كان يرتفع بـ (يؤخذ)، وتقديره: إنك بك مأخوذ أخواك، ولا يجوز أن يكون التقدير: إنه بك مأخوذ أخواك؛ لأن الصفة المرتفع بها ظاهر بمنزلة الصفة المرتفع لها مضمر في أنها لا تسد مسد جملة، ولا يكون مفسر ضمير الشأن إلا جملة محضة مصرحًا بجزأيها.
ومن حذف الاسم في الشعر/ قول الشاعر:
فلو كنت ضبيًا ................. ..........................
وقوله:
فليت دفعت ............ .................
البيتين، التقدير: وكلنك زنجي، وفليتك. ويحتمل أن يكون التقدير: فليته. وكذا قول الآخر:
стр. 1425
فلا تخذل المولى وإن كان ظالمًا فإن به تثأى الأمور، وترأب
التقدير: فإنه، والهاء إما للمولى وإما ضمير الشأن. ومما لا يكون المحذوف إلا ضمير الشأن قوله:
ولكن من لم يلق أمرًا ينوبه بعدته ينزل به وهو أعزل
ومثله قول الآخر:
فلو أن حق اليوم منكم إقامة وإن كان سرح قد مضى، فتسرعا
ومثله:
إن من لام في بني بنت حسا ن ألمه، وأعصه في الخطوب
وقال:
كأن على عرنينه وجبينه أقام شعاع الشمس، أو طلع البدر
وقال:
كأن في أظلالهن الشمس
وقال آخر:
стр. 1426
ليت على رجلي تسعى سودا يا سود إن القوم قوم أعدا
وذكر س: أن إياك رأيت، وإن أفضلهم لقيت، ثم قال: (فأفضلهم منتصب بلقيت، وهو قول الخليل، هو في هذا ضعيف لأنه يريد: إنه إياك رأيت، فترك الهاء). وهذا تصريح بالجواز دون ضرورة" انتهى.
ولم يجزه الفراء لأنه لا يكون الاسم الواحد معمولًا لعاملين. قاله في البسيط.
وجوزوا أن يكون المحذوف من قوله "فلو أن حق اليوم" ضمير خطاب، أي: فلو أنكم.
وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: "لا يجوز حذف الاسم وهو ضمير الشأن إلا في ضرورة شعر، نحو قوله:
إن من لام. البيت.
وإنما لم يجز حذف امس هذه الحروف إذا كان ضمير أمر وشأن لأن الجملة الواقعة خبرًا له هي مفسرة له، فأشبهت الجملة لذلك -وإن كانت في موضع الخبر- الجملة الواقعة صفة، فقبح حذفه وإبقاء الجملة، كما يقبح حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه إذا كانت الصفة جملة، وأيضًا فإنه يستعمل في مواضع التعظيم، والحذف مناقض لذلك".
وقال الأستاذ أبو الحسن أيضًا: "ذهب جمهور البصريين إلى أنه يحسن حذفه في الشعر، ويقبح في الكلام، إلا أن يؤدي حذفه إلى أن يلي (إن) وأخواتها فعل، فإنه إذ ذاك يقبح في الكلام والشعر لأنها حروف طالبة للأسماء، فاستقبحوا لذلك مباشرتها للأفعال".
стр. 1427
وذهب أبو الحسن إلى أن حذفه/ يحسن في الكلام وفي الشعر إذا لم يؤد الحذف إلى أن يكون بعد (إن) وأخواتها اسم يصح عملها فيه، نحو: إن في الدار قائم زيد، ومن ذلك قوله:
كأن على عرنينه وجبينه أقام شعاع الشمس أو طلع البدر
وكذلك قوله:
فلا تشتم المولى ................... .............................
وقوله:
إن من يدخل الكنيسة ............... ...........................
وقوله:
ولكن من لا يلق ..................... ............................
الأبيات؛ لأن اسم الشرط لا يحسن عمل (إن) فيه.
فإن أدى حذفه إلى أن يكون بعدها اسم يصح عملها فيه لم يجز الحذف، نحو قولك: إن زيد قائم، لا يجوز عنده حذف هذا الضمير إلا أن يكون ذلك الاسم لفعل بعده، أو مبتدأ قد رفع ظاهرًا سادًا مسد خبره، فإنه إذ ذاك يجوز حذفه، نحو قولك: إن أفضلهم كان زيد، وإن في الدار جالس أخوك. وإنما ساغ ذلك مع إمكان أن تعمل (إن) فيما بعدها، فيقال: إن أفضلهم كان زيدًا، وإن في الدار جالسًا أخو؛ لأن المباشر في التقدير لـ (إن) في المسألة الأولى إنما هو (كان)؛ لأن النية بالخبر التأخير، وفي الثانية اسم قد عومل معاملة الفعل.
وذهب الكسائي والفراء إلى أن حذف الضمير لا يجوز إذا أدى ذلك إلى أن يكون بعد (إن) وأخواتها اسم يصح عملها فيه، وسواء أكان الاسم
стр. 1428
معمولًا لفعل متأخر أم مبتدأ قد رفع ظاهرًا سد مسد خبره أو لم يكن.
فإن وقع بعد (إن) وأخواتها فعل قد تقدم عليه معموله، وهو ظرف أو مجرور، نحو قولك: إن في الدار قام زيد، وإن عندك جلس عمرو، فذهب الكسائي إلى أن (إن) مبطلة في اللفظ عاملة في معنى الفعل، قال: لأنك إذا رددت الفعل إلى الدائم انتصب، فقلت: إن في الدار قائمًا زيد، وإن عندك جالسًا عمرو. وإنما لم يجز عنده أن يكون على إضمار الأمر لأن الأم إذا أتى به في مثل هذا إنما هو وقاية لـ (فعل) و (يفعل)، فلا يجوز إسقاطه لذلك، كما أن (ما) من قولك "إنما قام زيد" لا يجوز إسقاطها لأنها دخلت وقاية لـ (فعل) و (يفعل).
وقال الفراء: اسم (إن) في المعنى، وما ذكره من أن الضمير في مثل "إنه قام زيد" إنما أتى به وقاية ليس كذلك، بل أتى به لإرادة تعظي الأمر، فأبهم أولًا لأن التعظيم من توابع الإبهام، ثم بين بعد إبهامه.
ومما حذف منه الضمير -والحرف بعده اسم يصح عمله فيه- ما رواه الخليل من أن ناسًا يقولون: إن بك زيد مأخوذ، ومن ذلك قول جميل:
ألا ليت أيام الصفاء جديد ودهر تولى -يا بثين- يعود
стр. 1429
في رواية من رفع الأيام.
وفي (الإفصاح): مذهب أبي علي أن هذا -يعني حذف ضمير الأمر إذا كان اسمًا لـ (إن) - يختص بالشعر. وأبو الحسن يجعله جائزًا في الكلام، ويقيسه، ويمثل به، وهو مذهب/ وهو عند س ضعيف في الكلام جائز في الشعر كثير فيه. وأجازه الجرمي في الكلام، وأجاز: إن فيها قائم أخواك، قال: تضمر لـ (إن) اسمًا، وقائم: مبتدأ، ويرتفع (أخواك) بفعلهما، وإن فيها قائمان أخواك، على أن يكون (أخواك) مبتدأ، وقائمان: خبر مقدم، وأضمرت الاسم. وقال: لا قائم في الدار إلا زيد، إن علقت (في الدار) بـ (قائم) لم يجز إلا رفع (زيد)، وإذا قلت (لا قائم إلا زيد) فإنما أردت: لا يقوم إلا زيد، ولا يجوز فيه إلا الرفع. قلت: قد يقال في هذا: لا يصح لأن (لا) لا تعمل في الفعل، فكذلك فيما جرى مجراه.
ومذهب البصريين أن جميع هذه الحروف في حذف ضمير الشأن سواء على ما قرر، والكوفيون إنما ذكروا ذلك في (إن)، ولم يعدوا ذلك إلى غيرها كـ (ليت) و (كأن).
وقوله وعليه يحمل إلى قوله خلافًا للكسائي قال المصنف في الشرح: "المصورون هكذا رواه الثقات بالرفع"، وجعله من قوله ﵇. وقال ابن عصفور: "وأما قول العرب: إن من أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون"، فجعل هذا الكلام من قول العرب. وتأوله
стр. 1430
الكسائي على زيادة (من)، وعلى هذا ينبغي عنده أن يحمل ما حكاه أبو عبيد في (الأموال) له من أنه ﷺ كتب إلى خزاعة: "أما بعد، فإن من أكرم أهل تهامة علي وأقربهم رحمًا أنتم ومن تبعكم". وكذلك أيضًا تأول ما حكاه من كلام العرب "إن هكذا الدهر" على أن يكون (هكذا) اسم (إن)، والدهر: الخبر. واستدل على أن (هكذا) تستعمل اسمًا بما حكاه عن بعض العرب من أنه قيل له: "كان هكذا وهكذا"، فقال: "ليس بهكذا"، فأدخل على (هكذا) حرف الجر.
وإنما ذهب الكسائي إلى زيادة (من) في "من أشد" و"من أكرم" لأن مذهبه أن حذف هذا الضمير لا يجوز إذا أدى ذلك إلى أن يكون بعد (إن) وأخواتها اسم يصح عملها فيه، و (المصورون) و (أنتم) يجوز أن تعمل (إن) في ذلك، فتقول: (المصورين) و (إياكم).
والصحيح أن يكون هذا مما حذف فيه الضمير لا على زيادة (من)، ويؤيده اللفظ والمعنى، فأما اللفظ فإن العرب لم تلحظ هذا الذي لحظه الكسائي، بل قالوا: إن بك زيد مأخوذ، وكان يجوز لـ (إن) أن تنصب زيدًا. وأما المعنى فإذا جعلتها زائدة كان المصورون أشد الناس عذابًا يوم القيامة، وليس كذلك إذ غيرهم أشد عذابًا منهم، ممن هو أعظم جرمًا.
ص: وإذا علم الخبر جاز حذفه مطلقًا، خلافًا لمن اشترط تنكير الاسم. وقد يسد مسده واو المصاحبة والحال، والتزم الحذف في (ليت شعري) مردفًا باستفهام.
стр. 1431
وقد يخبر هنا -بشرط الإفادة- عن نكرة بنكرة أو بمعرفة. ولا يجوز نحو: إن قائمًا الزيدان، خلافًا/ للأخفش والفراء، ولا نحو: ظننت قائمًا الزيدان، خلافًا للكوفيين.
ش: حذف خبر (إن) وأخواتها للعلم به فيه ثلاثة مذاهب:
أحدها: الجواز، وهو مذهب س، وسواء أكان الاسم معرفة أم نكرة، قال س: "ويقول الرجل: هل لكم أحد؟ إن الناس عليكم، فتقول: إن زيدًا وإن عمرًا، أي: إن لنا".
والثاني: مذهب الكوفيين، وهو أنه لا يجوز إلا إذا كان الاسم نكرة، نقله عنهم علي بن سليمان الأخفش.
والثالث: مذهب الفراء، زعم أنه لا يجوز، سواء أكان الاسم معرفة أم نكرة، إلا إن كان بالتكرير، نحو:
إن محلًا، وإن مرتحلًا .........................
ولا يجوز في غيره، نقله عنه أحمد بن يحيي. قيل: كررت (إن) ليعرف أن أحدهما مخالف للآخر عند من يظنهما [غير] مختلفين. وحكي الفراء أنه سمع أعرابيًا قيل له: الزبابة الفأرة، فقال: إن
стр. 1432
الزبابة وإن الفأرة، قال: وتقديره: إن الزبابة زبابة، وإن الفأرة فأرة. قال ابن تقي: كأنه قال: إن الزبابة شيء، وإن الفأرة شيء آخر. قال الأستاذ أبو علي: "قال -يعني الفراء-: والخلاف الذي بين الاسمين يدل على أن الخلاف بين الخبرين والخلاف في البيت أن المحل خلاف المرتحل، وكأنه رد على من يزعم أنه ليس ثم إلا المحل الذي هو الدنيا، فقال: إن لنا محلًا، وإن لنا مرتحلًا مخالفًا للمحل" انتهى.
والصحيح من هذه المذاهب مذهب س للقياس والسماع:
أما القياس فإجماع النحويين على إجازة حذف الخبر إذا عرف معناه في غير باب (إن)، فينبغي أن يجوز ذلك في باب (إن) إذا عرف المعنى. وقال أبو العباس: حذف الخبر في المعرفة أولى لما يتعارف من أخبارها، وإن قولك "إن زيدًا" يعلم أنه رجل، فينبغي أن يجوز فيه ما جاز في (رجل).
وأما السماع فقوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً العَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾، تقديره: معذبون، لدلالة قوله: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ
стр. 1433
أَلِيمٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وإنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾، وقول عمر بن عبدالعزيز لرجل ذكره بقرابته منه: "إن ذلك"، ثم ذكر له حاجة، فقال: "لعل ذلك"، أراد: إن ذلك حق، ولعل حاجتك مقضية، وقول الشاعر:
/أتوني، فقالوا: يا جميل تبدلت بثينة أبدالًا، فقلت: لعلها
أي: تبدلت. وقول الجعدي:
فأصبح عيشي قد سلا غير أنه وكل امرئ يلقى من الدهر قنطرا
أي: أنه هالك.
قال ابن خروف: النكرة في هذا الباب أكثر من الكلام مع حذف الخبر الذي هو الظرف والمجرور، وبابه الكثرة والافتخار، وتقديره مع النكرة مقدم لأجل الابتداء بالنكرة.
وقال الأستاذ أبو علي: "لا يجوز أن يقول القائل هذا مبتدئًا، وإنما يقوله حين يسأل، فيقال: هل لك أو هل عندك مال أو ولد؟ فيقول: إن مالًا وإن ولدًا، ويضمر (لنا) لأنه قد دل عليه ما تقدم" انتهى.
стр. 1434
وقول الشاعر:
وما كنت ضفاطًا، ولكن طالبًا أناخ قليلا فوق ظهر سبيل
أراد: ولكن طالبًا منيخًا أنا. وقول الآخر:
ولو أن من حتفه ناجيًا لكان هو الصدع الأعصما
أي: لو أن على الأرض أو في الدنيا. وقول الآخر:
إن محلًا، وإن مرتحلًا وإن في السفر إذ مضوا مهلا
ذهب س في هذا البيت إلى أن المعنى: إن لنا محلًا في الدنيا ما كنا أحياء، ومرتحلًا إذا متنا. وقال أبو عمرو الشيباني: إن في الدنيا محلًا ومرتحلًا، أي: نعيمًا وبؤسًا. وقال:
سوى أن حيًا من قريش تفضلوا على الناس، أو أن الأكارم نهشلا
أي: تفضلوا. وحكاية س عن العرب "إن زيدًا وإنَّ عمرًا".
стр. 1435
وزعم أحمد بن يحيي في هذه الحكاية أن (إن) بمعنى: نعم. وقال أبو جعفر الصفار: "إذا كانت إن بمعنى نعم لم تعمل". يريد بذلك الرد على ما تأوله أحمد بن يحيي.
ويمكن تأويل أحمد بن يحيي في حكاية س، ولا تكون (إن) بمعنى نعم عاملة، والنصب في "إن زيدًا وإن عمرًا" على إضمار فعل، لأنه لما قيل له: هل لكم أحد؟ إن الناس عليكم، كان معناه: هل تجدون أحدًا ينصركم؟ فأجابه بأن قال: نعم زيدًا، نعم عمرًا، أي: نجد زيدًا، نجد عمرًا. ونظير هذا قول بعض العرب: أما بمكان كذا وكذا وجذ؟ فقال المسئول: بلى وجاذًا، أي: نعرف به وجاذًا؛ لأن قوله "أما بمكان كذا وكذا وجذ" معناه: أتعرف بمكان كذا وكذا وجذًا؟ فقال: بلى وجاذًا، أي: نعرف.
فرع: "إن رجلًا وزيدًا" لا يجيزه الكوفيون لأنه قد اختلط بالنكرة المعرفة، ولا يجيزون حذف الخبر إلا مع النكرة. ويجوز ذلك على مذهب البصريين. فلو أبدلت فقلت: "إن رجلًا أخاك" على حذف الخبر لم يجزه الفراء لأن الاعتماد هو على البدل، وخبر المعرفة لا يضمر عنده. وأجاز هذا هشام على الترجمة. والجواز مذهب البصريين.
مسألة: "إن غيرها إبلًا وشاءً): قال س: "غيرها: اسم إن، وإبلًا وشاءً/ تمييز، والخبر محذوف، أي: إن لنا غيرها إبلًا وشاءً". ولا يجوز أن يكون (إبلًا وشاءً) اسم إن، و (غيرها) حال، والخبر محذوف تقديره: إن لنا إبلًا وشاءً في حال أنها غير هذه؛ لأنه لا عامل إلا (لنا)،
стр. 1436
والمعاني لا تعمل مضمرة بإجماع إلا المبرد، فإنه أجاز ذلك في:
.............................. .... وإذ ما مثلهم بشر
ولا يجوز أن يكون (غيرها) اسم (إن)، و (إبلًا وشاءً) بدل، والتقدير: إن لنا غيرها إن إبلًا، أي: إن لنا إبلًا؛ لأنه متى اجتمع تابع ومتبوع فالباب أن يقدم الجامد منهما، وقد نص على ذلك س في قوله" فيها قائمًا رجل" حين عدل إلى النصب، ولم يجعل رجلًا بدلًا من قائم، فلهذا عدل هنا إلى النصب على التمييز.
مسألة: قول الشاعر:
صوبنه، ولا تميلن، واحذر إنه اليوم إنما هو نار
زعم بعض أصحابنا أن (إن) عاملة في الظرف، قال: "ولا يجوز أن يكون الخبر محذوفًا لدلالة ما بعده عليه، فيكون التقدير: إنه نار اليوم؛ لأن س منع: أنت ظالم فإن فعلت، ويحذف الجواب لدلالة (أنت ظالم) عليه؛ لأن الفاء تقطع، وكذلك (إن) أيضًا مستأنفة بمنزلة الفاء، فلا يجوز ذلك مع ما فيه من إعمال المعنى مضمرًا؛ لأنه لا يعمل (نار) إلا بما فيه من معنى الفعل، فلذلك لم يجد بدًا من إعمال (إن) فيه، كأنه قال: أؤكد هذا في اليوم" انتهى.
وما ذكره لا يجوز لأن (إن) حرف كـ (ما) النافية وهمزة الاستفهام، ويأتي الكلام في ذلك في (باب الحال) حيث ذكر عمل الحرف في
стр. 1437
الحال. ويتخرج هذا البيت على أن (اليوم) منصوب بإضمار (أعني)، وتكون الجملة اعتراضية، وخبر (إن) الجملة بعده، وهو: إنما هو نار، كما خرجوا:
فلا تلحني فيها، فإن بحبها ...........................
وأما تمثيله إياه بمسألة "أنت ظالم فإن فعلت" فتمثيل فاسد، لم يتقدم في البيت شرط، ولا حذف جواب شرط، بل تركيب البيت مثل قولك: احذر زيدًا إنه شرير، وأكرم زيدًا إنه عالم، فإنما فيه من جهة المعنى تعليل.
وقوله وقد يسد مسده واو المصاحبة مثاله ما حكاه س من قول العرب: "إنك ما وخيرًا"، يريد: إنك مع خير، وما: زائدة، وقول الشاعر:
فدع عنك ليلى، إن ليلى وشأنها وإن ودعتك الوعد لا يتيسر
وأنشد س:
فمن يك سائًلا عني فإني وجروة لا ترود، ولا تعار
على معنى: مع، أي: مع جروة، أي: فمن يسأل عني فإني ملازم لجروة، يعني فرسة، ولا يريد أنه وجروة يفعلان شيئًا، ثم استأنف، فقال: هي لا ترود ولا تعار.
وزعم الفارسي أن هذا من قبيل قوله:
стр. 1438
/إن شرخ الشباب والشعر الـ ـأسود ما لم يعاص كان جنونا
لما كان الشيئان متلازمين لا يفترقان أخبر عنهما إخبار الواحد، قال: "وكذلك عنترة لما كان لا ينفك عن فرسه وأنهما كالشيء الواحد أخبر عن أحدهما، فكان ذلك إخبارًا عنهما، فقوله (لا ترود ولا تعار) خبر عن جروة، وهو خبر عنهما في المعنى لأنهما كالشيء الواحد".
قال بعض أصحابنا: "وهذا حسن جدًا" انتهى. وليس بحسن لأن ذلك لا يجوز إلا حيث تصلح نسبة الخبر لكل واحد من المخبر عنهما، ولو قال: فإن عنترة لا يعار لكان خلفًا من الكلام؛ لأنه لم تجر العادة بإعارة عنترة ونحوه، بخلاف جروة فرسه، فإن الخيل مما جرت العادة بإعارتها، فمهوم س في البيت هو الصحيح. وحكي الكسائي: "إن كل ثوب لوثمنه" بإدخال اللام على الواو لسدها مسد (مع).
وقوله والحال قال المصنف: "قد يحذف أيضًا وجوبًا لسد الحال مسده، كما كان ذلك في الابتداء، فيقال: إن ضربي زيدًا قائمًا، وإن أكثر شربي السويق ملتوتًا. ومثله قول الشاعر:
إن اختيارك ما تبغيه ذا ثقة بالله مستظهرًا بالحزم والجلد"
وقوله والتزم الحذف في (ليت شعري) مردفًا باستفهام قال المصنف في الشرح: "لأنه بمعنى: ليتني أشعر، ولا بد بعده من استفهام يسد مسد المحذوف متصلًا بشعري أو منفصلًا باعتراض، فالمتصل كقوله:
стр. 1439
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بوادْ، وحولي إذخر وجليل
والمنفصل باعتراض قول أبي طالب:
ليت شعري -مسافر بن أبي عمـ رو، وليت يقولها المحزون-
أي شيء دهاك أم غال مر آك، وهل أقدمت عليك المنون"
انتهى.
و (شعري) هنا مصدر حذفت منه التاء، قالوا: شعرة ودرية بالتاء، وهي هنا معلقة، والجملة الاستفهامية بعدها في موضع نصب بالمصدر، والخبر ملتزم الحذف، والتقدير: ليت شعري بكذا ثابت أو موجود أو واقع.
قال أبو علي الفارسي: "لو لم يكن المصدر مما يجوز أن يلغى فعله لم يجز أن تكون الجملة الاستفهامية في موضع نصب به" انتهى. ويعني بالإلغاء هنا التعليق، وسماه إلغاء لأنه فيه ترك العمل، ولا يمكن أن يريد الإلغاء المصطلح عليه الذي يراد به ترك العمل لغير موجب؛ لأن الفعل الملغي بهذا المصطلح لا يعمل لا في اللفظ ولا في التقدير، بخلاف/ الإلغاء الذي أريد به التعليق؛ ألا ترى في قوله "الجملة الاستفهامية في موضع نصب".
стр. 1440
وحكى أبو علي عن الزجاج قولًا آخر في هذه المسألة، وهو أن خبر (ليت) في هذا النحو في المبتدأ والخبر، فموضع الجملة الاستفهامية رفع لأنها خبر (ليت)، كأنه قال: ليت علمي واقع بكيفية حادث وصلها، ثم حذف، وأضاف اتساعًا. انتهى. ويعني في قول الشاعر:
ألا ليت شعري كيف حادث وصلها وكيف تراعى وصلة المتغيب
وما ذهب إليه الزجاج هو مذهب المبرد. ولا يصح هذا المذهب لأنه يؤدي إلى وقوع الجملة غير الخبرية خبرًا لـ (ليت)، ولا يجوز ذلك لا في (ليت) ولا في أخواتها. وأيضًا فإن الجملة الواقعة خبرًا، وليست المبتدأ في المعنى، لابد فيها من رابط يربط المبتدأ بالخبر، ولا رابط، فلا يجوز أن تكون خبرًا.
قال ابن يسعون: و (شعري) على هذا ملغي إذ هو أضعف حكمًا في مراعاة عمله من الفعل الذي يلغى، وقد فصل بين (شعري) والاستفهام بمصدر، قال الشاعر:
ليت شعري ضلة أي شيء قتلك
وبالظرف، قال الشاعر:
يا ليت شعري عن نفسي أزاهقة نفسي، ولم أقض ما فيها من الحاج
следующие страницы →