← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17116

التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

أبو حيان الأندلسي

Полный текст (3 950 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

غيرُ متصرف، فلا يجوز تقديم خبره على اسمه لذلك. ورد عليه بليس، فإنها غير متصرفة، ويتوسط خبرها. والحق أنه يحتاج في جواز توسيط الخبر على سماع من العرب، ولا يظهر ذلك إلا بأن يسمع مثل: عسى أن يقوما الزيدان، ولا يكون مختصًا بلغة: أكلوني البراغيث. وفي البسيط: ظاهر كلام س أنها هنا تامة لا خبر لها، وفاعلها ما بعدها على تقدير المصدر، ومعناها حينئذ دنا وقرب، ولا يجوز صريح المصدر. ويدل على أنه لا يضمر فيها أمران: أحدهما: أنه لا يثنى ولا يجمع لكون المصدر هو الفاعل. والثاني: أنه لا يكون غير فاعل ما بعدها فاعلها من جهة المعنى، وإذا كان إياه لزم أن يكون مستترًا في الفعل، ولا يكون، ولا يقال: فاعلها هو الاسم بعد الفعل، لكنه أخر لأننا نقوا: لو كان لقلت: عسى لأن يفعلا الزيدان، وأن يفعلوا الزيدون، وأنت لا تقول إلا مفردًا في جميع الأحوال. وقيل: هي ناقصة، والفاعل مغن عن الخبر وساد مسده لما تضمن من الحدث، كما في: أقائم زيد؟ وإذا قلت: القوم عسى أن يقوموا، وعسى أن يفعل، احتمل أن تكون الناقصة والتامة، وكون الفعل سد مسد اسمها وخبرها فاسد لا نظير له؛ ألا ترى أنه لا يكون في "كان"، وإنما يكون في المفعولين، ولا يصح أن يتقدم الفاعل في هذا النوع، فلا تقول: أن يقوم عسى، ويجوز حذف "أن" من هذه كما تسقط من الخبر، فتقول: عسى يجيء.

стр. 1367

وقوله: وقد يحذف إن علم أي: يحذف الخبر، ومنه قوله تعالى: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ أي: يمسح، حذفه للدلالة مصدره عليه، ومنه ما جاء في الحديث: "من تأنى أصاب أو كاد، ومن عجل أخطأ أو كاد"، ومنه قول المرقش: وإذا ما سمعت من نحو أرض بمحب قد مات، أو قيل" كادا فأعلمني غير علم شك بأني ذاك، وابكي لمقصد لن يقادا أي: لن يؤخذ له بقود، وقول الأخر: ما كان ذنبك في جار جعلت له عيشًا، وقد كان ذاق الموت أو كربًا وقال آخر: وقد هاج سار لسار ليله طربًا وقد تصرم، أو قد كاد، أو ذهبًا الساري الأول: البرق وقوله ولا يخلو الاسم من الاختصاص غالبًا قال المصنف في الشرح: "حق الاسم في هذا الباب أن يكون معرفة أو مقاربًا لها، كما

стр. 1368

يحق ذلك لاسم كان، وقد يرد نكرة محضة كقول الشاعر: عسى فرج يأتي به الله، إنه لكل يوم في خليقته أمر" وقوله وتسند أوشك وعسى واخلولق ل "أن يفعل"، فتغني عن الخبر مثاله قول تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، و ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ﴾، وأوشك أن يقوم، وقال الشاعر، وهو كثير: سيوشك أن تنيخ إلى كريم ينالك بالندى قبل السؤال وقال آخر: إذا أنت لم تغفر لمولاك أن ترى به الجهل أو صارمته، وهو عاتب ولم توله المعروف أوشك أن ترى موالي أقوام ومولاك غائب واخلولق أن تفوز. وقال أبو عبد الله محمد بن هشام الخضراوي: "لا يجوز: اخلولق أن تمطر السماء" انتهى. فعلى لا يسند اخلولق إلى أن والفعل. وإذا أسندت إلى "أن يفعل" اكتفت به، وكان فاعلها، ولم تحتج إلى خبر، وإذا أسندت إلى اسم صريح لم يكن بها بد من خبر. وإنما اكتفت بأن والفعل لطولها وجريان الخبر والمخبر عنه وبالذكر في صلتها، كما سدت أيضًا مسد مفعولي ظننت وأخواتها.

стр. 1369

وقيل في "عسى أن يخرج زيد" إنه على الإعمال. ويفسده: عسى أن يقوم إخوتك، وعسى أن يقوم الزيدان؛ لأنه على إعمال الأول يجب الإضمار في أن يقوم، وعلى إعمال الثاني/ يجب الإضمار في عسى. ويقطع بإسناد عسى إلى "أن يفعل" اتصال المرفوع إذا كان ضميرًا بالثاني في نحو" ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ لأن فاعل فعل لا يتصل بفعل آخر. وقوله ولا يختلف لفظ المسند لاختلاف ما قبله بل تقول: زيد عسى أن يذهب، والزيدان عسى أن يذهبا، والزيدون عسى أن يذهبوا، وهند عسى أن تذهب، والهندان عسى أن تذهبا، والهندات عسى أن يذهبن. وكذلك أوشك والخلولق؛ لأن الفعل لا يضمر فيه ضمير ما قبله؛ لأنه قد رفع "أن" والفعل. وقوله فإن أسند إلى ضمير اسمًا أو فاعلًا طابق صاحبه معها كما يطابق مع غيرها يقول: فإن أضمر في عسى وأوشك واخلولق ضمير ما قبله اسمًا على مذهب من يعتقد أنه اسم عسى وأوشك واخلولق لكونها دخلت على المبتدأ والخبر، أو فاعلًا على مذهب من يرى أن "أن" والفعل في موضوع المفعول لا في موضع الخبر، فيكون المرفوع بعسى وأوشك واخلولق فاعلًا بهن لا اسمًا لهن، فإنه يطابق ما قبله، فتقول: زيد عسى أن يخرج، والزيدان عسيًا أن يخرجا، والزيدون أن يخرجوا، وهند عست أن تخرج، والهندان عستا أن تخرجا، والهندات عسين أن يخرجن، وكذلك في أوشك واخلولق. وذكر المصنف أن س إلى ذلك في الثلاثة.

стр. 1370

وقال "كما يطابق مع غيرها" يعني إذا قلت: زيد كان يقوم، والزيدان كانا يقومان، والزيدون كانوا يقومون، وهند كانت تقوم، والهندان كانتا تقومان، والهندات كن يقمن. وقد وقفت من قديم على نقل، وهو أن تجريد "عسى" من الضمير إذا تقدم الاسم لغة لقوم من العرب، وأن إسنادها إلى ضمير الاسم لغة لقوم آخرين، ونسيت اسم القبيلة التي نسبت إليها اللغة الأولى واسم القبيلة التي نسبت إليها اللغة الثانية، فليس كل العرب ينطق بالوجهين، وإنما ذلك بالنسبة إلى لغتين. وقال بعض أصحابنا: إذا دخلت عسى على الضمير فالأكثر الاقيس إجراء ذلك الضمير مجرى الظاهر، فيكون ضمير رفع، تقول: زيد عسى أن يقوم، والزيدان عسيا أن يقوما، والزيدون عسوا أن يقوموا، والهندات عسين أن يقمن، وعسيت زعسيا وعسين، ومن العرب من يستعمل ضمير النصب. وفي الشرح المنسوب لأبي الفضل الصفار: "وإن أسندت إلى مضمر غائب كان "عسى" مفردًا على كل حال، تقول: الزيدان عسى أن يقوما، والزيدون عسى أن يقوموا، وهند عسى أن تقوم، والهندات عسى أن تقوما، والهندات عسى أن يقمن، وتكون/ مفردة على كل حال، ويغني عن تبعية الضمير ما قبله وما بعده أو أحدهما، ولم يتصرف في هذا الضمير كما لم تتصرف في نفسها، فصارت كلعل وليت، ولا يثنى الضمير ولا يجمع إلا قليلًا" انتهى. ص: وإن كان لحاضر أو غائبات جاز كسر سين "عسى". وقد يتصل بها الضمير الموضوع للنصب اسمًا عند س حملًا على "لعل"، وخبرًا مقدمًا عند المبرد، ونائبًا عن المرفوع عند الأخفش، وربما اقتصر عليه. ويتعين عود الضمير من الخبر إلى الاسم، وكون الفاعل غيره قليل.

стр. 1371

وتنفى كاد إعلامًا بوقوع الفعل عسيرًا، أو بعدمه وعدم مقاربته. ولا تزاد، خلافًا للأخفش. واستعمل مضارع كاد وأوشك، وندر اسم فاعل وأوشك وكاد. ش: الحاضر يشمل ضمير المتكلم والمخاطب. وكان ينبغي أن يقيد الضمير الذي للحاضر بصورة المرفوع ليحترز بذلك من ضمير الحاضر بصورة المنصوب، نحو عساك وعساني، فإنه لا يجوز في السين إلا الفتح. ومثال إسناده للضمير الذي ذكرناه أن تقول: عسيت أن أخرج، وعسيت أن تخرج، وكذلك فروعهما، والفتح أشهر، ولذلك قرأ به أكثر القراء، ولم يقرأ من السبعة بالكسر إلا نافع. وقوله أو غائبات مثاله عسين وعسين بالفتح والكسر، قاله ونقله أبو بكر خطاب الماردي، وذكر أبو بكر الأذفوي وغيره أن كسر السين مع المضمر خاصة هي لغة أهل الحجاز. وينبغي أن يقيد المضمر بما ذكرنه؛ ألا ترى أنه إذا كان ضمير غائب أو ضمير حاضر صورة المنصوب لا يجوز فيه إلا الفتح. وقد جهل أبو عبيد هذه اللغة، وقال: لو كان عسيتم بكسر السين لقرئ ﴿عَسَي رَبُّكُمْ﴾.

стр. 1372

وقال أبو علي الفارسي: "الأكثر فتح السين، وهو المشهور. ووجه الكسر قول العرب: هو عس بذلك، مثل حر وشج. فإن أسند الفعل إلى الظاهر فقياس عسيتم أن يقال: عسي زيد، مثل رضي. فإن قيل فهو القياس. وإن لم يقل فسائغ أن تأخذ باللغتين، فتستعمل إحداهما في موضع الأخرى منا فعل ذلك بغيره" انتهى. والمحفوظ عن العرب أنه لا تكسر السين إلا مع تاء المتكلم والمخاطب ونون الإناث. وفي البسيط: "وفيها لغتان: فعل وفعل إذا كان فاعلها ضمير متكلم أو مخاطب، وإذا كان فاعلها- وهو اسمها- غيره لم يكن إلا فعل بفتح العين، كذا ذكر أبو عثمان، وقد قيل: إنها لم يسمع فيها إلا ما ذكر. وسائغ أن تستعمل كل واحدة في موضع الأخرى كما قالوا: ورى الزند ووريت بك زنادي، ولما قالوا في المخاطب فعل وفعل نحو: ﴿عَسَيْتُمْ﴾ على القراءتين لا يبعد في "عيسى زيد" أن يفعل مثله. / وحكي ابن الإعرابي: عسى فهو عس، وما أعساه! وأعس به! " انتهى. وقوله وقد يتصل بها الضمير إلى قوله عند الأخفش إذا اتصل بعسى ضمير فحقه أن يكون بصورة المرفوع، وهذا هو المشهور في كلام العرب والذي نزل به القرآن، ومن العرب من يأتي به صورة المنصوب المتصل، فيقول: عساني وعساك وعساه، وقال عمران بن حطان: ولي نفس أقول لها إذا ما ... تنازعني: لعلي أو عساني

стр. 1373

وقال آخر: يا أبتا علكك أو عساك وقال آخر: أصخ، فعساك أن يهدي ارعواء لقلبك بالإصاخة مستفاد وذكر المصنف في الفص ثلاثة المذاهب: فذهب س إقرار المخبر عنه والخبر على حالهما من الإسناد السابق، إلا أن الخلاف وقع في العمل، فعكس العمل حملًا على لعل. ومذهب المبرد والفارسي عكس الإسناد إذ جعل المخبر عنه خبرًا والخبر عنه مخبرًا عنه. ويلزم منه جعل خبر عسى اسمًا صريحًا، وذلك لا يجوز إلا في الشعر. ومذهب أبي الحسن إقرارا المخبر عنه والخبر عن حالهما من الإسناد، لكنه تجوز في الضمير، فجعل مكان الضمير المرفوع ضمير منصوب، وهو في محل رفع، نيابة عن المرفوع، كما ناب في قولهم: "ما أنا كأنت، ولا أنت كأنا"، وكما ناب "هو" عن ضمير النصب والجر في: مررت بك أنت، وأكرمته هو.

стр. 1374

قال المصنف: "وقول الاخفش هو الصحيح عندي لسلامته من عدم النظير؛ إذ ليس فيه إلا نيابة ضمير غير موضوع للرفع عن موضوع له، وذلك موجود، كقول الراجز: يا بن الزبير طالما عصيكا وطالما عنيتنا إليكا قلت: ما زعم من أن ذلك موجود كقول الراجز: يا بن الزبير طالما عصيكا يريد: عصيت، فوضع ضمير النصب مرفوع ضمير الرفع، غير صحيح، بل الذي ذكر التصريفيون أبو علي وغيره أن هذا من إبدال تاء الضمير كافًا، وهو من شاذ البدل، فليس من وضع ضمير النصب موضع ضمير الرفع. والذي يدل على أنه من باب البدل تسكين آخر الفعل له في قولهم: عصيك، ولو كان ضمير نصب لم يسكن كما لم يسكن عساك روماك. قال المصنف: "ولأن نيابة الموضوع للرفع موجودة في نحو: ما أنا كانت، ومررت بك أنت، فلا استبعاد في نيابة غيره عنه". قلت: أما النيابة فيما ذكر من قولهم: "ما أنا كأنت" فذلك/ لعلة أن الكاف لا تدخل على الضمير المجرور، فاحتيج إلى النيابة، وفيما ذكر من

стр. 1375

قولهم: "مررت بك أنت" فلأنهم لما أرادوا تأكيد المجرور، ولا منفصل له يؤكد به، احتاجوا إلى استعمال غيره. قال المصنف: "ولأن العرب قد تقتصر على عساك ونحوه، فلو كان المضمر في موقع نصب لزم منه الاستغناء بفعل ومنصوبه عن مرفوعه، ولا نظير لذلك، بخلاف كونه في موضع رفع فإن الاستغناء به نظير الاستغناء بمرفوع كاد في قولهم: من تأتي أصاب أو كاد". قلت: أما علة الاقتصار هنا على منصوب فلأنها لما عملت عمل لعل صار حكمها في الاقتصار حكمها، فكما يقتصر منصوب لعل وأخواتها، ويحذف مرفوعها للعلم به، فكذلك عسى، قال في الاقتصار عليهما: يا بتا عللك أو عساك وقال المصنف: "ولأن قول س يلزم منه حمل فعل على حرف في العمل، ولا نظير لذلك". قلت: عدم النظير ليس بديل، فمكم من أحكام لكلمات لا نظير لها. وأيضًا إذا كانوا لا يعملون الفعل، ويهملونه حتى من الفاعل لشبهه بالحرف، فلأن يعملوه عمله أحرى وأولى حملًا على الحرف، وذلك نحو قلما، فإنهم أجروها مجرى "ما"، فإذا قلت "قلما يقوم زيد" فكأنك قلت: ما يقوم زيد، فهذا أيضًا لا نظير له، ومع ذلك هو من كلام العرب. وزعم السيرافي أن "عسى" في قولك عساك وعساني حرف. قال

стр. 1376

المصنف: "وفيه ضعف لتضمنه اشتراك فعل وحرف في لفظ واحد، إلا أن فيه تخلصًا من الاكتفاء بمنصوب فعل عن مرفوعه في نحو: ............. علك أو عساك وفي نحو "عساك تفعل" بغير "أن"، ولا تخلص للمبرد من ذلك. ويلزم المبرد أيضًا مخالفة النظائر من وجهين آخرين: أحدهما الإخبار باسم عين جامد عن اسم معنى". قلت: لا يلزم ذلك إلا إذا اعتقد "أن" حرفًا ينسبك منه مع فعله مصدر، أما إن اعتقد أنها زيدت لأجل "عسى" وتراخى الفعل فلا يلزم ذلك. قال المصنف: "والثاني وقوع خبر في غير موضعه بصورة لا تجوز فيه إذا وقع موقعه، وذلك أنك لو قلت في عساك أن تفعل: عسى أن تفعل إياك، ولم يجز، وما لم يجز في الحالة الأصلية حقيق بان لا يجوز في الحالة الفرعية. فتبين أن قول أبي الحسن في هذه المسألة هو الصحيح". قلت: الصحيح مذهب س. والذي يقطع ببطلان مذهب أبي الحسن أن قوله: إن "أن تفعل" في موضع نصب، وإن الضمير في موضع رفع، أن بعض العرب صرح بعد "عسى" المتصل بها ضمير النصب بالاسم مرفوعًا مكان "أن تفعل"، كما صرح به منصوبًا بعد ضمير الرفع في قوله: / لا تلحني إني عسيت صائمًا قال: فقلت: عساها نار كأس، وعلها تشكي، فآتي نحوها، فأعودها

стр. 1377

فهذا قاطع ببطلان مذهب أبي الحسن؛ إذ لو كان في موضع نصب لقال: عساها نار كأس، ونصب. وفي البسيط: "ولو ظهر الخبر بغير أن لافتضح الأخفش" انتهى. وقد ظهر في هذا البيت الذي أنشدناه، فافتضح. وبقى الترجيح بين مذهب س وأبي العباس؛ إذ في كليهما خروج عما استقر في "عسى"، لكن ينبغي مراعاة المعنى إذا تعارض مع اللفظ، ففي مذهب س الخروج عما استقر لها من العمل، وهو أمر لفظي. وفي مذهب أبي العباس الخروج عما استقر لها من جعل المخبر عنه خبرًا والخبر مخبرًا عنه، وهذه إحالة للمعنى، فكان مذهب س أرجح لذلك. وقوله وربما اقتصر عليه مثاله: يا أبتا عللك أو عساك وقوله: ............. تنازعني: لعلي أو عساني فإن قلت: المنصوب لا بد له من مرفوع. فالجواب ما قاله أبو علي، قال: "هو محذوف، ولم يمتنع حذفه- وإن كان الفاعل لا يحذف- لأنها أشبهت لعل، فجاز حذفه كما جاز حذف أخبار هذه الحروف من حيث كان الكلام في الأصل مبتدأ وخبرًا، فحذف كما حذف علك، ويكون ذلك المحذوف غائبًا، كأنه قال: عساك الهالك، وعساك هو، وما حكي من قولهم: عساك تفعل، وعساني

стр. 1378

أخرج، فيخرج على إضمار أن، نحو: وما راعنا إلا يسير بشرطة ....................... أي: إلا أن يسير، أو كما قال أحمد بن يحي: يعجبني يقوم. وكان هشام والفراء يقولانه، فيضمران أن. لو أضمر في عساني وعساك مرفوع هو الفاعل، والياء والكاف منصوبان، فعدي إلى الضمير كما تعدي إلى المظهر في "عسى الغوير أبؤسا" لكان وجهًا. والفاعل حينئذ إن جرى له ذكر فلا إشكال في إضماره، وإن لم يجر له ذكر فإنما يضمر لدلالة الحال عليه، كما في قولهم: إذا كان غدًا فأتني، وتكون على بابها، ولا تشبه بلعل" انتهى، وهو ملخص من البسيط. وقوله ويتعين عود ضمير من الخبر إلى الاسم وذلك أن "كان" إذا وقع المضارع خبرها جاز أن يرفع ضمير اسمها، وجاز أن يرفع السببي، فتقول: كان زيد يقوم، وكان زيد يقوم أخوه. وأما هنا فذكر المصنف أنه يتعين عود ضمير من الخبر إلى الاسم، وما قاله ليس بجيد لوجوه. أحدها: أنه قال: "ويتعين:، وقال بعده: "وكون الفاعل غيره قليل"، فدل على أنه يتعين، فإصلاحه أن يقول: ويكثر عود ضمير من الخبر إلى الاسم. والثاني: أنه جعل ذلك حكمًا في جميع هذه الأفعال. والذي ذكره أصحابنا أن ذلك- أعني أنه لا يكون فاعل خبرها إلا ضمير اسمها- يكون في جميع أخوات عسى، وأما "عسى" فإنه يجوز أن يكون ضمير اسمها،

стр. 1379

ويجوز أن يكون سببيًا منه، وأنشدوا: / وما عسى الحجاج يبلغ جهده إذا نحن جاوزنا حفير زياد برفع "جهده" ونصبه. والثالث: "أنه قال "وكون الفاعل غيره قليل". وهو عند أصحابنا لا يجوز، وتأولوا ما ورد من ذلك، وكذا قال المصنف في شرحه، قال: "الضمير في غير هذا الباب لا يشترط كونه فاعلًا، بخلافه في هذا الباب، فإن الفاعل لا يكون غيره إلا على قلة، ولا يكون ما ورد على قله مؤولًا بأنه هو" انتهى. وهذا كلام مثبج؛ لأنه أثبت في الفص أن مكون الفاعل غير الضمير قليل، ثم ذكر أنه يكون مؤولًا، فإذا كان مؤولًا فلا يثبت للقلة حكم البتة. وقالوا: يجوز: عسى زيد أن يرحمه الله، ولا يجوز: جعل زيد يضربه عمرو، ولا: يضربه أبوه. قالوا: ويجوز: جعل زيد يضرب فيصبر، أي: جعل زيد يصبر على الضرب. ومما جاء فيه الفعل مسندًا لغير الضمير العائد على أسماء هذه الأفعال قول الشاعر: وقفت على ربع لمية ناقتي فما زلت أبكي عنده، وأخاطبه وأسقيه حتى كاد مما أبثه تكلمني أحجاره وملاعِبُهْ

стр. 1380

وقول الآخر: وقد جعلت إذا ما قمت بثقلني ثوبي، فأنهض نهض الشارب الثمل وقول الآخر: فخلاها حتى إذا طال ظمؤها وقد كدن لا يبقى لهن شحوم وقول الآخر: وجدت فؤادي كاد أن يستخفه رجيع الهوى من بعض ما يتذكر المعنى: يكلمني، وأثقل بثوبي، ولا يبقين، وأن يخف من رجيع الهوى. وأنشد أحمد بن يحي: فقد جعلت في حبة القلب والحشا عهاد الهوى يوفي بشوق بعيدها ويروي: يعيدها: وهو أجود. وفي الإفصاح: خبر أفعال المقاربة لا يكون إلا لفاعل فعل المقاربة لا لسببه، لا تقول: طفق زيد يتحدث أخوه، ولا: أنشأ عمرو ينشد ابنه؛ لأنها إنما جاءت لتدل على أن فاعلها قد تلبس بهذا الفعل، وشرع فيه لا غيره. و"جعلت يثقلني ثوبي" حمل على المعنى، فكأنه قال: أضعف عن حمل ثوبي، وأتثاقل، وأتعب بلباسه. ويدل على هذا أنه عطف على هذا الفعل ما هو له، فقال: فأنهض. وقد يكون هذا قد صح بسبب

стр. 1381

"فأنهض" لأنه المقصود، فكأنه قال:/ أنهض نهض الشارب الثمل لضعفي عن حمل ثوبي؛ لأن الفاء تربط ما بعدها بما قبلها لما فيها من معنى السببية. وقد يمكن أن أراد بـ "جعلت" جعل ثوبي، فحذف المضاف، وأعاد بعد. وقوله وتنفي "كاد" إعلامًا بوقوع الفعل عسيرًا أو بعدم وعدم مقاربته إذا أدخلت حرف النفي على كاد ويكاد فمذهب الزجاجي وغيره أنه يدل على نفي الفعل ومقاربته. فإذا قلت: "ما كاد زيد يقوم" فمعناه نفي المقاربة، ويلزم من نفي المقاربة نفي القيام، ولذلك قالوا في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾: إن معناه: لم يرها، ولم يقارب رؤيتها. وفي قوله ﴿لَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾: إنه لا يسيغه، ولا يقارب إساغته، وهذا معنى قول المصنف: "أو بعدمه وعدم مقاربته". وذهب قوم منهم أبو الفتح إلى أن نفيها يدل على وقوع الفعل بعد بطء، وهذا معنى قول المصنف: "وتنفي كاد إعلامًا بوقوع الفعل عسيرًا". واستدل أبو الفتح على ذلك بقول الله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾؛ ألا ترى أنهم قد فعلوا بعد بطء.

стр. 1382

وجمع المصنف بين القولين: قول الزجاجي وقول أبي الفتح، وهما مذهبان قال بعض أصحابنا: والصحيح مذهب الزجاجي لأن فيه حمل "كاد" على سائر الأفعال في أن نفيها نفي. وقال المصنف أيضًا: "وزعم قوم أن كاد ويكاد إذا دخل عليهما نفي الخبر مثبت، وإذا لم يدخل عليهما نفي الخبر منفي، والصحيح أن إثباتهما إثبات للمقاربة ونفيهما نفي للمقاربة". ثم قال: "وقد يقول القائل: لم يكد زيد يفعل، ويكون مراده أنه فعل بعسر لا بسهولة، وهو خلاف الظاهر الذي وضع اللفظ له أولًا، ولإمكان هذا رجع ذو الرمة في قوله: إذا غير النأي المحبين لم يكد رسيس الهوى من حب مية يبرح إلى أن بدل "يكد" ب"تجد"، وإن كان في "يكد" من المبالغة والجزالة ما ليس في "تجد" انتهى. وهذا الذي أجازه أخيرًا من انه "تنفي كاد إعلامًا بوقوع الفعل عسيرًا" هو الذي ذهب إليه أبو الفتح ومن تبعه، ولم يجوز غيره. وقد زعم المصنف أنه خلاف الظاهر الذي وضع اللفظ له، والعجب أنه قد ذكر في قوله تعالى ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ أنه محمول على وقتين: وقت عدم الذبح وعدم مقاربته، ووقت وقوع الذبح، كما يقول القائل: خلص فلان وما كاد يخلص. وكذا تأوله أصحابنا على أن المراد:

стр. 1383

فذبحوها بعد تكرار الأمر عليهم بذبحها، وما كادوا يذبحونها قبل ذلك، ولا قاربوا الذبح، بل أنكروا ذلك أشد الإنكار بدليل قولهم: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾. وإذا كان تأويل الآية على أن ذلك في وقتين فكيف يقول المصنف إنها: "تنفي كاد إعلامًا بوقوع الفعل عسيرًا"، وإنما علم وقوع الفعل من قوله ﴿فَذَبَحُوهَا﴾، ومن قولك: خلص زيد ولم يكن يخلص، وهو الفعل المثبت لا "كاد" المنفية. وفي البسيط: فيها لغتان كدت وكدت تكاد، وهي جارية مجرى الأفعال في أن إيجابها يدل على ثبوت القرب ونفيها يدل على نفيه، ولا يتعرض لذات الفعل بنفي ولا إثبات بحسب لفظها، وثبوته أو نفسه يعلم من خارج. وقال بعضهم: إنها مع الإثبات نفي، ومع النفي إثبات. وهذا إن إضافة إلى دلالة اللفظ بوضعه فقد أخطأ. وقيل: هي مع الماضي المنفي منها إثبات، ومع غيره فعلى قياس الأفعال. وقال بعض المتأخرين: إنها للقرب، وتشعر بعدم الفعل، فتارة يكون نفيها بحسب مدلولها، ولا تكون إثباتًا، وتارة يكون بحسب ما تشعر، فيكون نفيه إثباتًا لأن نفي النفي إثبات، فتكون جارية في النفي على طريقتين، وعلى نفي المقاربة ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾، وعلى نفي النفي ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾.

стр. 1384

وقوله ولا تزاد، خلافًا للأخفش استدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾، وبقول حسان: وتكاد تكسل أن تجيء فراشها في جسم خرعبة وحسن قوام وأولت الآية على معنى: أكاد أخفيها فلا أقول هي آتية، وقيل: معناه: أكاد أخفيها عن نفسي. وقرأ أبو الدرداء وابن خبير: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ بفتح همزة (أخفيها) من خفيت الشيء: أظهرته، وقال الشاعر: خفاهن من أنفاقهن، كأنما خفاهن ودق من عشي مجلب أي: أظهرهن. وأما "وتكاد تكسل" فإنه وصف المرأة بمقاربة الكسل دون حصوله، ولو كانت زائدة لكان وصفًا مذمومًا لأنه يدل على مهانة النفس جدًا؛ إذ يلزمها أن تنام في أي مكان كانت فيه.

стр. 1385

وقوله واستعمل مضارع كاد وأوشك ذكر في أول الباب ما نصه: "ويلازمن لفظ المضي إلا كاد وأوشك". وبين هنا الذي استعمل من تصاريف كاد وأوشك هو المضارع، ومضارع أوشك أكثر من الماضي، ولذلك أنكر الأصمعي الماضي، وتقدم ذكر ذلك. وذكر الجوهري مضارع طفق. قال المصنف: "ولم أراه لغيره". والظاهر أنه قال رأيًا. وحكي الكسائي: إن البعير حتى يجعل إذا شرب الماء مجه. وفي شعر زهير الأمر من أوشك، قال يصف قطاه وصقرًا: حتى إذا قبضت أولى أظافره منها، وأوشك بما لم تخشه يقع وفي شعره أيضًا استعمال أفعل التفضيل منه، قال: وما مخدر ورد عليه مهابة يصيد الرجال، كل يوم ينازل بأوشك منه أن يساور قرنه إذا شال عن خفض العوالي الأسافل وقوله ونذر اسم فاعل وأوشك وكاد مثاله ذلك قول الشاعر:

стр. 1386

فموشكة أرضنا أن تعود خلاف الخليط وحوشًا يبابا وقول الآخر: فإنك موشك أن لا تراها وتغدو دون غاضرة الغوداي وقول كثير: أموت أسي يوم الرجال وإنما يقينًا برهن بالذي أنا كائد قال المصنف: "أراد: بالموت الذي كدت آتيه، فأقام اسم الفاعل مقام الفعل". وفي البسيط: فال بعضهم إن لكاد مصدرًا، يقال: كاد كودًا ومكادًا. وحكي قطرب: كاد كيدًا وكيدودة. وفيه نظر لأن كاد من ذوات الواو، وقد حكى س: كدت، ولا يكون هذا إ من الواو تم بحمد الله وتوفيقه الجزء الرابع من كتاب "التذييل والتكميل" بتقسيم محققه، ويليه- إن شاء الله تعالى- الجزء الخامس، وأوله: "باب الأحرف الناصبة الاسم الرافعة الخبر"

стр. 1387

التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل ألفه أبو حيان الأندلسي حقه الأستاذ الدكتور حسن هنداوي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - فرع القصيم الجزء الخامس دار القلم دمشق

стр. 1388

-[ص: باب الأحرف الناصبة الاسم الرافعة الخبر وهي (إن) للتوكيد، و (لكن) للاستدراك، و (كأن) للتشبيه، وللتحقيق أيضًا على رأي، و (ليت) للتمني، و (لعل) للترجي، وللإشفاق، والتعليل، والاستفهام. ولهن شبهٌ بـ (كان) الناقصة في لزوم المبتدأ والخبر والاستغناء بهما، فعملت عملها معكوسًا ليكونا معهن كمفعولٍ قُدم وفاعلٍ أخر تنبيهًا على الفرعية، ولأن معانيها في الأخبار، فكانت كالعمد، والأسماء كالفضلات، فأعطيا إعرابيهما. ويجوز نصبهما بـ (ليت) عند الفراء، وبالخمسة عند بعض أصحابه، وما اشتشهد به محمولٌ على الحال، أو على إضمار فعل، وهو رأي الكسائي.]- ش: ذكر المصنف (الأحرف) لأنه جمع قلة، وهو أولى من قولهم (الحروف) وإن كان جائزًا، واعتذر عمن قال (الحروف) بأنها وإن كانت قليلة فإنه قد يُلحظ ما يعرض فيها من فتح (إن)، ومن لغات (لعل)، ومن تخفيف ما آخره نونٌ مشددة منها. وذكرها خمسة، ولم يذكر (أن) اعتبارًا بالأصل لأن (أن) فرع المكسورة، واقتداء بـ (س) والمبرد في (المقتضب) / وابن السراج في (الأصول).

стр. 1389

ثم أورد على نفسه اعتراضًا، فقال: "إذا كان تفريع أن سببًا لعدم الاعتداد بها فينبغي ألا يُعتد بكأن؛ فإن أصل كأن زيدًا أسدٌ: إن زيدًا كالأسد. فالجواب: أن أصل كأن منسوخ لاستغناء الكاف عن متعلق به، بخلاف أن، فليس أصلها منسوخًا بدلالة جواز العطف بعدها على معنى الابتداء كما يُعطف عليه بعد المكسورة، فاعتُبرت فرعية أن لذلك دون كأن" انتهى. وقال النحاس: "أنكر المبرد على س قوله (هذا باب الحروف الخمسة)، وقال: (هي ستة، والسادس أن؛ لأنها مع صلتها اسم). وهذا من أبي العباس تحامل، فينبغي أن يُنكر على نفسه إذ ذكرها في (المقتضب) خمسة". وقوله الناصبة الاسم هذا لا خلاف فيه، وأنها هي العاملة النصب في الاسم. وقوله الرافعة الخبر هذا مختلف فيه، فمذهب البصريين أنه هي الرافعة للخبر كما هي الناصبة للاسم، وأنها عملت عملين. ومذهب الكوفيين أنها لم تعمل في الخبر شيئًا، بل هو باقٍ على رفعه قبل دخولها. ومن حُجتهم ما حكاه س عن العرب حين قال: "واعلم أن

стр. 1390

ناسًا من العرب يغلطون، فيقولون: إنك وزيدٌ ذاهبان". جعل هذا غلطًا لأن من مذهبه أن خبر (إن) مرتفع بها، فإذا قلت (وزيدٌ) بالرفع فقد أعملت الابتداء في الخبر، ولا يعمل في اسم عاملان. والكوفيون لا يُغلطون العرب في مثل هذا، بل هو شاهد لهم، والمعنى: أنت وزيدٌ منطلقان. قال السهيلي: "ومما يدل على صحة قولهم أنه لو كان مرفوعًا بها لجازي أن يليها كما يلي كل عامل ما عمل فيه، وإنما الممتنع ما عمل فيه غيره. ومن حجتهم أن هذه الحروف أضعف من (كان) و (ظننت)؛ لأن تلك أفعال، فرفعت ونصبت كما تعمل الأفعال، وهذه حروف، والحروف إنما تعمل في اسمٍ واحد أو في فعلٍ خاصة، إلا أن حروف الشرط في عملها في الجواب نظر واختلاف" انتهى. وقال أبو إسحاق الزجاج: إنما لم يل (إن) إلا المنصوب لأنهم قد فرقوا بين ما كان موضوعًا موضع الفعل مؤديًا عن معناه وبين ما ضُورع به الفعل من غير أن يكون في موضع الفعل؛ فالذي جُعل في موضع الفعل قولك: ما زيدٌ منطلقًا، فهذا في موضع: ليس زيدٌ منطلقًا، وهو مؤدً عن معناه. والذي ضورع به الفعل وليس موضوعًا موضعه: إن زيدًا منطلقٌ. وقال علي بن سليمان: جُعل في الحروف ما في الفعل من العمل إلا موضعًا واحدًا ليكون للفعل فضيلة، فقيل: ما زيدٌ منطلقًا، كما قيل: ضرب زيدٌ عمرًا، وقيل: إن زيدًا منطلقٌ، كما قيل: ضرب زيدًا عمرٌ والذي فضل به الفعل لتصرفه: زيدًا ضرب عمرو.

стр. 1391

وقوله وهي (إن) للتوكيد ولذلك أجيب بها القسم كما يجاب باللام في قولك: والله لزيدٌ قائمٌ. وزعم ثعلب أن الفراء/ قال: (إن) مُقررة لقسمٍ متروكٍ، استغني به عنه، والتقدير: والله إن زيدًا لقائمٌ. وقال في (البسيط): "مُطلق التأكيد لا يخص جنسًا من جنس؛ ألا ترى أن اللام لا تخص الاسم من الفعل، فتقول: لزيدٌ قائمٌ، كما تقول: ليقوم زيدٌ، بخلاف (إن)، فإنها خاصة بجمل الأسماء" انتهى. ومن مُلح القول في (إن) ما ذكره في (الغرة) من أن (إن) لها عشرة أنحاء: للتحقيق. وبمعنى نعم. وأمرًا من الأنين. وماضيًا مبنيًا للمفعول من الأنين على لغة رد، تقول: إن في هذا الأنين. وأمرًا من الأين، تقول للنساء: إن، أي: اتعبن. وأمرًا للأنثى من وأي، لحقه نون التوكيد. وأمرًا للنساء من آن، أي: قرب، أي: اقربن. وإخبارًا عن المؤنث المجموع، أي: قربن. وإن قائمٌ، الأصل: إن أنا قائمٌ، فنقل وحذف. وعلى من أعمل (إن) قال: إن قائمًا. وذكروا أن (أن) المفتوحة أيضًا معناها التوكيد. ولا يظهر لي هذا المعنى لأنها ينسبك منها مصدر، ولو صرحت بالمصدر المنسبك منها لم يكن ثم في النسبة توكيد، لو قلت في بلغني أنك منطلقٌ: بلغني انطلاقك، لم يكن فيه توكيد البتة.

стр. 1392

وفي (البسيط): "قال النحويون: (أن) المفتوحة تكون للتوكيد، وتُفيد السبك. قلت: وعلى هذا إشكال، وهو أنها إذا كانت للتأكيد كان معناها تحقيق الخبر وتأكيد النسبة، وإذا كانت سابكة كان في ذلك إبطال الخبرية لأن سبكها يُبطل الخبرية؛ لأن في السبك عدم قبول الصدق والكذب. والجواب: أن المفتوحة أصلها الكسر، والمؤكدة هي المكسورة ليس إلا، لكن فتحها يكون لصيرورتها في تأويل المفرد المؤكد ثبوته، فإذا قلت: إن زيدًا منطلقٌ، ثم قلت: علمت أن زيدًا منطلقٌ، فمعناه: علمت أن المؤكد الثابت، فعلى هذا لا تكون إلا علامة على السبك لا للتأكيد والسبك" انتهى. وقوله و (لكن) للاستدراك زاد غيره: وللتوكيد. ومعنى الاستدراك الذي فيها أنك تنسب حكمًا لمحكوم عليه يُخالف الحكم الذي للمحكوم عليه قبلها، ولذلك لابد أن يتقدمها كلام ملفوظ به أو مقدر ولابد أن يكون الكلام الذي قبلها نقيضًا لما بعدها أو ضدًا، فإن كان خلافًا ففي وقوعها بين الخلافين خلاف، وإن كان وفاقًا فالإجماع على أنه لا يجوز. فمثال النقيض: ما هذا ساكنٌ لكنه متحركٌ. ومثال الضد: ما هذا أسود لكنه أبيض، ومثال الخلاف: ما هذا قائمٌ لكنه شاربٌ. ومثال الوفاق: ما زيدٌ قائمٌ لكن عمرًا قائمٌ. وفي (البسيط): "معناها الاستدراك لخبرٍ تُوهم أنه موافق لما قبله في الحكم، فأتى به لرفع ذلك التوهم، أو تقريره، أو لتأكيد الأول وتحقيقه، نحو: ما قائمٌ زيدٌ لكن عمرًا قاعدٌ، لما قيل (ما قائمٌ زيدٌ) فكأنه

стр. 1393

توهم أن عمرًا مثله لشبهٍ بينهما أو ملابسة، فرفعت ذلك التوهم، واستدركت في كلامك ذلك، ونحو: لو قام فلانٌ لفعلت لكنه لم يقم، فأكدت ما دلت عليه (لو)، وكأنها في المعنى مُخرجة لما دخل في الأول توهمًا، قال تعالى: / ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ﴾، ثم قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ أي: ما أراكهم كثيرًا. وكذلك: ما قام زيدٌ ولكنه قعد، فيها معنى التأكيد لمضمون الجملة الأولى. فإن لم تتضمن مخالفة في المعنى، واللفظ مخالف، والمعنى يُمكن أن يوافق، نحو: ما قام زيدٌ لكن ما أتي يضحك، فقد يقال إنه لا يجوز لأنه لا فائدة في الاستدراك، فيضيع معنى لكن. وقد يقال هو جائز لأنه استدراك فائدة مخالفة الأول في الثبوت والنفي، فأشبهت الأول" انتهى، وفيه تلخيص وبعض زيادة. واختلفوا أهي بسيطة أم مركبة: فذهب البصريون إلى أنها بسيطة، وأنها منتظمة من خمسة أحرف، وهي أقصى ما جاء عليه الحرف. وذهب الفراء إلى أنها مركبة، وأن أصلها: لكن أن، فطرحت الهمزة من (أن)، وسقطت نون (لكن) حيث استقبلت ساكنًا، كما قال الشاعر:

стр. 1394

فلست بآتيه، ولا أستطيعه ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل فحذف نون (لكن) لالتقائها ساكنة مع سين (اسقني). ونقل صاحب (اللباب) عن الكوفيين أنها مركبة من (لا) و (إن) والكاف زائدة، والهمزة محذوفة، قال: "وهذا ضعيف جدًا". وفي (البسيط): "قيل: هي غير مؤلفة، وهو مذهب الأكثرين. وقيل: هي مؤلفة من (لا) و (كأن)، والكاف للتشبيه، و (أن) على أصلها، ولذلك وقعت بين كلامين لما فيه من نفي لشيء وإثباتٍ لغيره، وهو رأي أي زيد - يعني السهيلي - فإذا قلت (قام زيدٌ لكن عمرًا قاعدٌ) فكأنك قلت: لا كأن عمرًا قاعدٌ، ويُتأول في المعنى: فعل زيدٍ لا كفعل عمرٍو، ثم رُكبت هذه الحروف الثلاث، فانتشر تغييرها، فكسرت الكاف، وحُذفت همزة (أن)، ولم يقع التغيير في الأول منها لأنه الصدر، والتغيير في الأواخر والأوساط. وقال أبو زيد - يعني السهيلي - (كُسرت الكاف للدلالة على المحذوف)، يعني أن الأصل (إن) المكسورة، وهو رأي بعض الكوفيين، فما دخلت الكاف فتحت، فلما حُذفت الهمزة غُيرت الكاف بالكسر لتدل على المحذوف لكثرة التغيير. وهذا المذهب لا دليل عليه" انتهى. وقوله و (كأن) للتشبيه ذهب الخليل وس والأخفش وجمهور

стр. 1395

البصريين والفراء إلى أنها مركبة من كاف التشبيه ومن (إن)، فأصل كأن زيدًا أسدٌ: إن زيدًا كأسدٍ، فالكاف للتشبيه، و (إن) مؤكدة له، ثم أرادوا الاهتمام بالتشبيه الذي عليه عقدوا الجملة، فأزالوا الكاف من وسط الجملة، وقدموها إلى أولها لإفراط عنايتهم بالتشبيه، فلما أدخلوا الكاف على (إن) وجب فتحها لأن (إن) المكسورة الهمزة لا يتقدمها حرف الجر، ولا تقع إلا أولًا أبدًا، وبقي معنى التشبيه الذي كان فيها وهي متوسطة كحالة فيها وهي/ متقدمة. وقال بعض البصريين: "هذا خطأ لأنه يلزم قائله أن يأتي بخبر الكاف" انتهى. وقول ابن هشام: "لا خلاف في أنها مركبة من إن وكاف التشبيه" ليس بصحيح لوجود الخلاف فيها. والأولى أن تكون (كأن) حرفًا بسيطًا وُضع للتشبيه كالكاف، وألا تكون مركبة من الكاف و (إن)؛ لأن التركيب على خلاف الأصل. واختلف القائلون بالتركيب: هل تتعلق هذه الكاف بشيء أم لا؟ فقال أبو الفتح: "الكاف لما تقدمت بطل أن تكون متعلقة بفعلٍ ولا معنى فعلٍ لأنها فارقت الموضع الذي يُمكن أن تتعلق فيه بمحذوف، فزال ما كان لها من التعلق بمعاني الأفعال في حال توسطها". قال: "وليست هنا زائدة لأن معنى التشبيه موجود فيها، وإن كانت قد تقدمت فأزيلت عن مكانها، وإذا كانت غير زائدة فقد بقي النظر في (أن) التي دخلت عليها، هل هي مجرورة بها أو غير مجرورة".

стр. 1396

قال: "فأقوى الأمرين فيها عندي أن تكون مجرورة بالكاف. فإن قلت: إن الكاف الآن ليست متعلقة بفعل. فليس ذلك بمانع من الجر فيها؛ ألا ترى أن الكاف في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ غير متعلقة بفعل، وهي مع ذلك جارة". قال: "ويؤكد عندك أن الكاف هنا جارة فتحهم الهمزة بعدها كما يفتحونها بعد العوامل الجارة وغيرها، وذلك نحو: عجبت من أنك قائمٌ، وأظن أنك منطلقٌ، وبلغني أنك كريمٌ". وذهب أبو إسحاق الزجاج إلى أن الكاف الجارة في موضع رفع، فإذا قلت "كأني أخوك" ففي الكلام عند حذف، وتقديره: كأخوتي إياك موجودٌ؛ لأن (أن) وما عملت فيه بتقدير مصدر، فلا تكون الكاف على هذا مقدمة من تأخير. قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: وما ذهب إليه أبو الفتح أظهر من جهة أن العرب لم تُظهر قط ما ادعى أبو إسحاق إضماره؛ ألا ترى أنه لا يُحفظ من كلامهم: كأني أخوك موجودٌ. وقوله وللتحقيق أيضًا على رأي هو رأي الكوفيين والزجاجي، زعموا أنها تأتي للتحقيق والوجوب، وجعلوا من ذلك قول الشاعر:

стр. 1397

فأصبح بطنُ مكة مقشعرًا كأن الأرض ليس بها هشام وقول الآخر، وهو عمر بن أبي ربيعة: كأنني حين أمسي لا تُكلمني متيمٌ يشتهي ما ليس موجودًا المعنى عندهم: لأن الأرض ليس بها هشام، وإنني حين أمسي لا تُكلمني؛ إذ محال أن يقول الإنسان: كأن الأرض ليس بها هشام، على جهة التشبيه، وهشام ليس بالأرض. وفي بيت عمر لا يصح التشبيه؛ ألا ترى أن يشتهي كلامها، وهي لا تكلمه، وإذا/ كان كذلك فهو مُشتهٍ. والصحيح أنها في البيتين للتشبيه: أما الأول فلأنه أراد أن بطن مكة قد كان ينبغي له ألا يقشعر لدفن هشام في أرضه وتضمنه أشلاءه، وهو قائم مقام الغيث، فكما أنه لا يُقشعر مع وجود الغيث فكذلك كان ينبغي ألا يقشعر لتضمنه أشلاء هشام، فلما اقشعر صارت أرضه كأنها ليس بها هشام. وأما البيت الثاني فيرجع إلى التشبيه من جهة أنه يئس من أن تُكلمه مع اشتهائه كلامها وإن كانت موجودة، كما يوئس من الوصول إلى ما هو معدوم، فصار لذلك كأنه اشتهى ما لا وجود له أصلًا.

стр. 1398

وقال المصنف في البيت الأول: "يُخرج على أن هشامًا وإن مات فهو باقٍ ببقاء من يخلُفه سائرًا بسيرته". قال: "وأجود من هذا أن تجعل الكاف من (كأن) للتعليل في هذا الموضع، وهي المرادفة للام، كأنه قال لأن الأرض ليس بها هشام". وذهب الزجاجي والكوفيون إلى أن (كأن) إذا كان خبرها اسمًا جامدًا كانت للتشبيه، وإذا كانت مشتقًا كانت للشك بمنزلة ظننت وتوهمت. وإلى هذا ذهب ابن الطراوة وابن السيد، قال ابن السيد: "إذا كان خبرها فعلًا أو جملة أو ظرفًا أو صفة فهي للظن والحسبان". قال: "والنحويون يقولون: هي للتشبيه، وليس كذلك إلا إذا كان الخبر مما يُمثل به الأول إما أحط أو أرفع، نحو: كأني بك ملكٌ، فإذا قلت: كأن زيدًا قائمٌ، لم يستقم أن يكون تشبيهًا لأن الشيء لا يُشبه بنفسه". وجعل أبو بكر بن الأنباري من ذلك قولهم: كأنك بالشتاء مُقبلٌ، أي: أظن الشتاء مقبلًا. ومن ذلك قول الشاعر: فكأنني بكما إذًا قد صرتما لا في فرائضه ولا أشناقه أي: أظن أنكما لا يبقي لكما ما تجب فيه فريضة ولا شنقٌ للغارة التي تُغار عليكما، والشنق: ما دُون الفريضة.

стр. 1399

والصحيح أنها للتشبيه، فإذا قلت "كأن زيدًا قائمٌ" كنت قد شبهت زيدًا وهو غير قائم به قائمًا، والشيء يُشبه في حالةٍ ما به في حالة أخرى، قاله ابن ولاد. وقيل: في الكلام حذف، والمعنى: كأن هيئة زيد هيئة قائم، فحذف، فعلى هذا التقدير شبه هيئته في غير حال القيام بهيئته في حال القيام، قاله أبو علي. والتوجيه الأول أظهر لأنه لا يُحتاج معه إلى حذف. وذهب الكوفيون إلى أن (كأن) تكون للتقريب، وذلك في نحو: كأنك بالشتاء مقبلٌ، وكأنك بالفرج آتٍ، وفي قوله: فكأنني بكما إذا قد صرتما. البيت. وقول الحسن البصري: "كأنك بالدنيا لم تكن، وبالآخرة لم تزل". والمعنى على تقريب إقبال الشتاء، وتقريب إتيان الفرج، وتقريب ألا يبقى لكما ما تجب فيه فريضة ولا شنقٌ، وتقريب زوال الدنيا، وتقريب وجود الآخرة. والصحيح/ أن (كأن) للتشبيه في هذا كله: فأما قولهم "كأنك بالشتاء مقبلٌ" فخرجه الفارسي على أن الكاف في (كأنك) للخطاب، والباء في (بالشتاء) زائدة، واسم (كأن) الشتاء، والخبر (مُقبلٌ)، والتقدير: كأن الشتاء مقبلٌ. وكذلك القول في "كأنك بالفرج آتٍ"، التقدير: كأن الفرج آتٍ. وكذلك قول الحسن، التقدير: كأن الدنيا لم تكن والآخرة لم تزل، فالضمير في (تكن) و (تزل) عائد على اسم (كأن).

стр. 1400

وخرجه غيره على حذف مضاف، والتقدير: كأن زمانك بالشتاء مقبلٌ، وكأن زمانك بالفرج آتٍ، والكاف هي الاسم، و (مقبلٌ) الخبر، ولما كان الشتاء قريب الوقوع جُعل الزمان الحاضر في وقت الخطاب كأنه مقبل. وكذلك يُتأول قول الحسن على أن الكاف اسم (كأن)، و (لم تكن) خبر، و (بالدنيا) متعلق بالخبر، والتقدير: كأنك لم تكن بالدنيا، أي: في الدنيا، والضمير في (تكن) عائد على المخاطب، وكأنك لم تزل بالآخرة، أي: في الآخرة، والتشبيه في الحقيقة للحالين لا للذي له الحال، و (لم تكن) تامة. ويحتمل أن تكون ناقصة، وهذا أولى من تأويل أبي علي لأن فيه دعوى حرفية الكاف للخطاب، ودعوى زيادة الباء في (بالشتاء) و (بالفتح) و (بالدنيا). وفي شرح الصفار البطليوسي ما نصه: "وتوجيهه أن المعنى: كأن الشتاء مُقبلٌ، وجعل المنتظر قريبًا، فشبه الشتاء وإن لم يكن مقبلًا به نفسه مقبلًا، والعرب تجعل القريب الوجود بمنزلة الموجود، كقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾، فمراده: كأن الشتاء مقبلٌ، وكأنك راحلٌ، وأدخل الكاف للخطاب، كما تقول: أبصرك زيدًا، تريد: أبصر زيدًا، غير أن الكاف في (أبصرك) حرف وفي (كأنك) اسم، إلا أنها لما عملت فيها (كأن) لم يُمكن أن تعمل فيما بعدها، فبقيت الجملة في موضع الخبر، وإنما جعلنا الكاف اسمًا لقولهم: (كأني بك راحلٌ)، ولا يُمكن أن تكون الياء حرفًا، فهو يناجي نفسه، وزادوا الباء كما زادوها في (بحسبك)، فهذا تمام الانفصال عن مذهب الكوفيين" انتهى. وفيه أن إسناد الإقبال في قولك: كأنك بالشتاء مقبلٌ، والرحل في

стр. 1401

قولك: كأني بك راحل، إنما هو للكاف التي هي ضمير ولياء المتكلم، فلا يُجعلان لغوًا زائدًا، ويُجعل الإسناد للشتاء وللكاف في: بك راحلٌ، ومثل هذا لم يُعهد في لسان العرب. ولابن عصفور تخريج مُلفق من قول أبي علي، وهو أنه قال: "الصحيح عندي أن (كأن) للتشبيه، وكأنك أردت أن تقول: كأن الفرج آتٍ، وكأن الشتاء مُقبلٌ، إلا أنك أردت أن تدخل الكاف، وألغيت (كأن) لزوال اختصاصها بالجملة الاسمية لما لحقها اسم الخطاب، كما ألغيت لما لحقتها (ما) في نحو (كأنما) لزوال الاختصاص، وكذلك تُلغى إذا لحقها ضمير المتكلم، نحو: كأني بك تفعل كذا؛ ألا ترى أنها إذ ذاك تدخل على الجملة الفعلية التي هي: تفعل كذا. والباء في (بالشتاء مقبلٌ) زائدة، وكأنه قال: كأنك الشتاء/ مقبلٌ، أرادا أن يقول: كأن الشتاء مقبلٌ، فألحق الكاف للخطاب، وألغى (كأن)، وزاد الباء في المبتدأ، كما زيدت في: بحسبك زيدٌ" انتهى. وهذا تخريج عجيب، فيه دعوى إلغاء (كأن) للحاق كاف الخطاب، وفي دعوى لحاق كاف الخطاب لها، وفي دعوى زيادة الباء، وفي دعوى أنها تليها الجملة الاسمية والفعلية لزوال الاختصاص، والعجب دعواه إلغاءها، وقد اتصل بها ضمير المتكلم في نحو: كأني بك تفعل كذا، وهب أنه يدعي في كاف (كأنك) أنها حرف للخطاب، أتراه يدعي في ياء المتكلم في (كأني) أنه حرف للمتكلم، وأنه لا عمل لـ (كأن) فيها؟ وعلى قوله يكون قوله (بك) من قوله "كأني بك تفعل كذا" متعلقًا بـ (تفعل)، وذلك لا يجوز لما تقرر من امتناع: تمر بك وتتفكر فيك. وأما إذا

стр. 1402

دخلت (كأن) على ياء المتكلم في نحو قوله "فكأنني بكما إذاً قد صرتما" و "كأني بك تفعل كذا"، وقول الحريري: كأني بك تنحط ............................ فلا يُمكن أن يكون الفعل خبرًا لـ (كأن) لاختلاف مدلول ياء المتكلم وضمير المخاطب في: قد صرتما، وتفعل، وتنحط. ويتخرج ذلك على حذف الخبر، وإبقاء معموله دليلًا على حذفه، والتقدير: كأني عالمٌ بكما إذًا، أو مُلتبسٌ بكما، وكأني عالمٌ بك تفعل، أو مُلتبسٌ، وكذلك التقدير في "كأني بك تنحط"، والجملة من قوله: قد صرتما، وتفعل كذا، وتنحط، في موضع الحال من ضمير الخطاب المجرور بالباء. والدليل على أن هذه الجملة في موضع الحال صحة جواز دخول واو الحال عليها، فتقول: كأني بكما وقد صرتما كذا، وكأني بك وقد طلعت الشمس. وذهب الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن عمرون الحلبي في قول الحسن: "كأنك بالدنيا لم تكن، وبالآخرة لم تزل" إلى جواز أن يكون خبر (كأن) هو المجرور، والجملة من قولك "لم تكن" و "لم تزل" في موضع الحال. ثم اعترض، فقال:

стр. 1403

"فإن قيل: إن (بالدنيا) لا يتم به الكلام، والحال فضلة. فالجواب: إن من الفضلات ما لا يتم الكلام إلا به، كقوله تعالى ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ فـ ﴿مُعْرِضِينَ﴾ حال من الضمير المخفوض، ولا يستغني الكلام عنها؛ لأن الاستفهام في المعنى إنما هو عنها. ومما يبين ذلك قولهم: ما زلت بزيدٍ حتى فعل، لا يتم الكلام بقولك: بزيد. ويدل على صحة الحال قولك: كأنك بالشمس وقد طلعت، ونحوه ما حُكي عن بعضهم: كأنا بالدنيا لم نكن. وعلى هذا يُحمل قول الحريري: كأني بك تنحط .................................. وخرجه المطرزي في (شرح المقامات): كأنين أُبصر بك، وترك الفعل لدلالة الحال. وما ذكرته أولى لأنه إضمار فعل وزيادة حرف جر لا يُحتاج إليه" انتهى كلامه، وهو تخريج حسن. وقد تدخل (كأن) في التنبيه والإنكار والتعجب، تقول: فعلت كذا وكذا كأني لا أعلم، وفعلتم كذا كأن الله لا يعلم/ ما تفعلون، ومنه قوله تعالى ﴿لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾، (وي) في قول الخليل كلمة مفصولة، و (كأن) هي هذه، و (وي) كلمة تنبيه وتندم على أمر سبق، ووقع التشبيه بعده على أحد معنيين: أحدهما: تأويل الخليل أنهم أوقعوا التشبيه على ما في علمهم وعرفهم، أو أُوقع لهم ذلك، فقيل: وقولوا: كأن الله يبسط الزرق، أي:

стр. 1404

كأن الله يعطي الرزق من عنده بقدر منه لا بعلم الشخص وقوةٍ منه لما يرى من تبدل حاله، وكذلك ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ أي: كأن الأمر لا يُفلح الكافرون، وكأنه قيل: أما يُشبه هذا الأمر أن يكون هكذا؟ والمعنى الثاني: أن يكون التشبيه ليس على أصله، بل المراد به التحقيق، أي: إن الله يبسط الرزق، وإن الأمر لا يُفلح الكافرون، فكما يدخلها معنى التعجب فكذلك يرجع إلى التحقيق عند هذه الكلمة، كقوله: ويكأن من يكن له نشب يحـ بب، ومن يفتقر يعش عيش ضر لا يريد إلا التحقيق. وقيل: (ويك) كلمة واحدة. وقيل: الكاف للخطاب، و (أن) في القولين هي المفتوحة، وهي بإضمار، كأنه قال: هل تعلمون بهذا أن الله يبسط الرزق؟ وفسر المفسرون (ويكأن) على معنى: ألم تر أن الله، فيُمكن أن يكون تفسير المعنى. مقتضب من (البسيط). وقوله و (ليت) للتمني ويقال (لت) بإبدال الياء تاء وإدغام التاء في

стр. 1405

التاء. ويكون في المستحيل والممكن، تقول: ليت عمرًا قادمٌ، وليت الشباب عائدٌ. وقال المصنف في الشرح: "يكون في الممكن وغير الممكن" فقوله: "وغير الممكن" ليس بجيد لأن غير الممكن قسمان: واجب، ومستحيل، والتمني لا يكون في الواجب، لا تقول: ليت غدًا يجئ. وقوله و (لعل) للترجي وللإشفاق يعني: للترجي في المحبوبات، ولإشفاق في المحذورات، نحو: لعل العدو يأتي. ويُعبر أصحابنا عن هذا بالتوقع، ولا تستعمل (لعل) إلا في الممكن، لا يقال: لعل الشباب يعود. ومن الإشفاق قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ﴾ وقول الشاعر: أتوني، فقالوا: يا جميل تبدلت بثينة إبدالًا، فقلت: لعلها وعل حبالًا كُنت أحكمت فتلها أتيح لها واشٍ رفيقٌ، فحلها والترجي والتمني من باب الإنشاء، فيُشكل تعلقها بالماضي، وقد جاء الماضي خبرًا لهما، قال تعالى ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾، وقال: فليت اليوم كان غرار حول ..................... والتمني قد يقع لما مضى ندامة، وقال:
следующие страницы →