Полный текст (3 950 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
الاسم عن الابتداء، وهي وما عملت فيه في موضع ذلك الاسم إذا لم يدخل عليه ناسخ. وهذا الذي أشار إليه أبو علي في قوله في (الإيضاح): (فإن عطفت على إن وما عملت فيه).
وزعم الشلوبين أن مذهب س الحمل على (زيد) لأنه في المعنى مبتدأ، ويجوز ظهور المبتدأ معه إذا زالت إن. قال: ولذلك يجيز ضارب زيد وعمرًا، على هذا، وإنما ذكر العطف على جهة الأولى. وزعم أن ذلك متفهم من كلام س.
وقالوا قوم: إنما يعطف اسم على اسم، فيكون المعطوف محمولًا على العامل في ذلك الاسم، فإن كان له عاملان لفظي وتقديري حمل مرة على هذا ومرة على هذا، وإذا كانت (إن) في موضع الابتداء فلا يعطف اسم على حرف، ولا على حرف اسم، ولا على حرف ومعموله إذا كان أكثر من اسم، ولا حجة بمحل النزاع، ولا يحمل على شيء متوهم غير موجود، فإن فيه عملًا بلا عامل، وإن جاء منه شيء فموقوف على السماع ولا يقاس عليه. فقال هؤلاء: الرفع على الابتداء، والخبر محذوف لدلالة خبر الأول لأن المعنى واحد.
وهذا الذي أخذته عن حذاق من قرأنا عليه، وهو مذهب ابن أبي العافية وابن الأخضر، وبه أخذ شيوخنا الذين حملوا هذا العالم عنهم أو عمن تحمله عنهم، وهو الذي تقرر عند المباحثة من كلام س، ولا يصح عنه غيره، وهو مذهب أبي الجرمي، نص عليه في (الفرخ) انتهى.
فرع: إن زيدًا اختصم وعمرًا: قال أبو جعفر الصفار: لم يجزها أحد من النحويين علمته إلا محمد بن يزيد وابن كيسان، فإنهما أجازاه
стр. 1577
لأن الثاني يدخل في معنى الأول وإن أفرد الفعل. قال ابن كيسان: وإنما لم يجز "إن زيدًا اختصم" لأن الاختصام لا يكون إلا من اثنين،/ وأنت إن نصبت الاثنين فقد تم المعنى، فلا يلتفت فيه إلى إفراد الفعل. قال ابن كيسان: ويجوز: إن زيد اختصما وعمرًا.
وقوله لا قبله مطلقًا، خلافًا للكسائي يعني بقوله (مطلقًا) سواء أظهر فيه الإعراب أم لم يظهر، نحو: إن زيدًا وعمرو قائمان، وإن هذا وزيد قائمان. ووافق الكسائي على جواز ذلك أبو الحسن وهشام. واستدلوا على ذلك بقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ) الآية، وبما حكاه س عن العرب من قولهم: إنك وزيد ذاهبان. وحكي الأخفش في (مسائل الكبير): سمعت من العرب من يقول: إن زيدًا وأنت ذاهبان. وحكي الكوفيون الرفع في قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ)، وهي قراءة محمد بن سليمان الهاشمي، فنقل أن الأخفش مضى إليه، فقال له: هذا لحن. فأعطاه، وحباه. فيكون للأخفش في المسألة قولان.
واحتج من منع ذلك بأنه محال أن يعمل في الخبر (إن) والابتداء يأتي تأويله.
فلو كان الخبر مفردًا، نحو "إن زيدًا وعمرو منطلق" فنقل أبو جعفر
стр. 1578
النحاس الخلاف فيه، أجاز ذلك الخليل وس والكسائي وهشام، وأنشدوا قول الشاعر:
فمن يك أمسى بالمدينة رحلة فإني وقيار بها لغريب
واحتجوا بأن معنى "إن زيدًا منطلق" و"زيد منطلق" واحد.
ومنع ذلك الفراء، قال: لأنهما اسمان قد وقعت عليهما أداة واحدة، وتبين فيها الإعراب، ولم يطل ما بينهما، فكرة أن يفرق بينهما بإعرابين مختلفين والمعنى فيهما واحد. وأجاز ذلك فيما لا يتبين فيه الإعراب كالمضمر والذي. قال: لأنه إنما يمتنع أن يجمع اسمان معربان يخالف بينهما.
ونقول: إجازة س والخليل في حكاية النحاس "إن زيدًا وعمرو منطلق" ليس عطفًا على موضع (زيد)، ولكنه على التقديم والتأخير، أو على حذف الخبر خبر (أن).
وقوله ولا بشرط خفاء إعراب الاسم، خلافًا للفراء دليله دليل الكسائي، وقال الشاعر:
وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ما حيينا في شقاق
ويشمل قوله "خفاء إعراب الاسم" أن يكون الاسم مبنيًا، وبه مثلوا،
стр. 1579
وأن يكون معربًا لكن الإعراب فيه مقدر، كالمقصور والمضاف إليه ياء المتكلم، وهو يحتاج إلى نقل مذهب الفراء في ذلك.
وقوله وإن توهم ما رأياه قدر/ تأخير المعطوف يعني فيما أمكن فيه ذلك، نحو: إن زيدًا وعمرو قائم، التقدير: إن زيدًا قائمًا وعمرو. أو حذف قبله، أي: قبل المعطوف، وذلك فيما لا يمكن فيه نية التأخير، نحو: إنك وزيد ذاهبان، التقدير: إنك أنت وزيد ذاهبان، فأنت: مبتدأ وزيد: معطوف عليه، والخبر: ذاهبان، والجملة من المبتدأ والخبر في موضع خبر (إن).
و (إن) وأخواتها تثبت قوة شبهها بالأفعال لفظًا ومعنى واختصاصًا، ولذلك لم يبطل عملها بالفصل بالخبر الظرف والمجرور، ولا بالفصل بهما معمولين للاسم، ولا بحذفها وإبقاء عملها، كقراءة من قرأ ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آَيَاتٌ﴾، بخلاف (ما) المشتبهة بـ (ليس)، و (لا) المشتبه بـ (إن)، فإنهما ضعيفتا الشبه والعمل، ولذا لا تعمل (لا) في الخبر عند س، ويبطل عملها بالفصل بإجماع، ولضعفها لم تنسخ عمل الابتداء لفظًا ومحلًا، بل هو باقٍ تقديرًا بعد دخولها، ولهذا ينعت اسمها باعتبار المحل رفعًا، ولم يفعل ذلك باسم (إن). وإذا كان كذلك فهي كـ (كان) وأخواتها، فكما امتنع أن يكون لمعمولي (كان) إعراب باعتبار المحل فكذلك (إن). ولو جاز أن يكون اسم (إن) مرفوع المحل لجاز ذلك لخبر (كان) لتساويهما في أصالة الرفع وعروض النصب.
стр. 1580
وقال المصنف في الشرح ما نصه: "غلط س من قال: إنهم أجمعون ذاهبون، وإنك وزيد ذاهبان، فقال: (واعلم أن ناسا من العرب يغلطون، فيقولون: إنهم أجمعون ذاهبون، وإنك وزيد ذاهبان، وذلك أن معناه معنى الابتداء، فيرى أنه قال: هم، كما قال:
بدا لي أني لست مدرك ما مضى ولا سابق شيئًا
وهذا غير مرضي منه- ﵀ فإن المطبوع على العربية كزهير قائل هذا البيت لو جاز غلطة في هذا لم يوثق بشيء من كلامه، بل يجب أن يعتقد الصواب في كل ما نطقت به العرب المأمون حدوث لحنهم بتغير الطباع، وسيبويه موافق على هذا، ولولا ذلك ما قبل نادرًا كلدن غدوة، وهذا حجر ضب خرب" انتهى كلام المصنف.
وفهم من كلام س "أن ناسا من العرب يغلطون" حقيقة الغلط، وأنهم لحنوا في ذلك، ولا يوثق بهم في ذلك، ولا يبني عليه. ولم يرد س هذا المفهوم الذي فهمه المصنف، وإنما يريد أنه لم يشرك في الناصب، وكأنه لم يتقدم ناصب، بل ابتدأ بالاسم مرفوعًا، فأتبعه مرفوعًا، فصار كأنه لم يذكر الناصب، وسمي هذا غلطًا مجازًا لا على جهة الحقيقة.
وفي (البسيط): "سماه غلطًا لخروجه عن القياس لما فيه من إعمال عاملين في واحد، والكوفيون/ يقولون: إن الخبر ليس معمولًا لـ (إن)، فلا يلزمهم هذا، وكذلك من يجوز عمل العاملين" انتهى.
стр. 1581
ونظيره في كلامه قوله تعالى (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ)، يسمى س هذا عطفًا على التوهم، كأنه قال: أصدق وأكن، ولا يريد س التوهم حقيقة إذ يستحيل على الله تعالى، وإنما يريد أنه لم يتبع الثاني الأول في الإعراب/ وكأنه غلط في أن ذكر الناصب ومقصوده الرافع ومراعاته. ولم يفهم أحد من الشراح ولا الشيوخ المأخوذ عنهم هذا العلم عن س ما فهمه هذا المصنف، كما لم يفهموا عنه حقيقة التوهم، وإنما المعنى في الغلط والتوهم ما ذكرناه من أنهم لا يلحظون اشتراك الثاني مع الأول، وكأن ذلك الأول ما دخل عليه المعرب الذي كان ينبغي للثاني أن يشاركه فيه، وإنما يحمل هذه الأشياء على ظاهرها من لم يأخذ العلم عن المشايخ، ولم يعرف مقاصدهم، فينظر في العلم وحده، فيفهم خلاف ما فهموه.
وحكي لنا أستاذنا العلامة أبو جعفر بن الزبير- ﵀ أنه كان بمدينة مالقة شخص قد نصب نفسه لإقراء النحو، يعرف بابن الفخار، وقد رأيته أنا بمقالة، وحضرت مجلسه، فحين علم بي أني من تلاميذ ابن الزبير أنس، وتحدث، وقطع مجلسه بالحديث معي، ولم يقرئ في ذلك المجلس أحدًا. قال الأستاذ أبو جعفر: فسمع عني أني أذكر العطف على التوهم في القرآن، فأنكر ذلك، وشنع، وقال: كيف يكون التوهم في القرآن، والله- تعالى- منزه عن التوهم؟ وذلك لجهله بمصطلح أهل الفن ونظره وحده دون شيخ، وقد قلت في ذلك:
يظن الغمر أن الكتب تجدي أخًا فهم لإدراك العلوم
стр. 1582
وما يدري الجهول بأن فيها غوامض حيرت عقل الفهيم
إذا رمت العلوم بغير شيخ ضللت عن الصراط المستقيم
وتلتبس الأمور عليك حتى تصير أضل من (توما) الحكيم
وقول المصنف (ولكن) يعني أن حكمها في العطف على موضع اسمها حكم (إن)، وذلك لأنها لك تغير حكم الابتداء، وإنما هي بمنزلة (بل).
وبعضهم منع العطف على موضع اسم (لكن) لما فيها من معنى الاستدراك. ومن أجاز قال: إذا قلت "ما زيد قائمًا لكن عمرًا منطلق" هو بمنزلة قولك: عمرو منطلق، وهو مذهب س
وقوله و (أن) في ذلك كـ (إن) على الأصح اختار المصنف جواز العطف بالرفع في نحو "علمت أن زيدًا قائم وعمرو" على اسم (أن)، كما جاز ذلك في (إن)، وقال بشر:
أبي لبني خزيمة أن فيهم قديم المجد والحسب النضار
قال ابن الدهان: "عطف على موضع (أن) الحسب".
وقال في الشرح: "ومثل (إن) و (لكن) في رفع المعطوف على معنى الابتداء (أن) إذ تقدمها علم أو معناه، فمعناه قوله ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ
стр. 1583
وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾، وصريح العلم كقول الشاعر:
وإلا فأعلموا أنا وأنتم بغاة ما حيينا في شقاق
تقديره عند س: فأعلموا أنا بغاة وأنتك كذلك، حمله على التقديم والتأخير كما حمل آيه المائدة، فسوى بين (إن) و (أن)، فصح أن من فرق بينهما على الإطلاق مخالف لسيبويه، وجعل من هذا القبيل ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾.
وزعم قوم أنه إنما أورده بكسر الهمزة، وهي قراءة الحسن، وهو بعيد من عادة س، فإنه إذا استدل بقراءة تخالف المشهور لا يستغني عما يشعر بذلك، كما فعل إذ أورد ﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ انتهى.
стр. 1584
وما زعمه قوم من أنه كسر الهمزة هو مضبوط في كتاب س بكسر الهمزة مصححًا في نسخ الشيوخ المأخوذ عنهم الكتاب رواية ودراية. ويدل على ذلك أنه إنما ذكر س في هذه الأبواب الحروف الخمسة، ولم يذكر في (باب ما كان محمولًا على إن) سوى (أن) و (لكن)، وقال في آخر الباب: "ولكن منزله إن". فلو كانت (أن) بمنزله (إن) في ذلك لذكرهما كما ذكر (لكن)، إلا أنه ذكر في آخر هذه الأبواب قول الشاعر:
وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ............
وقال: كأنه قال: نحن بغاة ما بقينا وأنتم".
ووجدت بخط ابن خروف: "هذا يشير إلى تخريج س البيت، نص في المفتوحة أنه يحمل معها على الابتداء" انتهى.
وليس بنص؛ إذ يحتمل أن يكون من باب العطف على التوهم. ويحتمل أن يكون (وأنتم) معطوفًا على مبتدأ محذوف، تقديره: وإلا فأعلموا أنا نحن وأنتك بغاة، والجملة من قوله "نحن وأنتم بغاة" في موضع خبر (أنا)، كما تأولوا "إنك وزيد ذاهبان" على تقدير: إنك أنت وزيد ذاهبان.
وأما على قراءة من قرأ ﴿أَنَّ اللَّهَ برئ﴾ بفتح همزة (أَنَّ) فيكون (إن) فيكون ﴿ورسوله﴾ معطوفًا على الضمير المرفوع المستكن في (برئ)، وحسن ذلك الفصل بين الضمير والمعطوف بالجار والمجرور.
стр. 1585
وفي هذا العطف بالرفع ثلاثة مذاهب:
أحدها: الجواز مطلقًا: وهو ظاهر كلام المصنف، والذي صححه. وجعل أبو الفتح والأستاذ أبو علي قول الشاعر:
فلا تحسبني أني تخشعت بعدكم لشيء ولا أني من الموت أفرق
ولا أنا ممن يزدهيه وعيدكم ولا أنني بالمشي في القيد أخرق
من قبيل ما عطفت فيه الجملة على (أن) وصلتها، فجعلوا قوله "ولا أنا ممن يزدهيه وعيدكم" معطوفًا على (أن) وصلتها.
قال الأستاذ أبو علي: وسوغ ذلك كون (تحتسب) من العوامل التي يصلح وقوع الجمل بعدها.
ورد ذلك عليه بأن قوله "ولا أنا ممن يزدهيه وعيدكم" لا يجوز وقوعه بعد (تحسبوا)؛ ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: ولا تحسبوا أنا ممن يزدهيه، وإنما يجوز وقوع الجملة بعد (تحتسب) إذا كان فيها ما يوجب تعليق الفعل عنها، نحو: حسبت ما زيد منطلق.
ويخرج البيت على أن يكون قوله "ولا أنا ممن يزدهيه وعيدكم" جملة اعتراض بين قوله "أني تخشعت" والمعطوف عليه الذي هو "ولا أنني بالمشي" إذ فيها تسديد وتأكيد؛ لأنه إذا كان لا يتخشع لشيء، ولا يفرق من الموت، ولا هو أخرق بالمشي في القيد، كان ولا بد ممن لا يزدهيه الوعيد.
стр. 1586
وفي (الإفصاح): اختار ابن جني الجواز، واحتج برواية "ولا أنا ممن يزدهيه وعيدكم". ولا حجه فيه لأنه استئناف كلام. وهذا تخليط أوجبه عدم فهم كلام س، فقوله "فلا تحسبني ...... " البيت كلام تام، ثم استأنف: "ولا أنا ....... " البيت. وقوله "ولا أنني" استئناف آخر، أراد: ولا تحسبني أنني، فحذف لتقدم الذكر، وليس مما قال في شيء.
المذهب الثاني: المنع مطلقًا، فلا يجوز العطف فيها على معنى الابتداء عند أكثر المحققين؛ لأن المفتوحة وما عملت به تتقدر باسم مفرد، فإذا قلت "بلغني أن زيدًا قائم وعمرو" على أن يكون (عمرو) مبتدأ، والخبر محذوف، لم يجز أن تكون الجملة معطوفة على موضع (أن) وصلتها؛ لأنها بتقدير اسم مفرد مرفوع على أنه فاعل، فلو عطفت عليه الجملة لزم من ذلك أن تكون فاعلة بـ (بلغ) من حيث كان المعطوف شريك المعطوف عليه، وذلك غير سائغ.
وفي (البسيط): وأما (أن) فلا يعطف على موضعها عند المحققين كأبي علي الفارسي وغيره؛ لأنها لا بد لها من عامل آخر غير أن، فلا يبقى للابتداء فيها مساغ لدخول العامل اللفظي القوي، ولأن الفعل لا يتسلط إلا على ما عمل فيه (أن)، فلا تتدخل على المبتدأ، وأنت لو عطفت على الموضع لجعلت الجملة الابتدائية في موضع معمول الفعل، ولا يكون موضعه إلا بشرط دخول (أن)، فامتنع لذلك.
المذهب الثالث: التفصيل بين أن يكون الموضع الذي وقعت فيه يجوز/ وقوع المفرد فيه ووقوع الجملة أو يكون لا يقع فيه إلا المفرد:
стр. 1587
فإن كان مما لا يقع فيه إلا المفرد فلا يجوز العطف على موضع (أن) وصلتها، نحو: بلغني أن زيدًا قائم وعمرو، فإذا ورد مثل هذا كان الخبر محذوفًا، والجملة من المبتدأ للخبر معطوفة على الجملة التي هي "بلغني أن زيدًا قائم" عطف جملة اسمية على جملة فعلية.
وإن كان الموضع يصلح للمفرد والجملة جاز العطف على موضع (أن) وصلتها، نحو قولك: أتقول أن زيدًا قائم وعمرو، تريد، وعمرو قائم؛ لأن (أتقول) يقع بعدها المفرد، نحو: أتقول أن زيدًا قائم، والجملة نحو: أتقول عمرو قائم. وهذا المذهب اختيار ابن عصفور.
وقال الأستاذ أبو علي: اختلفت في (أن) المفتوحة، هل يجوز العطف على موضعها، فذهب الأكثرون إلى المنع، وهو الصحيح لأنها في تقدير المفرد، ولا تعطف جملة على مفرد؛ لأنها- وإن كانت مؤكدة- فقد غيرت المعنى بتغيير حكم الابتداء، وكذلك لا يجوز رفعه بالابتداء بعدها لأنه بمنزله العطف على الموضع سواء.
وخرجوا كلام س، فقال بعضهم: إنما احتج بالكسر على قراءة ابن محيصن، فكأنه قال: ومثله (إِنَّ اللَّهَ) فيمن كسر، وقد ثبت في بعض النسخ بالكسر، ولكن الناس فتحوا، فوهموا. وقال بعضهم: (أن) هنا بمعنى (أن)، يبتدأ بها. وهذا ليس بشيء لأن الابتداء يوجب كسرها.
وذهب ابن جنب إلى أنه يعطف على (أن) مطردًا لما كان بمعنى (إن)، وعليه حمل كلام س، واحتج بالبيت المتقدم، يعني:
وإلا فأعلموا أنا ... وأنتم ............
وهذا قول حسن.
стр. 1588
ثم قال الأستاذ أبو علي: لا حجة له في قوله "ولا أنا ممن يزدهيه" لأنه يكمن أن يكون جملة أخرى ليست معطوفة على (أني)، ولم تتكرر (لا) لأنها في معنى المكررة، كقوله:
................. حياتك لا نفع، وموتك فاجع
وتكون "ولا أني" الثانية معطوفة على فاعل (يزدهيه).
وقوله وكذا البواقي عند الفراء ذهب الفراء إلى أنه يجوز الرفع بالابتداء في العطف في كأن وليت ولعل، فأجاز: كأن زيدًا منطلق وعمرو، وليت زيدًا منطلق وعمرو، ولعل زيدًا قادم وبشر.
وهذا لا يجوز فيه إلا النصب باتفاق من أهل البصرة، ولا يجيزون الرفع على الموضع، ولا على الابتداء والخبر محذوف. وعلة امتناع الحمل على الموضع أن غير (إن) و (لكن) قد غيرت المعنى أو الحكم؛ ألا ترى أن كان زيدًا قائم، وليت زيدًا ذاهب، ولعل زيدًا قادم، ليس شيء منها في معنى الابتداء والخبر، وكذلك "يعجبني أن زيدًا قائم" في معنى: يعجبني قيام زيد، فقد بطل حكم الابتداء، والخبر جملة.
وأما امتناع الرفع على الابتداء والخبر محذوف فلأنك لا تحذف إلا ما هو مثبت، وهنا ليس كذلك لأن الجملة خبرها مشبه به أو متمني أو مترجي، والمحذوف ليس فيه شيء من ذلك، فلا يجوز كما لم يجز
стр. 1589
"تبًا له وويح" على أن يكون (ويح) مبتدأ محذوف الخبر لدلالة (له) المتقدمة عليه؛ لأن (له) تبيين، وهذا خبر، فلم يوافق المثبت المحذوف.
وزعم الأستاذ أبو علي أن ذلك ممتنع من جهة أخرى، وهو أن الجملة التي بعد العطف مخالفة لمعنى الجملة التي قبل العطف من حيث كان الخبر في الجملة الأولى غير ثابت، وفي الثانية ثابت، قال: ولا يجوز عطف الجمل بعضها على بعض حتى تتفق معانيها.
وهذا الذي ذهب إليه من أن عطف الجمل مشروط فيه اتفاق المعاني هو مذهب جماعة من النحويين. وليس بصحيح، بل يجوز عطف الجمل بعضها على بعض من غير أن تتفق المعاني، ومن ذلك قول الشاعر:
وإن شفائي عبرة إن سفحتها وهل عند رسم دارس من معول
وقول الآخر:
تناغي غزالًا عند باب ابن عامر وكحل مآقيك الحسام بإثمد
وإلى جواز ذلك ذهب س، فأجاز أن تقول: جاءني زيد ومن أخوك، عطف الجملة على الجملة وإن لم يتفق معناهما، فثبت إذا أن المانع من ذلك ما ذكرناه من كون الخبر المثبت ليس في معنى المحذوف.
فإن قلت: هلا جاز العطف مع هذه الحروف على موضع الابتداء لأنك قد تقول: ليته زيد قائم، ولعله زيد قائم، وكأنه زيد قائم، وبلغني أنه زيد قائم، فيكون (زبد) في جميع ذلك مبتدأ، ويكون معنى الكلام مع لحاق الضمير كمعناه قبل لحاقه.
стр. 1590
فالجواب: أن ذلك لا يسوغ لأنك إن حملت على الموضوع كان العطف من قبيل عطف المفردات، فيكون المعطوف في حكم المفرد، فلا يجوز حمله على الجملة المفسرة بضمير الشأن، وضمير الشأن لا يفسر بالمفرد. وأيضًا فالمعنى مع ضمير الشأن ليس كالمعنى مع عدمه لأنه يؤتى به للتعظيم، وإذا سقط لم يكن في الكلام تعظيم.
واستدل الفراء لمذهبه بقول الراجز:
يا ليتني وأنت يا لميس في بلدة ليس بها أنيس
إلا اليعافير والعيس
وبقول الآخر:
يا ليتني وهما نخلو بمنزله ... حتى يرى بعضنا بعضًا ونأتلف
وهذا خطأ عند البصريين، وهو لا يجوز عندهم في (إن)، فهو في ليت وكأن ولعل أبعد .. وتأولوا هذا البيت على أن التقدير: يا ليتني وأنت معي، فحذف (معي)، وهو خبر/ (أنت)، والجملة حالية واقعة بيت اسم (ليت) وخبرها. ويحتمل أن يكون التقدير: يا ليتني أنا وأنت يا لميس، فيكون (أنا وأنت) مبتدأ، و (في بلدة) خبر، والجملة خبر (ليتني)، كما تأولوا "إنك وزيد ذاهبان" على معنى: إنك أنت وزيد ذاهبان.
وعلى مذهب الفراء يخرج قول أبي محمد بن حزم:
стр. 1591
كأني وهي والكأس والخمر والدجا حيًا وثري والدر والتبر والسج
-[ص: والنعت وعطف البيان والتوكيد كالمنسوق عند الجرمي والزجاج والفراء. وندر: إنهم أجمعون ذاهبون، وإنك وزيدان ذاهبان.
وأجاز الكسائي رفع المعطوف على أول مفعولي (ظن) إن خفي إعراب الثاني.]-
ش: يعني بقوله (كالمنسوق) أنه إن كان النعت وعطف البيان والتوكيد بعد الخبر جاز الرفع عند الجرمي والزجاج والفراء ويعني بعد (إن) و (لكن)، فتقول: إن زيدًا قائم العاقل، وإن زيدًا قائم نفسه، وإن زيدًا قائم بطنه.
وأما قبل الخبر فالذي يقتضيه مذهب الفراء جواز الرفع بشرط خفاء إعراب الاسم، نحو: إن هذا العاقل قائم، وإن هذا أخوك قائم، وإن هذا نفسه قائم. وأما مذهب الجرمي والزجاج فلا يجوز هذا عندهما لأنهما لا يريان العطف بالرفع قبل الخبر، فلا ريان إتباع الاسم بالنعت وعطف البيان والتوكيد.
وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: "فإن أتبعت إن بتابع غير عطف النسق فالإتباع عند المحققين من أهل البصرة على اللفظ، نحو: إن زيدًا القائم منطلق، وإن زيدًا منطلق القائم، ولا يجوز غيره إلا أن يسمع فيحفظ، ولا يقاس عليه. وأما أهل الكوفة وبعض البصريين فالإتباع عندهم فيما عد (إن) و (لكن) على اللفظ ليس إلا لأنها حروف غيرت معنى الابتداء والخبر وحكمه.
стр. 1592
وأما (إن) و (لكن) فإن أتبعت بعد الخبر جاز عندهم النصب على اللفظ، والرفع على المعنى. أو قبل الخبر فعلى مذهب الكسائي يجوز النصب على اللفظ، والرفع على الموضع، قياسًا على ما سمع من قولهم (إنهم أجمعون ذاهبون) بالرفع على موضع إن قبل دخولها. وعلى مذهب الفراء إن كان الاسم مبنيًا جاز النصب على اللفظ، والرفع على الموضع، نحو: إن هذا نفسه ذاهب، وإن كانا معربًا فالنصب على اللفظ ليس إلا، فقاس على قولهم (إنهم أجمعون) ما هو بمثله في البناء) انتهى.
وفد تأول "إنهم أجمعون ذاهبون" على حذف المبتدأ، والتقدير: إنهم هم أجمعون ذاهبون، فأجمعون توكيد لقوله (هم) المحذوفة. وينبني جواز هذا التأويل على جواز حذف المؤكد، وفيه خلاف سيذكر في بابه إن شاء الله.
وقوله وأجاز الكسائي إلى آخر الباب. مثاله: ظننت زيدًا صديقي وعمرو، هكذا مثل المصنف هذه المسألة. والذي حكاه الفراء عن الكسائي أنه أجاز: أظن عبد الله وزيد قاما/ وأظن عبد الله وزيد يقومان، وأظن عبد الله وزيد مالهما كثير، فيرفع زيدًا في كل ما كان خبره وخبر المنصوب مستويين، وكان لا يجيز: أظن عبد الله وزيد قائمين، ولا: قائمًا؛ لأن الرفع والنصب يستبين في (قائمتين). واحتج الكسائي بأن الخبر في (ظننت) كالمبتدأ إذا كان على هذه الجهات.
قال الفراء: وقد ذهب مذهب عالم إلا أني لا أجد بدا إذا قلا "أظن عبد الله وزيد" بموضع رفع أو نصب، ولا أقدر على أن أعطل (يقومان) بغير إعراب ظاهر فيهما ولا مضمر، فإن كان في موضع نصب دخل عليه أن يقول: أظن عبد الله وزيد قائمين، ولا يجوز أن ترفع زيدًا وتنصب خبره، وإن قضيت عليه أنه في موضع رفع قلت: أظن عبد الله
стр. 1593
وزيد قائمان، فكان أيضًا خطأ أن تنصب عبد الله وترفع خبره، ورأيته يلزمه ألا يعطف (قائمين) على (يقومان)، فيمنع الكلام مما يجوز فيه، فيمنعني من أن أقول: أظن عبد الله وزيد يقومان وقاعدين، لا برفع ولا بنصب. انتهى كلام الفراء ورده على الكسائي.
والقول عند البصريين قول الفراء.
واتضح من هذه المسألة أن تصوير المسألة الذي صوره المصنف وتمثيله الذي مثله خطأ، وتصحيحها أن يقول: وأجاز الكسائي رفع المعطوف على أول مفعولي ظن إذا كان المسند إليهما لا يستبين فيه الإعراب.
وإذا عطفت الجملة على هذه الحروف ما عملت فيه فلا خلاف في جوازها، نحو: إن زيدًا قائم وعمرو منطلق، وكذا في ليت ولعل وكأن ولكن، لكن لا يكون داخلًا في معناها، فإذا قلت: "ليت زيدًا منطلق وعمرو قائم" لا يكون الانطلاق متمني، لكنه يضعف من جهة عطف غير مناسب.
وهذه مسائل من أبواب (إن):
الأولى: أجاز الأخفش: إن فيها جالسين أخويك/ بنصب (جالسين) على الحال. قال أبو العباس: وهذا خطأ. قال: ولا اعرفه للأخفش إلا في هذا الكتاب. يعني (الأوسط). وإنما جاز في الظرف لأن الحال في الظرف، فهو أعم.
وحكي الكسائي: إن ههنا يلعبون صبيانًا، يجعل (يلعبون) في موضع الحال. قال الكسائي: فقلت لأبي العباس: لم تكره هذا والفعل قبل
стр. 1594
اسم (إن) أقبح من الاسم في الحال؟ قال: إنما كرهت ذلك لأن حال المنصوب لا تحسن؛ ألا ترى أنك تقول: ضربت يضحك زيدًا، وبقبح: ضربت ضاحكًا زيدًا؛ لأن الاسم يوهمك أنه مفعول، وهذا يوهمك الحال أنها اسم (إن).
وأجاز أبو العباس ذلك على أن (جالسين) اسم (إن) و (أخويك) بدل. وأجاز ذلك الكوفيون على أن يكون (أخويك) ترجمة.
والثانية: أجاز ابن كيسان: إن فيها قائمًا ويقعد أخويك. قال: كما أقول: رب رجل وأخيه، فيكون في المعطوف/ ما لا يكون في المعطوف عليه.
ومنع الكوفيون، قالوا: لأن (قائمًا) لا يقع موقعه هنا (يقوم)، فامتنع كما امتنع: سوف يقوم وقاعد عبد الله.
الثالثة: إذا قدمت الظرف أو المجرور، فقلت: إن فيها زيدًا قائمًا، وإن أمامك عمرًا جالسًا، اختار س والكوفيون النصب في قائم وجالس. فإن بدأت بالاسم، نحو "إن زيد فيها قائم" اختاروا الرفع. وزعم أبو العباس أن التقديم والتأخير في هذا سواء.
الرابعة: إذا تكرر الظرف، نحو "إن زيدًا في الدار واقفًا فيها" جاز الرفع والنصب عند البصريين، ولم يجز عند الكوفيين إلا النصب.
وحجه البصريين أنك إنما تجيء به مؤكدًا، فأن اختلف فهو يجرى هذا المجرى، نحو: إن عبد الله في الدار جالسًا في صدرها، وجالس، عند البصريين، وهذا زيد في الدار راغبًا في شرائها، كما قال:
стр. 1595
والزعفران على ترائبها ... شرقًا به اللبات والنحو
والفراء لا يجيز إلا النصب، ويجعل "اللبات والنحر" كأنهما معهما عائدًا على الترائب. قال ابن كيسان: والرفع عندي جائز. وإنما أرادوا: والزعفران على الترائب في حال شروق اللبة والنحر به، وإذا رفع أراد: والزعفران شرق في لبتها ونحرها على الترائب منها، فبين موضع شروقه، كأن موضع النحر واللبه شرق بالغفران على هذا الموضع الآخر، أعني الترائب.
الخامسة: أجاز الفراء أن يلي الفعل (ليت) لأنها بمعنى (لو)، فتقول: ليت زيد، وليت خرج عمرو، فلا يكون لها إذ ذاك عمل في شيء، كما أن (لو) لا عمل لها في شيء، وقد جاء في كلام العرب ما يدل على ظاهرة، نحو قوله:
فليت دفعت اللهم عني ساعة فبتنا على ما خليت ناعمي بال
ولا يجوز ذلك عند البصريين، وتأولوا ما ورد مما ظاهرة ذلك على أنه مما حذف فيه اسم (ليت)، إما على أن يكون ضمير الشأن، وإما على أن يكون ضمير الخطاب، أي: فليت، كما جاز الحذف في قوله:
.............. ولكن زنجي عظيم المشافر
стр. 1596
أي: ولكنك زنجي
السادسة: إذا عطفت على اسم (إن) وأخواتها فالخبر على حسب المتعاطفين، تقول: إن زيدًا وعمرًا قائمان، ولا يجوز (قائم) إلا حيث سمع، نحو قوله:
فمن يك سائلًا عني فإني جروة لا ترود ولا تعار
وقوله:
فمن يك أمسى بالمدينة رحلة فإني وقيارًا بها لغريب
ونحو قوله:
إن شرخ الشباب والشعر الأسـ ـود ما لم يعاص كان جنونًا
/ والوجه أن يكون: لا نرود ولا نعار، بالنون، ولغريبان، ما لم يعاصيا.
واختلف في تخريج هذه الأبيات:
فذهب الفارسي إلى أنهما لتلازمهما أخبر عنهما إخبار الواحد، فجعله من باب قوله:
لمن زحلوقة زل ... بها العينان تنهل
وقوله:
стр. 1597
ولو رضيت يداي بها، وضنت ...............
وخرجه أكثر النحويين على أنه من الحذف للدلالة، فحذف الخبر من الأول لدلالة الثانية عليه، فالتقدير: فإني لا أرود، وجروة لا ترود. ولما كان باب الحذف أن يكون من الثاني لدلالة الأول عليه، وكان هذا بالعكس، لم ينقس.
وأما الكوفيون فجعلوا مقيسًا على أن تكون الواو عندهم واو (مع)، ولو كانت للعطف للزمت المطابقة من الخبر للمتعاطفين. واستدلوا على ذلك بقول الشاعر:
فإنك والكتاب إلى علي كدابغة وقد حلم الأديم
ألا ترى أن (كدابغة) لا يكون إلا خبرًا عن الكاف، ولو أخبر عن المتعاطفين لقال: كدابغة ودبغها، فيشبه الكتاب بالدبغة وكتابه بالبدغ، لكنه لما لم يرد بالواو إلا معنى (مع) لم يخبر إلا عن الاسم الأول.
قال أصحابنا: ولا حجة في هذا لاحتمال أن يكون من حذف المعطوف، كقولهم: راكب الناقة طليحان، أي: والناقة طليحان.
قال بعض أصحابنا: والصحيح أن واو (مع) كالواو العاطفة في
стр. 1598
التشريك في الخبر بدليل قول العرب: كأن زيد وعمرًا كالأخوين، فعلى تقدير أن تكون واو (مع) وجبت المطابقة.
السابعة: إذا جمعت بين ظرفين تام وناقص وقدمت التام، نحو: إن في الدار عبد لله بك واثقًا، أو إن زيدًا في الدار بك واثقًا، جاز الرفع والنصب.
وزعم محمد بن سعدان أن هذا لا يجوز لأن (بك) في صلة (واثق). قال: ولا يجوز: إن فيك زيدًا راغب.
وقال ابن كيسان: الرفع الاختيار لأن الحال في تقدير الأسماء، وتمامها يجب أن يكون بعدها، فلما قدمت (بك) - وهو من تمامها- اخترت إخراجها عن الحال لأن تجعلها خبرًا، وكذا: إن زيد في الدار عليك نازل، وفيك راغب.
فإن قدمت الناقص، فقلت: إن فيك زيدًا في الدار راغب، أو إن فيك في الدار زيدًا راغب، أو إن زيدًا فيك في الدار راغب، جاز الرفع والنصب.
والكوفيون لا يجيزون النصب لأنك حين بدأت بما هو من تمام الخبر قبل الظرف التام صرت كأنك بدأت بالخبر، أي كأنك قلت: إن عبد الله راغب فيك في الدار.
وهذا لا يلزم لأن الظرف إنما هو تبيين عن موضع الفعل، فكأنه في تقدمه مؤخر.
الثامنة: إن عبد الله في الدار طعامك آكل: أجاز أكثر النحويين
стр. 1599
الرفع والنصب/. وقال ابن كيسان: لا يجوز عندي النصب لأن الظرف لاشتماله على الفعل تقديمه كتأخيره، والمفعول عندي إنما هو تمام الفعل كبعض حروفه، فليس هو قبله مثله بعده.
التاسعة: إن من خير الناس أو خيرهم زيد: فيها ثلاثة مذاهب:
أحدها: ما هذب إليه الكسائي وشيبه بن الوليد، وهو أنه برفع (خيرهم) وبنصب (زيد)، تجعل زيد اسم (إن)، و"من خير الناس" في موضع الخبر، و (خيرهم) مبتدأ محذوف الخبر، التقدير: إن من خير الناس زيدًا أو خيرهم هو. وجوازًا ارتفاع (خيرهم) على أنه خبر مبتدأ محذوف، التقدير: أو هو خيرهم، ففي التقدير الخبر أو المبتدأ محذوف لفهم المعنى، وفصل بين خبر (إن) واسمها بالجملة المعطوفة من الابتداء والخبر، فصار العطف قبل تمام معمول (إن).
وفي جواز مثل هذا نظر، وهو من عطف الجمل، ولا جائز أن يكون من الإعمال، ولا من باب عطف المفردات:
أما الإعمال فإنه لا يتأتى في الحروف ولا في المعاني لأن (إن) حرف، و"أو خيرهم" مرفوع بالابتداء، فيقال إن (إن) تطلي زيدًا منصوبًا، و"أو خيرهم" يطلبه مرفوعًا بما ذكرناه.
وأما كونه من باب عطف المفردات فلا يجوز لأنه إما أن تعطفه على موضع اسم (إن)، وهو زيد، أو على موضع "من خيرهم"، وهو الخبر:
стр. 1600
لا جائز أن يكون معطوفًا على موضع اسم (إن) لأنه لم يذكر بعد، إنما جاء اسمها متأخر، فيكون قد عطف على ما أتى بعده، والعطف من التوابع، لا يجوز أن يتقدم على المعطوف (عليه) إلا في الشعر، وبشروط هي مذكورة في موضعها، وليس هذا منها.
ولا جائز أن يكون معطوفًا على الخبر الذي هو "من خير الناس" لأنه يلزم من ذلك تقدم الخبر الذي ليس بظرف ولا مجرور على اسم (إن)، وذلك لا يجوز بإجماع.
المذهب الثاني: ما ذهب إليه أبو أحمد البلخي، وهو رفع (خيرهم) ورفع (زيد)، فرفع (زبد) على الابتداء، و"من خير الناس" في موضع الخبر، و"أو خيرهم" معطوف على الخبر، واسم (أن) محذوف ضمير الأمر، وحذفه في مثل هذا قليل، حكي الخليل عن العرب "إن بك زيد مأخوذ"، التقدير: إنه من خير الناس أو من خيرهم زيد، والعطف هنا من عطف المفردات لأنه "أو خيرهم" معطوف على الخبر المتقدم. والكلام كله على هذا جملة واحدة، وعلى مذهب الكسائي يكون الكلام جملتين. وهذا المذهب حسن.
المذهب الثالث: ما ذهب إليه أبو محمد يحي بن المبارك اليزيدي، وهو نصب (خيرهم) ورفع (زيد)، فاسم (إن) محذوف لفهم المعنى ولدلالة ما بعده عليه، و (خيرهم) منصوب بإضمار (إن) لدلالة (إن)، التقدير: إن من خير الناس زيدًا أو إن من خير زيد، فحذف (زيدًا) لدلالة
стр. 1601
(زيد) / الأخير بعده عليه، وحذف اسم (إن) لفهم المعنى جائز، فحذف من الجملة الأولى اسم (إن) للدلالة فيما بعده عليه، وحذف من الجملة الثانية (إن) للدلالة في الجملة الأولى عليها، وكل ذلك جائز، وقد أنشد أبو المطوق الإعرابي مثل هذا التركيب، وهو قول بعض المحدثين:
فإن من خيرهم وأفضلهم ... خيرهم بتة أبو كرب
فوافق عليها، وأجازها، وكان أبو المطوق ممن تؤخذ عنه العربية لفصاحته.
العاشرة: أجاز س: إن زيدًا لفيها قائم، جعل (فيها) ملغاة. وهذا لا يجوز عند الكوفيين لأنها (فيها) لو كانت لغوًا لم تؤكد. والحجة لـ (س) قول العرب: إن زيدًا لبك مأخوذ.
الحادية عشرة: أجاز الكسائي: إن بك لكفيلين لأخواك. ومنعه الفراء لأن الاسم مرفوع بالفعل، فلا تحول بينهما اللام. وهو جائز عند البصريين على أن ارتفاع (أخويك) هو على الخبر لـ (إن).
الثانية عشرة: المعاني التي جاءت لها الحروف كلها لا تعمل في ظرف ولا حال، ولا يتعلق حرف جر. والدليل على ذلك أنك لو قلت "ليت زيدًا اليوم ذاهب غدًا" لم يجز، وذكر بعض أصحابنا في ذلك الإجماع.
وقد نص الزمخشري في (مفصله) على أن ليت ولعل وكأن
стр. 1602
ينصبن الحال، بخلاف أخواتها، أما (كأن) فبالاتفاق عليها.
وقد علل منع ذلك الفارسي في (الحلبيات) بأنها في دلالتها على المعاني قصد بها غاية الإيجاز، فالألف تغني عن: أستفهم، و (ما) عن: أنفي، و (إن) عن: أؤكد، فلو أعلمت في الظرف والحال، ومكنت تمكين الفعل، لكان نقصًا لما قصد من الإيماء. انتهى.
وقال بعض أصحابنا: ليس من الحروف ما يعمل في ظرف أو حال إلا (كأن) وكاف التشبيه، قال:
كأنه خارجًا من جنب صفحته ود شرب نسوة عند مفتاد
وتقول: كأن زيدً اليوم أسد. والفرق بينهما وبين سائر الحروف أن كل حرف معناه معنى الفعل، فمعناه في نفس المتكلم، فالمتمني هو الناطق بـ (ليت)، والمستفهم هو الناطق بـ (هل)، والفعل بخلافه، معناه مسند إلى ما دخل عليه من الاسم، فإذا قلت "قام زيد" فالقائم (زيد) لا المتكلم، فهذا فرق ما بين الحرف والفعل. وأما (كأن) ففيها دلالة على التشبيه والشبه، فالتشبيه معنى في نفس المتكلم، فمن هذا الوجه هي كسائر الحروف، والشبه مسند إلى (زبد) إذا قلت "كأن زيدًا أسد" أي: أشبه زيد كذا، فشاركت الأفعال من هذا الوجه، فعمل ذلك المعنى الذي/ هو الشبه المسند إلى (زيد) في الحال والظرف، وتعلق به حرف
стр. 1603
الجر، وليس ذلك في التمني ولا التأكيد ولا النفي ونحوها، فمن هنا فارقت (كأن) أخواتها، فعملت بلفظها كعمل أخواتها في الأسماء، وعمل معناها في الحال والظرف، وفارقتها أيضًا في وقوعها نعتًا للنكرة حالًا من معرفة وخبرًا لـ (كان) وأخواتها، قال:
فبت كأني ساورتني ضئيلة ................
الثالثة عشرة: هل يجوز تعداد خبر هذه الحروف أم لا تقتضي إلا خبرًا واحدًا؟ اختلف في ذلك:
فالذي يلوح من مذهب س المنع؛ لأنه يزعم أنك إذا أتيت بالاسمين أتبعت الأول منهما، ثم رفعت الآخر، نحو: إن زيدًا الظريف منطلق، فإن لم تذكر الآخر رفعت، فنسب المنع إليه من حيث لم يذكر رفعهما، وهو الذي يدل عليه القياس، لا يقال: كما يجوز أن يكون للمبتدأ خبران يجوز لهذه الحروف؛ لأنها إنما شبهت بالفعل، فكما لا يقتضي الفعل مرفوعين فكذلك هذه، قيل: مع أنا لم نسمعه في موضع من المواضع فينبغي ألا يجوز.
الرابعة عشرة: إن زيدًا وإن عمرًا منطلقان: لا يجوز من جهة أن الخبر إذ ذاك يكوم معمولًا لعاملين، وهو لا يجوز.
الخامسة عشرة: أجاز الجمهور: إن زيدًا فيها قائمًا. ومنع ذلك ابن الطراوة لأنك إن جعلته خبرًا فلا اعتنيت به، وجعلته أولًا، ولا أخرته في موضعه جبريًا على مذهبه في منع: ضرب عمرًا زيد. انتهى. كذا هذه المسألة في (شرح أبي الفضل الصفار)، وينظر ذلك في (المقدمات) لابن الطَّراوة.
стр. 1604
-[ص: باب (لا) العاملة عمل (إن)
إذا لم تكرر (لا)، وقصد خلوص العموم باسم نكرة يليها غير معمول لغيرها، عملت عمل (إن)، إلا أن الاسم إذا لم يكن مضافا ولا شبيها به ركب معها وبني علي ما كان ينصب به، والفتح في نحو (ولا لذات للشيب) أولي من الكسر. ورفع الخبر- إن لم يركب الاسم مع (لا) - بها عند الجميع وكذا مع التركيب على الأصح.]-
ش: (لا) علي أربعة أقسام: تكون للنهي، وتختص بالمضارع، نحو: لا تقم. وللدعاء، نحو: لا عذب الله زيدا. وزائدة، نحو ﴿مَا مَنعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾. ونافية، فتنفي الفعل، ولا عمل لها فيه، وتدخل علي الاسم، فيجوز أن تهمل ويجوز أن تعمل، وإذا أعملت فتارة تعمل عمل (ليس)، فترفع الاسم، وتنصب الخبر، وتقدم ذلك في فصل (ما) بشروطه، وتارة تعمل عمل (إن) بشروطه التي تذكر.
فقوله باب (لا) يريد (لا) التي تنفي. وقوله/ العاملة احتراز من التي تهمل. وقوله عمل (إن) احتراز من التي تعمل عمل (ليس). وعملها عمل (إن) هو فرع فرع فرع؛ لأنها حملت على (إن)، فهي فرع، و (إن) حملت علي: ضرب زيدا عمرو، فـ (إن) فرع، و"ضرب زيدا عمرو" فرع
стр. 1605
على: ضرب عمرو زيدا. وحمل (لا) علي (ليس) قوى في القياس لأنها نافية مثلها، وإذا جاز قياسها علي (إن) في العمل مع أنها نقيضتها فحملها علي نظيرتها أولي، لكن حمل (لا) علي (إن) في العمل أفصح وأكثر في الاستعمال.
فإن قلت: كيف عملت (لا) في الاسم النكرة وليست مختصة إذ تدخل علي الفعل؟
قلت: إذا دخلت علي الاسم النكرة اختصت به إذا كانت للنفي العام، فإذا قلت: "لا رجل في الدار" فقد نفيت القليل والكثير من جنس الرجال، ولذلك لا يجوز: لا رجل في الدار بل رجلان
وإنما يجوز ذلك في (لا) غير العاملة. وإذا ثبت أنها في النكرات للنفي العام ثبت أنها ليست الداخلة على الفعل؛ لأنها لا تنفي نفيا عاما بدليل أنك تقول: أنت لا تضرب زيدا ضربه، وأنت لا تضربه ضربتين، فلو كانت لنفي الضرب العام لم يسغ ذلك.
ولما اختصت بما دخلت عليه كان القياس أن تعمل جرا، فلم تجر لئلا يتوهم أن الجر بـ (من) المنويه؛ لأنها في حكم الموجودة لظهورها في بعض المواضع، نحو قوله:
فقام يذود الناس عنها بسيفه وقال: ألا لا من سبيل إلى هند
ولأن عامل الجر لا يستقل كلام به وبمعمولة، ولا يستحق التصدير، و (لا) المذكورة بخلاف ذلك.
ولم يكن عملها رفعا لأنه يوهم الرفع بالابتداء، ولئلا تلتبس بما لا يقتضى التنصيص علي العموم، وهو (لا) العاملة عمل (ليس)، فلذلك عملت نصبا. ولما لم تستغن عن جزء ثان عملت رفعا لأنه عمل لا يستغنى بغيره عنه في شيء من الجمل. وأيضا فإعمال (لا) هذه إلحاق لها
стр. 1606
بـ (إن) لمشابهتها لها في التصدير والدخول على المبتدأ والخبر. قال المصنف في الشرح: "وإفادة التوكيد، فإن (لا) لتوكيد النفي، و (إن) لتوكيد الإثبات انتهى.
وليس كما ذكر من أن (لا) لتوكيد النفي، بل هي لتأسيس النفي إذ لم تدخل علي شيء مثبت، فأكدت ذلك الإثبات.
قال المصنف: " ولفظ (لا) مساو للفظ (إن) إذا خففت. وأيضا فإن (لا) تقترن بهمزة الاستفهام، ويراد بها التمني، فيجب إلحاقها بـ (ليت) في العمل، ثم حملت في سائر/ أحوالها علي حالها في التمني" انتهى.
وهذا ضعيف لأن غالب أحوالها أنها لا تدخل عليها همزة الاستفهام ويراد بها التمني، بل غالب أحوالها لمجرد النفي، وإذا دخلت عليها الهمزة فقد تبقى على النفي، نحو:
ألا طعان، ألا فرسان عادية ...................................
ولا تحمل الحال الغالبة علي الحال النادرة، بل الباب في نحو هذا العكس.
стр. 1607
وقوله إذا لم تكرر عدم التكرار شرط في وجوب العمل لأنها إذا كررت جاز إلغاؤها وإعمالها، فمن أعملها فلعدم تغير حالها وحال مصحوبها، ومن ألغاها فلشبهها بالمكررة مع المعرفة، فتلك لا تعمل، فكذلك هذه.
وقوله وقصد خلوص العموم لأنه إذا لم يقصد خلوص العموم لم تعمل عمل (إن)، بل تعمل عمل (ليس)، أو يرفع ما بعدها بالابتداء، فتحتمل إذ ذاك نفي العموم، ونفي الوحدة، ونفي وصف الرجلة والنجدة، فإذا قلت"لا رجل: كان المعني النفي العام، أي: لا واحد من هذا الجنس ولا أكثر ولا قوي ولا ضعيف، وهي جواب لـ"هل من رجل"؟ وكما أن السؤال يقتضي العموم فكذلك الجواب.
وقوله باسم نكرة احتراز من المعرفة، وسيأتي دخولها علي المعرفة وعملها فيه عند ذكر المصنف لذلك إن شاء الله.
وقوله يليها احتراز من ألا يليها، وأنها إذ ذاك لا تعمل، نحو قوله تعالي ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ﴾.
وفي (البسيط): شرط بنائها ألا يفصل بينها وبين (لا) بشيء، فغن فصلت رفعت وكررت،
قال س: وإنما كان ذلك لوجهين: أحدهما: أنه صار بمنزلة خمسة عشر، فامتنع كما امتنع فيه. والثاني: أنه محمول علي السؤال، وأنت لا تقول فيه: هل من فيها رجل.
وذهب الرماني إلى أنه يجوز الفصل، ويرجع على النصب والعمل، ويبطل البناء لحصول الفصل، ويكون جوابا لمن قال: هل فيها من رجل؟
стр. 1608
ويدل عليه قولهم: لا كذلك رجلا، ولا كزيد رجلا، و:
............. لا كالعشية زائرا ..................
أما الأول فعلى التمييز، كما تقول: لا مثله رجلا، والمنصوب بـ (لا) محذوف، أي: لا أحد كذلك رجلا، أو يكون محمولا علي المحذوف. وأما الثاني فقال س: "علي معنى: لا أرى كالعشية زائرا، كما تقول: ما رأيت كاليوم رجلا" أي: ما رأيت رجلا كرجل رأيته اليوم.
وقوله غير معمول لغيرها احتراز من نحز قوله تعالي ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾، ولا يحتاج إلى احتراز من هذا ولا إلى ذكره؛ لأن ﴿مَرْحَبًا﴾ لم يل (لا) إلا في اللفظ؛ ألا ترى أنه منصوب بفعل محذوف، فالذي ولي (لا) غنما هو ذلك الفعل المحذوف لا هذا الاسم النكرة. ولأنه أيضا قد/خرج مثل هذا بقوله"وقصد خلوص العموم باسم نكرة"، وفي قوله ﴿لا مَرْحَبًا﴾ لم يقصد ذلك باسم نكرة، فلا يحتاج على أن يحترز منه لأنه لم يندرج فيما قبله لما ذكرناه.
وقوله عمل (إن) زاد غير المصنف شرطا آخر، وهو ألا تقع بين عامل ومعمول، نحو قولك: جئت بلا زاد؛ لأنها لك تكرر، وقصد بها قصد العموم بنكرة وليت (لا)، ومنع ذلك لا تعمل عمل (إن).
стр. 1609
وقوله إلا أن الاسم إذا لم يكن مضافا ولا شبيها به ركب معها فالمضاف نحو: لا صاحب بر مذموم، والشبيه به نحو: لا راغبا في الشر محمود، منصوبان نصبا صريحا، والشبيه بالمضاف يسمى في الاصطلاح المطوَّل والممطول، من قولهم: مطلت الحديدة، أي: مددتها. والمطول في هذا الباب هو الاسم الذي يعمل فيما بعده عمل الفعل. فإذا لم يكن مضافا ولا شبيها به فهو المسمي عندهم بالمفرد، والمفرد في هذا الباب وباب النداء هو قسيم المضاف والمطول إذ المفرد يقال باصطلاحات.
وفي وقول المصنف: ركب معها دليل علي البناء، وقد ذكره بعد، فإذا قلت"لا رجل" فهذه الحركة فيها، وسيأتي الكلام مع من ذكر أنها حركه إعراب عند تعرض المصنف لذلك.
وذهب أكثر البصريين الأخفش والمازني والمبرد والفارسي إلى أنها حركة بناس، واختلفوا في موجب البناء:
فقيل: بنيت لتضمنها معنى (من)، كأن قائلا قال: هل من رجل في الدار؟ فقال مجيبه: لا رجل في الدار، ولأن (لا) نفي عام فينبغي أن تكون جوايا لسؤال عام، ولذلك صرح بـ (من) في بعض المواضع، وصححه ابن عصفور.
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع:"كان يصح ما ذكر لو كان الاسم بعد (لا) هو المتضمن معنى الحرف، وليس كذلك. فيقال
стр. 1610
له: (لا) هي المتضمنة معني (من) لا الاسم، فلا موجب لبناء الاسم، هذا إذا سلم أن الاستغراق في (لا) لنيابتها مناب (من)، بل قد قال السيرافي: إن (لا) لا تقتضي في النفي عموم النفي"
وقيل: بني لتركبه مع (لا)، وصارا كالشيء الواحد مثل خمسة عشر.
قال ابن عصفور:"والصحيح الأول لان ما بني من الأسماء لتضمنه معني الحرف أكثر مما بني لتركيبه مع الحرف، نحو قوله:
أثور ما أصيدكم أم ثورين ... أم هذه الجماء ذات القرنين
وقال ابن هشام:" ويقوي البناء للتركيب بناء الاسم مع صفته، على ما سيأتي" وهو ظاهر كلام س.
وقال ابن هشام:"مذهب س والجماعة إن العرب ركبت (لا) مع الاسم، وجعلتها كلمه واحدة، فبنوا الاسم للتركيب كخمسة عشر. ودليل ذلك/ أنه فصل بينهما أعربوا الاسم، نحو: لا في الدار رجل ولا امرأة، وأن قوما من أهل الحجاز يقولون (لا رجل أفضل من زيد) في التزام التنكير وترك تقديم الخبر وعدم الفصل، وأن المعنى استغراق
стр. 1611
الجنس وقد أعربوا، لكنهم لم يعتقدوا التركيب وفيها معنى (من) في هذه المواضع كلها لأنها تعطي الاستغراق" انتهى.
وزعم بعضهم أنه بني لتضمنه اللام التي لاستغراق الجنس. وهو فاسد بوصفه بالنكرة، ولو كان علي ما زعم لوصف بالمعرفة، كما قالوا: لقيته أمس الدابر.
وقوله وبني علي ما كان ينصب به يعني أنه عن كان مما ينصب بالفتحة بني على الفتحة، نحو: لا رجل في الدار، أو مما ينصب علي الياء بني عليها نحو المثنى، تقول: لا رجلين فيها، قال الشاعر:
تعز، فلا إلفين بالعيش ... متعا ولكن لوراد المنون تتابع
ونحو المجموع جمع سلامة، تقول: لا مساعدين لك، وقال الشاعر:
يحشر الناس لا بنين ولا آباء إلا وقد عنتهم شؤون
وقوله والفتح في نحو (ولا لذات للشيب) أولى من الكسر يعني أن ما جمع بالألف والتاء المزيدتين لا يتعين أن يبني مع (لا) علي ما ينصب به -وهو الكسرة- بل يجوز فيه أن يبني علي الفتح، وهو أولي من الكسر.
وقوله (ولا لذات للشيب) قطعة من بيت لسلامة بن جندل، وقد أنشده المصنف:
стр. 1612
إن الشباب الذي مجد عواقبة ... فيه نلذ، ولا لذات للشيب
وقال:"يروى بكسر التاء وفتحها، والفتح أشهر". ورواه غيره:
أودى الشباب الذي مجد عواقبه ...........
"وبالوجهين أيضا أنشد قول الآخر:
لا سابغات ولا جأواء باسلة ... تقي المنون لدي استيفاء آجال
وإذا ثبت عن العرب البناء علي الفتح وعلي الكسر ظهر بطلان قول من أوجب البناء علي الفتحة وقول من أوجب البناء علي الكسر.
وفرع بعض أصحابنا الفتح والكسر علي الخلاف في حركة" لا رجل"، فمن قال إنها حركة إعراب قال هنا"لا لذات" بالكسر، ومن قال هي حركة بناء: فالذي يقول إنه يبنى بجعله مع (لا) كالشيء الواحد قال"لا لذات" بالفتح، ولا يجوز عنده الكسر لأن الحركة ليست عنده لـ (لذات) خاصة، إنما هي لـ (لذات) و (لا). والذي يقول يبني لتضمنه معنى الحرف يقول في النصب"لا لذات" بالكسر. وحجته إن المبنى مع (لا) قد أشبه المعرب المنصوب، ولذلك نعت علي اللفظ، فكما الجمع بالألف والتاء في/حال النصب مكسور، فكذلك مع (لا)، وهو
стр. 1613
الصحيح. قال هذا القائل:"وبه ورد السماع". ثم أنشد بيت ابن جندل، ونسبه لابن مقبل، وهو:
................... ........ ولا لذات للشيب
قال:"فإنه روي بكسر التاء".
وقال شيخنا أبو الحسن الضائع: "القياس يقتضى أن يبنى علي الكسر، ولابد؛ لأن هذا الجمع يفتح آخره معربا كان أو مبنيا،
ولذلك زعم النحويون أن من قال (هيهاة) فبناه علي الفتح فهو عنده مفرد، تقلب تاؤه هاء في الوقف علي اللغة الفصيحة، ويقوي ذلك أن ها الجمع يجري مجري جمع المذكر السالم، فكما يقال: لا زيدين، فيكون بناؤه علي صيغة المنصوب كذلك يبنى جمع المؤنث السالم علي اللفظ المنصوب" انتهى.
وقال أبو الحكم بن عذره: "اختلفوا في جمع المؤنث السالم: فمنهم من قال: يحكم له في حال البناء بما حكم له في الإعراب، فيجعل فتحه بالكسر كما كان نصبة، وهو قول الأكثر. وقال المازني والفارسي: ينبغي أن يفتح، فيقال: لا ورقات لك. قالا: لأن الحركة في حال الإعراب كانت للورقات نفسها، وهى الآن لمجموع المركب (لا) والاسم المنفي، وحركة المركبين الفتح. فأما س: فلا نص له علي أحد المذهبين أصلا. وما ذهب إليه المازني قياس جيد" انتهى.
стр. 1614
ولما ورد الأستاذ أبو الحسن بن خروف الجزيرة الخضراء سأل طلبتها المشتغلين بالنحو، واستنهض منهم الأستاذ أبا عبد الله بن هشام الخضراوي، فقال: كيف تقول: لا مسلمات لك؟ قال: فقلت: أقول: لا مسلمات، بالخفض والتنوين؛ لأن هذه النون كنون (صالحين) بدليل ﴿مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾ و:
............ أذرعات ........................
بالكسر والتنوين، فكما أقول "لا مسلمين لك" أقول "لا مسلمات". فقال ابن خروف: بهذا أجبت، وهو الحق.
واعترض ابن هشام هذا، وقال: "لم أر هذا التنوين يثبت حيث يحذف غيره إلا هنا، ورأيته يحذف في النداء في: يا مسلمات، كما تقول: يا زيد، وأنت تقول: يا مسلمون، فتثبت النون، وتحذفه مع اللام، فتقول (المسلمات) كما تقول (الرجل)، وفي الوقف إذا قلت: جاءني مسلمات، وتقول (المسلمون) في الوصل والوقف، فقد رأينا هذه النون تنوينًا لا يخالف غيره إلا في هذا الموضع، فإذا جهلنا السماع في موضع ما حملناه على الأكثر، وقد جرى هذا التنوين مجرى غيره في كل موضع، فكما أجريته مجرى نون (رجل) في كل ما ذكرته، فكذلك تجريه هنا، فتقول: لا مسلمات، كما تقول: لا رجل، وتبنيه على الكسر لأنه نظير الفتح هنا، وهو علامة النصب، فيكون علامة للبناء، كما قال س/ في هيهات: من قاله بالفتح فهو مفرد مبني على الفتح، ومن قال بالكسر فجمع هيهاة، بناه على الكسر لأن الكسر في الجمع نظير الفتح في المفرد" انتهى. وقد اعتذر ابن هشام عن صرف (عرفات) بما يوقف عليه من كلامه.
стр. 1615
وقال أبو علي: من يعتقد الإعراب في "لا رجل" قال "لا مسلماتِ لك" بحذف التنوين، وكانت الكسرة عنده علامة نصب، ومن بني بناها على الكسر لأن الكسرة هنا نظير الفتحة، واللفظ واحد، والحكم مختلف.
وقال ابن جني في الخصائص: "لم يجز أصحابنا فتح هذه التاء إلا شيئًا قاسه أبو عثمان، فقال: أقول (لا مسلمات) بفتح التاء؛ لأن الفتحة الآن ليست لـ (مسلمات) وحدها، وإنما هي لها ولـ (لا) قبلها، وإنما يمتنع من فتح التاء ما دامت الحركة لها وحدها، فإذا كنت لها ولغيرها فقد زال طريق الحصر الذي كان عليها، فأقول (لا هيهات لك) بفتح التاء".
وقال أبو الفتح: "وغيره [يقول]: لا هيهات لك، بالكسر على كل حال بلا تنوين" انتهى.
وتلخص في "لا مسلمات" أربعة مذاهب:
أحدها: الكسر والتنوين، وهو مذهب ابن خروف، وقد سبقه إلى ذلك قوم من النحويين، قاله ابن الدهان في (الغرة).
والثاني: الكسر بلا تنوين، وهو مذهب الأكثرين.
والثالث: الفتح، وهو مذهب المازني والفارسي.
والرابع: جواز الكسر والفتح من غير تنوين في الحالين، وهو الصحيح إذ ورد به السماع، أعني الكسر والفتح من غير تنوين فيهما، ولو كانوا وقفوا على السماع ما اختلفوا.
следующие страницы →