← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17116

التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

أبو حيان الأندلسي

Полный текст (3 950 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

الجنس وقد أعربوا، لكنهم لم يعتقدوا التركيب وفيها معنى (من) في هذه المواضع كلها لأنها تعطي الاستغراق" انتهى. وزعم بعضهم أنه بني لتضمنه اللام التي لاستغراق الجنس. وهو فاسد بوصفه بالنكرة، ولو كان علي ما زعم لوصف بالمعرفة، كما قالوا: لقيته أمس الدابر. وقوله وبني علي ما كان ينصب به يعني أنه عن كان مما ينصب بالفتحة بني على الفتحة، نحو: لا رجل في الدار، أو مما ينصب علي الياء بني عليها نحو المثنى، تقول: لا رجلين فيها، قال الشاعر: تعز، فلا إلفين بالعيش ... متعا ولكن لوراد المنون تتابع ونحو المجموع جمع سلامة، تقول: لا مساعدين لك، وقال الشاعر: يحشر الناس لا بنين ولا آباء إلا وقد عنتهم شؤون وقوله والفتح في نحو (ولا لذات للشيب) أولى من الكسر يعني أن ما جمع بالألف والتاء المزيدتين لا يتعين أن يبني مع (لا) علي ما ينصب به -وهو الكسرة- بل يجوز فيه أن يبني علي الفتح، وهو أولي من الكسر. وقوله (ولا لذات للشيب) قطعة من بيت لسلامة بن جندل، وقد أنشده المصنف:

стр. 1612

إن الشباب الذي مجد عواقبة ... فيه نلذ، ولا لذات للشيب وقال:"يروى بكسر التاء وفتحها، والفتح أشهر". ورواه غيره: أودى الشباب الذي مجد عواقبه ........... "وبالوجهين أيضا أنشد قول الآخر: لا سابغات ولا جأواء باسلة ... تقي المنون لدي استيفاء آجال وإذا ثبت عن العرب البناء علي الفتح وعلي الكسر ظهر بطلان قول من أوجب البناء علي الفتحة وقول من أوجب البناء علي الكسر. وفرع بعض أصحابنا الفتح والكسر علي الخلاف في حركة" لا رجل"، فمن قال إنها حركة إعراب قال هنا"لا لذات" بالكسر، ومن قال هي حركة بناء: فالذي يقول إنه يبنى بجعله مع (لا) كالشيء الواحد قال"لا لذات" بالفتح، ولا يجوز عنده الكسر لأن الحركة ليست عنده لـ (لذات) خاصة، إنما هي لـ (لذات) و (لا). والذي يقول يبني لتضمنه معنى الحرف يقول في النصب"لا لذات" بالكسر. وحجته إن المبنى مع (لا) قد أشبه المعرب المنصوب، ولذلك نعت علي اللفظ، فكما الجمع بالألف والتاء في/حال النصب مكسور، فكذلك مع (لا)، وهو

стр. 1613

الصحيح. قال هذا القائل:"وبه ورد السماع". ثم أنشد بيت ابن جندل، ونسبه لابن مقبل، وهو: ................... ........ ولا لذات للشيب قال:"فإنه روي بكسر التاء". وقال شيخنا أبو الحسن الضائع: "القياس يقتضى أن يبنى علي الكسر، ولابد؛ لأن هذا الجمع يفتح آخره معربا كان أو مبنيا، ولذلك زعم النحويون أن من قال (هيهاة) فبناه علي الفتح فهو عنده مفرد، تقلب تاؤه هاء في الوقف علي اللغة الفصيحة، ويقوي ذلك أن ها الجمع يجري مجري جمع المذكر السالم، فكما يقال: لا زيدين، فيكون بناؤه علي صيغة المنصوب كذلك يبنى جمع المؤنث السالم علي اللفظ المنصوب" انتهى. وقال أبو الحكم بن عذره: "اختلفوا في جمع المؤنث السالم: فمنهم من قال: يحكم له في حال البناء بما حكم له في الإعراب، فيجعل فتحه بالكسر كما كان نصبة، وهو قول الأكثر. وقال المازني والفارسي: ينبغي أن يفتح، فيقال: لا ورقات لك. قالا: لأن الحركة في حال الإعراب كانت للورقات نفسها، وهى الآن لمجموع المركب (لا) والاسم المنفي، وحركة المركبين الفتح. فأما س: فلا نص له علي أحد المذهبين أصلا. وما ذهب إليه المازني قياس جيد" انتهى.

стр. 1614

ولما ورد الأستاذ أبو الحسن بن خروف الجزيرة الخضراء سأل طلبتها المشتغلين بالنحو، واستنهض منهم الأستاذ أبا عبد الله بن هشام الخضراوي، فقال: كيف تقول: لا مسلمات لك؟ قال: فقلت: أقول: لا مسلمات، بالخفض والتنوين؛ لأن هذه النون كنون (صالحين) بدليل ﴿مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾ و: ............ أذرعات ........................ بالكسر والتنوين، فكما أقول "لا مسلمين لك" أقول "لا مسلمات". فقال ابن خروف: بهذا أجبت، وهو الحق. واعترض ابن هشام هذا، وقال: "لم أر هذا التنوين يثبت حيث يحذف غيره إلا هنا، ورأيته يحذف في النداء في: يا مسلمات، كما تقول: يا زيد، وأنت تقول: يا مسلمون، فتثبت النون، وتحذفه مع اللام، فتقول (المسلمات) كما تقول (الرجل)، وفي الوقف إذا قلت: جاءني مسلمات، وتقول (المسلمون) في الوصل والوقف، فقد رأينا هذه النون تنوينًا لا يخالف غيره إلا في هذا الموضع، فإذا جهلنا السماع في موضع ما حملناه على الأكثر، وقد جرى هذا التنوين مجرى غيره في كل موضع، فكما أجريته مجرى نون (رجل) في كل ما ذكرته، فكذلك تجريه هنا، فتقول: لا مسلمات، كما تقول: لا رجل، وتبنيه على الكسر لأنه نظير الفتح هنا، وهو علامة النصب، فيكون علامة للبناء، كما قال س/ في هيهات: من قاله بالفتح فهو مفرد مبني على الفتح، ومن قال بالكسر فجمع هيهاة، بناه على الكسر لأن الكسر في الجمع نظير الفتح في المفرد" انتهى. وقد اعتذر ابن هشام عن صرف (عرفات) بما يوقف عليه من كلامه.

стр. 1615

وقال أبو علي: من يعتقد الإعراب في "لا رجل" قال "لا مسلماتِ لك" بحذف التنوين، وكانت الكسرة عنده علامة نصب، ومن بني بناها على الكسر لأن الكسرة هنا نظير الفتحة، واللفظ واحد، والحكم مختلف. وقال ابن جني في الخصائص: "لم يجز أصحابنا فتح هذه التاء إلا شيئًا قاسه أبو عثمان، فقال: أقول (لا مسلمات) بفتح التاء؛ لأن الفتحة الآن ليست لـ (مسلمات) وحدها، وإنما هي لها ولـ (لا) قبلها، وإنما يمتنع من فتح التاء ما دامت الحركة لها وحدها، فإذا كنت لها ولغيرها فقد زال طريق الحصر الذي كان عليها، فأقول (لا هيهات لك) بفتح التاء". وقال أبو الفتح: "وغيره [يقول]: لا هيهات لك، بالكسر على كل حال بلا تنوين" انتهى. وتلخص في "لا مسلمات" أربعة مذاهب: أحدها: الكسر والتنوين، وهو مذهب ابن خروف، وقد سبقه إلى ذلك قوم من النحويين، قاله ابن الدهان في (الغرة). والثاني: الكسر بلا تنوين، وهو مذهب الأكثرين. والثالث: الفتح، وهو مذهب المازني والفارسي. والرابع: جواز الكسر والفتح من غير تنوين في الحالين، وهو الصحيح إذ ورد به السماع، أعني الكسر والفتح من غير تنوين فيهما، ولو كانوا وقفوا على السماع ما اختلفوا.

стр. 1616

وفي (البسيط) ما ملخصه: إن كان جمعًا على أصله لم يسم به ولم يضف بني على حركة إعرابه، وهي الكسرة. وقيل: ينبغي أن يفتح لأنه بناء للتركيب، فالحكم له لأنه حادث، وسببه (لا)؛ ألا تراه يشبه الإعراب، فيحمل على لفظه، وهذا البناء يكون على الفتح كخمسة عشر، فالحكم لهذا الحادث، وتلغى حالة الأصل، وبع قال الرماني والصقلي من المتأخرين. وقال ابن جني: "الكسر هو الوجه عند النحويين، وإنما قال ذلك بعضهم قياسًا". وإن أضيف لفظًا أو تقديرًا، نحو "لا مسلمات زيد" أو "لا مسلمات لك" كسر على الأصل لأنه معرب اتفاقًا. فإن ركبته مع اسم آخر، فقلت "لا سرح مسلمات"، وتقدم الاسم على الجمع، فعلى رأي الصقلي تفتح التاء لأن هذه فتحة لبناء التركيب، فالحكم له. وعلى قياس الأكثر تكسر عملًا بالأصل. وقد يقال: القياس يقتضي التنوين إذا كان للمقابلة لأنه نظير النون في الجمع، وأنت تقول: لا زيدين، فتبنيه على الياء لأنه للنصب،/ ويثبت التنوين، فكذلك الكسرة والتنوين. وربما قال به ابن خروف فيما حكي عنه بعض الأشياخ. فإن كان علمًا فعلى من جعل الإعراب في النون في الجمع حذف التنوين وفتح، فقال: لا مسلماتَ، وعلى من جعل الإعراب بالحروف كسر التاء، وحذف التنوين، وعلى قياس قول الرماني الفتح مطلقًا، وكذا على قول من لا يلاحظ التركيب الحادث، يكسر ليس إلا. وقوله ورفع الخبر -إن لك يركب الاسم مع لا- بها عند الجميع مثال ذلك: لا آمرًا بمعروف مذموم، ولا صاحب خبث مأمون، فرفع (مذموم) و (مأمون) هو بنفس (لا)، عملت في الاسم النصب وفي الخبر

стр. 1617

الرفع. وذكر الأستاذ أبو علي الشلوبين أنه لا خلاف في رفع الخبر بها عند عدم تركيبها. والخبر في هذا الباب لا يكون إلا نكرة؛ لأنه إن كان معرفة أدى ذلك إلى الإخبار بالمعرفة عن النكرة، وذلك لا يجوز، وجاز ذلك على قلة في (إن) لأنها أقوى في العمل من (لا)، فعلى هذا لا يجوز: لا كريم أنت، ولا فاضل زيد، فأما ما حكاه الأخفش عن العرب من قولهم "لا موضع صدقة أنت" فـ (موضع) منصوب على الظرف لا على أنه اسم (لا)، وأنت: مبتدأ، وكان ينبغي تكرارها، لكنهم لم يكرروها لأن ذلك جرى في الكلام مجرى المثل، قاله المازني، والأمثال لا تغير؛ ألا ترى أنهم يقولون "وريت بك زنادي" لأنه مثل، ولا يقولون في الكلام إلا: ورت الزناد تري. وقوله وكذا مع التركيب على الأصح هذا الذي اختاره المصنف هو مذهب الأخفش والمازني وأبي العباس وجماعة، ذهبوا إلى أن (لا) هي العاملة في الخبر الرفع إجراء لها مجرى (إن)، وأنه يجوز أن تقول: لا رجل في الدار وامرأة، فتعطف على الموضع، كما يجوز أن تقول: إن زيدًا قائم وعمرو، فتعطف على الموضع.

стр. 1618

واعترض على هذا المذهب بأن الحرف الذي ينصب الاسم ويرفع الخبر إذا غير معنى الكلام الذي دخل عليه لم يجز الحمل فيه على الموضع، ولذلك لم يجز في ليت ولعل وكأن، فكان ينبغي على هذا ألا يجوز العطف على الموضع مع (لا) لأنها غيرت معنى ما دخلت عليه من الإيجاب إلى النفي. فأجاب السيرافي عن ذلك بأن قال: (لا) حدث فيما دخلت عليه معنى النفي، ومعنى النفي لا يناقض الابتداء لأن حروف النفي يجوز دخولها على الابتداء، نحو قولك: لا رجل في الدرار ولا امرأة، وليست لعل وليت وكأن كذلك؛ لأنها لا يقع بعدها المبتدأ في شيء من كلامهم. وذهب/ غيره من النحويين إلا أنها لم تعمل في الخبر شيئًا، بل النكرة مع (لا) العاملة فيها في موضع رفع على الابتداء، والاسم المرفوع بعدها خبر للابتداء، كما أن النكرة مع (من) في قولك "هل من رجل قائم" في موضع رفع على الابتداء، والاسم المرفوع بعدهما خبر للمبتدأ. وهذا المذهب الأخير هو الظاهر من كلام س، وهو الصحيح. والدليل على ذلك أنه يجوز أن تحمل جميع توابعها على الموضع قبل أن تأتي بالخبر، كما يجوز أن تحمل توابع النكرة المجرورة بـ (من) في قولك "هل من رجل في الدار" على الموضع قبل الخبر، فتقول: لا رجل عاقل في الدار، ولا رجل وامرأة في الدار، كما تقول: هل من رجل عاقل في الدار؟ وهل من رجل وامرأة في الدار؟ فلولا أنهما مع (لا) محكوم لهما

стр. 1619

بحكم اسم مبتدأ جاز الحمل على الموضع قبل الخبر، كما لم يجز الحمل على موضع (إن) قبل الخبر، بل من أجاز ذلك من البصريين في باب (إن) إنما يجيزه بعد الخبر. وثمرة الخلاف تظهر في نحو قولك: لا رجل ولا امرأة قائمان، فعلى مذهب الأخفش لا يجوز ذلك لأنه يؤدي إلى إعمال عاملين في معمول واحد، بيان ذلك: تقول: لا رجل في الدار، فالعامل عنده في الخبر (لا)، بمنزلة الخبر في (إن)، فإذا قلت "لا رجل ولا امرأة عاقلان" لزم أن يكون (عاقلان) يعمل فيه عاملان: (لا) من حيث هو خبر اسمها، وتعمل فيه (امرأة) من حيث هو خبرها، ولا يجوز ذلك. وعلى المذهب الآخر يجوز لأنهما اسمان مبتدآن معطوف أحدهما على الآخر، كما تقول: زيد وعمرو قائمان. وأما إذا كان الخبر مما يصلح أن يكون لأحدهما، نحو قول الشاعر: فلا لغو ولا تأثيم فيهما ......................... فـ (فيها) خبر عن الاسمين على ظاهر قول س، وخبر عن

стр. 1620

أحدهما، وخبر الآخر محذوف على قول أبي الحسن. وقال المصنف في الشرح ما نصه: "وغير ما ذهب إليه س أولى لأن كل ما استحقت (لا) به العمل من المناسبات السابق ذكرها باق، فليبق ما ثبت بسببه، ولا يضر التركيب كما لم يضر (أن) صيرورتها بفتح الهمزة مع معمولها كشيء واحد، ولو كان جعل (لا) مع اسمها كشيء واحد مانعها من العمل في الخبر لمنعها من العمل في الاسم؛ لأن أحد جزأي الكلمة لا يعمل في الآخر، ولا خلاف في أن التركيب لم يمنع عملها في الاسم، فلا يمنع عملها في الخبر. وأيضًا فإن عمل (لا) في الخبر أولى من عملها في الاسم؛ لأن تأثيرها في معناه أشد من تأثيرها في معنى الاسم، والإعراب إنما جيء به في الأصل للدلالة على المعنى الحادث في العامل. وإنما لم يكن خلاف في ارتفاع الخبر بـ (لا) غير المركبة لأنه مانع التركيب هو كون الاسم مضافًا أو/ شبيهًا به، وكلاهما صالح للابتداء مجردًا عن (لا)، كما أن اسم (إن) صالح للابتداء به مجردًا عن (إن)، وليس كذلك مصحوب (لا) المركب، فإن تجرده من (لا) يبطل الابتداء به لأنه نكرة لا مسوغ لها، فإذا اقترنت بـ (لا) كانت بمنزلة نكرة ابتدئ بها لاعتمادها على نفي" انتهى ما رجح به المصنف ما اختاره من مذهب الأخفش، وتقدم بطلانه. وفي (الغرة): وقياس الكوفي أن يكون الخبر مرفوعًا بخبر الابتداء ظهر العمل في الاسم أو لم يظهر، كما يقول الكوفي ذلك في (إن).

стр. 1621

وما ذهب إليه معظم النحويين من أن النكرة المبنية مع (لا) في موضع نصب بها نظير قولهم "يا بن أم"، و"يا بن عم"، فإنهم زعموا أنهما بنيا، وجعلا بمنزلة اسم واحد، وزعموا أن (عم) في موضع خفض بالإضافة، كما أن موضع الاسم النكرة نصب بـ (لا). وهذا في كلتا المسألتين مشكل جدًا، وذلك أنهما من حيث التركيب صار كل منهما كجزء كلمة، وجزء الكلمة لا يعمل في الجزء الآخر، ومن حيث العمل لا يكون كجزء كلمة، فتدافعا. ولهذا الإشكال -والله أعلم- زعم بعضهم أن حركته حركة إعراب لا حركة بناء، وسيأتي ذكر هذا المذهب، وإنما اضطروا إلى دعوى العمل لأنهم وجدوا هذه النكرة تتبع قبل الخبر رفعًا ونصبًا، فتقول: لا رجل وامرأة عندك، وسيأتي الكلام في ذلك إن شاء الله. وليسوا مضطرين إلى دعوى ذلك في "يا بن أم"، و"يا بن عم"؛ إذ يجوز ألا يكونا مركبين، بل يكونان متضايفين، والأصل: يا بن أما، ويا بن عما، وقد سمع ذلك، وحذف الألف المنقلبة عن ياء الإضافة، واجتزئ بالفتحة عنها، وسيأتي تحرير ذلك في باب النداء إن شاء الله تعالى. ص: وإذا علم كثر حذفه عند الحجازيين، ولم يلفظ به عند التميميين، وربما أبقي وحذف الاسم. ولا عمل لـ (لا) في لفظ المثنى من نحو: لا رجلين فيها، خلافًا للمبرد. وليست الفتحة في نحو (لا أحد فيها) إعرابية، خلافًا للزجاج

стр. 1622

والسيرافي. ودخول الباء على (لا) يمنع التركيب غالبًا، وربما ركبت النكرة مع (لا) الزائدة. ش: قوله وإذا علم احتراز من ألا يعلم، ولا يدل عليه دليل، فلو قلت "لا رجل" في ابتداء الكلام، ولا دليل على حذف الخبر لا من لفظ سابق ولا من قرينة حالية، لم يكن كلامًا، بل يجب إثبات الخبر كقوله "لا أحد أغير من الله"، وقال الشاعر: ورد جازرهم حرفًا مصرمة ولا كريم من الولدان مصبوح فـ (مصبوح) عن س خبر. وزعم ابن الطراوة أنه يمكن أن يكون صفة، والخبر محذوف، أي: ولا كريم مصبوح في الوجود. ورد عليه بأن الشاعر إنما يصف عامهم بالمحل/، أي: ورد جازرهم حرفًا، أي: ناقة كالحرف، لضمورها تشبه بالنون، ومصرمة: صيرها مصرمة الأخلاف ضنانة باللبن لئلا يرضعها الفصيل إن كان فيها لبن، ثم قال: ولا كريم مصبوح، أي: ليس من كريم مصبوح، أي: ليس من كريم من يصبح، أي: يسقى اللبن في الصباح؛ لأنه ليس ثم لبن، فإذا كان كريم الولدان ذو المال والرفه لا يصبح فما ظنك بمن ليس بكريم، فإنما نفي أن يصبح الكريم، والنفس إنما يتوجه على الخبر.

стр. 1623

والذي قال ابن الطراوة يكون معناه: ليس في الوجود كريم مصبوح، فالمنفي هو "في الوجود" لا المصبوح إذ الصفة لا تنفي، ولو قلت "ما زيد العاقل قائم" كان نفيًا للقيام لا لزيد العاقل، وكذلك الكريم المصبوح ليس في الوجود، بل مات، فكأنه قال: الكرام المصبوحون فقدوا، أي: كان ثم كران مصبوحون وفقدوا. وليس هذا مقصد الشاعر، إنما يريد أن كريم الولدان من هؤلاء القوم لا يصبح وإن كان يبقي عليه ويشفق لصغره. انتهى. فإذا علم بدلالة لفظ سابق أو قرينة حالية كثر حذفه عند الحجازيين، سواء أكان ظرفًا أم مجرورًا أم غير ذلك، وأكثر ما يحذفه الحجازيون مع (إلا)، نحو ﴿لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ﴾. ومن حذفه دون (إلا) قوله ﴿لا ضَيْرَ﴾، ﴿فَلا فَوْتَ﴾، "لا ضرر ولا ضرار"، و"لا عدوى ولا طيرة". ومن حذفه للقرينة قولك للمريض: لا بأس، أي: لا بأس عليك. وإنما كثر الحذف في الخبر بعد (لا) هذه لأمرين: أحدهما: أنها مشبهة في العمل بـ (إن)، وخبر (إن) النكرة يكثر حذفه. والآخر: أن (لا) وما دخلت عليه جواب استفهام عام، والأجوبة

стр. 1624

يقع فيها الحذف والاختصار كثيرًا، ولذلك يكتفون بـ (لا)، وبـ (نعم) في الجواب، ويحذفون الجملة رأسًا بعدهما. وقوله ولم يلفظ به عند التميميين ظاهر هذا أنه إذا علم الخبر لا يثبته التميميون مطلقًا، سواء أكان ظرفًا أم مجرورًا أم غيرهما. وقال في الشرح: "لا يلفظ به التميميون ولا الطائيون، بل الحذف عندهم واجب بشرط ظهور المعنى". قال: "ومن نسب إليهم التزام الحذف مطلقًا -يشير إلى الزمخشري- أو بشرط كونه ظرفًا -يشير إلى الجزولي- فليس بمصيب" انتهى. وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: "بنو تميم يلتزمون حذفه إذا كان اسمًا يظهر فيه الرفع". وقال في مكان آخر: "والخبر لا يخلو أن يكون ظرفًا أو مجرورًا أو غير ذلك، فإن كان ظرفًا أو مجرورًا جاز لك فيه وجهان: إن شئت حذفته، وإن شئت أثبتته. وإن كان غير ذلك فبنو تميم يلتزمون الحذف، وأهل الحجاز يجيزون الحذف والإثبات". فما ذكره/ ابن عصفور مخالف لما ذكره المصنف؛ لأن المصنف ذكر أن بني تميم يلتزمون الحذف مطلقًا إذا علم، وابن عصفور ذكر أنهم لا يلتزمون حذفه إلا إذا كان غير ظرف ولا مجرور. وفي كتاب "البديع) ما يوافق كلام المصنف، قال فيه: "أهل الحجاز يظهرون خبر (لا)، فيقولون: لا رجل أفضل منك، ويحذفونه كثيرًا، فيقولون: لا أهل، ولا مال، ولا بأس، أي: لك، وعليك، وبنو تميم لا يثبتونه أصلًا".

стр. 1625

وقال س: "والذي بني عليه في زمان أو مكان، ولكنك تضمره، وإن شئت أظهرته: لا رجل، ولا شيء، تريد: لا رجل في مكان، ولا شيء في زمان. والدليل على أن لا رجل في موضع اسم مبتدأ قول العرب من أهل الحجاز: لا رجل أفضل منك، كأنه قال: ما رجل أفضل منك، وهل من رجل خير منك؟ كأنه قال: هل رجل خير منك" انتهى. وشرحه أصحابنا، فقالوا: يريد أن الخبر لهذا المبتدأ في السؤال أو الجواب يكون زمانًا أو مكانًا، أضمرته أو أظهرته، بحسب المبتدأ المنفي أو المسؤول عنه، إذ قد يكون شخصًا وغيره، وقد يكون الخبر غير طرف بدليل قول س بعد "لا رجل أفضل منك"، وإنما اقتصر أولًا على ذلك لأنه الأكثر، ولأن الكلام عليه أدل. وقول س "ولكنك تضمره" يعني في جميع اللغات. وقوله "وإن شئت أظهرته" يعني في لغة أهل الحجاز. ثم استدل على أنه في الموضعين مرفوع بظهور الخبر مرفوعًا، ومراده هنا أن يستدل على أن الاسم بعد (لا) ليس في موضع رفع بـ (لا) على لغة من يقول: ................................ ........................ لا براح وقال "في لغة بني تميم" لأنهم لا يظهرون الخبر، فصار الأمر محتملًا أن يكون مرفوعًا بـ (لا)، والخبر محذوف. وللخصم أن يقول: لو ظهر عندهم لكان منصوبًا، فاستدل بظهوره

стр. 1626

في لغة أهل الحجاز. ووجه الدليل من ذلك أن بني تميم لم يعملوا (ما) البتة، وهي أقوى من (لا)، وإنما أعملها الحجازيون، وإذا كان أهل الحجاز يقولون "لا رجل أفضل منك" بالرفع وإبطال عمل (لا) فيما بعدها الرفع إذ لم ينصب بعدها الخبر فأحرى التميمي الذي لا يعمل بوجه ألا يعمل (لا) التي هي أضعف. وفي (الغرة): بنو تميم كثيرًا ما يحذفون الخبر، وأهل الحجاز يظهرونه، وكذا السيرافي في تأويل ما قال س. ومن حذف الخبر قولهم: لا أهل، ولا مال، ولا بأس، و"لا فتى إلا علي، ولا سيف إلا ذو الفقار"، وكل العرب يقول ﴿لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ﴾، ولا حول ولا قوة إلا بالله، يضمرون: في الدنيا، أو: لنا، أو: في الوجود، وما أشبه ذلك في المعنى. ويجوز في ذي الفقار ونحوه الرفع على البدل/ من الموضع -وسيأتي الكلام في ذلك في باب الاستثناء- وعلى الصفة، ويجوز النصب على الاستثناء، فتقول: إلا ذا الفقار، وإلا اللهَ، بالنصب. ولا يجوز فيها كان معرفة نحو "إلا ذو الفقار" حالة الرفع أن يكون خبرًا لأنه معرفة، واسم (لا) نكرة، ولا خبر عن النكرة بالمعرفة، ولأن (لا) لا تعمل في المعارف، ولا تعمل في الموجب إذا فرعنا على قول من يقول إنها ترفع الخبر. وزعم أبو عمر الجرمي في (الفرخ) أنه لا يصح في ﴿لا إلَهَ إلاَّ

стр. 1627

اللَّهُ﴾ إلا الرفع، قال: لأنه لم يتم الكلام، وكأنك قلت: الله إله، وزيد رجل، وهذا غير بين؛ لأن الكلام تام بالإضمار، وقد ذكر س "لا أحد فيها إلا زيدًا" بالنصب، وأجاز ذلك في قول الشاعر: .................... ولا أمر للمعصي إلا مضيعا وبلا شك أن الكلام تام. وما جاز فيه الإتباع جاز فيه النصب. وقوله وربما أبقي، وحذف الاسم أي: أبقي الخبر. قال س: "ونظير (لا كزيد) في حذفهم الاسم قولهم: لا عليك، وإنما يريد: لا بأس عليك، ولا شيء عليك، ولكنه حذف لكثرة استعمالهم إياه". وقال أيضًا س: "وتقول: لا كالعشية عشية، ولا كزيد رجل؛ لأن الآخر هو الأول، ولأن زيدًا رجل، وصار (لا كزيد) كأنك قلت: لا أحد كزيد، ثم قلت: رجل، كما تقول: لا مال له، ثم تقول: قليل ولا كثير، على الموضع، قال امرؤ القيس:

стр. 1628

ويلمها في هواء الجو طالبة ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب كأنه قال: ولا شيء كهذا، ورفع على ما ذكرت لك" انتهى. وإنما قل حذف اسم (لا) لأن (لا) قد تنزلت من النكرة منزلة (من) منها في السؤال، فكما لا يجوز حذف النكرة وإبقاء (من) فكذلك لا يجوز حذف النكرة وإبقاء (لا)، بل ما سمع من ذلك حفظ، ولم يقس عليه. وقوله ولا عمل لـ (لا) في لفظ المثنى من نحو (لا رجلين فيها)، خلافًا للمبرد في عبارة المصنف قصور لأنه قصر هذا الحكم على المثنى، والخلاف في الجمع الذي على حد التثنية كالخلاف في التثنية، فنقول: اختلفوا فيهما: فذهب المبرد إلى أنه لا يجوز أن يبنيا مع (لا). واستدل على ذلك بأنهما لم يجعلا مع ما قبلهما اسمًا واحدًا، ولا وجد ذلك في كلامهم كما لم يوجد المضاف ولا الموصول مع ما قبله بمنزلة اسم واحد، وإذا لم يجعلا معها بمنزلة اسم واحد كانا معربين بعدها. ولم يجز عنده في نعتهما إلا وجهان: النصب على اللفظ، والرفع على الموضع. وذهب س والخليل وأبو بكر وأبو إسحاق الفارسي وابن جني والجماعة إلى أنهما مبنيان مع (لا). واستدل الفارسي على ذلك

стр. 1629

في (الحلبيات)، فقال: "قولك لا يدين بها لك بمنزلة لا رجل لك، و ﴿لا قُوَّةَ إلاَّ/ بِاللَّهِ﴾؛ ألا ترى أنه ليس مضافًا إلى شيء، وإذا لم يكن مضافًا كان في حكم الأسماء المفردة المبنية على الفتح في هذا الباب، وكون حرف التثنية فيه لا يمنه من بنائه مع (لا) وجعله معها بمنزلة اسم واحد؛ ألا ترى أن حرف التثنية ليس بشيء مضاف إليه كـ (رجل) من قولك: لا غلام رجل، وإنما هو بمنزلة تاء التأنيث وألفيه وكياءي النسب، فكما أنك لو قلت: لا كرسي لك، ولا بصري عندك، ولا جمعة لك، لم يمتنع أن تبنى هذه الأسماء مع (لا)، وتجعلها معها كاسم واحد، كذلك لا يمتنع ذلك في المثنى والجمع. ومما يدل على جواز بناء ذلك مع (لا) أن آخر المجموع بمنزلة أواخر الكلم المعربة، فمن حيث جاز بناء سائر الكلم المعربة مع (لا) كذلك يجوز بناء المثنى والمجموع. فأما كون النون في الآخر في التثنية والجمع فليس بمانع من ذلك للحاقها ما يلحق سائر المبنية، كما لم تمنع الميم اللاحقة لقولهم (اللهم) أن يجري البناء المطرد في النداء على حرف الإعراب الذي قبله. وإذا كان كذلك كان (لا يدين بها لك) مثل (لا غلام لك)، ووقعت الياء في التثنية من حيث كانت الفتحة بمنزلة النصبة، فساوتها في لفظ التثنية كما تساوتا في لفظ الإفراد. وليس قول من قال إنه لا يجوز ذلك لأنك لم تجد مثله بمستقيم في هذا لأن الشيء إذا دلت الدلالة على صحته لم يقدح في دلالته أن لا نظير له وإن كان في إيجاد النظير بعض الإيناس".

стр. 1630

وقال ابن عصفور: "استدل أبو العباس على ذلك بأن قال: لم يوجد اسم مثنى مبني في كلام العرب، وأما (هذان) و (اللذان) وأشباههما فصيغ تثنية، وليست بمثناة على الحقيقة، وأيضًا فإنهما قد طالا بالنون، والاسم المطول في باب (لا) معرب". ورد عليه بأنه وجد اسم مثنى مبني بدليل قولهم (اثنان) في العدد إذا لم يقصد الإخبار بل مجرد العدد، وبأنه لا طول بالنون لأنها هنا بمنزلة التنوين، فكما لا يطول به كذلك لا يطول بالنون. انتهى، وفيه بعض تلخيص. أما قوله في (اثنان) لمجرد العدد (إنه مبني) فينبغي أن يزيد فيه "بلا عطفية"؛ لأنه قد زعم في (القرب) أنه إذا كانت عطفية، وكان لمجرد العدد، معرب، وأنه دخله لقب من ألقاب الإعراب. وقال المصنف في الشرح: "خالف المبرد س في اسم (لا) المثنى، نحو: لا رجلين فيها، فزعم أنه معرب، واحتج بأمرين: أحدهما: أنه بزيادة الياء والنون أشبه المطول. والثاني: أن العرب تقول: أعجبني يومَ زرتني، فتفتح، وأعجبني يومُ زرتني، فتعرب. وعورض في الأول بأن شبه (لا رجلين) بـ (يا رجلان) أقوى من شبهه بـ (لا خيرًا من زيد)، وقد سوي بين (يا رجلان) / و (يا رجل)، فليسو بين (لا رجلين) و (لا رجل).

стр. 1631

ورد الثاني بأن بناء (يوم) وشبهه حين أضيف إلى الجملة إنما كان لشبهه بـ (إذ) لفظًا ومعنى، فلما ثني خالفه بلحاق علامة التثنية، وبكون (اليوم) إذا ثني يصير موقتًا، والمحمول على (إذ) إنما يكون مبهمًا، أي: صالحًا للقليل والكثير، فإذا ثني زال الإبهام، فلم يصلح أن يحمل على (إذ) للزوم إبهامها وصلاحيتها لكل زمان ماض". وفي (البسيط): "قال أبو العباس: هما معربان بوجهين: [أحدهما] أنه لا يوجد مثنى ولا مجموع بني. والثاني: أنهما في معنى العطف، والعطف يمنع من البناء، ولأنه لو بني. لكان مركبًا مع (لا)، ولا يوجد في كلامهم مركب من شيئين يثني الآخر منهما ويجمع. ورد الأول بأن التثنية إذا بنيت إنما تنزل [منزلة] ما ارتجل للتثنية، كـ (هذان) و (اللذان). وعن الثاني بأن العطف معنى لا لفظ. وعن الثالث بأن التثنية كانت قبل البناء لا بعده" انتهى، وفيه بعض حذف. وقال في (الغرة): والمبرد يزعم أنه معرب، ويقول: المثنى لم يجعل مع غيره كالشيء الواحد. ورأيت أصحابنا يردون على المبرد من غير الوجه الذي قصده، وذلك أنهم يقولون عنه: إن المثنى والمجموع لا يكونان مبنيين؛ لأنه ما فيه النون بمنزلة ما فيه التنوين، وما فيه التنوين لا يكون مبنيًا. واعترضوا عليه بقولهم "يا زيدان"، وهو مبني، وفيه النون، لأن النون قد تكون بدلًا من الحركة حسب في قولك (الرجلان)، فيجوز أن تكون هنا بدلًا من الحركة حسب. وليس هذا بلازم للمبرد؛ لأنه قال: المثنى والمجموع لا يكونان مع ما قبلهما بمنزلة شيء واحد، وليس (زيدان) و (زيدون) في النداء كذلك. ولكن الجواب عما قاله أن العلة الموجبة لبناء المفرد هي موجودة مع

стр. 1632

التثنية؛ ألا ترى أنك تقول: هما خيرا اثنين في الناس، تريد: إذا فضل الناس اثنين اثنين. وقوله وليست الفتحة في نحو (لا أحد) إعرابية، خلافًا للزجاج والسيرافي ذهبا إلى ما ذهب إليه الجرمي من أن حركة مثل (لا رجل) حركة إعراب، وتبعهما الرماني، وحذف التنوين منه تخفيفًا لا لأجل البناء، وزعما أن ذلك مذهب س بدليل قوله" فتنصبه بغير تنوين". واحتج الزجاج بقولهم: لا رجل وغلامًا لك، ولا رجل ظريفًا عندك، وقال: إنما شبهه س بـ"خمسة عشر"؛ لأنها تلزم ما تعمل فيه كلزوم "خمسة عشر". وما ذهبوا إليه فاسد؛ لأنه لو كان حذف التنوين تخفيفًا لكان حذفه من النكرة المطولة أولى؛ لأن المطول أولى بالتخفيف مما ليس فيه طول، فلما قالت العرب: ل خيرًا من زيد، ولم تحذف التنوين، دل على أن سبب الحذف البناء لا التخفيف./ وتأويلهم ذلك على س باطل؛ لأنه تجوز في تسمية الفتح نصبًا، وكثيرًا ما تجد ذلك في كلامه من استعمال ألقاب الإعراب لألقاب البناء لما كانت الصورة واحدة، وقد نص على البناء في (باب المنفي بلام الإضافة)، فقال: "وأعلم أن المنفي الواحد إذا لك يل (لك) فإنما يذهب منه التنوين كما أذهب من آخر خمسة عشر، لا كما ذهب من المضاف". وهذا نص على أن حذف التنوين منه إنما سببه البناء لا التخفيف.

стр. 1633

وثمرة هذا الخلاف تظهر فيجمع المؤنث السالم، فمن زعم أن الفتحة إعراب قال "لا ورقات لك" بالكسرة، ومن زعم أنها بناء لزمه أن يفتح لأنه مركب معها، وحركة آخر المركب المبني إنما هي الفتح، نحو: خمسة عشر. وذهب الكسائي إلى أن السبب في نصب النكرات بعد (لا) أن النكرات يبتدأ بأخبارها قبلها لئلا توهمك أخبارها أنها صلات لها، فلما تقدم الاسم في باب (لا) التي للتبرئة، وتأخر الخبر، أرادوا أن يفصلوا بين ما ابتدئ بخبره وبين ما لا يكون خبره إلا بعده، فغيروه من الرفع إلى النصب، ونصبوه بغير تنوين لأنه ليس بنصب صحيح، إنما هو مغير، كما فعلوا في النداء حين خالفوا به نصب المضاف، فرفعوه بغير تنوين. وذهب الفراء إلى أن السبب في نصب النكرة بعدها أنها خرجت عن بابها، وذلك أن بابها أن تكون بمعنى (غير) في الخبر، وتقديرها أن تكون هي وما بعدها كالتابعة لضمير قبلها، ويكون بعدها مضمر يحمل عليه الاسم، وذلك عند قولك: زيد لا عالم ولا جاهل، أي: زيد رجل غير عالم وغير جاهل، أو: زيد لا هو عالم ولا هو جاهل. قال: فلما جاءت في معنى (ليس) أخرجوها من معنى (غير) بالنصب لئلا يتوهم السامع أنها محمولة على شيء قبلها، فجعلوا هذا علمًا لما أرادوا من خروجهم من معنى إلى معنى. وما ذهب إليه الكسائي والفراء باطل بدليل أن (لا) إذا وقعت بعدها النكرة، ولم يرد بها العموم، لم تنصبها (لا)، بل تكون مرفوعة على الابتداء، ويلزم تكرارها إذ ذاك، فتقول: لا رجل في الدار بل رجلان،

стр. 1634

ولا امرأة بل امرأتان، مع أن النكرة مقدمة على خبرها، و (لا) أيضًا غير محمولة على شيء قبلها، ولو كان سبب النصب ما ذكراه للزم نصب النكرة في ذلك، فلما لم تنصب العرب النكرة بعدها إذا لم تكون عامة دل على أن سبب النصب هو ما ذكره البصريون من أنها نصبت لشبهها بـ (إن) من الجهات التي تقدم ذكرها. وقال المصنف في الشرخ رادًا على الزجاج والسيرافي ما ملخصه: "لو لم يكن في كلام العرب ما يبطله لبطل بكونه مستلزمًا/ مخالفة النظائر، فإن الاستقراء قد أطلعنا على أن حذف التنوين لا يكون إلا لمنع صرف، أو إضافة، أو دخول أل، أو من علم موصوف بـ (ابن) مضاف إلى علم، أو لملاقاة ساكن، أو لوقف، أو لبناء، و (لا رجل) يتعين أن حذف التنوين منه لبناء؛ إذ ليس واحدًا مما قبل البناء، كيف وقد روي عن العرب (جئت بلا شيء) بالفتح وسقوط التنوين، كما قالوا: جئت بخمسة عشر، والجار لا يلغى، ولا يعلق، فثبت البناء بذلك". ثم قال المصنف: "ومما يدل على أن الفتحة فتحة بناء لا فتحة إعرابها ثبوتها في: .............................. ............. ولا لذات للشيب في الرواية المشهورة. وتوجيه رواية الكسر على أن يكون (لذات) منصوبًا لكونه مضافًا أو مشبهًا بالمضاف على نحو ما يوجه به (لا أبا لك)، و (لا يدي لك).

стр. 1635

وقال س: (واعلم أن التنوين يقع من المنفي في هذا الموضع إذا قلت (لا غلام لك) كما يقع من المضاف إلى اسم، وذلك إذا قلت: لا مثل زيد). فعلم بهذا أن فتحة ميم (لا غلام لك) كفتحة لام (لا مثل زيد) لأنهما عنده سيان في الإضافة، فعلى هذا تكون كسرة (لا لذات) كسرة إعراب لكونه مضافًا، واللام مقحمة". وقوله ودخول الباء على (لا) يمنع التركيب غالبًا مثال ذلك: جئت بلا زاد، وجئت بلا شيء. واحترز بقوله (غالبًا) مما روي عن العرب من البناء في قولهم "جئت بلا شيء" بالفتح. وفي (البسيط): وهذا الخبر هل تدخل عليه الباء للتأكيد كما تدخل في (ما)؟ فجوزه أبو علي في (التذكرة)، ومنعه بعضهم لأنها إنما دخلت في الخبر المنصوب، فلا يقاس عليه، وأما قولهم "لا خير بخير بعده النار، ولا شر بشر بعده الجمة" فمن جوزه جعله الخبر، و (بعده النار) صفة للخبر، ومن لم يجوزه تكون الباء في معنى (في)، وهو جائز، ومجرور (في) موضع الخبر، و (بعده النار) صفة للاسم، والتقدير: لا خير بعده النار خير. وقوله وربما ركبت النكرة مع (لا) الزائدة قال المصنف في الشرح: "وندر تركيب النكرة مع (لا) الزائدة، كقول الشاعر:

стр. 1636

لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها إذا للام ذوو أحسابها عمرا وهذا من التشبيه الملحوظ فيه بمجرد اللفظ، وهو نظير تشبيه (ما) الموصولة بـ (ما) النافية في قوله: يرجى المرء ما إن يراه وتعرض دون أدناه الخطوب" /ص: وقد يعامل غير المضاف معاملته في الإعراب ونزع التنوين والنون إن وليه مجرور بلام معلقة بمحذوف غير خبر، فإن فصلها جار آخر أو ظرف امتنعت المسألة في الاختيار، خلافًا ليونس. وقد يقال في الشعر: لا أباك. وقد يحمل على المضاف مشابهه بالعمل، فينزع تنوينه. ش: قال المصنف في الشرح: "المشهور الوارد على القياس أن يقال في اسم (لا) إذا كان أبًا أو أخًا: لا أب له، ولا أخ لك، كما قال نهار اليشكري: أبي الإسلام لا أب لي سواء إذا افتخروا بقيس أو تميم وأن يقال فيه إذا كان مثنى أو شبهه كما قال الشاعر:

стр. 1637

تأمل، فلا عينين للمرء صارفًا عنايته عن مظهر العبرات وكما قال: أرى الربع لا أهلين في عرصاته ومن قبل عن أهليه كان يضيق وقد كثر في الكلام مع مخالفة القياس نحو: لا أبا لك، ولا أخا له، ولا غلامي لك، نحو قول الراجز: أهدموا بيتك لا أبا لكا وزعموا أنك لا أخا لكا وأنا أمشي الدألى حوالكا ومثال (لا غلامي لك) قول الشاعر: لا تعنين بما أسبابه عسرت فلا يدي لامرئ إلا بما قدرا ولم يرد هذا الاستعمال في غير ضرورة إلا مع اللام". وقوله غير المضاف يشمل أبا وأخا، والمثنى، وكل ما وليه لام جر في: لا غلام لك، ولا بني لك، ولا بنات لك، ولا عشري لك، كذا قال المصنف. وهذه المسألة فيها ثلاثة مذاهب: أحدها: ما ذهب إليه هشام وابن كيسان، واختاره المصنف، من أن هذه أسماء مفردة ليست بمضافة، والمجرور باللام في موضع الصفة لها، فيتعلق بمحذوف، وشبه غير المضاف بالمضاف في نزع التنوين من المفرد، والنون من المثنى والمجموع على حده.

стр. 1638

المذهب الثاني: ما ذهب إليه الجمهور من أنها أسماء مضافة إلى المجرور باللام، وأن اللام مقحمة لا اعتداد بها، وليست اللام متعلقة بشيء، لا بمحذوف ولا بغير محذوف، بل هي كاللام في قوله: يا بؤس للحرب التي وضعت أراهط، فاستراحوا /والخبر على هذين المذهبين محذوف. والمذهب الثالث: ما ذهب إليه أبو علي الفارسي في أحد قوليه، وأبو الحجاج بن يسعون وأبو الحسين بن الطراوة ومن أخذ بمذهبهما في "لا أبا لك" و"لا أخا لك"، وشبههما من أنها أسماء مفردة، والمجرور باللام هو في موضع الخبر، وأن قولهم: لا أبا لك، ولا أخا لك، جاء على لغة من قصر الأب والأخ في الأحوال كلها، فقال: جاء أباك وأخاك، ورأيت أباك وأخاك، ومررت بأباك وأخاك. واستدل ابن يسعون على امتناع الإضافة بما وقع في (الكتاب) من قولهم "لا أخا -فاعلم- لك" من جهة أنه لا يسوغ عنده الفصل بين

стр. 1639

المضاف والمضاف إليه، وزعم أن قولهم "لا يدي لك" إنما قاله النحويون بالقياس، وليس من كلام العرب. واستدل ابن الطراوة بأن قال: لو كانا مضافين لكان الخبر محذوفًا وذلك الخبر المحذوف لا يكون إلا زمانًا أو مكانًا، وذلك باطل لأنك لم ترد أن تنفي الأب والأخ في مكان أو وقت فيكونا واجبين في غير ذلك المكان والوقت. قال: ويدل على أن ذلك خبر على كل حال قول سليمان بن عبد الملك وقد سمع أعرابيًا يقول: رب العباد ما لنا وما لكا قد كنت تسقينا، فما بدا لكا أمطر علينا الغيث، لا أبا لكا فأخرجها سليمان أحسن مخرج، فقال: "أشهد أنه لا أب له ولا صاحبة ولا ولد"، فبين في هذا ما قصد الأعرابي. واستدل المصنف لمذهب هشام وابن كيسان -وهو الذي أختاره- بأن الإضافة المدعاة إن كانت محضة لزم كون اسم (لا) معرفة، وهو غير جائز، ولا عذر في الانفصال باللام؛ لأن نية الإضافة المحضة كافية في التعريف مع كون المضاف غير مهيأ للإضافة، نحو ﴿وكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ﴾، و ﴿لله الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾، وما نحن بسبيله مهيأ للإضافة، فهو أحق بتأثير نية الإضافة فيه.

стр. 1640

وإن كانت الإضافة المدعاة غير محضة لزم من ذلك مخالفة النظائر؛ لأن ذلك لا بد أن يكون فيما عمل عمل الفعل لشبهه به لفظًا ومعنى، نحو: هذا ضارب زيد، وحسن الوجه، أو معطوفًا على ما لا يكون إلا نكرة، نحو "رب رجل وأخيه"، والأسماء المشار إليها بخلاف ذلك. وأيضًا لو كانت إضافتها غير محضة لم يلق/ أن يؤكد معناها إقحام اللام لأن المؤكد معتنى بع، وما ليس محضًا لا يعتني به فيؤكد، ولذلك قبح توكيد الفعل الملغى لأنه مذكور في حكم المسكوت عنه، وقول من قال: يا بؤس الحرب ................... ........................... وهو يريد "يا بؤس الحرب" سهله كون إضافته محضة. على أن لقائل أن يجعل أصله "يا بؤسا للحرب"، ثم حذف الألف للضرورة، وهي مرادة، فلا إضافة، ولا إقحام. وأيضًا فلو كانت إضافة الأسماء المشار إليها غير محضة مع (لا) لكانت كذلك مع غيرها؛ إذ لا شيء مما يضاف إضافة غير محضة إلا وهو كذلك مع كل عامل، ومعلوم أن إضافتها في غير هذا الباب محضة، فيجب أن يكون في هذا الباب، وإلا لزم عدم النظير. ومما يدل على ضعف القول بكون الأسماء المشار إليها مضافة قولهم: لا أبا لي، ولا أخا لي، فلو كانوا قاصدين الإضافة لقالوا: لا أب لي، ولا أخ لي، فيكسرون الباء والخاء إشعارًا بأنها متصلة بالياء تقديرًا، فإن اللام لا اعتداد بها على ذلك التقدير، وإذ لم يفعلوا ذلك فلا

стр. 1641

ارتياب في كونهم لم يقصدوا الإضافة، ولكنهم قصدوا إعطاء الأسماء المذكورة حكم المضاف إذا كانت موصوفة بلام الجر ومجرورها، ولم يفصل بينهما، وذلك أن الصفة يتكمل بها الموصوف كما يتكمل المضاف بالمضاف إليه، فإذا انضم إلى ذلك كون الموصوف معلوم الافتقار إلى مضاف إليه، وكون الصفة متصلة بالموصوف، وكونها باللام التي تلازم معناها الإضافة غالبًا، وكون المجرور صالحًا لأن يضاف إليه الأول، تأكد شبه الموصوف بالمضاف، فجاز أن يجري مجراه فيما ذكر من الحذف والإثبات، فمن ثم لم يبالوا بـ (فيها) أن يجري هذا المجرى، كقول الشاعر: وداهية من دواهي المنو ن، يرهبها الناس، لا فا لها فنصبه بالألف كما ينصبه في الإضافة. انتهى ما ذكره المصنف من الاستدلال لما اختاره في هذه المسألة. فأما ما ذهب إليه الفارسي في أحد قوليه وابن يسعون وابن الطراوة من أن "لا أبا لك" و"لا أخا لك" جاء على لغة القصر، و (لك) في موضع الخبر، فيحتاج إلى إثبات أن قائل "لا أبا لك" و"لا أخا لك" إذا استعملوهما مفردين لم يحذفوا لاميهما، وذلك شيء لا يعرف أحد نقله عن أرباب هذه اللغة. وأما استدلال ابن يسعون على امتناع الإضافة بقولهم "لا أخا -فاعلم- لك" من جهة الفصل بالجملة فلا دليل/ في ذلك؛ لأن الفصل بين المتضايفين بجملة الاعتراض سائغ، ومن ذلك ما حكاه أبو عبيدة من أنه سمع أبا سعيد -وهو أعرابي لقبه أو الدقيش- يقول: "إن الشاة

стр. 1642

لتسمع صوت -علم الله- صاحبها، فتقبل إليه، وتثغو". بل الفصل في "لا أخا -فاعلم- لك" أسهل منه في قول أبي الدقيش لفصل اللام فيه بين الضمير وما أضيف إليه، فصار لذلك كأنه غير مضاف في اللفظ، وإذا ثبت ما حكاه الكسائي من قول بعضهم "أخذته بأري ألف درهم"، ففصل بين الباء والمجرور بجملة الاعتراض، فالفصل بين المتضايفين بها أسهل بكثير. وأما ما زعم من أن "لا يدي لك" قاله النحويون بالقياس ولي من كلام العرب فباطل، بل نقلوه من العرب، وحكى ذلك سماعًا الدينوري والسيرافي، ومن ذلك قول الكميت: وظاهر الكاشح الأقصى ليجعلني ردءًا له، لا يدي للصقر بالخرب وقول الفرزدق: فلو كنت مولى العز أو في ظلاله ظلمت، ولكن لا يدي لك بالظلم وتقدم ما أنشده المصنف من البيت الذي عجزه: ................................... فلا يدي لامرئ إلا بما قدرا وأما ما استدل به ابن الطراوة فليس التقدير كما ذكر، بل التقدير: لا أبا لك في الوجود، وإذا نفي أن يكون للمخاطب أب في الوجود كان معناه ومعنى "لا أبا لك" -إذا جعلت (لك) خبرًا- واحدًا. وأما تفسير سليمان قول الأعرابي على معنى الإخبار بالمجرور فلا يمنع من إجازة الوجه الآخر، بل حمل الكلام على أحد محتمليه.

стр. 1643

وأما ما استدل به المصنف وترديده في الإضافة بين أن تكون إضافة محضة أو غير محضة فلا حاجة إلى هذا الترديد؛ لأن الذاهبين إلى أنها أسماء مضافة لم يذهب أحد منهم إلى أنها إضافة محضة، بل ذكروا أنها إضافة غير محضة، فكان ينبغي أن يرد عليهم مدعاهم أنها إضافة غير محضة. وأما رده كونها غير محضة بأنه يلزم من ذلك مخالفة النظائر فمخالفة النظائر كثيرة في لسان العرب، ولا يبالى بلزوم مخالفة النظائر، ومخالفة النظائر لازمة له في مذهبه لأنه يزعم أن التنوين يسقط [من] الصفة المشبهة للإضافة، وقد قرر هو في رده على الزجاج والسيرافي في دعواهما أن حركة "لا رجل" حركة إعراب بأن التنوين لا يحذف إلا لمنع صرف، أو إضافة، أو دخول أل، أو من علم موصوف بـ (ابن) مضاف إلى علم، أو لملاقاة ساكن، أو لوقف، أو لبناء، وسقوطه لما ذكر ليس واحدًا من هذه التي عدها، فقد/ لزم من ذلك مخالفة النظائر. ويزعم أيضًا أن نون المثنى والمجموع على حده لا تسقط إلا للإضافة، أو تقصير صلة، أو للضرورة، وهنا قد أسقطها في "لا يدي لك" و"لا بني لك" لغير ما ذكر، فقد لزم من قوله مخالفة النظائر. وأما حصره الإضافة غير المحضة فيما ذكر فليس كما ذكر؛ لأن لنا إضافة محضة غير ما ذكر، وهي إضافة (غيرك) و (مثلك) وأخواتها، وليست مما عمل عمل الفعل ولا معطوفًا على ما لا يكون إلا نكرة.

стр. 1644

وأما قوله "لو كانت إضافتها غير محضة لم يلق أن يؤكد معناها بإقحام اللام؛ لأن المؤكد معتنى به، وما ليس محضًا لا يُعتني به فيؤكد" فممنوع قوله "وما ليس محضًا لا يُعتني به"، بل الإضافة غير المحضة يُعتني بها كما يُعتني بالإضافة المحضة، وكيف لا وهي قسيمة المحضة؟ وأما قوله "ومما يدل على ضعف القول بكون الأسماء المشار إليها مضافةً قولهم: لا أبالي، ولا أخالي" إلى آخره فلا يلزم ما ذكره من أنهم كانوا يقولون: لا أب لي، ولا أخ لي، بكسر الباء والخاء؛ لأن العامل في الضمير من نحو "لا أبا لك" الجر هو اللام لا الإضافة. وإنما كان عامل الجر هو اللام لا الإضافة لأمرين: أحدهما: أنها مُجاورة له، فهي أحق بالعمل فيه. والآخر: أنك إذا فعلت ذلك كان حرف الجر عاملًا في الضمير والمضاف عاملًا في موضع المجرور، كما عمل في موضع المجرور في قراءة الأعمش ﴿وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ﴾، أي: وما هم بضاري أحدٍ به، وإذا جعلته مجرورًا بالمضاف بقي حرف الجر لا معمول له، وحرف الجر لا يُقطع عن المجرور إلا في الضرورة، نحو قوله: فخير نحن عند الناس منكم إذا الداعي المُثوب قال: يا لا أي: يا لفلان، فحذف المجرور، وأبقى حرف الجر، وسهل ذلك

стр. 1645

كون ألف الإطلاق قد صارت عوضًا منه. فإذا تقرر أن عامل الجر في الضمير إنما هو اللام لم يلزم كسر ما قبل اللام لأجل الياء لأن العمل إنما هو للام، فلم تُباشر آخر الأب والأخ بالإضافة حتى يلزم كسره. وأما قوله "وذلك أن الصفة يتكمل بها الموصوف كما يكمل المضاف بالمضاف إليه"/ فليس بصحيح، وأين أحدهما من الآخر، المضاف إليه يقع من المضاف موقع التنوين أو النون، والصفة ليست كذلك. وأما ما استدل به الجمهور، وهو أن قالوا: قالت العرب "لا يدي لك بكذا"، فلا وجه لحذف هذه النون إلا الإضافة، وقالت العرب: " لا فا لزيدٍ" حكاه ابن كيسان، فلولا أنه مضاف لعوض من العين الميم، والإضافة عندهم في "لا أبا لك" ونحوه إضافة غير محضة؛ ألا ترى أنك لا تَنفي في الحقيقة أباه، وإنما تُريد بذلك الذم، قاله أبو علي في (التذكرة). وقال ابن التياني في (الموعب) له: زعم بعضهم أن قولهم (لا أبا لك) مدح، و (لا أم لك) ذم. وقيل: يكونان جميعًا في المدح والذم. وقال أبو فيدٍ السدوسي: (لا أم لك) [دم]، أي: أنت لقيط لا تعرف أمك، و (لا أبا لك) مدح، أي: لا كافي لك. وقال ابن جني: "يخرج مخرج الدعاء عليه، فإذا قلت (لا أبا

стр. 1646

لك) فكأنك قلت: [أنت] أهل للدعاء عليك، وليس دعاء صريحًا؛ إذ لو كان دعاء صريحًا لما جاز أن يُقال لمن ليس له أب: لا أبا لك، كما لا يُقال للأعمى: أعماه الله، وقوله: يا تيم تيم عدي، لا أبا لكم لا يُلقينكم في سوأةٍ عمر أقوى دليل على ما ذكرناه؛ لأنه ليس لتيم كلها أب أحد، ولكن معناه: كلهم أهل للدعاء عليه". وكذلك أيضًا "لا أخا لك" لم يُرد به نفي الأخ حقيقة، قال: "ويؤكد ذلك قول الشاعر: أفي كل عامٍ بيضةٌ تفقؤونها وتترك أخرى فردةً لا أخا لها ولم يقل: لا أخت لها". فثبت إذًا بما ذكرناه أن المعنى ليس على ما يعطيه ظاهر اللفظ من نفي أب وأخ معينين؛ لأن المعنى ليس على ذلك، وإذا لم يُرد أبًا وأخًا مُعينين كانت الإضافة غير معرفة، فلم يزل من ذلك إعمال (لا) في اسم معرفة. وزعم ابن السراج أن الأب إنما لم يتعرف بالإضافة لأن إضافته في نية الانفصال، وأن الأصل قبل الإضافة: لا أبًا لك، والمجرور الذي هو (لك) من تمام الأب، ولذلك نون لطوله به، والخبر مضمر، إلا أنهم حذفوا التنوين استخفافًا، وأضافوا، وألزموا اللام لتدل على هذا المعنى،

стр. 1647

قال: "وإنما فعل هذا في هذا الباب، وخص به". قال بعض أصحابنا: "وهذا الذي ذهب إليه ابن السراج باطل؛ إذ لو كان (لك) معمولًا لـ (أب) ومن تمامه، كما زعم، لم تسغ إضافته إليه؛/ ألا ترى أنه لا يجوز لك أن تقول: لا ناصح لزيدٍ في القوم" انتهى. وأقول: إن قول ابن السراج "إن المجرور الذي هو (لك) من تمام الأول" ليس بصحيح؛ لأن (لك) من تمام الأول" ليس بصحيح؛ لأن (لك) لا يكون من تمام الأول إلا لو كان الأول مما يُمكن أن يتعلق به حرف الجر، و (الأب) ليس من هذا القبيل، وإن عنى بالتمام أنه صفة للأول فهو يتعلق بمحذوف، فليس من تمامه، ولا يكون الأول مطولًا بالصفة، وإلا كان يجوز أن تقول: لا رجلًا ظريفًا، وتقول طال (لا رجلًا) بالصفة، فنصب، وهذا لا يجوز. فإن قلت: إذا كان الاسم نكرة، وإضافته غير محضة كما ذكرتم، فهلا قالت العرب (لا أباك) في فصيح كما يقولون: لا ضارب زيدٍ؟ فالجواب: أن الأب لما كان إذا أُضيف إلى عرفة في غير هذا الباب تعرف بها استقبحوا دخول (لا) النافية عليه، فلم يُدخلوها إلا بعد إقحام اللام بين المضاف والمضاف إليه إصلاحًا للفظ، وأعني بذلك أنه يجيء في اللفظ على صورة غير المضاف وإن كان مضافًا في التقدير، فهي معتدٌ بها من جهة أنها هيأت الاسم لعمل (لا) فيه، وغير معتد بها من جهة أنها لم تمنع الإضافة بدليل إثبات الألف التي لا تلحق الأب في حال نصبه في فصيح الكلام إلا في حال الإضافة، ولا يُقحمون بين المتضايفين في هذا الباب النداء نحو قوله: ................ يا بؤس للجهل ضرارًا لأقوام

стр. 1648

من حروف الجر إلا اللام خاصة؛ لأنها مؤكدة لمعنى الإضافة في البابين على معنى اللام، فأقحموها لذلك. وأما قول الشاعر: وقد علمت أن لا أخا بعشوزنٍ ولا جار إذا أرهقتها بالحوافر فالأخ غير مضاف، وإنما جاء على لغة من يجعل أخاك بمنزلة عصاك، فلا يحذف لأمه أضيف أو لم يُضف. فإن قلت: إذا كان (الأب) من قولهم (لا أبا لك) مضافًا إلى ما بعده فكيف ساغ للعرب أن تقول (لا أبا لي) بإثبات الألف، و (لا أخا لي) قال الأعشى: فأنت أبي ما لم تكن لي حاجةٌ وإن عرضت أيقنت أن لا أبا ليا وقال آخر: وما راعني إلا زهاء معانقي فأي عنيق بات لي، لا أبا ليا / وقال آخر: وذي إخوةٍ قطعت أسباب بينهم كما تركوني مُفردًا لا أخا ليا والأب والأخ إذا أُضيفا إلى ياء المتكلم لم تُرد فيه اللام المحذوفة. فالجواب: أن الذي منع من رد اللام المحذوفة إذا قلت (أبي) إنما

стр. 1649

هو ما يلزم في ذلك من ثقل التضعيف لأجل الإدغام في ياء المتكلم، إلا أنك لو رددتها -وهي الواو- لكسرته لأجل ياء المتكلم، وللزم أن تتبع حركة العين حركة اللام، فتقول (أبوي)، ثم تسكن الواو، وتقلبها ياء لانكسار ما قبلها، وتدغم الياء في الياء، فتقول (أبي)، فلما فصلت بين الألف وياء المتكلم اللام أمن التضعيف المستثقل، فأعادوا اللام المحذوفة كما يُعيدونها في حال الإضافة إلى غير ياء المتكلم. انتهى ما نُقل من كلام من ذهب إلى أن (لا أبا لك) وشبهه من الأسماء المضافة. وفي (الغرة): "لم يفعلوا ذلك مع غير اللام من حروف الجر، فأما قوله: وقد علمت أن لا أخا بعشرزنٍ ..................... فجاء بالباء، وهي شاذة" انتهى. فرع: من قال (لا أبا لزيدٍ) لم يقل (لا أبا لزيدٍ وأخا لعمرٍو)، فيُقحم اللام بين المعطوف على اسم (لا) وبين ما أُضيف إليه، نص على ذلك الفارسي في (البصريات). والسبب في امتناعه أن إقحامها بين المتضايفين خارج عن القياس، ولولا السماع لما قيل به، فلا ينبغي أن يُتعدى به موضع السماع، والأول في هذا الباب قد يختص بما لا يجوز في الثاني؛ ألا ترى أن اسم قد يُبنى معها، ولا يجوز ذلك في الاسم المعطوف عليه. وقد قال أبو جعفر بن مضاء مؤلف كتاب (المشرق): "شذت مسألة، وذلك قولهم: لا أخا لك، ولا أبا لك، ولا يدي لفلان، وتقدم أن (لا) لا تعمل إلا في النكرات العامة، وهذه الألف لا تلحق الأسماء الستة المعتلة إلا في حال الإضافة، فإن جعلت هذه الأسماء مضافة إلى الضمير

стр. 1650

واللام زائدة لم يجز نصبها بـ (لا)، وإن قدرنا اللام ثابتة والأسماء نكرات فلم دخلت الألف وسقطت النون، لكن هكذا سُمعت من العرب" انتهى. واطرد إقحام اللام بين المتضايفين إذا كان المضاف إليه معرفة لكثرة ما جاء منه، فتقول: لا أبا لك، ولا حما لك، ولا يدي/ لك، ولا غلامي لك، ولا مُسلمي لك، ولا زيدي لك. ويجوز في قولك (لا غلام لك) و (لا جارية لزيد) أن يكون من هذا الباب، ويكون الخبر محذوفًا. ويجوز أن يكونا غير مضافين، والمجرور في موضع الخبر، ويكون حذف التنوين إذ ذاك لأجل بنائه مع (لا). قالوا: وتكون التثنية في هذا الباب من قبيل التثنية التي يُراد بها شفع الواحد، نحو (لبيك) و (حنانيك)؛ ألا ترى أن المراد بقولهم (لا غلامي لك) نفي ما قل وكثر من الغلمان؛ لأن (لا) النافية لا تعمل إلا إذا نُفي بها نفيٌ عامٍ، كما أن معنى (حنانيك) تحنن علينا حنانًا بعد حنان، و (لبيك) لزومًا لطاعتك بعد لزوم، وليس المراد حقيقة التثنية. وإقحام اللام في هذا الباب لازم، فلا يجوز حذف اللام وإبقاء الإضافة فيه لا في الكلام ولا في الشعر، ولا جاء شيء من ذلك في كلامهم إلا مع الأب في ضرورة الشعر. وقوله إن وليه مجرورٌ بلامٍ مُعلقةٍ بمحذوفٍ غير خبرٍ تقدم أن المُقحم لا يكون إلا اللام، وقال المصنف في الشرح: "بشرط كون اللام ومجرورها غير خبر، فإن كان هو الخبر تعين إثبات النون وحذف الألف بإجماع، وكذا إن لم تل اللام ومجرورها النكرة، أو كان في موضع اللام حرف غيرها". مثال ذلك (لا يدين لك) إذا كان (لك) هو الخبر،
следующие страницы →