← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17116

التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

أبو حيان الأندلسي

Полный текст (3 950 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

وفي الحديث (بئس مطية الرجل زعموا). وإذا قال س في كتابه "وزعم الخليل" قيل: فإنما يستعمله فيما انفرد به الخليل، وكان قويًا. وفي الإفصاح: و (زعم) قد قلنا إنها قد تكون بمعنى علم، وهو قول س. وقال غيره: تكون بمعنى اعتقد، فقد تكون علمًا، وقد تكون تقليدًا، وتكون أيضًا ظنًا غالبًا. وقيل: تكون بمعنى الكذب، كقوله تعالى ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا﴾، وقوله ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾. وقوله وجعل لا لتصيير قال المصنف في الشرح: "ومن أخوات حجا الظنية جعل الاعتقادية، كقوله تعالى ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إنَاثًا﴾ أي: اعتقدوهم. وهذه غير التي للتصيير - وسيأتي ذكرها- وغير التي بمعنى أوجد، كقوله تعالى ﴿وجَعَلَ الظُّلُمَاتِ والنُّورَ﴾، وغير التي بمعنى أوجب، كقولهم: جعلت للعامل كذا، وغير التي بمعنى ألقى، كجعلت بعض متاعي على بعض، وغير التي للمقاربة، وقد ذكرت في بابها". وقوله وهب غير متصرف هذا أيضًا فيه خلاف: فذهب المصنف إلى أن

стр. 1717

هب من أفعال هذا الباب، وأنها بمعنى حجا الظنية، وأنشد: فقلت: أجرني أبا خالدٍ وإلا فهبني امرأً هالكا وهو مذهب الكوفيين. واضطرب فيها الأستاذ أبو الحسن، فمرة قال: لا تتعدى إلا إلى واحد، والدليل على ذلك تنكير الثاني وأنه لا يأتي معرفة. ومرة قال: تتعدى إلى اثنين، ومن ذلك قوله: فهبها أمةً هلكت ضياعًا يزيد أميرها وأبو زيد قال: والدليل على أن الاسم الثاني مفعول مجيئه معرفة ونكرة، والدليل على أنه إذا كان معرفة ليس بدلًا من الأول مجيء الجملة في موضعه، نحو قوله: هبني أسأت ....................... .....................................

стр. 1718

ومن ذلك قوله: /هبيني -يا معذبتي- أسأت وبالهجران قبلكم بدأت إلا أن ابن عصفور لم يجعلها بمعنى ظن، وإنما جعلها بمعنى اجعل التي بمعنى صير. وهي أمر من: وهبني الله فداك، أي: جعلني الله فداك، وإنما قال "غير متصرف" لأنه لم يستعمل منها غير فعل الأمر، لا ماضٍ ولا مضارع ولا اسم فاعل، ولا يكون فعل الأمر إلا بصيغة هب، ويتصل به الضمير لمؤنث ومثنى ومجموع، ولا يكون أمرًا باللام. -[ص: وللثاني علم لا لعلمةٍ ولا عرفان، ووجد لا لإصابةٍ ولا استغناءٍ ولا حزنٍ ولا حقدٍ، وألفى مرادفتها، ودرى لا لختل، وتعلم بمعنى أعلم غير متصرف.]- ش: يعني بـ"الثاني" النوع الذي يختص باليقين. واحترز بقوله لا لعلمةٍ من علم علمة فهو أعلم، أي: مشقوق الشفة العليا، قال الشاعر: وحليل غانيةٍ تركت مجدلًا تمكو فريصته كشدق الأعلم

стр. 1719

وبقوله ولا عرفان من علم الموافق في التعدي عرف، نحو قوله ﴿لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾. وإذا تعدت علم إلى واحد فأردت الماهية جاز وقوع الجامد مفعولًا لها، قال الفراء: لا تقول: قد سألت فعلمت عبد الله، إلا أن تريد: علمت ما هو، فلا بد من مشعر بالمعنى، كقولك: إنما سألت لأعرف عبد الله من زيد. وأما قوله تعالى ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، و ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ﴾ -فقيل: لا يطلق العلم على الله بمعنى المعرفة. وأول قائل ذلك ما ورد من ذلك منسوبًا إلى الله تعالى على تقدير حال أو صفة، أي: وليعلمهم متميزين عن غيرهم بالإيمان أو بما ظهر من صبرهم. وقال السهيلي: المعرفة تقتضي التمييز وانحياز كل معلوم بتمييز يخصه، وعلم الله لا يكون كذلك. وتأول الآية على العلم بالخبر، والخبر محذوف لدلالة الكلام عليه، كأنه قال: لا تعلمهم منافقين، الله يعلمهم. وقوله ووجد كقوله ﴿تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا﴾، ﴿وإن وجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾، وقال:

стр. 1720

فلما بلغنا الأمهات وجدتم بني عمكم كانوا كرام المضاجع ومصدرها وجدان عن الأخفش، ووجود عن السيرافي. واحترز بقوله لا لإصابة من نحو: وجد فلان ضالته وجدانًا ووجودًا. وبقوله ولا استغناء من وجد بمعنى استغنى، ومصدرها وَجْد ووُجْد وجِدَة. وبقوله ولا حزن/ من وجد بمعنى حزن، ومصدرها وَجْدٌ. وبقوله ولا حقد من قولهم: وجد على الرجل، ومصدرها موجدة. وقوله وألفى مرادفتها أي: مرادفة وجد التي تتعدى إلى اثنين. وهذه فيها خلاف: فمن النحويين من زعم أنها تتعدى إلى واحد، والثاني هو منصوب على الحال، فيكون ألفى بمعنى أصاب وصادف. وذكر أن الدليل على ذلك التزام العرب التنكير فيه، فلا تقول: ألفيت زيدًا الضاحك، بل: ضاحكًا، فدل على أنه حال، وإلى هذا ذهب ابن عصفور. وذهب غيره إلى أنها تتعدى إلى اثنين، وإياه اختار المصنف، وأنشد قول الشاعر: قد جربوه، فألفوه المغيث إذا ما الروع عم، فلا يلوى على أحد وقول الآخر: إذا أنت أعطيت الغنى، ثم لم تجد بفضل الغنى، ألفيت ما لك حامد

стр. 1721

وقد ينازع في هذا الدليل من يرى أنها تتعدى إلى واحد، فيجعل الألف واللام في المغيث زائدة، وينصبه على الحال. وكذلك الجملة من قوله: ما لك حامد، يجعلها حالًا. وأما الذي يقطع بكونها تتعدى إلى اثنين فأن يجيء الثاني ضميرًا، أو يقع فصل بين المنصوبين، أو تدخل على أحدهما اللام الفارقة. وإلى إدخالها في هذا الباب ذهب الكوفيون. وقوله ودرى لا لختلٍ قال المصنف: "ومن ذوات المفعولين درى بمعنى علم، كقول الشاعر: دريت الوفي العهد، يا عرو، فاغتبط فإن اغتباطًا بالوفاء حميد وأكثر ما تستعمل معداةً بالباء، كقولك: دريت به، فإذا دخلت عليها همزة النقل تعدت إلى واحد بنفسها وإلى ثانٍ بالباء، قال تعالى ﴿قُل لَّوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ ولا أَدْرَاكُم بِهِ﴾، ويقال: درى الذئب الصيد: إذا استخفى له ليفترسه، فيتعدى إلى واحد، وإليه أشرت بقولي: لا لختلٍ"، انتهى كلامه. ولم يذكر أصحابنا درى فيما يتعدى إلى اثنين. ولعل قوله "دريت الوفي العهد" من باب التضمين، ضمن ذلك معنى علمت، والتضمين لا ينقاس، ولا ينبغي أن يجعل أصلًا حتى يكثر ذلك، ولا يثبت ذلك ببيت نادر محتمل للتضمين. وقوله وتعلم بمعنى أعلم غير متصرف تعلم يكون أمرًا من تعلم يتعلم،

стр. 1722

فيتعدى إلى واحد، تقول: تعلم الحساب، وهو فعل متصرف. ويكون/ أمرًا بمعنى أعلم المتعدية إلى اثنين، ولا يُستعمل منه ماض ولا مضارع ولا اسم فاعل ولا اسم مفعول ولا مصدر، قال الشاعر: تعلم شفاء النفس قهر عدوها فبالغ بلطق في التحيل والمكر والمشهور إعمالها في أن، قال: تعمل أنه لا طير إلا على مُتطير، وهي الثبور وقال: تعلم أن شر الناس حي ينادى في شعارهم: يسار وقال آخر: فقلت: تعلم أن للصيد غرة وإلا تضيعها فإنك قاتله

стр. 1723

وقال: تعلمن ها - لعمر الله - ذا قسمًا فاقدر بذرعك، وانظر أين تنسلك لئن حللت بجو، في بني أسد في دين عمرو، وحالت بيننا فدك ليأتينك مني منطقٌ قذعٌ باق، كما دنس القبطية الودك علق "تعلمن" بالقسم. وما ذهب إليه المصنف من أن تعلم بمعنى أعلم غير متصرف، وكرره في تصانيفه - هو شيء ذهب إليه الأعلم، وليس بصحيح لأن يعقوب حكي، وقال: "تعلمت أن فلانًا خارج، بمعنى علمت". -[ص: وللثالث "ظن" لا لتهمة، و "حسب" لا للون، و "خال يخال" لا لعجب ولا ظلع، و "رأى" لا لإبصار ولا رأي ولا ضرب.]- ش: يعني بالثالث النوع الصالح لليقين وللظن، فأما ظن فالمشهور استعمالها في غير مُتيقن، قال تعالى ﴿إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾، وقال الشاعر: ظننتك إن شبت لظى الحرب صاليًا فعردت فيمن كان عنها معردا

стр. 1724

وتستعمل ظن في المتيقن كثيرًا، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ﴾. والظن ترجيح أحد الجائزين. وزعم بعض النحويين أن وقوع الظن بمعنى اليقين مجاز، كما يقال: قال الحائط. قال: ولا يجوز أن تقول: ظننت زيدًا منطلقًا ظنًا، إذا كان بمعنى اليقين كما لا يجوز أن تقول: قال الحائط قولًا، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً﴾، فقوله ﴿ظَنّاً﴾ يدل على أنه ليس بمعنى اليقين. ويعبر أكثر البصريين عن ظن أنها تكون شكًا ويقينًا، ويعنون بالشك ترجيح أحد الجائزين. وفرق بعضهم بين الظن والشك واليقين،/ قال: فالشك أن يستوي الأمران عندك، فلا تدري أن شيئًا منهما كان، فإن وقع عندك دليل من أحدهما فذلك مظنون. واليقين اعتقاد شيء بدليل. انتهى. وزعم الأستاذ أبو بكر محمد بن عبد الله بن ميمون العبدري - وهو صاحب كتاب "نفع الغلل" - أن الظن بمعنى العلم غير مشهور في لسان العرب، ولا معول عليه في حكاية من حكي ذلك عن العرب، وقال: كما

стр. 1725

تباينا حكمًا واحدًا كذلك تباينا إطلاقًا وتعبيرًا. فأما ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ﴾ فالمؤمنون لما كانوا وجلين خائفين على إيمانهم حتى كان الصديقون يحذرون النفاق على أنفسهم حتى تمدحوا بذلك، فقال القائل: "ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا كافر"، وقال تعالى ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وقُلُوبُهُمْ وجِلَةٌ﴾، فمدحهم بالوجل والإشفاق. وأما ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا﴾ فالظن هنا على بابه؛ لأن الكفار لما شاهدوا سعة رحمة الله وتغمده للذنوب والجرائم رجوا مع معاينة النار النجاة منها، فلم يقطعوا بمواقعتها، لكنهم ظنوا ظنًا، ساقه رجاؤهم لله وطمعهم في إجارته إياهم من النار. وكذلك ﴿وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ﴾؛ لأن هؤلاء المخلفين كان لهم تعلق نفوس للنبي ﷺ واستغفاره الله لهم، فبالتفاتهم إلى جهة الرسول عبر عن اعتقادهم ذلك بالظن. وكذلك قول الشاعر:

стр. 1726

فقلت لهم: ظنوا بالفي مدجج سراتهم في السابري المسرد أمرهم بالظن لأنه أهول على النفوس، والمحذور المخوف أشد على مرتقبه ومتوقعه من وقوعه؛ لأن الخطوب إذا وقعت عيي لها الصبر، ووظنت لها النفس. وزعم الفراء أن الظن يكون شكًا ويقينًا وكذبًا. وأكثر البصريين لا يقولون إن الظن يكون كذبًا، إنما يكون عندهم شكًا ويقينًا. وعند الفراء أن قولهم فيما حكي الله عنهم ﴿إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً﴾ من الظن الذي هو بمعنى الكذب، وعند البصريين من الشك. واحترز بقوله لا لتهمة من ظن بمعنى أتهم، فإنها تتعدى إلى واحد، تقول: ظننت زيدًا. وقوله وحسب لا للون أكثر استعمال حسب في غير المتيقن، قال تعالى ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾، ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾، وقال الشاعر: وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة ليالي لاقينا جذام وحميرا / والمصدر من حسب حسبان. ويقل استعمال حسب في المتيقن، كقول الشاعر:

стр. 1727

حسبت التقى والحمد خير تجارة رباحًا إذا ما المرء أصبح ثاقلا قول الآخر: شهدت، وفاتوني، وكنت حسبتني فقيرًا إلى أن يشهدوا وتغيبي واحترز بقوله لا للون من حسب الرجل: إذا أحمر لونه وأبيض كالبرص، وكذا إذا كان ذا شقرة، وهذا فعل لازم. وقوله وخال يخال أكثر استعمالها في غير المتيقن، كقول الشاعر: إخالك إن لم تغضض الطرف ذا هوى يسومك ما لا يستطاع من الوجد ومصدره خال خيلًا وخالًا وخيلة ومخالة وخيلانًا ومخيلة وخيلولة. واشتقاقها من الخيال، وهو الذي لا يتحقق. وتستعمل أيضًا بمعنى علمت، قال الشاعر: دعاني العذارى عمهن، وخلتني لي اسم، ولا ادعى به، وهو أول وقال آخر: ما - خلتني - زلت بعدكم ضمنًا أشكو إليكم حموة الألم أي: ما زلت بعدكم ضمنًا، حلتني كذلك. وقال: إذا الناس قالوا من فتى خلت أنني عنيت، فلم أكسل، ولم أتبلد

стр. 1728

وقال: لو كان في الألف منا واحد، فدعوا من فارس؟ خالهم إياه يعنونا واحترز بقوله لا لعجب من خال بمعنى تكبر، وبقوله ولا ظلع من خال الفرس: ظلع، والمضارع منهما يخال، كالمتعدي إلى اثنين. وقيل: يأتي بمعنى نظر، كقوله: فبت لدى البيت العتيق أخيله .............................. فأما خال يخول - بمعنى عهد - فمن ذوات الواو. وقوله ورأى لا لإبصار ولا رأى ولا ضرب مثال ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾ أي: يظنونه بعيدًا، ونعلمه قريبًا، وأنشد أبو زيد: تقوه أيها الفتيان، أني رأيت الله قد غلب الجدودا رأيت الله أكبر كل شيء محاولة، وأكثرهم جنودا واحترز بقوله لا لإبصار من رأيته بمعنى أبصرته. وبقوله ولا رأي من رأيته بمعنى اعتقدته. وبقوله ولا ضربٍ من رأيت الطائر: إذا أصبته في رئته./ فهي في هذه المعاني الثلاثة متعدية إلى واحد.

стр. 1729

وما ذهب إليه المصنف من أن "رأى" إذا كان بمعنى اعتقد يتعدى إلى واحد هو مذهب الفارسي. وذهب غيره إلى أنها تتعدى إلى اثنين، وجاء في كلام العرب ما يدل على ذلك، قال الشاعر: رأى الناس إلا من رأى مثل رأيه خوارج تراكين قصد المخارج -[ص: وللرابع "صير" و "أصار" وما رادفها من "جعل"، و "وهب" غير متصرف، و "رد" و "ترك" و "تخذ" و "اتخذ" و "أكان". وألحقوا بـ "رأى" العلمية الحلمية، و"سمع" المعلقة بعين، ولا يخبر بعدها إلا بفعل دال على صوت. ولا تلحق "ضرب" مع المثل على الأصح، ولا "عرف" و "أبصر"، خلافًا لهشام، ولا "أصاب" و "صادف" و" غادر"، خلافًا لابن درستويه.]- ش: يعني بالرابع النوع للتحويل. فأما صير وأصار فمنقولان من صار التي هي من أخوات كان، نقلت صير بالتضعيف، وأصار بالهمزة. وفي البسيط: إن كانت بمعنى انتقل ورجع تعدت بالتضعيف إلى اثنين، أحدهما، بحرف الجر، نحو: صيرتك إلى موضعك، أي: نقلتك إليه. وإن كانت بمعنى التغيير إلى وصف - كما هي في أخوات كان - تعدت إلى اثنين، أحدهما هو المبتدأ، ويصير مفعولًا به، نحو: صار زيد عالمًا، وصيرته عالمًا. وهذا دليل على أنها حين كونها ناقصة فيها معنى المصدر إلا أنه متروك استغناء بالخبر

стр. 1730

لأنه هو التغيير في المعنى. ولم يُضعف من أخواتها سواها على هذا المعنى - وأما بيتناه وصبحناه ومسيناه فمعناه: أتيناه بياتًا وصباحًا ومساءً - إما لمانع لفظي كأصبح وأمسى، أو معنوي كالبواقي. ومن التعدية بالتضعيف قوله: فصيروا مثل كعصفٍ مأكول وقوله في أصار سقط أصار من نسخة بخط المصنف. ومثال جعل بمعنى صير ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُوراً﴾. وقال في البسيط: وهذه إما تصيير لما له نسبه إليه، أو إلى ما يكون له ذاتًا أو كالذات، فالأول لابد فيه من أحد حروف النسبة، كقوله تعالى ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾، وقد يقال: هو مجاز من الوضع والإلقاء. والثاني إما تصيير في الفعل بالذات، نحو: جعلت الطين خزفًا، وقد تدخل فيه "من" لأنه بمنزلة: خاتم من حديد، كقوله تعالى ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ﴾، أو بالصفة، نحو:

стр. 1731

جعلته عالمًا، ولا تدخل في هذا إلا على تأويل الأول قليلًا، وإما في الاعتقاد ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً﴾. وإما في النيابة عن الشيء، جعلت/ البصرة بغداد، والكتان خزا. وإما في التسمية: جعلت حسني قبيحًا؛ إذ لا يكون في الاعتقاد ولا في الفعل، فرجع إلى اللفظ. وهي إذا كانت بهذه المعاني لم تؤثر إلا في المفعول الأول لأنه وقع به ذلك، ولا تستغني عن الثاني لأنه كالابتداء والخبر في الأصل أو ما هو منزل منزلته، لكنه قوي معنى الفعل، صار الأول مفعولًا، بخلاف ما تقدم، وكذلك في أخواتها. و"وهب"، حكي ابن الأعرابي: وهبني الله فداك، أي: صيرني، وهي لا تتصرف؛ إذ لم يُستعمل فيها بمعنى صير إلا الماضي فقط. ومثال "رد" ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً﴾، وقال الشاعر: رمى الحدثان نسوة آل سعد بمقدار، سمدن له سمودا فرد شعورهن السود بيضًا ورد وجوههن، البيض سودا و"ترك"، قال الشاعر: وربيته، حتى إذا ما تركته أخا القوم، واستغني عن المسح شاربه

стр. 1732

وفي "ترك" خلاف: منهم من يجعلها تتعدى إلى واحد فقط، والثاني منصوب على الحال إن وجد. ومنهم من يجعلها بمعنى صير، فتتعدى إلى اثنين، وهو اختيار المصنف. وأنشد عليه البيت المتقدم. و"تخذ" و "اتخذ" الخلاف فيهما كالخلاف في ترك: فمنهم من قال: إنها تتعدى إلى واحد، كقولك: اتخذت عدة للسفر، وإلى اثنين بمعنى صير، كقوله تعالى ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾، ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾، وهذا مذهب أبي علي. ومن تعديها إلى واحد قوله تعالى ﴿كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً﴾، و ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً﴾. وذهب ابن برهان إلى أنها تتعدى إلى اثنين دائمًا، قال ابن برهان: "يقال لأبي علي: ألم تقل في قوله تعالى ﴿اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾: إن التقدير: اتخذوه إلهًا، فحذف المفعول الثاني للدليل، فكذا التقدير في ﴿اتَّخَذَتْ بَيْتاً﴾: اتخذت من نسجها بيتًا، وفي ﴿أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً﴾: أن تتخذ من شيء لهوًا". قال ابن برهان: " ولا أعلم اتخذ إلا يتعدى إلى مفعولين،

стр. 1733

الثاني منهما بمعنى الأول". و"تخذ" قال تعالى ﴿لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ في قراءة من قرأ كذلك وقال الشاعر: تخذت غران إثرهم دليلًا وفروا في الحجاز ليعجزوني غران: اسم جبل. وفي البسيط: اتخذ يتعدى إلى واحد بمعان: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ﴾، و ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً﴾، واتخذت خاتمًا: لبسته، واتخذت مالًا: كسبته، ويجمع ذلك كله معنى الملابسة من جهة الفاعل القاصد لذلك. وبمعنى جعل المصيرة/ ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾. والفرق بينها وبين تصيير جعل أنه يعود من ذلك [لنفسك من قبله شيء بحيث] لا يتغير المفعول به تغييرًا في نفسه، بخلاف جعل، فإنه لا يلزم أن يكون فيه ذلك، نحو: جعلت الرجل عالمًا، فإنه لا يتعدى لنفسك منه شيء، وإذا قلت اتخذته حبيبًا وصاحبًا عاد عليك؛ ألا ترى أنك لا تقول: اتخذت الطين خزفًا، ولأن المفعول في جعل يتغير بشيء من جهته، بخلاف هذا. وقد تدخل فيه "من"

стр. 1734

كما في جعل، كقوله تعالى ﴿أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلاً﴾، ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، فيكون من هذا النوع. وقد قال النحويون إنها من باب أعطى، ولذلك يقتصر فيها، فيقال: اتخذت أولياء، و ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ﴾ أي: من شيء ولدًا، وقال تعالى ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ أي: اتخذتم العجل إلهًا. والصحيح الأول لأنا نقول: لو كان منه لصح كون أحدهما موقعًا بالآخر فعلًا، ولا يكون لأنه هو، ولو كان الاقتصار على الباقي، ولم يكن، وما ذكروه حذف اختصارًا. وقوله أكان قال المصنف في الشرح: "ألحق ابن أفلح بـ (أصار) أكان المنقولة من كان بمعنى صار، وما حكم به جائز قياسًا، لكني لا أعلمه مسموعًا" انتهى. ولا أعلم أحدًا من النحاة يقال له ابن افلح، لكن في شيوخ الأعلم رجل اسمه مسلم بن أحمد بن أفلح الأديب، يكنى أبا بكر، أخذ كتاب سيبويه عن أبي عمر بن أبي الحباب.

стр. 1735

وقول المصنف "وما حكم به جائز قياسًا" ليس متفقًا عليه، بل الظاهر من مذهب س أن النقل بالهمزة قياس في اللازم سماع في المتعدي، وكان بمعنى صار تجري مجرى المتعدي، فلا يكون النقل فيها بالهمزة قياسًا على ظاهر مذهب س. وزعم جماعة من المتأخرين -منهم خطاب الماردي - أنه قد يجوز أن يضمن الفعل المتعدي إلى واحد معنى صير، ويجعل من هذا الباب، فأجاز أن يقال: حفرت وسط الدار بئرًا، بمعنى: صيرت وسط الدار. قال خطاب: ولا يكون بئرًا تمييزًا لأنه لا تحسن فيه من. وكذلك أجاز: بنيت الدار مسجدًا، وقطعت الثوب قميصًا، وقطعت الجلد نعلًا، وصبغت الثوب غرابًا؛ لأن المعنى فيها صيرت، وجعل من ذلك قول أبي الطيب: فمضت، وقد صبغ الحياء بياضها لوني، كما صبغ اللجين العسجد قال: لأن المعنى: صير الحياء بياضها لوني، أي: مثل لوني. والصحيح أن هذا كله من باب التضمين، والتضمين لا يجوز بقياس في الكلام، وإنما يجئ في الشعر للضرورة، وإن جاء شيء منه في الكلام حفظ، ولم يقس عليه لقلة ما جاء منه. وقوله وألحقوا/ بـ "رأي" العلمية الحلمية أي: وألحقوا، يعني العرب، كذا قال في الشرح، قال: "فأدخلتها على المبتدأ والخبر، ونصبتهما مفعولين،

стр. 1736

ومنه قول الشاعر: يؤرقني أبو حنش وطلق وعمار، وآونة أثالا أراهم رفقني، حتى إذا ما تفرى الليل، فانخزل انخزالا إذا أنا كالذي أجرى لورد إلى آل، فلم يدرك بلالا نصب بها أسمين معرفتين، هما مبتدأ وخبر في الأصل، كما يفعل بـ "رأى" بمعنى علم وبمعنى ظن. ومما يدل على صحة ذلك قوله تعالى ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً﴾، فأعمل مضارع رأى الحلمية في ضمرين متصلين لمسمى واحد، وذلك مما تختص به علم ذات المفعولين وما جرى مجراها" انتهى. ولا حجة فيما ذكره: أما "أراهم رفقتي" فإنه يحتمل أن تكون أرى تعدت إلى واحد، وهو الضمير، و "رفقتي" في موضع الحال وإن كان ظاهره التعريف، فهو نكرة من حيث المعنى؛ لأن معنى الرفقة: الرفقاء، وهم المخالطون، فرفيق بمعنى مرافق، فهو بمعنى اسم الفاعل، فإضافته غير محضة كجليس وخليط. وأما ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً﴾ فلا يلزم مما ذكر أن يتعدى إلى مفعولين، بل يكون ذلك مما جاء في غير ما تعدى إلى مفعولين، نحو فقد، وعدم، ووجد بمعنى أصاب لا بمعنى علم، فإنك تقول فيها: فقدتني، ووجدتني، وعدمتني، فكذلك هذا، ويكون ﴿أَعْصِرُ﴾ في موضع نصب على الحال لا في موضع مفعول ثان

стр. 1737

وقوله وسمع المعلقة بعين، ولا يخبر بعدها إلا فعل دال على صوت مثاله: سمعت زيدًا يتكلم. واحترز بقوله المعلقة بعين من المعلقة بمسموع، فإنها لا تتعدى إلا إليه فقط، نحو: سمعت كلامًا، وسمعت خطبة، قال تعالى ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ﴾، ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ﴾. سمعت "الناس ينتجعون غيثًا" .................................... أراد: سمعت هذا الكلام. وعطف المصنف "وسمع" على "الحلمية"، يعني: رأي الحلمية وسمع، وجعل الضمير في "ألحقوا" ضمير العرب، فدل كلامه على أن العرب هم الذين ألحقوا، والعربي إنما ينطق بجملة، فيقهم منها النحوي ما يفهم، وينسب ذلك إلى العرب لأنه فهمه عنهم. وفي هذه المسألة خلاف: ذهب الجمهور إلى أن سمعت لا تتعدى إلا إلى مفعول واحد، فإن كان مما يسمع فهو ذاك، وإن كان عينًا فهو المفعول، والفعل بعده في موضع نصب على الحال، وهو على حذف مضاف، أي: سمعت صوت زيد في حال أنه يتكلم، وهذه الحال مبينة، وهو اختيار الأستاذ أبي الحسن بن عصفور في شرح الجمل. / وذهب الأخفش، والفارسي، وابن بابشاذ إلى ما ذهب إليه المصنف،

стр. 1738

وهو اختيار شيخينا أبي الحسن بن الضائع، وأبي الحسين بن أبي الربيع، وابن عصفور في شرح الإيضاح. وحجة هذا المذهب أن سمع لما دخلت على غير مسموع أتي لها بمفعول ثاني يدل على المسموع، كما أن ظن لما دخلت على غير مظنون في المعنى أتى بعد ذلك بمفعول ثان يدل على المظنون. وقد استدل لهذا المذهب بما ذكره الأخفش في (الأوسط) له، والنحاس في (صنعة الكتاب) من أن العرب تقول: سمع أذني زيدًا يتكلم حق، فيأتون بخبر المصدر، ولا يقولون: سمع أذني زيدًا يتكلم، على أن يسد "يتكلم" مسد الخبر، فدل على أنه مفعول ثان لا حال؛ إذا لو كان حالًا لسد مسده، كما سد في: ضربي زيدًا قائمًا. وهذا الذي ذكراه مخالف لما نقل س من قولهم: سمع أذني زيدًا يقول ذلك، فلم يأت بخبر لـ"سمع". وأجيب بأنه ليس في كلام س ما يدل على أنه كلام تام، بل لعله أراد أنه جزء كلام، فيكون موافقًا لما ذكره الأخفش والنحاس. وقال هذا المستدل: من جعلها تتعدى إلى اثنين ضمنها معنى عملت، فإذا قلت "سمعت زيدًا قارئًا" فكأنك قلت: علمت زيدًا قارئًا بسماع قراءته، كما أن نبأ تعدت إلى ثلاثة بالتضمين، وهي في الأصل تتعدى إلى واحد بنفسها، وإلى الثاني بـ "عن" وإلى الثالث بالباء، هذه المضمنة غير التي تتعدى إلى واحد، نحو: سمعت كلام زيد، ولم تلغ لأن ذلك ملبس بالحكاية؛ لأنك لو قلت "زيد

стр. 1739

متكلم سمعت" لم يدر أنك سمعت هذا اللفظ أو أردت معنى: سمعت زيدًا يتكلم، ولهذه العلة لم تعلق؛ لأنك لو قلت "سمعت أزيد قرأ أم أنشد" تريد: علمت أزيد قرأ أم أنشد بسماع ذلك منه، لم يدر أأردت هذا المعنى أو أردت أنك سمعت هذا الكلام. وقال شيخنا أبو الحسن بن الضائع محتجًا لهذا المذهب: "لا يجوز أن تكون سمعت مما يتعدى إلى واحد؛ لأن حكمه جواز السكوت عليه، ولا يجوز: سمعت زيدًا، وفيما يتعدى إلى اثنين ولا يجوز الاقتصار على أحدهما دون الآخر ما يتعدى إلى واحد، هذه علم، تتعدى إلى اثنين على صفة، وتتعدى إلى واحد على صفة أخرى، وكذلك سمعت. وأيضًا فلو كان (يقول) من "سمعت زيدًا يقول كذا" حالًا لكان "زيد" هو المسموع حقيقة. وأيضًا فالحال لا تكون إلا بعد تمام الكلام، و"سمعت زيدًا" غير تام، وليس كونه غير تام مما عرض له هنا، كقوله: متى تبعثوها تبعثوها ذميمة ................................ بل هو كقوله: إن اليوم زيدًا راحلًا، وهو لا يجوز، فأما قولهم: سمعت زيدًا، أي: سمعت كلام زيد يتكلم، فبعيد جدًا،/ ويلزم أن تكون الحال عنه مؤكدة؛ لأنه معلوم أن "سمعت زيدًا" في تقدير: سمعت كلام زيد" انتهى ما احتج به.

стр. 1740

فأما قوله "لأن حكمه جواز السكوت عليه، ولا يجوز: سمعت زيدًا" فالجواب أنه جائز، قال تعالى ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾، تقديره: هل يسمعونكم تدعون؟ ويحتمل أن يكون سمعت زيدًا على تقدير حذف مضاف، فيكون إذ ذاك متعلق السمع، فيقدر في سمعت زيدًا: سمعت كلام زيد، وحذف المضاف لفهم المعنى جائز. وأما قوله "وفيما يتعدى إلى اثنين" إلى آخره، ومثل ذلك بعلمت - فـ "سمع" لا يجوز أن يكون مثل علمت لما سيتبين بعد إن شاء الله. وأما قوله " إنه يلزم أن يكون زيد هـ المسموع حقيقة" فلا يلزم؛ لأنا قد بينا أن ذلك على حذف مضاف، وذلك المضاف هو المسموع حقيقة. وأما قوله "وسمعت زيدًا غير تام" فهذا غير مسلم، بل هو تام لأنه على حذف مضاف. وأما إلزامه أن يكون حالًا مؤكدة فلأنه قدر أن المحذوف في نحو "سمعت زيدًا يتكلم" هو الكلام، أي: سمعت كلام زيد في حال تكلمه، فتكون إذ ذاك حالًا مؤكدة. وأما غيره فإنه جعل المحذوف أعم من الكلام، وهو صوت، فعلى هذا لا تكون (يتكلم) حالًا مؤكدة، بل هي حال مبينة؛ لأن الصوت يكون كلامًا وغير كلام مما يتعلق به السمع. وقد احتج للمذهب الأول أبو بكر بن طاهر بأنه حكي: سمع أذني زيدًا يقول ذلك، فـ "يقول ذلك" يتعين أن يكون حالًا لأنه سد مسد الخبر، ولا

стр. 1741

يجوز أن يكون مفعولًا ثانيًا: لأن المفعول الثاني لا يسد مسد الخبر، لو قلت ظني زيدًا عالمًا لم يستقل لأنه معمول المصدر، كما لا يستقل: ضربي زيدًا. واحتج له أيضًا أبو محمد بن السيد، وتبعه ابن عصفور، بأن سمع من أفعال الحواس، وأفعال الحواس كلها تتعدى إلى مفعول واحد، تقول: ذقت طعامًا، وشممت مسكًا، ولمست حريرًا، وأبصرت زيدًا، فينبغي أن تكون سمع مثلها، فإذا دخلت على غير مسموع أول على أنه على حذف مضاف. قال: "وأيضًا لا تخلو إذا كانت مما يتعدى إلى مفعولين من أن تكون من باب ظن أو من باب أعطى، فباطل أن تكون من باب أعطى لأن الثاني فعل، والفعل لا يكون في موضع المفعول الثاني في باب أعطى، وباطل أن تكون من باب ظن لأن ظن وأخواتها يجوز إلغاؤها وإعمالها، ولا يجوز إلغاء سمعت، فثبت أنها مما يتعدى إلى مفعول واحد. فأما قوله: سمعت: الناس ينتجعون غيثًا فقلت لصيدح: انتجعي بلالًا فهذا ليس بإلغاء، بل هو حكاية؛ إذ معناه: سمعت هذا الكلام، فهو نحو: سمعت/ زيد يتكلم، وإذا نصبت فالمسموع ليس هذا اللفظ الذي هو: زيد يتكلم، ولو أنه كان إلغاء كان المعنى واحدًا، كما أن قولك: زيدًا ظننت قائمًا، وزيد ظننت قائم، واحد". ويدل أيضًا على أنها تتعدى إلى واحد كونها لا تقع موقع الفعل معرفة.

стр. 1742

قال الأخفش: تقولك سمعت زيدًا يتكلم، وسمعت زيدًا متكلمًا، ولا تقول: المتكلم. وأجيب عن هذا بأنه لعل الأخفش لم يسمعه، وسمعه غيره، ولا يلزم سماع كل لفظة إذا صححها القياس. وقد تضمن سمع معنى أصغى، فتتعدى بإلي، نحو قوله ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإٍ الأَعْلَى﴾، ومعنى استجاب باللام، نحو: سمع الله لمن حمده أجريت في ذلك مجرى ما ضمنته. وقوله ولا تلحق ضرب مع المثل على الأصح ذهب قوم إلى أن "ضرب" المعلقة بالمثل تكون من أفعال هذا الباب، وتكون بمعنى صير، قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾، وقال تعالى ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾، و ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً﴾، ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ﴾، فظاهر هذه الآيات أن "ضرب" بمعنى صير تتعدى إلى اثنين، ويكون (مثلًا) فيما يظهر هو المفعول الثاني، وما بعده هو المفعول الأول؛ لأن مثلًا نكرة لا مسوغ لها لجواز الابتداء بالنكرة، وما بعده إما معرفة وإما نكرة لها مسوغ للابتداء بالنكرة، وقد صرح بتقديمه على مثل أبو تمام، فقال:

стр. 1743

لا تنكروا ضربي له من دونه مثلًا شرودًا في الندى والباس قال المصنف في الشرح: "والصواب ألا يلحق به لقوله تعالى ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾، فبني ضرب المذكورة لما لم يسم فاعله، واكتفت بمرفوعها، ولا يفعل ذلك بشيء من أفعال هذا الباب" انتهى. وهذا استدلال ظاهر، ويمكن تأويله على أن يكون المفعول حذف لدلالة الكلام عليه، أي: ضرب مثل ما يذكر، ويدل عليه ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ الآية. وقد يقال إن ضرب تكون بمعنى صير لا مع المثل خاصة، بل هو نحو: ضربت الفضة خاتمًا، وضربت الطين لبنًا؛ إذ المعنى: صيرت، إلا أنه ينبغي أن يستثبت في هذا الباب، أهو من كلام العرب أم من كلام المولدين. وقد ذهب إلى أن ضرب بمعنى صير فيتعدى إلى اثنين أبو الحسين بن أبي الربيع، قاله في: ضربت الفضة خلخالًا. وقوله ولا عرف وأبصر، خلافًا لهشام، ولا أصاب وصادف وغادر، خلافًا لابن درستويه ثبت أن هذه الأفعال تتعدى إلى واحد، فإذا جاء بعده اسم

стр. 1744

منصوب حمل على أنه حال، والدليل على أنه حال التزام تنكيره. وكون هذه الأفعال من أفعال هذا الباب لا حجة على ذلك. وأدخل س وأبو علي الفارسي في أفعال هذا الباب أرى، ولم يذكرا فيه ما بني للمفعول من الأفعال التي تتعدى/ إلى ثلاثة نحو أعلمت. وسبب ذلك أن جميع ذلك استعمل مبينًا للفاعل؛ إلا أرى هذه، فإنها لم تستعمل إلا مبنية للمفعول؛ ألا ترى أن أرى بمعنى أظن، ولا يقال: أريت زيدًا عمرًا خير الناس، بمعنى: جعلته يظن ذلك، بل بمعنى: أعلمته ذلك، فلما لم تستعمل بمعنى الظن إلا مبنية للمفعول جعلاها من هذا الباب؛ لأنها لا يكون لها أبدًا إلا منصوبان، كما أن سائر أفعال هذا الباب كذلك. وقال بعض الناس: "يصح أن تكون خلق بمعنى جعل، فيكسبها ذلك قوة التعدي إلى مفعولين، ويكون قوله ﴿ضَعِيفاً﴾ من قوله ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً﴾ مفعولًا ثانيًا" انتهى. ولا أعلم أحدًا من النحويين ذهب إلى ذلك، بل الذي ذكر الناس أن من أقسام جعل أن تكون بمعنى خلق، فتتعدى إلى مفعول واحد، كقوله تعالى ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾، أما العكس فلم يذهب إلى ذلك أحد من النحويين فيما علمناه. والمتأخرون من النحاة الذين تتبعوا هذه الأفعال لم يذكروا ذلك.

стр. 1745

-[ص: وتسمى المتقدمة على صير قلبية. وتختص متصرفاتها بقبح الإلغاء في نحو: ظننت زيد قائم، وبضعفه في نحو: متى ظننت زيد قائم، وزيد أظن أبوه قائمٌ، وبجوازه بلا قبح ولا ضعف في نحو: زيد قائم ظننت، وزيد ظننت قائم. وتقدير ضمير الشأن أو اللام المعلقة في نحو ظننت زيد قائم أولى من الألغاء. وقد يقع الملغي بين معمولي إن، وبين سوف ومصحوبها، وبين معطوف ومعطوف عليه. وإلغاء ما بين الفعل ومرفوعه جائز لا واجب، خلافًا للكوفيين. وتوكيد الملغي بمصدر منصوب قبيح، وبمضاف إلى الياء ضعيف، وبضمير أو اسم إشارة أقل ضعفًا. وتؤكد الجملة بمصدر الفعل بدلًا من لفظه منصوبًا، فيلغي وجوبًا، ويقبح تقديمه، ويقل القبح في نحو: متى ظنك زيد ذاهب؟ وإن جعل متى خبرًا لـ"ظن" رفع، وعمل وجوبًا. وأجاز الأخفش والفراء إعمال المنصوب في الأمر والاستفهام.]- ش: الإلغاء هو ترك العمل لغير مانع. وحيث يكون الإلغاء والإعمال اختلفوا: فذهب الجمهور إلى أنك مخير بين الأعمال والإلغاء، وهو اختيار الأستاذ أبي الحسن بن عصفور. وذهب أبو الحسن إلى أنه ليس على التخيير، وإنما هو لازم، إذا ابتدأت لتخبر بالشك أعملت الفعل على كل حال، سواء قدمته أم وسطته أم أخرته، وإذا بدأت وأنت تريد اليقين، ثم أدركك الشك بعد ما مضى كلامك على اليقين، رفعت وابتدأت، والمبتدأ مع الخبر كالفعل مع الفاعل، فلابد من الخبر، وتلغي

стр. 1746

ظننت. وهو اختيار الأستاذ أبي الحسين بن أبي الربيع، قال: "جواز الإلغاء/ والإعمال بمقصدين مختلفين، فإذا قصدت أن تبني الكلام على الظن ثم توسطه اتساعًا، أعملت، وإن قصدت إلى البناء على الابتداء، وحدث لك الإخبار بما أنبنى الكلام عليه - ألغيت". وفي الإفصاح: به - أي بمذهب أبي الحسن - أخذ شيخنا أبو القاسم ابن القاسم، وقال: إنه مذهب س. وذهب ابن درستويه وابن كيسان إلى ما ذهب إليه أبو الحسن، لكن إذا وسطت، فإن قدمت الاسم لم تلغ، وأعملت الفعل في ضميره، ونصبت ما بعده، فقلت: زيد ظننته منطلقًا. وإن قدمت الخبر، وظهر فيه الرفع، ألغيت أيضًا لأنه فائت لا يسترجع، والخبر المبتدأ كما يطلب المبتدأ الخبر، نحو: قائم ظننت زيد. فإن كان مجرورًا أو جملة أعملت، ونويت في موضع الجملة والمجرور نصبًا، نحو: في الدار ظننت زيدًا، وأخوه منطلق ظننت زيدًا، لا يجوز عنده الرفع هنا، وقوله: ......................... وفي الأراجيز - خلت - اللؤم والخور

стр. 1747

عنده من أقبح الضرورات. وغيره يرى أن التقدم الفائت كاللفظ الفائت، وأنه يطلب ما يطلبه اللفظ، وهو القياس. وذهب بعض النحويين إلى أنك إذا ابتدأت باليقين ألغيت على كل حال، سواء أوسطت أم أخرت، وإن ابتدأت على الشك، ولم تقدم الفعل، كنت مخيرًا. انتهى. ولا يعنون بذلك الاختصاص بفعل الشك؛ لأن من الأفعال التي تلغى ما هو لليقين، نحو علم، وإنما يعنون أنك تبني كلامك أولًا على سبيل الإخبار عن المبتدأ بالخبر، ثم يدركك أن تجعل ذلك في علم أو ظن أو حسبان أو خيلة، أو تبني كلامك أولًا على سبيل الإخبار بالفعل، وتذكر متعلقيه. ويدل على أن هذا المراد قول س في باب الاشتغال: "فإذا بنيت الاسم عليه قلت: ضربت زيدًا"، ولا معنى لـ" بنيت الاسم عليه" إلا: أعملته فيه. وقال بعد هذا: "فإذا بنيت الفعل على الاسم قلت: زيد ضربته"، ومعنى ذلك: أخبرت به عنه. وقوله وتسمى المتقدمة على صير قلبية يعني أنها تسمى أفعال القلوب؛ لأن العلم والظن إنما هما من أفعال القلب، ليس فيهما علاج، بخلاف صير فإنها فعل علاج. ولا تختص هذه التسمية بهذه الأفعال التي ذكر، بل أفعال القلوب أعم، تنطلق على ما يتعدى بحرف جر، نحو فكر، تقول: فكرت في الأمر. وعلى ما يتعدى إلى واحد، نحو عرف، تقول: عرفت زيدًا. وعلى ما يتعدى إلى اثنين، نحو ظن وعلم. وقوله وتختص متصرفاتها بقبح الإلغاء في نحو: ظننت زيد قائم متصرفات

стр. 1748

هذه الأفعال هي أربعة عشر فعلًا. وأحترز بها مما لا يتصرف، وهو هب وتعلم. وهذا الاحتراز/ الذي ذكره المصنف لم يتعرض لذكره أصحابنا، فيمكن أن أهملوه لأن ما لا يتصرف منها يجوز في الإلغاء كالمتصرف، فيكون ذلك مخالفًا لما ذكره المصنف، ويمكن أن أهملوه لأن أكثرهم لم يعد فيها غير المتصرف، وإنما ذكروا تعلم في غضون كلامهم، وأهملوا ذكرها حين عدوا هذه الأفعال. ويقال: لما لم يتصرف هذان الفعلان في أنفسهما لم يتصرف فيهما بالإلغاء، بل أقر على أصل الأفعال من العمل. وقوله في نحو ظننت زيد قائم أي: في مثل ظننت زيد قائم. وكثيرًا ما يأتي هذا المصنف في كلامه بضبط قانون كلي بلفظة "نحو"، وهو في غاية الإبهام؛ لأن المثلية تكون بأدنى شبه، فلا ينبغي أن يضبط ذلك الحكم إلا بقانون كلي، وهو أن يقول في هذا في ظننت وأخواتها: إنها إذا وقعت صدر كلام فالإلغاء - هذا عند المصنف - قبيح، أعني أن تلغى متصدرة. وهذه مسألة فيها خلاف: ذهب البصريون إلى أنه لا يجوز فيها إذا تصدرت إلا الأعمال. وذهب الكوفيون والأخفش ومحمد بن الوليد وابن الطراوة إلى جواز ذلك، وإن كان الإعمال عندهم أحسن. هكذا أطلق أصحابنا النقل عن الكوفيين. والنقل عن الفراء أنه قال: لا يجوز تقديم الظن وأنت تريد به الاعتراض، يعني أنه لا يلغى متقدمًا.

стр. 1749

قال البصريون: إنما لم يجز ذلك لأن تصديرك بالفعل دليل على الاعتماد عليه، وأنك جعلت ما بعده في حيز ما قدمت من علم أو ظن، فلا يسوغ إلغاؤها لذلك. قالوا: ويدل على ذلك أنه لا يحفظ إلغاء ظننت أو شيء من أخواتها إذا وقعت صدر كلام. وأما الكوفيون فاستدلوا على ذلك بقول الشاعر: كذاك أدبت حتى صار من خلقي أني وجدت ملاك الشيمة الأدب برفع مفعولي وجدت. قال ابن عصفور: "ولا حجة فيه؛ لأن وجدت متوسطة بين اسم أن وخبرها، وهي الجملة من قولك: ملاك الشيمة الأدب، ولم يعن بالتوسط إلا أن تجيء وسطًا لكلام لا صدره، وإن كان توسطها بين المفعولين أقوى" انتهى. فقول ابن عصفور "لأن وجدت متوسطة بين اسم أن وخبرها" لا يظهر؛ لأن الخبر في الظاهر هو وجدت، فلو قال " لأنها لم تتصدر أول الكلام" لكان أجود. ويمكن تصحيح كلامه على أن يكون "ملاك الشيمة الأدب" خبرًا كما زعم، لكن يحتاج إلى رابط، فيحتمل أن يكون ضميرًا محذوفًا، أي: ملاك الشيمة مني، أو تكون الألف واللام نابت عن الضمير على رأي الكوفيين.

стр. 1750

ويحتمل أن يكون هذان التقديران في الأدب، أي: ملاك الشيمة الأدب مني، أو أدبي. قال ابن عصفور: "ومما يبين لك بطلان هذا المذهب/ أنه لا يحفظ إلغاء ظننت أو شيء من أخواتها إذا وقعت صدر كلام". وقال ابن هشام الخضرواي: "رأي بعض المتأخرين إلغاء الفعل متقدمًا لأنه جاء عنهم مثل: علمت زيد منطلق، وقد علمت إن زيدًا ذاهب، يعني بالكسر. وقال بعض المتأخرين: الأصل في ظننت ألا تعمل، فجعل هذا مما جاء على الأصل" انتهى. وما حكاه ابن هشام مخالف لقول ابن عصفور. وقد اختلف من هذا الأصل - وهو أن تتصدر أول الكلام - في مسائل: الأولى: ظننت يقوم زيدًا، وظننت قام زيدًا: ذهب الكوفيون والأخفش إلى أنه لا يجوز النصب في زيد، وأجاز ذلك سائر البصريين لأن النية بالفعل التأخير. الثانية: أظن نعم الرجل زيدًا، ووجدت نعم الرجل زيدًا: ذهب الفراء إلى جواز ذلك، وهو مقتضى مذهب البصريين، ولم يجز الكسائي ذلك في أظن، وأجاز ذلك في وجدت. الثالثة: ظننت قائمًا زيدًا: ذهب البصريون إلى جوازها، ومنعها الكوفيون إن أردت بقائم الفعل، وإن أردت الخلف جازت عندهم أكثرهم. قال ابن كيسان: هي قبيحة لأن الخبر يكون الاسم، فقبحت لأن الخبر مخالف للاسم، لأنه يقع موقع الجملة، ويلزم من أجازها أن يقول: ظننت يقوم زيدًا، فيولي الظن

стр. 1751

الفعل، فيحل الفعل محل المفعول الأول، والفعل لا يكني عنه بالهاء كما يكنى عن المفعول، وكذلك الجمل. وذلك كله جائز عند البصريين على التقديم والتأخير كما جاز في كان. الرابعة: أظن آكلًا زيدًا طعامك، أجازها البصريون، ومنعها الكوفيون. الخامسة: طعامك أظن أكلًا زيدًا، أجاز ذلك البصريون والكسائي. وقال الكسائي: النية فيه: أظن زيدًا آكلًا طعامك. وقال الفراء: لا يجوز لأنك أوقعت الظن على فاعل الظن على فاعل لم يكن عنده معنى لفعل، فصار لا يتقدم عليه، و"طعامك" صلته، فلا يفرق بينهما بشيء. وقوله وبضعفه في نحو: متى ظننت زيد قائم يعني أنها إذا لم تتصدر وتقدمت على المفعولين. قال المصنف في الشرح: "وعدم تصدرها بكونها سبقها معمول لها، نحو: متى ظننت زيد منطلق، أو "ما" النافية، نحو قوله: ......................... وما - إخال - لدينا منك تنويل ألغى إخال وإن كانت متقدمة على المبتدأ والخبر لما لم تقع صدرًا، بل جاءت بعد "ما"، كأنه أراد أن يقول: وما لدينا منك تنويل، فاعترض بـ "إخال" بين "ما" والجملة المنفية بها، أو بـ "أن" نحو قوله: ....................... أني وجدت ملاك الشيمة الأدب" انتهى.

стр. 1752

ولم يذكر س في «أين تظن زيدًا منطلقًا» إلا الإعمال، ويجوز الإلغاء على قلة، فإن كان المتقدم حرفًا/ لم يجز الإلغاء أصلاً، وذلك: أتظن زيدًا منطلقًا؛ لأنه لم يتقدم معمول أصلاً. وقول المصنف «وبضعه في نحو: متى ظننت زيد قائم» إبهام في التشبيه، وكان ينبغي أن يأتي بقانون كلي، وهو: ألا تتصدر، وأن تتقدم على المفعولين. وكلامه دائمًا كثير الإجمال والإبهام والتلفيف، هذا المثال الذي مثله أفهم أنه يضعف فيه الإلغاء، وهذا فيه تفصيل، ذكره النحويون، وهو أنه لا يخلو أن تجعل «متى» معمولة للخبر، أو معمولة لظننت، فإن كانت معمولة للخبر جاز إلغاؤها وإعمالها لأنها لم تقع صدر كلام، فإن اعملت فلبنائك على الظن، وإن ألغيت فلأنك أردت أن تقول: متى زيد منطلق، ثم اعترضت بظننت بين «متى» وبين «زيد منطلق». وإن كانت معمولة لظننت لم يجز إلا الإعمال؛ لأن الظن إذ ذاك لا يكون معترضًا به بين أجزاء الجملة، بل داخلاً على الجملة من المبتدأ والخبر واقعًا صدر كلام. ولم يذكر س في «أين تظن زيدًا منطلقًا» إلا الإعمال، وذكر غيره الإلغاء على قلة على ما فصل. فإن كان المتقدم حرفًا لم يجز الإلغاء، وذلك: أتظن زيدًا منطلقًا؛ لأنه لم يتقدم معمول أصلاً. ومن صور هذه المسألة- وهي ألا تتصدر ظننت، وأن تتقدم على المفعولين-

стр. 1753

صورة لا يجوز فيها إلا الإلغاء، ولا يجوز الإعمال، وهي مقابلة المسألة المتأخرة قبل هذه المسألة، وتلك الصورة هي ما حكاه الأخفش: إن زيدًا لظننت أخوه منطلق، ألغى ظننت لما توسطت بين لام إن والجملة التي في موضع الخبر. ولا يجوز إعمالها هنا لأن لام إن إذ ذاك داخلة على ظننت، وهو ماضٍ متصرف، ولام إن لا يجوز دخولها على الماضي المتصرف إذا وقع خبرًا، فإذا لام الابتداء داخلة على الجملة الواقعة خبرًا لـ «إن»، وأعترض بظننت بينهما. وقوله وبجوازه بلا قبح ولا ضعف في نحو: زيد قائم ظننت، وزيد- ظننت- قائم يعني أنه يجوز الإلغاء والإعمال إذا تأخرت عن المفعولين، أو توسطت بينهما. قال ابن عصفور: والسبب في جواز إلغائها متأخرة ومتوسطة أنك إذا ابتدأت بغيرها تكون قد بنيت كلامك على الإخبار من غير أن تقصد جعل ذلك الخبر مما تعلمه أو تظنه، ثم تريد بعد أن يتبين أن ذلك في علمك أو في ظنك، فتأتي بالفعل معترضًا بين أجزاء الكلام، أو ملحقًا له آخر الكلام لتبين ما قصدت من ذلك. وأجاز الأستاذ أبو علي أن يكون السبب في إلغائها متوسطة أو متأخرة كونها ضعيفة العمل لما تقدم ذكره من أن عملها إنما هو بحق الشبه بأعطيت وأخواتها، والعامل إذا تقدم معموله/ عليه يضعف عمله، ولذلك يجوز أن تقول: لزيد ضربت، فتوصل ضربت إلى زيد باللام لما ضعفت بتأخيرها عنه، ولو كانت متقدمة عليه لم يحسن ذلك. قال: فلما كانت ظننت وأخواتها ضعيفة في العمل، وازدادت ضعفًا بتأخرها عن المعمول- جاز لذلك ألا يراعى شبهها بأعطيت، فتلغى عن العمل.

стр. 1754

وقال ابن عصفور: هذا التوجيه باطل عندي، بل سبب الإلغاء ما قدمناه من أنه يجوز إلغاؤها مع تقدمها على المفعولين إذا وقعت حشوًا؛ ولو كان السبب ما ذكر لما جاز الإلغاء في مثل هذا؛ لأن المعمول فيه متأخر عن الفعل. ومن إلغاء الفعل متأخرًا قول الشاعر: هما سيدانا يزعمان، وإنما ... يسوداننا إن يسرت غنماهما وقول الآخر: آت الموت، تعلمون، فلا ير ... هبكم من لظى الحروب اضطرام وقول الآخر: القوم في أثري، ظننت، فإن يكن ... ما قد ظننت فقد ظفرت وخابوا ومن إلغائها متوسطة قول الشاعر: أبالأراجيز- يا بن اللؤم- توعدني ... وفي الأراجيز- خلت- اللؤم والخور هكذا أنشده س على أن القصيدة رائية، وأنشده الجاحظ: ................................. ... ........ خلت اللؤم والفشل

стр. 1755

وهو للعين المنقري، وقبله: إني أنا ابن جلا إن كنت تنكرني ... يا رؤب، والحية الصماء والجبل وروي أيضًا: وفي الأراجيز رأس النوك والفشل. والذي قبله: الصماء في الحبل. وبعد هذا البيت: ما في الدوابر من رجلي من عنت ... عند الرهان، ولا أكوى من الفعل وهذا الذي ذكره المصنف من جواز الإلغاء مع التأخر والتوسط له شرطان، أهملهما: أحدهما: ألا تدخل لام الإبتداء على الإسم، فإن دخلت فلا يجوز إلا الإلغاء، نحو: لزيد قائم ظننت، ونحو: لزيد- ظننت- قائم. الشرط الثاني: ألا تكون منفية، فإن كانت منفية فلا يجوز إلا الإعمال، نحو: زيدًا منطلقًا لم أظن، وزيدًا لم أظن منطلقًا؛ لأنه لا يجوز لك إذ ذاك أن تبني كلامك على المبتدأ والخبر، ثم تعترض بالظن المنفي؛ ألا ترى أنه لا يجوز لك أن تقول «زيد منطلق» إلا وأنت عالم بصحة ذلك أو ظان له، وهذا المعنى لا
следующие страницы →