Полный текст (3 950 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
ويعني بقوله (مطلقًا) أي: لتركيب وعدمه، وفي اتصال الصفة وانفصالها، وفي كونها مفردة أو مضافة أو مُطولة.
ووقع لبعض أصحابنا وهم، وهو أن اسم (لا) إذا كان معربًا فلا يُتبع إلا على لفظه. وهو شبيه بما ذهب إليه ابن برهان، وسيأتي مذهبه. ووهم آخر، وهو أن النعت إذا كان مضافًا أو مطولًا فلا يجوز الإتباع فيه/ إلا على لفظ اسم (لا)، نحو: لا رجل صاحب دابةٍ في الدار، ولا رجل خيرًا من زيدٍ.
وفي (البسيط) ما ملخصه: الظاهر أن اسم (لا) لا موضع له من الإعراب لفقدان الطالب؛ فكل ما دخل على الجملة الابتدائية للعمل أبطل معنى الابتداء، فارتفع حكمه، فلا موضع، إلا أن النحويين قالوا: إن زيدًا قائمٌ وعمروٌ، عطف على موضع (إن)؛ لأن هذا العامل ضعيف لم ينسخ معنى الابتداء، فكأنه لم يرتفع، بخلاف ليت ولعل وكأن، وفي حكم (إن) (لا) لأنها عامل ضعيف، لا يقال إنها تُغير معنى الابتداء لضعفها، فلا يكون لها موضع؛ لأنا نقول: النفي لا يُغير معنى الخبر إذ هو والإيجاب نوعان للخبر، بخلاف التمني والتشبيه، وإذا كان لها موضع فهو رفع، وهو على وجهين: إما (لا) وما بعدها في موضع مبتدأ، كما في (بحسبك)، وهو ظاهر كلام س. وإما أن يكون ما بعدها، أي: ما (لا) في موضع مبتدأ بمنزلة (إن زيدًا)، ولما كانت عاملةً النصب، ومنع
стр. 1682
من ظهوره البناء، صارت عاملة في المحل بمنزلة: إن هذا قائمٌ، فصار لها محل، ولأن هذا الاسم صارت حركة بنائه بمنزلة حركة الإعراب، فصار له لفظ، كما في باب النداء في: يا زيد العاقل. فحصل من هذا أن الرفع له وجهان، والنصب وجهان.
وقوله وقد تُجعل مع الموصوف كـ (خمسة عشر) إن أفردا واتصلا مثاله: لا رجل ظريف، جعل المنفي ونعته بمنزلة اسم واحد، كما جعل المنادى ونعته في قولك (يا زيد بن عمرو) بمنزلة اسم واحد؛ لأن باب النفي بـ (لا) شبيه بباب النداء من جهة أن علامة البناء في البابين شبه الإعراب لاطرادها.
وسهل ذلك في هذا الباب كون بناء الاسم مع الاسم أكثر في كلام العرب من بناء الاسم مع الحرف؛ لأن تركيب الاسم مع الاسم قد جاء في هذا الباب وفي غيره كثيرًا، وتركيب الحرف مع الاسم إنما جاء في هذا الباب، ولم يجيء في غيره إلا قليلًا، ومنه:
أثور ما أصيدكم أم ثورين
فجعل (ما) مع (ثور) بمنزلة اسم واحد، ولذلك حذف التنوين، وتركيب الصفة مع الموصوف دون (لا)؛ لأنه لا يكون ثلاثة أشياء كشيء واحد، ولا يكون هذا التركيب بدون (لا) مع الوصف.
وعلة البناء كون الوصف من تمام اسم (لا)، واسم (لا) وجب له البناء لتضمنه معنى الاستغراق، وهذا من تمامه، فصارا كأنهما تضمنا معنى (من)؛ ألا ترى/ أن غير المبني إذا كان مفتقرًا إلى مبني ليُتمه
стр. 1683
اكتسب منه البناء، كظروف الزمان إذا أُضيف إلى الظروف المبنية.
وقد يقال: لا يبعد أن يُحمل على لفظه في الإعراب لأنه أشبه حركة الإعراب، ولا يلزم من الحمل عليه أن يُبنى المحمول؛ لأنك لما جعلت الأول في حكم الإعراب ارتفع البناء حكمًا.
وقد قيل: يجوز أن يُتبع بحذف التنوين، وتكون الفتحة إعرابًا، وحذف التنوين للمُشاكلة. فعلى هذا يكون محمولًا على محله وعلى لفظه.
وفي (الغرة): "ويجوز أن تبني الصفة مع الموصوف، وتفك (لا) من البناء، فتقول: لا رجل ظريف. وإنما فككتها منه لئلا تجعل ثلاثة أشياء شيئًا واحدًا.
ورأيت كلام الفارسي يدل على أن ثلاثة أشياء قد جُعلت شيئًا واحدًا، ذكره في كتاب (الإغفال)، قال: لأن فتحة فاء ظريف فتحة تركيب نائبة عن فتحة البناء مع (لا) النائبة مناب نصبه، وإنما فعلوا ذلك لشدة اتصال الصفة بالموصوف" انتهى.
وشرط الإفراد في الموصوف وفي الصفة، فلو كان الموصوف مضافًا أو مُشبهًا بالمضاف فلا بناء. وشرط أيضًا الاتصال، فلو فُصل بينهما بشيء فلا بناء. وإنما لم يجز البناء مع المُطول والمضاف لأن العرب لم تُركب واحدًا منهما مع اسم آخر في موضع من المواضع لطولهما. ولم يجز البناء مع الفصل لحجز الفاصل بينهما. ولو قلت (لا رجل ظريفًا عاقلًا في الدار) لم يُبن (عاقلًا) مع (رجل) لحجز الوصف الأول بينهما، ولم تُركب الصفتان مع (رجل) لأن العرب لا تركب ثلاثة ألفاظ وتجعلها بمنزلة لفظ واحد في موضع من المواضع.
стр. 1684
وقوله وليس رفعها مقصورًا على تركيب الموصوف أي: ليس رفع الصفة مقصورًا على تركيب الموصوف مع (لا)، بل يجوز الرفع سواء أكان الاسم مُركبًا مع (لا) أم مضافًا أو مُطولاً، فتقول: لا مثل زيدٍ ظريفٌ عندنا، ولا ضاربًا زيدًا ظريفٌ عندنا، كما تقول: لا رجل ظريفٌ عندنا.
وقوله ولا دليلًا على إلغاء (لا) بل يكون الرفع مع الإلغاء ومع الإعمال كما مثلنا.
وقوله خلافًا لابن برهان في المسألتين قال المصنف في الشرح: زعم ابن برهان أن صفة اسم (لا) لا تُرفع إلا إذا كان الموصوف مُركبًا مع (لا)، فإن رفعها دليل على إلغاء (لا). وحمله على ذلك أن العامل في الصفة هو/ العامل في الموصوف، والاسم الموصوف لا يعمل الابتداء فيه، فلا عامل له في صفته. والاسم المبني على الفتح إن نصبت صفته دل ذلك عنده على الإعمال، وإذا رفعت دل ذلك عنده على الإلغاء.
وما ذهب إليه غير صحيح لأن إعمال (لا) المشار إليها عند استكمال شروطها ثابت بإجماع العرب، فالحكم عليها بالإلغاء دون نقصان الشروط حكمٌ بما لا نظير له.
وقوله "لا عمل للابتداء في الاسم المنصوب" غير مُسلم، بل له عمل ي موضعه، كما له بإجماع عملٌ في موضع المجرور بـ (من) في نحو: هل من رجلٍ في الدار؟ فصح ما قلناه، وبطل ما ادعاه" انتهى كلام المصنف.
وقوله وللبدل الصالح لعمل (لا) النصب والرفع مثال ذلك: لا أحد
стр. 1685
فيها رجلٌ ولا امرأةٌ، بالرفع والنصب، وسواء أكان البدل مفردًا أم مضافًا أم مُطولًا، نحو: لا أحد فيها صاحب دابةٍ، بنصب (صاحب) ورفعه، ولا أحد فيها خيرًا من زيدٍ، بنصب (خير) ورفعه. ولا يجوز أن يُجعل المبدل منه والبدل بمنزلة اسم مركب، كما جاز ذلك في النعت؛ لأنه على نية تكرار العامل، فبينهما حاجز مقدر.
وقوله فإن لم يصلح لعملها تعين رفعه مثاله: لا أحد فيها زيدٌ ولا عمروٌ، فلا يجوز في زيد ولا عمرو إلا الرفع حملًا على الموضع، ومنه ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾.
وقوله وكذا المعطوف نسقًا مثاله: لا غلام فيها ولا زيدٌ، لا يجوز في (زيد) إلا الرفع عطفًا على الموضع؛ لأن المعارف لا تعمل فيها (لا) الناصبة، وهذا بناء على أن المعطوف يحل محل المعطوف عليه. ومن لم يقل ذلك، وقال (كل شاةٍ وسخلتها بدرهمٍ)، قال: لا غلام ولا العباس، ولا رجل عندنا ولا أخاه. انتهى من البسيط.
وقال س ما معناه: إنك إذا قلت: لا غلام، ثم جئت باسم علم أو مُعرف فلا سبيل إلا أن تحمله على الموضع؛ لأن (لا غلام) في موضع اسم مبتدأ، فيعمل في المعطوف الابتداء، ولو كانت (لا) بمنزلة (ليس) لم يجز الحمل أصلًا لأنه لا موضع ثم، فإنما كان يكون محمولًا على لفظ الاسم، فتكون (لا) عاملة، ولا تعمل في معرفة أصلًا، فلهذا يمتنع الا يُحمل على الموضع. ومن قال (كل شاةٍ وسخلتها) فحمل على محل المعرفة، وهي لا تدخل عليه، قال هنا: لا غلام لك ولا أخاه. وسوغ له التشريك أن دخل الثاني ما دخل الأول.
стр. 1686
وقوله وإن كرر اسم (لا) المفرد دون/ فصل فتح الثاني أو نُصب قال المصنف في الشرح: "إذا كرر اسم (لا) المركب معها دون فصلٍ جازن تركيب الأول والثاني كما يُركب الموصوف والصفة، وجاز فيه النصب، وذلك كقولك: لا ماء ماء باردًا لنا، ولا ماء ماءً باردًا لنا" انتهى.
ولم يبين المصنف إعراب هذا الاسم الثاني. وإنما قال "المفرد" احترازًا من المضاف والمُطول. وقال "دون فصل" لأنه إذا فُصل امتنع التركيب. وذكر وجهين: أحدهما البناء، والثاني نصب الثاني، وترك وجهًا ثالثًا، وهو الرفع، فتقول: لا ماء ماءٌ باردٌ.
وتكرير النكرة هنا جرى مجرى النعت، وتكررت توطئة للنعت، كما جاءت توطئة للحال في قوله تعالى ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْراً مِّنْ عِندِنَا﴾. وجعل س تكرير الاسم بمنزلة الموصوف في: لا ماء ماءً باردًا، قال س: "ولابد من تنوين بارد لأنه وصفٌ ثانٍ". وقال ابن طاهر: "أراد به تأكيدًا - يريد التأكيد اللفظي - والصحيح أنه يوصف بالاسم إذا وُصف، نحو: مررت برجلٍ رجلٍ عاقلٍ".
وإنما تجوز هذه الأوجه الثلاثة إذا قُدرت هذه النكرة توطئة للنعت، فإن قُدرت بدلًا من النكرة قبلها لم يجز البناء وجعلهما كاسمٍ واحد؛ لأن البدل على نية تكرار العامل، فيمنع ذلك العامل المقدر من بنائها وجعلها كاسم واحد.
ص: ولـ (لا) مقرونةً بهمزة الاستفهام في غير تمنً وعرضٍ ما لها مجردةً، ولها في التمني من لزوم العمل، ومنع الإلغاء، واعتبار الابتداء، ما لـ (ليت)، خلافًا للمازني والمبرد في جعلها كالمجردة.
стр. 1687
ويجوز إلحاق (لا) العاملة بـ (ليس) فيما لا تمني فيه من جمع مواضعها إن لم تُقصد الدلالة بعملها على نصوصية العموم.
ش: إذا دخلت همزة الاستفهام على (لا) كانت على معانٍ:
أحدها: أن يراد صريح الاستفهام عن النفي المحض دون تقرير ولا إنكار ولا توبيخ، خلافًا للأستاذ أبي علي إذا زعم أنها لا تقع لمجرد الاستفهام المحض عن النفي دون إنكار وتوبيخ. ورد على أبي موسى الجزولي إجازة ذلك.
والصحيح وجود ذلك في كلام العرب، ولكنه قليل، ومنه قول العرب: أفلا قُماص بالعير، وقول الشاعر:
ألا اصطبار لسلمى أم لها جلدٌ إذا ألاقي الذي لاقاه أمثالي
/ وظاهر كلام س أنه لا يشترط ما زعمه الأستاذ أبو علي.
الثاني: أن يكون الاستفهام على طريق التقرير والإنكار والتوبيخ، نحو قول الشاعر، وهو حسان:
ألا طعان، ألا فُرسان عاديةً إلا تجشؤكم عند التنانير
стр. 1688
وقول الآخر:
ألا ارعواء لمن ولت شبيبته وآذنت بمشيبٍ، بعده هرم
وحكم (لا) في هذين المعنيين حكمها لو لم تدخل عليها الهمزة من جواز إلغائها، وإعمالها إعمال (إن)، وإعمال (ليس)، بجميع أحكامها في ذلك كله.
وفي (البسيط): وقال أبو العباس: علل س البناء بكونه جوابًا لسؤال عام، فيلزم أن يكون هذا جوابًا لسؤال آخر متضمنًا لـ (من)، والسؤال لا يكون جوابًا عن سؤال.
وهذا لا يلزم، فإن البناء قد وجب للكلمة قبل دخول الهمزة بالعلة المتقدمة، ولم تُغيره الهمزة، بل دخلت لمعنى زائد، وهو تقدير هذا الجواب، أو على سؤال عنه، كقوله:
ألا طعان .............. البيت.
وقد تدخل الفاء بينها، نحو: أفال قُماص بالعير، يُضرب مثلًا للعاجز الذي لا حراك به، فكذلك تدخل على (لا) غير العاملة، نحو: ألا رجلٌ في الدار.
الثالث: أن تصير الكلمة بمجموعها للتخصيص، وعبر المصنف عن هذا المعنى بالعرض. فهذه إن جاء بعدها حُمل على إضمار فعل، وإن كان الاسم مما يُنون نون، وعلى هذا حمل الخليل قول الشاعر:
стр. 1689
ألا رجلًا، جزاه الله خيرًا يدل على محصلةٍ تبيت
زعم أنه ليس على التمني، ولكنه بمنزلة قول الرجل: فهلا خيرًا من ذلك، كأنه قال: ألا تُرونني رجلًا جزاه الله خيرًا. وزعم يونس والأخفش أنه نون مضطرًا.
وظاهر كلام النحويين أن (ألا) التي للتخصيص مركبة من همزة الاستفهام و (لا) التي للنفي، ودخلها معنى التخضيض.
والذي أذهب إليه أنها بسيطة، وُضعت لمعنى التخضيض، كما هي بسيطة إذا كانت للتنبيه والاستفتاح، وليست مركبة.
الرابع: أن يدخلها معنى التمني: فمذهب س والخليل والجرمي أنها لا تعمل إلا عمل (إن) في الاسم خاصة، فيبنى الاسم معها إن كان مفردًا، ويُعرب إن كان مضافًا أو مطولًا، ولا يكون لها/ خبر لا في اللفظ ولا في التقدير، ولا يُتبع اسمها إلا على اللفظ خاصة دون الموضع، ولا تُلغى بحال، ولا تعمل عمل (ليس)، تقول: ألا غلام لي، وألا ماء باردً، وألا ماء بارد، وألا أبا لي، وألا غُلامي لي، وألا غلامين لي أو جاريتين، وألا ماء أو لبنًا، وألا ماء وعسلًا باردًا حلوًا، هذه مثل س في كتابه. وقال س: "ومن قال لا غلام أفضل منك لم يقل في ألا غلام أفضل منك إلا بالنصب؛ لأنه دخل فيه معنى التمني، وصار مُستغنيًا عن الخبر" انتهى.
стр. 1690
وقوله ولها في التمني من لزوم العمل يعني عمل (إن) لا عمل (ليس).
وقوله ومنع الإلغاء يعني أنها لا تُلغى البتة. ولا يحتاج لقوله (ومنع الإلغاء) لأن قوله (لزوم العمل) يدل على منع الإلغاء؛ لأنه إذا لزم أن تعمل عمل (إن) لم يكن إلغاء.
وقوله واعتبار الابتداء هو معطوف على قوله (الإلغاء)، أي: ومنع اعتبار الابتداء، وليس معطوفًا على (منع) لئلا يلزم من ذلك أنه يعتبر الابتداء معها. ومذهب س أنه لا يُعتبر الابتداء معها في التمني، ما لا يُعتبر في (ليت).
وقوله خلافًا للمازني والمبرد في جعلها كالمجردة يعني من الهمزة، فتكون وهي للتمني كهي لمحض النفي، فيكون لها خبر في اللفظ أو في التقدير، ويُتبع اسمها على اللفظ وعلى الموضع، ويجوز أن تعمل عمل (ليس) وأن تُلغى، فتكون أحكامها مرادًا بها التمني كأحكامها وهي تكون للنفي. قال المازني: "اللفظ يكون على ما كان عليه وإن دخله خلاف المعنى، كباب: غفر الله لزيدٍ، وحسبك، رفع بالابتداء، والمعنى معنى النهي".
قال الأستاذ أبو الحسن: "وهذا - يعني مذهب المازني - باطل سماعًا وقياسًا:
стр. 1691
أما السماع فلم يُسمع من العرب (ألا رجل أفضل من زيدٍ) برفع (أفضل)، فلو كان لها خبر لسُمع ولو في بعض المواضع، ولو كان للاسم بعدها موضع لرُفعت صفته في بعض المواضع.
وأما القياس فإن الهمزة لا تخلو من أن تُقدرها داخلة على (لا) وحدها أو على الجملة، فإن قدرتها داخلة على الجملة لم يجز ذلك لأنا لم نجد جُملة يدخلها بجملتها معنى التمني، وقد وجدنا من الحروف ما له معنًى، فإذا رُكب كان له معنًى خلاف الذي كان له قبل التركيب، نحو (هلا) و (لولا). وإن قدرتها داخلة على (لا) وحدها، وحدث فيها معنى التمني، لم تحتج إلى خبر لأن المراد التمني نفسه. وإن كانت نافية/ لم يكن بُدٌ من خبر؛ لأن المنفي في المعنى إنما هو الخبر، ولا يُتصور نفي (الرجل). فثبت إذًا ما ذهب إليه س" انتهى رده على المازني.
والفرق بين المذهبين من حيث المعنى أن في مذهب س يكون التمني واقعًا على الاسم، وفي مذهب المازني على الخبر، والمازني جعل (ألا) في التمني بمنزلة (ليت)، فتعمل عملها، فلها خبر مرفوع، وبمنزلة (إن) لفظًا، فيُتبع اسمها على اللفظ وعلى الموضع.
ومثال ورودها في التمني قول الشاعر:
ألا عمر ولي مستطاعٌ رجوعه فيرأب ما أثاث يد الغفلات
فنصب (يرأب) لأنه جواب تمن مقرون بالفاء
فإن قلت: قد زعمت أن الاسم مع (ألا) التي للتمني لا يجوز أن يُحمل النعت فيه إلا على اللفظ، وظاهر هذا البيت أنه حُمل على الموضع؛ ألا ترى إلى قوله (مُستطاعٌ رُجوعه) كيف رفع مستطاعًا، ولو كان حملًا على اللفظ لنصب، فقال: مُستطاعًا رجوعه.
стр. 1692
فالجواب: أن قوله (مُستطاعٌ رجوعه) جملة من مبتدأ وخبر، قدم فيها الخبر على المبتدأ، والجملة بأسرها في موضع نصب على الصفة و (ألا) التي للتمني مركبة من الهمزة ومن (لا) التي للنفي، واستُعملت في معنى التمني لأن التمني مفقود، كما أن النفي كذلك.
وإنما ادعينا التركيب في هذا لأن بعض أحكام (لا) وُجدت في (ألا) على رأي س، وجميع أحكامها على رأي المازني، فقد اتفقت (ألا) و (لا) من حيث المعنى ومن حيث الحكم، بخلاف (ألا) التي للتخضيض؛ لأنها وإن وافقت (لا) من حيث إن المحضوض عليه مفقود لم توافق من حيث الحكم، ألا ترى أنه لا عمل لها، وأن مُتعلق التحضيض الفعل لا الاسم، والنفي والتمني متعلقهما في اللفظ الاسم.
وفي (البسيط): فإن قيل: كيف يصح معنى التمني مع البناء، والبناء يكون للجواب العام، والتمني إنشاء وابتداء، فيلزم أن يكون الابتداء لا ابتداء، ويعرب مع التمني، وأنت تقول: ألا ماء باردًا، على البناء؟
فالجواب: أن البناء هنا ليس هو لأجل التضمن للاستغراق، بل من أجل الحمل بالشبه على التضمن، كما حُملت (حذام) على (نزال)، فلما كان معنى التمني معنى داخلًا في الاستفهام لا تغيير معه، كان هذا كذلك، وأيضًا فمعناه من الاستغراق باقٍ، فإنه/ يتمنى أي رجل كان.
وقوله ويجوز إلحاق (لا) العاملة بـ (ليس) إلى آخره. قال المصنف في الشرح: "ويجوز إجراء (لا) مُجرى (ليس) فيما لا يُقصد به تمن من مواضع إعمالها إن لم يُقصد التنصيص على العموم بلفظ ما وليها، فعند ذلك لا يجوز إجراؤها مُجرى (ليس)، لأنها إذا جرت مجرى (ليس) جاز أن يكون العموم مقصودًا وغير مقصود" انتهى كلامه.
стр. 1693
وإذا عملت عمل (ليس) فمذهب أكثر النحويين أن خبرها لا يكون إلا منصوبًا كخبر (ليس). وذهب الزجاج إلى أنها تعمل في الاسم الرفع، ولا تعمل في الخبر شيئًا، كما لا تعمل الناصبة فيه شيئًا، بل النكرة مع (لا) العاملة فيها الرفع في موضع رفع على الابتداء، والاسم المرفوع بعدها خبر للمبتدأ، وزعم أن ذلك مذهب س، وقد نص على ذلك في شرحه مستغلق كتاب س.
قال ابن عصفور: "والصحيح عندي أنها لا تعمل في الخبر شيئًا؛ لأن (لا) تنزلت من النكرة التي رفعتها منزلة (من) منها في الاستفهام، كما تنزلت (لا) الناصبة منها منزلتها، ولذلك لم يجز الفصل بين (لا) وما عملت فيه رافعةً كانت أو ناصبة، كما لا يجوز الفصل بين (ما) وما عملت فيه، فكما أن (قائمًا) من قولك (هل من رجلٍ قائمٌ) خبر للاسم المجرور بـ (من) لأن موضعه مع (من) رفع بالابتداء، فكذلك يكون (قائم) من قولك (لا رجل قائمٌ) خبرًا للاسم الذي عملت فيه؛ لأنه مع (لا) في موضع رفع على الابتداء" انتهى كلامه.
وهذا الذي استدل به أبو الحسن بن عصفور ليس بصحيح؛ لأن (لا) لم تتنزل من النكرة التي رفعتها منزلة (من)، كالناصبة؛ إذ لو كانت كذلك لم يُجيزوا (لا رجلٌ في الدار بل رجلان)، ولسووا بين هذا وبين (لا رجل في الدار) بجامع ما اشتركا فيه من أن (لا) إذا عملت عمل (إن) أو عمل (ليس) كانت جوابًا لقولك: هل من رجلٍ في الدار؟ فكانت تكون في حاليها وُضعت للنص على العموم لأنها جواب نص على العموم، فكون النحويين فرقوا بينهما، فجعلوا العاملة علم (إن) نصًا في العموم، والعاملة عمل (ليس) محتملة للعموم، دليل على اختلاف الأحكام.
ومما يشهد بصحة مذهب الجمهور وبطلان مذهب الزجاج واختيار/
стр. 1694
ابن عصفور أن السماع ورد بنصب خبر (لا) العاملة عمل (ليس)، نحو قوله:
تعز، فلا شيءٌ على الأرض باقيا ولا وزرٌ مما قضى الله واقيا
وقد أنشدنا غير ذلك في (باب ما) مما يوقف عليه هناك. وإنما كررنا هذه المسألة لأن فيها مزيد فائدة، والله أعلم.
تم بحمد الله - تعالى - وتوفيقه
الجزء الخامس من كتاب "التذييل والتكميل"
بتقسيم محققه، ويليه - إن شاء الله تعالى -
الجزء السادس، وأوله:
"باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر"
стр. 1695
التذييل والتكميل
في شرح
كتاب التسهيل
ألفه
أبو حيان الأندلسي
حققه الأستاذ
الدكتور حسن هنداوي
كلية التربية الأساسية- الكويت
الجزء السادس
كنوز إشبيليا
للنشر والتوزيع
стр. 1696
-[ص: باب الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر
الداخل عليهما (كان) والممتنع دخولها عليهما لاشتمال المبتدأ على استفهام، فتنصبهما مفعولين. ولا يحذفان معًا أو أحدهما إلا بدليل. ولهما من التقديم والتأخير ما لهما مجردين. ولثانيهما من الأقسام والأحوال ما لخبر كان، فإن وقع موقعهما ظرف أو شبهه أو ضمير أو اسم إشارة امتنع الاقتصار عليه إن كان أحدهما، لا إن لم يكنه ولم يعلم المحذوف.]-
ش: ما ذكره من أن هذه الأفعال داخلة على المبتدأ والخبر هو مذهب جمهور النحويين.
وزعم أبو زيد السهيلي أن ذلك باطل، بل هذه الأفعال بمنزلة أعطيت في أنها استعملت مع مفعوليها ابتداء، قال: " والذي حمل النحويين على ذلك هو أنهم رأوا أن هذه الأفعال يجوز ألا تذكر، فيكون من مفعوليها مبتدأ وخبر". قال: "وهذا باطل بدليل أنك تقول: ظننت زيدًا عمرًا، ولا يجوز أن تقول: زيد عمروٌ، إلا على وجهة التشبيه، وأنت لم ترد ذلك مع ظننت؛ ألا ترى أنك لم ترد أن تقول إنك ظننت زيدًا شبه عمرو بل عمرًا نفسه".
والصحيح ما ذهب إليه النحويون، وليس دليلهم على مذهبهم ما توهمه، بل دليلهم رجوع المفعولين إلى المبتدأ والخبر إذا ألغيت هذه الأفعال، وكان ينبغي ألا تؤثر في المبتدأ والخبر لأن العوامل الداخلة على الجمل لا تؤثر فيها، إلا أنهم شبهوها بأعطيت، فنصبت الاسمين.
стр. 1697
وزعم الفراء أن هذه الأفعال لما طلبت اسمين شبهت من الأفعال بما يطلب اسمين، أحدهما مفعول به، والآخر حال، نحو: أتيت زيدًا ضاحكًا. واستدل على ذلك بوقوع الجمل والظروف والمجرورات موقع المنصوب الثاني في باب ظننت كما تقع موقع الحال، ولا يقع شيء من ذلك موقع المفعول به، فدل ذلك على أنه انتصابه على التشبيه بالحال لا على التشبيه بالمفعول به، ولا يقدح في ذلك كون الحال يتم الكلام دونها، والمنصوب الثاني في هذا الباب لا يتم الكلام دونه، لأنه ليس بحال حقيقي، بل مشبه بها، كما لا يقدح فيما ذهبنا إليه من أن انتصابه على التشبيه بالمفعول الثاني في باب أعطيت كونه لا يجوز الاقتصار عليه، والثاني في باب أعطيت يجوز الاقتصار عليه من جهة أنه ليس بمفعول حقيقي، بل مشبه به، والمشبه/ بالشيء لا يجري مجرى الشيء في جميع أحكامه.
وما ذهب إليه البصريون هو الصحيح بدليل أن المفعول الثاني في هذا الباب يكون معرفة، ومضمرًا، واسمًا جامدًا، كالمفعول به، ولا يكون شيء من ذلك حالًا، ولا يقدح في ذلك وقوع الجمل والظروف والمجرورات موقعه لأن الظروف قد تنتصب على التشبيه بالمفعول به؛ وكذلك المجرور يكون في موضع المفعول، نحو: مررت بزيد، بدليل أنك إذا اضطررت إلى حذف حرف الجر نصبت الاسم، فقلت: مررت زيدًا. وكذلك أيضًا قد تقع الجمل موقع المفعول به في نحو: قال زيدٌ عمروٌ منطلقٌ.
стр. 1698
فإن قلت: تشبيه ظننت وأخواتها بأعطيت مبنيٌّ على أن أعطيت وأشباهها متعدية إلى اثنين، ويزعم الكوفيون أن أعطيت وأمثالها تتعدى إلى واحد، والثاني منصوب بفعل مضمر.
فالجواب: أن ما ذهبوا إليه فاسد، وسيأتي ذكر هذه المسألة في باب ما لم يسم فاعله، إن شاء الله.
وما تقدم ذكره من أن عمل ظننت وأخواتها إنما هو للتشبيه بأعطيت ذكر ابن هشام أنه قول لبعض المتأخرين، قال: وذلك أن كل عامل يدخل على جملة فإنه لا يعمل فيها، نحو قلت وكنت إذا كانت الجملة في موضع خبرها، وكذلك أسماء الزمان إذا أضفتها إلى جملة المبتدأ والخبر، وكذلك المبتدأ إذا كان خبره جملة، وكان الواجب في هذه الأفعال أن تكون كذلك لولا هذا التشبيه، وقد أولع أبو علي الشلوبين بهذا المذهب، وهو لا يصح إذا حقق النظر فيه.
ومذهب س أن ما دخل على الجملة مما شأنه وأصله أن يدخل على المفرد فالجملة تبقى على حالها حكاية لأنها بجملتها تنزلت منزلة المفرد، فالاسم فيها أو الفعل أحد جزئيها، فيتنزل منزلة بعض الكلمة، والعامل لا يعمل في بعض الكلمة، فبقيت على إعرابها حكاية. والذي ليس من شأنه أن يدخل على مفرد، مثل كان وأخواتها، وإن وأخواتها، وظننت وأخواتها، يصير مثل الفعل الداخل على اثنين، فما كان فعلًا جرى مجرى الأفعال لأجل التشبيه به، وما كان غير فعل عمل بالتشبيه، أو لم يعمل بحكم أصله، هذا مذهب س والنحويين المتقدمين.
وقد رأينا العامل اللفظي يزيل الابتداء، نحو: زيدٌ قام، إذا قدمت
стр. 1699
الفعل رفعت الاسم به، ولم تشغله بضميره كما يعمل إذا تأخر، وكذلك ما يدخل عليه طالبًا له من جهة وللخبر من جهة يخلع الابتداء، ويستأثر بالعمل لأنه/ أقوى منه، وإذا علمت الحروف، نحو: إن وأخواتها، وما، ولات، ولا، في هذه الجملة بما أدت معانيها فيها- فالفعل أولى بالعمل وأوجب أن يجوز فيه ذلك. انتهى.
وقوله الداخل عليهما كان أحال على كان، وقد تقدم بيان ذلك في باب كان.
وقوله والممتنع دخولها- أي: دخول كان -عليهما- أي: على المبتدأ والخبر -لاشتمال المبتدأ على استفهام، مثاله: أيهم أفضل؟ وغلام من عندك؟ فهذه لا تدخل عليها كان، وتدخل عليها ظننت، فتقول: أيهم ظننت أفضل؟ وغلام من ظننت عندك؟ ولا تدخل على هذه كان لأنها لا تتأخر؛ إذ هي -أعني أسماء الاستفهام- لها صدر الكلام.
وقوله فتنصبهما مفعولين تقدم مذهب الفراء أن الاسم الثاني ينتصب على التشبيه بالحال والرد عليه.
وقوله ولا يحذفان معًا أو أحدهما إلا بدليل الحذف يكون اقتصارًا واختصارًا، فحذف الاقتصار حذف الشيء لغير دليل، وحذف الاختصار حذف
стр. 1700
الشيء لدليل. فإن حذفت المفعولين هنا اختصارًا جاز، ومنه قول الكميت:
بأي كتابٍ أم بأية سنةٍ ترى حبهم عارًا علي وتحسب
يريد: وتحسب حبهم عارًا علي.
وإن حذفتها اقتصارًا فأربعة مذاهب:
أحدها: مذهب الأخفش، وهو المنع. وحجته أن هذه الأفعال [تجري مجرى القسم، ومفعولاتها] تجري مجرى جواب القسم، والدليل على ذلك أن العرب تتلقاها بما يتلقى به القسم، قال تعالى ﴿وظَنُّوا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ﴾، فكما أن القسم لا يبقى دون جواب، فكذلك هذه الأفعال، لا تستغني عن مفعولاتها. فأما قول الأخفش في كتابه المسمى بالمسائل الصغرى: "تقول: ضرب عبد الله، وظن عبد الله، وأعلم عبد الله، إذا كنت تخبر عن الفعل" انتهى- فظاهره مخالفة هذا النقل.
وأول على أنه لم يقصد جواز الاقتصار مطلقًا، بل مع قرينة محصلة للفائدة، كقولك لمن قال: من ظنني ذاهبًا؟ ظن عبد الله، [ولمن قال]:
стр. 1701
من أعلمك أني ذاهب؟ أعلم عبد الله، ولذلك قال "إذا كنت تخبر"، فإن الناطق بما لا فائدة فيه ليس بمخبر.
قالوا: وما استدل به الأخفش لا حجة فيه لأن العرب لا تضمنها معنى القسم على اللزوم، فإذا امتنع حذف مفعوليها إذا دخلها معنى القسم لما ذكر فما المانع من حذفهما إذا لم تتضمن معنى القسم.
وزعم المصنف في الشرح أن هذا الذي هو مذهب الأخفش هو مذهب س والمحققين ممن تدبر، كلامه كابن/ طاهر وابن خروف والأستاذ أبي علي الشلوبين، قال: "فلو لم يقارن الحذف قرينة تحصل بسببها فائدة، كاقتصارك على أظن من قولك: أظن زيدًا منطلقًا- فإنه غير جائز، فإن غرضك الإعلام بأن إدراكك لمضمون الجملة بظنٍّ لا يقين، فتنزل أظن من جزأي الحديث منزلة: في ظني، فكما لا يجوز لمن قال زيدٌ منطلقٌ في ظني أن يقتصر على في ظني، كذا لا يجوز لمن قال أظن زيدًا منطلقًا أن يقتصر على أظن، ولأن قائل أظن أو أعلم دون قرينة تدل على تجدد ظنٍ أو علمٍ بمنزلة قائل: النار حارة؛ إذ لا يخلو الإنسان من ظن ما ولا علم ما".
"ومما يدل على ذلك من كلام س قوله [في] باب إضمار المفعولين اللذين يتعدى إليهما فعل الفاعل: (وذلك أن حسبت بمنزلة كان، إنما يدخلان على المبتدأ والمبني عليه، فيكونان في الاحتياج على حال؛ ألا ترى أنك لا
стр. 1702
تقتصر على الاسم الذي بعدهما كما لا تقتصر عليه مبتدأ. فالمنصوبان بعد حسبت بمنزلة المرفوع والمنصوب بعد ليس وكان. وكذلك الحروف التي بمنزلة حسبت وكان)، هذا نصه، فصرح بأن حسب مع مرفوعها في الاحتياج إلى المنصوبين بمنزلة ليس وكان في احتياجهما إلى المرفوع والمنصوب، فكما لا يقتصر على ليس وكان دون المرفوع والمنصوب لا يقتصر على حسب ومرفوعها دون المنصوبين، وهذا واضح.
وقال في الباب الذي يلي هذا الباب: (فلما صارت حسبت وأخواتها بتلك المنزلة جعلت بمنزلة إن وأخواتها إذا قلت إني ولعلي؛ لأن إن وأخواتها لا تقتصر على الاسم الذي بعدها)، فجعل افتقار حسب وأخواتها مع فاعلها [إلى الجزأين] كافتقار إن ولعل مع منصوبيهما إلى الخبر، وهذا أيضًا واضح.
وفي هذا الكلام تسوية بين حسبت وأخواتها، فعلم أنه حين قال: (لأنك قد تقول ظننت فتقتصر) لم يقصد الإطلاق ولا الاختصاص، بل قصد التنبيه على أن بعض المواضع قد يقتصر فيه على الفعل ومرفوعه لقرينة تحصل بها الفائدة، واكتفى بـ (ظننت) اختصارًا واتكالًا على العلم بمساواة غير ظننت لظننت".
وقال عبد العزيز بن جمعة: "منع الجرمي حذفهما محتجًا بأنه لا يكون حينئذ في الإخبار بهذه الأفعال فائدة إذ كل عاقل لا يخلو من علم أو ظن.
وأجيب بأنا لا نسلم عدم الفائدة مطلقًا، وإنما يلزم إن لو لم تفد بإسنادها إلى الفاعل علمًا قطعيًا أو ظنيًا، ولأن ما ورد من الآيات والمثل يبطل ما ذهب
стр. 1703
إليه"، وكان قد قدم/ جواز ذلك قياسًا على غيرها من الأفعال لأنها أفعال حقيقة تستقل بمرفوعها كلامًا، وبدليل قوله تعالى ﴿وإنْ هُمْ إلاَّ يَظُنُّونَ﴾، ﴿وظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾، وفي المثل: من يسمع يخل". انتهى.
المذهب الثاني: مذهب الأعلم ومن أخذ بمذهبه، وهو التفصيل، فأجاز ذلك في ظننت وما في معناها، ومنع في علمت وما في معناها. وحجتهم أن كل كلام مبني على الفائدة، فإن لم توجد فيه فائدة لم يجز التكلم به، فإذا قلت ظننت كان مفيدًا لأن الإنسان قد يخلو من الظن، فيفيد بقوله ظننت أنه قد وقع منه ظن، وإذا قال علمت كان غير مفيد لأنه معلوم أن الإنسان لا يخلو من علم؛ إذ له أشياء يعلمها ضرورة، كعلمه أن الاثنين أكثر من الواحد.
ورد هذا المذهب بأنه يجوز: علمت، وتحذف المفعولين اقتصارًا لأن الكلام إذا أمكن حمله على ما فيه الفائدة كان أولى، فإذا قال قائل علمت علمنا أنه أراد: وقع منه علم ما لم يكن يعلم؛ إذ حمله على خلاف ذلك غير مفيد.
المذهب الثالث: مذهب أكثر النحويين، منهم ابن السراج والسيرافي، وهو جواز حذفهما مطلقًا.
стр. 1704
قال الأستاذ أبو الحسن: "والصحيح أنه يجوز حذف المفعولين في علمت وظننت وما في معناهما حذف اقتصار، وقد جاء ذلك في كلامهم، حكي س أنهم يقولون: من يسمع يخل، أي: يقع منه خيلة، وقال تعالى ﴿أَعِندَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾، أي: يعلم، وليس في الكتاب جلاء عن مذهب س".
المذهب الرابع: المنع قياسًا، والجواز في بعضها سماعًا، وهو اختيار أبي العلا إدريس، ويزعم أنه رأي س، فلا يتعدى الحذف في ظننت وخلت وحسبت. ويحتج على ذلك بأنها أفعال أتى بها لتفيد معنى في الجملة، فتركها دون الجملة رجوع عن المقصود، ولا يجوز كما لا يجوز حذف ما أتى به لمعنى؛ ألا تراهم لم يحذفوا التنوين من غازٍ، وحذفوا اللام، لكنه سمع في ظننت على ما حكاه س، وكذلك في خلت وحسبت. قيل: منه قوله تعالى
стр. 1705
﴿وظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾، و"ظننت ذاك" بنصب المصدر.
قال صاحب البسيط: "وأما خلت فيظهر اطراد الخلاف فيها بالمنع وعدمه، فالمنع حملًا على ظننت، والجواز لما فيها في نفسها".
وأما حذف أحدهما فإما اقتصارًا أو اختصارًا:
إن حذفته اقتصارًا لم يجز، لا خلاف في ذلك. وسبب ذلك أنها داخلة على المبتدأ والخبر، فكما لا يجوز حذف المبتدأ ولا الخبر اقتصارًا، فكذلك لا يجوز حذف أحدهما اقتصارًا.
/وإن حذفته اختصارًا جاز ذلك على قلة عند الجمهور.
وذهب الأستاذ أبو إسحاق بن ملكون إلى أنه لا يجوز حذف أحدهما اختصارًا كما لا يجوز اقتصارًا. واستدل على ذلك بأنها أفعال دخلت على المبتدأ والخبر، فهي بمنزلة كان وأخواتها، ولا يقتصر في باب كان على اسمها ولا على خبرها، فكذلك هذه.
ورد بأن مرفوع كان كالفاعل، فلا يحذف، ولأن خبرها كالحدث لها، فصار عوضًا منه، فامتنع حذفه إذ صار كالجزء من الفعل.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور من جواز الحذف، وقد ورد به السماع، قال الشاعر:
ولقد نزلت، فلا تظني غيره مني بمنزلة المحب المكرم
стр. 1706
أنشده أبو علي، وقدره: فلا تظني غير هذا حقًا، وقال: حذفه عزيزٌ، كما أن حذف خبر كان كذلك وإن اختلفت جهتا القبح. وقال آخر:
تلذ لطعمه، وتخال فيه إذا نبهتها بعد المنام
وقبله:
كأن مشعشعًا من خمر بصري نمته البخت مشدود الختام
ثم أتى بخبر كأن بعد بيتين وصف فيهما المشعشعة، فقال:
على أنيابها بغريض مزنٍ تقبله الجباة من الغمام
ثم وصف المزن ببيت، وبعده: تلذ لطعمه، فالتقدير: وتخال ما ذكرت فيه من المشعشعة الموصوفة. وقال آخر:
من را مثل معدان بن يحيي إذا ما النسع جال على المطية
التقدير: من را مثل معدان بن يحيي في الوجود. و"را" بمعنى علم، كذا قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور وصاحب البسيط؛ لأن العرب لا تحذف همزة "را" إلا إذا كانت بمعنى علم. انتهى. وذكر ابن سيده في المحكم
стр. 1707
أنها تحذفها بمعنى أبصر، فلا يكون في البيت حجة؛ إذ يحتمل أن تكون "را" بمعنى أبصر.
وقال آخر:
كأن لم يكن بينٌ إذا كان بعده تلاقٍ، ولكن لا إخال تلاقيا
التقدير: لا إخال الكائن تلاقيًا، أو لا إخال تلاقيًا بعد البين.
وقال آخر:
وأنت غريمٌ، لا أظن قضاءه ولا العنزي القارظ الدهر جائيا
التقدير: لا أظن قضاءه واقعًا، أي: قضاء دينه واقعًا.
وقال ابن عصفور: / "حذف أحد المفعولين للدلالة عليه قليل، فلا ينبغي أن يقاس عليه". وهذا منه جنوح إلى مذهب ابن ملكون.
وفي الإفصاح: "زيدًا ظننته قائمًا، هذا مما يحذف منه أحد مفعولي ظننت لأنك تقدر: ظننت زيدًا قائمًا، فتحذف ظننت استغناءً بظننت هذه الظاهرة، وتحذف قائمًا استغناءً بقائم هذي الظاهرة. هذا كلام النحويين.
وقد رأيت من قال: تقديره هنا خلاف ظننت مما يتعدى إلى واحد؛ لأن ظننت وأخواتها لا تستغني عن مفعوليها متى ما ذكرت أحدهما، فتقدر اتهمت،
стр. 1708
أو تخيلت، وما أشبه ذلك. وإذا قال زيدًا علمته قائمًا قدر: عرفت زيدًا، ولك أن تقول: لابست. وهذه مخالفة للجمهور بلا دليل لأن العرب والنحويين إنما منعوا عن الاقتصار لا عن الاختصار.
وتقول: أقائمًا ظننت زيدًا إياه؟ فتحذف الأول لأنك أظهرته هنا، والتقدير: أظننت زيدًا قائمًا ظننت زيدًا إياه؟ وهذا الفعل لا يجوز إظهاره ولا إظهار فاعله ومفعوله الأول لدلالة ما أثبت على ما أضمرت ونيابته عنه.
ويقول لك القائل: ما ظننت زيدًا؟ فتقول: قائمًا، تريد: ظننته قائمًا، فتحذف للعلم، وإن شئت أظهرت هذا. وإذا قال: من ظننت قائمًا؟ قلت: زيدًا، ويجوز الإظهار هنا، فتقول: ظننت زيدًا قائمًا"، انتهى.
وما ذكرناه من أن مذهب الجمهور جواز حذف أحدهما إذا دل الدليل عليه قد خالف فيه بعض معاصرينا؛ فقال: "وأما حذف أحدهما دون الآخر دون الآخر فمنعه الجمهور لأنهما متلازمان؛ لافتقار كل منهما إلى صاحبه؛ لأنهما مبتدأ وخبر في الأصل. ولا يقال: فهلا جاز حذف أحدهما كما جاز حذف المبتدأ والخبر عند وجود القرينة؛ لأنا نقول: إنما لم يجز حذف أحد مفعوليها لئلا يلتبس المتعدي منها إلى مفعولين بما يتعدى إلى مفعول واحد، بخلاف خبر المبتدأ، فأما قول الشاعر:
وما أعرف الأطلال ............... ................... ، لكن إخالها
فإخال هنا بمعنى أتوهم.
стр. 1709
واعلم أنه لو ذهب ذاهب إلى جواز حذف أحد المفعولين عند وجود قرينة دالة عليه لما امتنع، كقوله تعالى ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم﴾؛ لأن من قرأ بالياء فالمفعول الأول محذوف لدلالة الفعل عليه، والتقدير: البخل هو خيرًا لهم، ومن قرأ بالتاء فعلى حذف مضاف من الأول، أي: بخل الذين". انتهى من كلام/ ابن جمعة.
وقوله ولهما من التقديم والتأخير ما لهما مجردين يعني أن الأصل تقديم المفعول الأول وتأخير الثاني، وقد يعرض موجب البقاء على الأصل، نحو: ظننت زيدًا صديقك، وعلمت خيرًا منك فقيرًا إليك، وما يوجب الخروج عن الأصل، نحو: ما ظننت زيدًا إلا بخيلًا، وأسباب البقاء والخروج مستوفاة في باب الابتداء، فأغنى ذلك عن ذكرها هنا. فإن لم يعرض موجب جاز التقديم والتأخير.
وقوله ولثانيهما من الأقسام والأحوال ما لخبر كان أحال على خبر كان، وذلك مستوفى في باب كان، فأغنى عن إعادته هنا.
وقوله فإن وقع موقعهما -أي موقع المفعولين- ظرف -نحو ظننت عندك- أو شبهه -نحو ظننت لك- أو ضمير - ظننته- أو اسم إشارة - ظننت ذاك-
стр. 1710
امتنع الاقتصار عليه إن كان أحدهما -أي: أحد المفعولين؛ لأنه كما بيناه لا يجوز حذف أحدهما اقتصارًا- لا إن لم يكنه أي: إن لم يكن أحدهما، كأن تريد بالظرف مكان حصول الظن، وبـ"لك" القلة، وبالضمير ضمير المصدر، وباسم الإشارة الإشارة إلى المصدر.
وقوله ولم يعلم المحذوف لأنه إن علم المحذوف جاز أن يكون الظرف أو المجرور أو الضمير أو اسم الإشارة أحدهما، ويكون الآخر حذف للعلم به.
قال المصنف في الشرح: "وقال الفراء: ظننت ذاك، إشارة إلى الحديث، أجرته العرب مجرى المفعولين، يقول القائل: كان من الأمر كذا وكذا، فيقول المخبر: قد ظننت ذاك. قال ابن خروف: وهو قول لا بأس به. وقال أبو زيد في مصادره: خلت ذاك إخاله خالًا. والأظهر أن يكون إشارةً إلى الحديث لذكره المصدر بعد" انتهى.
وقال ابن دستورية: يقول القائل: زيد فعل كذا، فتقول: علمت ذاك، تشير به إلى جميغ الخبر، فيستغني.
وقال أبو علي: "وإذا قلت ظننت ذاك كان ذاك إشارة إلى المصدر المفهوم من الفعل، كأنك قلت: ظننت ذاك الظن". يعني أن العرب قد
стр. 1711
تشير إلى المصدر المفهوم من الفعل كما تعيد عليه الضمير، ومن الإشارة إلى المصدر قوله تعالى ﴿ولَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أي: إن صبره. وهذا مذهب س في: ظننت ذلك.
وذهب الفراء والمازني إلى أن ذاك إشارة إلى المفعولين في نحو قولك: زيدٌ منطلقٌ ظننت ذاك؛ لأن العرب قد تشير بـ"ذاك" إلى اثنين، قال تعالى ﴿لاَّ فَارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾، أي: بين الفارض والبكر. وجاز اكتفاء "ظننت" بـ"ذاك" وهو مفرد في اللفظ من حيث كان المراد به/ الاسمين اللذين هما خبر ومخبر عنه في الأصل.
قال بعض أصحابنا: والصحيح ما ذهب إليه س وأبو علي. ومما يبين صحة ذلك أن اسم الإشارة المفرد لا تجوز الإشارة به إلى اثنين بالنظر إلى اللفظ؛ بل بالنظر إلى المعنى، فقوله تعالى ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ محمول على المعنى، كأنه قال: عوان بين ما ذكر، فعلى هذا لا تجوز الإشارة بـ"ذاك" إلى الاسمين اللذين هنا خبر ومخبر عنه في الأصل إلا بالنظر إلى المعنى؛ فكأنك قلت: ظننت الحديث، فكما لا يجوز اكتفاء ظننت بـ"الحديث" -وإن كان المراد الخبر والمخبر عنه في المعنى- فكذلك لا يجوز اكتفاؤها بـ"ذاك"، وإنما جاز: ظننت أن زيدًا منطلقٌ -وإن كانت أن وصلتها بتقدير اسم مفرد -للطول ولجريان الخبر والمخبر عنه بالذكر في الصلة، وليس شيء من ذلك موجودًا في اسم الإشارة ولا في الحديث.
стр. 1712
والمخبر عنه في المعنى -فكذلك لا يجوز اكتفاؤها بـ"ذاك"، وإنما جاز: ظننت أن زيدًا منطلقٌ- وإن كانت أن وصلتها بتقدير اسم مفرد- للطول ولجريان الخبر والمخبر عنه بالذكر في الصلة، وليس شيء من ذلك موجودًا في اسم الإشارة ولا في الحديث.
-[ص: وفائدة هذه الأفعال في الخبر ظنٌ، أو يقينٌ، أو كلاهما، أو تحويلٌ: فللأول حجا يحجو، لا لغلبة، ولا قصد، ولا ردٍّ، ولا سوقٍ، ولا كتمٍ، ولا حفظٍ، ولا إقامةٍ، ولا بخلٍ. وعد، لا لحسبان. وزعم، لا لكفالة، ولا رياسة، ولا سمنٍ، ولا هزالٍ. وجعل، لا تصييرٍ، ولا إيجادٍ، ولا إيجابٍ، ولا ترتيبٍ، ولا مقاربةٍ. وهب غير متصرف.]-
ش: الفعل الذي يفتقر مفعوله إلى ثانٍ مخبر به صالح للتعريف والتنكير، أو جملةٍ تقوم مقامه -هو من باب ظن، ويميزه وقوع الفصل بينهما ودخول اللام الفارقة. وأفعال هذا الباب نوع مختص بالظن، ونوع مختص باليقين، ونوع صالح لهما، ونوع للتحويل من وصف إلى وصف.
وقوله فللأول -يعني النوع الذي هو مختص بالظن- حجا يحجو، قال:
قد كنت أحجو أبا عمرو أخا ثقةٍ حتى ألمت بنا يومًا ملمات
وقوله لا لغلبة إلى قوله ولا بخل حجا مشترك بين ظن - ويتعدى إلى مفعولين- وبين غلب في المحاجاة، وقصد، ورد، وساق، وكتم، وحفظ، وهي في هذه متعدية إلى واحد، وبين أقام، وبخل، ولا يتعدى.
стр. 1713
وقوله وعد لا لحسبان قال في الشرح: "ومن أخوات حجا الظنية عد، لا بمعنى حسب، كقول الشاعر:
فلا تعدد المولى شريكك في الغنى ولكنما المولى شريكك في العدم
وكقول الآخر:
/لا أعد الإقتار عدمًا ولكن فقد من قد فقدته الإعدام"
انتهى.
وفي عد "عد" من أفعال هذا الباب خلاف: مذهب الكوفيين أنها من أفعال هذا الباب. وقال بعض أصحابنا: وزاد فيها بعض النحويين عد، وجعل من ذلك قوله:
تعدون عقر النيب أفضل مجدكم بني ضوطري، لولا الكمي المقنعا
ولا حجة في ذلك لاحتمال أن يكون "أفضل مجدكم" بدلًا من: عقر النيب، و"تعدون" من العد الذي يراد به إحصاء المعدود، كما يقال: فلان يعد لنفسه آباء كرامًا.
стр. 1714
وقال أيضًا: يجوز أن تجعل "تعدون" في البيت بمعنى: تحسبون، على طريق التضمين؛ لأنه إذا حسب عقر النيب في مآثره ومجده فقد حسب ذلك مجدًا، فضمن "وعد" التي للعدد معنى حسب التي للظن، فيكون "أفضل مجدكم" مفعولًا ثانيًا على التضمين، وهو جائز في الشعر.
وقال أيضًا: "أفضل مجدكم" نعت لـ"عقر النيب"، وعد بمعنى حسب، كأنه قال: تحسبون عقر النيب الذي هو أفضل مجدكم مما تفخرون به.
واختيار أبي الحسين بن أبي الربيع أن "عد" من أفعال هذا الباب كاختيار المصنف.
وقوله وزعم، لا لكفالةٍ، ولا رياسةٍ، ولا سمنٍ، ولا هزالٍ قال المصنف في الشرح: "ومن أخوات حجا الظنية زعم الاعتقادية، كقول الشاعر:
فإن تزعميني كنت أجهل فيكم فإني شريت الحلم بعدك بالجهل
ومصدر زعم هذه زَعْمٌ وزُعْمٌ. ويقال زعم - بمعنى كفل- زعامة، ومنه قوله ﵇: (الزعيم غارمٌ)، وبهذا المعنى قال الشاعر:
تقول هلكنا إن هلكت، وإنما على الله أرزاق العباد كما زعم
стр. 1715
وبمعنى رأس، فتعدى إلى مفعول واحد مرة، وبحرف جر أخرى. ويقال زعمت الشاة، بمعنى سمنت، وبمعنى هزلت، ولا يتعدى" انتهى.
ويقال: الزعم - بضم الزاي- هو الاسم لا مصدر.
وذكر صاحب العين أن الأحسن في زعم أن توقع على أن، قال: "وقد توقع في الشعر على الاسم، وأنشد بيت أبي ذؤيب:
فإن تزعميني كنت أجهل فيكم ....................................
وقول الآخر:
زعمتني شيخًا، ولست بشيخٍ إنما الشيخ من يدب دبيبا"
/انتهى. ولهذا لم يجئ في القرآن متعديًا إلى اثنين، وإنما جاء بعده أنَّ وأنْ.
وقال السيرافي: "الزعم قول يقترن به اعتقاد صح أو لم يصح". وقال ابن عطية المفسر: "قول لا دليل على فس ٧ اده لا صحته ودركه على قائله". وقال ابن دريد: "أكثر ما يقع على الباطل". والدليل على أنه قد يقع على ما ليس بباطل قول كثير:
وقد زعمت أني تغيرت بعدها ومن ذا الذي يا عز لا يتغير
تغير جسمي، والخليقة كالتي عهدت، ولم يخبر بسرك مخبر
стр. 1716
وفي الحديث (بئس مطية الرجل زعموا). وإذا قال س في كتابه "وزعم الخليل" قيل: فإنما يستعمله فيما انفرد به الخليل، وكان قويًا.
وفي الإفصاح: و (زعم) قد قلنا إنها قد تكون بمعنى علم، وهو قول س. وقال غيره: تكون بمعنى اعتقد، فقد تكون علمًا، وقد تكون تقليدًا، وتكون أيضًا ظنًا غالبًا. وقيل: تكون بمعنى الكذب، كقوله تعالى ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا﴾، وقوله ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾.
وقوله وجعل لا لتصيير قال المصنف في الشرح: "ومن أخوات حجا الظنية جعل الاعتقادية، كقوله تعالى ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إنَاثًا﴾ أي: اعتقدوهم. وهذه غير التي للتصيير - وسيأتي ذكرها- وغير التي بمعنى أوجد، كقوله تعالى ﴿وجَعَلَ الظُّلُمَاتِ والنُّورَ﴾، وغير التي بمعنى أوجب، كقولهم: جعلت للعامل كذا، وغير التي بمعنى ألقى، كجعلت بعض متاعي على بعض، وغير التي للمقاربة، وقد ذكرت في بابها".
وقوله وهب غير متصرف هذا أيضًا فيه خلاف: فذهب المصنف إلى أن
стр. 1717
هب من أفعال هذا الباب، وأنها بمعنى حجا الظنية، وأنشد:
فقلت: أجرني أبا خالدٍ وإلا فهبني امرأً هالكا
وهو مذهب الكوفيين.
واضطرب فيها الأستاذ أبو الحسن، فمرة قال: لا تتعدى إلا إلى واحد، والدليل على ذلك تنكير الثاني وأنه لا يأتي معرفة. ومرة قال: تتعدى إلى اثنين، ومن ذلك قوله:
فهبها أمةً هلكت ضياعًا يزيد أميرها وأبو زيد
قال: والدليل على أن الاسم الثاني مفعول مجيئه معرفة ونكرة، والدليل على أنه إذا كان معرفة ليس بدلًا من الأول مجيء الجملة في موضعه، نحو قوله:
هبني أسأت ....................... .....................................
стр. 1718
ومن ذلك قوله:
/هبيني -يا معذبتي- أسأت وبالهجران قبلكم بدأت
إلا أن ابن عصفور لم يجعلها بمعنى ظن، وإنما جعلها بمعنى اجعل التي بمعنى صير.
وهي أمر من: وهبني الله فداك، أي: جعلني الله فداك، وإنما قال "غير متصرف" لأنه لم يستعمل منها غير فعل الأمر، لا ماضٍ ولا مضارع ولا اسم فاعل، ولا يكون فعل الأمر إلا بصيغة هب، ويتصل به الضمير لمؤنث ومثنى ومجموع، ولا يكون أمرًا باللام.
-[ص: وللثاني علم لا لعلمةٍ ولا عرفان، ووجد لا لإصابةٍ ولا استغناءٍ ولا حزنٍ ولا حقدٍ، وألفى مرادفتها، ودرى لا لختل، وتعلم بمعنى أعلم غير متصرف.]-
ش: يعني بـ"الثاني" النوع الذي يختص باليقين. واحترز بقوله لا لعلمةٍ من علم علمة فهو أعلم، أي: مشقوق الشفة العليا، قال الشاعر:
وحليل غانيةٍ تركت مجدلًا تمكو فريصته كشدق الأعلم
стр. 1719
وبقوله ولا عرفان من علم الموافق في التعدي عرف، نحو قوله ﴿لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾. وإذا تعدت علم إلى واحد فأردت الماهية جاز وقوع الجامد مفعولًا لها، قال الفراء: لا تقول: قد سألت فعلمت عبد الله، إلا أن تريد: علمت ما هو، فلا بد من مشعر بالمعنى، كقولك: إنما سألت لأعرف عبد الله من زيد.
وأما قوله تعالى ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، و ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ﴾ -فقيل: لا يطلق العلم على الله بمعنى المعرفة. وأول قائل ذلك ما ورد من ذلك منسوبًا إلى الله تعالى على تقدير حال أو صفة، أي: وليعلمهم متميزين عن غيرهم بالإيمان أو بما ظهر من صبرهم.
وقال السهيلي: المعرفة تقتضي التمييز وانحياز كل معلوم بتمييز يخصه، وعلم الله لا يكون كذلك. وتأول الآية على العلم بالخبر، والخبر محذوف لدلالة الكلام عليه، كأنه قال: لا تعلمهم منافقين، الله يعلمهم.
وقوله ووجد كقوله ﴿تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا﴾، ﴿وإن وجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾، وقال:
стр. 1720
فلما بلغنا الأمهات وجدتم بني عمكم كانوا كرام المضاجع
ومصدرها وجدان عن الأخفش، ووجود عن السيرافي.
واحترز بقوله لا لإصابة من نحو: وجد فلان ضالته وجدانًا ووجودًا. وبقوله ولا استغناء من وجد بمعنى استغنى، ومصدرها وَجْد ووُجْد وجِدَة. وبقوله ولا حزن/ من وجد بمعنى حزن، ومصدرها وَجْدٌ. وبقوله ولا حقد من قولهم: وجد على الرجل، ومصدرها موجدة.
وقوله وألفى مرادفتها أي: مرادفة وجد التي تتعدى إلى اثنين. وهذه فيها خلاف: فمن النحويين من زعم أنها تتعدى إلى واحد، والثاني هو منصوب على الحال، فيكون ألفى بمعنى أصاب وصادف. وذكر أن الدليل على ذلك التزام العرب التنكير فيه، فلا تقول: ألفيت زيدًا الضاحك، بل: ضاحكًا، فدل على أنه حال، وإلى هذا ذهب ابن عصفور.
وذهب غيره إلى أنها تتعدى إلى اثنين، وإياه اختار المصنف، وأنشد قول الشاعر:
قد جربوه، فألفوه المغيث إذا ما الروع عم، فلا يلوى على أحد
وقول الآخر:
إذا أنت أعطيت الغنى، ثم لم تجد بفضل الغنى، ألفيت ما لك حامد
следующие страницы →