← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17116

التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

أبو حيان الأندلسي

Полный текст (3 950 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

ص: فصل يحكى بالقول وفروعه الجمل، وينصب به المفرد المؤدي معناها والمراد به مجرد اللفظ. وإلحاقه في العمل بالظن مطلقًا لغة سليم، ويخص أكثر العرب هذا الإلحاق بمضارع المخاطب الحاضر بعد استفهام متصل، أو منفصل بظرف، أو جار ومجرور، أو أحد المفعولين، فإن عدم/ شرط رجع إلى الحكاية، ويجوز إن لم يعدم. ش" "القول" مصدر "قال"، ومعناه النطق اللساني/ وينطلق على ما هو موضوع من مفرد وغيره، ولا ينطلق على المهل، فلا يرادف اللفظ، فينطلق على دير مقلوب زيد، ولا رفعج مقلوب جعفر، خلافًا لبعضهم إذا زعم أن "اللفظ" و"القول" مترادفان. وينطلق أيضًا على الاعتقاد والرأي، تقول: فلان يقول بقول الشافعي، تريد الرأي والاعتقاد؛ لأنه يحكي قوله. وينطلق أيضًا على حديث النفس، قال تعالى (وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ)، وقول الشاعر: قالت له النفس: إني لا أرى طمعًا وإن مولاك لم يسلم، ولم يصد ومثال الحكاية بالقول (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا). وقوله وفروعه هي الماضي، نحو (وَقَالُوا سَمِعْنَا). والمضارع، نحو (يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا). والأمر (قُولُوا آَمَنَّا). واسم الفاعل (وَالْقَائِلِينَ

стр. 1822

لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا). وأسم المفعول، نحو قول الشاعر: تواصوا بحكم الجود حتى عبيدهم مقول لديهم: لا زكاة مال ذبي بخل وأسم المصدر، نحو: مقالك الله ربنا إقرار بالربوبية. وقوله وينصب به المفرد المؤدي معناها أي: معنى الجملة، كالحديث والقصة والشعر والخطبة، فتقول: قلت حديثًا، وأقول قصة، وهذا قائل شعرًا وخطبة، هكذا مثل المصنف المفرد المؤدي معنى الجملة. وقسم أصحابنا المفرد إلى مفرد في اللفظ لا في التقدير، وكفرد في اللفظ والتقدير، فإن كان مفردًا في اللفظ لا في التقدير حكي؛ إذا هو جملة في الأصل، فحكمه حكم الجملة المصرح بجزأيها، قال: إذا ذقت فاها قلت: طعم مدامة معتقة مما تجئ به التجر وروى بنصب طعم، فيكون من حكاية الجملة الفعلية، (التقدير) قلت: ذقت طعم مدامة، وروى برفعه، فيكون من حكاية الجملة الاسمية، التقدير: طعمه طعم مدامة. وإن كان مفردًا في اللفظ والتقدير: فإن كان مصدرًا عمل فيه النصب، وإن كان أسمًا للجملة عمل فيه، قالوا: كالحق والباطل، فتقول: قال فلان حقًا، وقال فلان باطلًا.

стр. 1823

واختلف على ماذا ينتصب هذا: فقيل: إنه نعت لمصدر محذوف، أي: قولًا لاحقًا. وقيل: ينتصب على أنه مفعول به. وهو اختيار ابن عصفور وأبن الضائع، فالا: لأن "الحق" اسم جامد، والوصف بالجامد لا ينقاس، نحو: مررت برجل حجر الرأس. قال ابن الضائع: "والأولى أن يكون مفعولًا صحيحًا؛ لأن الحق هو المقول، فهو مفعول به صحيح". انتهى. فإن قلت: إذا قلت:/ قال فلان شعرًا، وقال خطبة، ونحوها، أيجوز أن ينتصب انتصاب المصادر النوعية، نحو: رجع القهقري، وقعد القرفصاء، أم يتعين نصبه على أن يكون مفعولًا به؟ قلت: يظهر الثاني لأنه اسم للجملة، فكما أن الجملة الواقعة بعد القول- وإن كانت محكية- هي في موضع المفعول به، فكذلك الاسم الذي بمعناه- وإن كان مفردًا- أريد به مجرد اللفظ، وهو الذي أراد المصنف بالقول خلاف: منهم من أجازه، ومنهم من منعه. واختار المصنف أن ينصب بالقول، قال: "كقولك: قلت كلمة". وسلفه في هذا القول الزجاجي والزمخشري وابن خروف، وجعلوا من ذلك قوله تعالى (يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ)، لو كان مبنيًا للفاعل لقيل: يقول له الناس إبراهيم، أي: يطلقون عليه هذا الاسم.

стр. 1824

وقال الزجاجي في الجمل: "وإنما قلنا البعض والكل مجازًا". قال ابن خروف: "نصب البعض والكل على تقدير: وإنما قلنا هاتين الكلمتين؛ لأنك تقول: قلت كلمة، كما تقول قولًا، و"القول" يقع على ما يفيد وما لا يفيد" انتهى. فعلى قول هؤلاء ينصب اللفظ بالقول ولا يحكي. وقال ابن عصفور: "والصحيح أنه يحكي، ولا يجوز فيه غير الحكاية". قال: "لأن الحكاية إما أن ترجع إلى اللفظ أو إلى المعنى. باطل أن ترجع في مثل (قال زيدًا عمرًا) إلى المعنى؛ لأن عمرًا اسم شخص، والأشخاص ليست من جنس المقول، فلم يبق إلا أن ترجع الحكاية فيه إلى اللفظ. وإذا كان كذلك فينبغي أن يحافظ على لفظ المتكلم- يريد من رفع أو نصب أو خفض- ولا يغير. وأيضًا فإن هذه المفردات إنما تحكي من كلام المتكلم بها، وباطل أن يتكلم بالمفردات من غير أن يتلفظ بها في جملة، فإذا ثبت أنها مقتطعات من جمل فينبغي أن تعامل معاملة الجمل، وبذلك ورد السماع، قال: إذا ذقت فاها قلت: طعم مدامةٍ ............... وعلى هذا ينبغي أن يحمل قوله تعالى (يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) على تقدير: يقال له إبراهيم، فحكي. ومن رأى الإعراب في المفرد يحمل إبراهيم على أنه مرفوع بيقال" انتهى.

стр. 1825

وقال ابن عصفور أيضًا: "يحتمل أن يكون منادي محذوفًا منه حرف النداء، وأن يكون خبر مبتدأ مضمر، تقديره: أنت إبراهيم. وذهب بعضهم إلى أنه يكون مفعولًا للقول كحق وباطل. وزعم بعضهم انه مرفوع بالإهمال؛ لأنه لم يتقدمه عامل يؤثر في لفظه، إذ القول لا يؤثر فيه قي مهملًا، والمهمل إذ ضم إلى غيره أرتفع، نحو قولهم: واحد، اثنان، برفع (واحد) إذا عدوا، ولم يدخلوا عاملًا في اللفظ ولا في التقدير، وعطفوا بعض أسماء العدد على بعض، وهذا مذهب الأعلم. والصحيح إن المفرد الذي لا يقع من جهة المعنى على الجملة لا يقع بعد القول إلا على إضمار حتى يكون جملة" انتهى. والذي يقتضيه النظر أنه لا يقع بعد القول اللفظ المفرد الذي لا يؤدي معنى الجملة، ولا يكون مصدرًا، ولا يكون مقتطعًا من جملة، ولا يوجد في كلامهم: قال زيدًا عمرًا، ولا: قال فلان ضرب، من غير إسناد، ولا: قال فلان ليست، وإنما يقع القول في كلامهم لحكاية الجمل، وأما (يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) فقد ذكر تأويله، فليس من قبيل: قال فلان عمرًا. وإذا حكيت الجمل فالأصل أن تحكي كما سمعت لفظ الجملة، فإذا قال زيد: عمرو منطلق، أو: انطلقت، قلت: قال زيد عمرو منطلق/ أو: قال زيد انطلق. ويجوز أن تحكي على المعنى بإجماع، فتقول: قال زيد منطلق عمرو، أو المنطلق عمرو. فإن كانت الجملة ملحونة حكيتها على المعنى بإجماع، فتقول قول زيد: "عمرو قائم، وقام عمرو"، بخفض عمرو: "قال زيد: عمرو قائم،

стр. 1826

وقال عمرو، بالرفع" واختلفوا في الحكاية على اللفظ أتجوز أم لا، وصحح أبن عصفور أنها لا تجوز، قال: " لأنهم إذا كانوا يحكمون الجملة المعربة على المعنى فينبغي أن يلتزموا حكاية الجملة الملحونة على المعنى" انتهى. وإذا حكيت كلام متكلم عن نفسه بنحو "انطلقت" فلك أن تحكيه بلفظه من غير تغيير، فتقول: قال فلان انطلقت، ويجوز أن تقول: قال فلان انطلق، أو إنه انطلق، كل هذا جائز. وقوله والحاقة في العمل بالظن مطلقًا لغة سليم هذه اللغة حكاية أبو الخطاب، قال س" "وزعم أبو الخطاب- وسألته عنه غير مرة- أن ناسا يوثق بعربيتهم- وهم بنو سليم- يجعلون باب قلت أجمع مثل ظننت". وعلى هذه اللغة يروي قول آمري القيس: إذا ما جرى شأوين، وابتل عطفه تقول هزيز الريح مرت بأثاب وقوله ويخص أكثر العرب هذا الإلحاق يعني بالإلحاق في العمل بالظن. وقوله بمضارع احتراز من الماضي، نحو: أقلت زيد منطلق، فلا يجوز فيه إلا الحكاية. وذهب السيرافي إلى جواز إعمال الماضي بباقي شروط المضارع،

стр. 1827

فأجاز: أقلت زيدًا منطلقًا. و"س" لم يستثن إلا أتقول، فيظهر منه اختصاصه بالمضارع، وعلى كونه شرطًا أخذه النحويين، فإن سمع من/ كلامهم ذلك في الماضي كان حجه للسيرافي، وإلا فلا يجوز. واحتراز أيضًا من الأمر، فإذا قلت "قل زيد منطلق" فلا يجوز فيه عند البصريين إلا الحكاية. وزعم الكوفيون أن الأمر من القول للمخاطب يجري مجرى الظن في غير لغة بني سليم، كما يجرون المضارع منه مجرى الظن إذا اجتمعت الشروط التي تكون في المضارع، وأنشدوا: إن سليمي من تنازع لبه ومن ينازعها فقله وقد خلج أي: فظنه قد خلع، فإذا استقبلوه بـ "إن" كسروها كما يكسرونها بعد القول، وهذا لا يعرفه الصريون. وقال الفراء: لم أر العرب أوقعت القول بالنصب في شيء من الفعل إلا في التاء، خاطبت بها أو أمرت، فإنهم يقولون: أتقول زيدًا ذاهبًا. وقال صاحب اللباب: "للعرب فيه ثلاثة مذاهب: إعماله مطلقًا، إعماله بشرط الخطاب، إعماله بالشروط المذكورة". وقد تأول بعض أصحابنا قوله "فقله قد خلج". على أنه يحتمل أن يكون الضمير في "فقله" مرفوعًا، والأصل: هو، فسكنت الواو، فإما أن تكون بقيت ساكنة إن كان روي بالسكون، فيكون نظير قوله:

стр. 1828

وهو غيث لنا في كل عام يلوذ به المخول والعديم أو حذفت بعد السكون إن كان روى كذلك، فيكون مثل قوله: فبيناه بشرى رحله قال قائل ............ وقوله المخاطب احترازًا من أن يكون المضارع مسندًا لغائب ظاهر أو مضمر، أو متكلم، نحو: أيقول زيد عمرو منطلق، وزيد أيقول عمرو منطلق، وأأقول زيد منطلق، فهذا ليس فيه على لغة غير سليم إلا الحكاية. وقوله الحاضر يعني أن يكون مقصودًا به الحال، هكذا فسر المصنف هذا الشرط، ولم يذكره غيره فيما أعلم، إنما قالوا: يشترط فيه المضارع- والمضارع يكون للحال وللمستقبل- ولم يقولوا: شرط المضارع أن يكون للحال، بل الظاهر من حيث شرط الاستفهام أنه يكون مستقبلًا؛ ألا ترى إلى قوله: أما الرحيل فدون بعد غد فمتى تقول الدار تجمعنا فليس المعنى على الاستفهام عن ظنه في الحال أن الدار تجمعه وأحبابه، وإنما هو استفهام عن وقوع ظنه لا استفهام على الظن في الحال. وقوله بعد استفهام هو اعم من أن يكون بالهمزة أو بغيرها من أدوات الاستفهام، نحو: أتقول زيدًا منطلقًا، حكي الكسائي أنه سمع أعرابيًا يقول: أتقول

стр. 1829

للعميان عقلًا، يقول: أتظن لهم عقلًا، ومنه قول عمرو بن معدي كرب: علام تقول الرمح عاتقي إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت وفي رواية من نصب الرمح، وقال لآخر: متى تقول القلص الرواسما يدنين أم قاسم وقاسمًا وقوله متصل يعني أداة الاستفهام تتصل بـ "تقول". وقوله أو منفصل بظرف أو جار ومجرورـ أو أحد المفعولين مثال انفصاله بظرف قول الشاعر: أبعد بعد تقول الدار جامعة شملي بهم أم دوام البعد محتومًا ومثال الفصل بالجار والمجرور قولك: أفي الدار تقول زيدًا قائمًا. ومثاله بأحد المفعولين قول الشاعر: أجهالًا تقول بني لؤي لعمرو أبيك أم متجاهلينا وظاهر قول المصنف أنه لا يجوز الفصل إلا بأحد ما ذكر، وذكر غيره أنه يشترط ألا يفصل بين أداة الاستفهام وبين الفعل بأجني، قال: "وأعني بالأجنبي

стр. 1830

ما ليس معمولًا للفعل، فإن كان معمولًا للقول ظرفًا أو غير ظرف لم يعتد بفصله، وأجرى القول مجرى الظن". فعلى هذا يجوز أن يفصل بينهما بالحال إذا كانت معمولة للفعل، نحو قولك: أمجد تقول هندًا راحلة، يجعل مجدًا حالًا من الضمير المستكن في أتقول. فإن كان الفصل بأجيني- وهو ما ليس يكون معمولًا للفعل- نحو قولك: أأنت تقول زيد منطلق، ولم يجز إجراؤه في لغتهم الظن لفصلك بين الأداة والفعل بأجيني منه لأنه ليس معمولًا له، وهذا على مذهب س والأخفش، لا يجوز فيه عندهما إلا بالرفع على الحكاية. وذهب الكوفيون وسائر البصريين إلى جواز النصب، ولم يعتدوا بالضمير فاصلًا. قيل: ووجه قول من لم يعتد هذا الفصل هو أن همزة الاستفهام تطلب الفعل، ف، "أنت" فاعل بفعل مضمر، وذلك الفعل واقع على الأسمين، فينصبهما. وهذا ليس بجيد لأن الحكم إنما هو للفعل الملفوظ به، وذلك الفعل المقدر لا حكم له إلا العمل في الاسم المشتغل عنه خاصة، وما عدا ذلك من الأحكام والعمل فيما عداه من المعمولات لهذا الظاهر، فـ "أنت" في هذه المسألة محمول على إضمار الفعل، غير أن العمل في المفعولين للظاهر، وهو لم تتصل به أداة الاستفهام، فلا ينبغي أن يعمل عمل الظن في الاسمين. فرع: إذا فصلت بينهما. بمعمول لها، نحو: أهندًا تقول زيدًا ضاربًا/، فالذي تقتضيه الأصول جواز الإعمال؛ لأنه كما جاز الفصل بالمعمول

стр. 1831

يجوز الفصل بمعمول المعمول. وقد نقص المصنف والنحويين شرط آخر، نبه عليه أبو زيد السهيلي، فقال: "ويعود القول بمعنى الظن بأربعة شرائط، ذكر النحاة منها ثلاثة، والرابعة تدل عليه أصولهم مع استقراء كلام العرب: الأولى أن يكون الفعل لمخاطب. الثانية أن يكون مضارعًا. الثالثة أن يكون مستفهمًا عنه بأي حرف كان من حروف الاستفهام. الرابعة ألا يعدي الفعل باللام، نحو: أتقول لزيد عمرو منطبق؛ لأنك إذا عديته باللام بعد عن معنى الظن، ولم يكن إلا قولًا مسموعًا؛ لأن الظن من أفعال القلب" انتهى كلامه. ولم يشترط ألا يفصل بما ذكر، ولعله على مذهب من لا يعتبر الفصل البتة. فرع: إذا جاءت "إن" يعد القول فالذي يقتضيه قياس من أعمله إعمال الظن أن يفتحها كما يفتحها بعد الظن. ومن أجاز الحكاية يعد القول يكسرها كما يكسرها بعد القول عاريًا من شروط الإعمال. واختلف نقل النحاة عن العرب في ذلك: فحكي البصريون أن القول إذا أجرى مجرى الظن فتحت "أن" بعده في لغة بني سليم وغيرهم. وحكي الكوفيون أنها تفتح في لغة سليم، وتكسر في لغة غيرهم. قال الفراء: ليس يفتح أن من العرب في التاء إلا بنو سليم. واحتج بقراءة القراء (أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ).

стр. 1832

ووجه ما حكاه البصريون أنه لما أجري مجري الظن في نصب المبتدأ والخبر أجري مجراه في فتح أن. ووجه ما حكاه الكوفيون أن القول لا يجري مجري الظن علي الاطلاق إلا في لغة بني سليم فإنهم لا يشترطون فيه شرطا، فلما استحكم إجراؤه مجري الظن في لغتهم فتحت أن كما تفتح مع الظن، وأما غيرهم من العرب فلا يجرونه مجري الظن إلا بشروط، فلم يستحكم في لغتهم إجراؤه مجري الظن، فلم يفتحوا إن بعده كما فتحوها بعد الظن؛ لأنها حرف استئناف وابتداء، فلم يقو على فتحها إلا الظن أو إجراؤه مجراه كامل بلا شرط كـ"حسب واختلف النحويون في القول الذي أجري في العمل مجري الظن، هل أجري مجراه في العمل خاصة أم في العمل والمعني معا: فذهب الجمهور إلي أنه لا يعمل عمل الظن حتى يضمن معني الظن في اللغة السليمة وغيرها، فإن لم يضمن معني الظن لم يعمل أصلا، ولا تفتح إن بعده، وهذا اختيار أبي الفتح. ويدل علي اشتراط أن يكون المعني علي الظن ان غير بني سليم اشترطوا تلك الشروط في إعماله لتقويتها معني الظن فيها؛ ألا تري أن الاستفهام يقوي معه معني الظن من جهة أن الاستفهام لا يكون إلا عن مظنون لا عن معلوم. وكذلك المستقبل، وقوعه مظنون لا مقطوع به، بخلاف الماضي، وكذلك الخطاب أيضا، يقوي معني الظن، وذلك أن الانسان أكثر ما يستفهم عن ظنه لا عن ظن غيره. والدليل علي أن القول أشرب معني الظن -وإن لم تكن فيه الشروط، وذلك في اللغة السليمة قول الحطيئة:

стр. 1833

إذا قلت أني آيب أهل بلدة حططت بها عنه الولية بالهجر ألا ترى المعنى: إذا قدرت أو ظنت. وزعم النحويون أن القول قد يجري مجري الظن في العمل وإن لم يضمن معناه. واستدل علي ذلك بقول الشاعر: قالت وكنت رجلا فطينا ... هذا-ورب البيت-إسرائينا فليس المعني علي طننت؛ لأن هذه المرأة المخبر عنها رأت هذا الشاعر ضبا، فقالت: هذا إسرائين؛ لأنها تعتقد في الضباب انها من مسوخ بني إسرائيل، وقولها ذلك ليس عن ظن منها، وإنما هو عن اعتقاد اعتقدته، وقطعت به. وإلى هذا المذهب ذهب الأعلم وأبو الحسن بن خروف، واختاره صاحب البسيط. قال ابن عصفور:" ولا حجة في ذلك الاحتمال أن يكون القول في البيت غير مجري مجري الظن في العمل، بل يكون"هذا" مبتدأ، و"إسرائين" علي تقدير مضاف محذوف، هو الخبر، أى: مسخ إسرائين، فحذف المضاف، ولم يقم المضاف إليه مقامه في الإعراب، على حد قراءة من قرأ ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ بخفض ﴿الآخِرَةَ﴾. وقد يمكن أن يكون أراد بـ"قالت"ظنت، وكأنها قالت"هذا إسرائين" معتقدة أن الضباب من مسوخ بني إسرائين، ولم يكن اعتقادها ذلك عن دليل قاطع-جعل ما اعتقدته من ذلك ظنا منها"انتهى. وعلي إعمال"قالت"في الاسمين أنشد المصنف هذا البيت: علي لغة بني سليم. وإسرائين لغة في إسرائيل.

стр. 1834

وقوله: فإن عدم شرط رجع إلي الحكاية تقدم تبيين ذلك. وقوله وتجوز عن لم يعدم أي: تجوز الحكاية بعد"أتقول" وإن كانت الشروط كلها موجودة، فليس إعمالها إعمال الظن واجبا، بل جائز، فتقول: أتقول زيد منطلق. وكذلك في لغة سليم، ليس العمل إعمال الظن عندهم واجبا، بل جائز، وأنشدوا بالوجهين قول الشاعر: علام تقول الرمح يثقل عاتقي ........... وقوله: .................. تقول هزيز الريح مرت بأثأب فالحكاية مراعاة للأصل، والعمل لما شابه من الظن. وعلى الحكاية قراءة من قرأ بالتاء ﴿أَمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْرَاهِيمَ﴾، و"أم" بمعني بل والهمزة، المعني بل أتقولون إن إبراهيم. وأما من قرأ بالياء فقد فات/شرط من شروط إعمالها إعمال الظن، وهو الخطاب، فلا يجوز فتح إن فيه إلا علي لغة سليم. ص: ولا يلحق في الحكاية بالقول ما في معناه، بل ينوى معه القول، خلافا للكوفيين. وقد يضاف:"قول" و"قائل" إلي الكلام المحكي. وقد يعني القول فى صله وغيرها عن المحكي لظهوره، والعكس كثير. وإن تعلق بالقول مفرد لا يؤدي معني جملة، ولا يراد به مجرد اللفظ-حكي مقدرا معه ما هو به جملة، وكذا عن تعلق بغير القول.

стр. 1835

ش: الذي في معنى القول هو النداء والدعاء ونحوهما، فإذا وقعت بعد ناديت أو دعوت أو وصيت أو قرأت جملة فلا تحكى بهذه، بل يضمر القول بعد الفعل، نحو: ﴿ونَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا﴾. ﴿فَأَوْحَى إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾. ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا﴾. ﴿ونَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾. وأنشد الفراء: إني سأبدي لك فيما أبدي لي: شجنان: شجن في نجد وشجن لي في بلاد الهند. فهذه المواضع ونحوها محكية عند البصريين بقول محذوف. أي: فقال يا بني، وقال لَنُهْلِكَنَّ، وقالو لَئِنْ أَنجَيْتَنَا، وقالو لِيَقْضِ، وأقول لي شجنان. قال المصنف: وهو الصحيح لأن حذف القول استغناء عنه بالمقول مجمع عليه في غير محل النزاع كقوله" فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم". أى فيقال: فحذف لدلالة المعني عليه، فحذفه في محل النزاع أولي لأنه مدلول عليه بدلالتين: معنوية، ولفظية. وأيضا بقاء المحكي وحذف القول نظير بقاء المفعول وحذف الفعل، وذلك في الكلام كثير، فيلحق به النظير. وأيضا فقد جاء القول مصرحا به، فدل علي صحة التقدير عند عدم التصريح، نحو قوله ﴿ونَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُم قَالُوا

стр. 1836

مَا أَغْنَى عَنكُمْ﴾ ﴿ونَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ﴾ ﴿إذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًا قَالَ رَبِّ﴾ انتهى. وقوله" وأيضا بقاء المحكي وحذف القول نظير بقاء المفعول وحذف الفعل" ليس نظيرا، بل هو منه لأن المحكي هو مفعول، فكان الأجود أن يقول: وإبقاء المحكي وحذف الفعل من باب بقاء المفعول وحذف الفعل. والذى يظهر أن قول الكوفيين أرجح لأنه ليس فيه إضمار، ولأنه يكون في الفعل تكرار؛ لأنه يؤدى إلي صدور نداء وقول، ووحى وقول، ونفس النداء والدعاء والوحي هو معني القول، فقد حصل التكرار وإن لم يكن تكرار، فيلزم ما نودي به وما دعي به وما أوحي محذوفا، وأنت تري مصب النداء/ علي قوله ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب﴾،ومصب الوحي على ﴿لَنُهْلِكَنَّ﴾، ومصب الدعاء على قوله ﴿لَئِنْ أَنجَيْتَنَا﴾، لا علي غيرها. فينبغى أن يعتقد فيها أن الجمل معمولة لها إذ هي محكية بها. وأما حيث صرح بالقول بعد هذه الأفعال وشبهها فيضطر إذ ذاك على جعل الجمل محكية بالقول. وينبغي أن يعتقد أن تلك الأفعال معمولاتها محذوفة، وأن مصبها غير مصب القول؛ لئلا يلزم من ذلك تكرار الفعل. وأيضا فإن تلك الأفعال هي أخص من مطلق القول، فلا يكون القول مفسرا لها. والذى يدل علي عدم الإضمار أن"أن" التفسيرية جاءت بعد هذه

стр. 1837

الأفعال، نحو قوله ﴿فَأَوْحَى إلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا﴾، ولو كان القول مضمرا لما جيء بـ"أن" التفسيرية؛ لأنهما لا تأتي بعد القول، ولكنه لما كان لهذه الأفعال اعتباران: أحدهما: مراعاة دلالتها أولا- وهي أنها لا تدل علي مطلق القول-احتيج إذ ذاك إلي تفسير، فجيء بعدها بـ"أن" المفسرة لذلك الفعل. والثاني: شبهها بالقول من حيث هي قول مخصوص، أجريت مجري القول، فحكي بها. وإلى اختيار مذهب الكوفيين ذهب ابن عصفور، قال:"وقد يجري مجري القول، فتحكي بعده الجمل (رأيت وسمعت) وكل فعل معناه القول، نحو قرأت ودعوت وناديت، ومنه ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ﴾، بكسر (إني)، وكذلك تقول: قرأت بالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، ومنه قول الشاعر: تنادوا بـ "الرحيل غدا" وفي ترحالهم نفسي برفع الرحيل. ومنه بيت ذي الذمه: سمعت " الناس ينتجعون غيثا" ........................ " وما قاله ابن عصفور هو اختيار ابن الضائع وقوله: قال وقد ذكر أن سمعت ورأيت يحكى بهما، قال: " ويجري مجراه كل فعل معناه القول، كقرأت

стр. 1838

ودعوت وناديت، قال تعالى ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ﴾ فيمن كسر إن، وتقول: قرأت الحمد لله، وبالحمد لله ومنه: تنادوا بـ (الرحيل غدا) البيت. وقوله وقد يضاف القول وقائل إلى الكلام المحكي وذلك أن قولا هو مصدر، فكما أن المصدر يضاف إلى مفعوله فكذلك القول، وذلك إذا كان يتقدر بحرف مصدري والفعل، ومن ذلك قول الشاعر: قول يا للرجال ينهض منا ... مسرعين الكهول والشبانا وأما "قائل" فهم اسم فاعل، حكمه حكمه، فحيث تجوز إضافة اسم الفاعل تجوز إضافة "قائل"، ومن ذلك قول الشاعر: وأجيب قائل كيف أنت بصالح ... حتى مللت، وملني عوادي ومن روى "بصالح" بالرفع فتقديره: بقول أنا صالح، فحذف القول، وأقيمت الجملة مقامه، ثم حذف صدر الجملة، وبقى عجزها. وقوله وقد يغني القول في صلة وغيرها عن المحكي لظهوره مثاله في الصلة قوله: لنحن الألى قلتم، فأنى ملتئم ... برؤيتنا قبل اهتمام بكم رعبا أى: قلتم تقاتلونهم أو نقاتلهم.

стр. 1839

ومثاله في غير صلة قال المصنف: "قولك: أنا قال زيد، ولو رآني لفر، أى: قال زيد يغلبني" قال المصنف: "ومن الاستغناء في الصلة بالقول عن المحكي قول الشاعر: لم يا عرو لم تعذ بالذي قلـ ... ـت، فتلقاه إذ خذلت نصيرا" انتهى. وتقديره بالشخص الذي قلت أنا أعوذ به، أو إنك تعوذ به. وقوله والعكس كثير يعني الاستغناء بالمحكي عن القول، نحو ﴿أَكَفَرْتُم﴾، ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾، ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾، أى: فيقال لهم أَكَفَرْتُم، ويقولون سَلامٌ ويقولون مَا نَعْبُدُهُمْ. وقد تقدمت الإشارة إلي حذف القول وإبقاء الجملة المحكية في أول الفصل الذي هو آخر فصول باب المبتدأ. وقوله وإن تعلق إلي قوله ما هو به جملة وذلك المقدر قد يكون ناصبا وحذف، كقوله ﴿قَالُوا سَلامًا﴾، أو ما يقتضي المرفوع، كقوله ﴿قَالَ سَلامٌ﴾. فيجوز أن يكون مبتدأ-أي: عليكم سلام-حذف خبره، أو خبرا-أي: تحيتكم سلام-وحذف مبتدؤه. ويجوز في العربية رفعهما، ونصبهما، ورفع الأول

стр. 1840

ونصب الثاني، وهو عكس الآية، وقال الشاعر: مررنا، فقلنا: إيه سلم! فسلمت ... كما اكتل بالبرق الغمام اللوائح وقوله وكذا إن تعلق بغير القول أى: تضمر ناصبا إن كان ذلك المفرد منصوبا، أو ما يطلب الرفع بحالتيه من مبتدأ أو خبرإن كان مرفوعا، وذلك إن تعلق المفرد بغير قول. فيحكي ذلك النصب أو الرفع لأنه بعض جملة، فلو كان على خاتم منقوشا "محمد"، وعلقت به قرأت أو رأيت أو لمحت وشبهها- لقلت: قرأت في خاتمة محمد، فترفع علي حسب مراد الناقش ذلك في خاتمة، ويقدر ما يفهم من مراده، أى: صاحبه محمد، أو: محمد صاحبه ولو كان المنقوش"محمداً" بالنصب لقلت: قرأت في خاتمه محمداً، فتنصب على حسب/مراد الناقش؛ إذ الحكاية مستولى عليه في الوجهين. ومن ذلك قول الشاعر: وأصفر من ضرب دار الملوك ... يلوح علي وجهه جعفرا وصف دينارا نقش فيه اسم جعفر البرمكي، كأنه قال: يلوح على وجهه اقصدوا جعفرا، أي: هذا الكلام، فأسند"يلوح" إلى الجملة، والجملة فاعل "يلوح".

стр. 1841

وإذا كان الفعل مما يمكن تعلقه بالخط وبالصورة فإنه تكون فيه الحكاية باعتبار الخط فقط، والإعراب باعتبار الصورة فقط، بخلاف ما إذا كان تعلقه باللفظ، كسمعت أو قرأت، أو بالخط ككتبت ومثاله: رأيت في خاتمه أسداً. فإن كان المرئي صورة أسد فلا يجوز فيه إلا الإعراب. كما تقول: رأيت زيدا، وهو مجاز؛ إذ المرئي ليس أسدا حقيقة، ولا يوصف إذ ذاك إلا بوصف مرئي فتقول: رأيت فيه اسدا مفتوح الفم. ولا يوصف بوصف معنوي في الأسد الحقيقي فلا يقال: رأيت فيه أسدا شجاعا، ولا أسدا أبخر، ولا أسدا خبيثا؛ لأن هذه الأوصاف لا تقوم بالأسد المصور. وصفته علي حسب إعرابه فتقول: في خاتمه أسد مفتوح الفم، ونظرت في خاتمه إلي أسد مفتوح الفم، [ورأيت في خاتمه أسدا مفتوح الفم]،و"في خاتمه" يتعلق رأيت، ويجوز أن يتعلق بمحذوف إذ كان صفة للأسد، فلما تقدمت كان فى موضع الحال. وإن كان المرئي خطأ فتقدمت أحكامه، وأنه يحكى بحسب الإعراب المقدر فيه؛ لأن المفرد ليس مصدرا ولا اسما للجملة لا يصح فيه إعراب إلا بتقدير تركيب جملة. فيحكي كما تحكي سائر الجمل، فإذا قلت"رأيت خاتمه أسدا" فنصبه بإضمار فعل، ورفعه بإضمار مبتدأ، ائتوا أسدا، وما أشبهه، وأنا أسدا، وما أشبهه مما تدل عليه حال صاحب الخاتم. ولا يوصف مثل هذا إلا بـ"مكتوب" أو "مكتوبه" أو ما في معناها. فإذا انثت ذهبت إلى الجملة، وإذا ذكرت ذهبت إلى الكلام. فتقول: رأيت في فصه أسداً مكتوبا أو مكتوبة، وهما منصوبان علي الحال. وكذلك: رأيت في فصه أسدٌ

стр. 1842

مكتوبًا أو مكتوبة, لأن الجملة تصير بمنزلة العلم, وعومل بذلك لأنه ليس له ما يلتبس به. قال ابن الضائع: "ليس هذا التعليل بشيء, ألا ترى أن شمسًا ونحوه نكرة وإن لم يكن له ما يلتبس به, وإنما كان معرفة لأنه اسم للفظ المكتوب, كما تقول: "قام فعل ماض", فـ "قام" اسم علم للفظ, وكذلك "أسد" هنا اسم علم مكتوب, والمعنى فيهما التعريف, وهو ظاهر من قصد المتكلم, وإرادة التنكير به بعيد, فإن اقترن به ما يقربه جاز, ويكون (مكتوبًا) صفة" انتهى. قال ابن عصفور: "إن قيل: لم لم يقل ذهب إلى معنى الاسم أو الكلمة؟ فالجواب: أنه ليس في هذا الموضع باسم مفرد, بل هو جملة, ولو كان مفردًا لم تجز حكايته إذ حكاية المفرد شاذة, لا يقاس عليها, نحو "دعنا من تمرتان", و"ليس بقرشيا", والمجرور الذي هو "في فصه" متعلق بـ (رأيت) لا بمحذوف, لأنه - كما تقدم - إنما يحكى على معنى الجملة, ومعنى الجملة ليس بكائن في فصه, وإنما في الفص هذا الاسم خاصة, وهو على حذف, وذلك المحذوف مقدر في النفس, وليس في الفص شيء, والمحذوف مبتدأ, وهو: أنا, والذي هو (أسد) خبره". قال الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: "لا فرق عندي بين المسألتين", يعني مسألة "رأيت في فصه أسدًا" على معنى الصورة, وعلى معنى الكتابة, قال: "بل يجوز أن يكون المجرور مع الجملة ظرفًا للجملة, كما هو ظرف للصورة, لأنك إذا قلت (رأيت أسدًا) إنما معناه: هذا الكلام, و (أسد) وحده ليس كلامًا, لكنه مع

стр. 1843

ذلك المقدر كلام, وأنت لم تر إلا الاسم فقط لا ذلك المقدر, فكما أنك تقول: رأيت أسدًا, ومعناه (هذه اللفظة) التي هي في هذا الموضع جملة, فكذلك الفص ظرف لهذه اللفظة التي هي جملة من غير فرق في ذلك, وبهذا ينفصل عن اعتراض أن المرئي ليس ألا الاسم, فكيف تحكي الجملة وأنت لم ترها, لأن هذا الاسم المفرد جملة في هذا الموضع, فرؤية هذا الاسم المفرد رؤية للجملة, لأنه جملة هنا, فكذلك الفص ظرف لهذا الاسم الذي هو جملة, لا فرق بينهما" انتهى. والبيت الذي تقدم إنشاده "وأصفر" أنشده شيخنا ابن الضائع "وأحمر", قال: وأنشده (يلوح) بالياء, أي: يظهر على وجهه, فـ (جعفرًا) محكي, فنصب (جعفر) في الدينار إنما هو على تقدير: اقصدوا جعفرًا, فحكي, وأنشده الفراء بالتاء, واستشهد به على لحت الشيء بمعنى أبصرته, فيجوز على هذا أن يكون (جعفرًا) محكيا, ويجوز أن يكون (جعفرًا) مفعولًا صريحًا, كأنه أراد: تبصر على وجهه ضاربة, ويجوز أن يكون (جعفرًا) فاعلًا, أي: تلوح على وجهه هذه الجملة, ويجوز مع الياء أن يكون فاعل (يلوح) ضميرًا يعود على الدينار, و (جعفرًا) محكي فاعل بالمجرور, وهو في موضع نصب على الحال.

стр. 1844

-[ص: فصل تدخل همزة النقل على "علم" ذات المفعولين, و"رأى" أختها, فتنصبان ثلاثة مفاعيل, أولها الذي كان فاعلًا, ويجوز حذفه, والاقتصار عليه على الأصح, وللثاني والثالث بعد النقل ما لهما قبله مطلقا, خلافًا لمن منع الإلغاء والتعليق.]- ش: هذه الهمزة تسمى همزة النقل, وهمزة التعدية, فتسمى همزة النقل لأنها تنقل الفعل من اللزوم إلى التعدية لواحد, ومن التعدية لواحد إلى التعدية إلى اثنين, ومن التعدية إلى اثنين إلى التعدية إلى ثلاثة, وذلك أقصى ما يتعدى إليه الفعل من المفعول به, وتسمى همزة التعدية لأنها تعدي بدخولها اللازم إلى واحد, والمتعدي لواحد إلى أثنين, والمتعدي إلى اثنين إلى ثلاثة. وقوله ذات المفعولين احتراز من "علم" المتعدية إلى واحد كـ "عرف", فإنها إن نقلت بالهمزة تعدت إلى اثنين, نحو: أعلمتك الحساب. وقوله و"رأى" أختها أي: بمعنى علم المتعدية إلى اثنين, واحترز بذلك من "رأى" المتعدية إلى واحد بمعنى أبصر, فإنها إن نقلت بالهمزة تعدت إلى اثنين, نحو: أريتك زيدًا. وقوله فتنصبان ثلاثة مفاعيل الأحسن أن يضبط "ثلاثة" بالتنوين, لأن "مفاعيل" صفة, ولا يضاف العدد إلى الصفة إلا في الشعر أو في قليل من الكلام, بل تتبع الصفة اسم العدد في الإعراب, فتقول: عندي ثلاثة قرشيون, وكان الشيخ بهاء الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم النحاس الحلبي - رحمة الله - نبه على ذلك في قوله س " هذا باب الفاعل الذي يتعداه فعله إلى ثلاثة مفعولين"

стр. 1845

حين قرأت عليه كتاب س, فقال: "ينبغي أن يضبط (إلى ثلاثة) بالتنوين, لأن (مفعولين) صفة لـ (ثلاثة) ". وقوله أولها الذي كان فاعلًا لأن الفعل كان قبل دخول الهمزة: علم زيد عمرَا قادمًا, ثم لما أدخلت الهمزة صار: أعلمت زيدًا عمرًا قادمًا, وكذلك في (رأى) أختها. وقوله ويجوز حذفه, والاقتصار عليه في الأصح مثاله أن تقول: أعلمت كبشك سمينًا, فتحذف المعلم, ومثال الاقتصار عليه: أعلمت زيدًا, وتحذف المفعولين, جرى هذا المفعول الأول في الحذف والاقتصار عليه مجرى المفعول الأول في باب (أعطى) بجامع ما اشتركا فيه من كونه فاعلًا في المعنى, كما جاز ذلك في كل مفعول أثر فيه الفعل, ولأن الفائدة لا تعدم في حذفه وإبقاء المفعولين, إذ من غرض المتكلم أن يعلم بالمفعولين, ولا يذكر المعلم, ومن غرضه أن يذكر المعلم, ولا يذكر ما أعلمه به. وذكر المصنف جواز الحذف والاقتصار عليه في الأصح, وهي مسألة خلاف كما ذكر, والذي اختاره هو مذهب أبي العباس, وأبي بكر, وابن كيسان, وخطاب الماردي, والأكثرين, وروي عن المازني, فيجوز الاقتصار عليه وعنه لأنه لا يرتبط بهما, ولا يرتبطان به, فصار مثل كسوت, وعرفت زيدًا, واحتج خطاب بقوله تعالى﴾ قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ﴿. وقال أبو علي: "هذا لا يدل, وذلك أنه قد يجوز أن يكون عامله معاملة

стр. 1846

الأصل, وأصله /الخبر, فجرى مجرى خبرني, كما أن رأيت - وإن دخلها معنى أخبرني - فإن ذلك لن يخرجها من احتياجها إلى المفعولين, فهذا يحتج به من لم ير الاقتصار فيها على المفعول الأول دون صاحبيه" انتهى. وأقول: ليست الآية مما يستدل به على ما زعم خطاب, لأن هذا الحذف للمفعولين والاقتصار على الفاعل ليس بحذف اقتصار, وإنما هو حذف اختصار, وهو جائز, و (نبأ) في الآية على بابها, ليست مضمنة معنى أعلم, ألا ترى إلى تعديتها أولًا بالباء في قوله﴾ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ ﴿: نبأها بإفشائه عنه قالت من أنبأك هذا عني﴾ قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ﴿, أي: نبأني عنك به العليم الخبير. وإلى جواز حذف الأول وإبقاء الأخيرين, وحذف الأخيرين وإبقاء الأول ذهب شيخنا أبو الحسن بن الضائع وأبو جعفر بن الزبير. وذهب س إلى أنه لا يقتصر عنه ولا عليه, والأول في أعلم كالفاعل في علم, فكما لا يقتصر على الفاعل في علم كذلك لا يقتصر في أعلم, وبهذا قال ابن الباذش, وابن طاهر, وابن خروف, والأستاذ أبو علي, وابن عصفور, وهو قياس قول أبي الحسن الأخفش - لا بد من الثلاثة - لأنه يرى الفاعل في أعلم لا يقتصر عليه, وعلمت وظننت في ذلك سواء, واحتج لذلك بأنها كلم دخلت لمعنى في الخبر, وما كان كذلك لا بد له من الخبر, مثل كان وحروف الابتداء.

стр. 1847

قال الفارسي: فإن قيل إنها جملة, فتستغني مثل الجمل التي يتعلق بمعناها ما بعدها لا يستغني, كجملة القسم والشرط وما يحتاج إلى جواب, إلا أن هذا ينخرم بما ذكره س في: ظننت ذاك,﴾ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ ﴿, و"من يسمع يخل", إلا أن يجعل ورود مثل هذا قليلًا, وقد كثر غيره, ولا يحمل على القليل, وكان الفارسي يستحسن هذا المذهب في "الحلبيات" وغيرها من كتبه. ونقل عن الأستاذ أبي علي انه ذهب إلى أنه لا يجوز أن يقتصر على الأول, فتقول: أعلمت زيدًا, ولا عليه وعلى أحد الأخيرين, ويجوز الاقتصار على الأخيرين وحذف الأول, فتقول: أعلمت كبشك سمينًا, فصارت المذاهب ثلاثة: مذهب الجمهور, ومذهب س ومن تبعه, ومذهب الأستاذ أبي علي. وذكر بعض معاصرينا - وهو عبد العزيز بن جمعة بن زيد الموصلي - من نحاه بغداد ما نصه: "والأظهر انه لا يجوز حذف المفعول الأول من هذا الباب لأنه فاعل في المعنى, ولأنه يؤدي إلى اللبس في نحو: أعلمت زيدًا عمرًا عاقلًا.

стр. 1848

ومنهم من أجازه لأنه فضله, وأما حذف الأخيرين فجائز على الأصح لأنهما في حكم مفعولي ظننت". والذي نختاره هو أن يرجع في ذلك إلى السماع, فإن وجد محذوفًا مبقى المفعولان دونه اقتصارًا, أو مبقى هو محذوفًا مفعولا الفعل - أجزناه, وإلا فالمنع. وفي البسيط: وكان ابن السراج لا يجيز الاقتصار في هذا المتعدي إلى الثلاثة, ويجوز فيها دخول الباء, فيقول: أعلمتك بزيد, كما في: علمت به, ولا تدخل على الأول كما لا تدخل في ضربت بزيد, ويقع بدلهما أن وأن على نحو ما تقدم في ظننت, ولا يكون ذلك في صيرت وأخواتها لقوة المفعولية. وقوله وللثاني والثالث بعد النقل ما لهما قبله مطلقًا يعني من جواز حذفهما وحذف أحدهما اختصارًا, ومنع حذفهما وحذف أحدهما اقتصارًا, ومن التقديم والتأخير, وغير ذلك من الأحكام التي سبقت لـ "علمت" وأخواتها, إجماعًا واختلافًا وتقسيمًا. وقوله خلافًا لمن منع الإلغاء والتعليق ذهب قوم إلى منع الإلغاء والتعليق في أعلم وأخواتها مطلقًا, سواء أبنيت للفاعل أم بنيت للمفعول, وخص بعضهم ذلك بالمبني للفاعل, وهو اختيار الجزولي. وقال الأستاذ أبو على: "المذهب الصحيح أنه لا يجوز الإلغاء عن المفعولين, سواء أبني للفاعل أم للمفعول, والعلة في أن لم تلغ هذه الأفعال إذا

стр. 1849

بنيت للفاعل من كونها أفعالًا مؤثرة, بخلاف ظننت وبابه, موجودة فيها إذا بنيت للمفعول كوجودها إذا بنيت للفاعل, فكيف توجد العلة ثم لا يوجد حكمها, ولكن غر الجزولي ذكر س أرى, وهي مضارع أريت بمعنى أظننت, فتخيل أن باقي أفعال الباب كأرى", قال: " وإنما جاز إلغاء أرى وحدها لأنها بمعنى أظن, وأظن غير مؤثرة, فجرت مجراها في الإلغاء كما جرت مجراها في المعنى". قال المصنف في الشرح: "وحاصل قول الأستاذ أبي على أمران: أحدهما: أن أعلم مؤثر, فلا يلغى, كما لا تلغى الأفعال المؤثرة. والثاني: أن أرى ألغي لأنه بمعنى أظن, فوافقه في الإلغاء كما وافقه في المعنى. والجواب عن الأول أن يقال: من أجاز أعلم لم يجزه بالنسبة إلى المعلم, فيكون في إلغائها محذور, وإنما أجازه بالنسبة إلى المسند والمسند إليه, وهما غير متأثرين بأعلم, كما هما غير متأثرين بعلم, فلا يمتنع إلغاء أعلم عنهما, كما لم يمتنع إلغاء علم. والجواب عن الثاني أن يقال: إلحاق أرى بأظن لأنه بمعناه ليس بأولى من إلحاق أعلمت بعلمت, بل الأمر بالعكس, لأن مفهوم علمت مستفاد من أعلمت كاستفادة مفهوم أظن من أرى, فالمناسبتان مستويتان, وبين أعلمت وعلمت مناسبتان أخريان, وهما: رجوعهما إلى مادة واحدة, واستواؤهما في التصرف, بخلاف أرى وأظن, لأنهما مختلفتان في المادة وفي التصرف, أما التخالف في المادة فظاهر, وأما في التصرف فلأن أرى لم يستعمل له ماضٍ, فقد

стр. 1850

بان أن مناسبة أرى لأظن أضعف من مناسبة أعلمت لعلمت, وأرى قد جرت مجرى أظن, فإذا جرت أعلمت مجرى علمت كان ذلك أحق وأولى" انتهى. وما ذهب إليه من أن أرى لم يستعمل منه ماض ليس بصحيح, نص على ذلك س, ولقلة اشتغال المصنف بكتاب س غاب ذلك عنه, وسيأتي ذكر ذلك في آخر هذا الباب. وقال أبو الحسين بن أبي الربيع: " لا يجوز الإلغاء في أعلم وأخواتها لأن مبني الكلام عليها, ولا تجيء بعد ما مضى الكلام على الابتداء فتلغى, ولا أعلم في هذا خلافًا" انتهى, وقد علمه غيره كالأستاذ أبي علي والمصنف. وفي البسيط: " أما الإلغاء في هذه فلا يكون لأنها عاملة في المفعول الأول لا بالنسبة, فليس أصلها ترك العمل بمنزلة ما تقدم من تلك الأفعال, وذلك ظاهر في أعلمت, لأنه لا يبقى بعدها كلام تام لأجل المفعول الأول إذ لا يكون مبتدأ, ولأن صير وبابه ليس من أفعال القلوب كما تقدم, ولا يصح إلغاء أعلمت عن المفعولين وإعمالها في الأول لأنه حكم بقوة وضعف معًا, ولا يكون, وجوزه الجزولي" انتهى. وقال عبد العزيز بن جمعة: "ولا يجوز تعليقها ولا إلغاؤها ولا إضمار الشأن فيها, فإن المفعول الأول معلم, وضمير الشأن لا يتصور إعلامه لكونه مجهولًا" انتهى. والحكم في هذا السماع, وهذه الأقيسة كلها طائحة, لكنا ذكرناها لئلا يخلو كتابنا عن علل النحاة وأقيستهم, وقد سمع الإلغاء في أعلم متوسطة,

стр. 1851

قال الشاعر: وكيف أبالي بالعدا ووعيدهم وأخشى ملمات الزمان الصوائب وأنت - أراني الله - أمنع عاصم وأرأف مستكفى وأسمح واهب فألغى أرى متوسطًا, ومثله قول بعض من يوثق بعربيته: البركة - أعلمنا الله - مع الأكابر. وأما التعليق فاختار المصنف جوازه, واستدل على ذلك بقوله تعالى ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ , وقوله تعالى ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ , فعلى ينبئ وأدرى لأنهما بمعنى يعلم وأعلم, فتعليقهما لتضمنهما حروف يعلم وعلم أحق. قال المصنف: "ومن تعليق أفعال هذا الباب قول الشاعر: حذار, فقد نبئت إنك للذي ستجزى بما تسعى, فتسعد أو تشقى وقال صاحب الملخص: "أما التعليق فاختلف فيه: فمنهم من أجاز أعلمت زيدًا لعمرو شاخص مستدلًا بقوله تعالى ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ , ومنهم من ذهب إلى أنها لا يكون فيها تعليق, وجعل الآية بمنزلة قوله تعالى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ,

стр. 1852

فقوله ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ جملة تفسير الموعود] به [, وكذلك ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ تفسير المنبأ به, وعلى هذا أكثر النحويين, وهو عندي المختار" انتهى كلامه. وممن أجاز التعليق عن المفعولين صاحب البسيط فيما كان من أفعال القلوب, نحو أعلمت, واستدل بالآية ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ﴾ لا جائز أن ينتصب بخبر إن, ولا بـ"يُنَبِّئُكُم"؛ لأنه يكون تقييدًا للتنبيء, لا على الظرف, ولا على الاتساع, بل بإضمار فعل, تقديره: تعلمون ذلك إذا مزقتم, وفصل به على سبيل الاعتراض. وجعل المصنف ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ من تعليق أدرى بمعنى أعلم. ولا حجة فيه على ذلك؛ لأن الأكثر في كلام العرب تعدية درى بحرف جر, تقول: دريت به, والأقل تضمينها معنى علم, فتقول: دريت زيدًا قائمًا, كما تقول: علمت زيدًا قائمًا, وإذا كان كذلك, ودخل عليها همزة التعدية - تعدت إلى واحد بنفسها, وإلى الآخر بحرف جر, كما هو الأكثر فيها قبل دخول همزة التعدية, قال تعالى ﴿وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ , فقوله تعالى ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ ليس قوله ﴿مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ سادا مسد المفعولين, فيكون بمنزلة أعلم في ذلك, وإنما سدت مسد المفعول الذي يتعدى إليه بحرف الجر, فهي جملة في موضع النصب, تنوب عن مفعول واحد, أصله بحرف الجر, والدليل على أن أدرى لا يكون في التعدية إلى ثلاثة كأعلم أن الذين استقروا كلام العرب من جميع النحويين والبصريين إنما أنهوها إلى سبعة أفعال, ولم يذكروا فيها أدرى بمعنى أعلم.

стр. 1853

-[ص: وألحق بهما سيبويه نبأ, وزاد غيره أنبأ وخبر وأخبر وحدث, وزاد الأخفش أظن وأحسب وأخال وأزعم وأوجد, وألحق غيرهم أرى الحلمية سماعًا. وما صيغ للمفعول من ذي ثلاثة فحكمه حكم ظن إلا في الاقتصار على المرفوع.]- ش: المجمع على تعديته إلى ثلاثة أعلم وأرى, وزاد س نبأ, قال المصنف: "وزاد غيره أنبأ" , وذكر ابن هشام أن س زاد نبأ وأنبأ, وذكر أبو علي: والجرجاني هذه الأربعة فقط, وزاد الفراء أخبر وخبر, ذكر ذلك في معانيه, وزاد الكوفيون حدث, قالوا: ولم يحفظ عن العرب مما يتعدى إلى ثلاثة غيرها, وهذا يدل على خلاف ما ذهب إليه المصنف من جعل أدرى متعدية إلى ثلاثة كما ذكرناه قبل. وما زاده الفراء والكوفيون من أخبر وخبر وحدث لم يحص عند س, أو لم يسمعها, أو تأول ما سمع منها, ولم يذكرها المتقدمون من البصريين, وقد ذكرها جماعة من المتأخرين كالزمخشري وأكثر أصحابنا, وقياسها إذا صحت أن تكون محمولة على أعلم.

стр. 1854

وذكر الحريري في (شرح الملحة) له فيما يتعدى إلى ثلاثة "علم" المنقولة بالتضعيف من علم المتعدية لاثنين. والذي ذكر أصحابنا أن "علم" المتعدية إلى اثنين لم تنقل إلا بالهمزة, وأن "علم" المتعدية إلى واحد لم تنقل إلا بالتضعيف ليفرق بذلك بين المعنيين, ولم توجد "علم" متعدية إلى ثلاثة في لسان العرب. وقال صاحب اللباب: "المستعمل من ذلك بلا خلاف أعلم وأرى, فأما أنبأ ونبأ فإلى واحد بنفسه, وإلى ثان بحرف جر, وأخبر وخبر وحدث كنبأ, وإنما تعدت إلى ثلاثة تشبيهًا بأعلم, وقد ذهب بعضهم إلى أن أنبأ تتعدى لاثنين بنفسها مستدلًا بقوله ﴿مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا﴾ , ولا دليل فيه لأن استعماله بحرف الجر أكثر". وقال ابن ولاد: "أنبأ ونبأ يستعملا كثيرًا على أصلهما, فتقول: أنبأته عن كذا, وبكذا, وكذا نبأ", قال: "وتستعمل أعلم استعمالهما, فتقول: أعلمت زيدًا بأمرك, وعن خبرك". وكان الأستاذ أبو علي يقول في بعض إقراءاته بالثلاثة التي ذكر س, وهي أعلم وأرى ونبأ, ويقول في أنبأ وخبر وأخبر وحدث: إن الأصل تعديتها بحرف الجر, فإن سمع تعديها صريحًا فاتساع, وزعم أن حدث إنما سمعوا تعديتها إلى ثلاثة في قول الشاعر: أو منعتم ما تسألون, فمن ... حدثتموه, له علينا الولاء قال: ولا دليل فيه لأنه إنما وصل بالتضمين, وإذا لم يكن يصل بنفسه إلا

стр. 1855

في هذا فلا دليل فيه, بل يكون كقوله: إذا رضيت على بنو قشير .............................. والظاهر من كلام س أن نبأ يتعدى إلى اثنين, ثانيهما بحرف جر, قال س: "وكما قال: نبئت زيدًا, يريد: عن زيد". وقال أبو العباس: "نبئت يتعدى لمفعولين كأعلمت, فيكون الأول مفعولًا, والجملة في موضع الثاني, ولا يدعى إسقاط الحرف لأنه لا يقاس". رد عليه أبو علي, فقال: "سمع الإسقاط, والأصل حر الجر, والتعدي إلى ثلاثة هو فرع, وإذا احتمال أصلًا وفرعًا حمل على الأصل". انتهى. واستدل المبرد على أن نبأ يتعدى إلى ثلاثة, أحدهما المفعول الذي لم يسم فاعله, والثاني والثالث مبتدأ وخبر - بقول الشاعر: ونبئت عبد الله بالجو أصبحت كرامًا مواليها, لئيمًا صميمها فكيف يستدل س على أن نبئت زيدًا هو على حذف حرف الجر - أي: عن زيد - بهذا البيت؟ ولا حجة له فيه إذ هو تعدى فيه إلا ثلاثة. قال أصحابنا: وما قاله المبرد خطأ لأن س لم يستدل بالبيت على ما ذكر, بل العرب تقول: نبئت زيدًا, على معنى: نبئت عن زيد, وأورد س البيت على أنه محتمل أن يكون قد حذف منه حرف الجر؛ لأن تعديته إلى ثلاثة إنما هي

стр. 1856

بالتضمين معنى ما يتعدى إلى ثلاثة, والتضمين ليس بقياس, بل هو تجوز, وحذف حر الجر مجاز, فتكافأ عنده. ومما جاء دليلًا على ما ذكروا من تعدية هذه الأربعة الأفعال إلى ثلاثة قول الشاعر: نبئت زرعة - والسفاهة كاسمها - يهدي إلى غرائب الأشعار وقول الآخر: ونبئت قيسًا - ولم أبله كما زعموا - خير أهل اليمن وقول الآخر: وخبزت سوداء القلوب مريضة فأقبلت من أهلي بمصر أعودها وقول الآخر: ماذا عليك إذا أخبرتني دنفا وغاب بعلك يومًا أن تعوديني وقول الحارث بن حلزة: أو منعتم ما تسألون ... البيت. واختار المصنف في الشرح ألا تلحق هذه الأفعال الأربعة في التعدي بأعلم؛ لأنه لا يكون من باب إسقاط حرف الجر, كما قال س فيما حكى عن بعض العرب نبئت زيدًا, أي: عن زيد, واقتصر عليه, وكما جاء في قوله ﴿مَنْ

стр. 1857

أَنبَأَكَ هَذَا﴾ , فحذف حرف الجر بعد نبأ مقطوع بثبوته, ويعد أنبأ؛ إذ لا يمكن أن يكون الثالث محذوفًا مقتصرًا على المفعولين؛ لأن الثالث هو خبر للمبتدأ على ما زعموا أنها تتعدى إلا ثلاثة, ولا يجوز الاقتصار على المبتدأ دون الخبر, ويكون المنصوب الثالث منصوبًا على الحال, وكذلك الجملة الواقعة الموقعة. قال المصنف: "وقد حمل س على حذف الحرف قول الشاعر: ونبئت عبد الله , البيت. مع إمكان إجرائه مجرى أعلمت, فدل ذلك على أن تقدير حرف الجر راجح عنده؛ إذ ليس فيه إخراج شيء عن أصله, ولا تضمين شيء معنى شيء, ولم يثبت الإجراء مجرى أعلم إلا حيث يحتمل حذف الحرف, فكان الحمل عليه أولى, هذا في نبأ مع كثرة استعمالها بالصورة المحتملة, وأما أخواتها فيندر استعمالها بتلك الصورة", قال المصنف: "هذا أراه أظهر وإن كان غيره أشهر" انتهى. وما قرره من أن هذه الأفعال الأربعة لا تلحق في التعدي بأعلم يعكر على استدلاله أن أعلم يجوز فيها التعليق عن مفعوليها مستدلًا بقوله تعالى ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ , وبقوله:

стр. 1858

حذار, فقد نبئت إنك للذي, البيت. لأن نبأ هذه المعلقة ليست تتعدى إلا ثلاثة؛ إذ لم يثبت لها ذلك, فلا يكون في تعليقه على صحة ثبوته دليل على تعليق أعلم وأرى, فقد ناقض المصنف في الاستدلال على أن التعليق يجوز فيما يتعدى إلا ثلاثة, وزعم هنا أن ما استدل به على التعليق لا يتعدى إلا ثلاثة, وهذا تناقض واضح. ومن ذكر أن نبأ وأنبأ وأخبر وخبر وحدث تتعدى إلا ثلاث جعل ذلك من باب التضمين, وأن الهمزة والتضعيف ليس في هذه الأفعال للنقل والتعدية, بل الكلمة بنيت عليهما, ولم تقل العرب نبأ ولا خبر ولا حدث بمعنى علم فتتعدى إلى اثنين, وإنما نقلوا نبأ خفيفة بمعنى أخبر, فتتعدى تعديتها. ووقع لأبي علي الفارسي في (الإيضاح) أن هذه الأفعال منقولة بالهمزة أو بتضعيف العين من الفعل الذي يتعدى إلى مفعولين, ولا يجوز الاقتصار على أحدهما دون الآخر, وليس منهما ما نقل بالهمزة إلا أعمل وأرى, وما عداهما مضمن معنى أعلم عند من يقول بتعديها إلى ثلاثة. وأجاب بعضهم عن أبي علي بأنه اعتقد أن ما عدا أعلم وأرى منقول من فعل متعد إلى مفعولين, أصلهما المبتدأ والخبر, وإن لم ينطق به, كما أن يذر ويدع مضارعان لـ"وذر" و "ودع" وإن لم ينطق بهما, والذي حمله على ذلك أنهما لما أجريت مجرى أعلم, فعديت تعديتها - وجب أن تجعل منقولة كما أن أعلم كذلك, وادعاء التضمين أسهل من هذا الذي ذكر. وفي البسيط: "خبر وأخبر ونبأ وأنبأ وحدث استعملت في كلامهم على

стр. 1859

ثلاثة أنحاء: متعدية إلى اثنين, أحدهما بحرف الجر, نبأت زيدًا عن حال عمرو, والثاني إلى اثنين ﴿مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾ , والثالث إلى ثلاثة. واختلفوا: فقيل: هي أصل فيما يتعدى إلى ثلاثة, وقيل: أصل فيما يتعدى إلى اثنين, وقيل: هي أصل فيما يتعدى إلى واحد وإلى الثاني بحرف الجر. والمضعف منها أو بالهمزة قيل: هي أصل بنفسها, ليس منقولة من فعل آخر تضعيفًا ولا بالهمزة لفظًا ولا تقديرًا؛ لأنه لم يسمع لها بأصل, وقيل: لا يبعد في المعنى أن يكون لها أصل لا يتعدى, فيدل على قيام الخبر بالنفس كما تقول ظننت, ثم أردت الخبر عند غيرك, فتعدى في المعنى, واستغنى عنه بغيره, فيكون مما لم ينطق لها بأصل كمذاكير ونحوه" انتهى وفيه بعض تلخيص. وقوله وزاد الأخفش أظن وأحسب وأخال وأزعم وأوجد هذا الذي ذكره الأخفش هو اختيار أبي بكر بن السراج, قال أبو بكر: تقول: أظننت زيدًا, فتسكت, كما تقول: أعلمت زيدًا, وهذا الذي ذكره الأخفش هو قياس, لا أنه مسموع من العرب, بل قاس ذلك على علم ورأي, فكما أنه نقل بالهمزة علم ورأى فكذلك يجوز ذلك في أخواتهما, والذي يظهر من مذهب س أن النقل بالتضعيف سماع في المتعدى واللازم, وبالهمزة قياس في اللازم سماع في المتعدي, ومن النحويين من ذهب إلى أن ذلك مقيس في التضعيف

стр. 1860

والهمزة فيهما, ومنهم من ذهب إلى السماع فيهما. وقد رد مذهب الأخفش بأن الهمزة إنما يتعدى بها اللازم ليلحق بالمتعدي لواحد, والمتعدى لواحد ليلحق بما يتعدى إلى اثنين, وليس لنا ما يتعدى إلى ثلاثة بالأصالة فيلحق بها ما يتعدى إلى اثنين, فكان القياس ألا يعدى أعلم وأرى, لكن سمع فيهما التعدية على خلاف الأصل, فقبل, ولم يقس عليهما غيرهما, وقد وافق الأخفش على منع: أكسيت زيدًا عمرًا ثوبًا. وفي البسيط: التعدية بالتضعيف وحرف الجر ليس قياسًا, فلا يقاس على ما سمع منه وأما الهمزة فأربعة مذاهب: ١. ليس بقياس كالتضعيف والحرف. ٢. قياس في كل فعل, وهو مذهب الأخفش والأعلم. ٣. قياس من كل فعل إلا في باب علمت, وهو رأي أبي عمرو وغيره. ٤. قياس من كل فعل غير متعد لم تدخله الهمزة لمعنى ما, وقيل: هذا رأي س, قال: "ليس كل فعل بمنزلة أولني, فلا تقول أخذني" أي: اجعلني أخذًا. ويظهر من كلامه في موضع آخر أنه قياس؛ لأنه ذكر أن الهمزة للتعدية, وذكر أمثلة, وقال: هو كثير, ومستند القياس الكثرة , وهو ظاهر رأي أبي علي. ومما كتب عن الأستاذ أبي جعفر بن الزبير: أجاز الأخفش النقل في
следующие страницы →