Полный текст (3 950 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
بالتضمين معنى ما يتعدى إلى ثلاثة, والتضمين ليس بقياس, بل هو تجوز, وحذف حر الجر مجاز, فتكافأ عنده.
ومما جاء دليلًا على ما ذكروا من تعدية هذه الأربعة الأفعال إلى ثلاثة قول الشاعر:
نبئت زرعة - والسفاهة كاسمها - يهدي إلى غرائب الأشعار
وقول الآخر:
ونبئت قيسًا - ولم أبله كما زعموا - خير أهل اليمن
وقول الآخر:
وخبزت سوداء القلوب مريضة فأقبلت من أهلي بمصر أعودها
وقول الآخر:
ماذا عليك إذا أخبرتني دنفا وغاب بعلك يومًا أن تعوديني
وقول الحارث بن حلزة:
أو منعتم ما تسألون ... البيت.
واختار المصنف في الشرح ألا تلحق هذه الأفعال الأربعة في التعدي بأعلم؛ لأنه لا يكون من باب إسقاط حرف الجر, كما قال س فيما حكى عن بعض العرب نبئت زيدًا, أي: عن زيد, واقتصر عليه, وكما جاء في قوله ﴿مَنْ
стр. 1857
أَنبَأَكَ هَذَا﴾ , فحذف حرف الجر بعد نبأ مقطوع بثبوته, ويعد أنبأ؛ إذ لا يمكن أن يكون الثالث محذوفًا مقتصرًا على المفعولين؛ لأن الثالث هو خبر للمبتدأ على ما زعموا أنها تتعدى إلا ثلاثة, ولا يجوز الاقتصار على المبتدأ دون الخبر, ويكون المنصوب الثالث منصوبًا على الحال, وكذلك الجملة الواقعة الموقعة.
قال المصنف: "وقد حمل س على حذف الحرف قول الشاعر:
ونبئت عبد الله , البيت.
مع إمكان إجرائه مجرى أعلمت, فدل ذلك على أن تقدير حرف الجر راجح عنده؛ إذ ليس فيه إخراج شيء عن أصله, ولا تضمين شيء معنى شيء, ولم يثبت الإجراء مجرى أعلم إلا حيث يحتمل حذف الحرف, فكان الحمل عليه أولى, هذا في نبأ مع كثرة استعمالها بالصورة المحتملة, وأما أخواتها فيندر استعمالها بتلك الصورة", قال المصنف: "هذا أراه أظهر وإن كان غيره أشهر" انتهى.
وما قرره من أن هذه الأفعال الأربعة لا تلحق في التعدي بأعلم يعكر على استدلاله أن أعلم يجوز فيها التعليق عن مفعوليها مستدلًا بقوله تعالى ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ , وبقوله:
стр. 1858
حذار, فقد نبئت إنك للذي, البيت.
لأن نبأ هذه المعلقة ليست تتعدى إلا ثلاثة؛ إذ لم يثبت لها ذلك, فلا يكون في تعليقه على صحة ثبوته دليل على تعليق أعلم وأرى, فقد ناقض المصنف في الاستدلال على أن التعليق يجوز فيما يتعدى إلا ثلاثة, وزعم هنا أن ما استدل به على التعليق لا يتعدى إلا ثلاثة, وهذا تناقض واضح.
ومن ذكر أن نبأ وأنبأ وأخبر وخبر وحدث تتعدى إلا ثلاث جعل ذلك من باب التضمين, وأن الهمزة والتضعيف ليس في هذه الأفعال للنقل والتعدية, بل الكلمة بنيت عليهما, ولم تقل العرب نبأ ولا خبر ولا حدث بمعنى علم فتتعدى إلى اثنين, وإنما نقلوا نبأ خفيفة بمعنى أخبر, فتتعدى تعديتها.
ووقع لأبي علي الفارسي في (الإيضاح) أن هذه الأفعال منقولة بالهمزة أو بتضعيف العين من الفعل الذي يتعدى إلى مفعولين, ولا يجوز الاقتصار على أحدهما دون الآخر, وليس منهما ما نقل بالهمزة إلا أعمل وأرى, وما عداهما مضمن معنى أعلم عند من يقول بتعديها إلى ثلاثة.
وأجاب بعضهم عن أبي علي بأنه اعتقد أن ما عدا أعلم وأرى منقول من فعل متعد إلى مفعولين, أصلهما المبتدأ والخبر, وإن لم ينطق به, كما أن يذر ويدع مضارعان لـ"وذر" و "ودع" وإن لم ينطق بهما, والذي حمله على ذلك أنهما لما أجريت مجرى أعلم, فعديت تعديتها - وجب أن تجعل منقولة كما أن أعلم كذلك, وادعاء التضمين أسهل من هذا الذي ذكر.
وفي البسيط: "خبر وأخبر ونبأ وأنبأ وحدث استعملت في كلامهم على
стр. 1859
ثلاثة أنحاء: متعدية إلى اثنين, أحدهما بحرف الجر, نبأت زيدًا عن حال عمرو, والثاني إلى اثنين ﴿مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾ , والثالث إلى ثلاثة.
واختلفوا: فقيل: هي أصل فيما يتعدى إلى ثلاثة, وقيل: أصل فيما يتعدى إلى اثنين, وقيل: هي أصل فيما يتعدى إلى واحد وإلى الثاني بحرف الجر.
والمضعف منها أو بالهمزة قيل: هي أصل بنفسها, ليس منقولة من فعل آخر تضعيفًا ولا بالهمزة لفظًا ولا تقديرًا؛ لأنه لم يسمع لها بأصل, وقيل: لا يبعد في المعنى أن يكون لها أصل لا يتعدى, فيدل على قيام الخبر بالنفس كما تقول ظننت, ثم أردت الخبر عند غيرك, فتعدى في المعنى, واستغنى عنه بغيره, فيكون مما لم ينطق لها بأصل كمذاكير ونحوه" انتهى وفيه بعض تلخيص.
وقوله وزاد الأخفش أظن وأحسب وأخال وأزعم وأوجد هذا الذي ذكره الأخفش هو اختيار أبي بكر بن السراج, قال أبو بكر: تقول: أظننت زيدًا, فتسكت, كما تقول: أعلمت زيدًا, وهذا الذي ذكره الأخفش هو قياس, لا أنه مسموع من العرب, بل قاس ذلك على علم ورأي, فكما أنه نقل بالهمزة علم ورأى فكذلك يجوز ذلك في أخواتهما, والذي يظهر من مذهب س أن النقل بالتضعيف سماع في المتعدى واللازم, وبالهمزة قياس في اللازم سماع في المتعدي, ومن النحويين من ذهب إلى أن ذلك مقيس في التضعيف
стр. 1860
والهمزة فيهما, ومنهم من ذهب إلى السماع فيهما.
وقد رد مذهب الأخفش بأن الهمزة إنما يتعدى بها اللازم ليلحق بالمتعدي لواحد, والمتعدى لواحد ليلحق بما يتعدى إلى اثنين, وليس لنا ما يتعدى إلى ثلاثة بالأصالة فيلحق بها ما يتعدى إلى اثنين, فكان القياس ألا يعدى أعلم وأرى, لكن سمع فيهما التعدية على خلاف الأصل, فقبل, ولم يقس عليهما غيرهما, وقد وافق الأخفش على منع: أكسيت زيدًا عمرًا ثوبًا.
وفي البسيط: التعدية بالتضعيف وحرف الجر ليس قياسًا, فلا يقاس على ما سمع منه وأما الهمزة فأربعة مذاهب:
١. ليس بقياس كالتضعيف والحرف.
٢. قياس في كل فعل, وهو مذهب الأخفش والأعلم.
٣. قياس من كل فعل إلا في باب علمت, وهو رأي أبي عمرو وغيره.
٤. قياس من كل فعل غير متعد لم تدخله الهمزة لمعنى ما, وقيل: هذا رأي س, قال: "ليس كل فعل بمنزلة أولني, فلا تقول أخذني" أي: اجعلني أخذًا.
ويظهر من كلامه في موضع آخر أنه قياس؛ لأنه ذكر أن الهمزة للتعدية, وذكر أمثلة, وقال: هو كثير, ومستند القياس الكثرة , وهو ظاهر رأي أبي علي.
ومما كتب عن الأستاذ أبي جعفر بن الزبير: أجاز الأخفش النقل في
стр. 1861
الأفعال كلها قياسًا فيما لا يتعدى, وفيما يتعدى إلى واحد, وفيما يتعدى إلى اثنين, والمبرد لا يجيزه قياسًا, ويقف على السماع, والفارسي يجيزه فيما لا يتعدى وفيما يتعدى إلى واحد قياسًا؛ لأن لهما أصلًا في الأفعال يشبهان به, ولم يجزه فيما يتعدى إلى اثنين لأنه ليس له أصل يشبه به؛ لأن ما يتعدى إلى ثلاثة فرع؛ إذ هو منقول, وأما س فأحسن ما فهم عنه أنه يجيز النقل فيما لا يتعدى, فيصير متعديًا إلى واحد قياسًا, مع أن من الناس من فعم عنه منع ذلك, بل يقف عن السماع, على نحو مذهب المبرد.
وقوله وألحق بعضهم أرى الحلمية سماعًا قال المصنف في الشرح: "ومما ينبغي أن يلحق بأعلم وأرى أختهما أرى الحلمية, كقوله تعالى ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ , فإنه قد ثبت إجراء رأي الحلمية مجرى رأي العلمية - واستدللت على ذلك فيما سلف - فلزم من ذلك تعديتها إلا ثلاثة بهمزة النقل مع مساعدة الاستعمال, كما لزم ذلك في الفعلين الآخرين لصحة الاستعمال, وكان التنبيه عليها لثبوتها سماعًا دون معارض أولى من التنبيه على ما لم يثبت إلا بما فيه معارضة واحتمال.
وأما أرى المنقولة من متعد إلى واحد فمتعدية إلى اثنين, ثانيهما غير الأول, وهي على ضربين: أحدهما من الرأي, كقوله تعالى ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ﴾ , والثاني من رؤية البصر, كقوله تعالى ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾
стр. 1862
انتهى كلامه.
وما ذهب إليه من أن أرى الحلمية تتعدى إلى ثلاثة سماعًا مستدلًا بقوله ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ ليس بجيد؛ لأنا قد نازعناه في ثبوت أن رأى الحلمية تتعدى إلى اثنين كلعمت, وبينا أن استدلاله على ذلك بقوله ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ , وبقول الشاعر:
أراهم رفقتي , البيت.
لا حجة فيه, ولئن سلمنا أن رأى الحلمية تتعدى إلى اثنين فلا يلزم من ذلك أن تعدى بالهمزة إلى ثلاثة؛ ألا ترى أن ظن وزعم وحسب ووجد تتعدى إلى اثنين, ولا يجوز أن تعدى بالهمزة إلى ثلاثة, وإنما اضطر في رأى الحلمية لذلك على زعمه لتعديها إلى ضمير متصل, وقد رفعت الضمير المتصل, فاضطر إلى القول بذلك, وأما في قوله تعالى ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ فهذا المعنى مفقود, فانتصاب ﴿قَلِيلًا﴾ على الحال, والذي يدل على أنه حال جواز الحذف فيه والاقتصار على المنصوبين قبله, فتقول: أراني الله في منامي زيدًا, وكذلك قبل همزة النقل تقول: رأيت في منامي زيدًا, فلو كان مفعولًا ثالثًا لما جاز حذفه اقتصارًا؛ لأنه لا يجوز حذف الخبر اقتصارًا.
وقوله وما صيغ للمفعول إلى آخره يعني أنه إذ ذاك يصير كظننت, فما جاز في ظننت جاز في أعلمت, قال المصنف: "إلا في الاقتصار على المرفوع, فإنه غير جائز في ظن وأخواتها لعدم الفائدة, جائز في أعلم وأخواتها لحصول الفائدة" انتهى.
стр. 1863
وهذا على ما اختاره, وقد تقدم الخلاف في الاقتصار على فاعل ظننت وأخواتها, وأن في ذلك ثلاثة مذاهب, وتقدم أيضًا الخلاف في الاقتصار على فاعل أعلم الأول, والخلاف جار فيها إذا بنيت للمفعول, ومثال ذلك: أعلمت زيدًا قائمًا, وحدثت زيدًا منطلقًا, فأعلمت إعلام, وحدثت إخبار, وفعل واحد ليس إعلامًا ولا إخبارًا, وهو أريت بمعنى أظننت, فأريت لم ينطق لها بفعل مبني للفاعل متعد إلى ثلاثة, فهو مبني من فعل مسند للفاعل لم ينطق به, ولم ينطق أيضًا بأظننت الذي أريت بمعناها, وحكم المضارع حكم الماضي في ذلك, فتقول: أرى زيدًا ذاهبًا, ونرى زيدًا ذاهبًا, وقد نص س وغيره من النحويين على أنه فعل بني للمفعول, ولم يبن للفاعل, وهو في معنى أظن, ولا يكون مفعولها الأول إلا ضمير المتكلم على أكثر ما سمعت ماضية, نحو أريت, ومضارعًا نحو أرى ونرى, ويكون أيضًا ضمير المخاطب, نحو قولهم: كم ترى الحرورية رجلًا, ونحو قوله تعالى ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ في قراءة من ضم التاء.
стр. 1864
-[ص: باب الفاعل
وهو المسند إليه فعل أو مضمن معناه, تام, مقدم, فارغ, غير مصوغ للمفعول, وهو مرفوع بالمسند حقيقة إن خلا من "من" و "الباء" الزائدتين, وحكما إن جر بأحدهما, أو بإضافة المسند, وليس رافعه الإسناد, خلافًا لخلف, وإن قدم ولم يل ما يطلب الفعل فهو مبتدأ, وإن وليه ففاعل فعل مضمر يفسره الظاهر, خلافًا لمن خالف.]-
ش: لما كان الكلام بنعقد من مبتدأ وخبر, وينشأ عنه نواسخ, ومن فعل وفاعل, وينشأ عنه الفعل والمفعول الذي لم يسم فاعله, وفرغ من المبتدأ ونواسخه - شرع في باب الفاعل, فحده بأنه "المسند إليه فعل", والمسند إليه أعم من أن يكون ظاهرًا أو مضمرًا, مصرحًا باسميته أو مقدرًا, فمثال المقدر أن وأن وما ولو عند من يثبت ذلك, فتقول: يعجبني أنك تقوم, وأن تقوم, وما قمت, و:
ما كان ضرك لو مننت ... ............
التقدير: قيامك, ومنك, ولا يقدر بالاسم إلا حرف مصدري مع ما دخل عليه, وهذا مذهب أبي العباس وأبي علي وجمهور البصريين, لا يكون عندهم الفاعل إلا اسمًا أو مقدرًا به مع ما ذكر.
وذهب هشام وثعلب وجماعة من الكوفيين إلى أنه يجوز أن يسند الفعل للفعل, فأجازوا: يعجبني يقوم زيد, وظهر لي أقام زيد/ أم عمرو.
стр. 1865
واستدلوا بقوله ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ﴾ , وقول الشاعر:
وما راعني إلا يسير بشرطة وعهدي به قينا يفش بكير
وقول الآخر:
فإن كان لا يرضيك حتى تردني إلى قطري لا أخالك راضيًا
وذهب الفراء وجماعة إلى جواز ذلك بشرك أن يكون العامل فعلًا قلبيًا.
والصحيح المنع, وقد سبق الكلام على هذه المسألة في أول الكتاب, وأمعنا الكلام هناك في قوله "وصلاحيته بلا تأويل لإخبار عنه".
وقال المصنف في الشرح: "الفاعل يكون اسمًا, وغير اسم, كقول الشاعر:
يسر المرء ما ذهب الليالي ... وكان ذهابهن له ذهابًا
وكقول الآخر:
ما ضر تغلب وائل أهجوتها أم بلت حيث تلاطم البحران"
стр. 1866
قال: "فلذلك قلت: المسند إليه, ولم أقل: الاسم المسند إليه". ويظهر منه مذهب هشام ومن ذكره معه؛ لأن البيت الذي هو:
ما ضر تغلب وائل أهجوتها ....................
هو نظير ما أجازه هشام من قوله: ظهر لي أقام زيد أم عمرو.
والصحيح أنه لا يجوز, فينبغي تأويل البيت على ما يخرجه عن ظاهره, وإلا عد من الشذوذ بحيث لا يقاس عليه.
وفي البسيط: "احتجوا بوقوعه مفعولًا, نحو: ظننت زيدًا يضرب, فيكون فاعلًا, وبأنه يكون بـ (أن) باتفاق, ولا زيادة لها في المعنى, وليس لها في اللفظ تأثير, ولا يخرج الفعل عن كونه فعلًا, فليجر دونها, ولأنه يقع بدلها الإشارة إليها, فتقل: وقع ذلك, وقيل ذلك, فتشير نحو جملة فناب عنها, ولا ينوب إلا عما يصح هناك, ولأنها تقام مقام المفعول الذي لم يسم فاعله في نحو: قيل إن زيدًا منطلق, ونحوه, وهو كالفاعل, وقال ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ , وقال ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ , وهو فاعل.
وأجيب عن الأول بأنه على التشبيه, والأصل الابتداء, وعن الثاني بأنها دخلت للشك في المعنى ولإرادة المصدر, وبأن الإشارة ليست لها, إنما هي لمعنى الجملة, ولأن فعل القول عمل نصبًا معنى, فكان رافعًا معنى, وبأن الآية على التعليق, كما في الاستفهام في: سواء على أقمت أم قعدت, وطأ حرف التعليق للفعل, كما في: ظننت ليقوم زيد, فلا يجوز دون التعليق, وفي الآية
стр. 1867
إضمار, أي: بدا لهم أمر أو بدو, فأضمره لدلالة الفعل عليه, وكذلك: قيل لهم قول هو هذا, وتبين لكم تبين" انتهى, وفيه بعض تلخيص.
وقوله أو مضمن معناه الذي يرفع الفاعل غير الفعل هو اسم الفاعل وما أجرى مجراه في العمل من الأوصاف والجوامد بشرط الاعتماد, والصفة المشبهة وغير المشبهة, والأمثلة, والمصدر المنحل بحرف مصدري والفعل, والاسم الموضوع موضع الفعل مصدرًا كان أو غير مصدر, واسم الفعل, والظرف والمجرور إذا اعتمدا, خلافًا للأخفش في الاعتماد؛ لأنه لا يشترطه لا في اسم الفاعل ولا في الظرف والمجرور.
وقوله تام احتراز من أن يكون ناقصًا, نحو كان وأخواتها, وقد سمي مرفوعًا س فاعلًا, ومنصوبها مفعولًا على سبيل التوسع.
وقوله مقدم هذا حكم من أحكام الفاعل, فذكره في الحد لا يناسب, إنما يحد بالأشياء الذاتية, ولكونه حكمًا وقع فيه الخلاف: فذهب البصريون إلى أنه يجب تقديم العامل على الفاعل, وذهب الكوفيون إلى جواز ذلك, واستدلوا بقول الشاعر:
فظل لنا يوم لذيذ بنعمة فقل في مقيل نحسه متغيب
وبقول الآخر:
стр. 1868
ولا بد من عوجاء تهوى براكب إلى ابن الجلاح شيرها الليل قاصد
ويقول الآخر:
ما للجمال, مشيها وئيدًا أجندلًا يحملن أم حديدًا
وأنشده المصنف: سيرها وئيدًا, قالوا: التقدير: فقل في مقيل متغيب نحسه, وقاصدًا سيرها؛ إذ لو لم يكن التقدير هذا لقال: قاصدة؛ لأنه صفة لعوجاء, ووئيدًا مشيها.
وتأول البصريون هذا السماع على أن "نحسه" مرفوع بـ"مقيل", و"مقيل" مصدر وضع موضع اسم الفاعل, يقال: قال نحسه: إذا سكن, كأنه قال: فقل في مكان أو في زمان سكن نحسه وغاب, فيكون معناه ومعنى "متغيب" واحدًا.
وقيل: نحسه: مبتدأ, ومتغيبي: هبر على أن الياء ياء النسب, دخلت في الصفة للمبالغة, كما قالوا في أحمر: أحمري, وفي دوار: دواري, وخفف الياء في الوقف, كما قال:
............................. وبذاك خبرنا الغداف الأسودي
فيمن رواه كذلك, يريد: الأسودي.
وقيل: مقيل اسم مفعول من قلته بمعنى أقلته, أي: فسخت عقد مبايعته,
стр. 1869
فاستعمل موضع متروك مجازًا, قال المصنف في الشرح: "وهو قول ابن كيسان".
وأما "سيرها الليل" فمبتدأ وخبر, وقاصد صفة لعوجاء على حذف التاء, كما قالوا: ناقة ضامر, ويحتمل أن يكون قاصد صفة لراكب, و"سيرها الليل" جملة اعتراضية, لا في موضع الصفة العوجاء.
وأما "مشيها وئيدًا" فمشيها بدل من الضمير المستكن في قوله للجمال؛ لأنه في موضع خبر المبتدأ الذي هو "ما" قال المصنف في الشرح: "يجعل سيرها مبتدأ, ويضمر خبر ناصب وئيدًا, كأنه قال: ما للجمال سيرها ظهر وئيدًا, أو ثبت وئيدًا, فيكون حذف الخبر هنا والاكتفاء بالحال نظير قولهم: حكمك مسمطًا, ولو كان مما لا يمكن تأويله لحمل على أنه مما تقدم فيه الفاعل على العامل ضرورة".
وثمرة الخلاف تظهر في نحو: الزيدان قام, والزيدون قام, فالكوفيون يحيزون ذلك, والبصريون لا يحيزونه, هكذا ذكر الخلاف في هذه المسألة أصحابنا, وابن الذهان في (الغرة) , وكذا ذكر ابن كيسان عن ثعلب ما يدل على جواز ذلك.
وقد رأيت في بعض التعاليق عن أبي القاسم الزجاجي أنه قال: "أجمع النحويون على أن الفاعل إذا قدم على فعله لم يرتفع به, فقال البصريون: يرتفع بالابتداء, ويصير الفعل خبرًا عنه, وضميره في الفعل يرتفع به, وللكوفيين فيه
стр. 1870
ثلاثة أقوال: قال بعضهم: زيد يرفع بالمضمر الذي في قام, وقال آخرون: هو رفع بما عاد عليه من ذلك المضمر, وقال آخرون: هو رفع بموضع قام؛ لأن الموضع موضع خبر, وبه كان يقول ثعلب, ويختاره" انتهى ما لخصناه من كلام الزجاجي.
وقوله فارغ قال المصنف في الشرح: "وخرج بـ"فارغ" المبتدأ إذا قدم خبره وفيه ضمير, ونحو: قائم زيد, ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ على القول بأن ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مبتدأ مقدم خبره" انتهى.
ولا يحتاج إلى هذا القيد أصلًا؛ لأنه ذكر في حد الفاعل أولًا أنه "المسند إليه فعل أو مضمن معناه" فبعد أن فرض أنه مسند إليه ما ذكر من الفعل أو المضمن معناه لا يمكن ذكر "فارغ" في القيد؛ لأن قائمًا من قولك "قائم زيد" على تقدير أنه خبر مقدم لم يسند لـ"زيد", إنما أسند إلى ضميره, وكذا (أسروا) على هذا التقدير لم يسند إلى ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ , إنما أسند لضميرهم, ولا فرق بين أن تقول "ما أسند إليه الفعل" وبين أن تقول "ما فرغ له الفعل" فلا حاجه إلى قوله بعد ذلك "فارغ".
وقوله غير مصوغ للمفعول احترز به من نحو: ضرب زيد, فإن المفعول الذي لم يسم فاعله يشرك الفاعل فيما ذكر إلا في هذا الوصف, وقد يطلق عليه
стр. 1871
بعض النحويين فاعلًا.
وقوله وهو مرفوع بالمسند حقيقة إن خلا من "من" و "الباء" الزائدتين المسند هوا ما عددناه قبل من أن يرفع الفاعل, ومعنى حقيقة أي: لفظًا ومعنى.
وقوله إن جر بأحدهما مثاله ﴿مَا يَاتِيهِم مِّن ذِكْرٍ﴾ , أي: ذكر, ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾ , أي: كفى الله.
وقوله أو بإضافة المسند مثاله ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ قال المصنف في الشرح: "وقلت بإضافة المسند, ولم أقل (بإضافة المصدر) لأن المسند الصالح للإضافة قد يكون اسم مصدر كما يكون مصدرًا, فالمصدر ظاهر, وغير المصدر كقول النبي ﷺ (من قبلة الرجل امرأته الوضوء) , فالرجل مجرور اللفظ مرفوع المعنى بإسناد (قبلة) إليه, فإنهما قائمة مقام تقبيل, ولذا انتصب بها المفعول, وكذا المجرور بمن والباء, مرفوع معنى, ولو عطفت أو نعت لجاز في المعطوف والنعت الجر باعتبار اللفظ, والرفع باعتبار المعنى". انتهى.
وجمهور البصريين لا يرون أن اسم المصدر يعمل, فإن صح (من قبلة الرجل امرأته الوضوء) فالنصب في (امرأته) يكون بمضمر, تقديره: يقبل امرأته, ولا يكون موضع الرجل رفعًا, بل هو مجرور, فكان الأولى على طريقة الجمهور أن يقول: أو بإضافة المصدر, وسيأتي حكم اسم المصدر في (باب إعمال المصدر)
стр. 1872
إن شاء الله.
وفي البسيط" ((الفعل يدل على الفاعل المطلق, فاحتاج إلى التعيين. واختلفوا في دلالته عليه:
فقيل: هي كدلالته على مطلق الزمان والمصدر, وليست دلالته عليه بأضعف من المصدر والزمان, ولذلك كان الرتبة عليهما, وأقل ذلك أن يكون مثلهما؛ إذ لا يكون منهما.
وقيل: إنما يدل عليه بالالتزام؛ لأنه لما دل على وجود شيء في زمان, وذلك الشيء معنى؛ لأن المصادر معان, والمعان لابد لها من محال, فدل على المحل بهذا الطريق كما دل على المكان, ولا نسلم أن دلالته ليست بأضعف؛ لأن دلالته على المصدر لفظية, وعلى الزمان صيغة, وليس الفاعل أحدهما, والاستدلال بعدم الاستغناء لا يدل على ذلك, بل على نقيضه؛ لأن ما دل عليه لا يحتاج إلى ذكره, فدل على أن الاحتياج إلى الفاعل ليس لقوة الدلالة بل لحصول الإفادة.
وإذا ثبت أنه يدل عليه- وهو لا يخلو/ من أحوال- فهل يعين أحدها بوجه من وجوه الدلالات أم لا, فقيل: يعين ما كان أصلا للأسماء, كالإفراد والتذكير, ولذلك يحتاج مع غيرهما إلى زيادة في الفعل. والظاهر أنه لا يدل على ذلك, كما لا يدل على جنسيته لأنها أصل للتعيين, بل على المطلق في المصدر والزمان, بل إنما اسقطت منه العلامات لما سيأتي ذكره)) انتهى.
وقوله وليس رافعه الإسناد, خلافا لخلف اختلفوا في رافع الفاعل:
فذهب بعضهم إلى أنه بالمبتدأ, وذلك أنه يخبر عنه بفعله كما أن المبتدأ
стр. 1873
يخبر عنه بالخبر. ورد بأن الشبه معنى, والمعاني لم يستقر لها عمل في الأسماء.
وذهب بعضهم إلى أنه كونه فاعلا في المعنى. ونسبة القتبي إلى خلف. ورد هذا المذهب بقولهم: مات زيد, وما قام عمرو.
وقال المصنف: وقد نسب إلى خلف أن العامل هو الإسناد, قال: ((الإسناد نسبة بين المسند والمسند إليه, وليس عملها في أحدهما بأولى من عملها في الآخر؛ لأن العمل لا ينسب إلى المعنى إلا إذا لم يوجد لفظ صالح للعمل, والفعل موجود, فلا عدول عنه)) انتهى.
وذهب س إلى أن الرافع هو الفعل المسند إليه مفرغا له, أي: مفتقرا, وذلك أن الفعل أبدا طالب للفاعل, لا يستقر منه مع المفعول كلام حتى يكون فاعل, فإذا أخذ الفاعل استقل به, ولم يفتقر إلى المفاعيل, قال س: ((يرتفع المفعول كما يرتفع الفاعل لأنك لم تشغل الفعل بغيره, وفرغته له, كما فعلت ذلك بالفاعل)) , فظاهر كلام س أنه مرفوع بالفعل المفرغ, ولم يقل (ارتفع بالإسناد) لأنه ينبغي على أن يرتفع المفعول المذكور بعد الفاعل؛ لأن الفعل مسند إليه, فإنما ارتفع بالفعل المفرغ, ولما لم يكن مفرغا للمفعول لم يرتفع, فإذا فرغ له ارتفع. وإلى مذهب س ذهب المصنف, قال: ((رافع هو ما أسند إليه من فعل أو مضمون معناه)).
وقوله وإن قدم ولم يل ما يطلب الفعل فهو مبتدأ الضمير في ((قدم)) لا يصلح أن يعود على المسند إليه الفعل أو ما ضمن معناه, لأنه لا يصح تقديمه مع كونه معمولا له, وإنما يعني: وإن قدم الاسم, وتأخر الفعل- كان الاسم مبتدأ, وبطل عمل الفعل لما تأخر لأنه تعرض لدخول العوامل النواسخ عليه, نحو: إن
стр. 1874
زيدًا قام, فتأثر زيد بأن دليل على أن قام مشغول عنه بفاعل مضمر, وأن الرفع السابق فيه قبل دخول إن كان بالابتداء, وهو عامل ضعيف, ولذلك نسخة العامل اللفظي لقوته, ولو كان مشغولا/ بالفعل لا بضميره لما برز في تثنية وجمع, وسيأتي لحاق علامة التثنية والجمع لهذا الفعل وهو متقدم إن شاء الله. وتقدم مذهب الكوفيين في جواز تقديم الفاعل على فعله وتأويل ما احتجوا به.
وقوله وإن وليه ففاعل فعل مضمر يفسره الظاهر أي: وإن ولي الاسم ما يطلب الفعل. والذي يطلب الفعل على قسمين: منه ما يطلبه على جهة اللزوم, ومنه ما يطلبه على جهة الأولى. فالأول نحو أدوات الشرط كلها, والثاني نحو أدوات الاستفهام, فإذا قلت: إن زيد قام أكرمتك, وأزيد قام؟ كان ارتفاع زيد على أنه فاعل بفعل محذوف يدل عليه الظاهر, كأنه قال: إن قام زيد قام أكرمتك, وأقام زيد قام, إلا أنه لم يرد هذا القسم الأخير وإن كان ((ما يطلب الفعل)) يشمله, وإنما عنى ما يطلب على اللزوم؛ لأنه لا خلاف بين النحويين في جواز إعراب (زيد) من قولك ((أزيد قام)) مبتدأ, و ((قام)) في موضع الخبر, فلم يتعين أن يكون فاعل فعل مضمر يفسره الظاهر وإن كان هو الأرجح في الإعراب.
ومثل المصنف هذه المسألة بقوله﴾ وإنْ أَحَدٌ مِنَ اَلمُشْرِكْيِنَ اسْتَجَارَكَ ﴿, وبقول الشاعر:
فمتى واغل ينبهم يحيو هـ, وتعطف عليه كأس الساقي
стр. 1875
فسوى بين المسألتين, وليستا بسيين؛ لأن مثل﴾ وإن أحد من المشركين استجارك ﴿فصحيح مقيس, وهو أن يرتفع الاسم بعد إن بفعل محذوف يفسره الظاهر, لكن له شرط, وهو أن يكون الفعل ماضيا في اللفظ أو منفيا بـ ((لم)) فإن كان مضارعا فلا يجوز ذلك إلا في الشعر, نحو: إن زيد يقم أقم معه, وأما غيره (إن) من أدوات الشرط فلا يليه الاسم إلا في الشعر, مثل البيت الذي أنشده.
وقوله خلافا لمن خالف الخلاف راجع إلى المسألتين, قال المصنف: ((فبعض الكوفيين أجاز في زيد قام أن يكون مرفوعا على الفاعلية)) انتهى. وحكاه أصبحنا عن الكوفيين.
والمسألة الثانية خالف فيها الأخفش, فأجاز في إن زيد قام عمرو الرفع بالابتداء, وقال الأخفش: ((الرفع على فعل مضمر أقيس الوجهين)). قال: ((وزعموا أن قول الشاعر:
أتجزع إن نفس أتاها حمامها ........................................
لا ينشد إلا رفعا, وقد سقط الفعل على شيء من سببه, وهذا قد ابتدئ بعد (إن) , وإن شئت جعلته رفعا بفعل مضمر)). هذا نصه.
قال المصنف في الشرح: ((وأجاز الأعلم وابن عصفور رفع
стр. 1876
وصال بيدوم في قوله:
/ ........................ وقلما وصال على طول الصدود يدوم
لا بفعل مضمر, ويكون هذا من الضرورات)) انتهى.
((قل)) إذا لحقتها ((ما)) , وكان معناها على النفي المحض لا على مقابلة ((كثر))
- اختصت بالفعل, ولا يليها غيره, وهل هي فعل أو حرف, في ذلك نظر, والأظهر أنها فعل لثبوت ذلك فيها قبل لحوق ((ما)) واستعمالها للنفي المحض, لكنها لما استعملت استعمال ما لا يحتاج إلى فاعل لم يكن لها فاعل.
وهذا الذي نسبه المصنف للأعلم وابن عصفور هو قول س؛ لأنه جعله من المستقيم القبيح الذي وضع في غير موضعه, وقد مثل س المستقيم القبيح في باب الاستقامة والإحالة بقوله ((كي زيد يأتيك)) , ولا وجه لهذا إلا تقديم الفاعل على الفعل, وكذلك هذا. وقال س لما ذكر الحروف التي لا يليها إلا الفعل, وذكر قلما, قال: ((وقد يقدمون الاسم في الشعر قال:
صددت, فأطولت الصدود, وقلما وصال على طول الصدود يدوم))
فهذا نص من س على أن الاسم فيه مقدم, وأما من حمله على إضمار فعل فلا يتنزل كلام س عليه.
стр. 1877
-[ص: وتلحق الماضي المسند إلى مؤنث, أو مؤول به, أو مخبر به عنه, مضافا إليه مقدر الحذف- تاء ساكنة, ولا تحذف غالبا إن كان ضميرا متصلا مطلقا, أو ظاهرا متصلا حقيقي التأنيث غير مكسر ولا اسم جمع ولا جنس. ولحاقها مع الحقيقي المقيد المفصول بغير ((إلا)) أجود, وإن فصل بها فبالعكس.]-
ش: مثال المسألة الأولى قامت هند.
وقوله أو مؤول به يريد: او مذكر مؤول. بمؤنث, مثاله ((فلان لغوب أتته كتابي فاحتقرها)) قيل للعربي الناطق بهذا: كيف تقول جاءته كتابي؟ فقال: أو ليس الكتاب بصحيفة, فأول المذكر بالمؤنث لما كان بمعناه. وهذا الذي ذكر أنه إذا أول المذكر بمؤنث فإنه تلحق الفعل المسند إليه التاء لا يجوز إلا في قليل من الكلام حملا على معنى التأنيث, وتذكيره هو المعروف, وقد نص النحويون على أن قوله:
......................... سائل أسد ما هذه الصوت
من أقبح الضرائر لأن فيه تحريف اللفظ ورد الأصل المذكر إلى الفرع وإن كان الصوت مؤولا بالصيحة. وكذلك قوله:
أتهجر بيتا بالحجاز , تلفعت به الخوف والأعداء من كل جانب
أي: تلفعت به المخافة.
стр. 1878
وقوله أو مخبر به عنه أي: أو مخبر بمؤنث عن مذكر, نحو قوله تعالى﴾ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ إلا أَنْ قَالُوا ﴿في قراءة من قرأ بالتاء./ قال المصنف: ((الحق المصنف: ((ألحق التاء بالفعل, والفعل مسند إلى قولهم)) انتهى.
والأصل أن يكون الفعل على حسب الاسم لا على حسب الخبر, لكنه سرى التأنيث إلى فعل المذكر لأنه أخبر عنه بمؤنث, والقول هو الفتنة, وهذا أولى من أن يقال: أنت على معنى المقالة, ويكون التقدير: ثم لم تكن فتنتهم إلا مقالتهم, فيكون أنت على المعنى, لما ذكرنا أن قولهم ((جاءته كتابي فاحتقرها)) قليل, و ((ما هذه الصوت)) ضرورة. وأنشد المصنف:
ألم يك غدرا ما صنعتم بشمعل وقد خاب من كانت سريرته الغدر
وأنشد غيره:
أزيد بن مصبوح, فلو غيركم جنى غفرنا, وكانت من سجيتنا الغفر
ويؤول على معنى: المغفرة. ولا يقال: يحتمل أن يكون أنت على معنى الغدرة بمعنى الغدر لما ذكرناه. قال المصنف: ((سرى من تأنيث الخبر التأنيث إلى المخبر عنه لأن كلا منهما عبارة عن الآخر)) انتهى. ولما أطلق
стр. 1879
القول على الفتنة والغدر على السريرة أنث, كما قال:
أو حرة ... عيطل ثبجاء مجفرة دعائم الزور, نعمت زوق البلد
أنت الزوق- وهو مذكر- لأنه عنى به وكنى عن الحرة, وهو مؤنث, فألحق التاء في فعله.
وفي (الغرة): ((بعض الكوفيين يجيز تأنيث هذه الأفعال إذا كان الخبر مؤنثا, كقوله:
فمضى, وقدمها, وكانت عادة منه إذا هي عردت إقدامها))
انتهى. وينبغي أن يجعل هذا مما أنث لأجل الإضافة إلى مؤنث, كقوله:
..................... تسفهت أعاليها مر الرياح النواسم
وما ذكره المصنف من إلحاق علامة التأنيث للفعل إذا كان لمذكر أخبر عنه بمؤنث ليس مذهبا للبصريين, وإنما يجوز ذلك عندهم ضرورة, والكوفيون يجيزون في سعة الكلام تأنيث اسم كان إذا كان مصدرا مذكرا, وكان الخبر مؤنثا مقدما عليه, نحو قوله:
........................ وقد خاب من كانت سريرته الغدر
стр. 1880
فلو قلت ((كانت شمسا وجهك)) لم يجز, أو ((كانت الغدر سريرتك)) لم يجز.
والمصنف لم يحرر القول فيما يؤنث فعله من مذكر أخبر بمؤنث عنه, فلم يقل بقول البصريين ولا بقول الكوفيين.
قوله أو مضاف إليه مقدر الحذف أي: أو مذكر مضاف إلى مؤنث, مثاله ما أنشد المصنف من قول الشاعر/:
مشين كما اهتزت رماح, تسفهت أعاليها مر الرياح النواسم
وأنشد الفراء:
قد صرح السير عن كتمان وابتذلت وقع المحاجن بالمهرية الذقن
أنت فعل الوقع- وهو ذكر- لأنه ذهب إلى المحاجن, وألحق التاء
تسفهت- وهو مسند إلى مر- لأن مرا مضاف إلى مؤنث, ويستقيم الكلام بحذفه, فلو لم يستقم الكلام بالحذف لم يجز إلحاق التاء, نحو: قام غلام هند.
وأعلم أن المؤنث له الفعل من المذكر المضاف إلى المؤنث أقسام:
أحدها: أن يكون بعض مؤنث, وهو مؤنث في المعنى, كقوله﴾ تَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ ﴿في قراءة من قرأ بالتاء, وقول العرب: قطعت بعض أصابعه,
стр. 1881
وقول الشاعر:
إذا بعض السنين تعرقتنا .................................
فبعض السنين سنون, وبعض السيارة سيارة, وبعض الأصابع أصابع.
الثاني: أن يكون بعض مؤنث, ولا يكون مؤنثا في المعنى, مثاله قول الشاعر:
وتشرق بالقول الذي قد أذعته كما شرقت صدر القناة من الدم
وقول الآخر:
لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشع
وقول الآخر:
على قبضة موجوءة ظهر كفه فلا المرء مستحي, ولا هو طاعم
وقولك: جدعت أنف هند.
الثالث: أن يكون ليس مؤنثا في المعنى ولا بعض مؤنث, لكنه شارك القسمين قبله في أنه يجوز أن يحذف, وتلفظ بالمؤنث, وأنت تريده, ومنه
стр. 1882
البيت الذي أنشده المصنف، وقولهم: اجتمعت أهل اليمامة؛ لأنك تقول: تسفهت أعاليها الرياح، تريد: مرها، واجتمعت اليمامة، تريد: أهلها، لا اجتماع الأبنية، وقال تعالى ﴿إن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ﴾، أنث المثقال لأنه لو أسقط يصح، فصار المثقال كاللغو، كما صار "أهل" كأنه لغو. ومثال قوله:
.................... تسفهت ... أعاليها مر الرياح ..................
قول الشاعر:
طول السنين أسرعت في نقضي
لأنك تقول: السنون أسرعت، وأنت تريد: طولها.
وقد يتأول "مر الرياح"، و"طول السنين" على أنه مصدر، أريد به اسم الفاعل، أي: مار الرياح، وطويل السنين، فيصير من باب "رجل عدل" /للمبالغة. أو على حذف مضاف، أي: صاحب المر من الرياح، وذو الطول من السنين، فيكون من باب ﴿تَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾؛ لأن مار الرياح رياح، وطويل السنين سنون، ويكون إذ ذاك تأنيثه أسهل من تأنيث: اجتمعت أهل اليمامة.
فلو كان المضاف إذا حذف لم يجز أن يكون مرادًا إذ لا دليل على حذفه البتة لم يجز تأنيثه، كقولك: قُطعت رأس هند؛ لأنك لو قلت "قُطعت هند" لم يفهم منه: قُطعت رأس هند، ولم يرد به ذلك.
стр. 1883
وزاد الفارسي قسمًا رابعًا، وهو أن يكون المذكر المضاف إلى المؤنث هو كل المؤنث، نحو ما انشده س في باب "هذا أول فارس مقبل":
ولهت عليه كل معصفة ... هوجاء، ليس للبها زبر
هوجاء: صفة لـ"كل"، نص عليه س. ومن ذلك قول الآخر:
جادت عليه كل عين ثرة ... فتركن كل حديقة كالدرهم
وقال تعالى ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ﴾.
وزاد بعض أصحابنا تأنيث المذكر إذا كان فيه علامة تأنيث، فتقول قامت عشرةٌ، وعلى هذا جاء قوله:
أبوك خليفةٌ، ولدته أخرى ... وأنت خليفةٌ، ذاك الكمال
وعلى ذلك قول الآخر:
стр. 1884
وعنترة الفلحاء جاء ملأمًا ... كأنه فندٌ، من عماية، أسود
قال: الفلحاء، ولم يقل الأفلح.
وقد أطلق النحويون في المؤنث الذي أضيف إليه مذكر مما يجوز تأنيثه لأجل تأنيث ما أضيف إليه، فظاهر هذا الإطلاق أنه يجوز ذلك سواء أكان المضاف إليه ظاهرًا أم مضمرًا، فعلى إطلاقهم يجوز: الأصابع قطعت بعضها؛ لأن الضمير مؤنث. وقال الفراء: "ومن استجاز قول الشاعر:
................................ ... كما شرقت صدر القناة من الدم
لم يجز أن يقول (شرقت صدرها) إذا كنى عنها، وكذلك فافعل بكل ما كنيت عنه. وإنما منعهم من استجازته في الإضافة إذا كنوا عنه لأن المكني لا يفرد مما قبله، فيتوهم بالأول أنه قد سقط، واعتمد على الثاني ظاهرًا؛ ألا ترى أن العرب تقول: لك نصف وربع الدرهم، ولا يقولون: لك نصف وربعه؛ للكناية، وكذلك قال الشاعر:
يا من رأى عارضًا يكفكفه ... بين ذراعي وجبهة الأسد
ومحال أن يقول: بين ذراعي وجبهته. وقال الأعشى:
стр. 1885
/ ...... إلا علالة أو بدا ... هة سابح نهد الجزارة
ولو كنى لم يجز" انتهى.
وقوله تاء ساكنة هذه التاء مختصة بالماضي وضعًا؛ لأن الأمر مستغن بالياء نحو اضربي، ولأن المضارع المخاطب كذلك، نحو تفعلين، والغائبة والغائبتين بتاء المضارعة. ولحقت الفعل، وكان حقها ألا تلحقه؛ لأن المعنى الذي جاءت له ليس للفعل، بل هو في الفاعل، وهو التأنيث، لكنه لاتصاله كجزء منه، فجعلت الدلالة على التأنيث فيه، ولأن تأنيث الفاعل غير موثوق به لجواز اشتراك المذكر والمؤنث في لفظ واحد، نحو ربعة وصبور، ولأن المؤنث قد يسمى بمذكر، والعكس، فاحتاطت العرب في الدلالة على تأنيث الفاعل بوصل الفعل بالتاء ليعلم تأنيث الفاعل أو ما جرى مجراه من أول وهلة، نحو: طهرت الجنب، وكانت الربعة حائضًا، وشنئت الهمزة.
وهذا الفرق بين المذكر والمؤنث في الإخبار لا يكون في أكثر الألسن، فلا يوجد ذلك في لسان الفرس ولا لسان الترك، بل المذكر والمؤنث في ذلك سواء، ويتكلون على القرائن من غير دلالة لفظية على ذلك. وهذا من أحسن ما يعتذر به عن التذكير في قوله تعالى ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾، فأشار بلفظ المذكر لأنه حكى قول إبراهيم، ولم يكن في لسانه فرق بين المذكر والمؤنث، فحكى قوله على لغته، والله أعلم.
وقد وافق لسان الحبشة لسان العرب في إلحاق تاء التأنيث الفعل الماضي عندهم دلالةً على المؤنث، قالوا: محط، في معنى ضرب، فإذا أسندوه إلى
стр. 1886
مؤنث قالوا: محطت. وكذا لسان اليخمور، وقع فيه الفرق بين المذكر والمؤنث في الفعل الماضي، لكن بحرف غير التاء.
وقوله ولا تحذف غالبًا إن كان ضميرًا متصلًا مطلقًا، أو ظاهرًا متصلًا حقيقي التأنيث مثاله: هند قامت، والشمس طلعت. واحترز بقوله "ضميرًا متصلًا" من أن يكون منفصلًا، نحو: ما قام إلا أنتِ. واحترز بقوله "ظاهرًا متصلًا" من أن يكون قد فصل بينهما، نحو قوله:
إن امرأً، غره منكن واحدةٌ ... بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور
وقال آخر:
لقد ولد الأخيطل أم سوءٍ ... على باب استها صلبٌ وشام
وحكى س: "حضر القاضي اليوم امرأة"، وقال: "إذا طال الكلام كان الحذف أجمل".
واحترز بقوله "حقيقي التأنيث" من أن يكون التأنيث مجازًا، نحو: طلعت الشمس، /وطلع الشمس، قال تعالى ﴿ومَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِندَ البَيْتِ﴾، وقال ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾، وقال ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والْقَمَرُ﴾.
стр. 1887
واحترز بقوله "غالبًا" من قولهم: قال فلانة، حكاه س، ورده المبرد، وأجازه الأخفش والرماني، قال المصنف: "وعلى هذه اللغة جاء قول لبيد:
تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر
لأن الإسناد إلى المثنى كالإسناد إلى المفرد بلا خلاف" انتهى.
وما ذكره لا حجة فيه وإن كان الحكم الذي ذكره صحيحًا، وهو أن المثنى من المؤنث حكمه حكم المفرد من المؤنث؛ لأنه يحتمل أن يكون "تمنى" فعلًا مضارعًا لا ماضيًا، وأصله تتمنى، فحذف التاء على حد قولهم: تذكر هند، أي: تتذكر.
واحترز بقوله "غالبًا" أيضًا مما حذفت منه التاء مع الضمير المتصل، نحو قول الشاعر:
فلا مزنةٌ ودقت ودقها ... ولا أرض أبقل إبقالها
وقول الآخر:
فإما تريني، ولي لمةٌ ... فإن الحوادث أودى بها
وقول الآخر:
إن السماحة والمروءة ضمنا ... قبرًا بمرو على الطريق اللائح
стр. 1888
وهذه ضرورة، والفصيح: أبقلت، وأودت، وضمنتا.
وقد تأول بعض النحويين "ولا أرض" على: ولا مكان، و"الحوادث" على: الحدثان، كما أنثوا الحدثان حملًا على الحوادث، قال:
وحمال المئين إذا ألمت ... بنا الحدثان والأنق النصور
وقول المصنف "وعلى هذه اللغة جاء قول لبيد" أثبت أنها لغة وبعض أصحابنا جعل ما حكي س من قولهم "قال فلانة" شاذًا، ولا يجوز إلا حيث سمع، ولا يقاس عليه. وإن ثبت أنها لغة فينبغي أن يقاس وإن كان قليلًا.
وأما قول الشاعر:
ألا لا يغرن امرأً نوفليةٌ ... عن الرأس بعدي أو ترائب وضح
فزعموا أن النوفلية ليست بامرأة، بل مشطة تعرف بذلك، فهو مؤنث غير حقيقي.
وقوله غير مكسر مثاله الجواري والهنود، فيجوز فيه: قامت الجواري، وقام الجواري.
وقوله ولا اسم جمعٍ -مثاله نوح- ولا جنس مثاله/ نسوة، فيجوز فيه:
стр. 1889
قامت النوح، وقامت نسوة، ويجوز: قام النوح، وقام نسوة، قال تعالى ﴿وقَالَ نِسْوَةٌ فِي المَدِينَةِ﴾. ويدخل في اسم الجنس فاعل نعم في نحو: نعم المرأة هند، يقول ذلك من لا يقول: قال فلانة.
واندرج تحت قوله "أو ظاهرًا متصلًا حقيقي التأنيث" غير ما ذكر مثنى المؤنث، نحو: قامت الهندان، وجمع السلامة منه، نحو: قامت الهندات، هذا مذهب أهل البصرة.
وذهب أهل الكوفة إلى أن حكمه حكم جمع التكسير منه، فيذكر على معنى "جمع"، ويؤنث على معنى "جماعة". واختاره أبو علي. واستدلوا على ذلك بقوله تعالى ﴿إذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ﴾، وبقول الشاعر:
عشية قام النائحات، وشققت ... جيوبٌ بأيدي مأتمٍ وخدودٌ
وقول الآخر:
فبكى بناتي شجوهن وزوجتي ... والطامعون إلي، ثم تصدعوا
ولا حجة في ذلك: أما الآية فأجاب الأستاذ أبو علي بأنه وقع الفصل بالضمير، فحسن حذف التاء. وأما "قام النائحات" فشذوذ، كقولهم: قال فلانة، أو روعي فيه الموصوف المحذوف، أي: قام النساء النائحات. وأما "فبكى بناتي" فلأنه لم يسلم فيه لفظ الواحد، فجرى مجرى جمع التكسير.
стр. 1890
وقال المصنف في الشرح: "حكم التاء في تصحيح المؤنث حكمها في مفرده ومثناه، فلا يقال قام الهندات إلا على لغة من قال: قال فلانة؛ لأن لفظ الواحد في جمع التصحيح على الحال التي كان عليها في الإفراد والتثنية، فيتنزل قولك قامت الهندات منزلة قولك قامت هند وهند وهند، هذا هو الصحيح" انتهى. وهو موافق لقول أهل البصرة إلا في قوله "فلا يقال قام الهندات إلا على لغة من قال: قال فلانة".
وقوله ولحاقها إلى قوله فبالعكس مثال الفصل بغير إلا: قامت اليوم هند، وقام اليوم هند، الأجود لحاق التاء. ومثال الفصل بإلا: ما قام إلا هند، وما قامت إلا هند، الأحسن عند المصنف ألا تلحق، ويجوز عنده أن تلحق.
وفي هذه المسألة الثانية -وهي الفصل بإلا- خلاف: فالذي ذهب إليه أصحابنا أنه يلزم الحذف، ولا يجوز "ما قامت إلا هند" إلا في ضرورة الشعر، نحو قول الراجز:
ما برئت من ريبة وذم ... في حربنا إلا بنات العم
قال الأخفش: يقولون: ما جاءني إلا امرأة، فيذكرون حملًا على المعنى في "أحد"، ولا يؤنثون إلا في الشعر، نحو قوله:
............................... ... فما بقيت إلا الضلوع الجراشع
стр. 1891
وحكمها مع جمع التكسير/ وشبهه وجمع المذكر بالألف والتاء حكمها مع الواحد المجازي التأنيث. وحكمها مع جمع التصحيح غير المذكور آنفًا حكمها مع واحده، وحكمها مع البنين والبنات حكمها مع الأبناء والإماء. ويساويها في اللزوم وعدمه تاء مضارع الغائبة، ونون التأنيث الحرفية. وقد تلحق الفعل المسند إلى ما ليس واحدًا من ظاهر أو مضمر منفصل علامة كضميره".
ش: جمع التكسير يشمل المذكر والمؤنث، نحو الزيود والهنود. ويعني بقوله وشبهه اسم الجمع في المذكر والمؤنث، نحو قوم ونوح. ويعني بقوله وجمع المذكر بالألف والتاء ما كان عاقلًا كالطلحات، وغير عاقل كحسامات ودريهمات. فهذه الثلاثة الأصناف يجوز أن تلحق التاء في فعله، ويجوز ألا تلحق، ومن ذلك قوله تعالى ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، و ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ﴾، ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾.
وقوله وحكمها مع جمع التصحيح غير المذكور آنفا أي: غير جمع المذكر بالألف والتاء، وهو ما جمع بالواو والنون، أو بالألف والتاء مع المؤنث، نحو الزيدون، والهندات، حكمه حكم واحده، فكما تقول قام زيدٌ تقول قام الزيدون، وكما تقول قامت هند تقول قامت الهندات، وكما لا تقول فصيحًا قام هند لا تقول قام الهندات، وكما لا تقول قامت زيدٌ كذلك لا تقول قامت الزيدون؛ لأنه بمنزلة: قام زيدٌ وزيدٌ وزيدٌ.
وأجاز الكوفيون: قامت الزيدون، أجروا جمع المذكر السالم بالواو والنون مجرى جمع التكسير منه، فكما تجوز التاء في جمع التكسير كذلك تجوز في هذا الجمع.
стр. 1892
والصحيح أنه لا يجوز؛ إذ لم يسمع من كلامهم: قامت الزيدون، والقياس يأباه.
وقوله وحكمها مع البنين والبنات وهذا يجوز فيه إلحاق التاء وعدم إلحاقها؛ لأنه لم يسلم فيهما بناء الواحد؛ ألا ترى أنه لو جمع على لفظ المفرد لكان ابنون وابنات، فلما لم يسلم فيه جرى مجرى التكسير لتغيير لفظ الواحد كما تغير جمع التكسير، وقال الشاعر:
قالت بنو عامرٍ: خالوا بني أسدٍ ... يا بؤس للجهل ضرارًا لأقوام
وقال الآخر:
حتمه بنو الربداء من آل يامنٍ ... بأسيافهم حتى أقر وأوقرا
وقوله ويساويها في اللزوم وعدمه تاء مضارع الغائبة، مثاله: تقوم هند، وتضطرم النار، ويضطرم النار، وتحضر القاضي امرأة، ويحضر القاضي امرأة، وتقوم الهندات، ويقوم الهندات، وما تقوم إلا هند، وما يقوم إلا/ هند.
ومثل:
.............................. ... ولا أرض أبقل إبقالها
قوله:
وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى ... ثلاث الأثافي والرسوم البلاقع
لأن أحدهما مسند إلى ثلاث، والآخر مسند إلى ضميره، وكلا الفعلين الرواية فيه بالياء، فلم تلحق علامة التأنيث، وهي التاء.
стр. 1893
فأما قوله:
فقلت لها: فيئي، فما يستفزني ... ذوات العيون والبنان المخضب
فضرورة عند البصريين، أو على حذف الموصوف، أي: النساء ذوات. ومقيس عند الكوفيين، يجيزون: يقوم الهندات، كما أجازوا: قام الهندات.
وجميع ما ذكرنا مما تجوز فيه التاء ولا تجب إذا فصل بين الفعل وبين ما أسند إليه بـ"إلا" لا تجوز فيه التاء اللاحقة للماضي ولا تاء المضارع، وما روي من قراءة أبي رجاء ومالك بن دينار ﴿فَأَصْبَحُوا لا تُرَى إلاَّ مَسَاكِنُهُمْ﴾. بالتاء وضمها ورفع ﴿مَسَاكِنُهُمْ﴾ قراءة شاذة ضعيفة في العربية.
وقوله ونون التأنيث الحرفية مثاله: خرجن أو يخرجن الهندات، كما تقول: تخرج الهندات، وخرجت الهندات، وانكسرن القدور، وينكسرن القدور، كما تقول: انكسرت القدور، وتنكسر القدور. قال المصنف: "ومن التزم التاء في قامت هند -وهي اللغة المشهورة- لا يستغنى في نحو قامت الهندات عن التاء والنون الحرفية" انتهى، فيقول: تقوم الهندات، أو يقمن الهندات، أو قمن الهندات. وهذه النون الحرفية فرع من فروع لغة "أكلوني البراغيث"، فكان ينبغي ذكرها معها.
وقوله وقد تلحق ... إلى آخره اللغة المشهورة ألا تلحق هذه العلامة الفعل إذا أسند إلى ما ذكر، ومن العرب من يلحقه ألف التثنية وواو الجمع ونون
стр. 1894
الإناث. والمختار أنها علامات كتاء التأنيث، تدل على تثنية الفاعل وجمعه كما دلت التاء على تأنيثه. وهذه اللغة يسميها النحويون لغة "أكلوني البراغيث".
واختلف النحويون في تخريجها: فذهب بعضهم إلى أنها ضمائر، وأن ما بعدها بدل منها. وذهب بعضهم إلى أنها ضمائر، وما بعدها مبتدأ، وتلك الجملة السابقة في موضع الخبر. والصحيح ما قدمناه من أنها حروف دالة على التثنية والجمع؛ لنقل أئمة العربية واتفاقهم على أنها لغة لقوم من العرب مخصوصين، قال س: "واعلم أن من العرب من يقول: ضربوني قومك، وضرباني أخواك".
وحكى اللغويون أن أصحاب هذه اللغة هي طيئ، يلتزمون العلامة أبدًا، ولا يفارقونها. وحكى أيضًا بعض الرواة أنها من لغة/ أزد شنوءة. ولو كان على ما زعم بعضهم من أنها ضمائر لما اختصت به طائفة من العرب دون باقيهم.
وقوله من ظاهر مثال ما جاء من ذلك في التثنية في الفعل الماضي: "التقتا
стр. 1895
حلقتا البطان"، وقول الشاعر:
تولى قتال المارقين بنفسه ... وقد أسلماه مبعدٌ وحميم
وقول الآخر:
ألفيتا عيناك عند القفا ... أولى فأولى لك ذا واقيه
وفي الحديث من كلام وائل بن حجر: "ووقعتا ركبتاه على الأرض".
ومما جاء من ذلك فيها المضارع قول وائل بن حجر: "قبل أن تقعا كفاه".
ومما جاء من ذلك الماضي في الجمع المذكر قول الشاعر:
بني الأرض قد كانوا بني، فعزني ... عليهم لآجال المنايا كتابها
ومما جاء من ذلك فيه المضارع قول الشاعر:
يلومونني في اشتراء النخيـ ... ـيل أهلي، فكلهم ألوم
следующие страницы →