← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17116

التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

أبو حيان الأندلسي

Полный текст (3 950 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

وحكمها مع جمع التكسير/ وشبهه وجمع المذكر بالألف والتاء حكمها مع الواحد المجازي التأنيث. وحكمها مع جمع التصحيح غير المذكور آنفًا حكمها مع واحده، وحكمها مع البنين والبنات حكمها مع الأبناء والإماء. ويساويها في اللزوم وعدمه تاء مضارع الغائبة، ونون التأنيث الحرفية. وقد تلحق الفعل المسند إلى ما ليس واحدًا من ظاهر أو مضمر منفصل علامة كضميره". ش: جمع التكسير يشمل المذكر والمؤنث، نحو الزيود والهنود. ويعني بقوله وشبهه اسم الجمع في المذكر والمؤنث، نحو قوم ونوح. ويعني بقوله وجمع المذكر بالألف والتاء ما كان عاقلًا كالطلحات، وغير عاقل كحسامات ودريهمات. فهذه الثلاثة الأصناف يجوز أن تلحق التاء في فعله، ويجوز ألا تلحق، ومن ذلك قوله تعالى ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، و ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ﴾، ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾. وقوله وحكمها مع جمع التصحيح غير المذكور آنفا أي: غير جمع المذكر بالألف والتاء، وهو ما جمع بالواو والنون، أو بالألف والتاء مع المؤنث، نحو الزيدون، والهندات، حكمه حكم واحده، فكما تقول قام زيدٌ تقول قام الزيدون، وكما تقول قامت هند تقول قامت الهندات، وكما لا تقول فصيحًا قام هند لا تقول قام الهندات، وكما لا تقول قامت زيدٌ كذلك لا تقول قامت الزيدون؛ لأنه بمنزلة: قام زيدٌ وزيدٌ وزيدٌ. وأجاز الكوفيون: قامت الزيدون، أجروا جمع المذكر السالم بالواو والنون مجرى جمع التكسير منه، فكما تجوز التاء في جمع التكسير كذلك تجوز في هذا الجمع.

стр. 1892

والصحيح أنه لا يجوز؛ إذ لم يسمع من كلامهم: قامت الزيدون، والقياس يأباه. وقوله وحكمها مع البنين والبنات وهذا يجوز فيه إلحاق التاء وعدم إلحاقها؛ لأنه لم يسلم فيهما بناء الواحد؛ ألا ترى أنه لو جمع على لفظ المفرد لكان ابنون وابنات، فلما لم يسلم فيه جرى مجرى التكسير لتغيير لفظ الواحد كما تغير جمع التكسير، وقال الشاعر: قالت بنو عامرٍ: خالوا بني أسدٍ ... يا بؤس للجهل ضرارًا لأقوام وقال الآخر: حتمه بنو الربداء من آل يامنٍ ... بأسيافهم حتى أقر وأوقرا وقوله ويساويها في اللزوم وعدمه تاء مضارع الغائبة، مثاله: تقوم هند، وتضطرم النار، ويضطرم النار، وتحضر القاضي امرأة، ويحضر القاضي امرأة، وتقوم الهندات، ويقوم الهندات، وما تقوم إلا هند، وما يقوم إلا/ هند. ومثل: .............................. ... ولا أرض أبقل إبقالها قوله: وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى ... ثلاث الأثافي والرسوم البلاقع لأن أحدهما مسند إلى ثلاث، والآخر مسند إلى ضميره، وكلا الفعلين الرواية فيه بالياء، فلم تلحق علامة التأنيث، وهي التاء.

стр. 1893

فأما قوله: فقلت لها: فيئي، فما يستفزني ... ذوات العيون والبنان المخضب فضرورة عند البصريين، أو على حذف الموصوف، أي: النساء ذوات. ومقيس عند الكوفيين، يجيزون: يقوم الهندات، كما أجازوا: قام الهندات. وجميع ما ذكرنا مما تجوز فيه التاء ولا تجب إذا فصل بين الفعل وبين ما أسند إليه بـ"إلا" لا تجوز فيه التاء اللاحقة للماضي ولا تاء المضارع، وما روي من قراءة أبي رجاء ومالك بن دينار ﴿فَأَصْبَحُوا لا تُرَى إلاَّ مَسَاكِنُهُمْ﴾. بالتاء وضمها ورفع ﴿مَسَاكِنُهُمْ﴾ قراءة شاذة ضعيفة في العربية. وقوله ونون التأنيث الحرفية مثاله: خرجن أو يخرجن الهندات، كما تقول: تخرج الهندات، وخرجت الهندات، وانكسرن القدور، وينكسرن القدور، كما تقول: انكسرت القدور، وتنكسر القدور. قال المصنف: "ومن التزم التاء في قامت هند -وهي اللغة المشهورة- لا يستغنى في نحو قامت الهندات عن التاء والنون الحرفية" انتهى، فيقول: تقوم الهندات، أو يقمن الهندات، أو قمن الهندات. وهذه النون الحرفية فرع من فروع لغة "أكلوني البراغيث"، فكان ينبغي ذكرها معها. وقوله وقد تلحق ... إلى آخره اللغة المشهورة ألا تلحق هذه العلامة الفعل إذا أسند إلى ما ذكر، ومن العرب من يلحقه ألف التثنية وواو الجمع ونون

стр. 1894

الإناث. والمختار أنها علامات كتاء التأنيث، تدل على تثنية الفاعل وجمعه كما دلت التاء على تأنيثه. وهذه اللغة يسميها النحويون لغة "أكلوني البراغيث". واختلف النحويون في تخريجها: فذهب بعضهم إلى أنها ضمائر، وأن ما بعدها بدل منها. وذهب بعضهم إلى أنها ضمائر، وما بعدها مبتدأ، وتلك الجملة السابقة في موضع الخبر. والصحيح ما قدمناه من أنها حروف دالة على التثنية والجمع؛ لنقل أئمة العربية واتفاقهم على أنها لغة لقوم من العرب مخصوصين، قال س: "واعلم أن من العرب من يقول: ضربوني قومك، وضرباني أخواك". وحكى اللغويون أن أصحاب هذه اللغة هي طيئ، يلتزمون العلامة أبدًا، ولا يفارقونها. وحكى أيضًا بعض الرواة أنها من لغة/ أزد شنوءة. ولو كان على ما زعم بعضهم من أنها ضمائر لما اختصت به طائفة من العرب دون باقيهم. وقوله من ظاهر مثال ما جاء من ذلك في التثنية في الفعل الماضي: "التقتا

стр. 1895

حلقتا البطان"، وقول الشاعر: تولى قتال المارقين بنفسه ... وقد أسلماه مبعدٌ وحميم وقول الآخر: ألفيتا عيناك عند القفا ... أولى فأولى لك ذا واقيه وفي الحديث من كلام وائل بن حجر: "ووقعتا ركبتاه على الأرض". ومما جاء من ذلك فيها المضارع قول وائل بن حجر: "قبل أن تقعا كفاه". ومما جاء من ذلك الماضي في الجمع المذكر قول الشاعر: بني الأرض قد كانوا بني، فعزني ... عليهم لآجال المنايا كتابها ومما جاء من ذلك فيه المضارع قول الشاعر: يلومونني في اشتراء النخيـ ... ـيل أهلي، فكلهم ألوم

стр. 1896

ومما جاء من ذلك الماضي في جمع المؤنث قوله: نتج الربيع محاسنًا ... ألقحنها غر السحائب وقول الآخر: رأين الغواني الشيب لاح بمفرقي ... فأعرضن عني بالخدود النواضر ومما جاء من ذلك المضارع قول الشاعر: ولكن ديافي أبوه وأمه ... بحوران، يعصرن السليط أقاربه فرع ملخص من كلام ابن هشام: لو فكت التثنية أو الجمع في الضرورة لم تلحق علامة التثنية ولا الجمع، وكذلك لو منه مانع من المتفقين في اللفظ والمعنى من التثنية أو الجمع كبقاء الاسمين أو الأسماء على علميتهما أو علميتها، وكذلك لو جيء باسمين مختلفين أو أسماء مختلفة، فلا يجوز: قاما رجلٌ ورجل، أو قاما زيدٌ وزيد، وهما باقيان على علميتهما، أو قاما زيدٌ وعمرو، وجاءوا زيدٌ وعمرو وبكر. ويستدل بهذا على فساد من ذهب إلى أنها ضمائر، وأن ما بعدها مرفوع بالابتداء؛ إذ لو كان كذلك لم تمتنع هذه المسائل، ولو رفع الضمير المثنى وهو قبله لجاز أن يرفع ضمير المفرد وهو قبله، وجاز أن ننوي في الفعل من قولنا قام زيدٌ ضميرًا على حد التأخير، فيكون زيدٌ مبتدأ. قال ابن هشام: "وهذا لم يقل به/ أحد علمناه" انتهى.

стр. 1897

وما ذهب إليه من أنه إذا جيء باسمين مختلفين أو أسماء مختلفة، نحو: قاما زيدٌ وعمرو، وجاءوا زيدٌ وعمروٌ وبكر، لم تلحق علامة التثنية ولا الجمع -ليس بصحيح، والسماع يرد عليه، وهو ما تقدم لنا إنشاده من قول الشاعر: تولى قتال المارقين بنفسه ... وقد أسلماه مبعدٌ وحميم وقال آخر: ذريني للغنى أسعى، فإني ... رأيت الناس، شرهم الفقير وأهونهم وأحقرهم عليه ... وإن كانا له نسبٌ وخير فهذه العلامة قد لحقت، وجاء بعدها اسمان مختلفان. فرع: الصفة تجري في هذه اللغة مجرى الفعل، قال س: "قال الخليل: فإن ثنيت أو جمعت فإن الأحسن أن تقول: مررت برجلٍ قرشيان أبواه، وبرجلٍ كهلون أصحابه". قال الخليل: "من قال أكلوني البراغيث أجرى هذا على أوله، فقال: مررت برجلٍ حسنين أبواه، ومررت بقومٍ قرشيين آباؤهم. وكذلك أفعل، نحو أعور وأحمر، تقول: مررت برجلٍ أعور أبواه، وإن شئت قلت: برجلٍ أحمران أبواه، تجعله اسمًا. ومن قال أكلوني البراغيث قلت على حدٌ قوله: مررت برجلٍ أعورين أبواه" انتهى. ولم يأت في هذا التمثيل إلا نكرة، فإن عرفت الوصف بأل فهل يجري هذا الوصف على لغة أكلوني البراغيث مجراه نكرة، فيرفع الظاهر، فيه خلاف:

стр. 1898

قال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: كل صفة ترفع الاسم الظاهر فالأفصح فيها إلا تثنى ولا تجمع جمع السلامة، ويجوز أن تثنى وتجمع على لغة أكلوني البراغيث، فتقول: إن القائمين أبواهما كانتا منطلقتين جاريتاهما، وفي الجمع: إن القائمين آباؤهم كن منطلقاتٍ جواريهم. وقال ابن عصفور: ويجوز في مسألة أبي القاسم -يعني الزجاجي- إن القائم أبوه كان منطلقة جاريته، تثنية القائمة ومنطلقة وجمعهما على لغة من قال أكلوني البراغيث؛ لأن اسم الفاعل إذا رفع الظاهر كان حكمه حكم الفعل إذا رفع الظاهر، فتقول: إن القائمين أبواهما كانا منطلقتين جاريتاهما، وإن القائمين آباؤهم كانوا منطلقاتٍ جواريهم. وحكي عن ابن عصفور أيضًا أنه إذا عرف هذا الوصف بأل لم يرفع الظاهر في هذه اللغة. وكان علة ذلك -والله أعلم- أنه إذا عرف بأل لم يقع موقع الفعل لأن الفعل نكرة، وقد تقدم لنا في أوائل باب الابتداء أن الوصف الرافع ما يغني/ عن الخبر لا يجوز تعريفه، فتقول: أقائم الزيدان؟ ولا يجوز: القائم الزيدان؟ وهذه اللغة عند جمهور النحويين ضعيفة، وقد ذكرنا أنها لغة طيئ، وهي لغة أزد شنوءة، فلا تكون ضعيفة. وقوله أو مضمر منفصل مثاله: الزيدان ما قاما إلا هما، والزيدون ما قاموا إلا هم، والهندات ما قمن إلا هن. وقوله علامة كضميره تقدم الخلاف في ذلك، وأن الأصح أنها حروف علامة لتثنية الفاعل وجمعه، كما أن التاء علامة لتأنيث الفاعل.

стр. 1899

وفي البسيط: "كونها حروفًا أقرب؛ لأنه إما أن يكون ما بعدها فاعلًا، ولا يكون؛ لأن الفعل لا يكون له فاعلان. أو بدلًا، ولا يكون؛ لأنه يقدر حذف وتنزيل شيء منزلة آخر لا يحتاج إليه، والأصل عدمه. والصحيح أنه يحتمل في هذا، ويلزم أن تجعل النون كذلك إذا قلت: قمن الهندات، ولا يكون؛ لأنه فاعل بدليل تغيير آخر الفعل، ولا يكون للعلامة كما في قامت وضربت" انتهى. ولا يلزم حصره في أن يكون ما بعد هذه العلامات فاعلًا أو بدلًا؛ لأنه قد قيل إنه مبتدأ. وقوله كضميره يعني أنها ألف تثنية، وواو جمع، ونون جمع، كالضمائر سواء، تطابق ما بعدها كما تطابق لو كانت ضمائر. وقال السهيلي: "ألفيت في كتب الحديث المروية الصحاح ما يدل على كثرة هذه اللغة وجودتها، نحو ما جاء من قول وائل بن حجر في سجود النبي ﵇ (ووقعتا ركبتاه إلى الأرض قبل أن تقعا كفاه)، ونحو قوله (يخرجن العواتق وذوات الخدور)، ونحو (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار)، أخرجه في الموطأ. فالألف والواو والنون حروف، لكني أقول في حديث الموطأ: الواو فيه علامة إضمار؛ لأنه حديث مختصر، رواه البزار مطولًا مجردًا، فقال فيه (إن لله ملائكة يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار)، فـ (ملائكة) على هذه الرواية بدل من الضمير في يتعاقبون. وفي آخره

стр. 1900

(وتركناهم وهم يصلون، فاغفر لهم اللهم يوم الدين)، وليس هذا في حديث مالك، فدل على أنه مختصر من ذلك الحديث" انتهى كلام السهيلي. ودل على خلاف ما يذهب المصنف إليه في قوله (يتعاقبون فيكم ملائكةٌ) من أنه على لغة: أكلوني البراغيث، حتى قال: "وقد تكلم بها النبي ﵇ فقال: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار) ". وعلى ما رواه البزار لا يكون النبي تكلم بها؛ لأن قبله (إن لله ملائكة يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار)، وكثيرًا ما يقول المصنف: على لغة يتعاقبون فيكم. -[ص: ويضمر جوازًا فعل الفاعل المشعر به ما قبله، والمجاب به نفي أو استفهام. ولا يحذف الفاعل إلا مع رافعه المدلول عليه/، ويرفع توهم الحذف إن خفي الفاعل جعله مصدرًا منويًا، أو نحو ذلك.]- ش: مثال ذلك قراءة ابن عامر وأبي بكر ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ والآصَالِ رِجَالٌ﴾، التقدير: يسبح رجال، فحذف "يسبح" لدلالة "يسبح" عليه؛ إذ لا يجوز أن يرتفع "رجال" بـ"يسبح" المبني للمفعول. قال المصنف: "ولا يجوز هذا الاستعمال إلا فيما كان هكذا"، يعني ألا يلتبس بالمفعول الذي لم يسم فاعله. قال: "فلو قيل: يوعظ في المسجد رجال، على معنى: يعظ رجالٌ -لم يجز لصلاحية إسناد يوعظ إليهم، فلو قيل: يوعظ في المسجد رجالٌ زيدٌ جاز لعدم اللبس". قال المصنف: "ومن الجائز لعدم

стр. 1901

اللبس قول الشاعر: لبيك يزيد ضارعٌ لخصومةٍ ... ومختبطٌ مما تطيح الطوائح ومثله قول الآخر: حمامة بطن الواديين، ترنمي ... سقيت من الغر الغوادي مطيرها هكذا رواه الحفاظ، ومن قال (سقاك) فتاركٌ للرواية وآخذ بالرأي. ومن إضمار فعل الفاعل لكون ما قبله يشعر به قول الشاعر: أرى الأيام لا تبقي كريمًا ... ولا العصم الأوابد والنعاما ولا علجان، ينتابان روضًا ... نضيرًا نبته، عمًا، تؤاما" وهذا الذي ذهب إليه المصنف في هذه الأبيات لا يتعين: أما البيت الأول فيمكن أن يكون المفعول الذي لم يسم فاعله هو ضارع، ويكون يزيد منادى، أي: لبيك ضارعٌ -يا زيد- بفقدك، فإنه يصير كالمفقود الذي ينبغي أن يبكى إذ لا يجد مثلك، فلا يكون يزيد هو المفعول الذي لم يسم فاعله، وضارعٌ فاعلًا، تقديره: يبكيه ضارعٌ. وأما الثاني فيمكن أن يكون مطيرها بدلًا من الضمير المستكن في الغوادي إذ فيه ضمير يعود على الغر، أي: البواكي هي مطيرها، ولا يكون مطيرها فاعلًا بفعل محذوف، التقدير: يسقيها مطيرها.

стр. 1902

وأما الثالث فيمكن أن يكون "ولا علجان" منصوبًا معطوفًا على المنصوب قبله، ويكون ذلك على لغة من يجري المثنى بالألف رفعًا ونصبًا وجرًا، وهي لغة طوائف من العرب، منهم بنو الحارث بن كعب. وأما قول المصنف "إن ذلك جائز إذا عدم اللبس" فالذي عليه جمهور النحويين أن مثل هذا لا يقاس. وذهب بعضهم إلى القياس فيه، وهو مذهب الجرمي وابن جني، فيجوز عندهم: أكل الطعام زيدٌ، وشرب الماء عمروٌ، وأوقد النار محمدٌ. وفي البسيط: فأما في الخبر -يعني إذا كان الفعل خبرًا- فإنه يجوز، يعني إضماره. قال: بشرط، وهو إذا كان في الكلام ما يدل عليه بأن يذكر فعل/ من معناه أو من لفظه ومعناه. وذكر آيتي التسبيح والتزيين، وقول الشاعر: "لبيك. البيت". وقوله: أسقى الإله عدوات الوادي ... وجوفه كل ملث غادي كل أجش حالك السواد

стр. 1903

يريد: سقاها كل أجش، وكذا: زيدٌ، جواب: من ضرب؟ أي: ضرب زيدٌ. انتهى، وفيه تلخيص. وأجاز بعض النحويين: زيدٌ عمرًا، بمعنى: ليضرب زيدٌ عمرًا، إذا كان ثم دليل على إضمار الفعل، ولم يلبس. وقد منع س ذلك وإن لم يلبس؛ لأن إضمار فعل الغائب هو على طريق التبليغ، وإضماره يستدعي إضمار فعل آخر؛ لأن المعنى: قل له ليضرب، فكثر الإضمار، فرفضت. ولا يتعين ما قدره المصنف ولا غيره من أن ﴿رِجَالٌ﴾ مرفوع بـ ﴿يُسَبِّحُ﴾ مضمرة لدلالة ﴿يُسَبِّحُ﴾ عليه؛ لأنه يجوز أن يكون ﴿رِجَالٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، تقديره: المسبح رجالٌ، يدل عليه ﴿يُسَبِّحُ لَهُ﴾. وفي البسيط: "ويجوز فيها أن تكون على تقدير ابتداء نزل على استفهام مقدرٌ فيما كان فيه إبهام، نحو قولك: لبيك زيد ............................ ... ...................................... فقيل: من الباكي؟ فقيل: الباكي ضارعٌ لخصومة. والمزين شركاؤهم، كما تقول: ألا رجل إما زيدٌ وإما عمرو. قال س: (كأنه قيل: من هذا المتمني؟ فقال: زيدٌ أو عمرو)، فكذلك تلك" انتهى. وقد خرج بعض النحويين قراءة من قرأ ﴿وكَذَلِكَ زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ المُشْرِكِينَ قَتْلُ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ مبنيًا للمفعول على إضمار فعل، تقديره: زينه شركاؤهم. ولا يتعين هذا التخريج إذ يمكن أن يكون ارتفاع ﴿شُرَكَاؤُهُمْ﴾

стр. 1904

على أنه فاعل بالمصدر، أي: أن قتل أولادهم شركاؤهم. قال بعضهم: والتخريج الأول أولى لأمرين: أحدهما: أن المصدر لا يضاف إلى المفعول مع وجود الفاعل إلا في قليل. والآخر: أن الشركاء ليسوا بقاتلين، إنما هم مزينون. ويدل على ذلك القراءة الثانية، وهي قراءة ﴿زَيَّنَ﴾ بفتح الزاي، ولا يكون الشركاء قاتلين إلا بمجاز. قال المصنف في الشرح: "ومثله: غداة أحلت لابن أصرم طعنةٌ ... حصينٍ عبيطات السدائف والخمر والخمر فاعل حلت مضمرًا لإشعار أحلت به" انتهى. واتبع المصنف في هذا البيت قول الزجاجي، قال الزجاجي في (الجمل): "ومنهم من يرويه برفع الطعنة ونصب العبيطات". وليس ذلك برواية، وإنما هو إصلاح من الكسائي، وذلك أن يونس بن حبيب سأل الكسائي عن إنشاد هذا البيت، فأنشده برفع/ الطعنة ونصب العبيطات، فقال له يونس: علام ترفع الخمر؟ فقال: على الاستئناف والقطع، فقال له: ما أحسن ما قلت لولا أن الفرزدق أنشدنيه مقلوبًا. يعني يونس أنه أنشده بنصب طعنة ورفع عبيطات السدائف، فيكون والخمر معطوفًا على عبيطات، فلا يكون مرفوعًا على فعل محذوف. ومعنى القلب هو أن جعل العبيطات والخمر هي التي أحلت طعنة، وفي الحقيقة الطعنة هي التي أحلت له أكل العبيطات وشرب الخمر.

стр. 1905

قال المصنف في الشرح: "ومثله قول الشاعر: ولم تبق ألواء الثماني بقيةً ... من الرطب إلا بطن وادٍ وحاجر أنشده أبو علي في التذكرة، وقال: رفع على معنى: بقي بطن وادٍ وحاجرٌ" انتهى. ومثله قول الآخر: وعض زمانٍ -يا بن مروان- لم يدع ... من المال إلا مسحتًا، أو مجلف في رواية من روى "يدع" بفتح الدال، وجعل معناه: لم يبق إلا مسحتًا، ويرتفع مجلف على إضمار فعل، تقديره: أو بقي مجلف، على أحسن التأويلات الخمس في رفع مجلف. وقوله والمجاب به نفي مثاله قولك: بلى زيدٌ، لمن قال: ما جاء أحدٌ، التقدير: بلى جاء زيدٌ. ومثله قول الشاعر: تجلدت حتى قيل: لم يعر قلبه ... من الوجد شيءٌ قلت: بل أعظم الوجد أي: بل عراه أعظم الوجد.

стр. 1906

وقوله أو استفهام مثاله قولك: زيدٌ، لمن قال: هل جاء أحدٌ؟ ومثله قول الشاعر: ألا هل أتى أم الحويرث مرسلي ... نعم، خالدٌ، إن لم تعقه العوائق أي: أتاها خالد. قال المصنف في الشرح: "فمثل هذا لا يرتاب في أن المجاب به مرفوع بفعلٍ مقدر؛ لأنه جواب جملةٍ قدم فيها الفعل، وحق الجواب أن يشاكل ما هو جوابٌ له". ثم قال المصنف بعد ذلك: "والحكم بالابتداء على الاسم المجاب به نفيٌ أو استفهام غير ممتنع؛ لأن مشاكلة الجواب لما هو جوابٌ في اللفظ غير لازمة، بل قد يكتفى فيه بمراعاة المعنى، ومنه قراءة غير أبي عمرو في السبعة ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ جوابًا لقوله ﴿مَن رَّبُّ السَّمَوَاتِ﴾ و ﴿مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ﴾ " انتهى. فقد ناقض قوله "لا يرتاب أن المجاب به مرفوع بفعل مقدر" إذ قد أجاز فيه الابتداء. قال المصنف في الشرح: "فإن كانت جملة الاستفهام مؤخرًا فيها الفعل فحق المجاب من جهة القياس أن يؤخر فيه الفعل لتتشاكل الجملتان لولا أن/ الاستعمال بخلافه، فلا يجيء مكملًا إلا والفعل فيه مقدم على الاسم، نحو ﴿ولَئِن

стр. 1907

سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾، ﴿مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾، ﴿مَن يُحْيِي العِظَامَ وهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا﴾. وينبغي إذا اقتصر في الجواب على الاسم أن يقدر الفعل متقدمًا؛ لأن المكمل أصل والمختصر فرع، فيسلك بالفرع سبيل الأصل، ولأن موافقة العرب بتقدير تقديم الفعل متيقنة، وموافقتهم بتقدير تأخيره مشكوك فيها، فلا عدول عن تقدير التقديم. ولما جرى به الاستعمال من تقديم الفعل في الجواب المكمل وجه من النظر، وهو أن حق الجملة الاستفهامية إذا كان فيها فعل أن يقدم؛ لأنه بمباشرة الاستفهام أولى من الاسم، فلما لم يمكن ذلك في نحو (من فعل) لاتحاد المستفهم به والمستفهم عنه جيء بالجواب مقدمًا فيه الفعل تنبيهًا على أن أصل ما هو له جواب أن يكون كذلك" انتهى. وقوله ولا يحذف الفاعل إلا مع رافعه المدلول عليه مثال ذلك قولك: زيدًا، جوابًا لمن قال: من أكرمُ؟ والتقدير: أكرم زيدًا، فحذف الفاعل مع الفعل. واعتل المصنف في الشرح لامتناع حذف الفاعل وحده بأنه "كعجز المركب في الامتزاج بمتلوه، ولزوم تأخره، وكونه كالصلة في عدم تأثره بعامل متلوه، وكالمضاف إليه في أنه معتمد البيان". قال: "بخلاف خبر المبتدأ،

стр. 1908

فإنه مباين لعجز المركب وللصلة والمضاف إليه فيما ذكر؛ لأنه غير ممتزج بمتلوه، ولا لازم التأخر، ويتأثر بعامل متلوه، وهو معتمد الفائدة لا معتمد البيان. وأيضًا فإن من الفاعل ما يستتر، فلو حذف في بعض المواضع لالتبس الحذف بالاستتار، والخبر لا يستتر، فإذا حذف لدليل أمن التباس كونه مستترًا" انتهى كلامه. وما ذكره فيه خلافٌ، وإطلاق في موضع التقييد: أما الخلاف فذهب الكسائي إلى جواز حذف الفاعل وحده دون فعله لدلالة المعنى عليه، ومذهبه مشهور في ذلك في باب الإعمال في نحو: ضربني وضربت الزيدين، وسيأتي ذلك في بابه، ورجحه السهيلي، وابن مضاء من أصحابنا، ودليله هناك مذكور. وأجاز الكسائي حذفه في غير ذلك، واحتج له بأن حذف الاختصار لا يخرج الكلام إلى غير الإفادة، فكان كالمفعول، ولأن الاختصار يكون في المتلازمين كالمبتدأ والخبر، فكذلك هنا. وقول المانعين "إنه كالجزء منه" إن عنوا ذلك من جهة المعنى فمنقوض بالمصدر، أو من جهة اللفظ فقد يحذف من اللفظ الواحد بعضه للخفة. واستدل عليه بقول الشاعر/: فإن كان لا يرضيك حتى تردني ... إلى قطري لا إخالك راضيا ففاعل "يرضيك" محذوف، تقديره: لا يرضيك شيء. قالوا: ولا حجة فيه لاحتمال أن يكون أضمر لدلالة يرضي عليه، كأنه

стр. 1909

قال: لا يرضيك مرضٍ، أو لأنه قد علم على ما يعود، كأنه قال: لا يرضيك هو، أي: شيء. قالوا: وإنما لم يجز حذف الفاعل لأنه إن حذف اقتصارًا لم يكن كلامًا، ولا يفيد لأنه لفظ مفرد، أو اختصارًا لم يجز؛ لأن العرب قد جعلته مع الفعل بمنزلة شيء واحد بدليل إسكانهم آخر الفعل له في ضربت. وأما الإطلاق في مكان التقييد فإنه كان ينبغي أن يقيد ويقول: "ما لم يكن الرافع مصدرًا ينحل بحرف مصدري والفعل"، فإنه إذ ذاك يجوز حذف الفاعل وحده دون رافعه، نحو قوله ﴿أَوْ إطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا﴾. وأما حذفه في باب المفعول الذي لم يسم فاعله فإن الفعل يغير للمفعول الذي لم يسم فاعله، فلم يبق على صيغته التي كان لها وهو مبنيٌّ للفاعل، فلا يرد ذلك على المصنف. وقوله ويرفع توهم الحذف ... إلى آخره قال المصنف: "إذا توهم حذف فاعل فعل موجود فلا سبيل إلى الحكم بحذفه، بل يقدر إسناده إلى مدلولٍ عليه من اللفظ والمعنى، كقول الشاعر: تمشي تبختر حول البيت منتخيًا ... لو كنت عمرو بن عبد الله لم يزد

стр. 1910

أي: لم يزد انتخاؤك" انتهى. وفي نسخة أخرى من شرح المصنف: "كذا قال الفارسي" انتهى. ولا حجة فيما ذكر، وليس البيت مما ذكر، بل الفاعل مضمر في "يزد" عائدًا على عمرو بن عبد الله، وذلك أن عمرو بن عبد الله اسم غائب، وقد أخبر به عن مخاطب، فيجوز فيما بعده أن تراعي المخاطب فيعود الضمير مخاطبًا، نحو: لو كنت أخا زيدٍ لصنعت كذا. ويجوز أن تراعي الاسم الغائب فيعود الضمير غائبًا، نحو: لو كنت أخا زيدٍ لصنع كذا. وهذا البيت من هذا القسم الأخير، وتقديره: لم يزد -أي: عمرو بن عبد الله- على انتخائك. قال المصنف: "وكقوله تعالى ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾. قيل: إن المعنى: بدا لهم بداء، كما قال: ................................. ... بدا لك من تلك القلوس بداء أي: ظهر لك فيها رأي. ولا يجوز مثل هذا الإسناد إلى مصدر الفعل حتى يشعر برأي، مثل ظهر وبان وتبين، أو يكون الفعل فعل استثناء، كقاموا عدا زيدًا، وخلا عمرًا، وحاشا بكرًا، أي: جاوز قيامهم زيدًا" انتهى. فأما الآية فظهر لي فيها تخريج حسن واضح سهل، وهو أن يكون الفاعل في ﴿بَدَا﴾ ضميرًا مستكنًا عائدًا على المصدر المفهوم من قوله ﴿ولَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا

стр. 1911

آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ﴾، ويدل عليه/ أيضًا قوله ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إلَيَّ﴾. وأما من قرأ ﴿السَّجْنُ﴾ بفتح السين على أنه مصدر فقد اتضح عود الضمير عليه. وأما قوله "أو يكون الفعل فعل استثناء" فهذا لم يذهب إليه أحد فيما علمناه، وإنما الفاعل عند النحويين لفعل الاستثناء ضمير مفرد يعود على البعض المفهوم من المعنى، أي: قام القوم حاشا هو -أي: بعضهم- زيدًا، وكذلك باقيها. وقد كان ظهر لي ما قاله المصنف، وأمليته في بعض كتبي القديمة، ولم أجد أحدًا يقوله، فأعرضت عنه. قال المصنف في الشرح: "ومن الإسناد إلى مدلولٍ عليه قول الشاعر: أقول إذا ما الطير مرت مخيلةً ... لعلك يومًا- فانتظر- أن تنالها أؤدرك من أم الحويرث غبطةً ... بها خبرتني الطير أم قد أنى لها أي: قد أنى لها ألا تدرك؛ لأن ذكر أم بعد الهمزة التي وليها أحد الضدين مشعر بأن ثانيهما مراد، وهذا شبيه بقوله تعالى ﴿ومَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ ولا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾؛ لأن ذكر المعمر مشعر بمقابله، وهو القصير العمر، فأعيدت هاء ﴿عُمُرِهِ﴾ إليه، ولم يذكر لإشعار مقابله به" انتهى.

стр. 1912

فأما "أؤدرك. البيت" فإنه لا يتعين ما ذكر؛ إذ قد يحتمل ألا تكون أم معادلة للهمزة، بل تكون أم منقطعة بمعنى بل والهمزة، ويكون الفاعل بقوله أنى ضميرًا عائدًا على المصدر المفهوم من قوله أدرك، وكأنه استفهم أولًا، هل يدرك منها غبطة، ثم أضرب عن ذلك، واستفهم ثانيًا، هل قرب إدراكه لتلك الغبطة. وأما قوله "وهذا شبيه بقوله تعالى ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ﴾ " فإنه جعل الضمير في قوله ﴿وَلا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ عائدًا على القصير العمر لفظًا ومعنى، ودل عليه مقابله، وهو ﴿مِن مُّعَمَّرٍ﴾. والنحويون يقولون في مثل هذا إن الضمير عائد على ﴿مِن مُّعَمَّرٍ﴾ لفظًا دون معنى، نحو قولهم: له عندي درهم ونصفه، فالهاء في "ونصفه" عائد على درهم، والمراد به من حيث المعنى: ونصف درهم آخر، فهو عندهم عائد عليه لفظًا لا معنى، والمصنف جعله عائدًا على القصير العمر لفظًا ومعنى، ومتى دار الضمير بين أن يعود على شيء لفظًا دون معنى [وأن يعود على شيء لم يذكر] كان [أن يعود على شيء لفظًا دون معنى] أولى من أن يعود على شيء لم يذكر البتة. قال المصنف في الشرح: "ومثله قول الآخر: وما أدري إذا يممت أرضًا أريد الخير أيهما يليني فثنى الضمير قاصدًا للخير والشر، ولم يجر إلا ذكر أحدهما، ولكن الإشعار بما لم يذكر بمنزلة ذكره" انتهى. وهذا عندنا مما حذف منه الجملة المعطوفة/ لدلالة المعنى عليها، والتقدير: أريد الخير، وأجتنب الشر، فعاد الضمير على الخير والشر، وحذف الجملة

стр. 1913

لدلالة المعنى كثير، كقوله تعالى ﴿أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ﴾، التقدير: فضرب فانفلق. وهذا الذي ذكره المصنف تكثير واستطراد تكثير واستطراد لغير ما عقد له أصل المسألة، ويقع في ذلك النزاع، فلا حاجة في ذكره. قال المصنف في الشرح: "ومن الإسناد إلى مدلول عليه قول بعض العرب: إذا كان غدًا فأتني، أي: إذا كان غدًا ما نحن عليه الآن من الوعد في غد فأتني، ومثله قول الشاعر: فإن كان لا يرضيك حتى تردني إلى قطري لا إخالك راضيًا أي: إن كان لا يرضيك ما تشاهده مني. ومن الفاعل المؤول قوله تعالى ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾، ففاعل ﴿تَبَيَّنَ﴾ مضمون ﴿كَيْفَ فَعَلْنَا﴾، كأنه قيل: وتبين لكم كيفية فعلنا بهم. وجاز الإسناد في هذا الباب باعتبار التأويل، كما جاز في باب الابتداء، نحو ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ﴾، فإنه أول بـ (سواء عليهم الإنذار وعدمه)، بل كما جاز في هذا الباب أن يقال: ما ضر تعلب وائل أهجوتها ...................................... ومثل ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾، ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا﴾

стр. 1914

على تأويل: أولم يهد لهم كثرة إهلاكنا" انتهى. وهذا الذي ذهب إليه المصنف - وهو أن يُسبك من الجملة المصدرة بـ"كم" اسم يكون في موضع الفاعل - هو مذهب بعض الكوفيين. وأما أصحابنا فإنهم خرجوا قوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ على أن فاعل يهدي مضمر، يعود على المصدر المفهوم من الفعل، وساغ ذلك لأن الهداية قد تستعمل استعمال الدلالة التي يراد بها الحجة والبرهان، وكأنه قال: أو لم يتبين لهم حجتنا، ويكون ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ في موضع نصب بما دل عليه قوله ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ لأنه بمنزلة: أو لم يعلموا، فحمله على ذلك. ولا يكون الفاعل عند البصريين إلا صريح الاسام أو المقدر به من أن أو أن أو ما المصدريات فقط، كما قد بيناه في باب الفاعل. قال المصنف في الشرح: " ومن الإسناد إلى مدلول عليه قوله تعالى ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾، ففاعل ﴿أَخْرَجَ﴾ ضمير الواقع في البحر الموصوف، ولم يجر له ذكر، ولكن سياق الكلام يدل عليه" انتهى. وهذا ليس كما ذكر، بل هو يعود على محذوف مضاف إلى ﴿ظُلُمَاتِ﴾، التقدير: أو كذي ظلمات، فحذف "ذي" لدلالة المعنى. قال المصنف في الشرح: "ومثله قول النبي ﷺ (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن)،

стр. 1915

ففاعل (يشرب) غير مذكور، لكنه/ مفهوم، كأنه قيل: ولا يشرب الخمر شاربها. وقد يغني عن الفاعل استحضاره في الذهن بذكر فعل ناصب لما لا يصلح إلا له، كقول الشاعر: لقد علم الضيف والمرملون إذا أغبر أفق، وهبت شمالا فأغني عن إظهار الريح استحضارها في الذهن بـ (هبت) ونصبه شمالًا على الحال، فكان ذلك بمنزلة التصريح بالريح. ومثله قول الآخر: وأكرم الضيف والجار القريب إذا هبت شامية، واشتدت القرر فنصب شامية، وأضمر الريح. وإلى هذه المواضع وأشباهها أشرت بقولي: ويرفع توهم الحذف إن خفي الفاعل جعله مصدرًا منويًا ونحو ذلك".

стр. 1916

-[ص: باب النائب عن الفاعل قد يترك الفاعل لغرض لفظي أو معنوي جوازًا أو وجوبًا، فينوب عنه جاريًا مجراه في كل ما له: مفعول به، أو جار ومجرور، أو مصدر لغير مجرد التوكيد ملفوظ به أو مدلول عليه بغير العامل، أو ظرف مختص متصرف، وفي نيابته غير متصرف أو غير ملفوظ به خلاف.]- ش: هذا الاصطلاح في باب المفعول الذي لم يسم فاعله بالنائب لم أراه لغير هذا المصنف، وإنما عبارة النحويين فيه أن يقولوا: باب المفعول الذي لم يسم فاعله، ولا مشاحة في الاصطلاح. وحد هذا المفعول الذي لم يسم فاعله هو حد الفاعل، إلا أنه يقول مكان "غير مصوغ للمفعول": مصوغ للمفعول. والغرض اللفظي الإيجاز، نحو ﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾. وموافقة المسبوق للسابق كقول بعض الفصحاء: من طابت سريرته حمدت سيرته. وإصلاح النظم كقول الأعشى: علقتها عرضًا، وعلقت رجلًا غيري، وعلق أخرى ذلك الرجل وقول عنترة: فإذا شربت فإنني مستهلك مالي، وعرضي وافر، لم يكلم والغرض المعنوي كون الفاعل معلومًا، نحو قوله ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ

стр. 1917

ضَعِيفاً﴾، ونحو ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ﴾، و"نصرت بالرعب"، و "نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور" والجهل بالفاعل، كقول الرجل: نبئت بكذا، إذا لم يعرف من نباه. وألا يتعلق مراد المتكلم بتعيين الفاعل، كقوله ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾، ﴿وَإِذَا حُيِّيْتُم﴾، ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا﴾، وقوله/: وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل وتعظيم الفاعل بصون اسمه عن مقارنة اسم المفعول، كقوله: "من بُلي منكم بهذه القاذورة". وتعظيم المفعول بصون اسمه عن مقارنة

стр. 1918

الفاعل كقولك: أوذي فلان، إذا عظمته، واحتقرت من آذاه، والستر على الفاعل خوفًا منه أو خوفًا عليه. فهذه عشرة أشياء ذكرها المصنف، كل واحد منها باعث على حذف الفاعل. وقد نظمت البواعث على حذف الفاعل في أرجوزتي المسماة "نهاية الإعراب في علمي التصريف والإعراب"، فقلت: وحذفه للخوف، والإبهام والوزن، والتحقير، والإعظام والعلم، والجهل، والاختصار والسجع، والوفاق، والإيثار وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: "قولهم (يحذف الفاعل لكذا وكذا) هذيان من القول، وما ارتكبه المتأخرون في ذلك نازح عن الحق جملة، ولا فرق بين طلب العلة لذلك وطلب العلة في: لم بني الفعل للفاعل، ولا فرق بين السؤال: لم لم يذكر الفاعل، وبين السؤال: لم لم يذكر الظرف، أو: لم لم يذكر الزمان، أو شبيه ذلك". وقوله فينوب عنه جاريًا مجراه في كل ما له مفعول به يعني أنه يجري مجراه في الرفع، ووجوب تأخره عن الرافع، والتنزل منزلة الجزء، وامتناع الحذف، إلا أنه لا يجري مجراه في العامل؛ لأن الفاعل يرتفع باسم الفعل، وبالظرف، والمجرور، والأمثلة، والجامد الجاري مجرى المشتق، ولا يرتفع المفعول الذي لم يسم فاعله إلا بالفعل، واسم المفعول، وفي ارتفاعه بالمصدر الذي ينحل بحرف مصدري والفعل خلاف، فإذا لم يجر مجراه في كل ما له. وقوله أو جاز ومجرور مثاله: غضب على زيد. وهذا الذي ذكره المصنف

стр. 1919

لم يذهب إليه أحد، وهو أن يكون الجار والمجرور يقوم مقام الفاعل، فيكونان معًا في موضع رفع، بل في ذلك مذاهب، ليس قول المصنف واحدًا منها: أحدها: مذهب جمهور البصريين، وهو أن المجرور في موضع رفع بالفعل، كما أنك إذا قلت "ما قام من أحد" فالمجرور بمن في موضع رفع بالفعل، وسواء عندهم في ذلك أن يكون الجر بحرف زائد، نحو: ما ضرب من أحد، أو بحرف جر غير زائد، نحو: سير بزيد. الثاني: مذهب الكوفيين وبعض البصريين، وهو أن ذلك لا يجوز إلا فيما حرف الجر فيه زائد، نحو "أحد" من قولك: ما ضرب من أحد. وأما إذا/ كان غير زائد فلا يجوز ذلك. واختلف هؤلاء في الذي يقام مقام الفاعل إذا كان حرف الجر غير زائد على أربعة مذاهب: الأول: ذهب بعض البصريين - ونص بعضهم على أنه ابن درستويه - إلى أن المفعول الذي لم يسم فاعله هو ضمير عائد على المصدر المفهوم من الفعل، والتقدير في نحو سير بزيد: سير هو، أي: السيرز وإلى هذا ذهب أبو زيد السهيلي وتلميذه أبو علي الرندي. واستدل السهيلي على امتناع إقامة المجرور مقام المفعول الذي لم يسم فاعله بأن المفعول الذي لم يسم فاعله إذا تقدم صار

стр. 1920

مبتدأ، كما أن الفاعل إذا تقدم صار مبتدأ، فتقول: زيد ضرب، كما تقول: زيد ضرب، وأنت لا تقول: بزيد سير، فيكون بزيد مبتدأ، فإذا وجد من كلام العرب سير بزيد جعل المقام مقام الفاعل ضمير المصدر. وقال السهيلي أيضًا: ما ذهب إليه أبو القاسم - يعني الزجاجي - وزعم أنه قول الأكثرين، وهو أن يقام المجرور مقام الفاعل فيكون في موضع رفع، فيكون هو المخبر عنه - غير صحيح، ولو صح لقيل: سيرت بهند، وجلست في الدار. ولأن الظرف لا ينوب وهو ظرف مقدر بـ (في) حتى يجعل مفعولًا على السعة، فإذا لم ينب من أجل أن حرف الجر مقدر فيه فكيف ينوب وحرف الجر ظاهر ملفوظ به، وأي شيء ينوب إذا قلت: جلس عندك، وعندك لا يكون إلا ظرفًا، فلم يبق إلا المصدر. ولأنه لا يحسن: سير بزيد العاقل، كما حسن ﴿مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، فيرفع الفاعل كرفع غيره. ولأنه لو كان في موضع الفاعل لما جاز: بزيد سير، وعن زيد سئل، لأن النائب إذا قدم كان مبتدأ كالفاعل إذا قدم، والمبتدأ لا يكون مجرورًا، وجاء في التنزيل ﴿كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾، أي: مسؤولًا عنه، فليس (عنه) في موضع رفع كما

стр. 1921

زعموا، ولو كان كذلك ما جاز تقديمه وهو مجرور. وهذا الذي ذكره السهيلي في سير بزيد يرد عليه في: لم يضرب من رجل، فإن هذا المجرور في موضع رفع لقيامه مقام الفاعل، ولو قدمته لم يجز، نحو: من رجل لم يضرب، فينبغي ألا يجوز ذلك. قال أصحابنا: والدليل على بطلان هذا المذهب أن العرب تقول: سير بزيد سيرًا، بنصب المصدر، فدل ذلك على أن المجرور هو الذي يقام مقام الفاعل. وإنما امتنع أن يكون (بزيد) مبتدأ لأن المبتدأ معرى من العوامل اللفظية، فلا يتقدمه عامل لفظي أصلًا، إلا أن يكون حرف جر زائدًا، والباء في (بزيد) ليست بزائدة، فلذلك امتنع أن يكون مبتدأ. وأما ما ذكره من امتناع "سير بزيد العاقل" بالرفع على الموضع فلأن/ هذا الموضع لا يجوز أن يلفظ به، وما كان هكذا فلا يجوز الإتباع عليه؛ ألا ترى أنك لا تقول: مررت بزيد الظريف، بالنصب؛ لأنه لا يجوز: مررت زيدًا، فكذلك هذا، وذلك بخلاف ﴿مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. لأنه يجوز: ما لكم إله غيره، ففرق تجويزه "بزيد سير" فسيأتي ذكر اتفاق النحويين على منعه، وأنهم أجمعوا على منع التقديم، والإجماع حجة. وقال ابن طلحة: يقول السهيلي: يجوز أن يفرق بين وقوع هذا المجرور مبتدأ وبين وقوعه بعد الفعل، فإنه إذا وقع أولًا لم يكن للباء هناك معنى خبر، فلم يكن لها متعلق، ولا يقاس على قولهم: بحسبك درهم، وإذا وقع بعد الفعل أمكن أن يكون للباء هناك معنى خبر، فأمكن أن يكون لها متعلق، كما كان لها في

стр. 1922

قولك ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾، وهي داخلة على الفاعل، ولا يصح أن تقولك بالله كفى به شهيدًا، وعلى أن الباء في بحسبك زيد معنى المتعلق؛ لأن التقدير: اكتف بزيد، وهذا فرق بين يوجب إسناد الفعل إلى المجرور وبناء المجرور عليه، ويمنع من بناء الفعل على المجرور، وبهذا المعنى بعينه لم يصح تأنيث الفعل له؛ ألا ترى أنك تقول: كفى بهند من فاضلة، فلا تؤنث الفاعل، والباء زائدة على فاعل مؤنث. والمذهب الثاني: ذهب الكسائي وهشام إلى أن مفعول الفعل ضمير مبهم مستتر في الفعل، وجعلا الضمير مبهمًا من حيث كان محتملًا أن يراد ما يدل على الفعل من مصدر أو ظرف مكان أو ظرف زمان، ولم يقم دليل على أن المراد به بعض ذلك دون بعض. المذهب الثالث: ذهب الفراء إلى أن حرف الجر في موضع رفع، كما أن الفعل في "زيد يقوم" في موضع رفع. وهذا ينبني على قولهم: مر زيد بعمرو، فمذهب البصريين أن المجرور في محل نصب، فإذا بني مثل هذا للمفعول كان المجرور في موضع رفع. وذهب الفراء إلى أن حرف الجر في موضع نصب، فلذلك ادعى أنه إذا بنى للمفعول كان حرف الجر في موضع رفع. المذهب الرابع: ذهب قوم إلى أن قولك "سير بزيد" هو على إضمار الطريق؛ لأن السير لا يكون إلا في مكان، والمعنى: قطع به طريق.

стр. 1923

واتفق النحويون على أن هذا الجار والمجرور في نحو سير بزيد، وزيد متعجب منه - لا يجوز تقديمه، فلا يجوز: يزيد سير، ولا: زيد منه متعجب. وعلة امتناعه عند البصريين أنه قد قام مقام الفاعل، فإن قدمته احتجت إلى أن تضمر مثله، فتضمر الخافض والمخفوض. وعلة الكوفيين أنه صلة، فلا تتقدم. ذكر هذا الاتفاق أبو جعفر النحاس. وقال ابن اصبغ: هي/ جائزة في القياس. يعني التقدم. وتقدم خلاف السهيلي في ذلك والرد عليه بالإجماع. وأما المفعول له فقيل: لا يجوز أن يبنى لما لم يسم فاعله مطلقًا، وهو رأي أبي علي، وابن جني، ولذلك لم يكن في قوله: يغضي حياء، ويغضى من مهابته فلا يكلم إلا حين يبتسم واحتجوا بوجهين: أحدهما: أن المجرور لا يقام مقام الفاعل، وهذا كذلك إما لفظًا أو معنى. الثاني: أنه بيان لعلة الشيء، ولا يكون إلا بعد ثبوت الفعل بمرفوعه. وقيل: يجوز إذا كان بحرف جر بناء على جواز الأصل، ولا يجوز إذا كان منصوبًا. وقوله أو مصدر لغير مجرد التوكيد ملفوظ به أو مدلول عليه بغير العامل إذا كان المصدر للتوكيد، نحو: قام زيد قيامًا - فلا يقام مقام الفاعل لعدم الفائدة؛

стр. 1924

لأن المفهوم من المسند إليه يكون غير المفهوم من المسند، فإن كان مختصًا بنوع ما من الاختصاص، كتحديد العدد، والاختصاص بالوصف أو الإضافة، أو كونه اسم نوع - جاز ذلك لتغاير المسند والمسند إليه. ومثال الملفوظ به: سير سير شديد. ومثال المدلول عليه بغير العامل - وهو أن يكون المصدر غير ملفوظ به، لكنه دل عليه بغير الفعل - قولك: بل سير، لمن قال: ما سير سير شديد، فالضمير المستكن في سير هو مدلول عليه بغير سير، بل دل عليه بقول القائل: ما سير سير شديد، فلو كان مدلولًا بالعامل كقولك: جلس، أو ضرب، وأنت تريد: هو، أي: جلوس، وضرب - لم يجز. وفي كلام الزجاجي إشعار بجواز ذلك؛ لأنه قال: وقد أجازه بعضهم على إضمار المصدر المؤكد، وهو مذهب س، قال ابن خروف: "لا يجيز أحد من النحويين رد الفعل لما لم يسم فاعله على إضمار المصدر المؤكد، لا يجيز أحد: قعد، وضحك من غير شيء يكون بعد هذا الفعل. ثم ادعاؤه أنه مذهب س فاسد؛ لأن س لا يجيز إضمار المصدر المؤكد في هذا الباب، والذي أجازه س لا يمنعه بشر، وهو إضمار المصدر المعهود، مثل أن يقال لمتوقع القعود: قد قعد، ولمتوقع السفر: قد سوفر، أي: قعد القعود، وسوفر الذي ينتظر وقوعه، والفعل لا يدل على هذا النوع من المصادر، والدال عليه أمر آخر" انتهى.

стр. 1925

وقال السهيلي ما ملخصه: "من اللازم ما لا ينبغي أن يجوز البتة، نحو: قعد، وضحك، أضمرت المصدر أو لم تضمره؛ لأن معناه: فعل ضحك، ولو صرح بهذا لم يفد، وكيف يحيز هذا س وقد منع: رجل قائم، إنما الذي أجاز: ضحك/ في الدار، وقعد عندك، وأجاز: سير بزيد فرسخًا، على إضمار السير. وحسن الإضمار عنده وعند المحققين في هذه المسألة لأن المكان والزمان المخصوصين قد يخلوان من الفعل، فإذا أخبرت أن قد كان فيه فعل حصلت به فائدة، هذا إن كان الزمان أو المكان معرفة، فإن قلت: قعد في مكان، أو ذهب في يوم - لم يجز. والدليل على إضمار المصدر مع الظرف والمجرور قولهم: سير بالقوم رويدًا، فـ (رويدًا) حال من السير الذي هو النائب، وكذلك: سير يزيد سريعًا، لا خلاف في جواز هذا، وكذلك تقول: إن سير بهند فهو خير لها، فيعود الضمير على السير، ولا خلاف في جواز هذا أيضًا، فينبغي ألا يكون خلاف في صحة ما ذهب إليه س" انتهى كلام السهيلي. ونقول: لا يجوز بناء الفعل للمفعول إذا لم يكن له معمول غير الفاعل، فلا يجوز في جلس زيد: جلس، ولا في ظرف زيد: [ظرف]. هذا مذهب أكثر النحويين من البصريين والكوفيين، وما نسبه الزجاجي إلى س من إجازة ذلك على إضمار المصدر غلط منه عليه، وقد أنكره النحاس وغيره على الزجاجي.

стр. 1926

وزعم الكسائي والفراء وهشام أن ذلك يجوز، فكان الفراء يزعم أن الفعل فارغ لا شيء فيه، فقيل له: هل يخلو الفعل من فاعل؟ فقال له: إذا شرطت إسقاط الفاعل، وقلت لا تسمه، وجب ألا يكون في الفعل ذكر إذا أسقط فاعله. وكذلك كان يقول في ضرب ضربًا: إنه لا شيء مضمرًا في ضرب، وكذلك قعد قعودًا تعدى أو لم يتعد. وكان الكسائي وهشام يجيزان ذلك على أن في الفعل مجهولًا، لما حذف الفاعل أسند الفعل إلى أحد ما يعمل فيه مما هو سوى المفعول به: المصدر، أو الوقت، أو المكان، فلم يعلم أيها هو المقصود لأنه لم يظهر مع الفعل مرفوع به. قال أبو محمد بن السيد: "والأشبه في هذا لمن أجازه أن يضمر مصدر الفعل؛ لأن الفعل يدل على مصدره، كما قال الزجاجي، وما زعم الفراء أنه فارغ لا ضمير فيه خطأ. وقد احتج المانعون من جواز هذا بأن قالوا: الفعل يدل على مصدره، فلا فائدة في إضماره ولا في إظهاره. فرد عليهم من أجاز ذلك بأن قالوا: قد أجاز النحويون إقامة المصدر مقام الفاعل في الأفعال المتعدية إذا عدم المفعول به، وكان المصدر منعوتًا أو محدودًا أو معرفًا، فأجازوا: ضرب بزيد الضرب، وسير بزيد سير شديد، وقال تعالى ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾. فكما جاز أن يقام المصدر

стр. 1927

في هذه المسائل/ مقام الفاعل - وإن كان الفعل قد دل عليه وأغني عنه - كذلك تقول: جلس الجلوس، وقعد القعود، ولا فرق. ويؤكد جواز هذا أن الموجب لإقامة المصدر مقام الفاعل إنما هو عدم المفعول به، وهذا العلة بعينها هي موجودة في جلس وقعد. واحتجوا أيضًا بأن قالوا: هل معنى جلس زيد إلا أنه قد فعل جلوسًا وأحدثه، فإذا كان هذا معنى الكلام والغرض فيه فما المانع من أن يقال جلس وقعد، إذ معناه فعل الجلوس، وفعل القعود، كما أن قولنا: ضرب بزيد الضرب، إنما معناه: فعل بزيد الضرب. قالوا: والمفعول ليس يرتفع بما أوقع به فعل، كما أن الفاعل في صناعة العربية ليس يرتفع بما أوقع شيئًا وأحدثه، إنما يرتفع كل واحد منهما بالحديث عنه وإسناد الفعل إليه، فيجب على هذا أن يرتفع كل ما حدث عنه من مصدر أو ظرف، سواء أكان الفعل متعديًا أم غير متعد، والتفريق بين المتعدي وغير المتعدي في هذا لا وجه له. قالوا: ولو أن ملكًا أو نظيره ممن له أمر ونهي عهد ألا يجلس أو ألا يضحك في وقت من الأوقات لغرض له في ذلك دون أن يسمي جالسًا أو ضاحكًا لجاز ذلك، ولم يمتنع" انتهى كلام ابن السيد. وقد وجدت في لسان العرب ما يشهد بجواز جلس وقعد مبنيًا للمفعول دون أن يسند إلى شيء في اللفظ، والفعل لازم، قال الشاعر: وقالت: متى يبخل عليك، ويعتلل يسؤك، وإن يكشف غرامك تدرب فـ"يعتل" فعل لازم مبنى للمفعول، ولا مفعول له ظاهر، ولا جائز أن يكون المفعول "عليك" محذوفة لدلالة "متى يبخل عليك" عليه؛ لأن المفعول

стр. 1928

الذي لا يسمى فاعله لا يجوز حذفه، كما لا يجوز حذف الفاعل، فالأولى أن يعتقد أن "يعتلل" مفعوله ضمير يعود على مصدر يدل عليه الفعل، ويجعل فيه اختصاص، أي: يعتلل هو، أي: الاعتلال المعهود. أو يجعل "عليك" محذوفة لدلالة ما قبلها عليها، وتكون في موضع نصب ليتخصص به المصدر المذكور، كما تقول: فلان يغضب عليك ويحقد، تريد: ويحقد عليك، فحذفت لدلالة ما قبله عليه، ولا تقدر للمقام مصدرًا مؤكدًا لئلا يتحد المسند والمسند إليه. وأجاز س اختصاص المصدر بوصف مقدر، فتقول "سير بزيد سير" إذا أردت به نوعًا من السير، فتحذف الصفة لفهم المعنى، كما قال ﴿الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالحق البين. وقال ابن عصفور: إن هذا مما انفرد به س. وقال غيره: إن أبا العباس قال: هذا فيه/ بعد إذا كنت تريد به ضربًا من السير. وقال غيره: يجوز ذلك إذا أردت به جمع سيره. قال النحاس: والأجود عند جميع البصريين النصب لما ذكرت أنه بمنزلة الفعل. وقال الأستاذ أبو الحسين بن أبي الربيع: "إذا كان المصدر مؤكدًا لم يبن له الفعل إلا أن يعلق به ظرف غير متصرف، نحو: جلس دونك، قال تعالى ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾، وقال الشاعر: فيا لك من ذي حاجة، حيل دونها وما كل ما يهوي امرؤ هو نائلة" النائب مضمر، يعود على المصدر المفهوم من حيل.

стр. 1929

ولا يقام وصف المصدر مقام المصدر الموصوف، فيجوز: سير عليه سير سريع، وسير حثيث، ولا يجوز: سير عليه سريع، ولا: سير عليه حثيث، بل تنصبه، قال س: "سير عليه حثيثا وشديدًا، فالنصب في هذا على أنه حال". قال: "ولا يكون فيه الرفع لأنه لم يقع موقع الأسماء" إذا كان صفة. وكذا عنده: سير عليه طويلًا، وحديثًا، وكثيرًا، وقليلًا، وقديمًا، بالنصب لا غير. قال أبو إسحاق: التقدير: سير عليه في هذه الحال، فلهذا لم يجز فيه الرفع. ووهم ابن عصفور في قوله إن س انفرد بإقامة صفة المصدر، ونص ص أن ذلك لا يقوم مقام الفاعل. وأجاز الكوفيون في كل ما ذكرناه من كلام س الرفع على أنه أقيمت فيه الصفة مقام الموصوف، فتقول: سير عليه حسن، أي: سير حسن، ومر به سريع، أي: مرور سريع، إلا في شديد وبين، فإنهم لا يجيزون فيهما إلا النصب، فيقولون: سير عليه شديدًا وبينًا؛ لأن المعنى عندهم: سير عليه حقًا، وكذلك يقولون: ضرب أبين الضرب، وأشد الضرب، وأولع أشد الإيلاع، بالنصب عندهم فقط، ولا يجوز الرفع. وأجاز البصريون في مثل هذا الوصف المضاف الرفع إذا لم يضمر، فتقول: ضرب أبين الضرب، وضرب أشد الضرب. وقد نقص المصنف في إقامة المصدر شرطًا، وهو أن يكون المصدر متصرفًا، وكان ينبغي أن يذكره، ذكره في الظرف، فإنه إن كان المصدر غير متصرف لم يجز أن يقوم مقام الفاعل، نحو: معاذ الله وريحانه، وعمرك الله،

стр. 1930

وأمثال ذلك؛ لأن العرب التزمت فيها النصب على المصدر. وقوله أو ظرف مختص متصرف شرط الاختصاص لأن غير المختص لا يقام مقام الفاعل، لا يقال في سرت وقتًا: سير وقت؛ لعدم الفائدة، وكذلك ظرف المكان، لا/ يقال: جلس مكان، في نحو: جلست مكانًا، فإن اختص جاز، نحو: سير وقت صعب، وزمان طويل وجلس مكان بعيد. وقوله متصرف احترز به من الظرف الذي لا يتصرف، وهو ما لزم الظرفية، نحو "سحر" من يوم معين، و "ثم"، فلا يقال سير سحر، ولا: جلس ثم: لأن قيامهما مقام الفاعل يخرجهما عن الظرفية، قال س: "سير عليه سحر لا يجوز فيه إلا أن يكون ظرفًا؛ لأنهم إنما يتكلمون به في النصب والرفع والجر بالألف واللام، يقولون: هذا السحر، وبأعلى السحر، وإن السجر خير لك من أول الليل". وقال س أيضًا: "سير عليه ضحى، إذا عنيت ضحى يومك". قال: "وكذلك سير عليه عتمة، إذا أردت عتمة ليلتك، وكذلك ضحوة يومك الذي أنت فيه، يجري مجرى عشية، وكذلك: سير عليه ليلًا، وسير عليه نهارًا، إذا أردت ليل ليلتك، ونهار نهارك" انتهى كلام س. والمعنى أن هذه الظروف التي ذكرها س إذا كانت نكرات جاز فيها الرفع على سبيل المجاز، والنصب على الأصل، فإذا أريد بها شيء بعينه لم تتمكن، فتركت على بابها منصوبة.
следующие страницы →