Полный текст (3 950 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
وقد كان الأستاذ أبو الحسن- يعني أبن عصفور- يقول: لعل هذا المذكور يهيئ شفتيه للنطق بالضمة قبل النطق بالحرف، ثم ينطق به، فيكون الإشمام في غير الأواخر عكس ما هو في الآخر، وهو رأي فاسد؛ لأنه إذا قام الدليل على أن النية بالحركة أن تكون بعد الحرف وجب ألا يقع الإشمام إلا بعد نطق الحرف؛ إذ هو إشارة للحركة، فينبغي أن تكون تلك الإشارة في موضع الحركة، وأيضًا فقد اتفق في الوقف على الإشمام بعد النطق بالحرف، واختلف هنا، فينبغي أن يرد ما أختلف فيه إلى ما أتفق عليه، فإن تعذر ذلك كما تقدم وجب ألا يقال إنه إشمام، ولو قيل فيه أنه روم لكان صحيحًا؛ لأن الروم عبارة عن تضعيفك النطق بالحركة حتى يسمع لها صويت ضعيف يكاد يخفي، لكن يدركه الأعمى، وهذا موجود في مثل قيل وغيض، فينبغي أن يسمى رومًا، لكن عبارة من تقدم عنه بالإشمام كما ذكرت لك" انتهى كلام أبن عذره.
وقال س: "وبعض العرب يقول: خيف وقيل وبيع، فيشم". قال ابن خروف: "الإشمام هنا صوت، كما تريد ذلك في رد؛ ألا ترى أنه لا يجري بضم الشفتين إلا صوت الواو، ولا بد منذ لك".وقال الأستاذ أبو علي: زعم أبو عمرو الداني أن الإشمام هنا. بمعنى الاختلاط، وأنه لا بد من سماعه، ومحال أن يكون الإشمام في مثل هذا الموضع من التي وقع الإشمام فيها في الوصل كالإشمام في الوقف. يريد غير مسموع. وقال: إنه لا يطوع بالنطق به لسان. قال الأستاذ أبو علي: وقد كان شيخًا أبو عمرو بن الطفيل المقرئ المجود يتقنه، ويشم الحرف
стр. 1962
الموصول من غير أن يسمع إشمام، وقد سمعته يورده غير مرة، ولا يسمع لإشمامه صوت أصلًا. وقد قال س في باب من أبواب الأجزاء: "وسمعنا من العرب من يشم الضم". وهذا ظاهرة أن الإشمام في الموصول مسموع كما قال أبو عمرو الداني.
وقوله ربما أخلص ضمًا قال المصنف: "وبعض العرب يخلص الضمة، فإن كانت العين واوًا سلمت لسكونها بعد ما يجانسها، وإن كانت ياء اقلبت واوًا لسكونها بعد ضمة، وعلى هذه اللغة قول الراجز:
ليت، وهل ينفع شيئًا ليت ليت شبابًا بوع، فأشتريت
ومثله الآخر:
حوكت على نيرين إذ تحال تخبط الشوك، ولا تشاك"
انتهى. وهذه لغة فقعس ودبير، وهما من فصحاء بني أسد، وهي موجودة في لغة هذيل.
وهذه اللغات الثلاثة جارية في انقاد واختار إذا بنيا للمفعول. وقال/ أبو الحكم بن عذره. "لغة قول وبوع هي أراد اللغات لشذوذها استعمالًا وقياسًا، وهذه اللغة الثالثة إنما تكون في الثلاثي من الأفعال، فأما الزائد على ذلك فليس فيه
стр. 1963
إلا النقل، نحو أنقيد" انتهى. فعلى هذا لا يجوز أنقود ولا أختور. وما ذكرناه قبل من جواز ذلك نقله الأستاذ أبو الحسن بن عصفور وشيخنا الأستاذ أبو الحسن الأبذي، كما نقله المصنف.
وقوله ويمنع عند خوف اللبس قال المصنف في الشرح: "لا يجوز إخلاص الكسر ولا إخلاص الضم إذا أسند الفعل إلى تاء الضمير أو نونه إلا بشرط ألا يلتبس فعل المفعول بفعل الفاعل؛ بل يتعين عند خوف الالتباس إشمام الكسرة ضمًا. ومثال ما يخاف فيه الالتباس قولك في بيع العبد: بعت يا عبد، وفي عوق الطالب: عقت يا طالب، فإن هذا ونحوه لا يعلم كون المخاطب فيه مفعولًا إذا أخلصت الكسرة مما عينه ياء، والضمة مما عينه واو، بل الذي يتبادر إلى ذهن السامع كون المسند إليه فاعلًا، والمراد كونه مفعولًا، ولا يفهم ذلك إلا بالإشمام، فوجب التزامه في مثل هذا" انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره المصنف من أنه يمنع الإخلاص عند خوف اللبس لم يذكره أصحابنا، ولم يعتبروه، قالوا: إذا أسند شيئًا من هذه الأفعال المعتلة المبنية للمفعول إلى ضمير متكلم أو مخاطب أو نون جماعة المؤنث فإن العرب تختار الكسر في الفاء إذا كانت فيما سمي فاعله مضمونة؛ فيقولون: طالما قدت، فيضمون الفاء إذا كان مسندًا إلى الفاعل، ويكسرونها إذا كان مسندًا للمفعول، ومنهم من يشم الضم تفرقه بين المعنيين، وقد يجوز أن تضم الفاء فيهما. وتختار العرب الضم في الفاء إذا كانت فيما سمي فاعله مكسورة، فيقولون: طالما ضمت إذا كان مسندًا للفاعل، وطالما ضمت وضمن إذا كان مسندًا للمفعول تفرقه بين المعنيين. ومن أشار إلى الضم في الفاء أشار إليه إذا حذف الياء، وقد
стр. 1964
يجوز أن تكسر الفاء فيهما. انتهى ما نقلوه عن العرب، ولم يشترطوا في الإخلاص ألا يلبس، ولا تعين إشمام الكسرة ضمًا إذا ألبس، بل ذكروا في نحو قدت الكسر، وفي نحو بعت الضم، على سبيل الاختيار، ثم جواز الإشمام، ثم جواز الضم في نحو فقدت مبنيًا للمفعول، كالبناء للفاعل.
وفي شرح المهاباذي: "لم يخف الالتباس في خفت إذا كان مبنيًا للمفعول، وجواز الكسر في بعت مبنيًا للمفعول؛ لأن الفرق بينهما حاصل تقديرًا وإن لم يكن فرق بينهما- يعني لفظًا- ومن ذلك ما حاكاه ذو الرمة عن أمة بني فلان: "غثنا ما شئنا"، وهو فعلنا؛ لأنه يقال: غبث القوم، فإذا رددته إلى نفسك فلت: غثت" انتهى.
ولم يبالوا بالإلباس، كما لم يبالوا به حين قالوا "مختار" لأسم الفاعل واسم المفعول، والفارق بينهما تقديري لا لفظي.
وأما س فلم يتعرض لهذا التفصيل الذي ذكره أصحابنا، ولا لما ذكره المصنف من أنه يمنع الإخلاص عند خوف الالتباس، بل أجاز فيها إذا أسندت إلى ضمير متكلم أو مخاطب أو نون إناث الأوجه الثلاثة التي هي في قيل وبيع إذا كانت مسندة لغير ضمير المتكلم ونون الإناث؛ قال س: "وإذا قلت فعلت أو فعلن أو فعلنا من هذه الأشياء ففيها لغات:
أما من قال قد بيع وزين وخيفت وهيبت فإنه يقول: قد خفنا وبعنا وخفن وزن وبعت وهبت، يدع الكسرة على حالها، ويحذف الياء لأنه التقى ساكنان.
стр. 1965
وأما من ضم بإشمام إذا قيل فعل فإنه يقول: قد بعنا، وقد رعن، وقد زدت. وكذا جميع هذا يميل الفاء ليعلم أن الياء قد حذفت، فيضم، وأمال كما ضموا وبعدها الياء لأنه أبين لفعل.
وأما الذين يقولون بوع وقول وخوف وهوب فإنهم يقولون بعنا وهبنا وخفنا وزدنا، لا يزيدون على الضم والحذف، كما لا يزيد الذين قالوا رعن وبعن على الكسر والحذف" انتهى كلام س. وهذا هو الصحيح المنقول عن العرب:
إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام.
وقوله وكسر فاء على ساكن العين لتخفيف أو إدغامه لغة قال المصنف في الشرح: "وقد يقال في فعل: فعل تخفيفًا دون نقل، وربما نقلوا بعد التخفيف، فقالوا في علم: علم" انتهى.
وقوله وكسر فاء فعل ساكن العين لتخفيف أو إدغامه لغة قال المصنف في الشرح: "وقد يقال في فعل: فعل تخفيفًا دون نقل، وربما نقلوا بعد التخفيف، فقالوا في علم: علم: انتهى.
والذين قالوا في ضرب ضرب، فسكنوا الرء، هم الذين يقولون في قيل وبيع: قول وبوع، لم ينقلوا في المعتل ولا في الصحيح، بل سكنوا فيهما، فينبغي أن تكون لغة ضرب بكسر الضاد ليس مفرغة على هذه اللغة؛ لأن هؤلاء ليس في لغتهم النقل ولا في المعتل ولا في الصحيح، بل يكون ذلك من لغة من كسر ما قبل الآخر، ثم سكن، ثم نقل الكسرة إلى الفاء، فقال ضرب.
وقوله لغة أما كسر الفاء إذا سكنت العين تخفيفًا فإن مذهب الجمهور أنه لا يجوز، وحكي عن قطرب إجازته، فعلى مذهب الجمهور ليس بجائز، ولا هو لغة كما ذكر المصنف.
стр. 1966
وأما كسر الأول من المضاعف إذا وجب الإدغام نحو رد فقد قاله غيره، فيقول في رد: رد بكسر الراء، نقلت حركة العين إلى الفاء بعد تقدير سكونها. وقال الجمهور: لا يجوز إلا الضم. وأجاز الكسر بعض الكوفيون، وهو الصحيح، وهو لغة لبني ضبة ولبعض بني تميم ومن جاورهم، يقولون: رد الرجل، وقد/ قميصه، وقرأ علقمة (رُدَّتْ إِلَيْنَا)، (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا)، وهي في مذهب الذين قالوا قيل وحيل. إلا أن الوجه في فاء رد الضم، والوجه في فاء قيل وكيل الكسر.
وقال المهاباذي: من أشم في قيل وبيع أشم في رد. فعلى هذا يكون في رد وجوه قيل وبيع: إخلاص الضم، والإشمام، وإخلاص الكسر.
стр. 1967
مسائل في هذا الباب
الأولى: يجوز في قولك "ضرب زيد قيامًا وقعودًا" أن يتقدم قيامًا وقعودًا - وانتصابهما على الحال- فتقول: قيامًا وقعودًا ضرب زيد؛ لأن العامل فعل متصرف، وفعل ما لم يسم فاعله يجوز أن يتعدى إلى الحال والظرف كفعل ما سمي فاعله، والتقدم والتأخير في مثل هذا سواء، هذا مذهب البصريين، وسواء عندهم أكان ذو الحال مضمرًا أم ظاهرًا. ومنع التقديم هشام. وأجازه الكسائي إن كانت الحال من مضمر، فإن كانت من مظهر منع.
المسألة الثانية: يضرب أي رجل- بالنصب في أي- يجوز فيه التقديم والتأخير لأنهما حال عندهم. ومنع هشام التقديم، وقال: القطع لا يتقدم الاسم وفعله، ويجوز تأخيره. قال: تقطعه من المضمر. وأجاز التقديم الكسائي لأنه يقدم حال المضمر خاصة. وفصل الفراء، فقال: إن قدرت الكلام لا يتم إلا بالحال جاز التقديم، ومنع إن قدرته يتم دونها؛ لأن الحال عنده على ضربين، يقدمها في الناقص، ولا يقدمها في التام.
المسألة الثالثة: ذهب الكوفيون، والمبرد، وابن الطراوة إلى أن صيغة الفعل المبني للمفعول أصل غير مغير من صيغة الفاعل. ونسب هذا المذهب ابن الطراوة إلى س. وذهب جمهور البصريين إلى أنه ليس بأصل، وأنه مغير من فعل الفاعل. وهذا الخلاف لا يجدي كبير فائدة.
واستدل للمذهب الأول بأنه قد جاءت أفعال مبنية للمفعول، ولم تبن قط
стр. 1968
للفاعل، نحو جن زيد، وزكم، وورد، من ورد الحمى، ولقي، من اللقوة، وفلج، ورهصت الدابة، ونحو ذلك، ولو كان فرعًا للزم ألا يوجد إلا حيث يوجد الأصل. وبأنهم همزوا الواو المضمومة في أوله، فقالوا في وعد: أعد، في وقتت، أقتت، ولو كان مغيرًا من باب الفاعل لكانت الضمة عارضة، فلم تهمز؛ إذا كان يحكم لها بحكم الأصل، وه ومن وعد ووقت، وليس يهمزه أحد لخفة الفتحة؛ ألا ترى أنهم لم يهمزوا واو (لَتَرَوُنَّ)، ولا (اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ) لعروض الضمة فيها، فدل على أن الضم أول الفعل أصل.
ورد الأول بأن العرب قد تستغني بالفرع عن الأصل، الدليل على ذلك الجموع التي وردت ولا مفرد لها، كعباديد وشماطيط.
وأجيب/ عن الثاني بأنه- وإن كان فرعًا- فقد صار بإزاء معنى، إذا استعمل ذلك المعنى كان هذا التغيير مطردًا لا بد منه، فصار كالأصل. وأيضًا فإنه كثيرًا ما يعتد بالعارض في لسان العرب، فهذا منه.
واستدل للمذهب الثاني بقول العرب بويع وسوير، فلم يدغموا ذلك، والقاعدة أنه متى اجتمع ياء وواو وسبقت احدهما بالسكون أدغم في الآخر، فلما كان مغيرًا من ساير وبايع حمل على أصله، فلم يدغم لعروض هذا الاجتماع.
стр. 1969
وأجيب عن كونه لم يدغم- وإن كان أصلًا- بأنه كان لو أدغم يلتبس فوعل بفعل، ولأنه يمكن أن يحمل سوير على ساير وإن لم يكن أصلًا، كما حملوا عور وصيد على أعور وأصيد، وليس ذلك أصلًا لهما، وسوير في معنى ساير، بمعنى أنه إذا سوير فقد سايره مساير.
واستدل أيضًا لهذا المذهب الثاني بقولهم مدعو مراعاة للأصل الذي هو دعوت إذا زالت الكسرة، كما قالوا موازين جمع ميزان حيث زالت الكسرة، وكما قالت مياسير جمع موسر حيث زالت الضمة، وبأن طلب الفعل للفاعل من جهة المعنى أولًا وللمفعول ثانيًا، فينبغي أن تكون بنيته له أولًا، وللمفعول ثانية عن بنيته للفاعل.
المسألة الرابعة: تقول العرب: مررت برجل كفاك بعه رجلًا، فـ "به" في موضع رفع على الفاعلية، ولو سقطت الباء لاستكن الضمير في كفاك إذ تقدم عليه مفسره، ولا يجوز رد هذا الفعل لما لم يسم فاعله في هذا الترتيب مع وجود "به". وأجاز ذلك الكسائي، فتقول: مررت برجل كفيت به رجلًا. وغلطه الفراء، وقال: الثاني في رفع، فكان ينبغي أن يسقط، وإن سقط ذهب المدح.
وقوله وما تعلق بالفعل وليس بفاعل ولا شبيه به يعني بالشبيه بالفاعل أسم كان وأخواتها.
وقوله أو نائب عنه هو المفعول الذي لم يسم فاعله.
وقوله منصوب لفظًا يعني كالمصدر وظرف الزمان وظرف المكان والمفعول
стр. 1970
به والحال والتمييز والمستثنى- بشرط جوزا نصبه- والمفعول معه والمفعول من أجله.
وقوله أو محلًا مثاله المجرور بحرف زائد، نحو: ما رأيت من أحد، أو بغير زائد، نحو: مررت بزيد.
وقوله ربما رفع مفعول به إلى آخره مثاله: خرق الثوب المسمار، وانتصب العود على الحرباء، وقول الشاعر:
مثل القنافذ هداجون، قد بلغت نجران، أو بلغت سواتهم هجر
والسوات هي البالغة، ن وهجر هي المبلوغة، وقول الآخر:
إن سراجًا لكريم مفخرة تحلى به العين إذا ما تهجره.
/ وحقه أن يقول: يحلي بالعين، قال ثعلب" حلا الشيء في فمي يحلو: وحلي بعيني يحلي، وحلاوة فيهما جميعًا، وقول الفرزدق في ضيافته الذئب:
وأطلس عسال، وما كان صاحبًا رفعت لناري موهنًا، فأتاني أي: رفعت له ناري، وقول النابغة:
стр. 1971
على حين عاتبت المشيب على الصبا ................
أي: عاتبني المشيب على الصبا. وظاهر كلام المصنف أن ذلك جائز في الكلام على قلة إذا لم يلبس.
وقلب الإعراب لفهم المعنى فيه مذاهب ثلاثة:
أحدها: أنه يجوز ذلك في الكلام والشعر اتساعًا لفهم المعنى. واستدل لهذا المذهب بقوله تعالى (مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ)، وبقول العرب: إن فلانة لتنوء بها عجيزتها، فالعصبة والعجيزة لا تثقل، إنما يثقل بهما، والمعنى: لتنوء العصبة بها، ولتنوء فلانة بعجيزتها، أي: تثقل بها، وبقولهم: عرض الناقة على الحوض، وإنما يعرض الحوض على الناقة، وأدخلت القلنسوة في رأسي، والمعنى: أدخلت في القلنسوة. ومن القلب قوله:
كانت فريضة ما تقول كما كان الزناء فريضة الرجم
وقوله:
وتركب خيل لا هوداة بينها وتشقى الرماح بالضياطرة الحمر.
التقدير: كما كان الرجم فريضة الزني، وتشقى الضياطرة الحمر بالرماح وإلى هذا المذهب في الآية ذهب أبو عبيده وجماعة، وأنه على القلب.
стр. 1972
وأجاز أبو علي في قوله تعالى ﴿وآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ أن يكون من المقلوب، أي: فعميتم عليها. وكثيرًا ما يقول به أبو العباس في القرآن وغيره.
المذهب الثاني: أنه لا يجوز إلا لمجرد الضرورة.
المذهب الثالث: أنه لا يجوز إلا للضرورة وتضمين الكلام معنى يصح معه القلب، كقوله:
.............................. ........... أو بلغت سواتهم هجر
حمله على المعنى، فكأنه قال: أو حملت سواتهم هجر؛ لأنه إذا بلغت السوات هجر فقد حملتها هجر.
والذي صححه أصحابنا أنه لا يجوز في الكلام، ولا يجوز في الشعر إلا في حال الاضطرار.
والصحيح أن أكثر ما جاء من القلب سببه التضمين، وقد يجيء منه في الضرورة ما لا يلوح فيه وجه التضمين، بل قلب لمجرد الضرورة.
وقد تأولوا ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾، ولتنوء بها عجيزتها، على أن الباء للتعدية، أي: لتنئ العصبة، ولتنيئها عجيزتها، كالباء في ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾، أي:
стр. 1973
لأذهب سمعهم. وعلى /هذا خرج الآية الكسائي والفراء.
وفي البسيط: وقد يجوز أن يتبادلا _يعني الفاعل والمفعول_ الإعراب، وذلك في موضعين:
أحدهما: أن يكون كل واحد منهما فاعلًا من جهة المعنى، نحو: ضارب زيد عمرًا، وقوله:
.............................. قرع القواقيز أفواه الأباريق
والثاني: أن يكون مفهومًا من جهة المعنى، نحو: خرق الثوب المسمار، وكسر الزجاج الحجر.
وقيل: وقد يجوز رفعهما معًا، ونصبهما معًا، لفهم المعنى، وأنشدوا:
إن من صاد عقعقًا لمشوم كيف من صاد عقعقان وبوم
فرفع عقعقان وبوم؛ لأنه قد عرف أنهما مصيدان، ومنه:
قد سالم الحيات منه القدما
стр. 1974
-[ص: فصل
يجب وصل الفعل بمرفوعة إن خيف التباسه بالمنصوب، أو كان ضميرًا غير محصور، وكذا الحكم عند غير الكسائي وابن الأنباري في نحو: ما ضرب عمرو إلا زيدًا. فإن كان المرفوع ظاهرًا والمنصوب ضمير لم يسبق الفعل ولم يحصر فبالعكس. وكذا الحكم عند غير الكسائي في نحو: ما ضرب عمرًا إلا زيد، وعند الأكثرين في نحو: ضرب غلامه زيدًا. والصحيح جوازه على قلة.]-
ش: مرفوع الفعل يشمل الفاعل والمفعول الذي لم يسم فاعله واسم كان وأخواتها، ويتنزل منزلة الجزء منه، والأصل أن يليه، والفصل بينهما بالمنصوب جائز ما لم يعرض موجب للبقاء على الأصل أو الخروج عنه. وخوف الالتباس بكونهما مقصورين أو مضافين إلى ياء المتكلم أو مشارين أو نحوهما مما لا يظهر فيه إعراب من غير دليل على تعيين الفاعل موجب لتقديم الفاعل على المفعول؛ هكذا قال ابن السراج في أصوله والجزولي والمتأخرون من أصحابنا.
وقد نازعهم في ذلك أبو العباس الإشبيلي المعروف بابن الحاج، وكان من تلاميذ الأستاذ أبي علي، ورد ذلك على ابن عصفور في مقربه، وقال: "لا محصول لما ذكروا، ولا يوجد في كتاب سيبويه شيء من هذه الأغراض الواهية". قال: "وبيان ذلك أن في العربية أحكامًا مفرطة الكثرة، إذا حدثت طرأ منها لبس، ثم لا نقول بالقول المطلق إنه لا يجوز إحداثها، وذلك كتصغير عمر وعمرو، فإن اللفظ بهما واحد، ولا نقول لأجل ذلك لا يجوز تصغيرهما أو تصغير أحدهما، ولكن نقول أليس من المقاصد المعروفة بين العقلاء إجمال ما يتخاطبون به، وهذا
стр. 1975
ليس خاصًا بلسان، بل هو عام في جميع الألسنة، ثم نقول: لا يبعد أن /يقصد قاصد لإفادة أن موسى ضرب عيسى، أو ضربه عيسى، فيأتي في ذلك باللفظ المحتمل، وهو لم يقصد إلا إعماء هذا الخبر، وبقيت فيه بعد فائدة أخرى، وهو أنه ضرب أحدهما الآخر من غير تعيين. ونقول أيضًا: لا يمتنع أن يتكلم به لغة، ويتأخر البيان لوقت الحاجة، فإن تأخير البيان يجوز عقلًا عند الكل، ويجوز شرعًا عند الأكثرين، قال به الشافعي وأكثر أصحابه والأقل من أصحاب أبي حنيفة وبعض أصحاب مالك وحذاق المتكلمين. نعم يمكن أن يقال هنا إذا أجملا فينبغي أن يبقي مع الظاهر من تقديم الفاعل، لكن ليس هذا قطعًا على منعه. قال الزجاج في معانيه في قوله سبحانه ﴿فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾: يجوز أن يكون ﴿تِّلْكَ﴾ في موضع رفع على اسم ﴿زَالَت﴾، وفي موضع نصب على خبر ﴿زَالَت﴾، ولا اختلاف بين النحويين في الوجهين" انتهى.
فعلى ما قاله ابن الحاج، واتبع فيه الزجاج، وذكر أن س لا يتعرض لشيء مما ذكره ابن السراج ومتأخرو أصحابنا _لا يجب تقديم الفاعل على المفعول وإن ألبس.
ونفرع على المشهور، فنقول: إذا ألبس وجب تقديم الفاعل، ويزول الإلباس بقرينة معنوية، كولدت هذه هذه، تشير بالأولى إلى صغيرة، أو كقولك: أكل كمثرى موسى، أو لفظية كضربت موسى سعدي، وضرب موسى العاقل عيسى.
وإنما قال "مرفوع الفعل" لأنه لو كان مرفوعًا بالاسم لم يجب اتصاله
стр. 1976
بالاسم، مثاله: عجبت من ضرب زيد عمرًا، ومررت برجٍل راكٍب أبوه الفرس، فيجوز في هذين تأخير الفاعل عن المفعول.
وقوله أو كان ضميرًا غير محصور مثاله: ضربت زيدًا، وأكرمتك. واحترز بقوله غير محصور من نحو: إنما ضرب زيدًا أنا.
ويندرج تحت قوله أو كان ضميرًا غير محصور أيضًا مسألتان: إحداهما ممنوعة بإجماع، والأخرى فيها اختلاف:
فالممنوع: أن يكون الضمير المتصل بالفعل عائد على المفعول، مثاله: الزيدين ضربا.
والتي فيها اختلاف: أن يكون الضمير المتصل بالفعل عائد على ما اتصل بالمفعول، مثاله: ثوب أخويك يلبسان، فنقل المنع عن الأخفش والفراء، ونقل الجواز عن هشام، واختلف عن الكسائي والمبرد وأكثر البصريين: فنقل ابن كيسان عن الكسائي والمبرد الجواز. ونقل أحمد بن جعفر الدينوري المنع عن البصريين. ونقل النحاس منعها عن أكثر البصريين. وقال المبرد محتجًا للجواز: ليس هذا بأبعد من قولك: ضرب زيد غلامه. وقال أيضًا محتجًا للمنع: هو معلق بالثاني، والثوب /مضاف إلى الأخوين، فلو قال يلبسان ثوب أخويك لم يجز لتقدم المكني على الظاهر.
وذكر غيره أن ذلك لا يجوز لأن المفعول فضلة، فيجوز الاستغناء عنه، وعود الضمير على ما اتصل به يخرجه عن ذلك؛ لأنه يلزم ذكر المفعول ليعود الضمير الفاعل على ما اتصل به، قالوا: ولهذا امتنع: زيدًا ظن قائمًا؛ لأن المفعول إذ ذاك يلزم ذكره ليعود الضمير الفاعل عليه، وذلك مخرج له عن أصل
стр. 1977
وضعه؛ لأن المفعولين في باب ظننت يجوز حذفهما اختصارًا واقتصارًا.
قال بعض أصحابنا: والصحيح في مثل غلام هند ضربت الجواز لأن المفعول لا يلزم، وإنما يلزم ما أضيف إليه المفعول؛ ألا ترى أنك لو قلت هند ضربت لساغ، وليس كذلك زيدًا ظن قائمًا؛ لأنه لا سبيل إلى حذف المفعول؛ إذ لو حذفته لم يبق للضمير ما يفسره.
وقوله وكذا الحكم عند غير الكسائي وابن الأنباري في نحو ما ضرب عمرو إلا زيدًا يعني أن الحكم أن يتقدم الفاعل ويتأخر المفعول إذا كان المفعول محصورًا بحرف النفي وإلا، نحو ما مثل به من نحو: ما ضرب عمرو إلا زيدًا. وهذه المسألة كما ذكر فيها خلاف:
فذهب قوم _منهم الجزولي والأستاذ أبو علي_ إلى أنه يجب فيها تقديم الفاعل، وهذا اختيار المصنف.
وذهب البصريون والفراء والكسائي وابن الأنباري إلى انه يجوز تقديم الفاعل على المفعول وتأخيره عنه.
وقوله عند غير الكسائي وابن الأنباري موهم أنه مذهب البصريين والكوفيين غير الكسائي، وليس كما ذكر، بل مذهب هؤلاء في هذه المسألة هو مذهب الكسائي. وإنما هو مذهب قوم منهم الجزولي.
وقوله فإن كان المرفوع ظاهرًا إلى قوله فبالعكس مثاله: أكرمك زيد، والدرهم أعطيه عمرو. واحترز بقوله لم يسبق الفعل من نحو: إياك يكرم زيد، والدرهم إياه أعطى زيد عمرًا. ومعنى فبالعكس أنه يجب فيه تقديم المفعول على الفاعل، نحو: أكرمك زيد. واحترز بقوله ولم يحصر من نحو قوله: إنما يكرم زيد إياك.
стр. 1978
وقوله وكذا الحكم عند غير الكسائي في نحو ما ضرب زيدًا إلا عمرو غير الكسائي هم البصريون والكوفيون وقوم منهم ابن الأنباري والجزولي والأستاذ أبو علي، ذهب هؤلاء إلى أنه إذا كان الحصر في الفاعل بحرف نفي وإلا وجب تقديم المفعول وتأخير الفاعل، وذهب الكسائي إلى أنه يجوز، ولا يجب.
وتلخص في المحصور بالا ثلاثة مذاهب:
١ _مذهب الكسائي أنه يجوز التقديم والتأخير، سواء أكان المحصور الفاعل أم المفعول.
٢ _ومذهب قوم منهم الجزولي أنه يجب تأخير /ما حصر بالا وتقديم ما لم يحصر، سواء أكان فاعلًا أم مفعولًا.
٣ _ومذهب البصريين والفراء وابن الأنباري أنه إن حصر الفاعل وجب تقديم المفعول، وإن حصر المفعول جاز تقديم الفاعل وتأخيره.
وإذا كان الحصر بـ"إنما" فذكر الشيخ بهاء الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن النحاس أن النحاة أجمعوا على أنه متى أريد الحصر في واحد منهما وجب تأخيره وتقديم الآخر، فتقول "إنما ضرب عمرو هندًا" إذا أردت الحصر في المفعول، و"إنما ضرب هندًا عمرو" إذا أردت الحصر في الفاعل.
فأما الكسائي فاستدل على صحة مذهبه بالسماع، قال الشاعر:
стр. 1979
ولما أبى إلا جماحًا فؤاده ولم يسل عن ليلى بماٍل ولا أهل
وقال الآخر:
تزودت من ليلى بتكليم ساعةٍ فما زاد إلا ضعف ما بي كلامها
وقال الآخر:
وهل ينبت الخطي إلا وشيجة وتغرس إلا في منابتها النخل
وقال الآخر:
فلم يدر إلا الله ما هيجت لنا عشيةً آناء الديار وشامها
وقال الآخر:
ما عاب إلا لئيم فعل ذي كرٍم ولا هجا قط إلا جبأ بطلا
وقال الآخر:
نبئتهم عذبوا بالنار جارهم وهل يعذب إلا الله بالنار
وفرق الكسائي بين إنما وحرف النفي وإلا بأن إنما لا دليل معها على الحصر في أحدهما إلا تأخير المحصور؛ فلم يجز تقديمه لئلا يلتبس المحصور بغير المحصور، بخلاف الحصر بحرف النفي وإلا، فإن اقتران الاسم بالا دليل على الحصر فيه تقدم أو تأخر.
стр. 1980
وأما حجة من ذهب إلى أن المحصور منهما يجب تأخيره فإجراء لحرف النفي وإلا مجرى إنما.
وأما مذهب البصريين فقالوا: لابد أن يتقدم غير المحصور ويتأخر المحصور ليحصل الفرق بينهما، وإنما جوزنا تأخير الفاعل إذا كان المفعول مقرونًا بالا للسماع الذي استدل به الكسائي، ولأن الفاعل إذا تأخر في اللفظ علم أنه مقدم في النية، فحصل للمحصور فيه تأخير من وجه، وهو النية، ولغير المحصور تقديم، بخلاف ما إذا كان الحصر في الفاعل، فإنا /لو قدمناه وأخرنا المفعول كان قد وقد في رتبته من التقديم، والمفعول قد وقع في رتبته من التأخير، فلا يكون واحد منهما منويًا به غير موضعه، فلا يحصل ما يقتضيه الموضع من تقديم غير المحصور لفظًا أو نية.
وتأولوا ما استدل به الكسائي مما دخلت على الفاعل فيه إلا بأنه تم الكلام عند الاسم الذي دخلت عليه إلا، وما بعده على فعل، التقدير: درى ما هيجت، ويعذب بالنار.
وأما قوله "إن إلا قرينة دالة على الحصر فيما اقترنت به، فلا يحصل لبس" فنقول: بل يحصل اللبس، وهو أن يظن أننا أردنا الحصر في الاسمين اللذين بعد إلا، وكأننا قلنا: ما ضرب أحد أحدًا إلا زيد عمرًا، فغنا إذا أردنا هذا المعنى قلنا هذا.
فإن قلت: هذا يلزم إذا كان المفعول مقرونًا بالا، وجاز تأخير الفاعل.
قلنا: لا يلزم لأنه _وإن تأخر لفظًا_ فالنية به التقديم، بخلاف المفعول مع الفاعل المقرون بالا، فإنك إذا أخرته كان مؤخرًا لفظًا ونيةً، فافترقا.
ويظهر من ابن عصفور في (المقرب) اختيار مذهب البصريين، فإنه ذكر في القسم الذي يجب فيه تقديم المفعول أنه إذا كان الفاعل مقرونًا بالا يجب تقديم
стр. 1981
المفعول، ولم يذكر في القسم الذي يجب فيه تقديم الفاعل أنه إذا كان المفعول مقرونًا بالا وجب تقديم الفاعل، ولا تعرض لذلك. وكذلك يظهر من ابن معط في فصوله.
والذي نختاره هو مذهب الكسائي وقوفًا مع السماع، والتأويل فيه بعيد.
وقوله عند الأكثرين إلى آخره هذه مسألة: ضرب غلامه زيدًا، وقد تقدم الكلام عليها مستوفى في أوائل الفصل الرابع من باب المضمر في أوائل الكتاب.
وقال المصنف في الشرح هنا: "والصحيح جوازه لوروده في كلام العرب الفصحاء"، وأنشد ستة أبيات تدل على الجواز.
وقال أبو جعفر النحاس: "فأما إنشاد أبى عبيدة:
لما عصى أصحابه مصعبًا أدى إليه الكيل صاعًا بصاع
فهذا لا يجوز عند أهل النظر من البصريين في شعر ولا غيره، ورواية الأصمعي:
لما عصى المصعب أصحابه .................................
والبيت لأبى العباس السفاح. وأنشد هشام:
стр. 1982
جزى ربه عني عدي بن حاتم جزاء الكلاب العاويات، وقد فعل
وهذا البيت مصنوع، نحلة عمرو بن كلثوم، وقال هشام فيه: وهذا من متاع الشعر" انتهى كلام النحاس.
ولو تقدم المفعول على الفعل، فقلت: زيدًا ضرب غلامه _لم يجز ذلك عند الفراء والكسائي، وأجازها هشام، وأجازها المبرد، يجعلها /بمنزلة: ضرب زيدًا غلامه.
قال ابن كيسان: بينهما فصل عندي؛ لأنك غذا قلت: زيدًا ضرب غلامه، فنقلت زيدًا من أول الكلام إلى آخره _وقع بعد الكلام، فصار المضمر قبل المظهر، فبطلت، وقولك ضرب زيدًا غلامه في موضعه، لا ينقل، فيجعل بعد زيد لأن العامل فيه وفي الغلام واحد، فإذا كانا جميعًا بعد العامل فكل واحد منهما في موضعه وإن كان الفاعل أولى بالتقديم من المفعول.
стр. 1983
-[ص: باب اشتغال العامل
عن الاسم السابق بضميره أو ملابسه
إذا انتصب لفظًا أو تقديرًا ضمير اسم سابق مفتقر لما بعده أو ملابس ضميره بجائز العمل فيما قبله غير صلة، ولا مشبه بها، ولا شرط مفصول بأداته، ولا جواب مجزوم، ولا مسند إلى ضمير السابق متصل، ولا تالي استثناء، أو معلق، أو حرف ناسخ، أو كم الخبرية، أو حرف تحضيض، أو عرض، أو تمن بـ"ألا" _وجب نصب السابق إن تلا ما يختص بالفعل، أو استفهامًا بغير الهمزة، بعامل لا يظهر موافق للظاهر أو مقارب، وقد يضمر مطاوع للظاهر، فيرفع السابق.]-
ش: مثال انتصاب الضمير لفظًا: زيد ضربته، ومثال انتصابه تقديرًا: زيد مررت به. واشتغال العامل يشمل الفعل، نحو ما مثلناه، ويشمل ما يعمل عمل الفعل هنا.
قال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: "لا يدخل هنا مما يعمل عمل الفعل ما عدا أسماء الفاعلين والمفعولين لامتناع تقدم معمولة، فالصحيح ألا يفسر في هذا الباب إلا ما يجوز أن يعمل فيما قبله، فلا اشتغال في الصفات المشبهة، ولا في المصادر، ولا في أسماء الأفعال" انتهى.
فأما جمع أسماء الفاعلين والمفعولين فإن كان مسلمًا فالقياس يقتضي أن يدخل في أبواب الاشتغال، فنقول: زيدًا أنتم ضاربوه، وزيدًا أنتن ضارباته. وإن
стр. 1984
كان مكسرًا فتكسيره يبعده عن شبه الفعل، ويلحقه بالأسماء المحضة، فلذلك أحتاج س إلى شواهد لإعماله من الكلام ومن الشعر، فقال بعض أصحابنا: ينبغي ألا يدخل في الاشتغال لأن عمله ملفق ضعيف، والاشتغال كذلك باب ملفق، فيضعف عن الدخول فيه لأنه لا يقوى على أن يفسر، ولذلك لم يمثل عليه س، ولا عرض له في مسألة من الاشتغال، وإنما ذكره بحكم الانجرار؛ لأنه لما ذكر اسم الفاعل واسم المفعول، ومنه جار وغير جار _ذكر أيضًا جمعهما المكسر من حيث إنه غير جار، وهو قد يعمل.
ومن الناس من جوز أن يدخل في الاشتغال، قال: لأنه قد ثبت أنه يعمل، وقد ذكرها س في أبواب الاشتغال، فينبغي أن /يدخل فيه. والذي يقتضيه التحرز أنه لا يكون في الاشتغال إلا بسماع من العرب.
وقد أبهم المصنف في الشرح، فقال: "واشتغال العامل يتناول اشتغال الفعل، نحو: أزيدًا ضربته؟ واشتغال غير الفعل، نحو: أزيدًا أنت ضاربه" انتهى.
واحترز بقوله ضمير اسم سابق من أن يكون الاسم متأخرًا، نحو: ضربته زيدًا، على البدل، أو زيد، على الابتداء. واحترز بقوله مفتقر لما بعده من قولك: في الدار زيد فأكرمه.
وقوله أو ملابس ضميره هو أن يكون مضافًا إلى الضمير، نحو: زيد ضربت أخاه، أو مشتملًا صفته عليه، نحو: هند ضربت رجلًا يبغضها، أو
стр. 1985
الصلة عليه، نحو: هند أكرمت الذي يحبها، أو عطف عليه عطف بيان، نحو: زيد ضربت عمرًا أخاه، أو عطف عليه عطف نسق بالواو خاصة، نحو: زيد ضربت عمرًا وأخاه، او مضاف إلى واحد من هذه الخمسة. فلو أبدل منه لم يكن ملابسًا، أو عطف عليه بغير الواو لم يكن ملابسًا، أما البدل فلأنه على تكرار العامل فتخلو الجملة الواقعة خبرًا من الرابط، وأما العطف بـ"ثم" فلكون الفعل يستحيل أن يكون متحدًا في المعطوف والمعطوف عليه، بخلاف الواو؛ لأنها إذ ذاك تكون جامعة بمعنى "مع"، فكأنك قلت: ضربت رجلًا مع أخيه.
ولا ينحصر الشاغل للفعل فيما ذكره المصنف من الضمير والملابس له، بل قد يشغله ظاهر هو الأول، نحو: إذا زيدًا لقيت زيدًا فأكرمه، تريد: لقيته، ولا يكون هذا إلا في الشعر، نحو قوله:
إذا الوحش ضم الوحش في ظللاتها سواقط من حر، وقد كان أظهرا
وقوله بجائز العمل فيما قبله أي: بعامل يجوز له أن يعمل في الاسم الذي قبله، يعني: لو لم يشتغل بالضمير أو السبي، فإنه مع اشتغاله بأحدهما لا يجوز له أن يعمل في الاسم الذي قبله، وهو الذي له الضمير أو الملابس، لو لم يشتغل بالضمير أو السببي _ليس حاصرًا لمسائل الاشتغال؛ لأن منها قسمًا لا يجوز فيه للعامل أن
стр. 1986
يعمل في الاسم الذي قبله، وذكره المصنف في أواخر هذا الباب، ولهذا يقول أصحابنا: ولولا ذلك _أي: عمله في الضمير أو السببي_ لعمل في الاسم السابق أو في موضعه، وذلك نحو: إن زيد قام أكرمته، وأزيد قام؟ فيجيزون هنا الاشتغال وارتفاع زيد بفعل محذوف يفسره الفعل الذي بعده وإن كان لا يجوز أن يعمل قام في زيد لو فرضناه فارغًا من الضمير. ويشترطون في هذا الضرب أن يتقدم الاسم ما يطلب الفعل إما على اللزوم وإما على الاختيار.
وذهب أبو القاسم حسين بن الوليد المعروف /بابن العريف إلى أنه لا يشترط ما يطلب الفعل، فيجيز في نحو "زيد قام" أن يرتفع زيد بإضمار فعل يفسره ما بعده، التقدير: قام زيد قام، وهذه نزعة كوفية.
فإن قلت: كيف جاز أن يفسر ما لا يعمل؟
فالجواب: أنه لما قويت الدلالة هنا على الفعل بالحرف الطالب له جاز أن يفسر ما لا يعمل؛ إذ قد يعمل في اسم آخر في موضع ذلك الاسم، كالظرف مثلًا، فتقول: أخلفك زيد قام؟
وقال الأستاذ أبو الحسن علي بن جابر الدباج: "لا يبعد أن يقال إن
стр. 1987
هذا الفعل يصح له العمل في الأول مقدمًا عليه، وذلك مع أداة تطلب الفعل، وذلك أن العامل متصرف في نفسه، فكذلك يتصرف في معمولة إلا أن يمنع من ذلك مانع، وذلك المانع في الفاعل هو أنه يلتبس بالمبتدأ في قولك قام زيد، وزيد قام، فإذا جاء حرف لا يليه إلا الفعل لفظًا أو تقديرًا زال ذلك اللبس، فيصح أن يكون فاعلًا مقدمًا إن قدرت الفعل فارغًا من الضمير، وفاعلًا بإضمار فعل إن قدرت الفعل مشغولًا بضمير".
وهذا الذي قاله هذا الأستاذ إنما هو بناء منه على أن الفاعل لا يتقدم لأجل اللبس بالمبتدأ، فعلى هذا متى زال اللبس فينبغي أن يجوز تقديمه، ونحن نجد اللبس يزول، والفاعل مع ذلك لا يتقدم، وما سبب ذلك إلا أنه ينزل من الفعل كجزء منه مع اللبس المذكور في بعض المسائل، وحمل ما لا لبس فيه على ما فيه اللبس، لكنه يسوغ أن يفسر وإن لم يعمل لقوة طلب الفعل.
وقوله بجائز العمل هذا متعلق بقوله إذا انتصب. قال المصنف في الشرح: "وخرج بذلك فعل التعجب، نحو: زيد ما أحسنه، وأسماء الفاعل، نحو: زيد تراكه، وأفعل التفضيل، نحو: زيد أكرم منه عمرو، فليس للاسم المتقدم على هذه إلا الرفع؛ لأنها لا تعمل فيما تقدم، وما لا يعمل لا يفسر عاملًا على الوجه المعتبر في هذا الباب، وهو كون العامل المشغول عوضًا في اللفظ من العامل المضمر دليلًا عليه، ولكونه عوضًا امتنع الإظهار؛ إذ لا يجمع بين العوض والمعوض منه، ولكونه دليلًا لزم أن يكون موافقًا في المعنى أو مقاربًا، فلو قصدت
стр. 1988
الدلالة دون التعويض لم تكن المسألة من باب الاشتغال، كقول الراجز:
يا أيها المائح دلوي دونكا
فـ (دلوي) منصوب بعامل مقدر مدلول عليه بالملفوظ به. نص على ذلك س. وليس الملفوظ به عوضًا من المقدر. فلو جمع بينهما لم يمتنع. والحاصل أن المجعول دليلًا دون تعويض لا يلزم صلاحيته للعمل في موضع دلالته، بخلاف المجعول دليلًا وعوضًا، ومن كلام العرب: البهم أين هو؟ /فنصب قائل هذا] البهم [بفعل مضمر، وجعل (أين هو) دليلًا عليه مع عدم صلاحيته للعمل" انتهى.
وشرط أصحابنا في العامل أن يكون متصرفًا، فإن كان غير متصرف لم يجز أن يفسر، وذكروا أن "ليس" يجيء فيها الاشتغال، ففي كتاب س: "أزيدًا لست مثله"، وقدروه: أباينت زيدًا لست مثله. وهذا لا يتخرج إلا على مذهب من يجيز تقديم خبر ليس، وقد نسب ذلك إلى س، وسبق ذكر الخلاف فيها في باب كان وأخواتها.
وقوله فيما قبله أي: في الاسم الذي قبله، وهو الاسم السابق الذي ذكره
стр. 1989
المصنف، ولو قال "بجائز العمل في ذلك الاسم" لكان أوضح، ولولا أنه فسر قوله "فيما قبله" بالاسم السابق لكنا نستنتج منه أن يدخل فيما قبله الاسم السابق، ومسألة: أزيد قام؟ فإن "قام" وإن لم يعمل في "زيد" الرفع فإنه يجوز أن يعمل في اسم آخر في موضعه، وقد بينا ذلك.
وظاهر كلام النحويين أنه يشترط في باب الاشتغال تقدم الاسم وتأخر العامل، فعلى ظاهر ما ذكروه لا يجوز "ضربته زيدًا" على أن يكون انتصاب "زيد" على إضمار فعل يفسره ضربته، ويكون منويًا به التقديم، ومنويًا بـ"ضربته" التأخير؛ لأنه يلزم تقديم الضمير على ما يعود عليه، ولا مقتضي لتأخره عنه، وليس التفسير كالخبر؛ لأن الأصل في التفسير أن يتقدم على المفسر، ورتبة الخبر التأخير، وإن لم يكن ذلك شرطًا فينبغي أن يجوز، ووجهه أن المفسر هو في المعنى خبر. ويجوز رفع الاسم على الابتداء، وجعل هذه الجملة خبرًا.
وقوله غير صلة هذا استثناء منقطع؛ لأن ما ذكر لا يندرج تحت قوله "بجائز العمل فيما قبله". ومثاله: زيد أنا الضاربة، وأذكر أن تلد ناقتك أحب إليك أم أنثى.
وقوله ولا مشبه بها المشبه بالصلة الصفة والمضاف إلى الفعل، شبها بها في تتميم ما قبلهما بهما، فلا عمل لهما في الاسم على تقدير التفريغ، ولا يفسران عاملًا فيه مع الاشتغال، ومثال ذلك: ما رجل تحبه يهان، وزيد يوم تراه يفرح.
وقوله ولا شرط مفصول بأداته مثاله: زيد غن زرته يكرمك؛ لأن أداة
стр. 1990
الشرط لها صدر الكلام، فلا يؤثر ما بعدها فيما قبلها عملًا ولا تفسيرًا. واحترز بقوله مفصول بأداته من نحو: إن زيدًا زرته أكرمك، وسيأتي حكمه.
وقياس مذهب من أجاز تقديم معمول الشرط على الأداة أن يجوز فيه النصب على الاشتغال.
وفي شرح س لأبي الفضل البطليوسي أنه لا خلاف في منع التقديم لمعمول فعل الشرط على أداته، فلا يجوز: زيدًا من يكرم يكرم هندًا. وليس ذلك بصحيح.
وقوله ولا جواب مجزوم /مثاله: زيد إن يقم أكرمه.
ومن اجاز ذلك مطلقًا _وهو الكسائي_ أجاز فيه الاشتغال، فيقول: إن يقم زيد أكرمه. والمنع مذهب الجمهور. والتفصيل مذهب الفراء، فيجيز التقديم إن كان ظرفًا أو مجرورًا، ويمنع إن كان مفعولًا.
فلو كان مرفوعًا جاز عند س إعماله في الاسم السابق مع التفريغ، وتفسيره عاملًا فيه مع الاشتغال؛ لأنه عنده مقدر التقديم، مدلول به على جواب محذوف، مثاله: زيدًا إن جاءك تضرب، فيجوز فيه الاشتغال، نحو: زيدًا إن جاءك تضربه.
стр. 1991
ولا حاجة للفظ "مجزوم"، بل يكفي قوله "ولا جواب"؛ لأنه إذ ذاك يشمل المجزوم جوابًا لأداة الشرط والمرفوع جوابًا لـ"إذا" إذا لم تجزم في الشعر، نحو: إذا جاءك زيد تكرم عمرًا، فلا يجوز تقديم عمرو على إذا؛ لأن تكرم جواب إذا.
وقوله ولا مسند غلى ضمير السابق متصل مثاله: أزيد ظنه ناجيًا؟ بمعنى: ظن نفسه، فلا يجوز نصب زيد لأنه يلزم من ذلك تفسير الفاعل _وهو عمدة_ بالمفعول الذي حقه أن يكون فضلة. فلو انفصل الضمير جاز، نحو: زيدًا لم يظنه ناجيًا إلا هو؛ لأن المنفصل كالأجنبي، فهو نحو: زيدًا لم يظنه ناجيًا إلا بشر، والأصل: لم يظنه أحد ناجيًا إلا هو، ولا يلزم توقف العمدة في مفهوميته على الفضلة كما لزم والمسند إليه ضمير مفسر بالمفعول.
وقوله ولا تالي استثناء مثاله: ما زيد إلا يضربه عمرو.
وقوله أو معلق مثاله: زيد كيف وجدته، وزيد ما أضربه، وعمرو لأضربنه، والدرهم للمعطيكه عمرو، وزيد إنك تكرمه. فإن كان المعلق "لا" فينبني على المذاهب التي في "لا". والأصح أنه إن كان في جواب قسم لم يتقدم معمول الفعل المنفي بها، فعلى هذا يجوز: زيدًا لا أضربه، ويمتنع: زيدًا _والله_ لا أضربه. وإن كان المعلق "إن" النافية فلا يجوز النصب في نحو: زيد غن اكرمه، بمعنى: ما أكرمه.
وقوله أو حرف ناسخ مثاله: زيد ليتني أكرمته. أو كم الخبرية زيد كم لقيته، أجريت مجرى كم الاستفهامية.
وقوله أو حرف تحضيض مثاله: زيد هلا ضربته. أو عرض، أو تمن بـ"ألا"
стр. 1992
مثاله بعد العرض: عمرو ألا تكرمه، ومثاله بعد التمني بألا: العون على الخير ألا أجده.
قال المنصف في الشرح: " هذا مذهب المحققين من العارفين بكتاب س، أعني إجراء التحضيض والعرض والتمنى بألا مجرى الاستفهام في منع تأثر ما قبلها بما بعدها. وإنما أجريت مجراه لأن معنى هلا فعلت، وهلا تفعل: لم لم تفعل، ومعنى ألا تفعل: أتفعل، مع أن هلا/ مركبة من هل ولا، وألا مركبة من الهمزة ولا، فوجب مع التركيب ما وجب قبله.
وقد عكس قوم الأمر، فجعلوا توسط التحضيض وأخوته قرينة يرجح بها نصب الاسم السابق. وممن ذهب إلى هذا أبو موسى الجزولي، وهو ضد مذهب س" انتهى.
وقال شيخنا أبو الحسن الأبذى: " الظاهلر من كلم س أن العرض والتحضيض لا يجوز في الاسم قبلهما إلا الرفع؛ لأنها حروف لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، فلا يفسر. ومن التمنى ما لا يتصور خلاف في منع النصب فيه، وذلك: زيد ليتك أكرمته. وكذا قال ابن طاهر وابن خروف والأستاذ أبو على، نصوا على ذلك. ولا أدري من أين اختار الجزولي النصب، وهو لا يجوز، إلا أن يكون قاس التحضيض والعرض على الأمر والنهي؛ إذ هما لا يكونان إلا بالفعل، كما أن الأمر والنهي كذلك، وبينهما فرق، فإن الأمر والنهي يعملان
стр. 1993
فيما قبلهما، والتحضيض والعرض والتمنى لا يعمل الفعل الذي بعدها في السم الذي قبلها لأنها حروف طالبة للفعل، فشبهت بأدوات الاستفهام والشرط، وهي لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، ولا يفسر" انتهى.
وفي البسيط" الحروف التي تقطع عن العمل حروف الاستفهام وأسماؤه، و"ما" في النفي، وحروف الشرط وأسماؤه، والقسم، وحروف التحضيض، وحروف العرض- وهو ألا- ولام الابتداء. وقد جوز بعضهم النصب في بعضها، ورجح الابتداء نحو: شرابنا ألا تشربه، وزيدًا إن تضربه يضربك" انتهى.
وزعم ابن الطراوة وتلميذه السهيلي أن السين وسوف لا يتقدم عليهما معمول ما دخلتا عليه، نحو: زيدًا سأضرب أو سوف أضرب؛ لأنهما عندهما من حروف الصدر، فعلى مذهبهما لا يجوز: ألا زيدا سأضربه، أو زيد سوف أضربه، فيتعين الرفع في زيد، ولا يجوز النصب على الاشتغال. والصحيح جوازه. وفال المصنف في الشرح: " ومن موانع نصب الاسم السابق بالفعل المشغول وقوعه بعد (إذا) المفاجأة، نحو: خرجت فإذا زيد يضربه عمرو، ولا يجوز عندي في زيد وما وقع موقعه إلا الرفع؛ لأن العرب ألزمت إذا هذا ألا يليها إلا مبتدأ بعده خبر، أو خبر بعده مبتدأ، فمن نصب ما بعدها فقد استعمل ما لم تستعمل العرب في نثر ولا نظم، وقد ألحقها س بـ (أما) قياسا، فأجاز نصب الاسم الذي يليها بفعل مضمر يفسره المشغول بعده، نحو: خرجت فإذا زيدا يضربه عمرو، كما يقال: أما زبدا فيضربه عمرو. ولا ينبغي أن تلحق (إذا) بـ (أما)، فإن (أما) - وإن لم يلها فعل - فقد يليها معمول الفعل المفرغ كثيرًا، كقوله تعالى:
стр. 1994
﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾، وقد يليها / معمول مفدر بعده مفسر مشغول، كقراءة بعض السلف ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾، ولم يل (إذا) فعل ظاهر ولا معمول فعل، بل إنما يليها ابدًا في النثر والنظم مبتدأ وخبره منطوق بهما، أو مبتدأ محذوف الخبر، فمن أولاها غير ذلك فقد خالف كلام العرب، فلا يلتفت إليه وإن كان سيبويه" انتهى كلامه.
ونحن نذكر كلام س في المسألة وما قال الناس فيه، فنقول:
قال س: "فإن قلت: لقيت زيدًا وأما عمرو فقد مررت به، ولقيت زيدًا وإذا عبد الله يضربه عمرو - فالرفع، إلا في قول من قال: زيدًا رأيته، وزيدًا مررت به؛ لأن أما وإذا يقطع بهما الكلام، وهما من حروف الابتداء، يصرفان الكلام إلى الابتداء، إلا أن يدخل عليهما ما ينصب، ولا يحمل بواحد منهما آخر على أول كما يحمل بثم والفاء؛ ألا ترى أنهم قرأوا ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾، وقبله نصب، وذلك لأنها تصرف الكلام إلى الابتداء، إلا أن يقع بعدها فعل، نحو: أما زيدًا فضربت" انتهى كلام س.
وظاهره ما ذكره عن س المصنف من أنك إذا أتيت بعد حروف العطف بـ"أما" أو بـ"إذا" الفجائية فالرفع في ذلك الاسم هو الأولى والأوجه؛ والنصب
стр. 1995
ضعيف على حده في البتداء؛ لأنهما يفصلان الكلام الواقع بعدهما من الذى قبلهما؛ ولأنهما لا يقع بعدهما فعل، الاسم هو الواقع بعدهما.
قال بعض شيوخنا: " وهذا فيه إشكال، فإن النحويين - و (س) معهم - قالوا: إن إذا الفجائية لا يقع بعدها فعل البتة لا ظاهرًا ولا مضمرًا، ولا معمول فعل أصلاً، فكيف فال هنا (لا يجوز النصب إلا على حده في الابتداء) وكيف قال: (إلا أن يدخل عليهما ما ينصب) يعنى: معهما. اما (أما) فما قال فيها صحيح؛ لأنه وإن كانت لا يقع الفعل بعدها مظهرًا فيقع مضمرًا، ويقع الاسم بعدها معمولاً له. وأما (إذا) الفجائية فلا يمكن على ما قال س، وقرره هو ومن بعده - أن يقع بعدها الفعل لا مظهرًا ولا مضمرًا ولا معمول له" انتهى كلامه.
وفسر السيرافي كلام س هنا على ظاهره. وخرجه ابن طاهر وابنخروف على أنه مما خلط فيه حكم الواحد بالآخر، على حد قوله تعالى ﴿نَسِيَا جَوتَهُمَا﴾، و ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾، وإنما الناسي أحدهما، والذي يخرج منه أحدهما، فقال ابن خروف: "إن قوله (فالرفع إلا في قول من قال كذا) أجري فيه الحكم عليهما لاختلاطهما في الذكر أولا في المثال، وإن كان هذا الحكم لا يرجع إلا إلى (أما) خاصة". وهذا تخريج فيه بعد.
стр. 1996
وخرجه الأستاذ أبو علي على أنه لما كانت/ (أما) و (إذا) الفجائية لابتداء الكلام وقطع ما تقدم فإنهما لا يقع بعدهما إلا الاسم، وإنهما لا يبقى معهما الحكم كما كان قبل ذكرهما سائغًا، فقال: " لأن أما وإذا يقطع بهما الكلام، ويرجع قوله (فالرفع) إلى ما يليق، وإلى ما يصح رجوعه، وذلك إلى اما لا إلى إذا. وقول س (إلا أن يدخل عليهما ما ينصب) ربما يتعلق به ابن طاهر وابن خروف، فإن أخذته راجعًا للمثال في إذا عبد الله يضربه زيد لم يكن فيه متعلق؛ لأنه يقول:
يرجع عذا على الفعل إلا ان يكون ثم ما ينصب، فينصب حينئذ" انتهى.
فال بعض أصحابنا: "ويمكن أن يتأول على وجه آخر، فيرجع إلى (أما) وإلى (إذا)، وكأنه تحرز من (إن) إذا وقع بعدها منصوب بـ (إن)، نحو: خرجت فإذا إن عمرًا يضربه زيد، فكأنه قال: الرفع الأحسن إلا أن يقع بعد أما معمول الفعل، نحو قوله تعالى ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾، وإلا إن وقع إن بعد إذا؛ إذ هى ناقصة" انتهى.
وجل كلام الجماعة على أنهم لم يحملوا كلام س على ظاهره، بل تاولوه. والذي يظهر حمل كلامه على ظاهره، ويكون كلاما صحيحًا، ويكون إذ ذاك في أما وفي إذا الفجائية الوجهان:
الأولى والأوجه: أنه يختار الرفع بعدهما وإن كان قد تقدم حرف العطف جملة فعلية، ولولا وجودهما لكان المختار في الاسم المشتغل عنه النصب رعيا لعطف جملة فغلية على جملة فعلية.
والوجه الثاني: جواز النصب، وهو غير الأوجه، بل يتنزل جواز النصب
стр. 1997
فيه تنزله في قولك: زيدًا ضربته، وذلك أن أبا الحسن الأخفش حكى عن العرب ان إذا الفجاجئية إذا كان الفعل مقرونًا بقد جاز ان يليها، فتقول: خرجت فإذا قد ضرب زيد عمرًا، وإن لم يكن مقرونًا بقد فلا يجوز ان يليها الفعل،
ووجب أن يليها الاسم، وإنما أجري الفعل المقرون بقد مجرى الجملة الاسمية في ولايته إذا الفجائية لمعاملة العرب له معالة الجملة الاسمية في دخول واو الحال عليه؛ الا ترى انه يقال: جاء زيد وقد ضحك، كما يقال: جاء زيد وهو يضحك، ولو قلت" جاء زيد ويضحك" ويؤول على إضمار فد. وبعضهم تأوله على إضمار مبتدأ. فعلى هذا الذي نقله الأخفش كان حمل كلام س على ظاهره صحيحًا، وكان معنى قوله" إلا أن يدخل عليهما ما ينصب" محمولاً على ما يجوز له أن ينصب، والذي يجوز له أن ينصب في إذا هو الفعل المقرون بقد على ما نقل الأخفش عن العرب، ولم يقل س" إلا أن يدخل على إذا الفعل مجردًا من قد" فيلزمه ما فهم عنه المصنف. وتبين أن المصنف لم يطلع على/٧٧ أنقل الأخفش عن العرب، فلذلك ادعى أن إذا الفجائية لا يليها فعل ظاهر ولا معمول فعل، وإنما يليها أبدًا مبتدأ وخبره منطوق بهما، أو مبتدأ محذوف الخبر، أولاها غير ذلك فقد خالف كلام العرب. وهذا كما ذكرناه ليس بصحيح؛ إذ يليها الفعل مقرونًا بقد كما نقل الأخفش، وانظر إلى جسارته حيث قال"يلتفت إليه وإن كان سيبويه" وكشف له الغيب أنه هو الذي لا يلتفت إليه، وأن كلامه مردود عليه.
ونقص المصنف من الأشياء التي يرتفع الاسم المشغول عنه الفعل ولا يجوز أن ينتصب مجاء الفعل المشغول غير مصحوب بقد لا لفظًا ولا تقديرًا والاسم يلي
стр. 1998
واو الحال؛ نحو: جاء زيد وعمرو يضربه بشر، فلا يجوز أن تقول: وعمرًا يضربه بشر؛ لأنه يكون التقدير: ويضرب عمرًا يضربه بشر، وواو الحال لا تباشر المضارع. او مجيئه خبرًا لذي لام ابتداء، نحو: لزيد يضربه عمرو، فلا يجوز فيها النصب لأن لام الابتداء لا تلى الفعل إلا في خبر إن، نحو: إن زيدًا ليقوم.
وذكر المصنف مما يجب فيه الرفع بالابتداء مجاء الاسم بعد ليتما، نحو: ليتما زيد أضربه، بناء على أنه لا يليها الفعل، وتقدم ذلك في باب إن، فينظر هناك.
ونقص المصنف أيضا من المواصع التي يجب فيها رفع الاسم ما إذا فصل بين السم والفعل المشتغل بالضمير أو السببي بأجنبي، نحو: زيد أنت تضربه، وهند عمرو يضربها، فـ"س" وهشام لا يجيزان النصب بحال للفصل بين العامل والمعمول بأجنبي، وهو لا يعمل فيه، فلا يفسر، فوجب رفع الاسم.
وذهب الكسائي إلى أنه يجوز النصب قياسًا على آسم الفاعل؛ لأنهم أجازوا: زيدًا أنت ضارب.
فيقال للكسائي: بينهما فرق، وذلك أن اسم الفاعل لا يعمل حتى يعتمد، فصار أنت ضارب بمننزلة أنت ضربت، فكأنك لم تفصل بين العامل والمعمول بشاء، بخلاف الفعل، فإنه يعمل غير معتمد.
وقوله وجب نصب السابق إن تلا ما يختص بالفعل الذي يختص بالفعل هو كل ظرف زمان مستقبل، نحو إذا، وأدوات الشرط الجازمة، ولو بمعنى إن
стр. 1999
الشرطية، أو التي لما كان سيقع لوقوع غيره، وأدوات التحضيض، فيجب إذ ذاك الحمل على إضمار الفعل، فتقول: إذا زيدًا تلقاه فأكرمه، وإن زبدًا رأيته فأكرمه، وأكرم زيدًا ولو عمرًا أهانه، ولو زيدًا رأيته ضربت، وهلاً زيدًا ضربت.
ويحتاج قوله إن تلا ما يختص بالفعل إلى تفصيل، وذلك أن أدوات الشرط الجازمة إن كانت"إن" فيجوز في فصيح الكلام ان يليها الاسم على إضمار فعل، بشرط ألا يكون الفعل/ مجزومًا بها، نحو: إن زيدًا ضربته أكرمته، فلو قلت إن زيدًا تضربه أكرمه لم يجز ذلك إلا في الشعر، وأما غيرها من أدوات الشرط فلا يليها الاسم إلا في ضرورة الشعر، نحو قوله:
صعدة نابتة في حائر أينما الريح تميلها تمل وقوله:
فمتى واغل ينبهم يحيو هـ، وتعطف عليه كأس الساقى
قال بعض أصحابنا: وهذا عندنا مقصور على السماع، ولا نقيسه في الشعر. والكوفيون يقيسونه في الشعر بشرط أن يكون الاسم المتقدم غير أداة الشرط في المعنى، فمثل هذين البيتين يقيسونه لأن الواغل خلاف متى، والريح خلاف أين. ولا يجوز عندهم: من هو يقم أقم معه؛ لأن (هو) هو (من)،فلا يجوز في شعر لأنه جمع بين جازمين. وهذا عندنا خطأ لأن المضمر لم يجزم قط، ولا ثم جازم سوى الأداة.
وأما (لو) فاختلف في وقوع الاسم بعدها على إضمار الفعل أهو ضرورة
стр. 2000
أم هو جائز قي الكلام؛ ومن ذهب إلى أن (إن) الشرطية و (إذا) وأدوات التحضيض يجوز الابتداء بعدها لا يوجب في مسائلها النصب، بل قياس مذهبه جواز الرفع على الابتداء، وجواز النصب، وهو عنده الأكثر. وكون (إذا) يقع بعدها الابتداء هو مذهب الأخفش والكسائي، وكون (إن) كذلك هو مذهب الكسائي.
وقوله أو استفهامًا بغير الهمزة مثاله: هل مرادك نلته؟ فالنصب هنا واجب، وذلك أن (هل) إذا جاء بعدها اسم وفعل وليها الفعل دون الاسم، ولا يجوز أن يليها الاسم، لو قلت: هل زيدًا ضربت؟ لم يجز إلا في الشعر، فإذا جاء في الكلام: هل زيدًا ضربته؟ كان ذلك على الاشتغال، والتقدير: هل ضربت زيدًا ضربته؟ فتكون (هل) وليت الفعل، هذا مذهب س.
وخالفه الكسائي، وذهب إلى أنه يجوز أن يليها الاسم وإن جاء بعده الفعل، وأجاز أن يرتفع بالابتداء، فتقول: هل زيد ضربته؟ فعلى رأيه يجوز رفع زيد، ونصبه على الاشتغال.
ويشمل قوله بغير الهمزة أدوات الاستفهام، نحو (هل) و (متى) وغيرهما، فتقول: متى أمة الله تضربها؟
فإن وليت اسم الاستفهام الأفعال، نحو: من رأيته؟ فيحتمل أن يقدر بوجهين:
أحدهما: تقدير الهمزة والاسم بعدها، كأنك قلت: أزيدًا رأيته؟
следующие страницы →