Полный текст (3 950 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
وخرجه الأستاذ أبو علي على أنه لما كانت/ (أما) و (إذا) الفجائية لابتداء الكلام وقطع ما تقدم فإنهما لا يقع بعدهما إلا الاسم، وإنهما لا يبقى معهما الحكم كما كان قبل ذكرهما سائغًا، فقال: " لأن أما وإذا يقطع بهما الكلام، ويرجع قوله (فالرفع) إلى ما يليق، وإلى ما يصح رجوعه، وذلك إلى اما لا إلى إذا. وقول س (إلا أن يدخل عليهما ما ينصب) ربما يتعلق به ابن طاهر وابن خروف، فإن أخذته راجعًا للمثال في إذا عبد الله يضربه زيد لم يكن فيه متعلق؛ لأنه يقول:
يرجع عذا على الفعل إلا ان يكون ثم ما ينصب، فينصب حينئذ" انتهى.
فال بعض أصحابنا: "ويمكن أن يتأول على وجه آخر، فيرجع إلى (أما) وإلى (إذا)، وكأنه تحرز من (إن) إذا وقع بعدها منصوب بـ (إن)، نحو: خرجت فإذا إن عمرًا يضربه زيد، فكأنه قال: الرفع الأحسن إلا أن يقع بعد أما معمول الفعل، نحو قوله تعالى ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾، وإلا إن وقع إن بعد إذا؛ إذ هى ناقصة" انتهى.
وجل كلام الجماعة على أنهم لم يحملوا كلام س على ظاهره، بل تاولوه. والذي يظهر حمل كلامه على ظاهره، ويكون كلاما صحيحًا، ويكون إذ ذاك في أما وفي إذا الفجائية الوجهان:
الأولى والأوجه: أنه يختار الرفع بعدهما وإن كان قد تقدم حرف العطف جملة فعلية، ولولا وجودهما لكان المختار في الاسم المشتغل عنه النصب رعيا لعطف جملة فغلية على جملة فعلية.
والوجه الثاني: جواز النصب، وهو غير الأوجه، بل يتنزل جواز النصب
стр. 1997
فيه تنزله في قولك: زيدًا ضربته، وذلك أن أبا الحسن الأخفش حكى عن العرب ان إذا الفجاجئية إذا كان الفعل مقرونًا بقد جاز ان يليها، فتقول: خرجت فإذا قد ضرب زيد عمرًا، وإن لم يكن مقرونًا بقد فلا يجوز ان يليها الفعل،
ووجب أن يليها الاسم، وإنما أجري الفعل المقرون بقد مجرى الجملة الاسمية في ولايته إذا الفجائية لمعاملة العرب له معالة الجملة الاسمية في دخول واو الحال عليه؛ الا ترى انه يقال: جاء زيد وقد ضحك، كما يقال: جاء زيد وهو يضحك، ولو قلت" جاء زيد ويضحك" ويؤول على إضمار فد. وبعضهم تأوله على إضمار مبتدأ. فعلى هذا الذي نقله الأخفش كان حمل كلام س على ظاهره صحيحًا، وكان معنى قوله" إلا أن يدخل عليهما ما ينصب" محمولاً على ما يجوز له أن ينصب، والذي يجوز له أن ينصب في إذا هو الفعل المقرون بقد على ما نقل الأخفش عن العرب، ولم يقل س" إلا أن يدخل على إذا الفعل مجردًا من قد" فيلزمه ما فهم عنه المصنف. وتبين أن المصنف لم يطلع على/٧٧ أنقل الأخفش عن العرب، فلذلك ادعى أن إذا الفجائية لا يليها فعل ظاهر ولا معمول فعل، وإنما يليها أبدًا مبتدأ وخبره منطوق بهما، أو مبتدأ محذوف الخبر، أولاها غير ذلك فقد خالف كلام العرب. وهذا كما ذكرناه ليس بصحيح؛ إذ يليها الفعل مقرونًا بقد كما نقل الأخفش، وانظر إلى جسارته حيث قال"يلتفت إليه وإن كان سيبويه" وكشف له الغيب أنه هو الذي لا يلتفت إليه، وأن كلامه مردود عليه.
ونقص المصنف من الأشياء التي يرتفع الاسم المشغول عنه الفعل ولا يجوز أن ينتصب مجاء الفعل المشغول غير مصحوب بقد لا لفظًا ولا تقديرًا والاسم يلي
стр. 1998
واو الحال؛ نحو: جاء زيد وعمرو يضربه بشر، فلا يجوز أن تقول: وعمرًا يضربه بشر؛ لأنه يكون التقدير: ويضرب عمرًا يضربه بشر، وواو الحال لا تباشر المضارع. او مجيئه خبرًا لذي لام ابتداء، نحو: لزيد يضربه عمرو، فلا يجوز فيها النصب لأن لام الابتداء لا تلى الفعل إلا في خبر إن، نحو: إن زيدًا ليقوم.
وذكر المصنف مما يجب فيه الرفع بالابتداء مجاء الاسم بعد ليتما، نحو: ليتما زيد أضربه، بناء على أنه لا يليها الفعل، وتقدم ذلك في باب إن، فينظر هناك.
ونقص المصنف أيضا من المواصع التي يجب فيها رفع الاسم ما إذا فصل بين السم والفعل المشتغل بالضمير أو السببي بأجنبي، نحو: زيد أنت تضربه، وهند عمرو يضربها، فـ"س" وهشام لا يجيزان النصب بحال للفصل بين العامل والمعمول بأجنبي، وهو لا يعمل فيه، فلا يفسر، فوجب رفع الاسم.
وذهب الكسائي إلى أنه يجوز النصب قياسًا على آسم الفاعل؛ لأنهم أجازوا: زيدًا أنت ضارب.
فيقال للكسائي: بينهما فرق، وذلك أن اسم الفاعل لا يعمل حتى يعتمد، فصار أنت ضارب بمننزلة أنت ضربت، فكأنك لم تفصل بين العامل والمعمول بشاء، بخلاف الفعل، فإنه يعمل غير معتمد.
وقوله وجب نصب السابق إن تلا ما يختص بالفعل الذي يختص بالفعل هو كل ظرف زمان مستقبل، نحو إذا، وأدوات الشرط الجازمة، ولو بمعنى إن
стр. 1999
الشرطية، أو التي لما كان سيقع لوقوع غيره، وأدوات التحضيض، فيجب إذ ذاك الحمل على إضمار الفعل، فتقول: إذا زيدًا تلقاه فأكرمه، وإن زبدًا رأيته فأكرمه، وأكرم زيدًا ولو عمرًا أهانه، ولو زيدًا رأيته ضربت، وهلاً زيدًا ضربت.
ويحتاج قوله إن تلا ما يختص بالفعل إلى تفصيل، وذلك أن أدوات الشرط الجازمة إن كانت"إن" فيجوز في فصيح الكلام ان يليها الاسم على إضمار فعل، بشرط ألا يكون الفعل/ مجزومًا بها، نحو: إن زيدًا ضربته أكرمته، فلو قلت إن زيدًا تضربه أكرمه لم يجز ذلك إلا في الشعر، وأما غيرها من أدوات الشرط فلا يليها الاسم إلا في ضرورة الشعر، نحو قوله:
صعدة نابتة في حائر أينما الريح تميلها تمل وقوله:
فمتى واغل ينبهم يحيو هـ، وتعطف عليه كأس الساقى
قال بعض أصحابنا: وهذا عندنا مقصور على السماع، ولا نقيسه في الشعر. والكوفيون يقيسونه في الشعر بشرط أن يكون الاسم المتقدم غير أداة الشرط في المعنى، فمثل هذين البيتين يقيسونه لأن الواغل خلاف متى، والريح خلاف أين. ولا يجوز عندهم: من هو يقم أقم معه؛ لأن (هو) هو (من)،فلا يجوز في شعر لأنه جمع بين جازمين. وهذا عندنا خطأ لأن المضمر لم يجزم قط، ولا ثم جازم سوى الأداة.
وأما (لو) فاختلف في وقوع الاسم بعدها على إضمار الفعل أهو ضرورة
стр. 2000
أم هو جائز قي الكلام؛ ومن ذهب إلى أن (إن) الشرطية و (إذا) وأدوات التحضيض يجوز الابتداء بعدها لا يوجب في مسائلها النصب، بل قياس مذهبه جواز الرفع على الابتداء، وجواز النصب، وهو عنده الأكثر. وكون (إذا) يقع بعدها الابتداء هو مذهب الأخفش والكسائي، وكون (إن) كذلك هو مذهب الكسائي.
وقوله أو استفهامًا بغير الهمزة مثاله: هل مرادك نلته؟ فالنصب هنا واجب، وذلك أن (هل) إذا جاء بعدها اسم وفعل وليها الفعل دون الاسم، ولا يجوز أن يليها الاسم، لو قلت: هل زيدًا ضربت؟ لم يجز إلا في الشعر، فإذا جاء في الكلام: هل زيدًا ضربته؟ كان ذلك على الاشتغال، والتقدير: هل ضربت زيدًا ضربته؟ فتكون (هل) وليت الفعل، هذا مذهب س.
وخالفه الكسائي، وذهب إلى أنه يجوز أن يليها الاسم وإن جاء بعده الفعل، وأجاز أن يرتفع بالابتداء، فتقول: هل زيد ضربته؟ فعلى رأيه يجوز رفع زيد، ونصبه على الاشتغال.
ويشمل قوله بغير الهمزة أدوات الاستفهام، نحو (هل) و (متى) وغيرهما، فتقول: متى أمة الله تضربها؟
فإن وليت اسم الاستفهام الأفعال، نحو: من رأيته؟ فيحتمل أن يقدر بوجهين:
أحدهما: تقدير الهمزة والاسم بعدها، كأنك قلت: أزيدًا رأيته؟
стр. 2001
فيكون في موضع نصب.
ويحتمل أن يقدر تقدير الاسم المتقدم على الاستفهام، كأنك قلت: زيد أرأيته؟ فلا يكون إلا الرفع. ولذلك يصح الرفع والنصب فيها. ويظهر ذلك في (أي) إذا قلت: أيهم ضربته؟ نصبًا ورفعًا. وكذلك أسماء الشرط.
وإذا اجتمع بعد اسم الاستفهام الاسم والفعل قُدِّم الفعل كهو مع (هل). وقال / س: "إن قلت أيهم زيدًا ضرب قبح" انتهى.
وقوله بعامل لا يظهر موافق للظاهر أي: لفظًا ومعنى إن أمكن، مثاله: إن زيدًا رأيته أحببته، التقدير: إن رأيت زيدًا. وهذا الذي ذكره هو مذهب البصريين.
وذهب الكسائي إلى أن هذا الاسم منصوب بالفعل الذي بعده على إلغاء العائد. وهذا ليس بجيد لأن العائد قد يكون لا يتعدى إليه الفعل إلا بحرف جر، فكيف يُلغى، وينصب الظاهر، وهو لا يتعدى إليه أيضًا إلا بحرف جر، نحو: زيدًا غضبت عليه. وأيضًا فإن الفعل قد يكون متعلقه السببي، ولا يمكن أن يُلغى لأنه في الحقيقة هو مطلوب الفعل، نحو: زيدًا ضربت غلام رجل يحبه، فلا يمكن هنا أن يلغى السببي، وإنما يُتصور ما قاله إذا كان متعلق الفعل هو نفس ضمير الاسم، فيحتاج إلى تقدير عامل في هذه المسائل إذ لا يمكن أن يعمل في الاسم السابق نفس هذا العامل.
стр. 2002
وذهب الفراء إلى أن الفعل عامل في الاسم وفي الضمير معًا. وهذا أيضا لا يتناول جميع مسائل الاشتغال، ويبطل بما بطل به مذهب الكسائي، وبأن الفعل المتعدي مثلاً إلى واحد صار يتعدى في باب الاشتغال إلى اثنين، وما يتعدى إلى اثنين يتعدى إلى ثلاثة، وهذا خرم للقواعد.
وقد رد الفراء على البصريين بوجوه:
أحدها: أنك تقول: أعبد الله هدمت داره؟ فلا يستقيم إضمار (هدمت) لأنك لا تقول: هدمت عبد الله.
الثاني: أنه يلزم البصريين أن يقولوا: عبد الله فضربته، فتدخل الفاء في (ضربته) إذ كنت مضمرا للفعل قبله.
الثالث: أنه ألزمهم أن يقولوا: أعبد الله ضاربًا له أنت؟ لأن الفعل المضمر قد عمل في (عبد الله) النصب، فإن كان ناقصًا فيكون نصب ضارب كنصب كان خبرها، وإن كان تاما فيكون نصب ضارب على القطع. وما احتج به الفراء ليس بشيء:
أما الأول فلا يذهب البصريون إلي أنك تضمر (هدمت)، بل إذا لم يمكن أن يعمل فيه مثل لفظ الثاني عمل فيه (مثله) من المعنى، فالتقدير: أقصدت عبد الله هدمت داره؟ على أن من البصريين من قدر (هدمت) على حذف مضاف، الأصل: أهدمت دار عبد الله؟ ثم حذفت في ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ﴾، وأما الثاني فلا يلزم البصريين أن يقولوا: فضربته؛ لأن (ضربته) بدل من
стр. 2003
الفعل المضمر، ولا يحال بين البدل والمبدل منه.
وأما الثالث فلا يلزمهم نصب (ضارب) لأنه إنما يضمر في هذا مثل الثاني، فالتقدير: أضارب أنت عبد الله ضارب له أنت. وأيضًا فإن النصب يمتنع من حيث إنه لا معنى له، كما يمتنع: قام عبد الله قائمًا. وقوله/ أو مقارب مثاله: إن زيدًا مررت به فأحسن إليه، وإن زيدًا كلمت أخاه أحسن إليك، التقدير: إن جاوزت زيدًا مررت به، وإن لابست زيدًا كلمت أخاه.
فال المصنف في الشرح: "وقلت (بعامل) لأعم الفعل وشبهه، نحو: أزيدًا أنت ضاربه؟ التقدير: أضارب زيدًا أنت ضاربه" انتهى. ولم يبين المصنف إعراب هذا الكلام.
وفي البسيط: إذا قلت: زيدًا أنت ضاربه، وأدخلت الحروف التي يعتمد عليها اسم الفاعل- جاز في الاسم النصب بإضمار فعل، وجاز أن يكون بتقدير اسم فاعل لصحة اعتماده قبل، ويجب أن يكون أنت مرتفعًا به؛ لأنه إما أن يكون اسم الفاعل مبتدأ به أو خبرًا متقدمًا، وهو في كل حال مفتقر إليه، ويرتفع (ضارب) الثاني بتقدير ابتداء آخر. وقد يقال: ومن أين يبعد أن يقدر اسم الفاعل معتمدا، والتقدير: أنت ضارب زيدًا أنت ضاربه. وفيه نظر. وقوله وقد يضمر مطاوع للظاهر، فيرفع السابق.
فال المصنف في الشرح: "إن كان للفعل المشتغل مطاوع جاز أن يضمر، ويرفع به السابق، كقول لبيد:
стр. 2004
فإن أنت لم ينفعك علمك فانتسب لعلك تهديك القرون الأوائل
فـ (أنت) فاعل (لم تنتفع) مضمرًا، وجاز إضماره لأنه مطاوع (ينفع)،والمطاوع يستلزم المطاوع، ويدل عليه، فلو أضمر الموافق لنصب، وجاء بـ (إياك). ومثل هذا البيت ما أنشده الأخفش من قول الشاعر:
أتجزع إن نفس أتاها حمامها فهلاً التي عن بين جنبيك تدفع
فرع نفسًا بـ (مات) مقدرا لأنه لازم لـ (أتاها حمامها) كلزوم انتفع لنفع. وروي قول الشاعر:
لا تجزى إن منفسًا أهلكته وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
بنصب المنفس على إضمار الموافق، ورفعه على إضمار المطاوع" انتهى كلامه. وهذا الذي قرره المصنف منعه أصحابنا. فلا يجيزون: إن الإناء كسرته فاغرمه، على تقدير: إن انكسر الإناء. فأما ما أنشده المصنف من قول لبيد: فغن أنت لم ينفعك علمك ...............
فخرج على وجوه: أجدها: أن يرتفع (أنت) على الابتداء، وهو وجه ذكره س إذا كان الخير فعلًا، نحو: إن الله أمكننى من فلان، وذكره ابن جني عن الأخفش.
стр. 2005
الثاني: أن يكون مما وضع فيه ضمير الرفع موضع ضمير النصب، كما وضع المنصوب موضع المرفوع، قالوا: لم يضربني إلا إياه، وفي الحديث" إذا هو إياه، وإذا هي إياه. وكلا هذين التخريجين للسهيلي.
الثالث: أن يكون مرفوعا بإضمار فعل يفسر المعنى، ولا يكون من باب الاشتغال، وذلك أنه لا يحوز أن يحمل"أنت" على"علمك" لأنه يودي إلى تعدي فعل المضمر المتصل إلى مضمره المتصل، وذلك لا يجوز؛ ألا ترى [أنك] لو وضعت "أنت" مكان "علمك" لكان التقدير: فإن لم ينفعك. ولا يجوز ايضًا حمله على الكاف في "ينفعك" لأنه لو فعل ذلك لنصب، فقال: فإن إياك، فلم يبق إلا أن يكون محمولاً على إضمار فعل لفهم المعنى، فيخرج عن الاشتغال، كأنه قال: فإن ضللت لم ينفعك علمك، فأضمر "ضللت" لفهم المعنى، وبرز الضمير لما استتر الفعل، فقال: فإن أنت. وهذا تخريج الأستاذ أبي الحسن بن عصفور. وأما: لا تجزعي إن منفسًا أهلكته فرواية البصريين بالنصب، وهو الصواب. ورواية الكوفيين الرفع،
стр. 2006
وهي خارجة عن القياس؛ لأن المفسر في هذا الباب عندهم كأنه العامل، وكأنه غير مشغول بالضمير عن العمل، وجعلته العرب كذلك لما لم تجمع العرب بينه وبين العامل، فعاقبه، وهي تحكم للمعاقب بحكم ما عاقبه، فإذا كان محكما له بحكم العامل غير مشغول بالضمير فرفع "منفس" مع "أهلكت" وهو عامل نصب، شيء لا ينبغي.
ووجه رواية الكوفيين أن يرتفع بإضمار فعل، تقديره: إن هلك منفس أهلكته، ويكون ذلك على سبيل الشذوذ والقلة بحيث لا تبنى عليه قاعدة. وكذلك قوله:
أتجزع إن نفس أتاها حمامها ....................................
ويتحمل أن يرتفع "نفس" و"منفس" بالابتداء بعد "إن" الشرطية على ما ذكره س.
-[ص: ويرجح نصبه على رفعه بالابتداء إن أجيب به استفهام بمفعول ما يليه، أو بمضاف إليه مفعول ما يليه، أو وليه فعل أمر، أو نهي، أو دعاء، أو ولي هو همزة استفهام، أو حرف نفي لا يختص، أو حيث، أو عاطفًا على جملة فعلية تحقيقًا أو تشبيهًا، أو كان الرفع يوهم وصفًا مخلاً.]-
ش: إذا كانت الجملة الأولى تتضمن السؤال عنه فيترجح في الاسم أن يكون مبنيًا على الأول، إن كان مرفوعًا رفعت، وإن كان منصوبًا نصبت، سواء أكان السؤال ذا وجهين أو ذا وجه واحد، فلا يراعى إلا الاسم. فإذا قلت: من رأيت؟ وأيهم رأيت؟ قلت: زيدًا رأيته، فتنصب بحمله على "مَنْ " في الجملة كما تحمله في المفرد إذا قيل: من رأيت؟ فتقول: زيدً. فإن كان مرفوعًا رفعت، نحو: أيهم مضروبك؟ فتقول: زيد ضربته. وإذا قلت: أيهم ضربته؟
стр. 2007
فكذلك أيضًا تحمله على الابتداء/، ولا يُحمل على الجملة الفعلية فيه، كما يأتي في العطف على الجملة التي لها وجهان.
وجوز الأخفش الحمل على الفعلية كما في ذات الوجهين. ولا يجيزه س إلا على إجازته في الأصل. وكأن الأخفش سوى بين السؤال وغيره كما في ذات الوجهين.
وتقول: هل رأيت زيدًا؟ فتقول: لا، ولكن عبد الله لقيته، فهذا في حكم الجواب وإن لم يكن هو المسؤول عنه، لكنه لما كان في الجملة جوابًا جرى مجرى الأول. وكذا لو عطفت، فقلت: لا، بل عمرًا لقيته، أو: نعم، وعمرًا لقيته. فإن كان بعد "لكن" جملة غير خبرية لم يُحمل على الأول، بل على أصلها، نحو: هل مررت بزيد؟ فتقول: لا، ولكن عمرًا امرر به.
وقوله إن أجيب به استفهام مثال ذلك: زيدًا ضربته، جوابًا لمن قال: أيهم ضربت؟ وثوب زيد لبسته، جوابًا لمن قال: ثوب أيهم لبست؟
واحترز بقوله بمفعول ما يليه وما بعده من ن يجاب به استفهام بغير مفعول ما يليه، نحو: أيهم ضربته؟ وثوب أيهم لبسته؟ فإنه يُختار الرفع في الجواب، فتقول: زيد ضربته، وثوب زيد لبسته.
وقوله أو وليه فعل أمر مثاله: زيدًا اضربه، وزيدًا ليضربه عمرو. ولام الأمر ليست من حروف الصدر، فيجوز أن يتقدم المعمول، فتقول: زيدًا ليضرب عمرو، كما تقول: زيدًا اضرب. وسواء أكان بصيغة الأمر كما مثلناه، أو بصيغة الخبر
стр. 2008
الآتي بمعنى الأمر، نحو قولك: الأولاد يرضعهن الوالدات.
واحترز بقوله فعل أمر من أن يكون اسم فعل أمر، نحو: زيد مناعه، فإنه لا يجوز فيه النصب، ويتعين الرفع لأنه لا يعمل فيه متقدمًا، فلا يجوز أن يفسر. وسواء في ذلك الأمر المراد بما قبله العموم أو الخصوص، نحو قولك: اللذين يأتيانك اضربهما، وزيدًا اضربه، هذا مذهب س، نص عليه في كتابه.
وزعم ابن بابشاذ وأبو محمد بن السيد أن الأمر الذي يراد بما قبله العموم يُختار فيه الرفع، نحو قوله تعالى ﴿وَاللَّذَانِ يَاتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، قال: "فهذا القسم يختار فيه الرفع لشبهه بالشرط لما دخله من العموم والإبهام، والأمر الذي يراد به الخصوص يختار فيه النصب، نحو: زيدًا اضربه".
وعند س أن الآيتين متأولتان على إضمار، وأن الكلام في ذلك جملتان، وأن التقدير: "فيما فُرض عليكم حُكم السارق والسارقة، فاقطعوا أيديهما"، و "في الفرائض الزانية ولازاني، فاجلدوا"، ونحو ذلك.
وقوله أو نهي مثاله: زيدًا لا تضربه. وسواء في ذلك ما صيغته صيغة النهي وما صيغته صيغة الخبر، ومعناه النهي، نحو قوله/:
стр. 2009
القائلين: يسارًا، لا تناظره غشًا لسيدهم، في الأمر، إذ أمروا
ومن فروع الأمر: زيد أسمع به، لا يجوز نصب "زيد" ولا رفعه على الفاعلية ولا على الاشتغال، لا على مذهب البصريين، ولا على مذهب الكوفيين.
وقوله أو دعاء سواء أكان بصورة الأمر أو بغير ذلك، مثاله: زيدًا قطع الله يده، وزيدًا أمر الله عليه العيش، وعمرًا ليجزه الله خيرًا، وزيدًا فأصلح شأنه [يا رب]، وقال أبو الأسود:
أميران كانا آخياني كلاهما فكلاً جزاه الله عني بما فعل
وفي البسيط: "وجرى مجرى الفعل ما كان من المصادر موضع الفعل، نحو: زيدًا جدعًا له وعقرًا، والله حمدًا له، وزيدًا ضربًا له. والمجرور هنا منصوب. وكذلك ما جرى مجرى الأمر من أسمائه، نحو: زيدًا ضرابه، والإبل مناعها، وكذلك الإغراء، نحو: زيدًا عليكه، فينصب بما يدل عليه ما بعده" انتهى.
والنصب مع اسم الفعل وفي الإغراء لا يكون على مذهب البصريين، إنما يكون على مذهب الكسائي.
وقوله أو ولي هو همزة استفهام الضمير في "هو" عائد على الاسم السابق الذي اشتغل عنه الفعل. أزيدًا ضربته؟ وإنما خص الهمزة بالذكر مع ما يُرجح النصب لأن غيرها من أدوات الاستفهام من موجبات النصب، وسواء أكان الفعل الذي ولي الهمزة من باب الظن أو غيره.
стр. 2010
وقال الفراء: إذا قلت: أعبد الله ظننته قائمًا؟ فالرفع وجه الكلام؛ لأن من عادات العرب أن يلغوها إذا لم يكن فيها الهاء وهي بين اسمين، فتوهموا ذلك فيها وفيها الهاء. والنصب عند البصريين الوجه.
واحترز بقوله أو ولي هو همزة آستفهام من أن يكون هو تليه الهمزة، فإنه لا يجوز فيه إلا الرفع نحو: زيدً أضربته؟ لآنه لا يجوز: زيدًا أضربت؟ وما لا يعمل لا يفسر. ولا يتخيل فرق بين الهمزة وغيرها من أدوات الاستفهام وإن كان قد جاز فيها أشياء لم تجز في سائر أدواته، وإذا كانوا مع اتساعهم فيها دون أخواتها لم يجيزوا أن يعمل ما بعدها فيما قبلها فأحلرى سائر حروفه.
وحكى الأستاذ أبو علي عن أبي محمد بن حوط الله أنه كان يذب أبدًا إلى أن للألف مزية على سائر حروف الاستفهام، وأن ما بعدها يفسر ما قبلها. وقد كنت نبهته على هذا الموضع من كلام س، فلم يكن له بد من اللرجزع إليه. انتعي. ويعنى بـ"هذا الموضع" قول س في "هذا باب من الاستفهام يكون السم فيه رفعًا": "ألا ترى أنك تقول: زيد هذا أعمرو ضربه أم بشر، ولا تقول: عمرًا أضربت. فكما لا يجوز هذا لا يجوز ذلك" انتهى. وسواء فيما ولي الهمزة أكان السؤال عن الفعل،: أزيدًا / ضربته؟ أم عن الاسم، نحو: أزيدصا ضربته أم عمرًا، المختار في المسألتين النصب، وأنشد س:
أثعلة الفوارس أم رياحا عدلت بهم طهية والخشابا
стр. 2011
وزعم أبو الحسين بن الطراوة أنه إذا كان السوال عن الفعل فالمختار الحمل على الفعل، وإذا كان عن الاسم فلا يحمل على الفعل، بل على الابتداء. وزعم أن س اخطأ في استشهاده بقوله "أثعلبة الفوارس" إذ هو غلى خلاف ما ينبغي، فكأنه شاذ نادر لأن السؤال فيه عن الاسم، وهو قد نصب حملاً غلى الفعل، وإنما كان حقه ان يكون مرفوعًا.
وقال شيهنا الأستاذ ابو الحسن بن الضائع: "لا يلزم من تقديم الاسم إذا كان السؤال عنه وجعله يلي الهمزة أن يكون ميتدأ، بل هو محمول على إضمار الفعل؛ لأن الهمزة تطلب الفعل اختيارًا، سواء أكان السؤال عن اسم أم كان عن فعل، إلا أنه إذا كان عن اسم يجعل الاسم في اللفظ خاصة يلي الهزة وأم، وإن كان عن فعل جعل يلي الهمزة وأم لفظًا وتقديرًا، ثم المسموع من العرب هو ما قعد س في هذا الباب وغيره من اختيار الحمل على الفعل، وفسد قول ابن الطراوة إنه يجب الرفع على الابتداء" انتهى.
ويد على صحة ما ذهب إليه س قول العرب: أزيدًا ضربت أم عمرًا؟ بالنصب، وهو سؤال عن الاسم، فلو كان ما ذهب إليه ابن الطراوة صحيحًا لم يجز النصب، ولو جب الرفع على الابتداء، لكنه ينبغي أن يقدر الفعل متأخرًا عن الاسم في مسألة الاشتغال، فيقال في مثل "أزيدًا ضربته أم عمرًا" إن تقديره: ضربت ضربته أم عمرًا.
والأخفش يجعل أدوات الاستفهام كالهمزة، فيختار النصب فيما يلي الأداة على الاشتغال، فيقول: أيهم زيدًا ضربه؟ ومن أمة الله ضربها؟ كما يقول: أزيدًا مررت به؟
стр. 2012
وقال س:"وإن قلت: أيهم زيدا ضرب؟ قبح".
وإنما قبح لأن أدوات الاستفهام غير الهمزة أشبهت أدوات الشرط غير إن، فكما يقبح ذلك مع فعل الشرط قبح معها.
وقوله أو حرف نفي لا يختص مثاله: ما زيدا ضربته، ولا زيدا قتلته ولا عمراً.
واحترز بقوله حرف نفي من"ليس"فإنها فعل، وإذا وليها الاسم السابق كان اسما لها، فيتعين رفعه، نحو: ليس زيد أضربه، فتخرج المسألة من الاشتغال.
واحترز بقوله لا يختص من حرف نفي يختص، وذلك"إن"و"لم"و"لما"الجازمة؛ لأن الاسم لا يلي واحدا منها إلا في ضرورة، فيكون إذ ذاك محمولا على إضمار فعل علي جهة الوجوب،
كما قال الشاعر:
ظننت فقيرا ذا غنى، ثم نلته ... فلم ذا رجاء ألقه غير واهب
/أي: فلم ألق ذا رجاء ألقه غير واهب.
وما ذكره المصنف من أنه إذا ولي المشتغل عنه حرف نفي لا يختص يختار فيه النصب كحاله
إذا ولي همزة الاستفهام مخالف لظاهر كلام س، فإن س لما ذكر النصب فيه قال بعد ذلك:"وإن شئت رفعت، والرفع فيه أقوى إذ كان يكون في ألف الاستفهام؛ لأنهن نفي واجب، يبتدأ بعدهن، ويبنى على المبتدأ بعدهن، ولم يبلغن أن يكن مثل ما شبهن به".
وهكذا قال أبو بكر بن
стр. 2013
طاهر في شرحه كلام س، وأن الرفع أقوى من النصب لأمن الرفع في حروف الاستفهام
وقال الأستاذ أبو علي: حروف النفي متوسطة بين حروف الاستفهام والابتداء، فالرفع فيها قريب من النصب،
فهي كحروف الاستفهام في أنها تخرج الواجب إلى حد النفي، كمان ان حروف الاستفهام تخرجه إلى حد الاستفهام، وهي محمولة على الابتداء لأنها تقتضيه ونفي له، وأنها تبقي لفظ الابتداء، فيبقى معها على حاله وقوة الرفع فيه.
وقال ابن خروف: لما ضعف طلب حروف النفي للفعل شبهها بحروف الاستفهام؛ لأنها دخلت لنفي الواجب، كما أن الاستفهام غير واقع، ولم يشبهها بحمله على الشرط،
فيجب أن يكون النصب هنا أضعف منه في الاستفهام، والرفع هنا أقوى منه الاستفهام، ولولا كثرة النصب هنا في كلامهم لكان الرفع فيه أقوى من النصب، فغايته أن يستوي معه،
وكلام س محتمل في ذلك؛ إذا ضعفه عن الاستفهام الذي جعله مشبها بالشرط، والمشبه بالشيء لا يقوى قوته.
وفي تعليق علي بن موسى بن حماد عن أبي الحسن بن الباذش أن الرفع والنصب مستويان
كقولك: ما زيد ضربته، وما زيدا ضربته، فالنصب لأن النفي غير واجب كالاستفهام، والرفع لأنه نفي واجب، فيجري مجرى الواجب لأنه يقتضيه.
وذكر ابن عصفور: أن مذهب الجمهور أن النصب أقوى من الرفع، واختار.
واتبعهم المصنف.
стр. 2014
فصار في المسألة ثلاثة مذاهب: استواؤها،
وأرجحيه الرفع،
وأرجحيه النصب.
ومن غريب النقل ما ذكره ابن أصبغ من أن س وعامة النحويين أجازوا الرفع في قولك: ما ضربته ولا عمراً أكرمته، ومنعه بعض المتأخرين، وكأنه غلط، أو هو يتأول على معنى اختيار الرفع.
وقوله أو حيث مثاله: حيث زيدا تلقاه يكرمك.
وإنما كان النصب أرجح لأن"حيث"في معنى حروف المجازاة.
وقوله: أو عاطفا على جملة فعلية تحقيقا مثاله: لقيت زيدا وعمرا كلمته.
وسواء/أكان الفعل متعديا أم لازما، متصرفا أم جامدا، تاما أم ناقصا،
نحو: لست أخاك وزيدا أعينك عليه، وكنت أخاك وعمرا كنت له أخا.
وسواء أقدمت الفعل أم اخرته، نحو: عمرا لقيت وزيدا كلمته، وتقول: قام زيد وعمرا كلمته.
وإنما كان راجحاً للمشاكلة؛ إذ يكون عطف جملة فعلية على جملة فعلية، قال تعالى ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا. وقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ﴾،وقال ﴿فَرِيقًا هَدَى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾،
والتقدير: وأغرقنا قوم نوح، وأضل فريقا،
وقال الشاعر:
وتيماء، لم يترك بها جذع نخلة ... ولا أطماً إلا مشيدا بجندل
стр. 2015
أي: وخرب تيماء، وهو معطوف على قوله:
وأضحى يسح الماء عن كل فيقة ... يكب على الأذقان دوح الكنهبل
وهذا لا اختلاف فيه بين النحويين.
إلا أن الفراء قال: إن أردت أن تكون الجملة معطوفة على الجملة نحو: زيد هكذا وعمرو هكذا، اخترت الرفع.
وإلا إذا كان الفعل لازما، نحو: قام زيد وعمرا ضربته، فاختار س وأصحابه النصب.
قال الجرمى: واختار غير س الرفع
وإلا في"ليس"،نحو: لست أخاك وزيدا أعينك عليه، فاختار س النصب؛ [لأنها فعل] تصرف في معناها تصرف كان.
وقال الفراء: في ليس الرفع لا غير.
وقوله أو تشبيها قال المصنف في الشرح:"وليس الغرض في ترجيح نصب ما بعد العاطف إلا اللفظ ظاهراً، ولولا ذلك لم يرجح بعد حتى؛ لأنها لا يعطف بها جملة بل مفرد على كل،
فإذا قلت: ضربت القوم حتى زيدا ضربت أخاه، فـ (حتى) حرف ابتداء، ولكن لما وليها في اللفظ بعض ما قبلها أشبهت العاطفة، فأعطى تاليها ما أعطي تالي الواو.
وتجعل ضربته توكيدا.
فلو قلت ضربت زيدا حتى عمرو ضربته تعين رفع عمرو بزوال شبه حتى الابتدائية بالعاطفة؛ إذ لا تقع العاطفة إلا بين بعض وكل"انتهى كلامه.
стр. 2016
ولم يذكر المصنف مما يشبه حرف العطف غير"حتى"،وكأنه قصد التمثيل لا الحصر في شبيه العطف.
وذكر س حتى، ولكن، وبل،
قال س:"ومما يختار فيه النصب قوله: ما لقيت زيدا ولكن عمرا مررت به، وما رأيت زيدا بل خالدا لقيت أباه، تجريه على قولك: لقيت زيدا وعمرا لم ألقه".
وقال س أيضا:"ومما يختار فيه النصب لنصب الأول، ويكون الحرف الذي بين الأول والآخر بمنزلة الواو والفاء وثم، قولك: قد لقيت القوم كلهم/حتى عبد الله لقيته، وضربت القوم حتى زيدا ضربت أباه، وأتيت القوم أجمعين حتى مررت به، ومررت بالقوم حتى زيدا مررت به".
وإنما اختير النصب لأنها حروف تشبه العاطفة من حيث غنها لا تكون إلا بعد كلام، ولا تبتدأ أصلا، ولأنها أيضا يعطف بها في المفردات، فاختيرت المشاكلة لذلك، كما اختير في حروف العطف.
وقول المصنف في الشرح:"فإن قلت ضربت القوم حتى زيدا ضربته فالأجود أن تنصب زيدا بمقتضي العطف، وتجعل ضربته توكيدا"ليس بسديد؛ لأنك إذا جعلت ذلك من باب العطف اقتضى أن تكون الجملة توكيدا كما ذكر،
وإذا جعلت زيدا منصوبا من باب الاشتغال كانت الجملة غير مؤكدة؛ ألا ترى أنها في نحو"زيدا ضربته"لا يقال إنها مؤكده، بل هي غير مؤكدة قطعا، بل هي مؤسسة، وإذا دار الأمر بين أن تكون للتأسيس كان جعلها للتأسيس أولى، بل لا يذهب للتأكيد إلا عند عدم احتمال التأسيس.
وعلى أن المسألة من باب الاشتغال أوردها س:"لقيت القوم كلهم
стр. 2017
حتى عبد الله لقيته"،جعله من باب الاشتغال، وإنما جعل س الجملة توكيدا حيث لم يمكن أن تكون مفسرة، وذلك عند جر الاسم بـ"حتى"،
قال س:"وقد يحسن الجر في هذا، وهو عربي، وذلك قولك: لقيت القوم حتى عبد الله لقيته، فإنما جاء بـ (لقيته) توكيدا بعد أن جعله غاية، كما تقول مررت بزيد وعبد الله مررت به"انتهى.
ولم يجز س في"ضربت القوم حتى زيدا ضربته"أن تكون توكيدا لأنها مفسرة مؤسسة، وحمل الجملة على التأكيد إنما يذهب إليه حيث لا يمكن التأسيس.
وقد ذهب بعض نحاتنا إلى أنه لا يجوز التوكيد في نحو"ضربت القوم حتى زيد ضربته"؛لأن الجملة لا تكون توكيدا حتى تشتمل على ضمير ما عمل فيه العامل الأول، نحو: ضربت القوم حتى زيد ضربتهم.
وهو مخالف لما ذهب إليه س.
وقول المصنف في الشرح: أيضا"فلو قلت ضربت زيدا حتى عمرو ضربته تعين رفع عمرو لزوال شبه حتى الابتدائية بالعاطفة إذ لا تقع العاطفة إلا بين بعض وكل"-
لم يتعرض س ولا غيره لهذا الشرط على إضمار فعل على سبيل الاشتغال حتى يكون فيها شرط (حتى) العاطفة من أن ما بعدها يكون جزءا مما قبلها.
وفي البسيط:"وجعل بعضهم من الاستئناف (إذا) المفاجأة في قولك: جئت فإذا عبد الله تضربه، و (حتى) في/قولك: أكرمك القوم حتى زيد
стр. 2018
أكرمته، إلا أن يكون حرف عطف، فيجري مجرى حروف العطف"انتهى.
وهذا مما يؤيد قول المصنف.
قوله أو كان الرفع يوهم وصفا مخلا
قال المصنف في الشرح:"من مرجحات النصب أن يكون مخلصا من إيهام غير الصواب، والرفع بخلاف ذلك، كقوله تعالى ﴿إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾؛فإن نصب (كل شيء) يرفع توهم كون (خلقناه) صفة لـ (شيء)؛إذا لو كان صفة له لم يفسر ناصبا لما قبله، وإذا لم يكن صفه كان خبرا،
فيلزم عموما خلق الأشياء بقدر، خيرا كان أو شرا، وهو قول أهل السنة، ولو قرئ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ بالرفع لاحتمال أن يكون (خلقناه) صفة مخصصة، وأن يكون خبرا، فكان النصب لرفعه احتمال غير الصواب راجحا" انتهى كلامه.
وهذا الذي ذكره المصنف من ترجيح النصب بالسبب الذي ذكر هو قول أكثر النحويين.
وأما س: فإنه ذكر أن الرفع أقوى في نحو: إني زيد لقيته، وأنا عمرو ضربته، وليتني عبد الله مررت به.
ثم قال بعد:"فأما قول الله ﴿إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ فإنما جاء على قوله: زيدا ضربته، وهو عربي كثير، وقد قرأ بعضهم ﴿وأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾،إلا أن القراءة لا تخالف لأنها السنة" انتهى.
فليس في كلام إشارة إلى ترجيح النصب بسبب، وإنما خرج ذلك على زيدا ضربته.
وظاهر كلام المصنف و"س"أن قوله ﴿إنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ﴾ لم يقرأ إلا
стр. 2019
بالنصب، وليس كذلك، بل قرئ بالرفع على الابتداء، وعلى ما يقتضيه أكثر كلام العرب.
وروي عن الأخفش: أنه جعل ﴿خَلَقْنَاهُ﴾ في موضع الصفة.
ولم يتم له ذلك إلا بقراءة الرفع؛ إذ يحتمل الصفة والخبر، وأما في قراءة النصب فلا يتصور ذلك؛ لان الفعل الواقع صفة لا يفسر.
قال ابن خروف: وإنما اعتذر س بأن القراءة لا تخالف لضعف قراءة النصب؛ لكونها بمنزلة: زيدا ضربته.
وقال ابن عصفور:"ثم قال-يعني س-: (وأما قول الله تعالى) يريد أن النصب فيه ضعيف، والرفع أحسن منه؛ لأنه ليس قبله ما يوجب النصب، فهو بمنزلة: زبد ضربته"انتهى.
وقول ابن خروف وابن عصفور: إن النصب ضعيف، وقول ابن عصفور أيضا في قراءة ﴿وأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ يريد-يعني س-أن هذا أيضا جاء على الوجه الأضعف في النصب-ليس كما أنه وجه ضعيف ولا أضعف، بل هو الوجه العربي الكثير، لا الأكثر،
قال س هنا:"وهو عربي كثير".
وقال في أول أبواب الاشتغال:"وإن شئت قلت: زيدا ضربته".
ثم قال:"وقرأ بعضهم ﴿وأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾،/وأنشدوا هذا البيت على الوجهين، على الرفع والنصب،
قال بشر بن أبي خازم:
стр. 2020
فأما تميم تميم بن مر فألفاهم القوم روبى نياما"
ثم قال:"فالنصب عربي كثير، والرفع أجود"انتهى كلام س.
وفهم من قوله"والرفع أجود"أن النصب جيد، وما كان عربيا كثيرا جيدا لا يقال فيه إنه ضعيف ولا أضعف.
وظاهر كلام س"أن القراءة لا تخالف لأنها السنة"رجوع هذا التعليل إلى الآيتين.
وزعم الأستاذ أبو علي وابن عصفور أن ذلك التعليل لقراءة ﴿وأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ فقط؛ لأن الآية الأولى فيها عندهما موجب ترجيح النصب، وهو موجب العموم، والرفع لا دليل فيه عليه لاحتمال أن يكون (خلقناه) صفة، ويكون (بقدر) هو الخبر.
-[ص: وإن ولي العاطف جملة ذات وجهين-أي: اسمية الصدر فعلية العجز-استوى الرفع والنصب مطلقا، خلافا للأخفش ومن وافقه في ترجيح الرفع إن لم يصلح جعل ما بعد العاطف خبرا، ولا أثر للعاطف إن وليه"أما".
وابتداء المسبوق باستفهام أولى من نصبه إن ولي فصلا بغير ظرف أو شبهه، خلافا للأخفش، وكذا ابتداء المتلو بـ"لم"أو"لن"أو"لا"،خلافا لابن السيد.]-
ش: العاطف قد يكون من الحروف التي تشرك في عطف المفردات في الإعراب والحكم، وقد يكون فيما يشرك في الإعراب في عطف المفردات، مثاله: زيد ضربته وعمرو أكرمته، وزيد لقيته لا بل عمرو مررت به.
وإذا قلت ما أحسن زيدا فليس حكمه عندهم حكم: زيد ضربته، لا
стр. 2021
يلحظ في قوله أحسن زيدا ما يلحظ في ضربته، لأن فعل التعجب قد جرى مجرى الأسماء، ولذلك صغر، واعتقد الكوفيون فيه انه اسم، فلذلك يختار أن تقول: ما أحسن زيدا وعمرو مررت به، برفع عمرو على المختار، كأنه معطوف على جملة اسمية، أو كأنه مبدوء بجملته من غير عطف، وقد أهمل المصنف التنبيه على ذلك.
وما أشبه العاطف حكمه كالعاطف، وقد اهمله المصنف في الفص وفي الشرح، نحو"حتى"،
تقول: أنا أضرب القوم حتى عمرو أضربه.
وإنما احتاج في تفسير ذات الوجهين إلى قوله"أي: اسمية الصدر فعلية العجز"لأن ذات الوجهين يراد بها كبرى وصغرى، فالصغرى في ضمن الكبرى، والصغر أعم من أن تكون اسمية أو فعلية،
فبين أن المراد بقوله"ذات الوجهين"ما يجوز فيه الرفع باعتبار الكبرى، والنصب باعتبار الصغرى، ولا تكون كذلك حتى تكون اسمية الصدر فعليه العجز.
وأهمل المصنف أن الوصف المخبر به/عن المبتدأ يتنزل منزلة الجملة الفعلية في ذلك، مثاله: هذا ضارب عبد الله وزيد يمر به، وزيد ضارب عمرو غدا وبشر سيضربه، وهذا ضارب القوم حتى زيد يضربه، إذا أردت معنى التنوين فجميع هذه المثل التي سردناها يجوز فيها الرفع والنصب.
وقوله استوى الرفع والنصب هذا الذي قاله المصنف قاله الجزولي من أن الوجهين على حد سواء.
وقال المصنف في الشرح في هذه المسألة:"جاز
стр. 2022
رفعه ونصبه جوازًا حسنًا دون ترجيح؛ لأنه إذا رفع كان مبتدأ خبرًا عنه بجملة فعلية معطوفًا على مبتدأ مخبر عنه بجملة فعليه؛ وإذا نصب كان معمول فعل معطوفًا في اللفظ على معمول فعل، فمع كل واحد من العملين مشاكلة توجب عدم المفاضلة، ولكل منهما ضعف وقوة، فضعف الرفع لترتبه على أبعد المشاكلين، وقوته لصلاحية الثاني فيه لأن يسد مسد الأول، وضعف النصب لعدم صلاحية الثاني فيه أن يسد مسد المحمول عليه، وقوته لترتبه على أقرب المشاكلين، فحصل بذلك تعادل في مراعاة التشاكل» انتهى.
وفي البسيط: هما على السواء على رأي س، وترجيح الرفع على رأي أبي علي.
وقال بعض معاصرينا: لم يصرح س أنهما على حد سواء، إنما ذهب إلى ذلك الجزولي، والأظهر أن يكون الحمل على الفعل الذي في الجملة الصغرى أحسن من الحمل على الكبرى؛ لأن الصغرى أقرب، وهي التي تلي، وهم كثيرًا ما يراعون الجوار- وإن كان ينقض المعنى- كقولهم: هذا جحر ضب خرب.
وطائفة أنكرت هذا ومنعت من الحمل على الصغرى البتة. ونسبه ابن عصفور للفارسي قولاً. والصحيح أنه لأبي بكر بن طاهر، وهو أن العطف على كل حال إنما هو على الكبرى، فإن كان مرفوعًا فلا كلام فيه، وإن كان منصوبًا فمحمول على الكبرى، ملاحظ فيه معنى الصغرى للمشاكلة، وكأنه نوع من التوهم، ولا يلزم إذا لحظت الصغرى من جهة أن يكون العطف عليها، بل هو معطوف على الكبرى، مشاكل بينها وبين الصغرى،
стр. 2023
كقوله تعالى ﴿فَأَصَّدَّقَ وأَكُن﴾، وقوله:
............... لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئًا ..........
واختار هذا القول ابن عصفور، إلا أنه مخالف لظاهر كلام س، فإن س قال: إذا كان منصوبًا فإنه محمول على الصغرى. والحمل لا يفهم منه إلا العطف.
وقول المصنف «وإذا نصب كان معمول فعل معطوفًا في اللفظ على معمول فعل» ليس يجيد، فإنه كما يعطف على الجملة الصغرى المتضمنة منصوبًا كذلك يعطف على الصغرى وإن لم يكن/ فيها منصوب البتة، نحو: زيد قام أخوه وعمرًا كلمته، فمراعاة المشاكلة ليست لكون الصغرى فيها منصوب، بل لمجرد كونها فعلية.
وقوله مطلقًا، خلافًا للأخفش ومن وافقه إلى قوله خبرًا الجملة المعطوفة على الجملة الصغرى إما أن يكون فيها ضمير يعود على المبتدأ الذي في الجملة الكبرى أو لا يكون، فإن كان فيها ضمير جازت المسألة، نحو: هند ضربتها وزيدًا كلمته في دارها، وإن لم يكن فيها ضمير فأربعة مذاهب:
أحدها: ما ذهب إليه جماعة من القدماء والفارسي من جواز العطف على الصغرى، نحو: هند ضربتها وعمرًا أكرمته، وهو ظاهر كلام س.
стр. 2024
قيل للفارسي: إذا عطفت على الصغرى لزم الرابط.
قال: قد نجد ما يدل على ما قلت؛ ألا ترى أن (إن زيدًا وعمرو قائمان) لا يجوز في الحكاية، أي (زيد) لا يجوز، فإذا قلت: إنك وزيد قائمان، أو: من زيد- جاز. وإنما جاز ذلك مع الضمير الذي هو الكاف في (إنك) وفي (من)، ولم يجز في الإسم المعرب؛ لأنك إذا عطفت على معرب فيلزمك أن تحمل عليه من نوعه كراهية الخلاف، وإذا عطفت على ما لا يظهر فيه إعراب احتمل ذلك فيه؛ لأن الخلاف في ظاهر اللفظ قد أمن، وكذلك العطف على الجملة الصغرى جائز لأنها لا يظهر فيها إعراب من حيث هي جملة، فاحتمل عروها من الضمير كما احتمل في (إنك وزيد) الرفع، وفي الحكاية بـ (من)؛ حيث لا يظهر فيهما إعراب.
وقال الفارسي أيضًا: قد نجد معطوفًا على شيء لا يلزم فيه ما يلزمه لو كان المعطوف عليه؛ ألا تراهم يقولون: رب رجل وأخيه، وكل شاة وسخلتها، ولا يقولون: رب أخيه، ولا: كل سخلتها.
المذهب الثاني: ما ذهب إليه الأخفش والزيادي ومن تبعهما كالسيرافي، وهو أنه لا يجوز؛ لأن المعطوف على الخبر خبر، فكما لا يجوز خلو الجملة الأولى الواقعة خبرًا للمبتدأ من رابط يعود على المبتدا، فكذلك الجملة
стр. 2025
المعطوفة عليها، فإن وجد النصب فيما عري من الرابط فليس لكونه معطوفًا على الجملة الصغرى، إنما ذلك لجواز «زيدًا ضربته» ابتداء من غير مراعاة عطف على الصغرى، ويكون من عطف الجملة الفعلية على الجملة الإسمية، وذلك جائز، لا خلاف فيه.
والمذهب الثالث: ما ذهب إليه هشام، وهو أنه إن كان العطف بالفاء أو بالواو جازت المسألة لأن الفاء فيها تسبيب، فيحتمل أن يكون الرابط في الجملتين بضمير واحد، والواو فيها معنى الجمع. وإن كان/ العطف بغيرهما لم يجز.
المذهب الرابع: ما ذهب إليه الجمهور، وهو أنه إن كان العطف بالفاء جاز المسألة، وإن كان بغير ذلك لم تجز.
وما احتال به أبو بكر بن طاهر ومن تبعه من أن العطف في الحقيقة إنما هو على الكبرى، لكن إن نصب راعيت مشاكلة الصغرى- هو إحالة منه لصورة المسألة، فإن الفرض في المسألة أن العطف إنما هو على الجملة الصغرى.
وأما س فإنه ذكر مثلاً، وأجاز فيها النصب والرفع، وليس في الجملة الثانية ضمير. فقيل: أتكل على فهم القاعدة من أن المعطوف على الخبر خبر، فيلزم في الثاني ما يلزم في الأول.
واستدل لجواز النصب- وإن عريت الجملة من الضمير- بورود الوجهين في قوله ﴿والْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾، قرأه الحرميان وأبو عمرو بالرفع، وقرأه باقي السبعة بالنصب، وهو معطوف على قوله ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾، وليس في الجملة المعطوفة على الصغرى ضمير يعود على الشمس.
стр. 2026
قال ابن عصفور والمصنف: أجمع القراء على نصب ﴿والسَّمَاءَ رَفَعَهَا ووَضَعَ المِيزَانَ﴾، وهي معطوفة على (يسجدان) من قوله ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾، وليس فيها ضمير يعود على (النجم والشجر).
وذكر ابن عصفور أن س وغيره من أئمة النحويين حكوا أن الإختيار في مثل هذا النصب، ولم يشترطوا ضميرًا. وليس في كتاب س أن الإختيار النصب، وإنما فيه ما نصه: «فإن حملته على الإسم الذي بني عليه الفعل كان بمنزلته إذا بنيت عليه الفعل مبتدأ، يجوز فيه ما يجوز إذا قلت: زيد لقيته، وإن حملته على الذي بني عليه الفعل اختير فيه النصب كما اختير فيما قبله، وجاز فيه ما جاز في الذي قبله، وذلك قولك: عمرو لقيته وزيد كلمته، إن حملت الكلام على الأول. وإن حملته على الآخر قلت: عمرو لقيته وزيدًا كلمته» انتهى. فلم يختر النصب على الرفع بالنسبة إلى المسألة إذا رفعت مراعيًا الجملة الكبرى، وإنما أختار النصب إذا راعيت الجملة الصغرى على الرفع إذا عطفت عليها، ولذلك قال: «وجاز فيه ما جاز في الذي قبله» يعني من الرفع. وإن كان العطف على الجملة الصغرى فيكون عطف جملة أسمية على جملة فعلية. فالنصب هو المختار؛ لأنه يكون عطف جملة فعلية على جملة فعلية، فيحصل التشاكل.
وقال المصنف في الشرح: «جرت الجملة ذات المحل والتي لا محل لها مجرى واحدًا، كما أن اسم الفاعل حين لم يظهر الضمير المرتفع به جرى مجرى ما
стр. 2027
لا ضمير فيه، فقيل في تثنيته (قائمان) / كما قيل (فرسان). وإذا كان اسم الفاعل قد يظهر ضميره إذا جرى على غير ما هو له، ثم أجري مع ذلك مجرى ما لا ضمير فيه لعدم ظهوره في بعض المواضع- كان ما لا يظهر إعرابه أصلاً أحق ألا يعتد به» انتهى.
وكان ينبغي للمصنف أن يستثني من الجملة ذات الوجهين مسألة ذكرها س، وهي قولك: «ما أحسن زيدًا وعمرو قد رأيناه»، فالرفع أجود مراعاة للجملة الكبرى، ولا ينصب إلا على قولهم: زيدًا ضربته، ولا تراعى الجملة الضغرى؛ لأن هذا الفعل لم يستعمل منه مستقبل ولا اسم فاعل، بل قد لزم طريقة واحدة، ولم يضمر، فيبقى عمله كالأفعال، إذ لا تقول: ما زيدًا! تريد: ما أحسن زيدًا! ولا تقول: ما أحسنا! ولا: ما أحسنوا! فتلحقه الضمائر كالأفعال، ولا تقدمه، ولا تؤخره، إنما هو بمنزلة: لدن غدوة.
وقوله ولا أثر للعاطف إن وليه «أما» أما تبطل حكم حرف العطف لأنها من أدوات الصدر، فلا ينظر إلى ما قبلها، بل يكون للإسم بعدها ما له مفتتحًا به، فلا تراعي مع «ما» الجملة الصغرى، ولذك قرا أكثرهم ﴿وأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ بالرفع، وقد تقدمته جملة ذات وجهين، فإن كان مع وجود «أما» له مرجح النصب سوى العطف عمل بمقتضاه، نحو: أما زيد فقام وأما عمرًا فأضربه، وإلا فالرفع راجح.
وقوله وابتداء المسبوق باستفهام إلى قوله خلافًا للأخفش إن فصل
стр. 2028
بينهما بغير ظرف أو شبهه، نحو: أأنت زيد تضربه؟ وأهند عمرو تضربه؟ فذكر المصنف في الشرح أنه يبطل حكم الإستفهام عند س لبعده من الفعل، ولا يبطل عند الأخفش لوجود الإستفهام في أول الكلام والفعل في آخره، فرفع «أنت» «تضرب» مقدرًا، ونصب به زيدًا، وعند سيبويه «أنت» مبتدأ، والجملة بعده خبره.
وقد خطأ معظم النحويين الأخفش في اختياره النصب على الرفع، واختلفوا في الرد عليه: فزعم ابن ولاد أن الإشتغال لا يكون بالنظر إلى اسمين أصلاً، وأن س لا يجيز ما قاله الأخفش، وذلك أن الفعل المشتغل لابد أن يكون خبرًا عن الإسم، فإذا قلت أزيدًا ضربته؟ فـ «ضربته» خبر، وقد كان خبرًا له قبل الإشتغال حين قلت: زيد ضربته، ولو قلت: أأنت عبد الله ضربته؟ لم يكن «ضربته» خبرًا عن «أنت»، وإنما يكون خبره الجملة، فخرج عن الإشتغال.
وقد اعترض هذا القول بقولك: أزيد أنت ضاربه؟ وليس خبرًا عن «زيد»، بل «أنت» وما بعده هو الخبر، وقد أجمعوا على جواز النصب.
وينفصل عن هذا الإعتراض بأن «أنت» مع «ضارب» بمنزلة «ضرب»؛ لأنه لا يصح له عمل إلا معتمدًا بلا فاصل،/ وهذا بناء على منع هشام و «س»: زيدًا أنا ضربت، وإجازتهما: زيدًا أنا ضارب.
стр. 2029
وزعم أبو جعفر بن مضاء أن امتناع ما أجازه الأخفش هو من أجل أنه يصير «ضربته» مفسرًا لعامل يطلب معمولين ملفوظًا بهما، وهما: عبد الله، وأنت، والتفسير لا يقوى هذه القوة.
واعترض ابن خروف هذا القول بأن قال: وكذلك هو التفسير أبدًا؛ ألا ترى أنك إذا قلت: أعبد الله ضربته؟ فتقدر له فعلاً، يعمل في فاعل وفي المفعول المنطوق به.
ورد هذا الإعتراض بأن المعمولين هنا منطوق بهما، وهناك لم يلفظ بالمعمول الواحد إلا حين لفظت بالعامل، ولم يكونا ملفوظًا بهما حتى يفتقرا إلى ما يفسر عاملهما، فليس هذا مثل ذلك.
وزعم أبو بكر بن طاهر أن امتناع ذلك من أجل أنك إذا قلت: أعبد الله ضرب أخوه زيدًا؟ وترفع «عبد الله» بفعل مضمر يفسره ما بعده- فإنما تقول ذلك بحق الحمل للفاعل على المفعول، وإلا فلم يكن من حقه أن يفسره؛ إذ لا يصح له أن يعمل فيه، فإذا فسرنا به على ذلك كان على طرف من الضعف، فلا يتعدى به أكثر من ذلك، فإذا رفعت «أنت» بفعل مضمر يفسره الفعل المتصل بسببه- وهو التاء- فقد تجوزت به الأمر المتوسع فيه بأن فسرت به فعلاً يعمل فيه مع بعده منه ووقوع الفصل بينهما، وهم إنما تسامحوا في ذلك حين الإتصال.
قال الأستاذ أبو علي: «وهذا أيضًا يقرب أن يكون مانعًا في المسألة من النصب، وأن يكون س منعه لهذا، ويحتمل أن لم يمنع س من ذلك إلا ما دام
стр. 2030
«أنت» مبتدأ، وأنه إنما ذكر الوجه في المسألة التي وقعت فيها «أنت» مبتدأ، ولم يتعرض لهذا، وكأنه قال: لما كان فيها الفصل بالمبتدا بين الهمزة التي تطلب الفعل وبين الكلام صار كأنه لا همزة استفهام فيه» انتهى كلامه.
وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن الأبذي: «وهذه المسألة جعل قوم فيها الخلاف بين س والأخفش- وعلى هذا انبنى رد ابن ولاد وابن مضاء وابن طاهر وغيرهم على الأخفش- وقال قوم: لا خلاف بين س والأخفش، بل هما مقصدان، فإذا أدخلت الهمزة على (أنت زيدًا ضربته) في حال نصبك لزيد فينبغي أن يكون (أنت) مرفوعًا بإضمار فعل يفسره الفعل المضمر الناصب لزيد، فيكون تقديره: أضربت ضربت زيدًا ضربته؟ فالأخفش يختار هنا النصب لأجل همزة الإستفهام، وليس بصواب.
وظاهر لفظ س أنه لا يجوز عنده في (أنت) إلا أن يكون مرفوعًا بالإبتداء لا بإضمار فعل. وعلة ذلك أن همزة الإستفهام ليست مما تطلب الفعل بذاتها، إنما تطلب الفعل بالحمل على (إن) الشرطية؛ لأن الإستفهام كما يكون عن الفعل كذلك يكون/ عن الإسم، فتقول: أزيد أخوك؟ وأزيد قام؟ إلا إنه إذا كان خير المبتدأ فعلاً أختير حينئذ في الإسم الرفع بإضمار فعل، وأما إذا كان غير فعل فلا يجوز فيه إلا الرفع بالإبتداء، نحو: أزيد أخوك؟ والخبر في قولك: أأنت عبد الله ضربته؟ إنما هو الجملة الإسمية لا الفعل، والجملة لا تعمل، فلا تفسر، فهذا عند
стр. 2031
س بمنزلة أن لو قلت: أزيد أبوه منطلق؟» انتهى.
وما ذكره شيخنا أبو الحسن من أنه ينبغي أن يفسر فعلاً لـ «أنت» وفعلاً لـ «ضربت، ويكون الفعل الذي للفاعل هو الذي فسره المفعول- قول لم يسبقه إليه من فسر كلام الأخفش، وإنما جعلوا العامل الذي في الفاعل والمفعول واحدًا يفسره ما بعده، وأكثر الناس جعلوا ذلك خلافًا بين س والأخفش كما تقدم، وكما هو ظاهر كلاميهما، فـ (س) لا ينصب (زيدًا) في «أأنت زيدًا تضربه» إلا على من قال: زيدًا ضربته.
قال الأستاذ أبو علي: في الحقيقة لا خلاف بينهما، وإنما منع س من الذي ذهب غليه الأخفش ما دامت (أنت) مبتدأ، وكذلك كان يقول الأخفش لو سئل عنه، فاما إذا جعلت (أنت) فاعلاً بالفعل الذي يفسره (ضربته) المتصل بسببيه فلا ينكر ذلك س، ولا يمنع منه.
وقال أيضًا الأستاذ أبو علي: ومن خطا الأخفش على خطا. قال: والصحيح أن الاخفش غير معارض لـ (س)، وكلامهما واحد من غير خلاف بينهما، وإنما هو كالمتمم لا المعترض، والهمزة هنا- أعني في: أأنت عبد الله ضربته- تطلب الفعل اختيارًا على أصلها، وكأن س فرض هذه المسألة على الوجه الأضعف لئلا يتوهم أن ادوات الإستفهام لا يجوز أن يحمل ما بعدها غلا على فعل من حيث إنه لم يذكر فيما تقدم إلا مسائل محمولة على الفعل فيما ذكر منها بعد أداة تطلب الفعل اختيارًا؛ فكأنه هنا كالمنكت، وليري أن الهمزة إذا فصلت بينها وبين الإسم المشتغل عنه بمبتدأ لم تقو أن تطلب فعلا يعمل في المشتغل عنه من حيث الفصل، وليعلم أن هذا جائز من كلامهم وجيد، فإذا كان
стр. 2032
على هذا _أعني على جعل (أنت) مبتدأ على الوجه الأضعف_ لا يجوز في (عبد الله) إلا الرفع على الوجه الأضعف كما قال؛ لأن الهمزة قد جعلها هنا كالعدم من حيث إنها لم تدخل على (عبد الله) _فلا يحمل (عبد الله) على فعل على الاختيار المعتاد في الهمزة لأنها لم تله، والأخفش اختار المختار في هذه المسألة الذي هو الوجه الأحسن الذي أهمله هنا س، ولم يذكره، وهو أن يكون (أنت) فاعلًا بفعل يفسره الفعل الأخير، ويكون (عبد الله) منصوبًا على المفعولية بالفعل الرافع لـ"أنت" على الفاعلية، وإذا كان فاعلًا /بفعل مضمر لا يجوز في (عبد الله) إلا النصب لأنه مفعول.
فإن قلت: الأخفش قال: النصب في عبد الله أجود. يعني أن الرفع جائز.
فالجواب: أن الأخفش إنما أراد أن يقول: إن الوجه المؤدي لنصب (عبد الله) على اللزوم أجود من الوجه المؤدي لرفعه على الاختيار" انتهى كلامه.
وهذا الحكم الذي ذكره المصنف من أن ابتداء المسبوق بحرف نفي لا يختص حكمه كذلك، كما أنه مرجح للنصب كهمزة الاستفهام كذلك يكون الترجيح في الابتداء إذا سبق بحرف نفي لا يختص كالهمزة، ومثال ذلك: ما أنت زيد ضربته.
ومن غريب المنقول ما حكاه صاحب "رؤوس المسائل" من اختلاف النحويين في جواز رفع "زيد" وشبهه من قولك: ما أنا زيد لقيته. ولعل هذا النقل غلط، أو يحمل على جواز اختيار رفع "زيد".
واحترز المصنف بقوله بغير ظرف أو شبهه من أن يكون الفصل بظرف أو مجرور، فإنه كلا فصل؛ لأنه يتسع في الظروف والمجرورات ما لا يتسع في غيرهما.
стр. 2033
ومثاله: أكل يوم زيدًا تضربه؟ وأفي الدار زيدًا تضربه؟ فالاختيار هنا النصب، وكأن همزة الاستفهام وليت الاسم. وكذلك: ما اليوم زيدًا تضربه، وما في الدار زيدًا تضربه. والعامل في الظرف والمجرور هو الفعل المفسر الناصب لزيد، فإن قدرته متقدمًا على الظرف والمجرور أو متأخرًا يلي الاسم المشتغل عنه جاز، وعلى التقدير هو فصل كلا فصل؛ لأن العامل في الظرف أو المجرور والمشتغل عنه واحد، بخلاف: أأنت عبد الله ضربته؛ لأن "أنت" مبتدأ، فهو فاصل.
وفي البسيط: إن فصلت باسم آخر بين الاسم والحرف قوي الرفع، نحو أأنت عبد الله تضربه؟ لبعد الحرف الطالب للفعل، ويرجح على النصب كما كان قبل الاستفهام، وكان الاسم الذي يلي الحرف أيضًا على الابتداء للبعد بالثاني. فإن كان الاسم مما لا يفصل عندهم كالظرف لم يرتفع طلبًا للفعل، نحو: أكل يوم زيدًا تضربه؟ فإنه إذا لم يؤثر مع الفصل بين (ما) ومعمولها في جواز: ما اليوم زيد ذاهبًا، ولم يمنعها عن العمل _فألا يمنعها عن طلب الفعل أولى، وهذا رأي س.
وأما الأخفش فيفرق بين أن يكون الاسم الفاصل له في الفعل ضمير أو لا يكون، فإن كان له ضمير بقي على ما كان من طلب الفعل، والاسمان معًا مبنيان على الفعل بحسب ما يطلبهما الفعل، نحو: أأنت عبد الله ضربته؟ فالأول له في الفعل التاء، فيكون على الفعل، فيكون الثاني كذلك. وكذلك أعبد الله أخوه يضربه؟ وعند الأخفش /الوجه النصب في الثاني. وإن كان الاسم ليس له في الفعل ذكر وافق س على الابتداء، ويرجحه على النصب، نحو:
стр. 2034
أزيد أخوه تضربه؟ لأن الأول لا فعل له، فحينئذ لا يكون للحرف به طلب، فيتعين الابتداء.
قال شيخنا _يعني أبا العلا إدريس_: ويترجح ما ذهب إليه س؛ فإن المضمر الذي لـ (أنت) في الفعل الظاهر المتأخر ليس طلبه له ضروريًا، بل قد يستغنى عنه، بخلاف طلب الضمير الآخر الذي لـ (عبد الله)، وإذا لم يكن ما يطلب (أنت) طلبًا لازمًا فهو في حكم الأجنبي، فرفعه ابتداء أولى؛ ألا ترى أنك لو قلت: أعبد الله ضربته، ولم تذكر (أنت) _لصح الكلام؛ لن التاء ليست طالبة لاسم تعود عليه، وترتبط به، كالهاء، فلا عبرة بها، فطلبه في المعنى كطلب فعل السبب للاسم الأول في قولك: أعبد الله أخوه يضربه؟ فكما لا يراعي هنا فعل السبب اتفاقًا فكذلك هناك، ولا فرق، ولذلك سوى بينهما س. وأما الفصل بحروف العطف فلا يمنع، نحو: أوزيدًا ضربته، ونحوه.
وقوله وكذا ابتداء المتلو بلم أو لن أو لا، خلافًا لابن السيد مثال ذلك: زيد لم أضربه، وبشر لن أكرمه، وزيد لا أضربه، فذكر المصنف أن الاختيار هنا الرفع على الابتداء.
وقال ابن السيد: "الجحد ينقسم ثلاثة أقسام:
قسم لا يجوز فيه إلا الرفع: وهو أن يكون النفي بـ (ما)، ويتقدم الاسم قبلها، كقولك: زيد ما ضربته.
وقسم يختار فيه النصب: وهو أن يكون فيه النفي بـ (لا) أو بـ (لم) أو
стр. 2035
بـ (لن)، أو يتأخر الاسم بعد (ما)، كقولك: زيدًا لا أضربه، وزيدًا لم أضربه، وزيدًا لن أضربه، وما زيدًا ضربته.
وقسم في جواز النصب فيه خلاف: وهو كقولك: أزيدًا لست مثله" انتهى كلامه.
قال المصنف في الشرح: "ليس بصحيح"، يعني ما زعمه ابن السيد من رجحان النصب على الرفع. قال: "لأن تقدم الاسم على فعل منفي بغير (ما) كتقدمه على فعل مثبت، فإنهما متقابلان كتقابل الأمر والنهي، فكما يستوي المتقدم على فعلي الأمر والنهي كذلك يستوي المتقدم على فعلي الإثبات والنفي بغير (ما)، فلو كان النفي بـ (ما) لم يجز النصب لأنها من بين حروف النفي مخصوصة بالتصدير" انتهى.
وفي الإفصاح: "أما حروف النفي في قولك: ما زيدًا ضربته، ولا عمرًا أكرمته _ففيه خلاف: أكثر النحويين على أنها من هذا القسم_ يعني من قسم ما يختار فيه النصب كهمزة الاستفهام _إلا أن النصب فيها_ وإن كان أقيس من الرفع _فهو دون النصب بعد أدوات الاستفهام.
وقيل: هو من الذي يختار فيه الرفع، إلا أن النصب أقوى منه في ذلك الباب".
ص: وإن عدم المانع والموجب والمسوي رجح الابتداء، خلافًا للكسائي في ترجيح نصب تالي /ما هو فاعل في المعنى، نحو: أنا زيد ضربته، وأنت عمرو كلمته.
وملابسة الضمير بنعت أو معطوف بالواو غير معاد معه العامل كملابسته بدونهما، وكذا الملابسة بالعطف في غير ذا الباب.
следующие страницы →