Полный текст (3 950 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
وإني- وإن صدت- لمثن، وقائل، ... عليها بما كانت إلينا أزلت
فما أنا بالداعي لعزة بالردى ... ولا شامتٍ إن نعل عزة زلت
على أنه شبيه الإعمال؛ لأنه لما عطف فصل بين مثنٍ ومعموله، وفصل أيضاً بين قائل ومعموله بمعمول مثنٍ، ففعل الفارسي في البيت ما فعل هنا، وليس قوله ((ولم أطلب)) اجنبياً من الكلام، ولهذا فصل به، وإنما هو تسديد؛ لأن المعنى: ولم أطلب الملك. ولم يجيء به س على الإعمال، بل جاء به على أنه من غير الإعمال؛ ألا ترى إلى قوله: ((فإنما رفع لأنه لم يجعل القليل مطلوباً، وإنما المطلوب عنده الملك))، فالطلب لا يتوجه على القليل مطلوباً؛ ألا تراه يقول: ((ولو لم يرد ذلك ونصب لفسد)).
ونظير هذا البيت قول الشاعر:
عدينا بالتواصل منك إنا ... نحب- ولو مطلت- الواعدينا
لأن مطلت لا يطلب الواعدينا، إنما يطلبه محب، وإنما أراد: نحب الواعدينا ولو مطلتنا، فلم يتوجه الثاني لما توجه الأول.
ومثله ما قال أبو علي في ((التذكرة)) في قوله تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾: إن الباء متعلقة بامْنُنْ؛ لأن المعنى: أعط من سعة، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾، أي: يعطي من سعة، ولا يقلق به الإمساك.
стр. 2172
وذهب الأستاذ أبو ذر مصعب بن أبي بكر الخشني، والأستاذ أبو إسحاق بن ملكون في أحد قوليه، والأستاذ أبو علي فيما حكاه عنه أبو الفضل الصفار- إلى أنه من الإعمال، قالوا: لا يكون ولم أطلب جواباً للو معطوفاً على كفاني، بل يكون على استئناف الجملة، أي: وأنا لم أطلب قليلاً من المال، وتكون هذه الجملة مستأنفه كما ذكرنا معطوفة على الجملة المنعقدة من لو وجوابها.
ورد الأستاذ أبو الحسن بن عصفور هذا القول ((بأن العاملين في هذا الباب لا بد أن يشتركا، وأدنى ذلك أن يكون بحرف العطف؛ حتى لا يكون افصل معتبراً، /أو يكون الفعل الثاني معمولاً للأول، وذلك قولك: جاءني يضحك زيد، فتجعل في جاءني ضميراً، أو في يضحك، حتى لا يكون هذا الفعل فاصلاً، فتكون الجملتان قد اشتركتا أدنى اشتراك، فيسهل الفصل، وأما إذا جعلت ولم أطلب معطوفاً على فلو أن ما أسعى فإنك تفصل بجملة أجنبية، ليست محمولة على الفعل الأول، فتكون إذ ذك بمنزلة: أكرمت وأهنت زيداً، والعرب لا تتكلم بهذا أصلاً)) انتهى. ... [٣: ١٢٤/ب]
وهذا الذي ذكره ابن عصفور من انحصار التشريك بين جملتي التنازع في العطف، وان يكون الفعل معمولاً للأول، وأنه لا يقع الإعمال إلا على هذين الوجهين- ليس كما ذكر، وقد تتبعت موارد التنازع، فوجدته لا ينحصر فيما ذكر؛ ألا ترى أنهم جعلوا من التنازع قوله:
لو كان حيا قبلهن ظعائنا ... حيا الحطيم وجوههن وزمزم
فتنازع حيا الأول وهو خبر كان، وحيا الثاني وهو جواب لو، ولا اشترك بينهما بحرف عطف، ولا حيا الثاني معمولاً لحيا الأول. وقول الآخر:
стр. 2173
بعكاظ يعشي الناظريـ ... ـن إذا هم لمحوا شعاعه
تنازع يعشي ولمحوا، وليس ثم حرف عطف، ولا عمل للفعل الأول في الثاني. وقول الآخر:
ولم أمدح لأرضيه بشعري ... لئيماً أن يكون أفاد مالا
تنازع أمدح ولأرضيه. وقول الآخر:
علموني كيف أبـ ... ـكيهم إذا خف القطين
تنازع أبكي وخف. وقول الآخر:
ألا هل أتاها على نأيها ... بما فضحت قومها غامد
تنازع أتى وفضحت. وقول الآخر:
أتاني، فلم أسرر به حين جاءني ... كتاب بأعلى القنتين عجيب
تنازع أتاني وفلم أسرر وجاءني. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا﴾، تنازع ظنوا ظننتم.
وكذلك ما اجازه ابن ابي الربيع من الإعمال في قام قام زيد. وكل هذه لا تشريك بينهما بحرف عطف، ولا أول العاملين عامل في الثاني. ... [٣: ١٢٥/أ]
وذهبت بعض البصريين إلى أن البيت من الإعمال على تقدير أن يكون ((ولم أطلب)) معطوفاً على ((كفاني))، وأنه يصح أن /يكون جواباً للو لو أفرد دون كفاني، ويكون التقدير: لو سعيت لأدنى معيشة لم أطلب قليلاً من المال؛ لأن قليل
стр. 2174
المال يمكنني دون طلب وكد لحصول القليل عندي، فلا أحتاج إلى تطلبه؛ لأن امرأ القيس كان ابن ملك، فلم يكن سبروتا البتة، بل كان عنده من ذخائر الملوك أبائه ما يغنيه عن طلب القليل، فالمعنى: لو كان غاية سعيي لقليل من المال لم أتعن لطلبه لكونه حاصلاً عندي. وهذا معنى حين سائغ يصح معه الإعمال.
وعلى هذا المعنى يكون أيضاً الإعمال جائزاً على وجه آخر، وهو ألا يكون ((ولم أطلب)) معطوفاً على ((كفاني))، بل تكون الواو واو الحال، ويكون التقدير: لو كان غاية سعيي لأدنى معيشة كفاني قليل من المال غير طالب له لحصوله عندي.
المسألة الرابعة: تقول: متى رأيت أو قلت زيداً منطلقاً، على إعمال الأول، تنصب الجزأين، وتحذف من الثاني، ولا تضمر فيه. وإن أعملت الأول رفعت الجزأين على الحكاية بقلت، وحذفت مفعولي رأيت، هذا مذهب س.
وزعم أبو العباس أنك تقول على إعمال الأول: متى رأت أو قلت هو هو زيداً قائماُ، قال: وذلك أنك إذا أعملت الأول أضمرت في الثاني جميع ما يحتاج إليه.
وما ذهب إليه س معتضد بالسماع والقياس:
أما السماع فإنه قال في كتابه ما نصه: ((وقد يجوز ضربت وضربني زيداً؛ لأن بعضهم قد يقول: متى رأيت أو قلت زيداً منطلقاً. والوجه: متى رأيت أو قلت
стр. 2175
زيد منطلق)). فهذا نص من السماع عن العرب أنها إذا أعملت الأول لم تضمر معمول القول المحكي.
وأما القياس فإن الجملة إذا حكيت بالقول فالمعمول في الحقيقة إنما هو مضمون الجملة لا آحاد أجزائها؛ وإذا كان المعمول مضمون الجملة كان المعمول واحداً، فلا يمكن أن يضمر واحد؛ لأن واحداً لا يقم مقام اثنين، ولا يمكن إضمار الجملة لأن آحادها ليس هو المعمول، فلم يكن بد من الحذف.
المسألة الخامسة: إذا قلت: ضربت وضربني زيد، فأعلمت الثاني- حذفت من الأول لأنه فضله يجوز حذفها، وكان الأصل: ضربت زيداً وضربني زيد، فيكرر بلفظه، إلا أن الأول هو كلام العرب الشائع، أعني أن تكون المسألة من الإعمال، ولا يجوز الأصل إلا على قلة وقبح، نحو قوله:
يمنعها شيخ بخديه الشيب ... لا يحذر الريب إذا خيف الريب
/وأجاز بعض النحويين تأخير المفعول بعد المرفوع، وذلك على إعمال الفعلين في الاسمين الظاهرين، فتقول: ضربت وضربني قومك قومك، تريد: ضربت قومك وضربني قومك، والشائع في لسان العرب حذف مفعول الأول، ولا يؤتى به ظاهراً.
المسألة السادسة: ضربت وضربوني قومك: أجاز س رفع قومك على وجهين:
أحدهما: على أنه الفاعل، والواو علامة جمع، على لغة: أكلوني البراغيث، لا ضمير.
стр. 2176
والثاني: على أنه بدل من المضمر، قال: ((كأنه قال: ضربت وضربني ناس بنو فلان))، فيكون الضمير يفسره البدل.
واستقبح هذا الوجه الفارسي، وذلك أنه إنما اجزنا الإضمار قبل الذكر في هذا الباب لضرورة إعمال الثاني، أما هذا فلا ضرورة تدعو إلى ذلك، فغما أن يكون س قال بمذهب الأخفش من تفسير الضمير بالبدل- والصحيح لا يجوز- وإما أن يكون أجاز البدل في هذا الباب خاصة لأنه عهد فيه الإضمار قبل الذكر وإن كان لا يجيزه في: يقومان الزيدان، وإما لأن المضمر يعود على المحذوف الذي قبله؛ لأنك حذفت قومك من الأول، وعاد عليه الضمير، وهذا يصير إلى أن هذا المضمر يفسره ما بعده؛ لأنه عائد على ما يفسره ما بعده.
وقال س: ((وعلى هذا الحد تقول: ضربت وضربني عبد الله، تضمر في ضربني كما أضمرت في ضربوني))، أي: تجعل عبد الله بدلاً من الضمير المستكن في ضربني، ويفسره البدل. وهذا الذي ذكره لا يخلو أن يكون فيه تهيئة وقطع، وذلك مما يفر النحويون منه؛ لأن ضربني مهيأ أن يعمل في عبد الله، وهو قد قطع عنه.
وأجاز س أيضاً: ضربوني وضربتهم قومك، بنصب قومك على البدل من ضمير النصب في ضربتهم، فيكون البدل قد فسر ضميرين، أحدهما مرفوع، والآخر منصوب، وهذا غريب جداً أن يفسر واحد ضميرين متقدمين عليه في الذكر، ولا يوجد ذلك في الضمائر التي يفسرها ما بعدها. وهذه المسائل وشبهها ينبغي التوقف في إجازتها حتى تسمع من العرب.
стр. 2177
المسألة السابعة: تكلم س على الوجه الجائزة في المسألتين اللتين يدور عليهما الباب، وهما: ضربت وضربني، وضربني وضربت:
فأما المسألة الأولى فأجاز فيها خمسة أوجه:
فعلى إعمال الثاني الرفع من ثلاثة اوجه: أحدها على الفاعل بضربني، وهو الظاهر. والثاني على البدل من الضمير المستكين في ضربني، والجمع والتثنية على هذين الوجهين. والثالث على أن الواو والألف والنون علامة، والفاعل الاسم بعدها.
وعلى /إعمال الأول وجهان: أحدهما مطابقة الضمير في ضربني للمنصوب بعده. والثاني ألا يطابق في الجمع.
وأما المسألة الثانية فعلى إعمال الثاني وجهان: أحدهما: أن يضمر في ضربني ما يطابق المفسر، وينصب ما بعد ضربت به. والثاني: أن يُسلط ضربت على ضمير مطابق للمفسر مع نصب المفسر مع مطابقة الضمير في ضربني.
وعلى إعمال الأول الرفع من ثلاثة اوجه: أحدها: ان تضمر في ضربت مطابقاً للمفسر، وترفع ما بعد ذلك الضمير بضربني. الثاني: أن تحذف ذلك الضمير المنصوب من الوجه الذي قبله. والثالث: أن تضمر في ضربني مطابقاً للمفسر، والظاهر المرفوع المفسر بدل من ذلك الضمير، أو فاعل، والألف والواو والنون علامات للتثنية والجمع.
стр. 2178
وهذا تمثيل الصور: ضربت وضربني زيد، الرفع من وجهين، ضربت وضرباني الزيدان، الرفع من وجهين، وكذلك الجمع. وضربت وضربني زيداً، تضمر في ضربني مطابقاً للمفسر، أو مفرداً على كل حال. ضربني وضربت زيداً، وتضمر في ضربني وفق المفسر. ضربني وضربته زيداً، تطابق بين ضمير ضربني وضمير ضربته وبين المفسر. وضربني وضربته زيد. وضربني وضربت زيد. ضربني وضربته زيد. ضرباني وضربتهما الزيدان، فالرفع من وجهين في التثنية والجمع.
стр. 2179
-[ص: باب الواقع مفعولاً مطلقاً من مصدر وما جرى مجراه
المصدر اسم دال بالأصالة على معنى قائم بفاعل، أو صادر عنه حقيقة أو مجازاً، أواقع على مفعول. وقد يسمى فعلاً وحدثاً وحدثانا. وهو أصل الفعل لا فرعه، خلافاً للكوفيين. وكذا الصفة، خلافاً لبعض أصحابنا.]-
ش: إنما سمي مفعولاً مطلقاً لأنه لم يقيد بشيء؛ ألا ترى أن المفعول به والمفعول فيه والمفعول من أجله والمفعول معه كل واحد منها مقيد؛ بخلاف المصدر، وهو المفعول حقيقة لأنه هو الذي يحدثه الفاعل؛ لأن المفعول به هو محل للفعل خاصة، والزمان وقت يقع فيه الفعل، والمكان محل للفاعل والمفعول، ويستلزم أن يكون محلاً للفعل، والمفعول من أجله علة لوجود الفعل، والمفعول معه مصاحب للفاعل أو المفعول. وكون المفعول على هذه الأضرب من مفعول مطلق ومفعول به ومفعول فيه ومفعول معه ومفعول له هو مذهب البصريين. وأما الكوفيون فزعموا ان الفعل إنما له مفعول واحد، وهو المفعول به، وباقيها عندهم ليس شيء منها مفعولاً، /إنما هو مشبه بالمفعول، وزعموا أنه يأتي بعد الفعل لأنه يؤكده، أو يدل على قلة الفعل أو كثرته ونقصانه وزيادته، ولذلك لا يكنى عن المصدر، وهو آلة للفعل لتبين المعاني المذكورة؛ لأنه لا يعطي تلك المعاني إلا وهو ظاهر غير مستور لا مكني عنه. والصحيح أنه يكنى عنه، ويراد به التأكيد، قال الشاعر:
من كل ما نال الفتى ... قد نلته إلا التحيه
وقال آخر:
стр. 2180
هذا سراقة للقرآن، يدرسه ... والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب
أي: قد نلت النيل، ويدرس الدرس، فأضمر المصدر، ولو صرح به لكان تأكيداً.
وتسمية ما انتصب مصدراً مفعولاً مطلقاً هو قول النحويين فيما أعلم؛ إلا ما ذكره صاحب ((البسيط)) من تقسيمه المصدر المنتصب إلى مفعول مطلق، وإلى مؤكد، إلى متسع فيه. والمفعول المطلق عنده ما كان من الأفعال العامة، نحو فعلت وصنعت وعملت وأوقعت، فإذا قلت فعلت فعلاً فالواقع ذات الفعل؛ لأن الذوات الواقعه هنا هي هذا، ولا تقع هنا الجواهر والأعراض الخارجة عنا، فلا تكون مطلقة في حقنا، بل في حق الله تعالى، كقولك: خلق الله زيداً، فإنه مفعول مطلق، فلذلك كان المفعول المطلق أعم من المصدر المطلق.
وحد المصدر المنتصب على الإطلاق بأنه المصدر، وما في تأويله، الواقع بعد فعل بمعناه، أو ما عمل عمله، بياناً للمعنى الصادر من الفاعل على جهة أنه فعله الفاعل. قال: وخصصنا هذا بقولنا ((على جهة أنه فعله)) احترازاً من المؤكد والممتنع، فإنه يصدق عليهما البيان. قيل: ويلزم أن يكون هذا المنصوب على الإطلاق غير حقيقي، يعني في المصدرية؛ لأنه ذهب به ذهاب الإنشاء؛ ألا تراه يصح جمعه وتثنيته، فهو إذا للواحد. وقيل: لا يلزم ذلك إلا بحسب القصد. وهذا النوع إن كان بعد فعل ليس من لفظه نحو فعلت ضرباً فبين أنه مفعول به، أو من لفظه نحو ضربت ضرباً، فقيل: أول في الفعل معنى عام، وهو فعلت، فكأنك قلت: فعلت ضرباً. وقيل: لا يؤول إما بأن تقدر فعلاً عاماً بعده، وإما بألا تقدر، بل تجعله بياناً، وذلك اشترط بعضهم في انتصابه بعد فعل من لفظه أن يكون مقيداً لتقع به الفائدة لفظاً، كقوله: ﴿وَتَاكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾، فوصفه،
стр. 2181
﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾، فحدده، ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً﴾. أو معنى، نحو: ضربت ضرباً، تريد نوعاً منه، كقوله: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾، أي: ظناً ضعيفاً. وإن لم يكن مقيداً ينبغي أن يكون على التأكيد.
والعامل في هذا النوع مما لا يتعدى قيل: العامل الأول بما فيه من العموم؛ لأن كل فعل ففيه معنى فعلت، وإذا كانوا يشيبون الأفعال معنى أفعال خارجة، فتعمل عملها، كقوله: سمعت إلى حديثه، أي: أصغيت إليه، فأجري فيما هو معناه العام.
وأما من يقول إنه محذوف العامل، أي: ضربت ففعلت ضرباً- فلا يكون لوجهين: أحدهما: أنه لا يكون له نسبة الإطلاق إلى ذلك الفعل. والثاني: أنه منصوب بما لا يظهر ولا نائب عنه.
وإذا قصد بالفعل الإطلاق فقيل: يجب أن يغير الفعل المتعدي إلى القصور؛ لأنه يلزم أن يكون بمعنى فعل، وهو لا يتعدى إلا إلى نفس الفعل، فتحذف المفعول به، فتقول: ضربت ضرباً، بمعنى: فعلت ضرباً، وهذا لا يعمل في المفعول به الأول، وهذا على رأي من يتأول افعل عاماً، ومن لا يتأول لا يلزمه القصور، كما لا يكن في الظرف.
وقوله وما يجري مجراه يعني كاسم المصدر، نحو العطاء في معنى الإعطاء، وكبعض الصفات، وبعض الأعيان، نحو: عائذاً بك، وترباً، وجندلاً، ويأتي الكلام في ذلك إن شاء الله.
стр. 2182
وقوله اسم دال بالأصالة على معنى قائم بفاعل مثاله: حسن حسناً، وفهم فهما. واحترز بقوله ((دال بالأصالة)) من اسم يساوي المصدر في الدلالة، ويخالفه بعملية، كجماد وحماد، أو بتجرده دون عوض من زيادة في فعله، كاغتسل غسلاً، وتوضأ وضوءاً. فهذه وأمثالها إذا عبر عنها بمصادر فإنما ذلك مجاز، والحقيقة أن يعبر عنها بأسماء المصادر.
وقوله أو صادرٍ عن فاعلٍ حقيقة مثاله خط خطاً، وخاط خياطة.
وقوله أو مجازاً مثاله: مات موتاً.
وقوله أو واقعٍ على مفعول مثاله: ضرب زيد ضرباً. والمراد هنا بالفاعل والمفعول المصطلح عليه بذلك في النحو.
وقوله وقد يسمى فعلاً وحدثاً وحدثاناً اما تسميته فعلاً فذلك باعتبار اللغة؛ لأن المصادر أفعال صدرت من فاعليها إما حقيقة وإما مجازاً، أو باعتبار تسميته بما هو جزء مدلول، وهو الفعل الصناعي. وأما تسميته حدثاً وحدثاناً فباعتبار اللغة وباعتبار اصطلاح س على تسميته بذلك، قال س: ((وأما الفعل فأمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء))، يعني المصادر، وهو جمع حدث. وقال أيضاً س: ((واعلم أن الفعل الذي لا يتعدى الفاعل يتعدى إلى اسم الحدثان الذي /أخذ منه؛ لأنه إنما يُذكر ليدل على الحدث)).
وقوله وهو أصل للفعل لا فرعه، خلافاً للكوفيين قال المصنف في الشرح: ((واتفق البصريون والكوفيون على أن الفعل والمصدر مشتق أحدهما من الآخر)) انتهى. ويعني اتفاق الأكثرين، وإلا فالمذاهب في الاشتقاق ثلاثة:
стр. 2183
أحدها: مذهب الجمهور من الكوفيين والبصريين على أن الكلمات منها ما هو مشتق، ومنها ما ليس بمشتق.
والثاني: أن كل لفظ مشتق، وعزله جماعة إلى الزجاج، وبعضهم إلى س.
والثالث: أن كل لفظ ليس مشتقاً من شيء، بل كل أصل، لم يوجد شيء منه من شيء.
وأما مسألتنا ففيها ثلاثة مذاهب:
أحدها: مذهب جمهور البصريين أن المصدر أصل والفعل فرع عنه.
والثاني: مذهب الكوفيين، وهو العكس.
والثالث: مذهب ابن طلحة، وهو أنه ليس أحدهما مشتقاً من الآخر، بل كل واحد أصل بنفسه.
وهذا الخلاف لا يجدي كبير منفعة؛ إذ ليس خلافاً راجعاً إلى نطق، ولا إلى اختلاف معنى نسبي.
وذكر المصنف الاستدلال لمذهب البصريين من وجوه:
أحدها: أن المصدر يكثر كونه واحداً، والأفعال ثلاثة، ولو اشتق المصدر من الفعل فإما من الثلاثة، وهو محال، أو من واحد منها، ويستلزم ترجيحاً دون مرجح. انتهى ملخصاً.
وهو معارض بأنا قد وجدنا الفعل له مصادر كثيرة، كمصادر شت وقدر، فإنها تزيد على عشرة مصادر، فإما أن يشتق الفعل من أحدها، وهو ترجيح من غير مرجح، وإما من جميعها، وهو محال.
стр. 2184
قال: ((الثاني: أن المصدر معناه مفرد، ومعنى الفعل مركب من حدث وزمان، والمفرد سابق للمركب، فالدال عليه أولى بالأصالة من الدال على المركب)) انتهى.
ولقائل أن يمنع دعوى تركيب الفعل؛ لأن المفرد الموضوع للدلالة على خصوصية شيء لا يسمى مركباً.
قال: ((الثالث: أن مفهوم المصدر عام، ومفهوم الفعل خاص، والدال على عام أولى بالأصالة من الدال على خاص)) انتهى.
ومثل هاتين الدلالتين لا يسمى عاماً وخاصاً، إنما يسمى إطلاقاً وتقييداً.
قال: ((الرابع: أن كل ما سوى الفعل والمصدر من شيئين أحدهما أصل والآخر فرع فإن في الفرع منهما معنى الأصل وزيادة، كالتثنية والجمع بالنسبة إلى الواحد، والعدد المعدول بالنسبة إلى المعدول عنه والفعل فيه معنى المصدر وزيادة تعيين الزمان، فكان فرعاً، والمصدر أصل.
الخامس: أن من المصادر ما لا فعل له لفظاً ولا تقديراً، وذلك ويح وويل وويس /وويب، فلو كان الفعل أصلاً لكانت هذه المصادر فروعاً لا أصول لها، وذلك محال. وإنما قلنا إن هذه المصادر لا أفعال لها تقديراً لأنها لو صيغ من بعضها فعل لاستحق فاؤه في المضارع من الحذف ما استحق فاء يعد، ولأستحق عينه من السكون ما استحق عين يبيع، فيتوالى إعلال الفاء والعين، وذلك مرفوض في كلامهم، فوجب إهمال ما يؤدي إليه)) انتهى.
وما ذكره من الملازمة في قوله ((وإنما قلنا إن هذه المصادر لا أفعال لها تقديراً إلى آخره)) لا يلزم؛ لأن التقدير لا جود لاه، فيقول لها أفعال في التقدير، ولا يلزم ما ذكر؛ لأنها لم يلفظ بها، إنما كان يلزم ما ذكره لو كانت أفعالاً موضوعة، أما من حيث التقدير فلا يلزم، فكم أص أهمل وفرع استعمل. قال: ((وليس في
стр. 2185
الأفعال ما لا مصدر له مستعمل إلا وتقديره ممكن، كتبارك، وفعل التعجب؛ إذ لا مانع في اللفظ، ويقابل تلك الأفعال مصادر كثيرة، تزيد على الأفعال، كالأبوة والنبوة والخؤولة والعمومة والعبودية واللصوصية، وقعدك الله، وبله زيد وبهله، فبطلت المعارضة بتبارك ونحوه، وخلص الاستدلال بويح وأخواته)) انتهى كلامه.
وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: ((استدل أهل البصرة بأن الفعل خاص الزمان والمصدر مبهم الزمان، والمبهم قبل الخاص، فالمصدر قبل الفعل، والبعدي مأخوذ من القبلي، والفعل مأخوذ من المصدر. وبأن المصدر منتشر الأبنية كثيرها، فلو كان مشتقاً من الفعل لكان يجري على أوزان محصورة لا يتعداها، كاسم الفاعل واسم المفعول المبنيين من الفعل، فلما كثرت أبنية وانتشرت دل ذلك على أنه أصل، وأن الفعل هو الذي اشتق منه. وبان المصدر من جنس الأسماء والأسماء قبل الأفعال، فالمصدر قبل الفعل، والبعدي مأخوذ من القبلي.
والصحيح أن هذه الأدلة الثلاثة غير كافية في إثبات أن الفعل مشتق من المصدر؛ إذ لا تثبت أكثر من أن المصدر قبل الفعل، وأنه أصل بنفسه، وإذا كان أصلاً في نفسه أو كان قبل الفعل لم يلزم أن يكون الفعل مشتقاً منه؛ ألا ترى أن الحرف بعد الاسم، وليس مأخوذاً منه)) انتهى.
ولا نقول إن الحرف بعد الاسم؛ لأن الواضع وضع الحرف كما وضع الاسم، فلا نقول إنه وضع الأسماء، ثم بعد ذلك وضع الحروف، ولا يلزم من كون الحرف تتوقف مفهوميته على متعلق أن يكون وضع بعد الاسم. ... [٣: ١٢٨/ ب]
ثم قال الأستاذ أبو الحسن: ((لكن الدليل القاطع أن يقال: استقريت المشتقات، /فوجدت تدل على ما اشتقت منه وزيادة، وتلك الزيادة معنى فائدة
стр. 2186
الاشتقاق، نحو أحمر مشتق من الحمرة، ويزيد على ذلك بالشخص، وكذلك ضارب ومضروب يدلان على الضرب مع زيادة الشخص، والأفعال تدل على المصدر مع زيادة الزمان، فدل على أنها مشتقة منه)) انتهى.
واستدل الكوفيون بأن الفعل عامل في المصدر؛ لأنه به انتصب، والعامل قبل المعمول، والبعدي مأخوذ من القبلي. وبأن المصدر مؤكد للفعل، والفعل مؤكد، والمؤكد قبل المؤكد. وبان المصدر يعتل باعتلال الفعل، ويصح بصحته، نحو قيام، اعتل، فقبلت واوه ياء، كما اعتل قام، وصح اجتوار لصحة اجتور، والفروع أبداً هي المحمولة على الأصول. وبأنه وجدت أفعال لا مصادر لها، فلو كان الفعل مشتقاً من المصدر لوجب ألا يوجد فعل إلا وله مصدر.
ورد الأول بأن العامل إنما هو قبل عمله لا قبل معموله، وعمله إنما هو النصب، وإذا كان الفعل قبل النصب الذي في المصدر لم يلزم أن يكون قبل المصدر. وأيضاً فالعمل إنما حصل في المصدر بعد التركيب، ونحن إنما ندعي ان الفعل مأخوذ من المصدر قبل التركيب. وقال المصنف في الشرح: ((الحرف يعمل في الاسم والفعل، ولا حظ له في الأصالة)).
ورد الثاني بان التأكيد إنما طرأ بعد التركيب، وهذه الأفعال إنما اشتقت من المصدر قبل ذلك. وأيضاً فالمصادر لا يلزمها أن تكن مؤكدة، إنما يكون ذلك فيها إذا انتصبت بعد أفعالها. وقال المصنف في الشرح: ((الشيء قد يؤكد بنفسه، نحو: زيد زيد قام، فلو دل التوكيد على فرعية المؤكد لزم كون الشيء فرع نفسه، وذلك محال)).
ورد الثالث بأن الأصل قد يُحمل على الفرع فيما هو أصل في الفرع وفرع في الأصل؛ ألا ترى أن الأسماء تحمل على الحروف، فتبنى وإن كانت الأسماء قبلها؛
стр. 2187
لأن البناء أصل في الحروف، فكذلك المصادر حُملت على الأفعال وإن كان المصدر قبلها؛ لأن الاعتلال أصل في الفعل. انتهى. ويمنع أن الأسماء قبل الحروف، وأن الاعتلال أصل في الفعل؛ إذ لا دليل على ذلك. وقال المصنف في الشرح: ((قد يُحمل أحدهما على الآخر وليس أحدهما أصلاً للآخر، كيرضيان، حُمل على رضيا، وأعطيا على يعطيان، حُمل ذو الفتحة على ذي الكسرة ليجريا على سنن واحد)).
ورد الرابع بأن العرب قد ترفض الأصول، وتستعمل الفروع، نحو: كاد زيد يقوم، فيقوم في موضع قائم، ولا يستعمل قائم إلا ضرورة. ومثل ذلك/ كثير. ويعارضون أيضاً بوجود مصادر لا أفعال لها. ... [٣: ١٢٩/أ]
وقال السهيلي: ((في إجماع الكوفيين والبصريين على تسمية الحدث مصدراً دليل على أن الفعل صدر عنه، وهو فرع له، ولو كان الفعل الأصل لكان أولى أن يسمى مصدراً.
فإن قيل: المصدر هو الصادر، وقيل مصدر كما يقال للزائر رزو، ورجل صوم وعدل، أي: صائم وعادل، والحدث صادر عن الفاعل، فسمي المصدر من قولك صدر صدوراً ومصدراً.
قلنا: زيادة الميم تمنع من هذا القياس؛ ألا ترى أنك تقول رجل زور، ولا تقول: رجل مزار، وما أنت إلا سير، ولا تقول مسير. وقول النحاة: المصدر يكون بالميم، كقولك قتلت مقتلاً، وذهبت مذهباً- تسامح؛ لأن الميم دخلت لمعنى زائد على معنى الحدث، ولذلك تقول: ضربه وقتله، ولا تقول مضربة ولا مقتلة إلا في المكان، ولو كان المقتل بمعنى القتل على الإطلاق لم يمتنع هذا، ولم يمتنع رجل مزار،
стр. 2188
وقد بينا سر الميم وما دخلت له، فمصدر ليس بمعنى صادر بوجه، ولا يعطيه سماع ولا قياس)) انتهى كلامه.
واستدل لابن طلحة بوجود مصادر لا أفعال لها، وبوجود أفعال لا مصادر لها، فلو كان أحدهما أصلاً للآخر لتوقف وجود الفرع على وجود الأصل، وقد وجد أحدهما دون الآخر، فبطل بذلك قول البصريين والكوفيين.
وقوله وكذا الصفة، خلافاً لبعض أصحابنا قال المصنف في الشرح: ((بعض ما استدللنا على فرعية الفعل بالنسبة إلى المصدر نستدل على فرعية الصفة بالنسبة إليه؛ لأن كل صفة تضمنت حروف الفعل فيها ما في المصدر من الدلالة على الحدث، وتزيد بالدلالة على ما هل له، كما زاد الفعل بالدلالة على الزمن المعين، فيجب كون الصفة مشتقة من المصدر لا من الفعل؛ إذ ليس فيها ما في الفعل من الدلالة على زمن معين، فبطل اشتقاقها من الفعل، وتعين اشتقاقها من المصدر)).
-[ص: وينصب بمثله، أو فرعه، أو بقائم مقام أحدهما. فإن ساوى معناه معنى عامله فهو لمجرد التوكيد، ويسمى مبهماً، ولا يثنى ولا يجمع. وإن زاد عليه فهو لبيان النوع أو العدد، ويسمى مختصاً ومؤقتاً، ويثنى ويجمع. ويقوم مقام المؤكد مصدر مرادف واسم مصدر غير علم، ومقام المبين نوع أو وصف أو هيئة أو آلة أو كل أو بعض أو ضمير أو اسم إشارة أو وقت أو ما الاستفهامية أو الشرطية.]-
ش: نصبه بمصدر مثله قوله تعالى ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾، وعجبت من ضرب /زيد عمراً ضرباً، فهذا المصدر العامل يعمل في المصدر مؤكداً كان أو غير مؤكد. ... [٣: ١٢٩/ب]
стр. 2189
وفي البسيط: ((الظاهر أنه يعمل في المطلق والمتوسع فيه المفعول؛ لأنه بتقدير الفعل الأعم، فإذا قلت عجبت من ضرب زيد عمراً ضرباً فمعناه: من فعل زيد بعمرو ضرباً، وأما التأكيد فلا يكون لوجهين: أحدهما أنه إن عمل فيه عمل المؤكد في المؤكد، وإن لم يعمل فيه فإما مصدر أو فعل، فالأول يتسلسل، والثاني يؤدي إلى تأكيد المصدر بالفعل)) انتهى.
ونصبه بفرع المصدر فباسم الفاعل، قوله تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾، وقول ميمون الأعشى:
فأصبحت لا أقرب الغانيا ... ت مزدجراً عن هواها ازدجارا
وباسم المفعول: أنت مطلوب طلباً. وبالفعل ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. وبالقائم مقام المصدر: عجبت من إيمانك تصديقاً، ومقام فرعه: أنا مؤمن تصديقاً، هذا شرح المصنف لكلامه إلا التمثيل القرآني.
ونقول: والعامل في المصدر إما أن يكون من لفظه أو من غير لفظه:
إن كان من لفظه فإما أن يكون جارياً أو غير جارٍ، فإن كان جارياً انتصب به، لا خلاف في ذلك، سواء أكان مبهماً أو مختصاً، هكذا قال بعضهم.
وفي البسيط أنه إذا كان توكيداً وهو من لفظ الفعل فقيل: العامل فيه فعل لا يظهر وهو المؤكد، والمصدر معمول له على غير التوكيد لئلا يتسلسل، ثم حذف، ووضع موضعه، وهو رأس س؛ لأنه قال: ((ومما يجيء توكيداً وينصب قولك: سير عليه سيراً)).
стр. 2190
ثم قال: ((وينصب على وجهين: أحدهما أنه حال))، يريد مؤكدة، ولم يذكر فيها إضمار فعل.
ثم قال ((وإن شئت نصبت على إضمار فعل، كأنه قال: يسيرون سيراً))، فيظهر أن المؤكد غير الحال، وأن نصبه بإضمار فعل. وقيل: إنما كان العامل فعلاً مقدراً لأن المؤكد لا يعمل في المؤكد؛ لأن التابع لا يعمل فيه المتبوع.
قال: ((ولا يبعد عندي أن يكون مصدراً مؤكداً للفعل كما تؤكد الحال، ويكون العامل فيه الفعل نفسه، ولا يلزم ما ذكروه من عمل المؤكد في المؤكد، كما لا يلزم في الحال المؤكدة على ما ذكره س)) انتهى.
وقال أيضاً: ((إذا كان جارياً على الفعل، نحو: ضربت ضرباً، أو ما اشتق للمصدر كالمفعل من فعل- فلا خلاف في هذا لا يقدر له عامل غير الأول إلا ما قيل في التأكيد انتهى.
وفي الإفصاح: لا خلاف في قعد قعوداً وبابه أنه منصوب بالفعل، إلا ما قاله ابن الطراوة من أنه مفعول به، وأن قولهم قعد قعوداً /بمعنى: قعد فعل قعوداً، هو منصوب عنده بفعل مضمر، لا يجوز إظهاره على هذا الوجه؛ لأن المؤكد عنده لا يعمل في تأكيده.
وقال السهيلي كذلك، إلا أنه قال: أنصبه بقعد أخرى، لا يجوز إظهارها. وهذا كله تكلف بارد، وخروج عن الظاهر وقول الأئمة بلا دليل.
стр. 2191
وإن كان غير جار كقوله: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا﴾، وقول القطامي:
وخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبعه اتباعا
فثلاثة مذاهب:
أحدها: أنه منصوب بذلك الفعل الظاهر، وهو مذهب المازني.
والثاني: أنه منصوب بفعل ذلك المصدر الجاري عليه مضمراً، والفعل الظاهر دليل على ذلك الفعل المضمر. وإلى هذا ذهب المبرد، وابن خروف، وزعم أنه مذهب س. قال ابن هشام: ونص س على أن أنبت نباتاً بإضمار فعل تقديره نبت. وأجاز أبو الحسن الوجهين.
والثالث: التفصيل بين ما يكون معناه مغايراً لمعنى ذلك الفعل الظاهر، فننصبه بفعل مضمر يدل عليه الظاهر، فتقدر فنبتم نباتاً، وساغ إضماره لدلالة أنبت عليه؛ لأنه إذا أنبت فقد نبت. وإنما لم ينتصب عنده بالأول لأن الغرض به تأكيد الفعل الذي نصبه أو تبين معناه، والنبات ليس بمعناه، فكيف يؤكده أو يبينه. أو غير، مغاير فتنصبه بذلك الفعل الظاهر، نحو قوله:
يلوح بجانب الجبلين منه ... رباب تحفر الترب احتفارا
وقول الآخر:
стр. 2192
وقد تطويت انطواء الحضب
إذ الاحتفار والحفر بمعنى واحد، وكذلك التطوي والانطواء.
اختار الأستاذ أبو الحسن بن عصفور أنه إن كان معناه مغايراً فنصبه بإضمار فعل، أو غير مغاير فيجوز نصبه بالفعل السابق، ويجوز نصبه بإضمار فعل، قال: وهو الذي يعطيه كلام س، فترجح نصبه بالسابق إذ ليس فيه تكلف إضمار، وترجح نصبه بالمضمر إذ يكون ذلك المصدر جارياً عليه.
وإن كان المصدر من غير لفظ الفعل فثلاثة مذاهب:
ذهب الجمهور إلى أن منصوب بفعل مضمر من لفظه. وحجته أن الأكثر مجيء المصدر من لفظ الفعل، والقليل ما جاء من غير لفظه، فحمل القليل على الكثير في كونه ينتصب بفعل من لفظه، ومن السماع قول الشاعر: ... [٣: ١٣٠/ب]
السالك الثغرة اليقظان كالئها ... مشي الهلوك، عليها الخيعل الفضل
فـ ((مشي)) منصوب بمضمر دل عليه السالك؛ لأن السلوك والمشي بمعنى واحد، فلا جائز أن ينتصب بالسالك لأنه قد وصف باليقظان، فيلزم من عمله فيه وصف الموصول قبل استيفاء صلته، وذلك لا يجوز.
وذهب المازني إلى أنه منصوب بالفعل الظاهر وإن لم يكن من لفظه وحجته أنه لما كان في معناه تعدى إليه كما يتعدى إلى ما هو من لفظه.
وذهب أبو الفتح إلى التفصيل: فإن كان يراد به التأكيد عمل فيه الفعل المضمر الذي هو من لفظه، نحو: قعدت جلوساً، وقمت وقوفاً. إن كان يراد
стр. 2193
به بيان النوع عمل فيه الفعل الظاهر. وإنما عمل فيه لما كان بمعناه، فعمل فيه كما يعمل فيما هو من لفظه، ولم يجز أن يعمل فيه إذا كان للتأكيد لأن تأكيد الفعل بالمصدر هو من قبيل التأكيد اللفظي؛ ألا ترى أن معنى قمت قياماً: قمت قمت، والاختلاف الذي بين المصدر والفعل في اللفظ غير مانع من أن يكون من قبيل التأكيد اللفظي؛ بدليل قوله تعالى ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ﴾، فأمهل تأكيد لفظي لمهل، وليس لفظهما على صيغة واحدة، لكنهما اشتركا في كون الحروف الأصول واحدة، فلما كان تأكيد الفعل بالمصدر من قبيل التأكيد اللفظي لم يجز أن يكون منصوباً بالفعل الظاهر؛ بل بفعل مضمر من لفظه. وظاهر كلام الفارسي مثل مذهب أبي الفتح.
وقد نوزع أبو الفتح في دعواه أن المصدر المؤكد من قبيل التأكيد اللفظي، قال شيخنا الأستاذ أبو الحسن الأبذي: ((ليس التوكيد هنا بمزلة إعادة الفعل؛ لأنه ليس من التأكيد اللفظي، وإنما التوكيد هنا يعني به البيان؛ لأنه يرفع المجاز، ويثبت الحقيقة، وكذلك التوكيد في المجاز، وعلى قوله تعالى ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، أي: حقيقة من غير واسطة)) انتهى.
وقال ابن عصفور: الصحيح أنه إذا كان للتأكيد عمل فيه مضمر من لفظه للدليل الذي تقدم؛ وغن لم يكن للتأكيد فإما أن يكون وضع له فعل من لفظه، أو لم يوضع له فعل:
فإن كان وضع فيجوز الوجهان، كقوله:
стр. 2194
............................ ... ....... ، وآلت حلفة لم تحلل
يجوز ان ينتصب بآلت، ويجوز أن ينتصب بحلفت مضمرة، فترجح الأول لعدم تكلف الإضمار، وترجح الثاني لجريان المصدر على الأكثر في كونه ينتصب بفعل من لفظه.
وإن لم يوضع له فعل انتصب بالفعل الظاهر. قال: ((ولا يمكن أن ينتصب بفعل من لفظه لأنه لم يوضع)) انتهى. وهذا مذهب طائفة من /الكوفيين، يقدرون العامل في رجع القهقري: رجع يقهقر القهقرى، وفي يمشي الخطرى: يمشي يخطر الخطرى، ويسوغ ذلك فيما سمع له فعل.
قال ابن عصفور: ((ولا يمكن أن يكون التقدير في مثل قعد القرفصاء، واشتمل الصماء: قعد القعدة القرفصاء، ولا اشتمل الاشتمالة الصماء؛ لأن لا يحفظ من كلامهم استعمال القرفصاء والصماء صفتين)) انتهى معنى كلامه.
ومن النحويين من ذهب إلى أن ذلك على حذف الموصوف كما ذكر، قال: إلا أن الموصوف لم يستعمل مع هذه الأشياء لأنه يدل عليه دليلان: دليل الفعل، ودليل الصفة؛ إذ لا صفة إلا لموصوف، ولا فعل متصرف إلا ويدل على حدثه، وهو مذهب المبرد. وهذا ليس بجيد لأنه يلزم منه حذف الموصوف وجوباً، ولا يوجد في لسان العرب موصوف يجب حذفه.
والظاهر من كلام المصنف أن المصدر الجاري وغير الجاري، والذي من لفظ الفعل ومن غير لفظه- ينتصب بنفس الفعل الظاهر؛ لقوله أو ((بقائم مقام أحدهما))،
стр. 2195
وتمثيله في الشرح بقوله: ((عجبت من إيمانك تصديقاً، وأنا مؤمن تصديقاً، ولقاء الله مؤمن به تصديقاً))، ولقوله: ((وإن زاد معناه على معنى عامله فهو لبيان النوع، نحو: سرت خبباً وعدواً، ورجعت القهقري، وقعد القرفصاء))، بل قد نص على ذلك في الشرح.
والصحيح في المصدر الموافق معنى لا لفظاً كونه معمولاً لموافقه معنى، فحلفة منصوبة بآلت لا بحلفت مضمرة؛ لقولهم: حلفت يميناً، و ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾، و ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، ﴿وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾، ولا يمكن أن يقدر لها عامل من لفظها، فتعين أن يكون ما قبلها. ووجب اطراد هذا الحكم فيما له فعل من لفظه ليجري الباب على سنن واحد.
وهذا الذي اخترته اختيار المبرد والسيرافي ومذهب المازني، ومن شواهد ذلك قراءة محمد بن السميفع ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾، ذكرها ابن جني في المحتسب. انتهى. ولا شاهد في ذلك؛ إذ المخالف يقول: انتصب ضحكاً بإضمار فعل من لفظه، أي: ضحك ضحكاً.
وقوله فإن ساوى معناه معنى عامله فهو لمجرد التوكيد، ويسمى مبهماً، ولا يثنى ولا يجمع قال المصنف في الشرح: ((لأنه بمنزلة تكرير الفعل، فعومل معاملته في عدم التثنية والجمع؛ إذ هو صالح للقليل والكثير)) انتهى. وقد تقدم من
стр. 2196
قول شيخنا أبي الحسن الأبذي أنه ليس التوكيد بمنزلة إعادة الفعل، وأنه يراد به البيان ورفع المجاز، قال: ((فإن قيل: قال الشاعر: ... [٣: ١٣١/ب]
/بكى الخز من روح، وأنكر جلده ... وعجت عجيجاً من جذام المطارف
والمطارف لا تعج حقيقة، فنراه قد أكد المجاز.
فالجواب: أن هذا نادر لا يقاس عليه، لكنه أجرى المجاز مجرى الحقيقة مبالغة فيه)) انتهى.
وقسم أصحابنا التوكيد إلى لفظي ومعنوي، فاللفظي يفيد تثبيت المعنى في النفس، والمعنوي إما لإزالة الشك عن الحديث- وهو التأكيد بالمصدر- أو عن المحدث عنه، وهو بالنفس والعين.
وفي البسيط: يكون من لفظ الفعل أو ما في معناه من اسم فاعل، نحو: ضربت ضرباً، كأنك قلت: ضربت ضربت ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾، وكأنه قال: والذاريات الذاريات. ومن غير لفظه كقوله:
стр. 2197
نظارة حين تعلو الشمس راكبها ... طرحاً بعيني لياحٍ، فيه تحديد
أكد نظارة بـ ((طرحاً)) لأنها إذا نظرت علم أنها تطرح بصرها. ومنه: قعدت جلوساً. وحكى س: ((هو يدعه تركاً))، ومنه قوله تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾. وقيل: منه قول الشاعر:
يعجبه السخون والبرود ... والتمر حبّاً، ما له مزيد
أكد بـ ((حبّاً)) يعجبه لأنه في معنى يحبه.
وقوله وإن زاد عليه فهو لبيان النوع أو العدد، ويسمى مختصاً ومؤقتاً هذا التقسيم في المصدر إلى المبهم والمختص هو الصحيح، وتقسيمه إلى مبهم وعدد ومختص كما قسمه أبو موسى الجزولي من تبعه تقسيم غير صحيح؛ لأنه متداخل؛ إذ المعدود قسم من المختص، فلا يكون قسيماً له، إنه يدل على عدد المرات، هذا اختصاص.
فالذي هو مختص يكن مختصاً بأل، وبالإضافة، وبالصفة، تقول في المختص بأل: ضربت الضرب، تريد ضرباً معهوداً بينك وبين المخاطب، كأنك قلت: الضرب الذي تعلم، قال الشاعر:
لعمري لقد أحييتك الحب كله ... وزدتك حباً لم يكن قط يعرف
стр. 2198
وقال بشر بن أبي خازم:
فدع عنك ليلى، عن ليلى وشأنها ... وإن وعدتك الوعد لا يتيسر
وقال مضري بن قرط المزني:
فلو تعلمين العلم أيقنت أنني ... ورب الهدايا المشعرات- صدوق
فقد اختص المصدر بالتعريف، والفعل لا يدل إلا على مصدر مبهم، والمختص لا يؤكد به المبهم لأنه ليس في معناه، ولا يتصور أن تكون أل في الأبيات جنسية؛ /لأن الجنس لا يمكن وقوعه، وإنما أريد بالحب أصناف الحب المعهودة من الناس، وبالوعد الوعد الذي كان يرجوه منا، وبالعلم العلم الذي يتوصل به إلى صدقه. ولكون المصدر المخصص المعرف لا يجوز أن يقع تأكيداً للفعل منه النحاة: ضربته أن أضربه، وزعموا أن قول الناس: لعنه الله أن يلعنه، لحن. ... [٣: ١٣٢/أ]
قال أبو إسحاق: امتنع في مثل هذا أن يؤكد به الفعل لأن أن تخلص الفعل لاستقبال، والتأكيد إنما يكون بالمصدر المبهم، وقد حُكي عن الأخفش إجازة ذلك، والذي ذكره في الكتاب الكبير إنما منعه.
وقال بعض أصحابنا: الذي منع من وقوع أن والفعل مصدراً للفعل إنما هو كون أن يفعل يعطي محاوله الفعل، ومحاوله المصدر ليست بالمصدر، فلذلك لم يسغ لها أن تقع مع صلتها موقع المصدر.
стр. 2199
وتقول في المختص بالإضافة: قمت قيام زيد، أصله: قياماً مثل قيام زيد، حُذف المصدر، ثم حذفت صفته، وقام مقامها المصدر، فأعرب بإعرابه.
فإن قلت: يلزم أن يكون انتصاب قيام زيد على الحال لا على المصدر؛ لأنه قائم مقام مثل، ومثل المحذوفة حال من جهة أن المصدر إذا حُذف أُبقيت صفته انتصب على الحال لا على المصدر.
فالجواب: أنه لا ينتصب على الحال إلا إذا لم يكن [صفة] خاصة بجنس الموصوف، نحو: ساروا شديداً؛ إذ شديد يكون صفة للسير وغيره، وليس كذلك: مثل قيام زيد؛ لأنه صفة خاصة بجنس الموصوف المحذوف، وهو قيام؛ ألا ترى أن مثل قيام زيد لا يكون إلا قياماً، فجاز أن يُقام مقام المصدر، وأن يعرب بإعرابه.
وتقول في المختص بالوصف: قمت قياماً طويلاً، فبالصفة خرج من الإلهام كما خرج بالإضافة وبالألف واللام.
قوله ويثنى ويجمع يعني المختص، فأما ما كان معدوداً فإنه يثنى ويجمع، فتقول: ضربت ضربتين، وضربات، لا خلاف في ذلك.
وقال السهيلي: المحدود بالتاء يثنى ويجمع؛ لأنك إذا أردت المرة الواحدة لم تدل على القليل والكثير كما دل الضرب والقتل، لكن هنا تنبيه على أمر مغفول عنه، وهو أن المصادر لا يدخلها التحديد على الإطلاق في جميع أنواعها، وإنما يطرد إدخال هذه التاء إذا أردت المرة الواحدة في المصادر الظاهرة الصادرة عن الجوارح المدركة بالحس، نحو قومة وضربة وقعدة، وإذا كان من الأفعال الباطنة والخصال النفسية الثابتة كالظرف والحسن والجبن والعلم والجهل فلا يقال في شيء
стр. 2200
من ذلك فعلة, /لا تقول علمت علمة، ولا فهمت فهمة, ولا صبرت صبرة, وكذلك الظن، لا يقال فيه ظنة، كما لا يقال من اليقين فعلة، وما أجازه بعض النحويين من قوله زيد ظننتها منطلق فغير مسموع من العرب, ولكنه قياس يبطله الأصل الذي قدمناه، فقياس الظن على العلم أولى من قياسه على الضرب والقتل.
وأما غير المعدود من المختص فاختلفوا في تثنيته وجمعه عند اختلاف أنواعه, فمنهم من أجاز ذلك قياساً على ما سمع منه. ومنهم من قال: لا يثنى ولا يجمع لاختلاف أنواعه, كما لا يثنى ولا يجمع لاختلاف آحاده؛ لأنه كما يقع على الآحاد كذلك يقع على الأنواع، وكذلك أسماء الأجناس وإن لم تكن مصادر، فلو جاء العقول لم يقس عليه. وإلى هذا كان الأستاذ أبو علي يذهب، وهو ظاهر كلام س، قال س: «واعلم أنه ليس كل جمع يجمع، كما أنه ليس كل مصدر يجمع، كالأشغال والعقول والألباب والحلوم؛ ألا ترى أنك لا تجمع الفكر والنظر والعلم».
قال أبو محمد بن الخشاب: نص س على المنع من قياس جمع الجمع، ولم يعتد في الاستعمال بالأفكار والعلوم حتى نفى أن يكونا جمعين لفكر وعلم؛ إذ كان الاعتداد عنده باستعمال العرب لا استعمال المولد من الكلام.
وقال أبو زيد السهيلي: أما اختلاف أنواعه فإنه لا يختلف على الحقيقة؛ لأن الأفعال حركات الفاعلين، والحركات متماثلة لذواتها, لكن الاختلاف راجع إلى ما تعلقت به الأفعال المتعدية إلى أنفس المصادر، فإذا قلت العلوم والأشغال والحلوم فإنما هن المعلومات والأمور المشتغل بها والمرئيات في النوم, فأما الأمراض فعلل, فلذلك جمعت, وأما الحب من قول الشاعر:
стр. 2201
ثلاثة أحباب: فحب علاقة وحب تملاق، وحب هو القتل فإنما جمع لأن الحب شغل القلب, ولذلك جاء على وزنه حتى تركوا القياس بالمصدر, فلم يقولوا: أحبته إحبابا, ولكن حبا, قال تعالى ﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾، ولذلك عداه بعن، وجمع أهواء مرادا بها المذاهب.
وقال صاحب البديع: ((المصدر لا يثنى ولا يجمع لأنه جنس، والجنس لا حصر له، إلا إذا اختلفت أنواعه جاز تثنيته وجمعه مبهما ومؤقتا:
أما المؤقت - وهو المختص - فتقول فيه: ضربت ضربتين، وضربات، إلا أن الجمع أنقص توقيتا من المفرد والمثنى؛ لأن ضربات يصلح لعقود الفلة كلها، ولكنه لا يخرج عن حد التوقيت من حيث دلالته على عدد، بخلاف قولك: ضربت ضربا، فإنه / لا يدل على عدد، فإن قلت: ضربت ثلاث ضربات، كان مثل ضربة وضربتين في كمال التوقيت، إلا أن الفعل فيه واقع على ما هو مصدر من جهة المعنى؛ لأن العدد عبارة عن المعدود، وليس باسم له.
وأما المبهم فلا يجوز جمعه، فلا تقول: قتلت قتولا، وضربت ضروبا، إلا على إرادة تفريق الجنس، واختلاف أنواعه، كقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾، وكقوله: ﴿أَضْغاثُ أَحْلامٍ﴾ , وكقول الشاعر:
هل من حلوم لأقوام، فتنذرهم ... ما جرب الدهر من عضي وتضريسي
стр. 2202
وكقولك: فلان ينظر في علوم كثيرة. وهذا النوع لم يطرد، فلم يقولوا السلوب والنهوب، وإنما يكون ذلك غالبا فيما ينجذب إلى الاسمية، نحو العلم والحلم والظن وأشباه ذلك.
فإن قصدك بالمبهم الحدث فالأكثر الأعرف أن يقال: ضروبا من القتل، وضروبا من العلم.
وأما التثنية فأصلح قليلا من الجمع، تقول: قمت قيامين، وقعدت قعودين، والأحسن فيهما أن يقال: قمت نوعين من القيام، وقعدت نوعين من القعود)).
وقوله ويقوم مقام المؤكد مصدر مرادف مثاله: جلست قعوداَ، نحو قوله:
ويوما على ظهرالكثيب تعذرت ... على، وآلت حلفة لم تحلل
وقول رؤبة:
لوحها من بعد بدن وسنق ... تضميرك السابق، يطوى للسبق
وقوله واسم مصدر غير علم مثاله: اغتسلت غسلا، وتوضأت وضوءا.
واحترز بقوله ((غير علم)) من اسم المصدر العلم، نحو حماد، فلا يستعمل مؤكدا ولا مبيَنَا، لا تقول: حمدت حماد، ونحو ذلك؛ لأن العلم زائد معناه على معنى العامل، فلا ينزل منزلة تكرار الفعل، ولأنه كاسم الفعل، فلا يجمع بينه وبين الفعل، قاله المصنف.
стр. 2203
وقوله ومقام المبين نوع مثاله القهقرى والقرفصاء، وقوله تعالى: ﴿وَالنَّازِعَات غَرْقًا﴾ , وقول الشاعر:
على كل موار أفانين سيرة ... شؤو لأبواع الجمال الرواتك
وقوله أو وصف قال المصنف ((نحو: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾، وقول ليلى الأخيلية:
نظرت- ودونى من عماية منكب ... وبطن الركاء - أى نظرة ناظر
ومثله (٦):
وضابع إن جرى أيا أردت به ... لا الشد شد, ولا التقريب تقريب))
/انتهى.
ومذهب س أن انتصاب هذا الوصف هو على الحال؛ لأنه صفة غير خاصة بالموصوف، وإذا حذف الموصوف خرج الوصف عن أن يكون وصفَا لعدم التبعية، فكان على الحال؛ إذ شأنها عدم الإتباع، فإذَا لم يقم مقام الموصوف على هذا المذهب.
стр. 2204
وقوله أو هيئة قال المصنف: ((نحو: يموت الكافرون ميتة سوء، ويعيش المؤمنون عيشة مرضية)). وهذا يعمل فيه الفعل المذكور.
وقوله أو آلة مثاله: ضربته سوطا، ورشقته سهما، الأصل: ضربة سوطا، ورشقة سهم، حذف المضاف، وأقيمت الآلة مقامه، فأعرب بإعرابه. ويطرد في جميع أسماء آلات الفعل، فلو قلت: ضربته خشبة، ورميته آجرة - لم يجز؛ لأن الآجرة ليست آلة للرمي، ولا الخشبة آلة للضرب.
وقوله أو كل مثاله:: ﴿فلا تميلوا كل الميل﴾.
أو بعض مثاله: ﴿وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئً﴾.
أوضمير مثاله: ﴿لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾.
أو اسم إشارة مثاله: لأجدن ذلك الجد. والعامل هو المذكور أولا؛ لأن كلا وما ذكر محض اسم لا يشتق منه. قال المصنف: ((ولا بد من جعل المصدر تابعا لاسم الإشارة المقصود به المصدر، ولذلك خطئ من حمل قول المتنبى:
هذي برزت لنا، فهجت رسيسا .................................
على أنه أراد: هذه البرزة؛ لأن مثل ذلك لا تستعمله العرب)) انتهى.
وهذا خطأ، فمن كلام العرب: ظننت ذاك، يشيرون به إلى المصدر، ولذلك اقتصروا عليه؛ إذ ليس مفعولأ أول، ولم يذكروا بعده المصدر تابعا له، وعلى هذا خرجه س.
стр. 2205
وقوله أو وقت مثاله ما أنشده المصنف:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا ....................................................
أراد: اغتماض ليلة أرمد. قال: ((حذف المصدر، وأقام الزمان مقامه، كما عكس من قال: كان ذلك طلوع الشمس، إلا أن ذلك قليل، وهذا كثير)).
وقوله أو ما الاستفهامية مثاله ما أنشده المصنف:
ماذا يغير ابنتى ربع عويلهما ... لاترقدان, ولا بؤسى لمن رقدا
قال الجوهري: ((غاره يغوره ويغيره، أي: نفعه)) , بغين معجمة، يقول: لا يغير بكاؤهما علي أبيهما من طلب ثأره. ومثله: ما تضرب زيدَا؟ كأنك قلت: أي ضرب تضرب زيدَا؟
وقوله أو الشرطية مثاله ما أنشده المصنف في الشرح لجرير:
نعب الغراب, فقلت: بين عاجل ... ما شئت إذ ظعنوا لبين فانعب
ومثله: ماشئت فقم, كأنك قلت: أي قيام شئت فقم
стр. 2206
وكان ينبغي للمصنف أن ينص على أنه يقوم مقام المصدر اسم العدد، فإنه واقع موقع المبين، وليس شيئاَ مما ذكر، تقول: ضربت ثلاثين ضربة، فتعرب ثلاثين مصدرا، وليس بمصدر لكونه عددا لما هو مصدر.
وقد جاء إقامة أعيان وليست بآلات مقام المصدر، وهي على حذف مضاف، وذلك نحو قول الشاعر:
حتى إذا اصطفوا لنا جدارا
وقول الآخر:
ولم يضع ما بيننا لحم وضم
الأصل: اصطفاف جدار، وإضاعة لحم وضم، فحذف المصدر، وأقيم الاسم الذي كان مضافا إليه مقامه، فأعرب بإعرابه.
وقال بعض أصحابنا: وغير التأكيدي ما أفاد معنى لا يستفاد من الفعل، وهو على سبعة وجوه:
المحدود، نحو: ضربته ضربة، وضربتين، وضربات.
والذي في معناه: ضربته سوطا، وسوطين، وثلاثة أسواط. والنوعي: قعد القرفصاء.
والمصدر المعرف، وهو المعرف تعريف الجنس: زيد يجلس الجلوس، تريد الجنس، ويعنى به التكثير، ويجلس لا يفهم منه الكثرة، إذ يكون للقليل والكثير، وتعريف العهد: جلست الجلوس الذي تعلم. ويكون علما، نحو بره برة، وفجر به فجار، وهو معلق على الجنس.
стр. 2207
والخامس الموصوف: قعد قعودا حسنا.
والجاري مجراه: ضربت أي ضرب، تريد: شديدا، ويسير ضرب، وبعض ضرب، وكل ضرب، وهو السادس.
والسابع: التشبيهي: ضربت ضرب الأمير اللص، وقد يرجع إلى معنى الموصوف، /كقوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ المعنى: أخذا شديدًا، وقوله ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيهَا وَهُوَ مُؤْمِن﴾، وقوله:
طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر لها نفذ، لولا الشعاع أضاءها
وهو الثائر نفسه، فالمعنى: وسعى لها سعيا يصلح للآخرة، وطعنت طعنة صالحة لأخذ الثأر، وقد يريد: مثل ما يطعن الثائر غيري.
وإذا قلت: ضربت ضرباً مثل ضرب الأمير فضرب مصدر لضربت، لا خلاف في ذلك إلا خلافا لا يعباً به، فإذا قلت ضربت مثل ضرب الأمير فمذهب س أنه حال. وينبغي في القياس ألا يحذف مثل؛ لأنك إذا حذفت المضاف وأقمت المضاف إليه مقامه أعرب إعرابه، والمعرفة لا تكون حالا، والصفة في هذا المعنى لا ينصبها س إلا على الحال، والعامل عندي فيه الفعل، وقد رأيته لجماعة.
وقال قوم: العامل فيه فعل أخر، أي: أوقع حسنا. وسار زيد شديدًا، تقديره عندهم: سار السير أوقعه شديدًا. وهو عندي تكلف.
стр. 2208
فإن قلنا في ضربته شديدًا: نعت لمصدر محذوف، صح في ضربته مثل ضرب الأمير ذلك. وتحقيق ((نعت لمصدر محذوف)) أنه مصدر، كما تقول: رأيت النجار، فيكون مفعولا لأنه في الأصل نعت لمفعول. والنحويون يقولون: حذف الموصوف، وأقيمت الصفة مقامه، يعنون: يليه عامله، ويعرب بإعرابه، ف ((مثل)) مصدر، وإذا حذفت المضاف وأقمت المضاف إليه مقامه كان ذلك أيضًا، فيكون ضرب الأمير مصدرًا، والمصدر يكون معرفة ونكرة، فاستقامت المسألة. وأما س فلا يجعل ضرب الأمير حالا، ولذلك نجده يذكر هذا النوع في أمثلة المصادر، وقد قال في باب ما ينتصب به المصدر المشبه [به [: ((فإذا قلت: مررت به فإذا هو يصوت صوت الحمار، فعلى الفعل غير الحال)). وقال في قوله:
إذا رأتني سقطت أبصارها ... دأب بكار، شايحت بكارها
: يكون حالآ وغير حال. وقال في قول رؤبة:
لوحها من بعد بدن وسنق تضميرك السابق، يطوى للسبق
: يكون على الفعل. نفى عن تضميرك أن يكون حالا لتعريفه.
فإن قلت: على ما قدمت يجب أن يكون حالا، فكيف هذا التناقض؟
стр. 2209
قلت: المخلص منه أن يكون التقدير: ضمرها تضميًرا مثل تضميرك، فحذف ((تضميرا مثل)) حذفا /واحدًا لا بتدريج، ويقوم تضميرك مقامهما، فينتصب انتصاب تضمير، فيكون مصدرا لا حالا، كما كان تضميًرا، فلا يحذف أولا ((ضربا)) لما تقدم، ولا تحذف أيضا ((مثل)) وحدها؛ لأنه يصير التقدير: ضربًا ضرب الأمير، على حذف مثل، وقد كان مثل صفة، فيكون المضاف قائما مقامه، فصار صفة، كما أن ﴿وسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾، القرية: مفعول؛ لأنك أقمتها مقام أهل، وكان مفعولا، فتصف النكرة بالمعرفة، وهذا أصعب، وهذا يتوجه على قول الخليل إذ أجاز: ((له صوت صوت الحمار))، على أن يكون صفة لصوت؛ لأنه على تقدير مثل، ومثل نكرة لا تتعرف بالاضافة، وقد خطأه س في هذا. انتهى، وفيه بعض تلخيص.
-[ص: وبحذف عامل المصدر جوازا لقرينة لفظية أو معنوية، ووجوبًا لكونه بدلا من اللفظ بفعل مهمل، /أو لكونه بدلآ من للفظ بفعل مستعمل في طلب، أو خبر إنشائي، أو غير إنشائى، أو في توبيخ مع استفهام، ودونه للنفس أو لمخاطب، أو غائب في حكم حاضر، أو لكونه تفصيل عاقبة طلب أو خبر، أونائبا عن خبر اسم عين بتكرير أو حصر، أو مؤكد جملة ناصة على معناه، وهو مؤكد نفسه، أو صائر به نصًا، وهو مؤكد غيره، والأصح منع تقديمها.]-
ش: مثال ما حذف لقرينة لفظية قولك: حثيثا، لمن قال: أي سير سرت؟
وبلى، قياما طويلا، لمن قال: ما قمت. ولقرينة معنوية قولك: ئأهبا مأموناً، لمن
стр. 2210
رأيته تأهب لسفر، وحجا مبرورا، لمن قدم من حج، وسعيًا مشكورًا، لمن سعى في مثوبة.
وقوله ووجوبا أي: ويحذف العامل على طريقة الوجوب؛ لكونه - أي:
لكون المصدر - بدلًا من اللفظ بفعل مهمل، أي: ليس بموضوع في لسان العرب، بل أتت بالمصدر، ولم تستعمل منه وتشتق فعلا. وقسمه المصنف إلى مفرد، وإلى مضاف، وإلى ما يستعمل مفردًا ومضافًا، فذكر من المفرد أفة له وتفة، ودفرا بمعنى نتنا، وبهراً بمعنى تبا، كقول الشاعر:
تفاقد قومي إذ يبيعون مهجتي ... بحارية، بهرًا لهم بعدها بهرا
وبمعني: عجبا، قال عمر بن أبي ربيعة
ثم قالوا: تحبها؟ قلت: بهرا ... عدد الرمل والحصي والتراب
فأما أفة وتفة ودفرا فلم يستعمل منها فعل كما ذكر. والتفة في الأصل: ريح الأذن، والتفة: وسخ الأظفار (٠) وأما بهرا بمعنى تبا فهكذا فسره س في البيت، بهراً لهم بهراً، أي: تبا لهم، فجعله لفظًا غريبًا؛ لأن بهرة في معنى خيبة غير معروف، فيحتمل أن تكون كلمة نادرة بمعنى التب، لا فعل لها على ما فسر.
وقال أبو بكر بن طاهر في البيت: يعني بهراً: قهرا، أي: غلبوا غلبًا،
كقولك: بهرني الشيء: غلبني، ومنه القمر الباهر: إذا تم ضوءه وغلب (٠)
وقال غيره بهرت فلانًا: غلبته، وبهرها بكذا: قذفها.
وقال ابن الأعرابي: يقال للقوم إذا دعوت عليهم: بهرهم الله، والمبهور: المكروب، وأنشد بيت عمر بن أبي ربيعة:
следующие страницы →