← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17116

التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

أبو حيان الأندلسي

Полный текст (3 950 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

وكان ينبغي للمصنف أن ينص على أنه يقوم مقام المصدر اسم العدد، فإنه واقع موقع المبين، وليس شيئاَ مما ذكر، تقول: ضربت ثلاثين ضربة، فتعرب ثلاثين مصدرا، وليس بمصدر لكونه عددا لما هو مصدر. وقد جاء إقامة أعيان وليست بآلات مقام المصدر، وهي على حذف مضاف، وذلك نحو قول الشاعر: حتى إذا اصطفوا لنا جدارا وقول الآخر: ولم يضع ما بيننا لحم وضم الأصل: اصطفاف جدار، وإضاعة لحم وضم، فحذف المصدر، وأقيم الاسم الذي كان مضافا إليه مقامه، فأعرب بإعرابه. وقال بعض أصحابنا: وغير التأكيدي ما أفاد معنى لا يستفاد من الفعل، وهو على سبعة وجوه: المحدود، نحو: ضربته ضربة، وضربتين، وضربات. والذي في معناه: ضربته سوطا، وسوطين، وثلاثة أسواط. والنوعي: قعد القرفصاء. والمصدر المعرف، وهو المعرف تعريف الجنس: زيد يجلس الجلوس، تريد الجنس، ويعنى به التكثير، ويجلس لا يفهم منه الكثرة، إذ يكون للقليل والكثير، وتعريف العهد: جلست الجلوس الذي تعلم. ويكون علما، نحو بره برة، وفجر به فجار، وهو معلق على الجنس.

стр. 2207

والخامس الموصوف: قعد قعودا حسنا. والجاري مجراه: ضربت أي ضرب، تريد: شديدا، ويسير ضرب، وبعض ضرب، وكل ضرب، وهو السادس. والسابع: التشبيهي: ضربت ضرب الأمير اللص، وقد يرجع إلى معنى الموصوف، /كقوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ المعنى: أخذا شديدًا، وقوله ﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيهَا وَهُوَ مُؤْمِن﴾، وقوله: طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر لها نفذ، لولا الشعاع أضاءها وهو الثائر نفسه، فالمعنى: وسعى لها سعيا يصلح للآخرة، وطعنت طعنة صالحة لأخذ الثأر، وقد يريد: مثل ما يطعن الثائر غيري. وإذا قلت: ضربت ضرباً مثل ضرب الأمير فضرب مصدر لضربت، لا خلاف في ذلك إلا خلافا لا يعباً به، فإذا قلت ضربت مثل ضرب الأمير فمذهب س أنه حال. وينبغي في القياس ألا يحذف مثل؛ لأنك إذا حذفت المضاف وأقمت المضاف إليه مقامه أعرب إعرابه، والمعرفة لا تكون حالا، والصفة في هذا المعنى لا ينصبها س إلا على الحال، والعامل عندي فيه الفعل، وقد رأيته لجماعة. وقال قوم: العامل فيه فعل أخر، أي: أوقع حسنا. وسار زيد شديدًا، تقديره عندهم: سار السير أوقعه شديدًا. وهو عندي تكلف.

стр. 2208

فإن قلنا في ضربته شديدًا: نعت لمصدر محذوف، صح في ضربته مثل ضرب الأمير ذلك. وتحقيق ((نعت لمصدر محذوف)) أنه مصدر، كما تقول: رأيت النجار، فيكون مفعولا لأنه في الأصل نعت لمفعول. والنحويون يقولون: حذف الموصوف، وأقيمت الصفة مقامه، يعنون: يليه عامله، ويعرب بإعرابه، ف ((مثل)) مصدر، وإذا حذفت المضاف وأقمت المضاف إليه مقامه كان ذلك أيضًا، فيكون ضرب الأمير مصدرًا، والمصدر يكون معرفة ونكرة، فاستقامت المسألة. وأما س فلا يجعل ضرب الأمير حالا، ولذلك نجده يذكر هذا النوع في أمثلة المصادر، وقد قال في باب ما ينتصب به المصدر المشبه [به [: ((فإذا قلت: مررت به فإذا هو يصوت صوت الحمار، فعلى الفعل غير الحال)). وقال في قوله: إذا رأتني سقطت أبصارها ... دأب بكار، شايحت بكارها : يكون حالآ وغير حال. وقال في قول رؤبة: لوحها من بعد بدن وسنق تضميرك السابق، يطوى للسبق : يكون على الفعل. نفى عن تضميرك أن يكون حالا لتعريفه. فإن قلت: على ما قدمت يجب أن يكون حالا، فكيف هذا التناقض؟

стр. 2209

قلت: المخلص منه أن يكون التقدير: ضمرها تضميًرا مثل تضميرك، فحذف ((تضميرا مثل)) حذفا /واحدًا لا بتدريج، ويقوم تضميرك مقامهما، فينتصب انتصاب تضمير، فيكون مصدرا لا حالا، كما كان تضميًرا، فلا يحذف أولا ((ضربا)) لما تقدم، ولا تحذف أيضا ((مثل)) وحدها؛ لأنه يصير التقدير: ضربًا ضرب الأمير، على حذف مثل، وقد كان مثل صفة، فيكون المضاف قائما مقامه، فصار صفة، كما أن ﴿وسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾، القرية: مفعول؛ لأنك أقمتها مقام أهل، وكان مفعولا، فتصف النكرة بالمعرفة، وهذا أصعب، وهذا يتوجه على قول الخليل إذ أجاز: ((له صوت صوت الحمار))، على أن يكون صفة لصوت؛ لأنه على تقدير مثل، ومثل نكرة لا تتعرف بالاضافة، وقد خطأه س في هذا. انتهى، وفيه بعض تلخيص. -[ص: وبحذف عامل المصدر جوازا لقرينة لفظية أو معنوية، ووجوبًا لكونه بدلا من اللفظ بفعل مهمل، /أو لكونه بدلآ من للفظ بفعل مستعمل في طلب، أو خبر إنشائي، أو غير إنشائى، أو في توبيخ مع استفهام، ودونه للنفس أو لمخاطب، أو غائب في حكم حاضر، أو لكونه تفصيل عاقبة طلب أو خبر، أونائبا عن خبر اسم عين بتكرير أو حصر، أو مؤكد جملة ناصة على معناه، وهو مؤكد نفسه، أو صائر به نصًا، وهو مؤكد غيره، والأصح منع تقديمها.]- ش: مثال ما حذف لقرينة لفظية قولك: حثيثا، لمن قال: أي سير سرت؟ وبلى، قياما طويلا، لمن قال: ما قمت. ولقرينة معنوية قولك: ئأهبا مأموناً، لمن

стр. 2210

رأيته تأهب لسفر، وحجا مبرورا، لمن قدم من حج، وسعيًا مشكورًا، لمن سعى في مثوبة. وقوله ووجوبا أي: ويحذف العامل على طريقة الوجوب؛ لكونه - أي: لكون المصدر - بدلًا من اللفظ بفعل مهمل، أي: ليس بموضوع في لسان العرب، بل أتت بالمصدر، ولم تستعمل منه وتشتق فعلا. وقسمه المصنف إلى مفرد، وإلى مضاف، وإلى ما يستعمل مفردًا ومضافًا، فذكر من المفرد أفة له وتفة، ودفرا بمعنى نتنا، وبهراً بمعنى تبا، كقول الشاعر: تفاقد قومي إذ يبيعون مهجتي ... بحارية، بهرًا لهم بعدها بهرا وبمعني: عجبا، قال عمر بن أبي ربيعة ثم قالوا: تحبها؟ قلت: بهرا ... عدد الرمل والحصي والتراب فأما أفة وتفة ودفرا فلم يستعمل منها فعل كما ذكر. والتفة في الأصل: ريح الأذن، والتفة: وسخ الأظفار (٠) وأما بهرا بمعنى تبا فهكذا فسره س في البيت، بهراً لهم بهراً، أي: تبا لهم، فجعله لفظًا غريبًا؛ لأن بهرة في معنى خيبة غير معروف، فيحتمل أن تكون كلمة نادرة بمعنى التب، لا فعل لها على ما فسر. وقال أبو بكر بن طاهر في البيت: يعني بهراً: قهرا، أي: غلبوا غلبًا، كقولك: بهرني الشيء: غلبني، ومنه القمر الباهر: إذا تم ضوءه وغلب (٠) وقال غيره بهرت فلانًا: غلبته، وبهرها بكذا: قذفها. وقال ابن الأعرابي: يقال للقوم إذا دعوت عليهم: بهرهم الله، والمبهور: المكروب، وأنشد بيت عمر بن أبي ربيعة:

стр. 2211

ثم قالوا: تحبها؟ قلت: بهراً ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ انتهى. فعلى ما حكاه هؤلاء الأئمة لا يكون بهراً منصوبا بفعل مهمل، بل بفعل مستعمل، ويكون بهراً في بيت عمر ليس معناه عجباً كما زعم المصنف، بل معناه: غلبة، أ ي: بهرني حبها بهراً وقال ابن عصفور: ((هوبمعنى غلب، يستعمل في الخبر لا في الدعاء، فلذلك كان الأحسن /أن ينتصب بهرا بفعل من المعنى، تقديره: ألزمه الله)) انتهى. وليس بصحيح بدليل ما حكيناه عن ابن الأعرابي أنه يقال للقوم إذا دعي عليهم: بهرهم الله. وذكر المصنف من المضاف بله، وأنشد: تذر الجماجم ضاحيا هاماتها ... بلة الأكف، كأنها لم تخلق أي: تترك الأكف تركا، ويقال بهل مقلوبا. وقد ذكر المصنف أنها تنصب، فتكون اسم فعل بمعنى دع، وقد تكلمنا عليها في باب أسماء الأفعال والأصوات. وذكر أيضًا قولهم في القسم الاسعطافي قعدك الله إلا ما ذكرت كذا، أي: تثبيتك الله، ومثله: عمرك الله، في لزوم الإضافة والاستعطاف، قال: ((إلا أن هذا مختصر من التعمير مصدر عمرتك الله، بممعنى: نشدتك الله، ومنه قول الشاعر

стр. 2212

عمرتك الله إلا ما ذكرت لنا ... هل كنت جارتنا أيام ذي سلم وأصله من العمر، وهو البقاء، والمتكلم به متوسل باعتقاد البقاء لله)) انتهى، وسيأتي الكلام على قعدك وعمرك في باب القسم، إن شاء الله. وإذا كان عمرك الله على ما ذكر المصنف مختصراَ من التعمير مصدر عمرتك الله فلا يكون منصوباَ بفعل مهمل؛ إذ عمرتك الله فعل مستعمل، فكان ينبغي للمصنف ألا يعده فيما ينتصب بفعل مهمل. وذكر المصنف مما يستعمل مفردا ويستعمل مضافا، قال: ((قولهم للمصاب المرحوم: ويحه، وويح فلان، وويح له، وفي الحديث: (ويح عمار، تقتله الفئة الباغية). وللمتعجب منه: ويبا له، وويبك، وويب غيرك، قال الشاعر: فلا تجبهيه، ويب غيرك, إنه ... فتى عن دنيات الخلائق نازح وكذا يقال: ويح غيرك، وويسه مثله أوقريب منه)) انتهى. قال الجزولي: ((ومنه مضافا ويحك - أي: ألزمك الله - وويسك كذلك، وهو استصغار واحتقار)). وقال ابن طاهر: وبح كلمة تقال رحمة، وويس كلمة تقال في معنى رأفة، وهي مضافة إلى المفعول، يدل على ذلك تفسيرها، وعليه كلام س وتفسيره، ومتى أضفتها ألزمتها النصب، ولا يجوز فيها الرفع؛ لأنه مبتدأ لا خبر له، فإذا فصلته من

стр. 2213

الإضافة جاز فيه الرفع والنصب, تقول: ويح له وويحا له، وويل له, وويلا له، ولايقوى النصب فى هذا قوته فى غيره؛ لأن هذا مصدر لا فعل له, وإنما يقوى النصب فى المصدر الذى له فعل, نحو حمدا وشكرا, فالرفع فى ويح وويل قوى وقد استعمل منه لفظ /الفعل, أنشد ابن جنى: فما وال, ولا واس ... ولا واح أبو هند وتقول: ويح له وتب, وتبا له وويحا, فهذا ونحوه من الدعاء، إذا جمعوا بينهما غلبوا المتقدم، فالغالب على تب النصب، وعلى ويح الرفع إذا أفردوا، وس يختار أن يحمل كل واحد منهما على وجهه إذا أفرد، فاذا قالوا تبا له وويحا فلم يأتوا بخبر الآخر وافقهم س على النصب لعدم الخبر؛ لأن العرب لا تقول ويح ولا ويل إلا مع خبريهما. وقال أبو الحسين بن أبي الربيع ما ملخصه: ((تبا لك التزم نصبه، وويح لك التزم رفعه، وويل لك الوجهان، ولو قسنا لساوياه، لكن لا يتعدى السماع، فإن عطفت ويحا على تب نصبته للعطف، ولا يجوز رفعه لأنه لا خبر له، وإن عطفت تبا على ويح فكحاله قبل العطف، ويكون [عطف جملة] فعلية على اسمية لتساويهما في المعنى. وقول تبا له وويح له، فلا يكون في ويح إلا الرفع كحاله قبل العطف)) انتهى.

стр. 2214

وقد رد المازني هذه الأمثلة، وقال: ((كيف يتصور أن يكون يدعو له وعليه في حين واحد؛ ألا ترى أن معنى تبا له: خسران له، ومعنى ويح له: رحمة له، فلا يصح هذا الكلام)) انتهى. وخرج هذا الكلام على وجهين: أحدهما: أن يكون ويح له لا يراد به الدعاء له، بل أخرج مخرج الدعاء، وليس معناه الدعاء، كما كان قوله ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾، فالمعنى: خسران له، وهو لكونه ذا خسران ممن يجب أن يقال فيه: رحمة له. والوجه الثاني: أن يكون تبا له دعاء له على حد: قاتله الله ما أشعره! فلا يكون فيه تناقض، وهذا إذا فرض أن المثال من كلام العرب، ولعله مثال من أمثلة النحويين. وحكي عن أبي عمر منع هذا الباب جملة؛ لأنه يؤدي إلى أن يرفع ما شأنه النصب، وينصب ما شأنه الرفع؛ لأن ويح مناجاة فرفع، والثاني دعاء فنصب، كذا نقل عنه. وإذا قلت ويح له وتبا فالواو جامعة لأن الكلام جملتان، وويح وتب له الواو عاطفة لأنه كلام واحد. وقال س: ((وقولك: ويح لك وتب، وتبا له وويحا، جعل النحويون التب بمنزلة ويح، وجعلوا الويح بمنزلة التب، فوضعوا كل واحد منهما على غير الموضع الذي وضعته العرب. ولا بد لويح مع قبحها من أن تجعل على تب، فإذا قلت ويح له ثم ألحقتها التب فالنصب فيه أحسن، وإذا

стр. 2215

قلت تباً له وويح له فالرفع ليس فيه كلام، ولا يختلف النحويون في نصب التب إذا قلت ويح له وتب له)). وتقول: ويل له ويل كثير، برفع الويلين وبنصبهما، وبرفع أحدهما ونصب الآخر. وذكر المصنف المصاب المغضوب عليه، قال: / ((ويله وويل له، وويل له ويل طويل، وويل له ويلاَ طويلاَ، وويل له ويلا كيلا, وويل له وعول, وويلك وعولك، ولا يفرد عول، ويفرد ويل منصوبا، قال (٤): كسا اللؤم تيما خضرة في جلودها ... فويلا لتيم من سرابيلها الخضر وهذه الأسماء إذا أضيفت لزمها النصب، وإذا أفردت جاز رفعها ونصبها)) انتهى. والويل: الفضيحة والحسرة، وويب في معناها. ويقال: ويبا لك، أي: عجبا لك. وذهب بعض البغداديين إلى أن ويحه وويله وويسه منصوبة بأفعال من لفظها؛ وتقديره: واح ويحهه، ووال ويله، وواس ويسه، وأنشد البيت المتقدم، وهذا البيت مصنوع، ولا يعلم له قائل. وقال ابن عصفور: ويله وأخواته تستعمل مضافة فصيحا، وبابها اللزوم، ومضافها للتبيين، ك ((لك)) في: سقيا لك. وناصبها من غير لفظها، أو منه ملتزما إضماره. ويجب نصبها ما دامت مضافة. وفي البسيط: ((وأما المضاف فما كان منه أضيف إلى ما وقع عليه الدعاء فلا يجوز رفعه، قال المبرد: لأنه لا خبر له. وهذا على من يجعل الخبر في المجرور، فإن

стр. 2216

كان محذوفاً فلا مانع منه إلا أن يكون في الكلام ما يدل عليه. وما كان منه أضيف إلى غير ذلك مع بقاء المجرور الذي يكون خبرا، كقولك: رحمة الله عليه ورضوانه وسلامه، ولعنة الله على الظالمين - فلا يكون فيه النصب على قول س, وأجازه المبرد)) انتهى. قال ابن عصفور: فإن فصل - يعني ويلا- وأخواته فالرفع، والمجرور خبر، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، وقد نصبوا ويلا، قال: ..................................... فويلا لتيم من سرابيلها الخضر وأما ويح له فترفعه، إلا إن عطفته على ما له النصب فتنصب، نحو: تبا له وويحا، إتباعا، ولا ترفعه مبتدأ لأنه لا خبر له، ولا تقدره: ويح له، وتحذف ((له)) لدلالة ((له)) عليه في: تبا له؛ لأنها ليست في معناها فتدل عليه؛ لأن الأولى للتبيين والثانية في موضع الخبر، ولو قدمت ويحا لأتبعت تبا فرفعته، نحو: ويح له وتب. ومعنى ويحه وويبه: رحمة له، ومعنى ويسه وويله: حسرة له. وأماعولة فإتباع لويلة، ولا يستعمل بغير ويلة، فكأنه مشتق من العويل، وهو صوت الباكي. وفي البسيط: ((وتقول ويل له ويل طويل، على البدل أو صفة موطئة، وويل له ويلا طويلا، على الحال الموطئة، كأنه قال: ويل له دائما، أي: ثبت له الويل، وإنما هو حال من الويل وإن كان نكرة لأنه صار في حكم المعرفة، ولذلك ابتدئ به. وأجاز بعضهم في ويل له ويلا طويلا أن يكون جملتين، كأنك قلت: ويل له ألزمه الله ويلا طويلا، فيكون جملتي دعاء)) انتهى. وقال في البسيط: وكذلك إذا قال القائل: يا ويلاه! / فقال له السامع: نعم ويلا كيلا فويلا كيلا على الحال؛ لأن نعم جواب وتصديق لقوله، فتضمن كلاما،

стр. 2217

فكأنه أضمر الجملة، فقال: ويل لك ويلا كيلا. وكذلك لو لم يذكر نعم، أي: لك ما دعوت به ويلا كيلا، أي: كثيرًا. قال س: ((وإن شاء حمله على قوله: جدعًا وعقرًا))، يريد فتنصب بالنيابة عن الفعل. وإذا اختلط ما يجب فيه الرفع مع ما يجب فيه النصب، وذكرت لكل ما يتم به - بقي كل منهما على قياسه، وكان عطف جملة على جملة، نحو: ويل له وتبا له، وبالعكس. ومع ذكر ما يتم به أحدهما دون الآخر فبدأت بما ينصب أتبعته الآخر، فقلت: تبا له وويلا، أو بما يرفع قلت: ويل له وتبً، على رأي النحوبين. ورأي س نصب تبا هنا، وهو أولى من الرفع؛ لأنه لا ضرورة تجعله مشار كا للأول؛ لأن المنصوب قد يستغني عن لك، وهذا قياس من النحويين لم يسمع من العرب شيء منه. وكذلك لو قيل: تبا وويح لك، لا يلزم رفعه ولا نصب الويح، وينتصب الويح على قول النحوين. ولو قلت: ويح وتبا لك، رفعت بناء على مذهب الجميع. وأما المعرف بأل فالرفع فيه أحسن من النصب للتعريف، قال س: ((وإنما استحبوا الرفع فيه لأنه صار معرفة، وهو خبر، فقوي في الابتداء، بمنزلة عبد الله والرجل)). وهو في رفعه بمنزلة رفع النكرة من معنى الفعل، وما بعده خبره، وهو قياس فيما يعرب، تقول: الويل لك، والخيبة لك، لكن إدخال أل ليس مطردًا في جميعها، وإنما هو سماع. قال س: ((ليس كل حرف تدخل فيه أل من هذا الباب، لو قلت: السقي لك، والرعي لك - لم يجز)).

стр. 2218

وقال الفراء والجرمي بجواز رفعهما وأخواتهما، وكأنهما رأياه قياسًا في هذه (٠). وفيه نظر؛ لأن الموضع للفعل، فإخراجه عنه ليس أصلاً، فلا يكون قياسًا. وقد قاسه بعضهم على: الحمد لله، وليس بشيء؛ لأنه ليس من مواضع الفعل؛ لأنه خبر، بخلاف الدعاء. وقال المصنف في الشرح: ((ومن المهمل الفعل اللازم للإضافة: سبحان الله، أي: براءة له من السوء، ولبس بمصدر لسبح، بل سبح مشتق منه كاشتقاق حاشيت من حاشى إذا نطق بلفظها، وكاشتقاق لوليت وصهصيت وأففت وسوفت وبأبأت ولبيت من لولا وصة وأف وسوف وبأبي ولبيك. وقالوا أيضا سبحل: إذا قال سبحان الله. وقد تفرد في الشعر سبحان منونة إن لم تنو الإضافة، كقول الشاعر: سبحانة، ثم سبحانا، نعوذ بة ... وقبلنا سبح جودي والجمد / وغير منونة إن نويت الإضافة، كقول الآخر: وأقول لما جاءني فخره ... سبحان من علقمة الفاخر أراد: سبحان الله، فحذف المضاف إليه، وترك المضاف بهيئته التي كان عليها قبل الحذف، كما قال الراجز: خالط من سلمي خياشيم وفا يريد: وفاها. وهذا التوجيه أولى من جعل سبحان علما.

стр. 2219

ومثل سبحانك في المعنى وإهمال الفعل ((سلامك)) في قول الشاعر: سلامك ربنا في كل فجر بريئا ما تغنثك الذموم أي: براءتك ربنا من كل سوء، وبريئا: حال مؤكدة، وثغنتك أي: ما تعلق بك الذموم: جمع ذم)) انتهى. ولا يقال سبح مخففا، فيكون سبحان مصدرا له، ولا راح ريحانا بمعنى استرزق استرزاقا، بل سبحان الله، وريحان الله بمعنى استرزاق الله: مصدران وضعا موضع الفعل في الخبر، ولا يتصرفان، فإن أردت ب ((ريحان الله))، رزقه تصرف، وخرج عن أن تنتصب بفعل مضمر وجوبا، قال الشاعر سلام الإله، وريحانه ... ورحمته، وسماء درر وقال تعال: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ وما ذكره المصنف من أن سبحانا المنون لم تنو فيه الاضافة، فصرف لجعله نكرة - مذهب لبعضهم وقيل: تنوينه ضرورة. وما ذهب إليه المصنف من أنه إذا لم ينون كقوله ((سبحان من علقمه)) هو مضاف، ترك بهبئته - هو قول بعض النحويين

стр. 2220

وذهب بعضهم إلى آنه إذا نون كان مقطوعا عن الإضافة، فلما قطع عنها عاد إليه التنوين، ومن لم ينونه جعله بمنزلة قبل وبعد. ورد هذا المذهب بأن الأسماء المقطوعة عن الإضافة لا يترك تنوينها إلا إن كانت ظروفًا مبنية لقطعها عن الإضافة، نحو قبل وبعد، فإن كانت غير ظروف لم يكن بد من تنوينها، نحو كل وبعض. وفي البسيط: وأما ما لا يتصرف منها فضربان: مفردة، ومثناة، فالمفرد نحو: سبحان الله، ومعاذ الله وريحانه، وسلاما، وحجرا، فسبحان ليس بمصدر، بل اسم وضع موضعه، فجرى مجراه ومعناه التنزيه، وهو قول الليث والزجاج وغيرهما، مأخوذ من التسبيح، وهو التنزيه، وهو تبعيد الله - تعالى - في الاعتقاد عن الصفات غير اللائقة، وكأنه مغير من التسبيح بحذف زوائده، ثم زيدت عليه ألف ونون، ووضع بدل التسبيح، /فصار بمنزلة مصدر سبح الكائن على غير صدره، بمنزلة تكلم كلامًا، وليس مثله، قال س: ((لأنه لو كان مصدرًا يتصرف تصرفه كالسلام والكلام لعدم فعله وهو رأي س والجماعة، وجاء على فعلان كالطغيان ونحوه من المصادر.

стр. 2221

واختلف فيه: فقيل: وضع نكرة جاريا مجرى المصادر يعرف بأل، كقوله: سبحانك ــ اللهم ــ ذا السبحان وبالإضافة، نحو: سبحان الله، وبقي نكرة، كقوله: .. ثم سبحانا، نعوذ به .................. وقد يتأول فيه التعريف، فيمنع من الصرف للزيادة والتعريف، إما معدولا عن أل أو الإضافة، كأجمع، وباب سحر، كقوله: .................................. سبحان من علقمة الفاخر وقال س: أصله الإضافة إلى اسم الله، واستعمل مقطوعا عنها، إما منونا في الشعر، وإما غير منون على تقدير التعريف والزيادة. وقيل: هو اسم للتسبيح ــ يعنون علما ــ فلم ينصرف للزيادة والتعريف ــ وهو رأي المازني والمبرد ــ وتنوينه في الشعر ضرورة، وإضافته على تأويل التنكير، كما تقول: زيدكم. وكذا دخول اللام عليه، وهو قليل، وهو موضوع موضع المصدر. وعلى المذهبين هو منصوب بسبح ونائب عنه، ولم يستعمل معه مظهرا. ويحتمل أن يقال: هو مصدر على غير الصدر. وقال يونس: ((معناه: براءة الله من السوء))، والبراءة والتنزيه بمعنى واحد، وهر التبعيد، ولفظ السبح فيه هذا المعنى، يقال سبح في الأرض سبحا: أبعد فيها،

стр. 2222

ومنه: ﴿والسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾، يعني النجوم، تذهب في الفلك كما يذهب السابح في الماء. وإذا كان بمعنى البراءة فأما على معنى التنزيه فينتصب في المعنى بسبح، وإن كان بمعنى البراءة في نفسه، أي: برئ براءة من السوء ــ فيكون سبح على هذا ليس عاملآ؛ لأنه في المعنى من وصف الله بالبراءة والنزاهة، فيكون سبح أي: قال سبحان الله فهو بمنزلة حوقل وهلل. وقد نبه س على أن سبح ولبي وأفف لمن قال ذلك. وإنما نزله منزلة تسبيحا في النصب خاصة، والعامل حينئذ فعل مما يصلح له، أي: أعتقد براءة الله وأومن بها، أو من معناه، أي: برئ براءة، كما يقول: ............................... ...... ألت حلفة ............ أي: برئ سبحانا وقد يستعمل في قصد التعجب، كما تقول: سبحان الله أهذا يكون! وأما ((سُبْحَانَ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ)) فقيل: مضاف إلى ((ما))، و ((ما)) لمن يعقل. وقيل: سبحان مقطوعة، وما مصدرية ظرفية، أي: مدة تسخير كن. وقد يوضع موضع فعل الأمر، قال الفراء في قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَنَ الله حِينَ تُمْسُونَ﴾ ((أى: فصلوا))، فكأنه قال: فسبحوا سبحانا عبر بها عن الصلاة.

стр. 2223

وأما ((معاذ الله)) فهو مفعل للمصدر مرادف للعياذ، كأنهم قالوا: عياذا بالله، لكنه استعمل بدل فعله. وفيه /أمران: أحدهما: أنه لا يتصرف. والثاني: أنه مضاف بغير حرف الجر، والأصل: معاذا بالله. وأما ((ريحانه)) فقيل: ريحانه معناه الاسترزاق. وقيل: الطيب. والريحان في كلام العرب على هذين الوجهين، ومنه: ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحَانٌ﴾، وقوله: سلام الاله وريحانه ...................... لأن السلام كثيرا يكون بالطيب والعبق. وإذا كان بهذا المعنى تصرف وارتفع ودخلت أل. وبمعنى الاسترزاق لا يتصرف، ولم يخرج عن النصب والبدل من الفعل، ولا يكون إلا مضافا، ومعناه استرزاقا، ولم ينطق له بفعل من لفظه، فكأنه ناب عن فعل، إما من معناه: نحو: أسترزقه، وإما بتقدير فعل يصح به المعنى، أي: وأسأله استرزاقه. قيل: ولا يستعمل مفردا، بل مقترنا مع سبحان الله. وقيل: يستعمل وحده؛ لأن س لم يذكره مقترنا مع سبحان، ولا نبه على ذلك. ويحتمل أن يكون خبيرا، وهو الإقرار بالنعمة، كشكرا لك. ويحتمل ما احتمل سبحان من كونه مصدرا لا فعل له، أو اسما منزلآ منزلة المصدر علما أو غير علم، لكن للزوم بالإضافة لم يظهر فيه ما يوجب العلمية على رأي المبرد. وأصله فيعلان؛ لأنه من الروح، فحكمه حكم سيد من القلب والإدغام والتخفيف، وصار لازما للتخفيف بسبب الزيادة، بخلاف سيد، وحكى

стр. 2224

الأزهري الإجماع على ذلك. وذكر ابن خروف أن أصله روحان على فعلان، وقلبت ياؤه على غير قياس. وأما ((سلامًا)) نقال أبو الخطاب: موضوع موضع تسلما، أي: براءة منكم، لا خير بيننا ولا شر. فإما أن يكون كسبحان الله اسما، وإما أن يكون بمنزلة الكلام والتكلم، وفعله تسلمنا تسلما. وقال: إذا لقيت فلانا فقل سلاما، فسره له [أبو [ربيعة بالبراءة منه. و ((السَّلامُ)) بمعنى التحية يصرف، ومعنى: سلامك- ربنا- في كل فجر ..................................... سلامتك، أي: براءتك من كل سوء، كما تقول: سلم سلامة من هذا الأمر، أي: لم يتشبث منه بشيء، فيكون على هذا مصدرا لكنه لا يتصرف؛ لأنه حذفت منه الهاء، فلزم النصب. وقال س: ((إن من العرب من يرفع سلاما، وهر يريد معنى المبارأة، كما رفعوا حنان، على تقدير الخبر، سمع من العرب من يقول: لا يكونن مني إلا

стр. 2225

سلام فسلام ــ وهو استثناء منقطع ــ أي: إلا أن تكون متاركة ومبارأة))، كأنه قال: إنما أمرنا سلام فسلام، أي: مبارأة فأخرى، يريد: مني ومنك، وكأنه قال: لا تكونن مني إلا مجانبا ومسالما، و ((كان)) هنا تامة؛ لأن النهي لا يكون في الناقصة كما لا يكون الأمر. وقد حمل على الناقصة، وهو للمبرد، فيكون ((مني)) متعلقا بمحذوف، هو الخبر لها، على معنى: لا تكن منسوبا إلي إلا بالمجانبة./ وقد يقال: إنها تامة، وهو في موضع الحال، كأنه قال: لا تكونن إلا وأنت مجانب لي. وأما ((حِجْرًا)) فكانه من الحجر، وهو المنع، فاستعمل مكسورا كاستعمال العمر في القسم مفتوحا، وهو من العمر. وقيل: هو الاسم، وأوقع موقع المصدر، فيكون على فعل من لفظه، كأنه قال: أحجر حجرا، أي: أمنعه عن نفسي وأبعده وأبرأ منه، ويقول الرجل للرجل: أتفعل هذا؟ فيقول: حجرا، أي: منعا. وقال س: ((أي سترا وبراءة من هذا))، والحجر يراد به الستر، ومنه ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا﴾، أي: حراما، أي: الحرام ممنوع منه، ومحجور تأكيد، يريد به حجرا حجرا، لكنه أتى بصيغة المفعول، وهذا لا يتصرف إذا كان بمعنى المبارأة والتعوذ. فإن كان على أصله من المنع أو الستر من غير أن يشاب هذا المعنى تصرف، كقوله ﴿لِّذِي حِجْرٍ﴾، يريد: لصاحب مانع يمنعه عن الباطل، أي: صاحب عقل، ولذلك فسر هنا بالعقل. فاما ﴿بَرْزَخًا وحِجْرًا مَّحْجُورًا﴾ فمعناه سترا، فلم يجعله موضع الفعل على ذلك المعنى. وقيل: هو هنا على الأصل المذكور نائبا عن فعل، كأنه لما جعل بينها

стр. 2226

البرزخ وقدر ذلك بينهما تنافرا، فصار كل واحد منهما كأنه يكون للاخر حجرا محجورا متعوذا مبالغة في الحجر والانقياد، وكان المعنى على ما ذكرنا من الحذف. وذهب المبرد إلى أن حجرا يتصرف بما ذكرناه، والفرق ما أثبتناه. ومذهب س أن سبحان علم ممنوع من الصرف. وقيل: هو مبني، وكونه لا يتصرف ولا ينتقل عن هذا الموضع فأشبه الحرف. قال المصنف في الشرح: ((ومن المهمل الفعل اللازم للإضافة قولهم في إجابة الداعي: لبيك وسعديك، ومعناه: لزوما لطاعتك بعد لزوم. قال س: ((أراد بقوله لبيك وسعديك: إجابة بعد إجابة، كأنه قال: كلما أجبتك في أمر فأنا في الآخر مجيب))) انتهى. وهذان اللفظان من ألفاظ ذكرها النحاة مثناة، وأوردوها إيرادا واحدا، إلا أن المصنف ذكر منها لبيك وسعديك؛ إذ هما عنده مصدران، ينتصبان على إضمار الفعل المهمل، وباقيها ينتصب على إضمار الفعل المستعمل. ونحن نتكلم على جميعها كما تكلم النحاة، فنقول: هذه الألفاظ هي: حنانيك، لبيك وسعديك، ودواليك، هذاديك، وحجازيك، حذاريك وهي مصادر لا تتصرف، بمنزلة سبحان الله وأخواته في كونها لا تتصرف، وهي ملتزم فيها الاضافة والتثنية، فإن افرد منها شئ كان متصرفا، نحو قوله:

стр. 2227

/فقالت: حنان، ما أتى بك هاهنا ... أذو نسب أم أنت للحي عارف وزعم ابن الطراوة أن ارفع في حنان أقيس، وأن قولك: الواجب علينا- آنس من: حننا عليك؛ لأن هذا علاج. ورد بأنه يمكن أن يكون حننا عليك واقعا، وليس بعلاج، فيكون على حد: الواجب علينا حنان، فهذا الباب لما كان مناجاة لا يستقل أحد فيه بالإخبار قوي فيه النصب؛ لأن الجامع بينه وبين الدعاء أن فعله ليس ماضيا، وهو مناجاة. واختلفوا في ((لبيك)) أهو مفرد أم مثنى: فذهب الخليل وس والجمهور إلى أنه تثنية لب، كما أن حنانيك تثنية حنان. وذهب يونس إلى أنه اسم مفرد، وأصله قبل الإضافة لبي مقصورا، وقلبت ألفه ياء لإضافته إلى المضمر، كما قلبوا في عليك ولديك. ورد مذهب يونس بأنه لو كان انقلاب الألف لأجل الضمير ما انقلبت مع الظاهر في قول الشاعر: دعوت لما نابني مسورا ... فلبي فلبي يدي مسور وزعم الفارسي أنه لا حجة في هذا البيت؛ لأنه يجوز في نحو هذه الألف التي تطرفت أن تقلب ياء في الوقف، فتقول: هذه أفعي، ومنهم من يجري الوصل

стр. 2228

مجرى الوقف، فيمكن أن يكون ((لبي يدي مسور)) من ذلك، ومثل ذلك قول زهير: قفرا بمندفع النحائت من ... ضفوي أولات الضال والسدر قال الأصمعي: هو على لغة من يقول في أفعى أفعي. وزعم غيره أنها تثنية ضفا، وهو بمعنى الجانب، وهو مضاف. لما بعد. وهذا الذي ذهب إليه أبو علي كان يمكن لو سمع من كلامهم لبي زيد. واستدل أيضا على أن لبيك تثنية بأنه قد سمع في المفرد لب، ولم يسمع لبي، قال الشاعر: دعوني، فيا لبي إذا هدرت لهم؛ شقائق أقوام، فأسكتها هدري فقال: لبي، ولو كان أصله لبي لقال على الأكثر لباي، وعلى لغة هذيل لبي. وقال س بعد ما حكى عن بعض لب علي أنه مفرد لبيك غير أنه مبني كأمس لقلة تمكنه: ((وليس يحتاج إلى أن يفرد؛ لأنك إذا أظهرت الاسم تبين أنه ليس بمنزلة عليك ولديك؛ لأنك [لا] تقول: لبي زيد وسعدى زيد))

стр. 2229

وفي كلام س هذا رد علي المصنف إذ زعم في الشرح أن إضافة لبي إلي الظاهر شاذة كإضافتها إلي المضمر الغائب، نحو قوله: إنك لو دعوتني، ودوني ... زوراء ذات منزع بيون لقلت: لبيه لمن يدعوني ألا ترى إلى سياقه س ذلك مساق المنقاس المطرد في قوله ((لأنك [لا] تقول لبي زيد وسعدى زيد)). والناصب لهذه المصادر أفعال من لفظها، وفي بعضها من معناها، وهي واجبة الإضمار، فكان التقدير: تحنن حنانيك، أي: تحننا بعد تحنن، وقد /نطق بفعله، قال: تحنن علي - هداك المليك - ... فإن لكل مقام مقالا ... وقد أفرد في قوله تعالى: ﴿وحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا﴾، وقال الشاعر: ويمنحها بنو شمجي بن جرم ... معيزهم، حنانك، ذا الحنان أي: رحمتك يا ذا الرحمة. وقوله:

стр. 2230

ضربا هذاذيك وطعنا وخضا أي: يهذ هذاذيك. وقوله: إذا شق برد شق بالبرد مثله ... دواليك، حتى كلنا غير لابس أي: تداولنا دواليك، ودل علي تداولنا قوله ((إذا شق برد شق بالبرد مثله))، وهذا من فعل الجاهلية، إذا أراد الرجل أن يعقد (مودة) مع امرأة شق كل احد منهما ثوب الأخر ليؤكد المودة. ودواليك مأخوذ من المداولة. وسعديك أي: سعد إسعادا لآمرك بعد إسعاد، أي: كلما أمرتني أطعتك وساعدتك، ولا يستعمل سعديك وحده بل تابعا للبيك، كعولة بعد ويلة. ولبيك يجوز أن يستعمل وحده. وحجازيك أي: تحجز حجازيك، أي: تمنع. وحذاريك أي: تحذر. ولبيك أي: ألزم إجابيتك، وكأنه من ألب بالمكان: إذا أقام به، فهذا منصوب بفعل من معناه، بخلاف ما قبله، فإنه منصوب بفعل من لفظه. وقد شرح س معاني هذه المصادر، فقال: ((وإذا قال المجيب لبيك وسعديك فقد قال: قربا منك ومتابعة لك)). ثم [بره] س، ففسر القرب من الله تعالى

стр. 2231

بقوله ((لا أنأى عنك في شيء تأمرني به)). وزعم أيضا أن معنى لبيك: ((إجابة بعد إجابة))، وتقدم ذلك. وقال س في خذاريك: ((أي: ليكن منك حذر بعن حذر))، أي: احذر ابدا. واختلفوا في هذه المصادر أهي تثنية يشفع بها الواحد أم تثنية يراد ما التكثير: فذهب السيرافي وجماعة إلى أنها يراد بها التكثير ومداومة الفعل، كقوله تعالى ﴿ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾، أي: كرات؛ لأن البصر لا ينقلب خاسئا وهو حسير من كرتين ثنتين، وكنى بالتثنية عن الكثير، كما كني عن الكثير بالثتين /في قولهم: إياك ثم إياك، قال السيرافي: ((وأصل التثنية العطف، وقد وجدناهم يريدون بعطف التثنية التكثر، كقولهم: جاؤوا رجلا رجلا، وادخلوا الأول فالأول، وأولآ فأولآ، ومرادهم في ذلك تكرير الشيء أبدا حتى يفنى بالغا ما بلغ، فكذلك أرادوا ... تثنية هذه المصادر)).

стр. 2232

وذهب بعض النحويين إلى ألها تثنية حقيقية يشفع بها الواحد، فالمراد: حنان موصول بآخر، ومساعدة موصولة بأخرى، ولزوم طاعة موصول بآخر. وأما دواليك وهذاذيك فثنيا لأن المدوالة المشبهة بداوليك من اثنين. وكذلك الهذ المشبه بهذاذيك في البيت من اثنين، أي: هذا منا وهذا منهم، ومداولة منا مثل مداولتك، فجاء المصدران لذلك مثنيين حتى يكون المشبه وفق المشبه به. وإلى نحو من هذا ذهب السهيلي، زعم في حنانيك أن المراد رحمة في الدنيا ورحمة في الآخرة، وفي لبيك إجابة في امتثال الأوامر وإجابة في الازدجار عن المناهي. وهذا الذي ذهب إليه لا يطرد له، بل يستعمل /العرب ذلك في المخلوق الذي ليس له أخرى يرحم فيها، ويتكلم بذلك من لا يعتقد أخرى؛ ألا ترى إلى طرفة بن العبد - وهو جاهلي - يخاطب عمرو بن هند، وهو جاهلي أيضا: ................................... حنانيك، بعض الشر أهون من بعض فليس المعنى على أنه يطلب منه رحمة في الدنيا ورحمة في الآخرة. والكاف في لبيك وسعديك وحنانيك الواقع موقع الفعل الذي هو خبر في موضع المفعول؛ لأن المعنى: لزوما وانقيادا لطاعتك، ومساعدة وانقيادا لما تحبه. ومعنى قول العرب سبحان الله وحنانيه: أسبح الله وأسترحمه. والكاف في هذاذيك ودواليك وحنانيك إذا وقعت موقع الطلب في موضع الفاعل، كأنه قال: هذك ومداولتك وفي قول طرفة ((حنانيك)) كأنه قال: تحننك.

стр. 2233

وزعم أبو الحجاج الأعلم أن الكاف حرف خطاب، فلا موضع لها من الإعراب، كهي في أبصرك والنجاءك وألستك وذلك، وحذفت النون لشبه الإضافة، ولأن الكاف تطلب الاتصال بالاسم كاتصالها باسم الإشارة، والنون تمنعها من ذلك، فحذفت النون لذلك. واستدل على ذلك أن الكاف إذا جعلت اسما فسد المعنى؛ وذلك أن المصدر إذا أضيف إلى غير فاعل الفعل الناصب له كان مصدرا تشبيهيا، نحو: ضربت ضربك، فالمعنى في البيت: تداولنا مداولتك، أي: مثل مداولتك، وفي سعديك: أجبتك إجابتك، أي: مثل إجابتك وفي لبيك أي: ألزم طاعتك لزومك طاعة غيرك، أي: مثل لزومه، والمعني ليس على المصدر التشبيهي. فإذا كانت الكاف حرف خطاب استقام المعنى. وردوا على الأعلم بأن جعل الكاف حرف خطاب لا ينقاس، وبأن النون لا تحذف لكاف الخطاب؛ ألا ترى إلى قولهم ذانك وتانك. وآما ما ذكره من أنه يلزم أن يكون المصدر تشبيها فقد التزمه بعضهم، وقالوا: يسوغ أن يكون المعنى في سعديك: أجبتك إجابتك لغيرك إذا أجبته، وفي لبيك: ألزم طاعتك لزومك طاعة غيرك إذا لزمها، وفي دواليك: تداولنا مثل مداولتك إذا داولت، ويكون مثل قولهم: دققته دقك بالمنحاز حب الفلفل، المعنى: مثل دقك إذا دققت. والذي يقطع ببطلان مذهب الأعلم مجيء الأسماء الظاهرة وضمير الغيبة مكان الكاف، ولا يمكن أن يقال إن الاسم الظاهر وضمير الغيبة للخطاب، وذلك قولهم:

стр. 2234

........................... ....... فلبي يدي مسور وسبحان الله وحنانيه. وأيضا لم تجئ هذه الكاف حرفا متصلة باسم متمكن. فأما النجاءك/ فاسم فعل غير متمكن. وأما الإضافة فليست على معنى التشبيه، ووجهها أن المصدر لما ناب مناب فعله أضيف إلى ما يتصل بالفعل من فاعل أو مفعول، فحنانيك مضاف إلى الفاعل الراحم إذا قدرته تحنن وارحم، وإذا قدرته استرحامك فإلى المسترحم. وكذلك لبيك وسعديك إلى المجاب المتابع، كقوله: (وعَدَ اللَّهُ) لما ناب مناب وعد الله وعدا أضيف إلي الفاعل، ولو أظهر الفعل لقال: وعد الله وعده؛ إذ يصح إضافة المصدر إلى الفاعل؛ لأنه معلوم أنه لا يضرب زيد أو غيره إلا ضربه، وكذلك هذه المصادر. وانتصاب هذه المصادر المثتاة على المصدر بفعل من لفظها إن استعمل، وإلا فمن معناها كما تقدم. وذهب س إلى أنه يجوز في هذاذيك ودواليك في البيتين المتقدمين الحال، ونصبهما بفعل من غير لفظهما، كأنه قال: نفعله دواليك، أي: مداولة، وتوقعه هذاذيك، أي: هذا. ولا حاجة إلى تكلف كونهما حالين؛ إذ الظاهر أنهما مصدران في البيتين. وزعم ابن خروف وابن عصفور أنه إنما أجاز س ذلك لأنها مصادر تشبيهية، والمعنى: مثل دواليك، ومثل هذاذيك، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، والمعنى على إرادته، فكما أن مثلا وإن كان مضافا إلى معرفة نكرة فكذلك ما أقيم

стр. 2235

مقامه، إلا أن القائم مقام مثل لا يجري مجرى مثل عند س إلا في الشعر، فلذلك أجاز ذلك في الشعر س، ومثل ذلك قول الشاعر: تأتي المقيم وما سعى حاجاته عدد الحصي، ويخيب سعي الطالب ... نصب عدد الحصى علي الحال- وهو مضاف إلي الحصى، وهو معرفة - إجراء له مجرى مثل؛ لأن المعنى: مثل عدد الحصي. وقد منع س ذلك في مسالة: ((له صوت صوت الحمار))، وهو أن يكون صوت الحمار صفة ل ((صوت)) على تقدير مثل. ورد على الخليل إجازته، ولذلك قال س ثم: ((وهو قبيح لا يجوز إلا في موضع الاضطرار)). وهذا الذي اعتذر به ابن خروف وابن عصفور عن س ليس بشيء؛ لأن التشبيه لا يكون في المصدر إلا إن انتصب نصب المصدر، أما إذا انتصب نصب الحال فلا يكون تشبيهيا؛ لأن الحال لا تكون تشبيهية، لا يقال: جاء زيد ضاحك بني فلان، تريد: جاء زيد ضاحكا مثل ضاحك بني فلان، هذا لا يجوز، وكذلك لا يجوز: جاء زيد مشي بني فلان، وأنت تريد: جاء زيد ماشيا مثل مشي بني فلان. وزعم الأعلم أن س إنما أجاز الحال في دواليك وهذاذيك لكونهما نكرتين؛ إذ الكاف حرف خطاب، وليست باسم قد أضيف /إليه المصدر، وبنى ذلك على مذهبه في أن الكاف حرف خطاب، وقد تقدم ذكر مذهبه والرد عليه. وقد وجه بعض أصحابنا تخريج س ذلك على الحال بأن قال: ((العرب قد نطقت بدواليك وهذاذيك في البيتين، ويحتمل تخريجها الوجهين، وكلا الوجهين

стр. 2236

لا ينقاس، أعني جل المصدر المعرفة حالا، ووضع المصدر موضع فعله، فلما اجتمعا في أن كل واحد منهما لا ينقاس وتقاربا عنده أجازهما)) انتهى كلامه. وليس الوجهان سواء وإن اشتركا في عدم القياس؛ لأن المصدر ترجح بحمله على نظائره من المصادر المثناة، وهي لبيك وسعديك، وحذاريك، وحجازيك. وذكر صاحب البسيط في هذه الأسماء المثناة حواليك، فقال: ((وأما حواليك فبمعنى الإقامة والقرب، فكأنه أراد الإحاطة من كل جهة؛ لأنه يقال: أحواله. ويحتمل أنه يريد إطافة بك بعد إطافة، وليس له فعل من لفظه. ويجوز نصبه على الظرف لأنه بمعناه، وعلى الحال أيضا)) انتهى. وقال أيضا: ((وقد جاء منه في الأمر، تقول حذاريك، أي: ليكن منك حذر بعد حذر، كما قلت ذاك في الخبر والدعاء)) انتهى. قال المصنف في الشرح: ((وقد يغني عن لبيك لب مفردا مكسورا، جعلوه اسم فعل بمعنى أجيت)) انتهى. وليس باسم فعل كما زعم المصنف، وإنما هو مصدر مبني على الكسر، وقد تقدم من قول س إنه مفرد لبيك، فانتصابه على المصدر كما أن انتصاب لبيك على المصدر، ويكون في معنى إجابة لا في معنى أجبت. ويقطع بكونه ليس باسم فعل إضافته، قال الشاعر: دعوني، فيا لبي إذا هدرت لهم ............................................... البيت. وإنما غر المصنف في ذلك - والله أعلم - أنه لما رأى النحويين قدروه أجبت اعتقد أنه اسم فعل؛ وإنما فسروا العامل في هذا المصدر لا المصدر، كما

стр. 2237

فسروا عامل حنانيك بتحنن. قوي ذلك عنده أن اسم الفعل لا عامل له، ولا تتسلط عليه العوامل لقيامه مقام ما لا يحتاج إلى عامل. ومذهب س وغيره أن اسم الفعل في موضع نصب بعامل مضمر، وقد ذكرنا الخلاف في ذلك في شرح ((باب أسماء الأفعال والأصوات)) من هذا الكتاب. وقوله او لكونه بدلا من اللفظ بفعل مستعمل في طلب قال المصنف في الشرح: ((منه مضاف، نحو: غفرانك، و ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾. ومنه مفرد، وهو اكثر من /المضاف، وليس مقيسا عند س مع كثرته، وعند الفراء والأخفش مقيس بشرط إفراده وتنكيره، نحو: سقيا له ورعيا، وجدعا لعدوك، وتعسا، ومنه قول الشاعر: سقيا لقوم لدينا هم وإن بعدوا ... وخيبة للألي وجدانهم عدم ومثله في الأمر: فصبرا في مجال الموت صبرا ... فما نيل الخلود بمستطاع ومثله في النهي: قد زاد حزنك لما قيل: لا حربا ... حتي كأن الذي ينهاك يغريكا)) انتهى كلامه. وذكر اصحابنا هذه المصادر الموضوعة موضع فعل الدعاء، ولم يفصلوها فيذكروا منها ما العامل فيه فعل من معناه لكونه لم يستعمل منه فعل في مكان، وما

стр. 2238

العامل فيه فعل من لفظه لكونه استعمل منه فعل في مكان، كما فعله المصنف؛ بل أوردوا ذلك إيرادا واحدا، فقالوا ما لخصته من كلامهم: ((المصادر المستعملة في الدعاء للإنسان أو عليه تنتصب بفعل من لفظ المصدر إن كان له فعل من لفظه، وإلا فمن معناه)). قالوا: ((وهي سقيا ورعيا، وخيبة، وجدعا وعقرا، وسحقا، وبعدا، وأفة وتفة ودفرا ونعسا وبؤسا ونتنا وبهرا)). قالوا: ((وقد يجوز أن يكون مالا يستعمل منه فعل منصوبا بفعل من لفظه إلا أنه لم يستعمل إظهاره)). وباب هذه المصادر أن تكون متعدية، وقد تجيء لازمة، فإن لم يجئ بعدها مجرور فالنصب، أو جاء نحو سقيا لك فكذلك، وقد جاء بعضها في الشعر مرفوعا، قال: أقام، أقوي ذات يوم، وخيبة ... لأول من يلقي، وشر ميسر فإن رفعت فالمجرور خبر لها، وإن نصبت فهو خبر ابتداء مضمر، أي: هذا الدعاء له، ولا يجوز أن يكون معمولا للمصدر؛ لأنه يلزم أن تقول: سقيا إياك، لا لك، كما تقول: سقاك الله، لا: سقى لك. ولا تستعمل هذه المصادر مضافة إلا في قبيح من كلام، بل إذا اضيفت فالنصب حتم، ومما جاء منها مضافا بعدك، وسحقك، أنشد الكسائي: إذا ما المهاري بلغتنا بلادنا ... فبعد المهارى من حسير ومتعب وفي البسيط: مما له فعل من لفظه: متعد، نحو: سقيا ورعيا، أي: سقاك الله سقيا، إذا دعوت له. وجدعا وعقرا، أي: جدعه الله، وهو القطع في الأنف، إذا

стр. 2239

دعوت عليه. ولازم: بعدا، وسحقا، وتعسا، ونكسا، وبؤسا. والتعس:/ ألا ينتعش من عثرته، والنكس: الرجوع في المرض وكذاك: خيبة، وجوعا ونوعا، وتبا، أي: خسرانا، كأنك قلت: بعد، وجاع، وتعس، ونكس، وخاب، وتب. وما ليس له فعل من لفظه: دفرا، أي: نتنا، وأفة وتفة كذلك، أو قذرا؛ لأن الأفة وسخ الأذن، والتفة وسخ الأظفار. وبهرا، أ: تبا في قول س، ولم ينطق له بفعل في هذا المعني، وأنشد: تفاقد قومي إذ يبيعون مهجتي ... بحارية، بهرا لهم بعدها بهرا وقيل: كون بمعني التعجب، نحو قوله: ثم قالوا: تحبها؟ قلت: بهرا ... عدد الرمل والحصي والتراب وقيل: معناه جهرا لا أكاتم، من قوله بهرني الشئ: غلبني، والقمر الباهر أي: الغالب ضوءه. ويحتمل أن يكون هنا بمعني التب، كأنه قال: تبا لهم، لما انكروا عليه حبها، لأن قولهم ((تحبها)) على الانكار. ومنه قولهم: مرحبا وأهلا وسهلا، أي: رحبت بلادك، وأهلت أهلا وسهلت سهلا. ويحتمل إضمار المصادفة. ومذهب الأخفش والمبرد أنه قياسي في الدعاء، فتقول: ضربا له، أي: ضربه الله، وحذف، وقتلا، ونحوه؛ لأن هذا قد كثر فيها، وفهم المعني. قال شيخنا: ويظهر من قول س أنه ليس بقياس؛ لأنه منع القياس في الأسماء المنصوبة علي الدعاء، نحو: تربا وجندلا، وكذلك هذه لأنهما مفعولات بمنزلتها،

стр. 2240

ويعضده القياس؛ لأن جعل الاسم في موضع الفعل ليس بقياس، وهذه قد جعلت بمعنى الفعل، فلا يكون قياسا. قلت: والفرق ظاهر؛ لأن المصدر له دلالة بلفظه على فعله، فكأن الفعل مذكور، وليس كذلك الأسماء، ولأن س قد جعل أسماء الأمر من الثلاثي قياسا، وهو أبعد من هذا، وينبغي أن يفصل فيقال: ما كان منها لها أفعال من لفظها فلا يبعد فيها القياس، وأما ما لم يكن لها فلا قياس فيها. ويدل عليه كون ارفع فيها، نحو: ويح، وويل، ولا يكون النصب أو يقل. قالوا منه: سلام عليك، فرفعوا ليس إلا، ولعنة الله عليه، وهو على فعل من لفظه. وبهذا استدل س على أن استعمالها سماع. انتهى ملخصا. وقد أدخل المصنف فيما هو منصوب بفعل مستعمل وهو بدل من اللفظ بالفعل غفرانك، واتبع في ذلك أبا القاسم الزجاجي. ورد علي الزجاجي ذلك. وقيل: هي من قبيل ما ينتصب بإضمار فعل، ويجوز إظهاره. واضطرب/في غفرانك كلام الأستاذ أبي الحسن بن عصفور، فمرة قال: هي منصوبة بفعل لا يجوز إظهاره، وعدها مع سبحان. ومرة قال: إنما منصوبة بفعل يجوز إظهاره. واختلفوا في الفعل الناصب لها، أهو بمعنى الطلب أم هو بمعنى الخبر:

стр. 2241

فذهب الزجاج- ونسبه السجاوندي إلى س- إلى أن التقدير: اغفر غفرانك. وقال الزمخشري: «غفرانك منصوب بإضمار فعل، يقال: غفرانك لا كفرانك، أي: نستغفرك ولا نكفرك». فعلى التقدير الأول الجملة طلبية، وعلى التقدير الثاني الجملة خبرية. وأجاز بعض النحويين أن ينتصب على المفعول به، أي: نطلب أو نسأل غفرانك. وجوز بعضهم فيه الرفع على الابتداء أو إضمار الخبر، أي: غفرانك بغيتنا. وقد خلط المصنف في شرحه بين ما هو مصدر بمعنى فعل الأمر وبين ما هو مصدر يراد به الدعاء، كقوله: سقياً لك، و: فصبراً في مجال الموت صبراً .................. وغيره من النحويين ذكروا كل واحد منهما وحده، لكن المصنف لما رآهما قد اشتركا في الطلب خلطهما في كلامه. وقال المصنف: «ومثله في النهي:

стр. 2242

قد زاد حزنك لما قيل: لا حرباً ...............» سمى هذا نهياً، ويريد- والله أعلم- أن المعنى على النهي، فهو تفسير معنى لا تفسير إعراب، ولا يجوز أن يكون تفسير إعراب؛ لأن «لا» التي للنهي من خصائص المضارع، فلا تدخل على الاسم، ولا يجوز أن يدعى أن فعلها محذوف وأن التقدير: لا يحرب حرباً؛ لأن فعل «لا» التي للنهي لا يجوز حذفه. والذي نختاره أن «لا» للنفي، ودخلت على حربٍ، فنفته، وهو مبني على الفتح معها، ونون ضرورة كما نونوا: سلام الله يا مطر عليها ........................ وهو نفي معناه النهي، كما جاء قوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ نفياً معناه النهي على أحد التأويلين. وقوله أو خبر إنشائي أو غير إنشائي قال المصنف في الشرح: «والوارد منه في خبر إنشائي نحو: حمداً وشكراً لا كفراً، وعجباً، وقسماً لأفعلن» انتهى. وقد تجوز المصنف في قوله «أو خبر إنشائي» لأن الخبر هو ما يحتمل الصدق والكذب لذاته، والإنشاء لا يحتمل الصدق والكذب، وكأنه يعني أن صورته صورة الخبر، والمعنى على الإنشاء. وما ذكره المصنف من أن حمداً وشكراً وعجباً إنشاء غير موافق عليه من بعض أصحابنا، قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: «حمداً وشكراً وعجباً ثلاثتها

стр. 2243

قائمة مقام أفعالها الناصبة لها، أي: أحمدك حمداً، وأشكرك شكراً، وأعجب/عجبا، وتفارق ما قبلها- يعني ويله وأخواتها- في أن معناها الخبر، وما قبلها معناه الدعاء، وتفارق سبحان الله وأخواتها- وإن كان معناها الخبر- من جهة أنها تتصرف، فتستعمل مرفوعة، نحو قوله: عجب لتلك قضية، وإقامتي فيكم على تلك القضية أعجب وتلك لا تتصرف». فظاهر كلام الأستاذ أبي الحسن أنها خبر لا إنشاء. وقد سردها س مع ما هو خبر، فقال: «هذا باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره. من ذلك قولك: حمداً وشكراً لا كفراً، وعجباً، وأفعل ذلك وكرامة ومسرة ونعمة عين، وحبا ونعام عين، ولا أفعل ذلك ولا كيداً ولا هما، ولأفعلن ذلك ورغماً وهواناً، فإنما ينتصب هذا على إضمار الفعل، كأنك قلت: أحمد الله حمداً، وأشكر الله شكراً، وكأنك قلت: أعجب عجباً، وأكرمك كرامة، وأسرك مسرة، ولا أكاد كيداً، ولا أهم هما، وأرغمك رغماً». ثم قال س: «وقد جاء بعض هذا رفعاً، يبتدأ ثم يبنى عليه». وأنشد س: عجب لتلك قضية .......... ... .......................... البيت. قال: «وسمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال له: كيف أصبحت؟ فيقول: حمد الله وثناء عليه، كأنه قال: أمري وشأني حمد الله وثناء عليه» انتهى.

стр. 2244

فظاهر كلام س وما قرره ابن عصفور يدل على أن ما ذكره المصنف من أنه إنشائي ليس كذلك، بل هو خبر. وقد ذهب الأستاذ أبو علي إلى أن قوله حمداً وشكراً لا كفراً يراد به الإنشاء، كما ذهب إليه المصنف، فقال: إن قلت: كيف قال إن هذا لا يظهر فعله، ولا شك أنه يجوز أن تقول: حمدت الله حمداً، وأحمده حمداً؟ فالجواب: إنما تكلم س في حمداً الذي هو نفس الحمد- أعني الذي هو صيغة الإنشاء للحمد- وهذا لا يظهر معه الفعل، بل يتعاقبان، والذي أورده المعترض إنما هو محض الخبر عن الحمد لا نفس الحمد. وقال أبو عمرو بن تقي: قوله- يعني س- حمداً وشكراً لا كفراً كذا يتكلم بالثلاثة مجتمعة، وقد تفرد، وقوله عجباً مفرد عنها. وقال ابن عصفور: لا يستعمل كفراً إلا مع حمداً أو شكراً، ولا يقال أبداً حمداً وحده أو شكراً إلا أن يظهر الفعل على الجواز، ولا يلتزم الإضمار إلا مع لا كفراً، فهذه الأمور لما جرت مجرى المثل ينبغي أن يلتزم فيها ما التزمته العرب. وقال س: «مما ينتصب على إضمار الفعل/المتروك إظهاره، ولكنه في معنى التعجب- قولك: كرماً وصلفاً، كأنه يقول: ألزمك الله». ثم قال: «لأنه صار بدلاً من قولك: أكرم به وأصلف». قال المصنف في الشرح: «هذا أيضاً مما يتناوله الخبر الإنشائي» انتهى.

стр. 2245

وتفسير س العامل بقوله «ألزمك الله» هو تفسير من حيث المعنى؛ لأنه لا يتعجب إلا مما صار للإنسان كالسجية إذ كثر ذلك منه. وقال بعض أصحابنا: «تنتصب بفعل من لفظها مضمر، تقديره: لكرم كرماً ولصلف صلفاً، ولم يظهر الفعل لنيابة المصدر منابه وتحمله الضمير، ولذلك قلنا إنه انتصب بكرم لأنه من أبنية التعجب؛ لأن أبنية التعجب ليس منها ما له مصدر إلا فعل» انتهى. وقوله أو غير إنشائي مثل المصنف في الشرح ذلك بقولك في وعد من يعز عليك: أفعل وكرامة ومسرة، وكقولك للمغضوب عليه: لا أفعل ولا كيداً ولا هما، ولأفعلن ما يسوءك، ورغماً وهواناً. انتهى. وهو بعض مثل س. ولا يكون «أفعل ذلك وكرامة» إلا جواباً أبداً، وكأن قائلاً قال: افعل كذا، أو: أتفعله؟ فقلت: أفعله وأكرمك بفعله كرامة وأسرك مسرة، ولا يستعمل مسرة إلا بعد كرامة. وكذا نعمى عين بعد حبا، لا يقال: مسرة وكرامة، ولا: نعمى عين وحبا. وحذف الفعل لأنه أبلغ من ذكره؛ إذ الفعل إنما يدل على زمان مخصوص، والمصدر مبهم، فكان أبلغ، ولما يرى المخاطب من حاله الدالة على ذلك. ويمكن أن يكون ما بعد الواو إنشاء. و «كرامة» هذا اسم موضوع موضع المصدر الذي هو الإكرام، كالعطاء مع الإعطاء. وكذلك نعمة عين، ونعام عين، وهو بفتح النون وضمها وكسرها،
следующие страницы →