Полный текст (3 950 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
وقوله وأسماء أعيان كترباً وجندلاً انتصاب هذا على تقدير: ألزمك الله، أو أطعمك ترباً وجندلاً، قال س: «واختزل الفعل هنا لأنهم جعلوه بدلاً من قولك: تربت يداك»، ويعني س أنه لا يقال ترباً إلا في المعنى الذي يقال فيه: تربت يداك، لا أن تربت يداك هو الناصب لترباً؛ لأنه ليس بمصدر.
ويجوز رفعه على الابتداء، و «لك» الخبر، قال الشاعر:
لقد ألب الواشون ألباً بجمعهم ... فترب لأفواه الوشاة وجندل
وهو في الرفع بمعنى النصب من الدعاء.
ولا ينقاس الرفع في أسماء الأعيان التي يدعى بها، لو قلت: فوها لفيك، على قصد الدعاء- لم يجز. ولا تعريفها بالألف واللام؛ لأن الدعاء بالاسم قليل، والألف واللام للاسم الذي لم يوضع موضع الفعل.
وفي البسيط: «وقد أدخلوا هنا الألف واللام، كما فعلوا في المصدر رفعاً ونصباً، فقالوا: الترب له، والترب له» انتهى.
ولا يقاس هذا الباب، لا يقال: أرضاً، ولا جبلاً، بهذا المعنى.
وقوله وفاها لفيك الضمير في فاها للداهية، قاله س. ويستعمل هذا في معنى: دهاه الله. وإنما قال لفيك لأن فم الإنسان في غالب أحواله منه يكون هلاكه، إما بأن يتكلم فيجني عليه كلامه، وإما أن الأغذية إنما تتوصل لهلاكه من فيه.
стр. 2277
وجعل بعضهم الضمير في فاها عائداً على الخيبة. وانتصب فاها بإضمار فعل، تقديره: ألزم الله فاها لفيك، وجعل الله فاها لفيك، وأنشد س:
/فقلت له: فاها لفيك، فإنها قلوص امرئ، قاريك ما أنت حاذره
وقوله وأأعور وذا ناب قال المصنف في الشرح: «ومن نيابة المفعول به عن فعل الإنكار قول رجل من بني أسد: «يا بني أسد، أأعور وذا ناب»؟ يريد: أتستقبلون أعور وذا ناب، وذلك في يوم التقى فيه بنو أسد وبنو عامر، فرأى بعض الأسديين بعيراً أعور، فتطير، وقال لقومه هذا الكلام، فقضى أن قومه هزموا، وقتل منهم» انتهى.
ويعرف هذا اليوم الذي التقيا فيه يوم جبلة، وكان بنو عامر قد جعلوا في مقدمتهم عند اللقاء جملاً أعور مشوه الخلق ذا ناب، وهو المسن، فعلوا ذلك ليتطير به الآخرون، فيكون ذلك سبباً لانهزامهم، فلما رأوه قال بعضهم: أأعور وذا ناب؟ أي: أتستقبلون هذا، وأنكر عليهم استقبالهم إياه، فلم يسمعوا منه، فهزموا، كأنه تطير بالناب، وتفاءل منه غماء وشدة، وبالعور؛ لأنه نقصان وتعور أمر، وكأنه قال: أتستقبلون من الأمر ما فيه عور وشدة، هذا تفسير المعنى، وتفسير الإعراب ما ذكره س، فانتصب على أنه مفعول به، والعرب تكره البعير الأعور إذا رأته في عسكر عدوها. وقيل: إنهم لقوا بعيراً أعور وكلباً. وقيل: بل البعير كان
стр. 2278
له ناب طويلة. قال س: «ولو قال أعور وذو ناب كان مصيباً» انتهى. وارتفاعه على مبتدأ مضمر يقدر فيه ما يصلح للمعنى، أي: مستقبلكم، أو مقابلكم، أو مصادفكم أعور.
وقوله والأصح كون الأسماء مفعولات والصفات أحوالاً أما الخلاف في الصفات فقد تقدم الكلام فيه، وأن المبرد يزعم أنها مصادر جاءت على وزن الصفة، وتقدم الرد عليه. وأما الأسماء التي هي: ترباً وجندلاً، وفاها لفيك، وأعور وذا ناب- فقد قدر س لها عوامل تنصبها نصب المفعول به، وهو الذي اختار المصنف، وهو تأويل الأكثرين.
وذهب الأستاذ أبو علي وغيره إلى أن ترباً وجندلاً ينتصب كنصب المصادر؛ لأنها وإن كانت جواهر فقد وقعت موضع المصادر؛ لأن هذا المعنى كثر فيها، فلذلك قدرها س بألزمك الله، أو أطعمك، ثم قال: «لأنهم جعلوه بدلاً من تربت يداك». فالأول هو التقدير الأصلي، والثاني هو الطارئ الذي قلناه. وكذلك قدر في جندلاً فعلاً من لفظه ينتصب عليه، ولذلك تدخل فيه اللام، فتقول: ترباً لك، كما تقول: سقياً لك، وقصته قصته. وأما «أعور وذا ناب» فقد تقدم تقدير س له: أتستقبلون أعور وذا ناب، فظاهرة ما ذهب إليه المصنف /من أنه منصوب على المفعول به.
стр. 2279
وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: قول س «أتستقبلون أعور» مشكل؛ لأن الأسماء التي ذكر في هذا الباب أحوال مبينة.
وقال الأستاذ أبو الحسن بن خروف: ظاهره أنه مفعول، ولم يرد ذلك، إنما قاله على جهة التفسير والبيان، وحقيقة التقدير فيه: أتستقبلونه أعور وذا ناب، ولم يذكر في الباب مفعولاً، فإنما أراد ما يظهر في التفسير، ولم يقصد الإعراب ولا إلى الفعل الذي هذا الاسم بدل منه.
وقال ابن عصفور: يتخرج ذلك على وجهين: أحدهما أن يكون تفسير معنى، وإنما أراد: أتستقبلونه أعور، وإذا استقبلوه أعور فقد استقبلوا الأعور. والثاني أن يكون حذف المفعول اقتصاراً أو اختصاراً، فيكون تفسير إعراب.
وقد خلط المصنف في جمعه بين ترباً، وجندلاً، وفاها لفيك، وبين أعور وذا ناب، فذكرهما في فصل واحد، وس ذكر الثلاثة الأول في «باب ما جرى من الأسماء مجرى المصادر التي يدعى بها»، وذكر أعور وذا ناب في «باب ما جرى من الأسماء التي لم تؤخذ من الفعل مجرى الأسماء التي أخذت من الفعل»، فذكر في هذا الباب: أتميميا مرة وقيسياً أخرى، وأأعور وذا ناب، وقول الشاعر:
أفي السلم أعياراً جفاء وغلظة ... وفي الحرب أشباه النساء العوارك
стр. 2280
وقول الآخر:
أفي الولائم أولاداً لواحدة ... وفي العيادة أولاداً لعلات
ويجوز النصب في الخبر أيضاً، فتقول: تميميا مرة وقيسياً أخرى، وأنشد يعقوب:
هلا غير عمكم ظلمتم ... إذا ما كنتم متظلمينا
عفاريتاً علي وأكل مالي ... وجبناً عن رجال آخرينا
ويجوز ارتفاع ذلك، فتقول: أتميمي مرة وقيسي أخرى؟ على إضمار مبتدأ، التقدير: أأنت تميمي مرة.
стр. 2281
-[ص: باب المفعول له
وهو المصدر المعلل به حدث شاركه في الوقت ظاهراً أو مقدراً، والفاعل تحقيقاً أو تقديراً. وينصبه مفهم الحدث نصب المفعول به المصاحب في الأصل حرف جر، لا نصب نوع المصدر، خلافاً لبعضهم.]-
ش: مناسبة هذا الباب لما قبله أنه لما ذكر في الباب قبله المصدر وجملة من أحكامه ذكر المفعول له؛ لأن من شرطه على الأشهر أن يكون /مصدراً، ولأن بعضهم قد ذهب إلى أنه ينتصب انتصاب المصدر على ما سنذكره إن شاء الله.
وقوله وهو المصدر هذا جنس يشمل المفعول له وغيره، وتظافرت النصوص من النحويين على اشتراط المصدرية في المفعول له، وذلك أن الباعث إنما هو الحدث لا الذوات. وزعم يونس أن قوماً من العرب يقولون: أما العبيد فذو عبيد، بالنصب، وتأوله على المفعول له وإن كان العبيد غير مصدر. وقبح ذلك س، وإنما أجازه على ضعفه إذا لم ترد عبيداً بأعيانهم، فلو قلت: أما البصرة فلا بصرة لك، وأما الحارث فلا حارث لك، لم يجز لاختصاصها. وقدر الزجاج في نصب العبيد تقدير الملك ليصيره إلى معنى المصدر، كأنه قال: أما تملك العبيد، أي: مهما تذكره من أجل تملك العبيد، وهذا كله مراعاة للمصدر.
стр. 2282
والمصدر إن كان أجنبياً عن مصدر العامل بحيث لا يصدق عليه باعتبار مجازي فاللام، نحو: فعلت ذلك لأمر الله، وتركته لزجرك، ومنه ﴿الرحمن الرحيم صدق الله﴾، إلا أن يكون مسبوكاً بأن وأن، نحو: (لبيك أن الحمد والنعمة لك)، وقوله:
أتغضب أن أذنا قتيبة حزتا ........................
وقد حكي عن أبي علي جوازه، فتقول: جئتك ضرب زيد، أي: لضرب زيد، وقاسه على: جئتك طمعاً في الخير. وقيل: هو باطل؛ لأن الطمع فعل الجائي وإن كان لا يصدق عليه المجيء، بخلاف الضرب.
وإن لم يكن أجنبياً حذفت اللام، نحو: ضربته تقويماً وتأديباً، وقعدت عن الحرب جبناً؛ ألا ترى أنه يصدق أن يقال: ضربي له تقويم، وقعودي عن الحرب جبن، كقوله: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾، انتهى ملخصاً من البسيط.
وقوله المعلل به حدث احترز به مما ينتصب من المصادر لا يعلل به حدث، كقولك: قعدت جلوساً، ورجع القهقرى.
وقوله شاركه في الوقت ظاهراً مثاله: ضربت ابني تأديباً، فالفعل المعلل في هذا المثال ملفوظ به.
стр. 2283
وقوله أو مقدراً مثاله ما جاء في حديث محمود بن لبيد الأشهلي: «قالوا ما جاء بك يا عمرو؟ أحدباً على قومك أم رغبة في الإسلام»، الحدث المعلل به هنا مقدر، تقديره: أجئت حدباً على قومك.
وقوله والفاعل تحقيقاً مثاله أن تذكر الفاعل ظاهراً أو مضمراً.
وقوله أو تقديراً مثاله أن يحذف الفاعل لبعض أسباب الحذف، ويبنى الفعل للمفعول، كقولك: ضرب الصبي تأديباً، فهذا يقدر أن الضارب هو المؤدب حتى يتحد الفاعل.
قال بعض النحويين: «شرطوا في نصبه أربعة شروط: أن / يكون مصدراً، وعلى غير لفظ الفعل الأول، وسبباً له أو مسبباً عنه، وفاعلهما واحد. فالأول قد نص عليه س بقوله: «ما ينتصب من المصادر». وعلى الثاني بقوله: «وليس منه»، وعلى الثالث بقوله: «لأنه عذر له»، والعذر يكون سبباً ومسبباً. وعلى الرابع بقوله: «لأنه موقوع له». وإنما كان مصدراً لأنه علة، ولا يكون إلا معنى، ولو كان من لفظ الأول لانتصب انتصاب الأول لا السبب، ولو لم يكن عذراً لانتصب انتصاب: أتيته ركضاً. ولو كان فاعلهما مختلفاً لبطل الربط بينه وبين الفعل الأول، فلم يصح نصبه لأن الرابط إما لفظي أو معنوي، فاللفظي حرف الجر، وهو معدوم في النصب، فلم يبق إلا المعنوي، وهو ما ذكرنا». انتهى كلامه.
стр. 2284
وزاد بعض النحويين في الشروط أن يكون المصدر غير نوع للفعل؛ إذ قد يكون المصدر من نوع الفعل وغير نوعه، فمثال ما تحرز منه: جاء زيد ركضاً، فإنه إذا قصد بهذا أن يكون باعثاً على الفعل فلا بد من اللام.
وزاد بعض المتأخرين شرطاً آخر، وهو أن يكون من أفعال النفس الباطنة، ولا يكون من أفعال الجوارح الظاهرة، نحو: جاء زيد خوفاً، ورغبة، ولو قلت جاء زيد قراءة للعلم، وقتالاً للكافر، تريد جعل ذلك مفعولاً له- لم يجز لأنه من الأفعال الظاهرة.
وزاد بعضهم أيضاً ألا يكون المصدر من لفظ العامل، نحو: أجللتك إجلالاً.
وإنما امتنع ذلك لأن الشيء لا يكون علة لوقوع نفسه.
ويمكن رد جميع هذه الشروط التي زيدت إلى معنى الشروط التي تقدمت.
وقوله وينصبه مفهم الحدث نصب المفعول به المصاحب في الأصل حرف جر هذا مذهب س وأبي علي الفارسي، وهو الصحيح بدليلين:
أحدهما: أنك إذا أضمرت المصدر المنصوب على أنه مفعول من أجله وصل الفعل إلى ضميره باللام، نحو: ابتغائي ثواب الله هو الذي تصدقت له، فدل الوصول للضمير باللام على أن الأصل أن يصل إلى الظاهر باللام؛ لأن المضمرات كثيراً [ما] ترد الأشياء إلى أصولها.
والدليل الثاني: ما ذكره س وأبو علي من أنه في جواب لمه، والجواب أبداً على حسب السؤال في مختار كلامهم، فينبغي في جواب من قال: لم ضربت
стр. 2285
زيداً؟ أن يجاب بضربته للتأديب، إلا أنه أسقط اللام ونصبه لشبهه بالمصدر؛ ألا ترى أنه دخل معنى ضربت زيداً تأديباً: أدبت زيداً بضربي له تأديباً، فانتصب لذلك؛ إذ الفعل قد تعدى تعدية الفعل الذي في معناه، ولذلك إذا انخرم شرط تعدى الفعل إليه بحرف السبب.
وذهب الكوفيون إلى أنه ينتصب انتصاب المصادر، وليس على إسقاط الحرف، ولذلك لم يترجموا له استغناء بباب المصدر عنه، وكأنه عندهم من قبيل المصدر المعنوي، فإذا قلت ضربت زيداً /تقويماً له فكأنك قلت: قومت زيداً بضربي له تقويماً، وإذا قلت جئتك إكراماً لك فكأنك قلت: أكرمك بمجيئي لك إكراماً، وكذلك يتقدر عندهم كل ما جاء من هذا النوع. وكأن الذي حملهم على ذلك أنهم رأوا العامل إذا وصل إلى معمول بحرف الجر لم يجز حذف الحرف ووصول الفعل بنفسه باطراد إلا مع أن وأن لطولهما بالصلة؛ أو في ظرف الزمان والمكان، فلما رأوا المفعول له يصل إليه الفعل بنفسه باطراد، ولم يفهموا سبباً لذلك- حملوه على ما ذكرناه، ولم يحملوه على أنه منصوب بعد إسقاط حرف العلة.
وقوله لا نصب نوع المصدر، خلافاً لبعضهم هذا المذهب نسبه المصنف إلى الزجاج، فقال في النسخة القديمة من هذا الكتاب: خلافاً للزجاج، وقال في النسخة القديمة من شرحه لهذا الكتاب: «وزعم الزجاج أن المفعول له منصوب نصب نوع المصدر، ولو كان كذلك لم يجز دخول لام الجر عليه كما لا تدخل على الأنواع، نحو: سار الجمزى، وعدا البشكى، ولأن نوع المصدر يصح أن يضاف إليه كل، ويخبر عنه بما هو نوع له، كقولك: كل جمزى سير، ولو فعل
стр. 2286
ذلك بالتأديب والضرب من قولك ضربت تأديباً لم يصح، فثبت بذلك فساد مذهب الزجاج».
وقال ابن عصفور: وذهب الزجاج إلى أن المصدر في المثل المذكور منصوب بفعل مضمر من لفظه، فالتقدير عنده في قولك جئت إكراماً لك: أكرمتك إكراماً، فحذف الفعل، وجعل المصدر عوضاً من اللفظ به، ذكر ذلك في «المعاني» له.
وما ذكره أبو موسى الجزولي من أن أبا إسحاق يرى أن المفعول له ينتصب انتصاب المصدر الملاقي للفعل في المعنى دون الاشتقاق كما ذهب إليه الكوفيون وهم، وكأن أبا إسحاق امتنع من أن يجعله منصوباً على إسقاط الحرف لما ذكرناه قبل، يعني في اعتلال الكوفيين لذلك.
قال ابن عصفور: «ورأى أيضاً أن المصدر إنما ينتصب بعد فعل من لفظه، نحو: قمت قياماً، أو من معناه، نحو قوله:
...................... ... ...... وآلت حلفة ..........
ورأى أن الإكرام ليس من لفظ المجيء ولا معناه؛ إذ قد يكون المجيء إليه إكراماً وغير إكرام، فجعله منصوباً بفعل من لفظه، وجعل المصدر عوضاً من اللفظ بذلك الفعل، ولذلك لم يظهر» انتهى.
وقال المصنف في النسخة الجديدة من شرح هذا الكتاب ما معناه: «إن الذي ذهب إلى أنه انتصب انتصاب نوع المصدر- وهو بعض المتأخرين- قال: وقد نسب إلى الزجاج، وليس بصحيح، بل مذهبه مذهب س» انتهى.
стр. 2287
وما ذكره ابن عصفور عنه ليس هو مذهب س؛ لأن مذهب س أنه منصوب بالفعل قبله الذي هو علة له بعد إسقاط الحرف، ومذهب /الزجاج أنه منصوب بفعل مضمر من لفظه واجب الإضمار، وقال: «نص على ذلك في كتاب المعاني له»، فقد اختلف نقل المصنف ونقل ابن عصفور عن الزجاج.
-[ص: وإن تغاير الوقت، أو الفاعل، أو عدمت المصدرية- جر باللام أو ما في معناها. وجر المستوفي لشروط النصب مقروناً بـ «أل» أكثر من نصبه، والمجرد بالعكس، ويستوي الأمران في المضاف. ومنهم من لا يشترط اتحاد الفاعل.]-
ش: مثال تغاير الزمان قول الشاعر:
فجئت وقد نضت لنوم ثيابها ... لدى الستر إلا لبسة المتفضل
فنضت ماض، والنوم لم يقع، فعدي الفعل إليه باللام لما اختلف الزمان.
وهذا لم يذكر المصنف فيه خلافاً لا في الفص ولا في الشرح. وذكر غيره فيه خلافاً، وأنه من اشتراط المتأخرين كالأعلم، شرط أن يكون مقارناً للفعل في الزمان، قال: ولم يشرط ذلك س ولا أحد من المتقدمين، فيجوز على هذا: أكرمتك أمس طمعاً غداً في معروفك.
стр. 2288
ومثال تغاير الفاعل قول الشاعر:
وإني لتعروني لذكراك هزة ... كما انتفض العصفور بلله القطر
ففاعل تعروني هزة، وفاعل الذكرى الشاعر، أي: وإني لتعروني لذكراي إياك هزة.
وذكر المصنف الخلاف في هذا الشرط بقوله: ومنهم من لا يشترط اتحاد الفاعل.
وقال في الشرح: «وأجاز ابن خروف حذف الجار مع عدم اتحاد الفاعل من كل وجه، وزعم أنه لم ينص على منعه أحد من المتقدمين. قال: ومن حجة من أجازه شبهه في عدم اتحاد الفاعل بقولهم: ضربته ضرب الأمير اللص، فكما نصب الفعل في هذا المصدر وفاعلاهما غيران كذا ينصب جئت حذر زيد؛ إذ لا محذور في ذلك من لبس ولا غيره. وظاهر قول س يشعر بالجواز، قال بعد أمثلة المفعول له: «فهذا كله ينتصب لأنه مفعول له، كأنه قيل له: لم فعلت كذا؟ فقال: لكذا، ولكنه لما طرح اللام عمل فيه ما قبله كما عمل في دأب بكار ما قبله حين طرح مثل»، يشير إلى قول الراجز:
إذا رأتني سقطت أبصارها ... دأب بكار شايحت بكارها
فشبه انتصاب المفعول له بانتصاب المصدر المشبه به، وفاعل المشبه به غير فاعل ناصبه، فكذلك لا يمتنع أن يكون فاعل المفعول له غير فاعل ناصبه، وهذا بين» انتهى.
стр. 2289
وليس هذا ببين؛ لأن س إنما شبهه في أنه نصب على إسقاط الجار كما نصب دأب بكار بعد إسقاط الخافض، وهو مثل، ولا يلزم من ذلك ما ذكره المصنف.
وقال بعض /أصحابنا: اشترط المتأخرون كالأعلم أن يكون فعلاً لفاعل الفعل المعلل، قالوا: فإن لم يكن كذلك فلا بد من اللام أو الباء أو من، ولم يشترط ذلك س ولا أحد من المتقدمين، ومن لا يشترط يستدل بقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾، فالإراءة من الله، والخوف والطمع من المخلوقين، وبقول الشاعر، وهو ابن أحمر:
مدت عليك الملك أطنابها ... كأس رنوناة وطرف طمر
وقول الآخر:
غشوا ناري، فقلت: هوان تيم ... تصلوها، فقد حمي الوقود
أي: لهوان تيم، وقول النابغة:
وحلت بيوتي في يفاع ممنع ... تخال به راعي الحمولة طائرا
حذاراً على ألا تنال مقادتي ... ولا نسوتي حتى يمتن حرائرا
وقول الآخر:
стр. 2290
ومنا الذي اختير الرجال سماحة ...................
وقول الآخر:
أرى أم عمرو، دمعها قد تحدرا ... بكاء على عمرو، وما- كان- أصبرا
فالملك ليس من أفعال الكأس، والهوان من فعل تيم لا من فعل الغاشين، والحذار منه لا من البيوت، والسماحة ليست من فعل الذي اختار.
فأما من اشترط اتحاد الفاعل فتأول هذا كله:
فتأول الآية على أن «خوفاً وطمعاً» مصدران في موضع الحال من المفعول، أي: خائفين وطامعين. أو في موضع الحال من الفاعل، وهما مصدران بمعنى الإخافة والإطماع، فهما مصدران على حذف الزيادة. وتأول المصنف الآية على أن معنى يريكم: يجعلكم ترون، ففاعل الرؤية فاعل الخوف والطمع في التقدير، فيتحد الفاعل.
ويتأول بيت ابن أحمر على أن يكون «الملك» مفعول مدت عليك الخلافة أطنابها. وتؤول أيضاً على أن يكون الملك مصدراً معرفاً بالألف واللام في موضع الحال، نحو: أرسلها العراك، كأنه قال: مدت عليك مملكاً أطنابها، قاله السيرافي. ورد بأن الحال المعرفة لا تقاس.
وتؤول «هوان تيم» على أن يكون منادى مضافاً حذف منه حرف النداء، التقدير: يا هوان تيم.
وتؤول بيت النابغة بأن المعنى في قوله وحلت بيوتي: أحللت بيوتي، فالفاعل متحد في التقدير. وقيل: المراد بالبيوت هو وأهله، وكأنه قال: وحللنا في يفاع
стр. 2291
ممنع حذاراً على ألا تنال مقادتي. وقيل: المراد بالبيوت القبائل، يقال: بيت فلان كريم، أي: قبيلته. وقيل: هو على حذف مضاف، أي: وحل أهل بيوتي، /كما قالوا: جاءت اليمامة، أي: أهل اليمامة. وقيل: مصدر في موضع الحال من الياء في بيوتي. وقيل: هو مفعول من أجله، والعامل فيه الفعل في البيت الذي قبله، وهو:
سأكعم كلبي أن ينالك نبحه ... وإن كنت أرعى مسحلان فحامرا
وهذا أظهر؛ لأنه أراد بأكعم أكف، وكلبي استعاره للسانه، فالمعنى: إني لا أهجوك وإن كنت في هذه المواضع؛ لأني لا أتخلص منك بها، فيكون كما قال:
فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
وأما «سماحة» فأول على أنه يمكن أن يكون من التمييز المنقول، والأصل: اختيرت سماحته، ثم صار: اختير هو سماحة.
وأما «بكاء على عمرو» فيتخرج على أنه مصدر في موضع الحال.
وقوله أو عدمت المصدرية مثاله ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾، وقول الشاعر:
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال
ويعني بالمصدرية أن يكون صريح المصدر، فلو كان اسم إشارة إليه أو ضميره لم ينتصب، وأن وأن وما تعلق بهما يصل الفعل إليهما بنفسه، وهما مقدران بالمصدر، مثاله: أزورك أن تحسن إلي، أو أنك تحسن إلي، وسواء أكان الزمان
стр. 2292
متحداً أو متغايراً، سواء أيضاً أكان الفاعل متحداً أم متغايراً، وسواء أكان العامل فعلاً أم ما جرى مجراه أو معنى فعل؛ لأن حرف الجر قد اطرد حذفه معها كثيراً بشرط ألا يلبس، وأما مع المصدر فيصل إليه الفعل بنفسه أو ما جرى مجراه. وأما معنى الفعل فلا ينصبه، بل لا بد من حرف الجر، إلا مع أما في باب «أما سمناً فسمين» في مذهب الزجاج، وتبعه في ذلك ابن طاهر، وقصراه على هذا الباب. قال بعض أصحابنا: «وأنا أشك هل قصره أبو إسحاق على ذلك الباب أو أجاز أن يعمل فيه المعنى على الإطلاق» انتهى.
وقوله جر باللام هذا هو الكثير، وهو أنه متى انخرم شرط جر باللام.
وقوله أو ما في معناها الذي في معناها هو «من» التي للتسبب، كقوله تعالى ﴿خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾، والباء كقوله تعالى ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا﴾. قال المصنف في الشرح: «وفي، كقوله ﵇: (إن امرأة دخلت النار في هرة)، أي: من أجل هرة».
وقوله وجر المستوفي لشروط النصب مقروناً بأل أكثر من نصبه هذا يتضمن جواز مجيئه معرفة بالألف واللام، وهذه مسألة خلاف: ذهب س وجمهور البصريين إلى جواز ذلك، قال س: «وحسن فيه الألف /واللام لأنه ليس بحال، فيكون في موضع فاعل حالاً، ولا يشبه بما مضى من المصادر في الأمر والنهي ونحوهما» انتهى.
стр. 2293
وذهب الجرمي والرياشي والمبرد إلى أن من شرطه التنكير، فإن وجدت فيه أل كانت زائدة؛ لأن المراد ذكر ذات السبب الحامل، فيكفي فيه النكرة، فالتعريف زيادة لا تحتاج.
وهذا فاسد، فإن السبب الحامل قد يكون معلوماً عند المخاطب، فتحيله عليه، فتعرفه ذات السبب وأنها المعلومة له، ولا تنافي بينهما، ولا يلزم عدم الاختصار إلا فيما يذكر، ولا يحتاج إليه. والصحيح ما ذهب إليه س والجمهور.
وقد كثر مجيئه بأل منصوباً، قال الراجز:
لا أقعد الجبن عن الهيجاء ... ولو توالت زمر الأعداء
وقال الشاعر:
فليت لي بهم قوماً إذا ركبوا ... شدوا الإغارة فرساناً وركبانا
وقال الآخر:
لك الخير إن أزمعت صرمي وأصبحت ... قوا الحبل بتراً جذم الوصل جاذف
وقال الآخر:
стр. 2294
لما رأى نعمان حل بكرفئ ... عكر، كما لبج النزول الأركب
التقدير: للجبن، وللإغارة، وللصرم، وللنزول. قال المصنف في الشرح:
«ويمكن أن يكون القسط من قوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ مفعولاً له؛ لأنه مستوف للشروط» انتهى. والظاهر أن (القسط) صفة للموازين؛ إذ هو مصدر وصف به، أي: الموازين العادلة المقسطة، والوصف بالمصدر أكثر من مجيء المفعول له منصوباً بأل.
وقوله والمجرد بالعكس أي: المجرد من أل ومن الإضافة نصبه أكثر من جره، فمن النصب: ﴿َتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، وقول حاتم:
................. وأعرض عن شتم اللئيم تكرما
وزعم أبو موسى الجزولي أنه إذا كان نكرة لا يجوز جره، فلا يجوز: قمت لإعظام لك. قال الأستاذ أبو علي: «هذا غير صحيح، بل هو جائز، ولا مانع منه، ولا أعرف له سلفاً في هذا القول» انتهى.
وقوله ويستوي الأمران في المضاف يعني أن نصبه وجره كثير، فمثال نصبه: ﴿يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾، وقول حاتم:
стр. 2295
وأغفر عوراء الكريم ادخاره .........................
ومثال جره قوله تعالى: ﴿لِإِيلافِ قُرَيْشٍ﴾.
ويجوز تقديم المفعول له على عامله الفعل أو الجاري مجراه إن لم يكن فيه /مانع، وما تلزم فيه اللام يقوى فيه اللزوم في التقديم لضعف العامل، وأما ما تحذف منه فيقوى ذكر اللام عند التقديم، فتقول: للطمع جئتك، ويجوز تركها. ومنه تقديمه مع أما، نحو: أما تقويماً فأنا أضربك. ويجوز أن يكون العامل فيه الفعل الذي دلت عليه أما، ويكون أصله اللام، وحذفت هنا سماعاً.
ومنع قوم تقديم المفعول له على العامل، منهم ثعلب. والسماع يرد عليهم، قال جحدر:
فما جزعاً- ورب الناس- أبكي ... ولا حرصا على الدنيا اعتراني
وهذه الإضافة محضة، خلافاً للجرمي والرياشي والمبرد؛ إذ ذهبوا إلى أنها غير محضه؛ لأنهم يلتزمون تنكيره قياساً على الحال والتمييز، وسيأتي ذلك في باب الإضافة إن شاء الله. وقال الكميت:
طربت، وما شوقاً إلى البيض أطرب ... ولا لعباً مني، وذو الشيب يلعب
فقدم شوقاً- وهو مفعول له- على العامل فيه، وهو أطرب.
стр. 2296
فرع: اشتركت كي وحتى في أحد معانيها في أنهما للتعليل، مثال ذلك:
أسلمت كي أدخل الجنة، وأسلمت حتى أدخل الجنة، ومع ذلك يجوز في كي وما بعدها أن يكون مفعولاً له، ولا يجوز ذلك في حتى.
وإنما جاز ذلك في كي لأن لها محملين في لسان العرب:
أحدهما: أن تكون حرف جر، فيكون النصب بإضمار أن بعدها، وهي في هذه الحال لا تكون مفعولاً له.
والثاني: أن تكون حرف نصب، فتكون مصدرية كأن، فتكون في هذه الحال مفعولاً له.
وأما حتى فلا تنصب بنفسها، إنما النصب بإضمار أن بعدها، فهي حرف جر لم ينسبك مصدر منها ومن الفعل الذي بعدها، إنما ينسبك من أن المضمرة بعد حتى ومن الفعل المنصوب بأن المضمرة، ولا يكون مفعولاً له إلا ما كان مصدراً أو مقدراً به منصوباً على الشروط التي تقدمت.
стр. 2297
-[ص: باب المفعول المسمى ظرفاً ومفعولاً فيه
وهو ما ضمن من اسم وقت أو مكان معنى «في» باطراد لواقع فيه مذكور أو مقدر ناصب له. ومبهم الزمان ومختصه لذلك صالح، فإن جاز أن يخبر عنه أو يجر بغير «من» فمتصرف، وإلا فغير متصرف، وكلاهما منصرف وغير منصرف.]-
ش: ما ضمن جنس يشمل الحال، والظرف، والسهل والجبل من قول العرب: مطرنا السهل والجبل.
وقوله من اسم وقت أو مكان خرج بذلك الحال، كذا قال المصنف في الشرح؛ لأن الحال ليست مضمنة معنى في، إنما هي على معنى: في حال كذا، فإذا قلت جاء زيد راكباً فراكباً لم يتضمن معنى في.
/وقوله معنى في باطراد خرج بذلك السهل والجبل من قولهم: مطرنا السهل والجبل، فإنه لا يقاس على ذلك لا في الفعل ولا في الأماكن، فلا تقول: أخصبنا السهل والجبل، ولا: مطرنا القيعان والتلول، بل يقتصر على مورد السماع، ولا يزاد عليه إلا إن عضد بسماع ممن يوثق به، وذلك بخلاف ما ينتصب على الظرفية، فإنه يجوز أن يخلف الفعل والاسم غيرهما، تقول: جلست خلفك، فيجوز: قعدت خلفك، ويجوز: جلست أمامك.
стр. 2298
قال المصنف في الشرح: «ويتناول أيضاً قولي ضمن معنى في ما نصب بدخل من مكان مختص. وخرج بذكر الاطراد، فإن المطرد لا يختص بعامل دون عامل، ولا باستعمال دون استعمال، فلو كان نصب المكان المختص بدخل على الظرفية لم ينفرد به دخل، بل كان يقال: مكثت البيت، كما يقال: دخلت البيت، وكان يقال: زيد البيت، فينتصب بمقدر كما يفعل بما تحققت ظرفيته؛ لأن كل ما ينتصب على الظرفية بعامل ظاهر يجوز وقوعه خبراً، فينتصب بعامل مقدر، ولذا قال س بعد أن مثل بقلب زيد الظهر والبطن، ودخلت البيت: «وليس المنتصب هنا بمنزلة الظروف؛ لأنك لو قلت: هو ظهره وبطنه، وأنت تريد شيئاً على ظهره وبطنه- لم يجز» هذا نصه، وقد غفل عن هذا الموضع الشلوبين، فزعم أن نصب المكان المختص بدخل عند س على الظرفية، وهذا عجيب من الشلوبين مع اعتنائه بجمع متفرقات الكتاب وتبين بعضها ببعض» انتهى كلامه.
وقوله ضمن من اسم الوقت أو المكان معنى في المفهوم منه أن الاسم يدل بالوضع على الزمان أو المكان، ويدل على معنى في بالتضمن، فيكون نظير أسماء الشرط والاستفهام، فإنك إذا قلت من يقم أقم معه فقد دلت من على شخص عاقل بالوضع، ودلت على ارتباط جملة بجملة وتوقفها عليها بتضمنها معنى إن الشرطية، ويلزمه على هذا أن يكون الظرف مبنياً؛ لأنه تضمن معنى الحرف،
стр. 2299
وليس كذلك، والنحويون يقولون إن الظرف على تقدير في، وإنما فر المصنف من قول النحويين- والله أعلم- لأنه لا يلزمه من ذكر التضمين أن يجمع بين المتضمن والمتضمن، ووجد بعض الظروف لا يتقدر عنده، نحو عندك، فوقع في التضمين الذي يلزم منه بناء الظرف، ولا يلزم من قول النحاة إن الظرف يقدر بفي أنه يجوز دخول في عليه وأنه يتلفظ به، وكم من مقدر لا يلفظ به، نحو الفاعل في اضرب، فإنه مقدر، ونحو الفعل الناصب للمنادى في نحو: يا عبد الله، فإنه مقدر، وكلاهما لا يلفظ به. وقد ذكر المصنف في مكان آخر أن «المفعول فيه هو ما نصب من اسم زمان أو مكان مقارناً معنى في دون لفظها»، وزعم أن ذكر المقارنة أعم من ذكر تقدير /في؛ لأن من الظروف ما لا تدخل عليه في، كعند ومع، وهما مقارنان لمعناها ما داما ظرفين. وهذا كله بناء منه على أنه يلزم من تقدير في أن تدخل عليه لفظاً، وقد بينا أن ذلك لا يلزم. والذي يقطع ببطلان التضمن أنه لو كان كما زعم ما جاز الجمع بين في والظرف؛ لأنه يلزم منه الجمع بين المتضمن والمتضمن، وذلك لا يجوز؛ ألا ترى أن من الشرطية أو الاستفهامية لا يجمع بينهما وبين أداة الشرط ولا أداة الاستفهام، وهذان يجوز الجمع بينهما، تقول: جئتك يوم الخميس، وفي يوم الخميس، وجلست مجلس زيد، وفي مجلس زيد، لا خلاف في ذلك، فدل على بطلان التضمن.
وقوله في الشرح: إن المكان المختص منصوب بدخلت نصب المفعول به لا نصب الظرف. ونقول: المذاهب في ذلك ثلاثة:
стр. 2300
الأول: مذهب س والمحققين أنه منصوب على الظرف تشبيهاً للمكان المختص بالمكان غير المختص.
الثاني: مذهب أبي علي الفارسي ومن ذهب مذهبه أنها متعدية في الأصل بحرف الجر- وهو في- إلا أنه حذف حرف الجر اتساعاً، فانتصب على المفعول به.
الثالث: مذهب الأخفش وجماعة أنه مما تعدى تارة بنفسه وتارة بحرف الجر. وحجته أنك تقول: دخلت البيت، ودخلت في البيت، ودخلت في أمر فلان, ودخلت أمر فلان, وكثرة ذلك فيها تقضي بكون ذلك فيها أصلين إلا أن يقوم دليل على خلاف ذلك. وأيضاً لو كان دخل زيد الدار على تقدير إسقاط الحرف لوجب أن يكون أدخلت زيداً الدار على تقدير إسقاطه، وما حكمه كذلك لا يجوز أن يقام مقام الفاعل مع وجود ما ليس كذلك؛ ألا ترى أنه لا يجوز: اختير الرجال زيداً، بل: اختير زيد الرجال، ويجوز: أدخل الدار زيداً، وأدخل فوه الحجر، فدل على أنهما مفعولان صريحان، ليس الثاني منصوباً على إسقاط الحرف.
والجواب عن هذا أن قولهم: أدخل فوه الحجر لا حجة فيه؛ لأنه إنما جاز بعد القلب، والتقدير: أدخل فوه [في] الحجر, وقد ثبت استعمال القلب في أدخل في فصيح الكلام، حكى س عنهم أنهم يقولون: أدخلت القلنسوة في رأسي.
стр. 2301
وحجة من ذهب إلى أنه حذف اتساعاً أو تشبيهاً للمختص بالمبهم أن دخلت في معنى غرت، وغرت يتعدى بفي, فوجب أن يعتقد ذلك في دخلت.
وأيضاً فإنهم نقلوه بالهمزة والباء, نحو أدخلته, ودخلت به, وما كان يتعدى تارة بنفسه وتارة بحرف جر كنصح لم يجز نقله, فأما قولهم أجاءه مع أنهم قالوا جئته وجئت إليه فإنما ساغ من جهة أن جاء لازمة,
وأن الأصل في جئته جئت إليه.
وأيضاً فتعديها بفي أعم من تعديها بنفسها؛ إذ تعديها بفي يكون في الأماكن وغيرها، وتعديها للمعاني لا يكون إلا بفي, / فدل على أن تعديها بفي هو الأصل، وذلك أن الدخول حقيقة لا يتصور إلا فيما له جوف كالدار والمسجد, وأما المعاني فالدخول فيها مجاز, وحذف حرف الجر مجاز, فكرهوا المجاز في المجاز.
وأيضاً فنقيضها خرج، وخرج لازم, فينبغي أن تكون هي لازمة؛ لأن الشيء يجري مجرى ما يناقضه؛ ألا ترى إلى جوعان وعطشان حملا على نقيضهما شبعان وريان, وقام وابيض لازمان, وقعد واسود كذلك, وجهل ومدح يتعديان, وعلم وذم كذلك.
وأيضاً مصدره الفعول، وفعول في الغالب للازم، وشكور قليل, فينبغي أن يحمل على الكثير.
وأيضاً فجعل دخل مما يكون يتعدى إلى سائر معمولاته على السواء أولى من الاختلاف في التعدي؛ لكونها في الأماكن من قبيل ما تعدى تارة بنفسه وتارة
стр. 2302
بحرف الجر؛ وفي المعاني من قبيل ما تعدى بحرف جر, فيكون مرة من باب مررت بالنظر إلى بعض المعمولات, و [مرة] من باب نصحت بالنظر إلى بعضها, ومثل ذلك قليل جداً, لم يجئ منه إلا بعث عند أكثر اللغويين, قالوا: يتعدى بنفسه إذا دخل على ما يصل بنفسه, وبالباء إذا دخل على ما لا يصل بنفسه, تقول: بعثت زيداً, وبعثت بالكتاب, ولا تقول: بعثت بزيد، ولا: بعثت الكتاب؛ لأن زيداً يصل بنفسه, والكتاب لا يصل بنفسه, ولذلك لحن أبو الطيب في قوله:
فآجرك الإله على عليل ... بعثت إلى المسيح به طبيبا
واعتذر عن أبي الطيب بأن العليل صار من الضعف بحيث لا يقدر أن يصل بنفسه.
وظاهر كلام المصنف أن دخل ينصب المكان بعدها انتصاب المفعول به, وليس أصله أن يتعدى بفي، واتسع فيه كما يقول الفارسي، ولا أن أصله أن يتعدى تارة بفي, وتارة بنفسه, كما يقوله الأخفش فيما نقلناه عنه.
وقد نقل عن الأخفش والجرمي أن قوله دخلت البيت مثل هدمت البيت، يعني أنه انتصب نصب المفعول به الصريح.
وقد فصل السهيلي في دخل تفصيلاً لم أر أحداً ذكره غيره, وهو أنه إن اتسع المدخول فيه حتى يكون كالبلد العظيم كان النصب لا بد منه؛ كقولك: دخلت العراق، ويقبح أن تقول: دخلت في العراق, وإن كان كالبئر والحلقة كان النصب بعيداً جداً؛ لأن الدخول قد صار ولوجاً وتقحماً, نحو: دخلت في البئر,
стр. 2303
وأدخلت إصبعي في الحلقة، والإبرة في الثوب، وقال: فقس عليه. وسكت عن المتوسط. وقياس تفصيله يقتضي أنه يجوز فيه الوجهان: التعدي بنفسه, والوصول بوساطة في.
وأما ما استدل به المصنف من أن المطرد لا يختص بعامل دون عامل, ولا /باستعمال دون استعمال إلى آخره- فكلام صحيح، إلا أن قولهم إن دخل تتعدى إلى كل مكان مختص بنفسها دون وساطة «في» لا ينقض هذا؛ لأن ذلك عندهم جاء على سبيل الشذوذ, والاطراد ما ذكر.
وأما قوله «ولذا قال س بعد أن مثل بقلب زيد الظهر والبطن، ودخلت البيت: وليس المنتصب هنا بمنزلة الظروف؛ لأنك لو قلت: هو ظهره وبطنه, وأنت تريد شيئاً على ظهره وبطنه لم يجز. هذا نصه» - فلا حجة له في ذلك على أنه ينتصب البيت بعد دخلت نصب المفعول به؛ لأن انتصاب الظهر والبطن ليس على تقدير في, إنما هو على تقدير على, والأصل قلب زيد على ظهره وبطنه, ولذلك قال في امتناع أن ينتصب على الظرف: «إنك لو قلت: هو ظهره وبطنه- وأنت تريد شيئاً على ظهره وبطنه- لم يجز» , فجعل المحذوف على, ولم يجعل المحذوف في؛ لأن حذف على ووصول الفعل إلى الاسم المجرور بها فينصبه لا يكون نصبه على الظرف, إنما هو مثل: مررت زيداً، ولا ينقاس ذلك، ولم يمثل س بدخلت, وإنما معنى قوله «وليس المنتصب هنا» أي: في مسألة: قلب زيد الظهر والبطن، ولذلك مثل بقوله: هو ظهره وبطنه, وقد نص س على خلاف ما ادعاه المصنف عليه من أنه ينتصب بعد دخلت انتصاب الظرف، قال س بعد أن ذكر تعدي الفعل إلى اسم المكان وإلى ما اشتق من لفظه اسماً للمكان، ومثل بقوله: ذهبت المذهب البعيد، وجلست مجلساً, وقعدت المكان الذي رأيت, وذهبت وجهاً من الوجوه, قال:
стр. 2304
«وقال بعضهم: ذهبت الشام, فشبهه بالمبهم إذ كان مكاناً, وكان يقع عليه المكان والمذهب, وهذا شاذ, ليس في ذهب دليل على الشام, وفيه دليل على المذهب والمكان. ومثل ذهبت الشام: دخلت البيت» انتهى. فهذا نص على أن انتصاب البيت بعد دخلت مثل انتصاب الشام بعد ذهبت، والشام ظرف مكان مختص، وقد نص س على الشذوذ في ذهبت الشام؛ إذ وصل ذهبت إلى ظرف مختص, وليس مما اشتق من لفظه، ولا هو من لفظ المكان. ثم قال: «ومثل ذلك دخلت» , أي: مثله في الشذوذ ووصول دخلت إلى البيت, وهو ليس فيه دلالة على البيت؛ إذ ليس البيت مشتقاً من لفظ دخل, ولا هو لفظ المكان.
وقوله «وقد غفل عن هذا الموضع الشلوبين» لم يغفل عنه الأستاذ أبو علي كما زعم المصنف, بل رأى أنه لا حجة فيه. وقد بينا أنه لا حجة فيه.
وقوله «وهذا عجيب من الشلوبين مع اعتنائه بجمع متفرقات الكتاب وتبيين بعضها ببعض»، ليس هذا بعجيب، بل العجيب غفلة المصنف عن نص /س إن دخلت البيت مثل ذهبت الشام في الشذوذ.
وأما قوله «مع اعتنائه بجميع متفرقات الكتاب» فإن الاعتناء بذلك هو الذي لم يجعله يقول بقول المصنف, ويغتر بما لا دليل فيه, ويترك النص الذي لا يحتمل تأويلاً، وأين المصنف من رجل يقال إنه ختم عليه كتاب س بحثاً ونظراً نحواً من ستين مرة، وأقرأ النحو نحواً من ستين سنة, ورحل إليه الناس من أقطار الأرض, ولم يكن في عصره بل في أعصار قديمة قبل عصره مثله, ﵀.
стр. 2305
وقوله لواقع فيه مذكور أو مقدر ناصب له يعني أن الناصب له هو واقع فيه، فإذا قلت قمت يوم الجمعة فالقيام واقع في يوم الجمعة، وإذا قلت قمت أمامك فالقيام واقع في الأمام, وهذا العامل مذكور. والعامل المقدر مثل: زيد أمامك, والقتال يوم الجمعة, فالعامل فيهما كائن أو مستقر، وهو مقدر, وليس ملفوظاً به.
وهذا التقسيم الذي قسمه المصنف في المفعول فيه أنه اسم وقت ومكان لا يصح إلا على مذهب البصريين؛ لأنهم يسمون المفعول فيه ظرفاً.
وأما الكوفيون فلا يسمونه ظرفاً لأمرين:
أحدهما: أن العرب لم تسم اسم المكان ولا اسم الزمان في موضع من كلامها بالظرف.
والآخر: أن الظرف في اللغة اسم الوعاء, قالوا: والأوعية متناهية الأقطار, محاط بنواحيها، نحو الجراب والعدل, واسم المكان الذي يسمونه ظرفاً ليس متناهي الأقطار, نحو: زيد خلفك، وأمامك؛ ألا ترى أنه إذا كان كذلك لم ينتصب على الظرف، تقول: زيد في داره, وزيد في الحمام, ولا تقول زيد داره، ولا: زيد الحمام.
ولا يلزم ما ذكروه؛ إذ لا مشاحة في الاصطلاح، مع أنه إنما يسمى ظرفاً على سبيل المجاز تشبيهاً بالظرف الحقيقي من جهة اشتماله على الفعل، كما سمي بالزمام الكتاب لضبط ما فيه كما تضبط الدابة بالزمام.
وسمى الفراء وأصحابه المفعول فيه محلاً. والكسائي ومن أخذ بقوله يسمون الظروف صفات. ولا مشاحة في الاصطلاح.
стр. 2306
وقد ذكر أصحابنا ظرف الزمان, فقالوا: هو اسم الزمان، نحو سرت اليوم، أو عدده، نحو: سرت عشرين يوماً، أو ما قام مقامه مما حذف قبله اسم الزمان وكان مضافاً إليه قبل حذفه، نحو: سرت قدوم الحاج، أي: وقت قدوم الحاج، وخفوق النجم، أي: وقت خفوق النجم، ونحو: لا آتيك معزى الفزر، ولا آتيك القارظ العنزي, أي: زمن تفرق معزى الفزر، وزمن فقد القارظ العنزي، أو كان صفة له، نحو: مشى عليه طويلاً, أي: زماناً طويلاً، فيجوز ذلك في صفة الظرف وإن لم تكن خاصة به ولا من الصفات التي استعملت استعمال الأسماء؛ كما جاز ذلك في الصفة المنتصبة على الحال أو ما شبه به، نحو قولهم: أحقاً /أنك قائم، قال:
ألا أبلغ بني جشم رسولاً ... أحقا أن أخطلكم هجاني
وقولهم: أالحق أنك قائم؟ قال عمر بن أبي ربيعة:
أالحق أن دار الرباب تباعدت ... أو انبت حبل أن قلبك طائر
стр. 2307
فأن في موضع مبتدأ، وحقاً والحق ظرف لأنه في تقدير في. ويدل على الابتداء أنهم إذا أبدلوا من أن أتوا بالمصدر بدل أن ورفعوه، قال:
أحقا عباد الله جرأة محلق ... علي، وقد أعييت عاداً وتبعا
والدليل على أن حقا منصوب على تقدير «في» تصريحهم بها في بعض الأماكن، قال:
أفي حق مواساتي أخاكم ... بمالي، ثم يظلمني السريس
وفي التصريح بـ «في» دليل على بطلان ما ذهب إليه أبو العباس في قولك:
أحقا أنك قائم، من أن قولك أنك قائم في موضع رفع على الفاعلية. والصحيح ما ذهب إليه س من أن انتصابه على الظرف، وما بعده مبتدأ، فحق ليس اسم زمان، ولا عدده, ولا قائم مقامه, وإنما هو مشبه به من جهة أنه اسم معنى, كما أن اسم الزمان اسم معنى, وأنه مشتمل على المحقق كاشتمال الزمان على ما وقع. ويدل على أنه سلك به مسلك الزمان وقوعه خبراً عن المصادر لا عن الجثث.
ومثل حقا أنك قائم قولهم: غير شك أنك قائم، وجهد رأيي أنك قائم, وظنا مني أنك قائم. وهذا النوع استعماله ظرفاً موقوف على السماع.
أو ما أضيف إليه بشرط أن يكون إياه في المعنى, نحو: سرت جميع اليوم, أو بعضه, نحو: سرت بعض اليوم.
وشرط أن يكون على تقدير في, واحترز بذلك من أن يكون مرفوعاً أو مخفوضاً أو منصوباً على غير تقدير في, فإنه لا يكون ظرفاً.
стр. 2308
وذكروا أيضاً ظرف المكان, فقالوا: هو اسم المكان, نحو: خلفك وأمامك. أو عدده, نحو: عشرين ميلاً. أو ما قام مقامه: إما صفته, نحو: قعدت قريباً منك وأمامك, وإما ما كان الظرف مضافاً إليه, نحو: تركته بملاحس البقر أولادها، فملاحس مصدر بدليل نصب أولادها به، وهو هنا ظرف مكان، تقديره: مكان ملاحس. أو ما شبه به، نحو: زيد فوق عمرو في الشرف, ودون زيد في العلم, فليسا اسمي مكان, ولكنهما شبها بفوق ودون المكان. من ذلك ما حكاه الأخفش من قول العرب: هم هيئتهم، فنصب على أنه ظرف مكان على تقدير في، أي: هم في هيئتهم، والهيئة ليست مكاناً, لكنها شبيهة بالمكان لاشتمالها على ذي الهيئة كاشتمال المكان على ما يحل فيه. ويدل على أنها ظرف مكان وقوعها خبراً عن الجثث, وهذا النوع يحفظ, ولا يقاس عليه. وما أضيف إليه بشرط أن يكون إياه في المعنى نحو: سرت /جميع الميل, أو بعضه, [نحو]: سرت نصف الميل.
وشرط أن ينتصب على تقدير «في» احتراز من رفعه أو جره أو نصبه لا على تقدير في، فإنه لا يكون ظرفاً.
وقوله ومبهم الزمان ومختصه لذلك صالح أي: للظرفية صالح, فيتعدى إليه الفعل, وينصبه نصب الظرفية, والسبب في جواز تعدي الفعل إلى جميع ظروف الزمان قوة دلالته عليها, كما أن السبب في تعديه إلى جميع ضروب المصادر قوة
стр. 2309
الدلالة عليها من حيث يدل عليها من جهة المعنى واللفظ؛ فالفعل يدل على المصدر بلفظه لتضمنه حروفه, ويدل على الزمان بلفظه من حيث إن الزمان إنما يتبين من صيغة الفعل.
وفي البسيط: «حكي عن الكوفيين أنهم لا ينصبون المكان المطلق عن الفعل, فيقتضي القياس ذلك في الزمان, فلا تقول: قمت زماناً؛ لأنه مفهوم من الأول, فلا فائدة فيه, فإذا نصبت خصصت بالوصف.
وذهب بعض النحويين إلى أن ما كان من الظروف معطياً غير ما أعطى الفعل- كالظروف المعدودة والموقتة- فنصبها نصب المفعول, على تقدير نيابتها عن المصدر، كأنه قال: سرت سيراً مقدراً بيومين, ونحوه؛ لأنه لا دلالة للفعل عليه. وقيل: هو بمنزلة: ضربته سوطاً, أي: سير يومين, فحذف. والصحيح أنه تعدى إليه بعد حذف الجار, فنصبه، وهو في جميع أنواع الظروف الزمانية مبهماً وغير مبهم» انتهى ملفقاً.
وقال أيضاً ما معناه: «ينتصب المبهم على جهة التأكيد المعنوي؛ لأنه لا يريد على دلالة الفعل، بل دلالة الفعل أخص منه، ومن التأكيد ما جاء بعد فعل مخصص بزمان, نحو: ظللت نهاراً، وبت ليلاً، ومنه ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾؛ لأن الإسراء لا يكون إلا بالليل, ولا ينكر التأكيد في الظرفين كما لا ينكر في المصدر والحال» انتهى.
وهذا التقسيم الذي ذكره المصنف في الزمان إلى مبهم ومختص هو الصحيح. وقسمه بعضهم إلى مبهم ومعدود ومختص، فجعل المعدود قسيم المبهم والمختص، وهو في الحقيقة قسم من المختص.
стр. 2310
فالمبهم: ما وقع على قدر من الزمان غير معين, نحو: وقت، وحين، وزمان. والمختص قسمان: معدود، وغير معدود.
المعدود: ما له مقدار من الزمان معلوم، نحو: سنة, وشهر, ويومين, والمحرم, وسائر أسماء الشهور، والصيف, والشتاء. ولا يعمل في المعدود من الأفعال إلا ما يتكرر ويتطاول, لو قلت: مات زيد يومين- وأنت تريد الموت الحقيقي- لم يجز.
والمختص غير المعدود أسماء الأيام, كالسبت, والأحد, وما يخصص بالإضافة, نحو: يوم الجمل, وبأل, نحو: اليوم، والليلة، أو بالصفة، نحو: قعدت عندك يوماً قعد عندك /فيه زيد، وما أضافت إليه العرب لفظة شهر من أعلام الشهور، وهي: رمضان، وربيع الأول, وربيع الآخر, فقط وسيأتي ذكر ذلك في هذا الفصل إن شاء الله.
وقوله فإن جاز أن يخبر عنه أو يجر بغير من فمتصرف، وإلا فغير متصرف التصرف استعماله غير ظرف، كأن يكون فاعلاً أو مبتدأ، أو يرتفع خبراً، أو ينتصب مفعولاً، أو ينجر بغير من، نحو: سرني يوم الخميس، ويوم الجمعة مبارك، واليوم يوم الجمعة، وأحببت يوم الجمعة، و ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، ومعنى «وإلا» أي: وإلا يخبر عنه أو يجر بمن فغير متصرف. لم يحكموا بتصرف ما جر بمن وحدها نحو عند وقبل وبعد لأن من كثرت زيادتها، فلم يعتد بدخولها على الظرف الذي لا يتصرف.
وقوله وكلاهما منصرف وغير منصرف فيكون أربعة أقسام.
ص: فالمتصرف المنصرف كحين ووقت، والذي لا يتصرف ولا ينصرف ما عين من سحر مجرد، والذي يتصرف ولا ينصرف كغدوة وبكرة علمين، والذي ينصرف ولا يتصرف بعيدات بين, وما عين من ضحى وضحوة وبكر
стр. 2311
وسحير وصباح ومساء ونهار وليل وعتمة وعشاء وعشية, وربما منعت الصرف والتصرف.
وألحق بالممنوع التصرف ما لم يضف من مركب الأحيان كصباح مساء، ويوم يوم. وألحق غير خثعم «ذا» و «ذات» مضافين إلى زمان. واستقبح الجميع التصرف في صفة حين عرض قيامها مقامه ولم توصف.
ش: مثل المصنف المنصرف بحين ووقت، وفي الشرح بساعة وشهر وعام ودهر وحين وحينئذ ويومئذ، يقال: سير عليه حينئذ، ويومئذ, حكاهما س. أما الحين فإنه يقع على القليل والكثير من الزمان، قال:
تناذرها الراقون من سوء سمها ... تطلقه حيناً، وحيناً تراجع
أنشده أبو علي شاهداً على ذلك. وعن الأصمعي استعمال الحين في الكثير أكثر من استعماله في القليل.
وقوله ما عين من سحر مجرد يعني بالتجريد تجريده من أل والإضافة, ويعني بالتعيين أن يكون من يوم بعينه, وسواء في ذلك أذكرت اليوم أو الليلة معه, نحو: أزورك يوم الجمعة سحر, أم لم تذكره, نحو: جئتك سحر, وأنت تريد ذلك من يوم بعينه, أو عرفت اليوم أو نكرته، نحو: جئت يوماً سحر, فإن نكر انصرف وتصرف.
стр. 2312
وإنما لم يتصرف لخروجه عن نظائره من النكرات، وذلك أن نظائره من النكرات إذا عرفت أدخلوا عليها أل، أو أضافوها, فلما عرف هذا من غير أداة تعريف خالف نظائره, فلم يتصرفوا فيه لذلك, ولم يصرفوه أيضاً لعدله وتعريفه من غير أداة تعريف.
/واختلف النحويون في سحر هذا أهو مبني أو معرب:
فذهب بعضهم إلى أنه مبني لتضمنه معنى أل، كما بني أمس لتضمنه معناها، وهو مذهب صدر الأفاضل.
وذهب ابن الطراوة إلى أنه مبني، وعلة بنائه عدم التقار، لا لتضمنه معنى الحرف؛ ألا ترى أنه لا يقع سحر إلا على سحر يومك, فلا تقول خرجت سحر إلا في يومك الذي خرجت في سحره، ولا تقول سحر في سحر (أمس) إلا أن تقيده، فتقول: خرجت يوم الخميس سحر، فهذا هو الذي أوجب البناء. انتهى.
وتقدم الرد على القول بأن التقار علة للبناء في باب اسم الإشارة.
وذهب الجمهور إلى أنه معرب، واختلفوا في سبب منع التنوين منه:
فذهب بعضهم إلى أنه منوي فيه الإضافة, وهو معرفة بالإضافة؛ لأنك تريد سحر ذلك اليوم، فحذف التنوين كما حذف في أجمع وأكتع حيث كان مضافاً في المعنى.
стр. 2313
وذهب السهيلي إلى أن حذف التنوين منه لأنه معرفة بنية الألف واللام؛ قال: «كأنك حين ذكرت يوماً قبله, وجعلته ظرفاً- أردت السحر الذي من ذلك اليوم, واستغنيت عن أل بذكر اليوم» وزعم أنه مذهب س.
وذهب الجمهور إلى أنه حذف التنوين منه لأنه لا ينصرف، فأحد علتيه العدل عن تعريفه بأل، والعلة الأخرى قيل: العلمية، جعل علماً لهذا الوقت. وقيل: التعريف المشبه لتعريف العلمية. وقيل: لم يصرفوه لعدله وتعريفه من غير أداة تعريف، بل بالغلبة على ذلك الوقت المعين, وليس تعريفه تعريف علمية؛ لأنه في معنى السحر، وتعريف العلمية ليس في رتبة تعريف أل.
ولا يجوز أن يكون تعريفه بأل التي عدل عنها؛ لأن أل التي يعدل عنها الاسم لا تعرفه؛ ألا ترى أنهم لما عدلوا أخر عن أل استعملوه نكرة؛ بدليل وصف النكرة في نحو: مررت بنسوة أخر، وإذا ثبت أنه غير متعرف بالعلمية ولا بأل التي عدل عنها لم يبق إلا أن يكون تعريفه بالغلبة كما ذكرنا؛ والتعريف بالغلبة في معنى التعريف بأل لاستعمالهم الأسماء الغالبة بأل تارة وبغير أل تارة، ومعناها في الحالين واحد، حكى ابن الأعرابي: هذا العيوق طالعاً، وهذا عيوق طالعاً، وكذلك سائر الأسماء الغالبة، ومن ذلك قول الشاعر:
ونابغة الجعدي بالرمل بيته ... عليه تراب، من صفيح وجندل
وللنحويين كلام كثير في سحر هذا، تركناه؛ إذ ليس فيه إلا اختلاف في تعليل وتقدير تلك التعاليل، وتفريق بينه وبين أمس، ولا يتضمن أحكاماً يرجع
стр. 2314
فيها إلى النطق إلا ما ذكروا من أنه لا ينتصب سحر ظرفاً إلا إذا كان اليوم الذي قبله انتصب /على الظرفية، فإن ارتفع على الفاعلية أو انتصب على أنه مفعول به لم يجز أن ينتصب سحر على الظرف؛ بل يكون بدلاً من اليوم مضافاً لضميره، أو معرفاً بأل, فتقول: كرهت يوم السبت سحره، أو السحر منه, لا بد من أحد هذين في البدل. ولو قلت: سير بزيد يوم الجمعة سحر، وجعلته مفعولاً على السعة- لم يجز لعدم الرابط بينه وبين اليوم, فإن أردت هذا المعنى فقل: سير بزيد يوم الجمعة سحره، أو السحر منه، حتى يرتبط به.
قال السهيلي: «لأنك لا تقدر أل إذا كان في الكلام ما يغني عنهما، وأما إذا كان اسماً متمكناً فلا بد من تعريفه كما تعرف الأسماء، أو تجعله نكرة، فلا يكون إذاً من ذلك اليوم.
فإن قلت: فقد أجازوا: سير بزيد يوم الجمعة سحر، برفع اليوم ونصب سحر، فلم لا يجوز بنصب اليوم ورفع سحر؟
قلنا: لأن اليوم- وإن اتسع فيه- فهو ظرف في معناه، وهو يشتمل على السحر، ولا يشتمل السحر عليه, فلا يجوز إذا أن يتعرف السحر تعريفاً معنوياً حتى يكون ظرفاً بمنزلة اليوم الذي هو منه؛ ليكون تقديم اليوم مع كونه ظرفاً بمنزلة اليوم مغنياً عن آلة التعريف» انتهى.
وقوله كغدوة وبكرة علمين قال المصنف في الشرح: «الذي يتصرف ولا ينصرف غدوة وبكرة علمين قصد بهما التعيين أو لم يقصد؛ لأن علميتهما جنسية، فيستعملان استعمال أسامة وذؤالة، فكما يقال عند قصد التعميم: أسامة شر السباع، وعند التعيين: هذا أسامة فاحذره- تقول عند قصد التعميم: غدوة وقت
стр. 2315
نشاط، وقاصداً للتعيين: لأسيرن الليلة إلى غدوة، وبكرة في ذلك كغدوة. وقد يخلوان من العلمية فيتصرفان وينصرفان، ومنه قوله تعالى ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾» انتهى.
وجعلت العرب بكرة وغدوة علمين لهذين الوقتين، ولم تفعل ذلك في نظائرهما كعتمة وضحوة ونحوهما. واختلف في تعريفهما: فقيل: هو من قبيل تعريف الجنس، كأم حبين وأسامة. وقيل: من قبيل تعريف العلمية لوقت بعينه من يوم معين. وكلا القولين يظهر من لفظ س في أبواب ما لا ينصرف من الأحيان.
وقال ابن طاهر: هما علمان إذا أردتهما من معين، فإن لم ترد ذلك فهما نكرتان.
والموضوع للنكرة هو غداة، نحو قولهم: نحن في غداة باردة، ونحن في غداة طيبة، ثم غيروا لفظ غداة إلى غدوة؛ لأن موضع التعريف بتغيير اللفظ، فيكون أول أحوال هذا اللفظ التعريف، ثم يجوز أن ينكر بعد ذلك. والدليل على ذلك أنا قد رأيناهم يضعون أسماء مشتقة موضوعة لمعارف لم تستعمل في شيء من النكرات، ولا تعرف معانيها/ منكورة، نحو سعاد وزينب وغير ذلك مما لا يحصى.
وإن عرف ما اشتقت منه فغدوة قد اشتقت للتعريف من غداة، كما أن سعاد اشتق من السعادة لأن يوضع لمعرفة.
والأصل في هذين الاسمين غدوة، وحملت بكرة عليها لاجتماعهما في المعنى وفي النية؛ كما حملوا يذر على يدع.
следующие страницы →