← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17116

التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

أبو حيان الأندلسي

Полный текст (3 950 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

فذهب الزجاج- ونسبه السجاوندي إلى س- إلى أن التقدير: اغفر غفرانك. وقال الزمخشري: «غفرانك منصوب بإضمار فعل، يقال: غفرانك لا كفرانك، أي: نستغفرك ولا نكفرك». فعلى التقدير الأول الجملة طلبية، وعلى التقدير الثاني الجملة خبرية. وأجاز بعض النحويين أن ينتصب على المفعول به، أي: نطلب أو نسأل غفرانك. وجوز بعضهم فيه الرفع على الابتداء أو إضمار الخبر، أي: غفرانك بغيتنا. وقد خلط المصنف في شرحه بين ما هو مصدر بمعنى فعل الأمر وبين ما هو مصدر يراد به الدعاء، كقوله: سقياً لك، و: فصبراً في مجال الموت صبراً .................. وغيره من النحويين ذكروا كل واحد منهما وحده، لكن المصنف لما رآهما قد اشتركا في الطلب خلطهما في كلامه. وقال المصنف: «ومثله في النهي:

стр. 2242

قد زاد حزنك لما قيل: لا حرباً ...............» سمى هذا نهياً، ويريد- والله أعلم- أن المعنى على النهي، فهو تفسير معنى لا تفسير إعراب، ولا يجوز أن يكون تفسير إعراب؛ لأن «لا» التي للنهي من خصائص المضارع، فلا تدخل على الاسم، ولا يجوز أن يدعى أن فعلها محذوف وأن التقدير: لا يحرب حرباً؛ لأن فعل «لا» التي للنهي لا يجوز حذفه. والذي نختاره أن «لا» للنفي، ودخلت على حربٍ، فنفته، وهو مبني على الفتح معها، ونون ضرورة كما نونوا: سلام الله يا مطر عليها ........................ وهو نفي معناه النهي، كما جاء قوله تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ نفياً معناه النهي على أحد التأويلين. وقوله أو خبر إنشائي أو غير إنشائي قال المصنف في الشرح: «والوارد منه في خبر إنشائي نحو: حمداً وشكراً لا كفراً، وعجباً، وقسماً لأفعلن» انتهى. وقد تجوز المصنف في قوله «أو خبر إنشائي» لأن الخبر هو ما يحتمل الصدق والكذب لذاته، والإنشاء لا يحتمل الصدق والكذب، وكأنه يعني أن صورته صورة الخبر، والمعنى على الإنشاء. وما ذكره المصنف من أن حمداً وشكراً وعجباً إنشاء غير موافق عليه من بعض أصحابنا، قال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: «حمداً وشكراً وعجباً ثلاثتها

стр. 2243

قائمة مقام أفعالها الناصبة لها، أي: أحمدك حمداً، وأشكرك شكراً، وأعجب/عجبا، وتفارق ما قبلها- يعني ويله وأخواتها- في أن معناها الخبر، وما قبلها معناه الدعاء، وتفارق سبحان الله وأخواتها- وإن كان معناها الخبر- من جهة أنها تتصرف، فتستعمل مرفوعة، نحو قوله: عجب لتلك قضية، وإقامتي فيكم على تلك القضية أعجب وتلك لا تتصرف». فظاهر كلام الأستاذ أبي الحسن أنها خبر لا إنشاء. وقد سردها س مع ما هو خبر، فقال: «هذا باب ما ينتصب على إضمار الفعل المتروك إظهاره. من ذلك قولك: حمداً وشكراً لا كفراً، وعجباً، وأفعل ذلك وكرامة ومسرة ونعمة عين، وحبا ونعام عين، ولا أفعل ذلك ولا كيداً ولا هما، ولأفعلن ذلك ورغماً وهواناً، فإنما ينتصب هذا على إضمار الفعل، كأنك قلت: أحمد الله حمداً، وأشكر الله شكراً، وكأنك قلت: أعجب عجباً، وأكرمك كرامة، وأسرك مسرة، ولا أكاد كيداً، ولا أهم هما، وأرغمك رغماً». ثم قال س: «وقد جاء بعض هذا رفعاً، يبتدأ ثم يبنى عليه». وأنشد س: عجب لتلك قضية .......... ... .......................... البيت. قال: «وسمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال له: كيف أصبحت؟ فيقول: حمد الله وثناء عليه، كأنه قال: أمري وشأني حمد الله وثناء عليه» انتهى.

стр. 2244

فظاهر كلام س وما قرره ابن عصفور يدل على أن ما ذكره المصنف من أنه إنشائي ليس كذلك، بل هو خبر. وقد ذهب الأستاذ أبو علي إلى أن قوله حمداً وشكراً لا كفراً يراد به الإنشاء، كما ذهب إليه المصنف، فقال: إن قلت: كيف قال إن هذا لا يظهر فعله، ولا شك أنه يجوز أن تقول: حمدت الله حمداً، وأحمده حمداً؟ فالجواب: إنما تكلم س في حمداً الذي هو نفس الحمد- أعني الذي هو صيغة الإنشاء للحمد- وهذا لا يظهر معه الفعل، بل يتعاقبان، والذي أورده المعترض إنما هو محض الخبر عن الحمد لا نفس الحمد. وقال أبو عمرو بن تقي: قوله- يعني س- حمداً وشكراً لا كفراً كذا يتكلم بالثلاثة مجتمعة، وقد تفرد، وقوله عجباً مفرد عنها. وقال ابن عصفور: لا يستعمل كفراً إلا مع حمداً أو شكراً، ولا يقال أبداً حمداً وحده أو شكراً إلا أن يظهر الفعل على الجواز، ولا يلتزم الإضمار إلا مع لا كفراً، فهذه الأمور لما جرت مجرى المثل ينبغي أن يلتزم فيها ما التزمته العرب. وقال س: «مما ينتصب على إضمار الفعل/المتروك إظهاره، ولكنه في معنى التعجب- قولك: كرماً وصلفاً، كأنه يقول: ألزمك الله». ثم قال: «لأنه صار بدلاً من قولك: أكرم به وأصلف». قال المصنف في الشرح: «هذا أيضاً مما يتناوله الخبر الإنشائي» انتهى.

стр. 2245

وتفسير س العامل بقوله «ألزمك الله» هو تفسير من حيث المعنى؛ لأنه لا يتعجب إلا مما صار للإنسان كالسجية إذ كثر ذلك منه. وقال بعض أصحابنا: «تنتصب بفعل من لفظها مضمر، تقديره: لكرم كرماً ولصلف صلفاً، ولم يظهر الفعل لنيابة المصدر منابه وتحمله الضمير، ولذلك قلنا إنه انتصب بكرم لأنه من أبنية التعجب؛ لأن أبنية التعجب ليس منها ما له مصدر إلا فعل» انتهى. وقوله أو غير إنشائي مثل المصنف في الشرح ذلك بقولك في وعد من يعز عليك: أفعل وكرامة ومسرة، وكقولك للمغضوب عليه: لا أفعل ولا كيداً ولا هما، ولأفعلن ما يسوءك، ورغماً وهواناً. انتهى. وهو بعض مثل س. ولا يكون «أفعل ذلك وكرامة» إلا جواباً أبداً، وكأن قائلاً قال: افعل كذا، أو: أتفعله؟ فقلت: أفعله وأكرمك بفعله كرامة وأسرك مسرة، ولا يستعمل مسرة إلا بعد كرامة. وكذا نعمى عين بعد حبا، لا يقال: مسرة وكرامة، ولا: نعمى عين وحبا. وحذف الفعل لأنه أبلغ من ذكره؛ إذ الفعل إنما يدل على زمان مخصوص، والمصدر مبهم، فكان أبلغ، ولما يرى المخاطب من حاله الدالة على ذلك. ويمكن أن يكون ما بعد الواو إنشاء. و «كرامة» هذا اسم موضوع موضع المصدر الذي هو الإكرام، كالعطاء مع الإعطاء. وكذلك نعمة عين، ونعام عين، وهو بفتح النون وضمها وكسرها،

стр. 2246

وأنكر الأستاذ أبو علي الفتح، وهما اسمان في معنى إنعام، ولما كانت بمعنى المصدر ذكرت مع المصدر. وتفسير س العامل في «ولا كيداً» بقوله «ولا أكاد» في تفسيره خلاف: ذهب الأعلم إلى أن أكاد هذه التي عملت في كيداً هي الناقصة. وذهب الأستاذ أبو بكر بن طاهر إلى أنها هي التامة، والمعنى: ولا مقاربة. وقال ابن خروف: «يريد: ولا أكاد كيداً، وهي من أفعال المقاربة. ويحتمل أن تكون ناقصة، أي: ولا أكاد أقارب الفعل، وحذف الخبر للعلم له. ويحتمل أن تكون تامة، وهما من هممت بالشيء» انتهى. وقول س «ولأفعلن ذلك ورغماً وهواناً» جواب لمن قال: افعله وإن رغم أنفه رغماً وإن هان هواناً، وعلى النحو الذي جاء بها تستعملها، ولا تتعدى ذلك؛ إذ هي كالمثل، ويقال: أرغم الله/أنفه، ورغم الله أنفه. وفي قول س «وقد جاء بعض هذا رفعاً» وإنشاده «عجب لتلك قضية» دليل على أنه لا يطرد، وهو مخالف لكلام ابن عصفور إنها تستعمل مرفوعة، وعجب مبتدأ، والخبر في لتلك، وجاز الابتداء به لأن فيه معنى المنصوب الذي فيه معنى الفعل، كأنه قال: أعجب لتلك، وقضية: تمييز أو حال. وما ذهب إليه الأعلم من أن «عجب» مرفوعاً على الإهمال ليس بشيء، قال: لأنه لما دخله معنى الفعل لم يحتج إلى خبر؛ لأن الفائدة تمت بالمجرور، وهو الذي أفاد ما يفيده الخبر.

стр. 2247

وقال صاحب كتاب «التمهيد»: يقال: نعم عين، ونعمى عين، ونعامى عين، ونعيم عين، ونعام عين، وإنما قدر الفعل الناصب لها رباعيا بالزيادة للدلالة على المعنى، لأن نعمك لا يقال، وإنما يستعمل بحرف الخفض، قال: نعم الله بالخيالين عيناً ... وبمسراك- يا أميم- إلينا وكذلك يقدر في كرامة ومسرة وإن كانت من لفظ الثلاثي. ] وقول س «وقد جاء بعض هذا رفعاً، يبتدأ، ثم يبنى عليه»، قال في البسيط: صارت هذه بدلاً من الفعل، كما كانت في الدعاء والأمر لا يجوز إظهاره فيها لكونها بدلاً؛ كباب سقياً، ولا يكون الإضمار هنا إلا بعد ما يجري ذكر للمبني عليه، أو المتعجب منه، أو المحبوب، أو قول يدل عليه، أو حالة تقتضي ذلك، فذلك هو المجوز للإضمار. وقد يرفع بعض هذه، وليس بقياس، إذا أردت معنى النصب كما كان في أخواته لأنه للفعل، خلافاً لبعضهم، قال: عجب لتلك قضية ............ ... ........................ وإنما يريد: أعجب لتلك القضية عجباً، أي: لأجلها، فلما أنبته عن الفعل صار المجرور بعد المصدر على نحو ما هو بعد سقياً ورعياً، ورفعه على ذلك، ولذلك كان نكرة في معنى الفعل، كما كان في الدعاء والخبر في المجرور.

стр. 2248

ويحتمل أن يكون خبراً، كأنه قال: أمري عجب لتلك، ولما أهم ميز بقوله قضية. وقد رفعت على معنى: هي قضية. ونصبت على: أعني. وقيل: على التمييز. ولو قلت حمد لله لكان على الفعل، أو على: أمري حمد لله، وهو أبعد عن معنى الفعل. وأما إذا كانت معارف فالرفع فيها الوجه- كما كان النصب في النكرة [الوجه]- لأجل التعريف، فتقول في أل: الحمد لله، والعجب لك، والكرامة لك والمسرة. ويظهر أنه قياس فيها لأنها في الأصل خبر، بخلاف باب الدعاء. والرفع فيه معنى النصب، والمجرور خبر، أو صلة، والخبر محذوف، أي: شأني وأمري. ويجوز النصب نظراً إلى الأصل، فتقول: الحمد لله، قال س: «ينصبها عامة بني تميم وناس كثير من العرب». وكذلك العجب لك، و «لك» /بعده كما بعد النكرة، قال س: «كأنك قلت: حمداً وعجباً، ثم أتيت بلك لتبين من تعني». وأما المضاف فنحو: حمد الله وثناء عليه، أي: وشأني، قاله بعض العرب جواباً لمن قال: كيف أصبحت؟ وفيه معنى المنصوب، والرفع في هذا يفارق النصب بما ذكرناه في الدعاء].

стр. 2249

وقوله أو في توبيخ إلى قوله أو [غائب] في حكم حاضر مثال التوبيخ مع الاستفهام قول الشاعر: أذلا إذا شب الغدا نار حربهم ... وزهواً إذا ما يجنحون إلى السلم ومثال التوبيخ دون الاستفهام قوله: خمولاً وإهمالاً، وغيرك مولع ... بتثبيت أسباب السيادة والمجد ومثاله للنفس قول عامر بن الطفيل يخاطب نفسه: «أغدة كغدة البعير، وموتاً في بيت سلولية». ومثاله لمخاطب قوله: أطرباً وأنت قنسري ومثاله لغائب في حكم حاضر قولك وقد بلغك أن شيخاً يلعب: ألعباً وقد علاك المشيب! وفي البسيط: لابد من مشاهدة الحال أو تقدير مشاهدتها، ففي الاستفهام لا يكون إلا مضمراً إنكاراً عند كونه ملتبساً بالفعل، أو تحسراً وتندماً، نحو: أطرباً وأنت قنسري أي: شيخ. والمقدر هنا فعل حال حاصلاً أو مقدراً.

стр. 2250

والمصدر ينتصب في الأصل على الإطلاق، ولكن غيره معنى التنكير لتغييره الخبر. وقد قيل: إنه على الحال المؤكدة؛ لأنه قال س فيه: «ولكنه يخبر أنه في تلك الحال في جلوس وقيام»، وإنما يريد أنه في الزمان والحال في حال الجلوس، فأدخل في على المصدر، فهو حال. قلت: الفعل هو الحال، فعبر عنه بالمصدر والزمان، ولذلك قال: «وإنما أراد: أتطرب، أي: أنت في حال طرب؟» ففسر الفعل بالحال. وقد يجوز أن يكون حالاً. وقيل: يدل عليه أنه لا يجوز أن تقع هنا المعرفة، فلا تقول: الضرب والناس منطلقون؛ لأن الحال لا تكون معرفة، فلزوم التنكير دل على قصد الحال. ومثال التحسر قول عامر بن الطفيل: «أغدة» إلى آخره. ومثال الذم والتوبيخ: أعبداً حل في شعبى غريباً ... ألؤماً- لا أبا لك- واغترابا أي: أتلؤم لؤماً، وتغترب اغتراباً، أي: أتجمع بين الأمرين. قال س: «وهو كثير في كلام العرب». وفي غير استفهام إن تكرر نحو: زيد سيراً سيراً، فلا يجوز الإظهار، ويكون معرفة ونكرة. وإن أفراد: فإن لم يقصد معنى التكرير/والتنبيه على الخبر كان

стр. 2251

الحذف على غير الوجوب لقرينة لفظية أو حالية، نحو: غضب الخيل على اللجم، كأنه قال: غضبت، إذ رآه غضبان. وإن لم يكن يقصد ذلك المعنى كان الوجوب، ومنه: وعدت وكان الخلف منك سجية ... مواعيد عرقوب أخاه بيترب ومنه: أوفرقاً خيراً من حب: أي: أفرقك فرقاً خيراً من حب، جواباً لمن قال: أتحبني؟ فقطعته عليه بـ «أو» وأنشد س في الإفراد الواجب: سماع الله والعلماء أني ... أعوذ بحقو خالك يا بن عمرو يريد: أسمع إسماعاً الله، قال س: «جعل نفسه في حال من يسمع، فصار بمنزلة من جعله في حال سير».

стр. 2252

ولم يتعرض س للرفع في هذا النوع، ولا يبعد جوازه على تقدير الابتداء، أي: شأنك الطرب، والتعوذ، ونحوه، كما يرفع: حنان، وسمع وطاعة، وقد رفعوا: غضب الخيل على اللجم، على تقدير: غضبك غضب الخيل. وفي البسيط: «أما ما بين محتمل الجملة فما وقع: أنت قد ملكت فإما عدلاً وإما جوراً، ولو قلت فعدلاً أو جوراً لصح، ومنه: وقد كذبتك نفسك، فاكذبنها فإن جزعاً، وإن إجمال صبر وما لم يقع: إما أملك فعدلاً وإحساناً، أي: فأعدل وأحسن. وكذلك: ألم تعلم يا فلان مسيري فإتعاباً وطرداً. ولا يبعد أن يفرد ولا يكرر، فتقول: إما أعطي فمنا، على ما جاز: زيد سيراً، من غير تكرير، ولم أقف عليه. وأما ما يأتي لمقتضى الجملة فهو مشبه للتأكيد، لكنه قطعه عنه، وصيره إخباراً مستأنفاً، كقول جرير: ألم تعلم مسرحي القوافي ... فلا عيا بهن ولا اجتلابا فقد علم أن المسرح لها هو الذي يأتي بها من غير تكلف، ولا يعيا بها، ولا يجتلبها، لكنه لما قدر على ذلك أخبر بأنه لا يعيا بها عيا، ولا يجتلبها اجتلاباً، وقطعه بالفاء من الأول.

стр. 2253

ويجوز الرفع في هذه، ونص س عليه؛ لأنه أجاز الرفع في «إن جزعاً وإن إجمال صبر» على: أمري ذلك» انتهى ملخصاً من البسيط. وقوله أو لكونه تفصيل عاقبة طلب مثاله: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾. وقوله أو خبر مثاله/قول الشاعر: لأجهدن فإما درء واقعة ... تخشى، وإما بلوغ السؤل والأمل وقوله أو نائباً عن خبر اسم عين بتكرير أو حصر مثال التكرير قوله: أنا جداً جداً، ولهوك يزد اد، إذا ما إلى اتفاق سبيل ومثال الحصر قوله: ألا إنما المستوجبون تفضلاً ... بداراً إلى نيل التقدم والفضل قال المصنف في الشرح: «واشترط كون هذا بتكرير ليكون أحد اللفظين عوضاً من ظهور الفعل، فبينت بذلك سبب التزام إضمار الفعل، وقام الحصر مقام التكرير؛ لأنه لا يخلو من لفظ يدل عليه، وهو إنما، أو إلا بعد نفي، فجعل ذلك أيضاً عوضاً، ولأن في الحصر من تقوية المعنى ما يقوم مقام التكرير.

стр. 2254

ويشترط كون المخبر عنه اسم عين لأنه لو كان اسم معنى لكان المصدر خبراً فيرفع، كقولك: جدك جد عظيم، وإنما بدارك بدار حريص، وإذا كان اسم عين لم يصلح جعل المصدر خبراً له إلا على سبيل المجاز، فإذا لم يصلح جعله خبراً تعين نصبه بفعل هو الخبر، فتقدير أنا جدًّا جدًّا: أنا أجد جدًّا، وتقدير إنما المستوجبون تفضلاً بداراً: إنما المستوجبون تفضلاً يبادرون بداراً. فلو عدم الحصر والتكرير لم يلزم الإضمار، بل يكون جائزاً هو والإظهار». والمصدر إن كرر وجب إضمار الفعل، نحو: زيد سيراً سيراً، وإن زيداً سيراً سيراً، وكان زيد سيراً سيراً، وكذا في أخواتهما. وفي النفي: ما أنت سيراً سيراً. وفي الاستفهام: أأنت سيراً سيراً؟ ويجوز أن يكون معرفاً، تقول: زيد السير السير. وسواء أخبرت عن نفسك أم غيرك، ولا يكون ذلك إلا إذا رأيته على تلك الحال، أو ذكر ذلك، أو قدرت ذلك لنفسك أو غيرك، وذلك على جهة الاتصال، أي: السير متصل بعضه ببعض، أي: توقعه سيراً متوالياً. ومثله في التكرير ما كان بغير لفظه، نحو: أنت قياماً قعوداً، إذا كان لا يريد أحدهما. وكذلك ما عطف عليه مصدر آخر بحرف عطف، نحو: زيد ضرباً وقتلاً، وزيد سيراً وردًّا. وكذلك غير الواو، نحو: أما تقول زيد إما قياماً وإما قعوداً. وإن لم يكرر والمصدر مثبت بعد نفي أو ما في معناه وجب إضمار/العامل، نحو: ما أنت إلا سيراً، وما أنت إلا السير، وإنما أنت سيراً، وما أنت إلا ضرب الناس، وضرباً الناس، على التشبيه، أي: تضرب ضرباً مثل ضرب الناس، وما أنت إلا شرب الإبل، على التشبيه والإضافة ليس إلا، والإخبار فيه على ما تقدم من مشاهدة الحال والاتصال.

стр. 2255

وإن لم يكن مثبتاً بعد نفي أو ما في معناه، وكان فيه الاستفهام، نحو: أأنت سيراً؟ لم يجز إظهاره، قيل: لأن ما فيه من معنى الاستفهام الطالب للفعل كأنه ناب عن التكرير. وأما ما ليس فيه ذلك، نحو: زيد سيراً، وما زيد سيراً، ونحوه- فقيل: لا يجب إضمار العامل، بل يجوز إظهاره، وس قد نص على أنت سيراً أنه مما لا يجوز إظهاره؛ لأنه أدخله في الباب، فكذلك: ما أنت سيراً؛ لأنه لا يدل على الفعل. وقد أطلق بعضهم جواز ذلك، ولم يفرق بين الاستفهام وغيره. وهذا النوع- يعني ما نصب على الفعل الواجب إضماره- يجوز فيه الرفع على جهة المجاز والاتساع: أما ما كان غير مكرر فيجوز فيه. ويظهر من قول س أنه قياس مطرد، وكذلك في المعطوف، قال س: «وإن شئت رفعت هذا كله». وأنشد س: .................. فإنما هي إقبال وإدبار ولم يذكر س نصب المعطوف، لكنه يخرج من الرفع، والرفع فيه على معنى النصب من المشاهدة أو تقديرها لأنه مرفوع من هذه الغاية. وأما إنشاء الأخبار في هذا النوع نحو زيد عدل فلا يدخل هنا، بل يكون سماعاً، ولا تجعله إياه حتى تشاهد امتزاجه به حتى كأنه هو ثم تجوزت في التشبيه. ويجوز في المتكرر بالعطف

стр. 2256

أن يتسع في الأول دون الثاني إذا كان أحدهما منفصلاً في المعنى من الثاني، نحو: ما زيد ضرب وقتلاً، أي: ولا يقتل قتلاً، أنشد س: لعمرك ما دهري بتأبين هالك ... ولا جزع مما أصاب، فأوجعا أنشده على التجوز فيهما؛ لأنه يريد: وما دهري دهر جزع، قال: «والنصب جائز». وأما إن لم ينفصلا، نحو: زيد سيراً ورداً؛ لأنك تريد: لا يثبت على حالة- فهذا المعنى لا يستقل به أحدهما، فلا بد من رفعهما، كقوله: .................... فإنما هي إقبال وإدبار وما كان مكرراً يضعف الرفع فيه لقوة دلالة الفعل على المعالجة، لكنه جائز، ولا يكون في أحدهما دون الآخر، بخلاف الآخر. انتهى ملخصاً من البسيط. وقوله أو مؤكد جملة ناصة إلى آخره قال المصنف في الشرح: «ومن المضمر عامله وجوباً المصدر المؤكد مضمون جملة، فإن كان لا يتطرق إليها احتمال/يزول بالمصدر سمي مؤكداً لنفسه؛ لأنه بمنزلة تكرير الجملة، فكأنه نفس الجملة، وهو كقوله: له علي دينار اعترفاً. وإن كان مفهوم الجملة يتطرق إليه احتمال يزول بالمصدر فتصير الجملة به نصاً سمي مؤكداً لغيره؛ لأنه ليس بمنزلة تكرير الجملة، فهو غيرها لفظاً ومعنى، وذلك كقولك: هو ابني حقاً» انتهى. وهذا المصدر المؤكد به في ضريبه يجوز أن يأتي نكره، ومعرفة بالألف واللام، وبالإضافة، فمما استعمل معرفة بأل ونكرة: الحق، والباطل، تقول: هذا

стр. 2257

عبد الله حقاً، وهذا زيد الحق لا الباطل. وغير وقول تستعمل مضافة لمعروف، نحو: هذا القول لا قولك، وهذا القول غير ما تقول، ويجوز: هذا الأمر غير قيل باطل، وقال تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾، و ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾؛ لأن الكلام الذي قبله صنع ووعد. وفي البسيط: فالنكرة هذا عبد الله حقاً وقطعاً ويقيناً. وقيل: منه: هو عالم جداً، كقوله: وإن الذي بيني وبين بني أبي ... وبين بني عمي لمختلف جداً وس يقول في قولك هو حسيب جداً: إنه على الحال؛ لأنه يجري عنده وصفاً في قولك: هو العالم جد العالم، فكان على الحال. ومنه لا إله إلا الله قولاً حقاً. والمعرفة: هذا عبد الله الحق لا الباطل، واليقين لا الشك، ولا يبعد أن يكون غير مردود، فتقول: هذا عبد الله الحق، وجوزه المبرد. وقد التزم في بعضها التعريف، فلا يستعمل على التأكيد إلا معرفة، نحو: البتة، كقولك: لا أفعله البتة، ومعناه القطع، ولا عودة له البتة، وأنت طالق البتة، لا يستعمل دون ألف ولام، فأما قوله:

стр. 2258

وإني لآتيها، وفي النفس هجرها ... بتاتاً لأخرى الدهر ما طلع الفجر فهو على الحال. وقيل: من هذا الباب، وهو شاذ. وما كان من اللفظ في الإثبات، كقولك: هذا القول قول الحق، وهذا كلامك لا كلام الناس، وهذا القول لا قولك، وهذا زيد غير ما تقول، وهذا الأمر غير قيل باطل؛ لأن الأمر بمنزلة القول، أو لأن «غير قيل باطل». بمعنى حقاً. ومثله: غير ذي شك، وأصله الوصف، كأنك قلت: قولاً غير ذي شك. قال أبو علي: تقول: غير ذي شك زيد منطلق، فتقدم وتؤخر عن العامل فيه المعنى وإن كان متقدماً؛ لأن «غير ذي شك» نقيضة: ظني، وظني قد أجري مجرى الظرف، والظرف يعمل فيه المعنى متقدماً، نحو: أكل يوم لك ثوب، وكذلك هذا. فما كان مصدراً نصب بفعل من لفظه، كأنك قلت: أحق وأقطع وأبت. أو غيرها فبإضمار أقول، أي: أقول غير ما تقول. وأجاز/الفراء والمبرد رفع جميع ذلك، ولم ينص س إلا على الأول، يعني: ما كان توكيداً لنفسه. قال في البسيط: «ولا يبعد القياس عليه، وهو أولى؛ لأنه إخبار ثان بزيادة فائدة، ورفعه على ما ارتفع عليه الأول، وقرئ بالوجهين: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ﴾ رفعاً ونصباً، والتقدير في الرفع: هذا القول قول الحق. وأجاز بعض النحويين أن يقع هنا الحق تأكيداً. وهذا لا يكون على التوكيد» انتهى.

стр. 2259

وقال المصنف في الشرح: «وأما قولهم أجدك لا تفعل فأجاز فيه أبو علي الفارسي تقديرين: أحدهما أن يكون لا تفعل في موضع الحال. والثاني أن يكون أصله: أجدك أن لا تفعل، ثم حذفت أن، وبطل عملها. وزعم أبو علي الشلوبين أن فيه معنى القسم، ولذلك قدم» انتهى. فإن قلت: كيف أدخل س هذا في المصدر المؤكد لما قبله، وليس كذلك؛ لأنك إذا فرضته مؤكداً فإنما يكون مؤكداً لما بعده. قلت: إنما هو جواب لمن قال: أنا لا أفعل كذا، وبلا شك أن المتكلم يحمل كلامه على الجد، فهو مجد فيما يقول، فإذا قلت أتجد ذلك جداً فهو مؤكد لما قبله، لكنه لم يستعمل قط إلا مضافاً. وقال الشاعر: خليلي، هبا، طالما قد رقدتما ... أجدكما لا تقضيان كراكما وقال آخر: أجدك لن ترى بثعيلبات ... ولا بيدان ناجية ذمولا وقال آخر: أجدك لم تغتمض ليلة ... فترقدها مع رقادها استعمل لن ولم استعمال ما لأنها للحال. وقيل: ليس كذلك لأنه استفهم في الأول عن شيء مستقبل، وفي الثاني عن شيء ماض.

стр. 2260

وقولهم أجدك لا تفعل كذا بمنزلة: أحقاً لا تفعل كذا، وكأنه قال: أجد جداً، كما تقول: أحق حقا. وقوله والأصح منع تقديمهما يعني أنه لا يجوز أن تقول: اعترافاً له علي دينار، ولا: حقا هو ابني، على الصحيح. وسبب ذلك أن العامل في هذا المصدر هو فعل يفسره مضمون الجملة المتقدمة من جهة المعنى؛ إذ تقديره: أعترف بذلك اعترافاً، وأحقه حقا، فأشبه ما العامل فيه معنى الفعل، فكما لا يجوز تقديم ما عمل فيه معنى الفعل على معنى الفعل كذلك لا يجوز تقديم هذا المصدر على الجملة المفسرة ما كان عاملاً فيه. والذي منع التقديم هو الزجاج ومن أخذ بمذهبه. /وأجاز توسيطه، فتقول: هذا حقا عبد الله. قيل له: كيف أجرت توسيطه ولم يتقدم شيء يدل على الفعل؟ قال: إذا تقدم جزؤه فلا بد له من جزء آخر ينضاف إليه، والجزء الأول المراد ضمه إلى غيره مبني على التحقيق، فقد تقدم ما يدل على الفعل، ويدل على التوسط قوله: وكذاكم مصير كل أناس ... سوف حقا تبليهم الأيام وقال: إني- ورب القائم المهدي- ما زلت حقا- يا بني عدي- أخا اعتلال، وعلى أدي أي: سفر. ومن ذهب إلى جواز التقديم استدل بقولهم: أحقا زيد منطلق؟ وذلك أن الهمزة تتعين أن تكون داخلة على الفعل الناصب للمصدر، فالمعنى: أأحق حقا؛

стр. 2261

لأن تقدير دخولها على ما بعد المصدر، فيكون المعنى أزيد منطلق حقا- يؤدي إلى الفصل بين همزة الاستفهام والمستفهم عنه بجملة، ولا نعلم أحداً أجاز ذلك إلا يونس، قال في قوله: أحار، ترى برقاً، أريك وميضه .................... إن الهمزة للاستفهام لا للنداء، والمعنى: أترى- يا حار- برقاً. قال: «ولا يجوز أن يكون نداء؛ لأن المعنى في ترى على الاستفهام، ولا يجوز حذف حرف الاستفهام إلا أن يكون في الكلام ما يدل عليه، نحو: ......................... بسبع رمين الجمر أم بثمان» انتهى. وعلى تقدير صحة مذهبه يكون ذلك جائزاً في الشعر، فلا يدعى في الكلام، وتبين بذلك أنه قد تقدم مع أنه لم يتقدمه دليل. وأول من منع ذلك على أن قولهم: أحقا زيد منطلق؟ انتصب انتصاب الظرف لا انتصاب المصدر المؤكد، والمعنى: أفي حق زيد منطلق؟ وقد نص س في أحقا أنك منطلق على أنه ظرف خبر للمبتدأ الذي هو أن المفتوحة. وفي البسيط: قيل: يجوز أن يتوسط هذا المؤكد، فتقول: والله قسماً لأفعلن، وله علي عرفا ألف درهم. وقيل: مثله قول الأحوص: إني لأمنحك الصدود، وإنني ... قسماً إليك مع الصدود لأميل

стр. 2262

وأصله: إنني لأميل قسماً. وعند الزجاج أن هذا النوع كله إنما يؤكد به لإزالة احتمال ما، ولو على بعد أو تقدير، وإلا لم تكن فيه الفائدة. وهي في كلها بإضمار أفعال من لفظ المصدر، كأنه قال: أعترف اعترافاً، وصبغ الله صبغة، وصنع صنعة، وكتب كتابه، ونحوه. ويجوز رفع ذلك كله بنص س على تقدير الابتداء، ويكون /لازم الإضمار كالفعل، كأنك قلت: ذاك صنع [الله]، وصبغته، أو: هو، ونحوه. -[ص: ومن الملتزم إضمار ناصبه المشبه به مشعراً بحدوث بعد جملة حاوية فعله وفاعله معنى دون لفظ، ولا صلاحية للعمل فيه، وإتباعه جائز، وإن وقعت صفته موقعه فإتباعها أولى من نصبها، وكذا التالي جملة خالية مما هو له.]- ش: يعني بقوله المشبه به المصدر المشبه به، ومثال ذلك: مررت به فإذا له صوت صوت حمار، ومررت به فإذا له صراخ صراخ الثكلى، قال: مقذوفة بدخيس النحض، بازلها ... له صريف صريف القعو بالمسد وقال الجعدي:

стр. 2263

لها بعد إسناد الكليم وهدئه ... ورنة من يبكي إذا كان باكيا هدير هدير الثور، ينفض رأسه ... يذب بروقيه الكلاب الضواريا واحترز بقوله مشعراً بحدوث مما لا يشعر بتجدد حدوث، كقولك: له ذكاء ذكاء الحكماء. قال المصنف: «ولا يجوز النصب؛ لأن نصب صوت وشبهه لم يثبت إلا لكون ما قبله بمنزلة يفعل مسنداً إلى فاعل، فقولك مررت بزيد وله صوت بمنزلة قولك: مررت به وهو يصوت، فاستقام نصب ما بعده لاستقامة تقدير الفعل في موضعه، وإذا قلت مررت بزيد وله ذكاء فلست تريد أنك مررت به وهو يفعل، بل أخبرت عنه بأنه ذو ذكاء، فنزل ذلك منزلة: مررت به وله يد يد أسد، فكما لا ينصب يد أسد لا ينصب ما هو بمنزلته، فإن عبرت بالذكاء عن عمل دال على الذكاء جاز النصب» انتهى. وقال س: «فإنما انتصب هذا لأنك مررت به في حال تصويت، ولم ترد أن تجعل الآخر صفة للأول ولا بدلاً منه، ولكنك لما قلت له صوت علم أنه قد كان ثم عمل، فصار قولك له صوت بمنزلة قولك: فإذا هو يصوت، فحملت الثاني على المعنى». ثم قال: «كأنه توهم بعد قوله له صوت: يصوت صوت الحمار، أو يبديه، أو يخرجه صوت حمار» انتهى. فانتصابه على هذا هو على أن يكون مصدراً مبيناً إن قدرت العامل من لفظ صوت، أو على أن يكون حالاً إن قدرت العامل من غير لفظ صوت. قال س: «فانتصب» وهو مرفوع فيه، وعلته لأنه قدره: «يصوت» تارة، و «يبديه» أخرى، فإذا كان «يبديه مثل صوت الحمار» فهذه حال وقع عليها الفعل؛ لأن الصوت

стр. 2264

ليس من جهة صفة الإبداء، وإذا كان «يصوت» كان حالاً وقع فيها الفعل بمعنى سقط؛ لأن الصوت الذي هو مثل صوت الحمار من صفة التصويت، وسيبويه يجعل الحال إذا كانت من صفة الفعل حالاً وقع فيها الفعل، نحو: جاء زيد مسرعاً؛ لأن السرعة من صفة المجيء، وإذا كانت من صفة الفاعل جعلها حالاً وقع عليها الفعل، نحو: جاء زيد ضاحكاً؛ لأن الضحك من صفة زيد لا من صفة المجيء. واحترز بقوله بعد جملة من أن يكون بعد مفرد، فإنه لا يجوز فيه النصب، مثاله: صوته صوت حمار. فإن كان المفرد يتضمن إسناداً معنوياً فهل يجري مجرى الجملة أم يجري مجرى المفرد؟ في ذلك نظر، مثاله: زيد له صوت صوت حمار، إذا جعلت صوت/مرفوعاً بالمجرور، ويكون التقدير: زيد كائن له صوت صوت حمار. واحترز بقوله حاوية فعله وفاعله معنى دون لفظ من نحو قوله: عليه نوح نوح الحمام؛ لأن الهاء في عليه ليست بفاعل، وفيها صوت صوت حمار، فـ «صوت حمار» بدل أو صفة. قال المصنف في الشرح: «ويضعف النصب لأنه إنما استحسن في له صوت صوت حمار لأن صوت بمنزلة هو يصوت لاشتماله على صاحب الصوت والصوت، فجاز أن يجعل بدلاً من اللفظ بيصوت مسنداً إلى ضمير، بخلاف فيها صوت، فإنه لم يتضمن إلا الصوت، فلم يحسن أن يجعل بدلاً من اللفظ بيصوت. ومع ذلك فالنصب جائز على ضعف؛ لأن الكلام الذي قبله وإن لم يتضمن اسم ما هو فاعل في المعنى فكونه جملة متضمنة للصوت كاف، فإنك إذا قلت فيها صوت علم أن فيها مصوتا لاستحالة صوت بلا مصوت».

стр. 2265

قال س: «هذا صوت صوت حمار؛ لأنك لم تذكر فاعلاً، ولأن الآخر هو الأول». ثم قال: «وإن شبهت فهو رفع؛ لأنك لم تذكر فاعلاً يفعله». ثم قال: «ولو نصبت كان وجهاً؛ لأنه قد علم أن مع النوح والصوت فاعلين». وقال بعض أصحابنا: أفعال العلاج إما أن يتقدم فيها الضمير الذي هو فاعل في المعنى، نحو: فإذا له صوت صوت حمار، وإما أن يتأخر، نحو: فإذا صوته صوت حمار، وإما أن يذكر لا متقدماً ولا متأخراً، نحو: هذا صوت صوت حمار. واحترز بقوله ولا صلاحية للعمل فيه مما يكون فيه صلاحية للعمل فيه، نحو قولك: هو مصوت صوت حمار، فانتصاب صوت حمار بقولك مصوت، فهذه جملة تضمنت ما فيه معنى الفعل والصلاحية للعمل، فهو العامل للنصب فيه. وقال الأستاذ أبو علي: «مررت به فإذا له صوت صوت حمار من هذه المسألة، إن كان منكراً فنصبه على وجهين: على الحال، وعلى المصدر، وعلى الحال على وجهين: على حذف مثل، وتقدر إن شئت: له صوت يبديه مثل صوت حمار، أو: له صوت يصوت مثل صوت حمار. أو لا على حذف مثل، وتجعل صوت حمار بإزاء: منكر، وتأخذ منه المعقول لأنه جنس، ويكون التقدير: يبديه في حال أنه صوت حمار، أي: منكراً. أو تجعل صوت حمار صوته مجازاً، ولا تأخذ منه المعقول، بل تأخذه بإزاء نسبته إلى الحمار، كما تقول: فلان يضرب ضرب زيد أمس، فإن هذا لا يتصور إلا على حذف مثل، أو على هذا الوجه الأخير، كأنك جعلت ضرب هذا الضارب هو ضرب زيد أمس مبالغة واتساعاً. ولا يمكن أن تفعل فيه ما فعلت في

стр. 2266

صوت حمار من حمله على الوجه الثاني؛ /لأنك فيه أخذت صوت حمار معقولاً ذهنياً، فيمكن أن يوقع، وهذا أخذته شخصياً حاصلاً في الوجود قد انقرض، فمحال أن يوقع. فهذه ثلاثة أوجه، وفي كل واحد منها تترك الصوت على وضعه من أنه الحقيقة الناشئة عن التصويت، لا تجعله بمنزلة التصويت الذي هو فعلك من تهيئة الأسباب الموجبة للصوت. وإن جعلته مصدراً تصورت فيه هذه الوجوه كلها، فيمكن أن تقدر: مررت به فإذا له صوت يصوت تصويتاً مثل تصويت حمار، ثم حذفت تصويتاً، وتركت مثل في الكلام، وكان صفة له، فصار نصبه على المصدر لأنها صفة مضافة إلى المصدر، بخلاف رويداً، ثم حذفت المضاف، وأقمت المضاف إليه مقامه، وأعربته مصدراً، ثم وضع الصوت موضع التصويت، هذا وجه. والوجه الآخر: أن يكون: فإذا له صوت يصوت صوت حمار، وجعل صوت حمار مصدراً يصل إليه يصوت بنفسه من غير حذف على التجويزين المتقدمين في الحال؛ ولا بد في هذا كله من إخراج صوت عن وضعه وتصييره في موضع التصويت. وأما إن كان معرفة فلا يتصور فيه إلا نصبه على المصدر» انتهى كلامه. فإن قلت: ما الداعي إلى أن يضمر ناصب لقوله صوت حمار؟ وهلا نصب بقوله صوت من قوله: له صوت، وكأنك قلت: له أن يصوت صوت حمار. فالجواب: أنه لم يرد بقوله فإذا له صوت أنه يعالج الصوت، ويخرجه على هذه الصفة، وإنما أريد به ما يسمع. وكذلك: له هدير، لم يرد أنه يحاول الهدير، إنما أريد ما يسمع. والصوت هنا ليس المصدر الذي ينحل بحرف مصدري والفعل، ولا الذي يكون بدلاً من لفظ الفعل في الأمر والاستفهام، وإنما يراد به ما هو ناشاء عن التصويت.

стр. 2267

وقوله وإتباعه جائز يعني رفعه: فإن كان نكرة جاز فيه وجهان: أحدهما الصفة، والثاني أن يكون بدلاً. وقد أشار س إلى الوجهين في صدر المسألة حين قال: «ولم ترد أن تجعل الآخر صفة للأول ولا بدلاً منه». ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: هو صوت حمار. وإن كان معرفة كقوله: «لها هدير هدير الثور» فالبدل. ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف. ولا يجوز أن يكون صفة لأنه معرفة، وصوت قبله نكره. وأجاز ذلك الخليل؛ لأنه عنده في معنى النكرة، ألا ترى أنها في المعنى مضاف إليها مثل. وزعم س أن هذا قبيح ضعيف، لا يجوز إلا في موضع اضطرار. وهو الصحيح على ما يبين في باب النعت، إن شاء الله. واختلف في أيهما الوجه: النصب أم الرفع: فقال ابن/خروف: النصب في هذا الباب الوجه؛ لأن الثاني ليس بالأول، فيدخله المجاز والاتساع. وقال ابن عصفور: الرفع والنصب فيه متكافئان؛ لأن النصب فيه الإضمار وإن كان ثم ما يدل عليه، وفي الرفع المجاز؛ لأنه جعل الأول فيه الثاني، وليس به. وقوله وإن وقعت صفته موقعه فإتباعها أولى من نصبها مثال ذلك: له صوت أيما صوت، وله صوت مثل صوت الحمار، ذكر س أن الاختيار فيه الرفع. وكذلك إذا ذكرت صوتاً ووصفته، نحو قولك: له صوت صوت حسن؛ لأنك إنما أردت الوصف، فذكرت صوتاً توطئة له، فلما لم ترد أن تحمله على الفعل، وكان الآخر الأول- رفعت.

стр. 2268

وقال س: «وإن قلت: له صوت أيما صوت، أو: مثل صوت الحمار، أو: له صوت صوتاً حسناً- جاز، زعم ذلك الخليل. ويقوي ذلك أن يونس وعيسى جميعاً زعما أن رؤبة كان ينشد هذا البيت نصباً: فيها ازدهاف ... أيما ازدهاف فحمله على الفعل الذي ينصب صوت حمار؛ لأن ذلك الفعل لو ظهر نصب ما كان صفة وما كان غير صفة» انتهى. فالتقدير: يصوت صوتاً حسناً، ويصوت أيما صوت، ويصوت مثل صوت الحمار. وقوله وكذا التالي جملة خالية مما هو له مثاله: هذا صوت صوت حمار، وعليه نوح نوح الحمام، وفيها صوت صوت حمار. ويعني بقوله وكذا أي: الإتباع أولى من النصب، وتقدم كلام المصنف على شيء من هذا. وقال: «ولو نصبت كان وجهاً؛ لأنه إذا قال: هذا صوت، أو هذا نوح، أو عليه [نوح]- فقد علم أن مع النوح والصوت فاعلين، فحمله على المعنى، كما قال: ليبك يزيد ضارع لخصومة ....................... قال المصنف في الشرح: «ويلحق بله صوت صوت حمار قول أبي كبير الهذلي:

стр. 2269

ما إن يمس الأرض إلا منكب ... منه، وحرف الساق، طي المحمل ولذلك قال س: صار ما إن يمس الأرض بمنزلة: له طي». -[ص: وقد يرفع مبتدأ المفيد طلباً، وخبراً المكرر والمحصور والمؤكد نفسه والمفيد خبراً إنشائياً وغير إنشائي.]- ش: المفيد طلباً قولك: صبر صبر. ومنه غير مكرر قول حسان: أهاجيتم حسان عند ذكائه ... فغي لأولاد الحماس طويل وقول الآخر: يشكو إلي جملي طول السرى ... صبر جميل، فكلانا مبتلى/ ومثاله خبراً: أنت سير سير. ومثال المحصور: إنما أنت سير. ومثال المؤكد نفسه: له علي دينار اعتراف، ورفعه على إضمار مبتدأ، أي: هذا الكلام اعتراف. ومثال المفيد خبراً إنشائيا قول الشاعر: عجب لتلك قضية ................ ... ............................ ومثال المفيد خبراً غير إنشائي قول الشاعر:

стр. 2270

أقام، وأقوى ذات يوم، وخيبة ... لأول من يلقى وشر ميسر -[ص: وقد ينوب عن المصدر اللازم إضمار ناصبه صفات كعائذاً بك، وهنيئاً لك، وأقائماً وقد قعد الناس، وأقاعداً وقد سار الركب، وقائماً قد علم الله وقد قعد الناس. وأسماء أعيان، كتربا وجندلا، وفاها لفيك، وأأعور وذا ناب. والأصح كون الأسماء مفعولات، والصفات أحوالاً.]- ش: أما عائذاً وقائماً وقاعداً فأسماء فاعلين في الأصل، وانتصابها على أنها أحوال مؤكدة لعاملها الملتزم إضماره، والتقدير: أتقوم قائماً، وأتقعد قاعداً، وأعوذ عائذا بالله. قال بعض أصحابنا: «وهي موقوفة على السماع». وقال غيره: زعم س أن هذا مقيس، يقال لكل من كان لازماً صفة دائباً عليها: أضاحكاً، وأخارجاً. وزعم المبرد أن انتصاب أقائماً وأقاعداً وعائذاً بك على أنها مصادر، وجاءت على فاعل، كقولهم: فلج فالجاً، نحو العافية والعاقبة، فكأنك قلت: أقياماً، وأقعوداً، وعياذاً. قال: لأن الحال المؤكدة تضعف. وما ذهب إليه المبرد ليس بصحيح؛ لأن الحال المؤكدة جاءت في أفصح كلام، قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾، وقال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ

стр. 2271

وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾. ولأنه ثبت أن عائذاً وقائماً وقاعداً أسماء فاعلين بلا خلاف، والمصدرية فيها دعوى لا دليل عليها. ولأنه لو كانت مصادر لوقعت في غير هذا المكان مصادر، فكنت تقول: قمت قائماً طويلاً، وقائم خاشع، والقائم المعروف، في معنى: قياماً طويلاً، وقيام خاشع، والقيام المعروف، وذلك لا يقال. ولأنه لو كانت مصادر لجاز أن تأتي معرفة ونكرة كما أتى: الحمد لله، والعجب لك. فكونهم التزموا فيها التنكير دليل على أنها أحوال لا مصادر، وهذه الأحوال تحملت ضميراً لما وضعت موضع الفعل الناصب لها، وصارت بدلاً منه، ولذلك لا يظهر معها الفعل، فلو أسندت إلى غير الضمير برز الفاعل، فكنت تقول: أقائماً زيد وقد قعد الناس، ومن ذلك قوله: /أتاركة تدللها قطام ... وضنا بالتحية والسلام فقطام فاعل بقوله أتاركه. ولما كانت المصادر نائبة عن الأفعال في الاستفهام وغيره جاءت هذه الأسماء كذلك، فمن الاستفهام: أتاركة تدللها قطام. ومن غيره قول الشاعر: ألحق عذابك بالقوم الذين طغوا ... وعائذاً بك أن يعلوا، فيطغوني التقدير: وأعوذ عائذاً بك، حذف الفعل، وأقام الحال كما كان يفعل بالمصدر لو قال: عياذاً بك. ومن العرب من يقول: عائذ بالله، يضمر له مبتدأ، أي: أنا عائذ بالله.

стр. 2272

وأما «هنيئاً لك» فهنيء صفة للمبالغة، تقول هنأني الطعام، أي: ساغ لي وطاب، واسم الفاعل هاناء، وهنيء فعيل للمبالغة. ويجوز أن يكون صفة من هنؤ الطعام: إذا ساغ ولا تنغيص فيه، كما تقول: شرف فهو شريف. وكذلك مريئاً، يحتمل أن يكون من هنأني الطعام ومرأني، ومن هنؤ الطعام ومرؤ. فإذا لم يكن هنأني قلت: أمرأني، رباعياً، واستعمل مع هنأني ثلاثياً للإتباع. قيل: واشتقاق الهنيء من هناء البعير، وهو الدواء الذي يطلى به، ويوضع في عقره، قال الشاعر: متبذل، تبدو محاسنه ... يضع الهناء مواضع النقب والمريء: ما يساغ في الحلق، ومنه قيل لمجرى الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة: المريء. قال س: «هنيئاً مريئاً صفتان، نصبوهما نصب المصادر المدعو بها بالفعل غير المستعمل إظهاره؛ المختزل للدلالة التي في الكلام عليه، كأنهم قالوا: ثبت ذلك هنيئاً مريئاً» انتهى. ومريئاً تابع لهنيئاً. وذهب الزمخشري في قوله تعالى: ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ إلى أن انتصابه على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: فكلوه أكلاً هنيئاً، أو على أنه حال من ضمير المفعول. وهو قول مخالف لقول أئمة العربية س وغيره، فعلى ما قاله أئمة العربية يكون: ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ من جملة أخرى غير قوله: ﴿فَكُلُوهُ﴾، ولا تعلق له به من حيث الإعراب، بل من حيث المعنى.

стр. 2273

وجماع القول في هنيئاً أنها حال قائمة مقام الفعل الناصب لها، فإذا قيل: إن فلاناً أصاب خيراً، فقلت: هنيئاً له ذلك- فالأصل: ثبت له ذلك هنيئا، فحذف ثبت، وأقيم هنيئاً مقامه. واختلفوا إذ ذاك فيما يرتفع به «ذلك»: فذهب السيرافي إلى أنه مرفوع بذلك الفعل المختزل الذي هو ثبت، وهنيئاً حال من «ذلك»، وفي هنيئاً ضمير يعود على «ذلك». وإذا قلت هنيئاً، ولم تقل ذلك، بل اقتصرت على قولك هنيئاً ففي هنيء ضمير مستتر يعود على ذي الحال، وهو ضمير الفاعل/الذي استتر في ثبت المحذوفة. وذهب الفارسي إلى أن «ذلك» في قولك «هنيئاً له ذلك» مرفوع بـ «هنيئاً» القائم مقام الفعل المحذوف؛ لأنه صار عوضاً منه، فعمل عمله، كما أنك إذا قلت زيد في الدار رفع المجرور الضمير الذي كان مرفوعاً بمستقر لأنه عوض منه، ولا يكون في هنيئاً ضمير؛ لأنه قد رفع الظاهر الذي هو اسم الإشارة. وإذا قلت «هنيئاً» ففيه ضمير فاعل بها، وهو الضمير الذي كان فاعلاً لثبت، ويكون هنيئاً قد قام مقام الفعل المختزل مفرغاً من الفاعل. وإذا قلت «هنيئاً مريئاً» ففي نصب مريء خلاف: ذهب بعضهم إلى أنه صفة لقولك هنيئاً، وممن ذهب إلى ذلك أبو الحسن الحوفي. وذهب الفارسي إلى أن انتصابه انتصاب هنيئاً، فالتقدير عنده: ثبت مريئاً، ولا يجوز عنده أن يكون

стр. 2274

صفة لـ «هنيء» من جهة أن هنيئاً لما كان عوضاً من الفعل صار حكمه حكم الفعل الذي ناب منابه، والفعل لا يوصف، فكذلك لا يوصف هو. وقد ألم الزمخشري بشيء مما قاله النحاة في هنيئاً، لكنه حرفه، فقال بعد أن قدم انتصابه على أنه وصف للمصدر أو حال من الضمير في فكلوه: «أي: كلوه وهو هنيء»، قال: «وقد يوقف على فكلوه، ويبتدأ هنيئاً مريئاً على الدعاء، وعلى أنهما صفتان أقيمتا مقام المصدر، فانتصابهما على هذا انتصاب المصدر»، ولذلك كأنه قال: هنيئاً ومريئاً، فصار كقولك: سقياً ورعياً، أي: هنأه ومرأه. والنحاة يجعلون انتصاب هنيئاً على الحال، كما ذكرناه عنهم، وانتصاب مريئاً على ما ذكرناه من الخلاف، إما على الحال وإما على الوصف. ويدل على فساد ما حرفه الزمخشري وصحة قول النحاة ارتفاع الأسماء الظاهرة بعد: هنيئاً مريئاً، ولو كانا منتصبين انتصاب المصادر المراد بها الدعاء ما جاز ذلك فيها، تقول: سقياً ورعياً، ولا يجوز: سقياً الله ذلك، وإن كان ذلك جائزاً في فعله، تقول: سقاك الله، ورعاك الله. والدليل على جواز رفع الأسماء الظاهرة بعدها قول الشاعر: هنيئاً مريئاً غير داء مخامر ... لعزة من أعراضنا ما استحلت وقول الآخر: هنيئاً لأرباب البيوت بيوتهم ... وللعزب المسكين ما يتلمس

стр. 2275

فـ «ما استحلت» و «بيوتهم» مرفوعان إما بهنيئاً أو بثبت المحذوفة على الخلاف الذي بين السيرافي وأبي علي، وتقدم من قولنا إن مريئاً تابع لهنيء. وذهب بعضهم إلى أنه يستعمل وحده غير تابع لهنيئاً، ولا يحفظ ذلك من كلام العرب إلا في بيت فرق/بينهما، أنشده أبو العباس، وهو: كل هنيئاً، وما شربت مريئاً ... ثم قم صاغراً، فغير كريم وتقدم من قولنا إن هنيئاً ومريئاً اسما فاعل للمبالغة. وأجاز أبو البقاء العكبري أن يكونا مصدرين جاءا على وزن فعيل كالصهيل والهدير، وليسا من باب ما يطرد فيه فعيل في المصدر؛ لأن ذلك لا يكون في غير الأصوات إلا قليلاً كالنقير. وقد أورد المصنف هنيئاً مع: عائذاً بك، وأقائماً وقد قعد الناس، وهما وأشباههما منصوبات بأفعال مضمرة من لفظها. وهنيئاً ذكر فيه س تقديرين: أحدهما أنه منصوب بثبت. والتقدير الثاني أنه منصوب بهنأ، أي: هنأه ذلك هنيئاً. قال س: «فاختزل الفعل لأنه صار بدلاً من اللفظ بقولك هنأك»، فعلى هذا التقدير يكون هنيئاً موافقاً لقولك: عائذاً بالله، وأقائماً وقد قعد الناس، إلا أنه فيه معنى الدعاء. قال بعض أصحابنا: ونصبه بثبت أولى لكون الحال فيه مبينة، وإن نصبته بهنأ كان هنيئاً حالاً مؤكدة.

стр. 2276

وقوله وأسماء أعيان كترباً وجندلاً انتصاب هذا على تقدير: ألزمك الله، أو أطعمك ترباً وجندلاً، قال س: «واختزل الفعل هنا لأنهم جعلوه بدلاً من قولك: تربت يداك»، ويعني س أنه لا يقال ترباً إلا في المعنى الذي يقال فيه: تربت يداك، لا أن تربت يداك هو الناصب لترباً؛ لأنه ليس بمصدر. ويجوز رفعه على الابتداء، و «لك» الخبر، قال الشاعر: لقد ألب الواشون ألباً بجمعهم ... فترب لأفواه الوشاة وجندل وهو في الرفع بمعنى النصب من الدعاء. ولا ينقاس الرفع في أسماء الأعيان التي يدعى بها، لو قلت: فوها لفيك، على قصد الدعاء- لم يجز. ولا تعريفها بالألف واللام؛ لأن الدعاء بالاسم قليل، والألف واللام للاسم الذي لم يوضع موضع الفعل. وفي البسيط: «وقد أدخلوا هنا الألف واللام، كما فعلوا في المصدر رفعاً ونصباً، فقالوا: الترب له، والترب له» انتهى. ولا يقاس هذا الباب، لا يقال: أرضاً، ولا جبلاً، بهذا المعنى. وقوله وفاها لفيك الضمير في فاها للداهية، قاله س. ويستعمل هذا في معنى: دهاه الله. وإنما قال لفيك لأن فم الإنسان في غالب أحواله منه يكون هلاكه، إما بأن يتكلم فيجني عليه كلامه، وإما أن الأغذية إنما تتوصل لهلاكه من فيه.

стр. 2277

وجعل بعضهم الضمير في فاها عائداً على الخيبة. وانتصب فاها بإضمار فعل، تقديره: ألزم الله فاها لفيك، وجعل الله فاها لفيك، وأنشد س: /فقلت له: فاها لفيك، فإنها قلوص امرئ، قاريك ما أنت حاذره وقوله وأأعور وذا ناب قال المصنف في الشرح: «ومن نيابة المفعول به عن فعل الإنكار قول رجل من بني أسد: «يا بني أسد، أأعور وذا ناب»؟ يريد: أتستقبلون أعور وذا ناب، وذلك في يوم التقى فيه بنو أسد وبنو عامر، فرأى بعض الأسديين بعيراً أعور، فتطير، وقال لقومه هذا الكلام، فقضى أن قومه هزموا، وقتل منهم» انتهى. ويعرف هذا اليوم الذي التقيا فيه يوم جبلة، وكان بنو عامر قد جعلوا في مقدمتهم عند اللقاء جملاً أعور مشوه الخلق ذا ناب، وهو المسن، فعلوا ذلك ليتطير به الآخرون، فيكون ذلك سبباً لانهزامهم، فلما رأوه قال بعضهم: أأعور وذا ناب؟ أي: أتستقبلون هذا، وأنكر عليهم استقبالهم إياه، فلم يسمعوا منه، فهزموا، كأنه تطير بالناب، وتفاءل منه غماء وشدة، وبالعور؛ لأنه نقصان وتعور أمر، وكأنه قال: أتستقبلون من الأمر ما فيه عور وشدة، هذا تفسير المعنى، وتفسير الإعراب ما ذكره س، فانتصب على أنه مفعول به، والعرب تكره البعير الأعور إذا رأته في عسكر عدوها. وقيل: إنهم لقوا بعيراً أعور وكلباً. وقيل: بل البعير كان

стр. 2278

له ناب طويلة. قال س: «ولو قال أعور وذو ناب كان مصيباً» انتهى. وارتفاعه على مبتدأ مضمر يقدر فيه ما يصلح للمعنى، أي: مستقبلكم، أو مقابلكم، أو مصادفكم أعور. وقوله والأصح كون الأسماء مفعولات والصفات أحوالاً أما الخلاف في الصفات فقد تقدم الكلام فيه، وأن المبرد يزعم أنها مصادر جاءت على وزن الصفة، وتقدم الرد عليه. وأما الأسماء التي هي: ترباً وجندلاً، وفاها لفيك، وأعور وذا ناب- فقد قدر س لها عوامل تنصبها نصب المفعول به، وهو الذي اختار المصنف، وهو تأويل الأكثرين. وذهب الأستاذ أبو علي وغيره إلى أن ترباً وجندلاً ينتصب كنصب المصادر؛ لأنها وإن كانت جواهر فقد وقعت موضع المصادر؛ لأن هذا المعنى كثر فيها، فلذلك قدرها س بألزمك الله، أو أطعمك، ثم قال: «لأنهم جعلوه بدلاً من تربت يداك». فالأول هو التقدير الأصلي، والثاني هو الطارئ الذي قلناه. وكذلك قدر في جندلاً فعلاً من لفظه ينتصب عليه، ولذلك تدخل فيه اللام، فتقول: ترباً لك، كما تقول: سقياً لك، وقصته قصته. وأما «أعور وذا ناب» فقد تقدم تقدير س له: أتستقبلون أعور وذا ناب، فظاهرة ما ذهب إليه المصنف /من أنه منصوب على المفعول به.

стр. 2279

وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: قول س «أتستقبلون أعور» مشكل؛ لأن الأسماء التي ذكر في هذا الباب أحوال مبينة. وقال الأستاذ أبو الحسن بن خروف: ظاهره أنه مفعول، ولم يرد ذلك، إنما قاله على جهة التفسير والبيان، وحقيقة التقدير فيه: أتستقبلونه أعور وذا ناب، ولم يذكر في الباب مفعولاً، فإنما أراد ما يظهر في التفسير، ولم يقصد الإعراب ولا إلى الفعل الذي هذا الاسم بدل منه. وقال ابن عصفور: يتخرج ذلك على وجهين: أحدهما أن يكون تفسير معنى، وإنما أراد: أتستقبلونه أعور، وإذا استقبلوه أعور فقد استقبلوا الأعور. والثاني أن يكون حذف المفعول اقتصاراً أو اختصاراً، فيكون تفسير إعراب. وقد خلط المصنف في جمعه بين ترباً، وجندلاً، وفاها لفيك، وبين أعور وذا ناب، فذكرهما في فصل واحد، وس ذكر الثلاثة الأول في «باب ما جرى من الأسماء مجرى المصادر التي يدعى بها»، وذكر أعور وذا ناب في «باب ما جرى من الأسماء التي لم تؤخذ من الفعل مجرى الأسماء التي أخذت من الفعل»، فذكر في هذا الباب: أتميميا مرة وقيسياً أخرى، وأأعور وذا ناب، وقول الشاعر: أفي السلم أعياراً جفاء وغلظة ... وفي الحرب أشباه النساء العوارك

стр. 2280

وقول الآخر: أفي الولائم أولاداً لواحدة ... وفي العيادة أولاداً لعلات ويجوز النصب في الخبر أيضاً، فتقول: تميميا مرة وقيسياً أخرى، وأنشد يعقوب: هلا غير عمكم ظلمتم ... إذا ما كنتم متظلمينا عفاريتاً علي وأكل مالي ... وجبناً عن رجال آخرينا ويجوز ارتفاع ذلك، فتقول: أتميمي مرة وقيسي أخرى؟ على إضمار مبتدأ، التقدير: أأنت تميمي مرة.
следующие страницы →