← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17116

التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

أبو حيان الأندلسي

Полный текст (3 950 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

وقال قوم: علة بنائه شبه الحرف؛ إذا افتقر في الدلالة على ما وضع له إلى اليوم الذي أنت فيه, كما افتقر الحرف إلى غيره. وقال قوم: بني لشبهه بالأسماء المبهمة في انتقال معناه؛ لأنه لا يختص بمسمى دون آخر. وأجاز الخليل في لقيته/ [٣: ١٨٩/ أ] أمس أن يكون التقدير: لقيته بالأمس, فحذف الحرفين الباء وأل, فتكون الكسرة على هذا كسرة إعراب. وزعم قوم منهم الكسائي لأنه ليس مبنيًا ولا معربًا, بل هو محكي, سمي بفعل الأمر من المساء, كما لو سمي بأصبح من الصباح, فهو لفظ محكي, كما قال: بئس مقام الشيخ أمرس أمرس فموضع أمرس موضع المبتدأ, كأنه قال: بئس مقام الشيخ المقام الذي يقال فيه أمرش أمرس, يريد مقام الاستقاء بالدلو. وكذلك: جئت أمس, أي: اليوم الذي كنا نقول فيه: أمس عندنا أو معنا, وكانوا كثيرًا ما يقولون ذلك للزور والخليط إذا أراد الانصراف عنهم, ولاسيما مع حبهم الأضياف, فكثرت هذه الكلمة على ألسنتهم حتى صار اسمًا للوقت واليوم الذي قبل يومك وليلتك, وتعريفه بالإشارة إلى أنه اليوم الذي قبل يومك, وخرج بذلك عن حكم الأسماء النكرات؛ لأن بابها أن تتعرف بلام التعريف.

стр. 2417

وزعم أبو زيد السهيلي أن تعريفه بالإضافة معنى كتعريف أجمع, وسيأتي ذكر مذهبه في أجمع في باب التوكيد, إن شاء الله. وإن استعمل غير ظرف فذكر س عن الحجازيين بناؤه على الكسر رفعًا ونصبًا وجرًا, كما كان حال استعماله ظرفًا, فتقول: ذهب أمس بما فيه, وأحببت أمس, وما رأيتك منذ أمس, وعليه قوله: اليوم أعلم مل يجئ به ومضى بفصل قضائه أمس وما ذكرناه معنى ما ذكره المصنف بلا استثناء عند الحجازيين, يعني أنه مبني على الكسر سواء استعمل ظرفًا أو اسمًا غير ظرف. وقال المصنف في الشرح: "إذا قصد بأمس اليوم الذي وليه اليوم الذي أنت فيه بناه الحجازيون في موضع الرفع والنصب والجر على الكسر". فظاهر هذا الكلام اقتصار استعماله على اليوم الذي يليه اليوم الذي أنت فيه, وقد ذكرنا أنه يستعمل فيما قرب من يومك مما مضى, وهو مبني على الكسر في هذا الاستعمال. وقوله وباستثناء المرفوع ممنوع الصرف عند التميمين نقل س عن تمبم أنهم يوافقون الحجازيين حالة النصب والجر في بناء أمس على الكسر, ويعربونه

стр. 2418

إعراب ما لا ينصرف حالة الرفع, فيقولون: ذهب أمس بما فيه, واستحسنت أمس, وما رأيك منذ أمس, وقال الشاعر على لغة تميم: اعتصم بالرجاء إن عن بأس وتناس الذي تضمن أمس قال س: "واعلم أن بني تميم يقولون في موضع الرفع: ذهب أمس بما فيه, وما / [٣: ١٨/ب] رأيته منذ أمس, فلا يصرفون عن الرفع". ثم قال: " ألا ترى أن أهل الحجاز يكسرونه في كل موضع, وبنو تميم يكسرونه في أكثر المواضع في الجر والنصب. وقوله ومنهم من يجعل كالمرفوع غيره أي: ومن بني تميم من يجعل أمس في حالة النصب والجر غير منصرف كحالة الرفع, ولا يبنونه على الكسر في حالة النصب والجر. وهذا الذي ذكره المصنف مختلف فيه: ذهب بعضهم إلى أن بني تميم يعربونه إذا لم يكن ظرفًا في الرفع والنصب والجر إعراب ما لا يتصرف, وهو قول ابن عصفور في "شرح الجمل" قال ما نصه: "وبنو تميم يعربونه إعراب ما لا ينصرف". وذهب بعضهم إلى أنه معرب في الرفع عند بني تميم إعراب ما لا ينصرف, مبني على الكسر في حالة النصب والجر. قال الأستاذ أبو علي: أكثر الناس يغلطون في هذا, فينسبون لبني تميم أنهم يعربونه في كل وجه, كما أن

стр. 2419

الحجازيين يبنونه في كل وجه, وإنما يجريه بنو تميم على الوجهين, يعربونه في الرفع, ويعللون منع صرفه بما تقدم في سحر- يعنى من علة العدل- ويبنونه فيما عدا ذلك, ويعللونه بعلة بنائه. والدليل على إعرابهم إياه في الرفع أنهم يجعلونه فيه على حركة أخرى, وليس لهم مبني على أكثر من حركة؛ لأن ذلك هو الإعراب. ويدل على بنائهم إياه في غير الرفع أنه لو كان عندهم معربًا لكان مفتوحًا في الجر والنصب, ولو كان منصرفًا لنونوه في الجر. وذهب بعضهم إلى ما ذكره المصنف من أن بني تميم تعربه في الرفع إعراب ملا ينصرف, وتبنيه في النصب والجر على الكسر, وأن بعضهم يعربه إعراب ما لا ينصرف مطلقًا في الرفع والنصب والجر. وإلى هذا ذهب الأستاذ أبو الحسن بن الباذش. قال المصنف: "وعليه قول الراجز: لقد رأيت عجبًا مذ أمسا". وهذا هو الصحيح, وهو ظاهر كلام س, وحكاها الكسائي, أعني أن بعضهم يمنعه الصرف في الأحوال الثلاثة. وزعم الزجاج أن هؤلاء يعربونه إعراب ما لا ينصرف وإن كان ظرفًا, كما فعل في سحر ظرفًا. وقال الكسائي أيضًا: ومنهم من ينونه في الأحوال الثلاثة. يعني تنوين الصرف، إلا في النصب على الظرف, فإنهم لا ينونونه. وحكي الزجاج أيضًا أن بعض العرب ينونه, وهو مبني على الكسر, قال: شبوه بغاق وشبهه من الأصوات.

стр. 2420

فتلخص فيه خمس لغات: بناؤه على الكسر مطلقًا دون تنوين, وبناؤه على الكسر مطلقًا بالتنوين, وإعرابه منصرفًا مطلقًا, وإعرابه غير منصرف مطلقًا, وإعرابه غير منصرف رفعًا وبناؤه على الكسر نصبًا وجرًا. وقوله وليس بناؤه على الفتح لغة, خلافًا للزجاجي قبل المصنف في الشرح: " زعم أبو القاسم الزجاجي أن من/ [٣: ١٩٠/أ] العرب من يبني أمس على الفتح, واستشهد بهذا الرجز, ومدعاه غير صحيح لامتناع الفتح في موضع الرفع, ولأن س استشهد بالرجز على أن الفتح في (مذ أمسا) فتحة إعراب, وأبو القاسم لم يأخذ البيت من غير كتاب سيبويه, فقد غلط فيما ذهب إليه, واستحق ألا يعول عليه". وقال ابن الباذش: "خرج الزجاجي عن إجماع النحاة بقوله: ومن العرب من يبنيه على الفتح, واستدل على ذلك بقوله: لقد رأيت شبحًا مذ أمسا ولا حجة فيه لأن أمس ليس بظرف, وإنما هو اسم دليل دخول حرف الجر عليه؛ لأن حرف الجر إذا دخل على الظرف انتقل عن الظرفية, وإذا كان غير ظرف فإن كان في موضع نصب أو خفض لم يجز فيه عندهما إلا البناء على الفتح أو الكسر, أو في موضع رفع فيجوز فيه عندهما الوجهان: البناء, وإعراب ما لا ينصرف. ودليلهما أن أمس إذا كان غير ظرف وكان في موضع نصب أو خفض يجوز فيه البناء على الفتح, نحو قوله: لقد رأيت عجبًا مذ أمسا

стр. 2421

وهذا لا حجة فيه لأنه يمكن أن يكون معربًا إعراب ما لا ينصرف. وأيضًا فإن الدليل على انه ليس بمبني على الفتح أنه لم يأت إلا في موضع خفض, ولو كان مبنيًا لجاء مثل: شهدت زيدًا أمس" انتهى. وقال شيخنا الأستاذ حسن ابن الضائع:"قال أبو القاسم- يعني الزجاجي-: ومن العرب من يبنيه على الفتحة. هذه اللغة لم يحكها غيره, غير أن ابن عصفور حكي عن الزجاج ذلك, والذي رأيت الزجاج خلافه, قال في كتاب "الأنواء" لما أنشد: لقد رأيت عجبًا مذ أمسا (ترك صرفه من خفض بمذ) " انتهى. وقال س: "وقد فتح قوم أمس في مذ, لما رفعوا وكانت في الجر هي التي ترفع شبهوها بها, قال: لقد رأيت عجبًا مذ أمسا عجائزًا مثل الأفاعي خمسًا وهذا قليل" انتهى. قال بعض أصحابنا: "قوله (وقد فتح قوم) حمله قوم على انه يريد البناء فيه على حركة الفتح إذا جروه. وحملة قوم على أنه يريد الإعراب, أي: يعربونه في الجر, لكن مع مذ. (لما رفعوا) , أي كما أعربوه في الرفع أعربوه أيضًا في الجر, وهذا هو الأليق بالموضع؛ لأنه لو أراد البناء لم يكن لذكره الرفع معنى, ولا لقوله (وكانت في الجر هي التي ترفع). وإنما غلط من قال بالقول الأول لقوله (فتح قوم) ,

стр. 2422

وإنما ذلك على عادته في إطلاق الفتح على النصب, أو لأن هذه الحركة ليست عن ناصب؛ لأن الجار لا يطلب النصبة" انتهى. فإن قلت: لعل مستند من حكي فيه إعراب ما لا ينصرف مطلقًا هذا الرجز, ولا تكون في ذلك حجة على أبي القاسم, وهو ظاهر كلام س. قلت: قد صرح غير س- وهو الكسائي- بأن منعه الصرف في الأحوال الثلاثة لغة, فحمل الرجز على ما استقر من منع الصرف فيه أولى من حمله على البناء على الفتح الذي لم يستقر فيه. وقوله فإن نكر/ [٣: ١٩٠/ب] مثال التنكير: مضى لنا أمس حسن, لا تريد اليوم الذي قبل يومك, ولذلك نعته بنكرة. ومثال الإضافة: إن أمسنا يوم طيب. ومثال الألف واللام: إن الأمس ليوم حسن. وكذلك يعرب إذا ثنى أو جمع, قال الزجاج: يجمع على آمس وآماس كزند وأزند وأزناد في القلة, وعلى أموس في الكثرة. وأنشد: مرت بنا أول من أموس تميس ينا مشية العروس قال الزجاج: "فهذا جميع ما روينا في أمس". يعني من صيغ الجمع. وأما إذا صغر فذكر المصنف في "شرح الشافية الكافية" له ما نصه: "ولا خلاف في إعرابه إذا أضيف, أو معه الألف واللام, أو نكر, أو صغر, أو كسر" انتهى.

стр. 2423

فذكر أنه لا خلاف في إعرابه إذا صغر, وهو مخالف لنص س وغيره من النحاة أن أمس لا يصغر, قال س: "وأما أمس وغد فلا يحقران", ثم ذكر, تعليل امتناع تحقيرهما, ثم قال: "كرهوا أن يحقروها كما كرهوا تحقير أين, واستغنوا عن تحقيرهما بالذي هو أشد تمكنًا, وهو اليوم والليلة" انتهى. ونصوص النحاة على ما قال س. وهذا يدل على قلة نظر هذا المصنف في كتاب س إذا ادعى الإجماع فيما الإجماع على خلافه. وفي البسيط: "لو سميت بأمس على لغة من أعرب في الأحوال [الثلاث] لصرفت. وقيل: ر ينصرف لأنه إنما كان الأصل في التسمية بأمس في حالة العدل أن تمنعها؛ لأنك نقلت من أمس المعدولة, ولا أصل لها سواه, فصار بمنزلة التسمية بالمعدول, فيكون معدولاً, والفرق بينه وبين سحر أن سحر له أصل في النكرة, يرجع إليه في التسمية, ويحمل عليه. وفيه نظر" انتهى. وقال بعض أصحابنا: "أمس إن كان بأل معرب مصروف, أو مضاف فالإعراب, أو غير مضاف مصغرًا فالإعراب والصرف, أو مكبرًا ظرفًا فالبناء ليس إلا. أو اسمًا فالحجاز تبنيه لتضمنه معنى أل, وتميم تعربه إعراب ما لا ينصرف. وقول الزجاجي في (مذ أمسا) "إنه مبني" ليس كما ذكر, بل هو لغة تميم. فإن سميت به فليس فيه علة, قال الفارسي: كتب إسماعيل القاضي إلي أبي العباس مسألة في قوله:

стр. 2424

منع الرقاد تقلب الشمس وطلوعها من حيث لا تمسي وطلوعها بيضاء صافية وتغيب في صفراء كالورس اليوم أعلم ما يجيء به ومضى بفصل قضائه أمس فكتب إليه بالتقسيم الذي كتبناه قبل" انتهى. وفي كلامه أن أمس يصغر, والظاهر إتباع أبي على المبرد على ذلك, وكله ذهول عن نص س. وقد ذهل عنه أبو محمد بن/ [٣: ١٩١/أ] الدهان, فذكر في "الغرة شرح اللمع" ما نصه: ويبنى في الظرفية إجماعًا, هذا ما نص عليه الزجاج إذا كان معرفة بغير إضافة ولا لام تعريف مكبرًا مفردًا, فأما إذا عرف بالإضافة, أو باللام, أو صغر, أو نكر, أو ثني, أو جمع- فإنه معرب". وقوله وقد يبني المقارن لهما قال المصنف في الشرح: "ومن العرب من يستصحب البناء مع مقارنة الألف واللام, كقول الشاعر: وإني وقفت اليوم والأمس قبله ببابك حتى كادت الشمس تغرب فكسر السين, وهو في موضع نصب, والوجه فيه أن يكون زاد الألف واللام بغير تعريف, واستصحب تضمين معنى المعرفة, واستدام البناء, أو تكون هي المعرفة, وقد زال البناء لزوال التضمين ومشابهة ضمير الغائبة, فتكون الكسرة كسرة إعراب على تقدير باء حذفت وبقي عملها, كما حذفت من وبقي عملها في رواية من يروي: ألا رجلٍ جزاه الله خيرًا .............. " انتهى.

стр. 2425

وقال الزجاج: "الأكثر في أمس إذا دخلت عليها الألف واللام الإعراب, فتقول: رأيت الأمس, كما قال نصيب: وإني حبست اليوم والأمس قبله ببابك حتى كادت الشمس تغرب فنصب الأمس بالعطف على اليوم, وقال العجاج: غضف طواها الأمس كلابي فنصب" قال: " وبعض العرب يقول: رأيته بالأمس", ثم ذكر تأويله على الوجهين الذين ذكرهما المصنف من الباء على زيادة أل, أو الإعراب على إسقاط حرف الجر, قال: كما قالوا: لاه أبوك, يريدون: لله أبوك, وكقول رؤية في جواب: كيف أصبحت؟::خيرٍ, عافاك الله". وفي البسيط: وقال بعضهم: لقيته الأمس الأحدث, فجره, وفيه الألف واللام, وهو لا يكاد يعرف.

стр. 2426

-[ص: فصل الصالح للظرفية القياسية من أسماء الأمكنة ما دل على مقدر, أو مسمى إضافي محض, أو جارٍ باطراد مجرى ما هو كذلك. فإن جيء بغير ذلك لظرفية لازمة غالبًا لفظ "في" أو في معناها, ما لم يكن كمقعد في الاشتقاق من اسم الواقع فيه, فيلحق بالظروف, قياسًا إن عمل فيه أصله أو مشارك له في الفرعية, وسماعًا إن دل على قرب أو بعد, نحو: هو مني منزلة الشغاف, ومناط الثريا.]- ش: لما فرغ من الكلام على ظرف الزمان, وأن الفعل مطلقًا يتعدى إلى جميع ضروبه من مبهم ومختص- أخذ يذكر ظروف المكان, وأن الفعل يتعدى منها إلى أربعة فينصبها. وإنما قال القياسية لأن منها ما يتعدى/ [٣: ١٩١/ ب] إليه العامل على سبيل الشذوذ, وسيأتي ذكره. قوله ما دل على مقدر هذا هو الأول, وفي نسختي: مقدر, وثبت في بعض نسخ الشرح: على مقدار, وذلك ومقدر متقاربتان, وذلك نحو ميل وفرسخ وبريد وغلوة. وهذا النوع من الظرف المقدر اختلفوا فيه هل هو داخل تحت حد المبهم أم لا: فذهب الأستاذ أبو علي إلى أنه ليس داخلاً تحت حد المبهم؛ لأن المبهم كما ذكروا لا تكون له نهاية معروفة ولا حدود محصورة, وهذه الظروف المقدرة لها نهاية معروفة وحدوده محصورة؛ ألا ترى أن الميل مقدار معلوم من المسافة, وكذلك البريد والفرسخ والغلوة.

стр. 2427

وذهب غيره إلى أنها داخلة تحت حد المبهم, وهو ظاهر كلام الفارسي. قال بعض أصحابنا: "وهو الصحيح؛ لأنه إنما يرجع تقديرها إلى الباع؛ ألا ترى أن الغلوة مئة باع, والميل عشر غلاء, والفرسخ ثلاثة أميال, والبريد أربعة فراسخ, والباع لا ينضبط إلا بتقريب؛ لأنه يزيد وينقص, ويلزم من ذلك أن تكون هذه المقدرات غير محققة النهاية والحدود, بل تحديدها على جهة التقريب. ويبين أنها لا تكون محصورة كحصر الدار والمسجد أن هذين لهما حدود محصورة, ما زاد عليهما غير داخل فيهما, وهذه المسافات ليست كذلك, بل تحتمل الزيادة والنقص. وأيضًا فإن كانت معلومة القدر على جهة التقريب كما ذكرنا فإنها مجهولة العين, بخلاف الدار والمسجد وأشباههما من الظروف المختصة, فإنها معلومة العين والقدر" انتهى. وقال س: "ويتعدى إلى ما كان وقتًا في الأمكنة كما يتعدى إلى ما كان وقتًا في الأزمنة؛ لأن وقت يقع في المكان, لا يخت به مكان واحد, كما أن ذلك وقت في الأزمان, لا يختص به زمن بعينه". ثم قال: "وذلك قولك: ذهبت فرسخين وسرت ميلين, كما تقول: ذهبت الشهرين, وسرت الميلين" انتهى. فمن حيث التوقيت ظاهره أنه مختص, ومن حيث قوله "لا يختص به مكان" ظاهره الإبهام. والصحيح أنه شبيه بالمبهم, ولذلك وصل إليه الفعل بنفسه. وما ذهب إليه المصنف من أن هذا المقدر ينصبه الفعل نصب ظرف المكان هو قول النحويين إلا السهيلي, فإنه زعم أن انتصاب هذا النوع انتصاب المصادر لا انتصاب الظروف, قال السهيلي:

стр. 2428

"إن قيل: كيف نصبوا ميلاً وفرسخًا على الظرف والفعل لا يتضمنه كما يتضمن ما هو الوصف له؟ وكيف ثنوا الميل وجمعوه دون غيره من ظروف المكان؟ ولم لا ينخفض بفي, فيقال: سرت في ميل, كجلست في مكان؟ فالجواب: إن الميل ليس بظرف؛ ألا ترى أنه ليس كالجهات الست المضافة؛ لأن الجهة/ [٣: ١٩٢/ أ] لا معنى لها إلا بإضافتها إلى من هي له, والميل لا يضاف, ولا معنى لإضافته شيء, والظرف مقدر بقي, وقد يصرح بها في المتمكن, والميل لا يقدر بفي, ولو قدر بفي لجاز إظهارها لأنه متمكن, يكون فاعلاً ومبتدأ, ويثنى, ويجمع, فما المانع من سرت في ميلٍ لو كان ظرفًا؟ وأيضًا فالظرف يعمل فيه كل فعل ناصب له, والميل لا يعمل فيه إلا ما كان في معنى المشي والحركة, لا تقول: رقدت ميلاً, ولا: قعدت ميلاً, فدل هذا كله على أنه من باب المصادر لا من باب الظروف, وإنما هو اسم لخطًا معدودة, فكما تقول: سرت خطوة وخطًا, ولا يكون هذا ظرفًا, إنما هو مصدر- فكذلك سرت ألف خطوة, أو ثلاثة آلاف ذراع, فالميل والفرسخ عبارة عن هذه الأعداد من الخطأ, كما أن القنطار عبارة عن أعداد كبيرة من الدراهم أو غيرها, فكما أقول: قبضت درهمًا, وقبضت قنطارًا, ولا يختلف الإعراب- فكذا ينبغي ألا يختلف إذا قلت: مشيت خطوة أو خطوتين, ومشيت ميلاً أو ميلين, ومحال أن يقع ظرفًا إذا كثر, ومصدرًا إذا قل, بل ينبغي إلا يختلف الإعراب كما لم يختلف المعنى. وسمي هذا القدر من الخطأ ميلاً لأنهم كانوا ينصبون على الطرق أميالاً كانوا بها مقادير الخطأ التي مشوها؛ فيجعلون على رأس كل ثلاثة آلاف ذراع بناء كهيئة الميل, يكتبون فيه العدد مما مشوه, أنشد أبو عبيد:

стр. 2429

وعن صوا أميالها المواثل وقال هشام لأعرابي كان يسير معه: انظر في الميل, كم مشينا؟ وكان الأعرابي أميًا لا يقرأ, فنظر, ثم جاء, فقال: "فيه مخطف وحلقة, وثلاثة كأطباء الكلبة, وهامة كهامة القطا". فضحك هشام, وعلم أن في الميل خمسة. ذكر هذا الخبر قاسم بن ثابت, وكشف القناع عن الحقائق أولى من لزوم حضيض التقليد" انتهى كلام السهيلي. والنحاة سموا المسافة التي تقع فيها الخطأ المذكورة باسم الخطأ المذكورة, واللغة تساعد مذهب السهيلي؛ لأن اللغويين حين شرحوا الغلوة والميل والفرسخ والبريد شرحوها بالخطأ والأنواع. وفي البسيط: إذا حذف حرف الوعاء فيما من شأنه أن يحذف انتصب ظرفًا مؤكدًا إن كان مبهمًا؛ ومبينًا إن كان غير مبهم. وذهب الكوفيون إلى أنه لا يجوز نصب المبهم لعدم الفائدة, بل لابد من وصف يخصصه, أما ما في حكمه, نحو: قعدت مكانًا صالحًا, وكذلك في الجهة, فلا تقول: قعدت قدامًا, ولا خلفًا, إلا على الحال, كأنك قلت: متقدمًا, ومتأخرًا.

стр. 2430

فإن خصصته بالإضافة / [٣: ١٩٢/ ب] جاز، نحو: قعدت قُدامك، وخلفك، وهذا بناء على منع التأكيد، وهو فاسد. وذهب أبو زيد إلى أن ما خرج عن المبهم فإنما ينتصب نصب المفعول على النيابة؛ كأنه قال في سرت فرسخين: سرت سيرًا مقدرًا بفرسخين. وذهب ابن طلحة إلى تقديره بحذف المضاف، كأنه قيل: سير فرسخين، كما في قولك ضربته سوطًا، أي: ضربة سوط. وإنما قال ذلك لعدم دلالة الفعل عليه لخصوصه، فلا يكون ظرفًا. فإن كان مبهمًا دل عليه الفعل جاز. وقيل: لأنه ليس بظرف؛ لأنه لا يقال في جواب أين. وهذا فاسد: أما الأول فلأن المستدعي للعموم مستدعٍ لخاص في الجملة؛ لأن العام لابد له من الخاص، فيخرج مبينًا. وأما الثاني فلأن المعدود يقال في جواب كم، ولا يقال في جواب أين إلا غير المعدود، وكم يكون ظرفًا. وفرق أبو زيد بين مبهم الجهات والأمكنة، فجعل مبهم الجهات منتصبًا على معنى الفعل المأخوذ منها، كالخلف من تخلفت، والأمام من أممت، فله دلالة عليه بهذا النحو، فانتصب على هذا. وفيه نظر لأنه لا فرق بين استدعاء المكان والجهة إلا أن تجعل أن المكان من تمكنت، فيجري الكل مجرىً واحدًا، وهذا تكلف لا يحتاج إليه؛ لأنه لو نصب الفعل ما دل عليه بلفظه لم ينصب المفعول بهن ولا يقال ما دل عليه الفعل بلفظه انتصب نصب المصدر والزمان، وما لا يدل عليه انتصب نصب المفعول؛ لأنا نمنع هذا التقسيم، بل ما لم يدل عليه بلفظه ينقسم إلى الظرف وغيره.

стр. 2431

وقوله أو مسمى إضافي محض قال الشارح: "أي لا تعرف حقيقته بنفسه، بل بما يضاف إليه، كمكان وناحية وأمام ووراء ووجه وجهة وكجنابتي في قول العرب: هما خطان جنابتي أنفها، يعنون خطين اكتنفا أنف الظبية، وكجنبي في قول الشاعر: نحن الفوارس يوم الحنو ضاحية جنبي فطيمة، ميلٌ ولا عزل وكأقطار في قولهم: قومك أقطار البلاد، وكمساليه في قول الشاعر: إذا ما نعشناه على الرحل يثني مساليه عنه في وراءٍ ومقدم قال س: (مسالاه: عطفاه، فصار كجنبي فطيمة) انتهى. وإنما تعدى الفعل إلى المبهم بنفسه لأنه يطلب من جهة معناه مكانًا مبهمًا؛ من حيث إن الفعل لابد أن يكون في مكان، وكل مكان يصدق عليه اسم جانب وناحية وخلف وقدام ووراء، وغير ذلك من أسماء الأماكن المبهمة غير المشتقة من لفظ الفعل؛ ألا ترى أن كل مكان خلف بالنظر إلى شيء، وقدام ووراء بالنظر إلى آخر.

стр. 2432

واحترز بقوله محض من الإضافي الذي يدل بنفسه على معنى لا يصلح لكل مكان؛ نحو / [٣: ١٩٣/ أ] جوف وباطن وظاهر وداخل وخارج، فإن هذه وما أشبهها من الأماكن المختصة إذا قُصد بشيء منها معنى الظرفية لازمة لفظ "في" أو ما في معناها. وقول المصنف في الشرح "كمكان" مكان: مفعل من الكون؛ لأنه الموضع الذي يكون فيه الكائن، ولزمت الميم، فصارت كالأصلي، فقالوا في الجمع أمكنة، كما قالوا في زمان أزمنة، كأن وزنه فعال، كذا قال الخليل. وقوله في الشرح "وكجنابتي في قول العرب: هما خطان جنابتي أنفها"، وهذه فيها خلاف: ذهب الفارسي إلى أن قولهم جنابتي أنفها من الأسماء المختصة المستعملة استعمال الظروف، وإن كان ذلك يحفظ، ولا يقاس عليه. وذهب س إلى أنه من قبيل الظروف المبهمة. قال بعض أصحابنا: والذي غلط الفارسي في ذلك هو أن الموضع الذي تقع عليه جنابة الأنف صغير ضيق، فتوهم لذلك أنه من قبيل المخصوص المحصور. والصحيح أنه من قبيل الاسم المبهم لأنه يقع على صفح الأنف وعلى ما اتصل به بغير تراخٍ أو بتراخٍ يسير، وليس له حد محقق ينتهي إليه، وإذا كان كذلك فهو من قبيل المبهم. والجيم من جنابتي تكسر وتفتح.

стр. 2433

و "جنابتي" من الأسماء غير الظروف، جعل ظرفًا لأن جانب أنف الظبية ليس بمكان، كما أن خدها ليس بمكان؛ ألا ترى أنك لا تقول: رأيت خالًا خد زيد، فكان ينبغي ألا يقال جنابتي، لكن حظه الحفظ، فهو مما نصبته العرب على الظرف، وهو مبهم؛ لأنه بمعنى ناحية، وناحية مبهم وإن أضيف إلى معرفة. وأما "جنبي فطيمة" فهو موضع، فليس مما جُعل من الأسماء ظرفًا بغير قياس. وأما "أقطار البلاد" فأقطار جمع قطر، وهو الناحية، فالمعنى: قومك في نواحي البلاد. وأما "مساليه" فالمسال عند س العطف، وهو الجانب، وليس باسم مكان، فكان ينبغي ألا يكون ظرفًا، لكن استعمل ظرفًا، وشُبه بجنبي فطيمة، كما جُعل هما خطان جنابتي أنفها ظرفًا تشبيهًا له بجنبي فطيمة. والمعنى: إذا ما رفعناه على الرحل انثنى لينظر في جانبيه من وراء ومقدم. وزعم ثابت في كتاب "خلق الإنسان" له أن المسال ما هبط من الصدغ إلى العذار. ووجدت بخط ابن خروف: مسالا الرجل: جانبا لحيته، وأحدهما مسال، وأنشد ابن دريد:

стр. 2434

فلو كان في الحي النجي سواده لما مسح تلك المسالات عامر وقسم أصحابنا المبهم إلى أربعة أقسام: قسم وضعته العرب عمومًا، وهو مكان وما في معناه من موضع، ومنزل، والجهات: فوق، وتحت، ويمين، وشمال، وأمام، وخلف. /الثاني: ما كان منسوبًا، نحو: شرقي الدار، وغربي المسجد. الثالث: ما اشتق من الفعل، نحو: المذهب، والمجلس الرابع: المصدر الموضوع موضع الظرف، نحو: هو قصدك. ونتكلم في هذين قريبًا إن شاء الله عند تكلم المصنف عليهما. وقد نصبت العرب على الظرف ما ليس بظرف، وهو يحفظ، والوارد من ذلك فوقك ودونك إذا أردت بهما الرتبة في الشرف لا المكان، وسواك ومكانك بمعنى بذلك، وجنابتي أنفها. وزاد الكوفيون: مثلك، وقرنك، وسنك، ولدتك، وموضع السمع عندهم مثلك. وما استدلوا به متأول عند البصريين. وقوله أو جارٍ باطراد مجرى ما هو كذلك قال المصنف في الشرح: "وذلك صفة المكان الغالبة، نحو: هم قريبًا منك، وشرقي المسجد، قال الشاعر: هبت جنوبًا، فذكرى ما ذكرتكم عند الصفاة التي شرقي حوارنا ومصادر قامت مقام مكان مضاف إليها تقديرًا، نحو قولهم: هو قرب الدار، ووزن الجبل، وزنته أي: مكان مُسامتته. والمراد هنا بالاطراد ألا تختص ظرفيته بعاملٍ ما، كاختصاص ظرفية المشتق من اسم الواقع فيه" انتهى.

стр. 2435

قال ثعلب: "إن جعلت قريبًا من القرابة ثُني، وجُمع، وأُنث، أو من القرب أو خلفًا من موصوف فلا يُثنى ولا يُجمع ولا يؤنث" انتهى. وإنما امتنعت في ذاك تثنيته وجمع وتأنيثه لأنه خلف من موصوف مذكر، وهو مكان. ومما ينتصب ظرفًا بمعنى قريب الظرف قبلك، ونحوك، وقُرابتك بمعنى قريبًا، إلا أنه أشد مبالغة؛ ألا ترى أن ثعلبًا قال: "وتقول: عندي غلام يخبز الغليظ والرقيق، فإن أردت الجردق قلت: الرقاق"، فجعل الرقاق ما تناهى رقة، وكذلك الطويل والطوال، الطوال أبلغ في الطول. ومما يؤيد أن الفعال أبلغ من الفعيل أن س فسر قرابتك، فقال: "صار هذا بمنزلة قول العرب: هو حذاءه وإزاءه" فجعل قُرابتك بمعنى متصل به وموازٍ له، بخلاف قريب الذي يكون لما تأخر عنك. وذكر س: هم حواليك، وهي تثنية، لا شفع الواحد، معناها معنى أحوالك وحولك. وأما شرقي المسجد فمنسوب إلى الشرق، ومعناه: المكان الذي يلي الشرق، وهو من ذلك الموضع الذي تشير إليه بالشرق إلى منقطع العالم، فشرق الدار معرفة؛ لأن الشرق جزء من الدار، وكذلك غربها، وأما شرقيها فليس كذلك، بل الذي يلي الشرق منها غير معين، فصار شرقي من شرقٍ بمنزلة زيدي من زيد، عندما / [٣: ١٩٤/ أ] دخلته ياء النسب انبهم. وأما قول المصنف "وزن الجبل وزنته، أي: مكن مسامتته" فقد فرق س بين وزن الجبل وزنة الجبل، فزعم أن معنى وزن الجبل: ناحية توازنه، أي: تُقابله،

стр. 2436

كانت قريبة منه أو بعيدة، وزنة الجبل: حذاؤه، أي: متصلة به، وكلاهما يصل إليه الفعل اللازم بنفسه لإبهامهما. وذكر س من المصادر: هو قصدك، وحلة الغور. وذكر س أيضًا: هو صددك، وصقبك، وليسا مصدرين؛ لأن فعلهما على وزن فعل، فالمصدر صقب وصد، فهما اسمان في معنى المصدر. وقوله أو ما في معناها مثاله: قعد زيدٌ بالبصرة، فالباء الظرفية هي في معنى في. وقوله فإن جيء بغير ذلك لظرفيةٍ لازمه غالبًا لفظ في. معنى "بغير ذلك": بغير القدر، والإضافي المحض، والجاري باطراد مجراه، و"غير ذلك" هو الظرف المختص. قال بعضهم: وهو الذي له اسم من جهة نفسه، كالدار والمسجد والحانوت. وقال بعضهم: ما كان لفظه يختص ببعض الأماكن دون بعض. وقيل: ما كان له أقطار تحصره، ونهايات تحيط به. فهذا المختص لا يتعدى إليه الفعل إلا بوساطة "في" إذا أردت معنى الظرفية. وقوله غالبًا احتراز مما تعدى إليه الفعل بغير وساطة "في"، وذلك يُحفظ، وهو كل مكان مختص مع دخلت، وتقدم الخلاف في ذلك، و"الشام" مع ذهبت خاصة.

стр. 2437

وزعم الفراء أن العرب أنفذت إلى أسماء الأماكن والبلاد دخلت وذهبت وانطلقت، وحكي أنهم يقولون: انطلقت العراق، وذهبت اليمن، ودخلت الكوفة. وهذا شيء لم يحفظه س ولا غيره من البصريين، والفراء ثقة فيما نقله. وذهب بعض النحويين إلى أن ذهبت الشام مقيس؛ لأنه إنما سُمي بهذا لأنه شأمة، فكما أن ذهبت شأمةً مقيس، فكذلك ذهبت الشام. وأجاز قياسًا على هذا: ذهبت اليمن؛ لأنه عنده إنما سُمي اليمن لكونه يمنة، فكما تقول: ذهبت يمنةً، ويكون ذلك مقيسًا، فكذلك تقول: ذهبت اليمن. وقوى بعض الناس هذا المذهب بأن العرب قد قالت في اليمن يمنة، قال: فبتنا يقينا ساقط الطل والندى من الليل بردا يمنةٍ عطران المعنى: برادان من اليمن. وألزم أبو سعيد قائل هذا أن يجيز: ذهبت العالية؛ لأنها في معنى علو. وهذا فاسد؛ لأن العرب لو سمت مكانًا مختصًا يمنة أو شأمة أو علو صار مختصًا، فلا يُوصل إليه إلا بوساطة في. وفي البسيط: قال المبرد: / [٣: ١٩٤/ ب] "ذهبت الشام ليس من الباب، بل هو مما أُسقط منه حرف الجر - وهو إلى - لا حرف الوعاء". وما ذكره

стр. 2438

محتمل، لكن إنما أتى به س على أن العمل فيه، ولا يكون ذلك [إلا حتى يفهمه عنهم]، وإلا لا حُجة فيه. قيل: ويدل عليه أنه يقال: داره الشام، أي: في الشام، ولو كان على حذف إلى لسمع في الكوفة ونحوها، ولا يقال إن ذهبت كنصح؛ لأنه لم يُسمع: ذهبت الدار، بمعنى: ذهبت فيها. وقيل: الأصل ذكر حرف الوعاء، لكنه حذف لا تشبيهًا بالمبهم، بل بمنزلة: مررت زيدًا. ورد بأنه لو كان لكان مفعولًا لا ظرفًا، ولو كان لما قلت: داره الشام، وجوازه دل على جواز الظرفية، فيكون من باب الظروف. وزعم الفراء أن ذهبت تصل بنفسها إلى أسماء الأماكن، نحو عمان ونجد والعراق، وحكاه عن العرب. وتُؤول على أنه في الشعر؛ لأن ما حكاه البصريون هو بالحرف. وقول العرب: رجع فلانٌ أدراجه، أي: في الطريق الذي جاء فيه، حكاه س، وقال الشاعر: لما دعا الدعوة الأولى، فأسمعني أخذت بُردي، واستمررت أدراجي فالأدراج ظرف مختص كالطريق.

стр. 2439

وقول العرب: صيد عليه قنوين وقال آخر: أنصب للمنية تعتريهم رجالي أم هم درج السيول هذا ما حفظ في الاختيار. وأما قوله: لدن بهز الكف، يعسل متنه فيه كما عسل الطريق الثعلب وقول الآخر: قلن عسفان، ثم رحن سراعًا يتطلعن من نقاب الثغور وقول الآخر: فلأبغينكم قنًا وعوارضًا ولأقبلن الخيل لابة ضرغد

стр. 2440

وقول الآخر: جزي الله بالإحسان ما فعلا بكم رفيقين قالا خيمتي أم معبد فضرورة؛ إذ الطريق وعُسفان وقنًا وعوارضًا وخيمتي أم معبد أماكن مختصة، وقد وصل إليها الفعل بغير وساطة في، وهي ظروف. وفي هذا خلاف: ذهب س إلى أن انتصابها على الظرف تشبيها للمختص بالمبهم، من جهة أم كل واحد منها اسم مكان محتو على ما فيه. وزعم الفارسي أن انتصابها نصب المفعول به بعد/ [٣: ١٩٥/ أ] إسقاط حرف الجر تشبيها لها بالإناسي. وذهب بعض النحويين إلى أن انتصاب الطريق ظرفًا يجوز أن يكون في فصيح الكلام بناءً منه على أن كل موضع يُستطرق فيه طريق. وأخذ بهذا المذهب ابن الطراوة، فزعم أن تعدي الفعل إلى الطريق مشهور في الكلام جار على القياس، قال: ومنه قول العرب: "أبعده الله وأسحقه، وأوقد نارًا إثره"، وقوله: ......................... وقد قعدوا أنفاقها كل مقعد وقوله:

стр. 2441

........................ يهوي مخارمها هوي الأجدل قال: ذهبت طريقي، ومروا طرقاتكم، فهذا السماع عنده. وأما القياس فإن الطريق اسمٌ لما يمكن أن يُستطرق، وإذا كان كذلك كان مبهمًا. وهذا باطل عند جمهور البصريين؛ لأن الطريق لا يقع لغة إلا على ما استطرق، لا على ما يمكن أن يُستطرق، فهو مختص. وأما "أوقد نارًا إثره" فالإثر ليس بالطريق، وإنما هو بمعنى وراءه، فهو من قبيل المبهم. وأما "وقد قعدوا أنفاقها"، ويهوي مخارمها"، فضرورة. وأما "ذهبت طريقي"، و"مروا طرقاتكم" - فقال الأستاذ أبو علي: الرد عليه تكذيبه. وجعل المصنف في الشرح قوله تعالى ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾، ﴿واقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ من الظروف المختصة التي حُذف منها "في" في الاختيار. وهذا مذهب الفراء. والصحيح أنه ليس انتصابه على الظرف، بل على المفعول به، على تضمين لأقعدن لأملكن، واقعدوا: املكوا، وباب التضمين أوسع من تعدي الفعل إلى المختص على سبيل الظرفية بغير في.

стр. 2442

وقوله ما لم يكن كمقعد في الاشتقاق إلى قوله في الفرعية هذا هو النوع الرابع من الأنواع التي ذكرها المنصف، وهو ما دل على محل الحدث المشتق هو من اسمه، كمقعد ومرقد ومصلى ومعتكف، فمثال عمل أصله: قُعودي مقعد زيدٍ، ومثال عمل المشارك: قعدت مقعد زيدٍ، فلو عمل فيه غير الأصل أو المشارك، نحو: ضحكت مجلس زيدٍ، أي: في مجلس زيدٍ - لم يجز. وقوله وسماعًا إن دل على قربٍ أو بعدٍ قال المصنف: "عد من الشواذ: هو مني مقعد القابلة، ومقعد الإزار، ومناط الثريا، ونحو ذلك؛ لأن العامل ليس أصلًا للفعل، ولا شريكًا له في الرجوع إلى أصل واحد". ومن ذلك: هو مني منزلة الولد، أي: داني المنزلة، ومنزلة الشغاف، أي: لاصقًا بقلبي، و: ......... مقعد رابئ الضـ ـرباء ................... أي: مكانًا يُشرف منه عليه، وكذلك: مزجر الكلب، أي: مُقصى، ومناط الثريا،/ [٣: ١٩٥/ ب] معناه: مرتفعًا. وهذا الذي يدل على قرب أو بعد فيه خلاف:

стр. 2443

ذهب س والجمهور إلى أنه لا يقال منه إلا ما سُمع، قال س: "وليس يجوز هذا في كل شيء، لو قلت: هو مني مجلسك، ومتكأ زيدٍ، ومربط الفرس - لم يجز" انتهى. وقال غيره: "لا ينبغي أن تنصب هذه الأسماء المسموعة على الظرف إلا على حد ما سُمعت؛ فلا ينبغي على هذا أن يقال: هو مقعد الشعريين، ولا: هو مني معقد شراك النعل. وكذلك أيضًا لا ينبغي أن تُستعمل من غير أن يراد بها تمثيل القرب والبُعد، فلا ينبغي أن يقال: هو مني مزجر الكلب، تريد: هو في المكان الذي يُزجر فيه الكلب، ولا: هو مقعد القابلة، تريد: هو في الموضع الذي قعدت فيه القابلة؛ لأن العرب لم تستعملها إلا على معنى التمثيل للقرب والبُعد كما ذكرناه" انتهى. وقالوا: مكان السارية، وكان ينبغي ألا يجوز؛ لأن السارية في موضع له بقرب أو ببعد معلوم، فكما لا يجوز: هو مني مجلس زيدٍ، فكذلك هذا، لكن حكي أبو الحسن عن العرب أنهم يعنون به: مكان السارية من المنارة، فعلى هذا يكون مما استعمل في القرب. وقول س "في المكان الذي يقعد فيه الضرباء" كان ينبغي أن يقول "في المكان الذي يقعد فيه رابئ الضرباء"؛ لأن المسموع منهم: هو مني مقعد رابئ الضرباء، فإنما يتوجه على: هو مني مقعد الضرباء من الرابئ.

стр. 2444

وكان قياس هذه الأسماء ألا تستعمل منصوبة على الظرف لاختصاصها، إلا أنه سهل ذلك أنها استعملت على طريق التمثيل للقرب والبعد، فإذا قلت "زيدٌ مني مناط الثريا" فالتقدير: مكانًا مثل مناط الثريا مني؛ بدليل قول الشاعر: .......................... مناط الثريا من يد المتناول أو الثريا من الدبران؛ بدليل قول الآخر: ......................... مناط الثريا من يد الدبران وكذلك باقيها، فحذف في جميع ذلك الظرف المبهم، وأُقيمت صفته مقامه، فأُعربت بإعرابه، وحُذف المضاف الذي هو مثل، وأُقيمت هذه الأسماء المشتقة من الفعل مقامه، وأُعربت بإعرابه، فانتصبت لذلك على الظرف من قبل ما قامت مقامه لا من قبل أنفسها. وانتصابها على الظرف مع ذلك شاذ؛ لأن المضاف إذا حُذف لم يقم ما أُضيف إليه مقامه، ولم يُعرب بإعرابه، إلا بشرط ألا يكون هناك ما يمنع من إقامتها مقامه، وهذا المانع موجود هنا من جهة أن مثلًا نكرة مبهم، فساغ انتصابه على الظرف، وهذا معارف مختصة، فلم يصلح أن تنتصب على الظرف. وذهب الكسائي إلى أن انتصاب هذه الأسماء المختصة المشتقة من الفعل انتصاب الظروف مقيس. وذلك نزعة من / [٣: ١٩٦/ أ] الخليل؛ حيث أجاز في "له صوتٌ صوت الحمار" أن يعرب "صوت الحمار" صفة لـ"صوتٌ" حكمًا له بحكم ما ناب عنه، وهو مثل، ولم يجعل التعريف مانعًا من ذلك.

стр. 2445

قال المصنف: "ومن العلماء من يحكم باطراد ما دل على بعد أو قرب من نحو: هو مني منزلة الشغاف، ونحو قول الشاعر: وإن بني حربٍ، كما قد علمتم مناط الثريا، قد تعلت نجومها على تقدير مكان موصوف بمثل مضاف إلى شغاف ومناط، ثم فعل به ما فعل بضربته ضرب الأمير اللص من حذف الموصوف وصفته وإقامة الثالث مقامهما، وهذا تقدير لائق، ولكن لا يقاس على نوعه لقلة نظائره ومغايرة لفظ باقية للفظ محذوفه، بخلاف: ضرب الأمير اللص" انتهى. وفي الإفصاح: "وقد رد هذا القول أبو علي الشلوبين بمثل ما رد به س على الخليل في إجازة الخليل: له صوتٌ صوت الحمار؛ لأنه آل في هذا التقدير إلى نصب المختص بالاستقرار، كما آل الحذف هناك إلى وصف النكرة بالمعرفة، فتقديرٌ يؤول إلى ما لا يجوز ينبغي ألا يجوز". وفي الإفصاح أيضًا: هذه كلها مختصات، أفرد لها س بابًا، وقال: (اتسعوا فيها، وأجروها مجرى المبهم). وفي مثل هذا يقال: شبهوا المختص بغير المختص؛ لأنها وقعت منصوبة أخبارًا عن المبتدأ، فهي ظروف بلا شك. وأصل نصبها بالاستقرار، ولا ينصب إلا الظروف.

стр. 2446

وقيل: إنما كان ذلك فيها لأنها أمثال، المقصود باللفظ خلافه، فحمل على المعنى؛ لأن قولهم: أنت مني مناط الثريا، لم يرد: أنت في موضعٍ تعلق فيه الثريا، كما يقتضي وضع اللفظ، وإنما المراد: أنت مني مكانًا متباعدًا غاية البعد، فكما أنه لو تكلم بهذا جاز، فكذلك جاز لما أراد موصوفه. وكذلك: معقد الإزار، لا يراد أنه في ذلك الموضع، وإنما هو كناية عن غاية القرب. وكذلك مقعد القابلة، فكأنه قال: أن مني مكانًا على غاية القرب، وهذا قول حسن، وبه قال ابن الطراوة. وقال بعضهم: "هو على حذف، والتقدير: مكانًا مثل مكان مناط الثريا، صارت مثل ظرفًا لما نابت مناب الظرف لما حُذف الموصوف، وصار: مثل مناط الثريا، ثم حذف المضاف، فصار: أنت مناط الثريا، فالنصب في الحقيقة إنما هو لمكان، ثم صار للمناط بالنيابة، وهذا التقدير نحو مما في قولهم: ضربت رب الأمير اللص" انتهى. وشذ من أسماء الأمكنة المشتقة من الفعل ولم يعمل فيها ما اشتق منها ولا مشارك ولا يراد به تمثيل القرب والبعد ما حكاه س من قولهم: "هو مني مرأًى ومسمعًا"، بالنصب، وفي الضرورة نحو قوله: / [٣: ١٩٦/ ب] بمحنيةٍ، قد آزر الضال نبتها مجر جيوشٍ غانمين وخيب نصب "مجر جيوش" على أنه ظرف في موضع صفة لـ"محنية"؛ إذ لم يمكنه أن يقول: في مجر جيوش.

стр. 2447

وإذا قلت: هو مني مقعد القابلة من النفساء، وهو مني معقد الإزار من المؤتزر، وهو مني منزلة الولد من أبيه، وهو مني منزلة الشغاف من القلب، وهو مني مقعد رابئ الضرباء من الضرباء، وهو مني مناط الثريا من الدبران، وهو مني مزجر الكلب من الزاجر - فجميع ذلك تتعلق فيه "من" الأولى بالظرف لما تضمنه من معنى الفعل لوقوعه موقع الخبر؛ أي: هو كائن مني. وتتعلق "من" الثانية بنفس اسم المكان لما فيه من الدلالة على الفعل الذي اشتق منه. وجاز أن تتعلق "من" الثانية باسم المكان لأن المجرور يعمل فيه اللفظ بما يتحمله من معنى الفعل، ومن ذلك قوله: ما أمك اجتاحت المنايا كل فؤادٍ عليك أم فتعلق "عليك" بما في "أم" من معنى الفعل؛ إذ المعنى: كل فؤاد عليك مُشفق. فلو كان بعد اسم المكان مفعول به لم يعمل فيه، ولذلك جعل الفارسي مجرًا من قول النابغة: كأن مجر الرامسات ذيولها عليه حصيرٌ، نمقته الصوانع على حذف مضاف، أي: كأن موضع جر الرامسات ذُيولها.

стр. 2448

وتعلق "من" الأخيرة باسم المكان هو مذهب س؛ بدليل أنه جعل مغارًا من قول الشاعر: وما هي إلا في إزارٍ وعلقةٍ مُغارَ ابن همامٍ على حي خثعما اسم زمان مع أنه قد عمل في: على حي خثعم، وكما عمل اسم الزمان فكذلك يعمل اسم المكان. وما ذهب المبرد والزجاج إليه من تخطئة س في جعله مُغارًا اسم زمان مع أنه عداه بـ"على" باطل؛ لأن المجرور يعمل فيه اللفظ المتضمن لمعنى الفعل. وتأويلها مغارًا على أنه مصدر، وهو على حذف مضاف، أي: وقت إغارة - لا يحتاج إلى ذلك، بل ما ذكره س أولى؛ لأنه لا يحتاج إلى حذف. وزعم ابن خروف أن حرفي الجر يتعلقان بمحذوفين تقديره: قَرُبَ زيدٌ مني قرب الشغاف من القلب، وبعد مني بعد مزجر الكلب من الزاجر، وكذلك باقيها. وما ذكره - وإن كان المعنى عليه - لا يساعده الإعراب، ولا يتنزل عليه، وإنما يُتصور ذلك في لغة من رفع اسم المكان، فحذف المصدر من الأول، وأقام المضاف إليه مقامه، فرفعه بالابتداء، وحذف المصدر من الثاني، وأقيم المضاف إليه مقامه، فرفع على الخبر. وذهب بعض النحويين إلى أن المختص الذي لا شكل له ولا صورة كـ"مزجر الكلب" و "مقعد القابلة" ونحوه على حذف الجار، كـ"أمرتك الخير" انتهى. وإذا لم تَذكر "من" الثانية، فقلت: هو مني مناط الثريا - / [٣: ١٩٧/ أ] ففيما يتعلق به "مني" وجهان:

стр. 2449

أحدهما: تعلقه بمحذوف، وهو خبر، أي: هو من أتباعي، ومناط الثريا خبر ثان. والثاني: أن يتعلق بما في الظرف من معنى القرب أو البعد، وكأنك قلت: هو قريب مني، والمجرور يعمل فيه المعنى وإن تقدم.

стр. 2450

[٤: ١/ ب] /ص: فصل من الظروف المكانية كثير التصرف، كـ "مكان" لا بمعنى بدل، ويمين، وشمال، وذات اليمين، وذات الشمال. ومتوسط التصرف، كغير "فوق" و "تحت" من أسماء الجهات، و"بين" مجردًا. ونادر التصرف كـ"حيث" و "وسط"، و"دُون" لا بمعنى رديئ. وعادم التصرف كـ"فوق" و "تحت" و "عند" و "لدن" و"مع" و"بين بين" دون إضافة، و "حول" و "حول" و"حوالي" و"حولي" و"أحوال"، "و"هنا" وأخواته، و"بدل" لا بمعنى بدليل، وما رادفه من مكان. ش: يعني بالترف استعماله غير ظرف، كأن يكون مبتدأ وفاعلًا ونائبًا ومضافًا إلي، وتقدم أن ظرف الزمان متصرف وغير متصرف، فكذلك ظرف المكان. وذكر من الظروف الكثيرة التصرف مكانًا ويمينًا وشمالًا وذات اليمين وذات الشمال، تقول: اجلس مكانك، ومكانك حسنٌ، جلس يمين زيدٍ، وشمال بكرٍ، ويمين الطريق أسهل، وشمال الطريق أقرب، وقال تعالى ﴿تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ اليَمِينِ وإذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾، وقالت العرب: منازلهم يمينًا وشمالًا، وقال الشاعر:

стр. 2451

صددت الكأس عنا، أم عمرو وكان الكأس مجرها اليمينا وتقول: دارك ذات اليمين، ومنازلهم ذات الشمال، قال تعالى "عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ". واحترز بقوله "لا بمعنى بدل" من استعماله بمعنى بدل، فإنه إذ ذاك لا يتصرف، ويأتي ذكره. وقوله ومتوسط التصرف، كغير فوق وتحت من أسماء الجهات غير فوق هو: أمامك، وقدامك، ووراءك، وخلفك، وأسفل، وأعلى، تقول في استعمالها غير ظرف: أمام زيدٍ آمن من ورائه، قال الشاعر: فغدت كلا الفرجين تسحب أنه مولى المخافة خلفها وأمامها وقرئ ﴿والرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾. وذكر المصنف أن هذا النوع متوسط التصرف. وزعم الجرمي أنه لا يجوز استعمال الجهات الست إلا ظرفًا، ولا يقاس على استعمالها اسمًا. ونُقل عنه أيضًا أنه لا يجوز كما نقلناه استعمال خلف وأمام اسمين إلا في الشعر، هذا نص النقل عنه. والقياس يقتضي التسوية بينهما وبين ما ذكر من غير فوق وتحت من الجهات. وذهب أبو علي الفارسي إلى أن استعمالهما ظرفين أحسن من استعمالهما اسمين. قال بعض أصحابنا: وسبب قلة تصرفهما وتصرف أمثالهما من الجهات المحيطة بالأشياء من أقطارها، نحو قدام ووراء وفوق وتحت وذات اليمين وأشباه

стр. 2452

ذلك - / [٤: ٢/ أ] توغلهما في الإبهام، وذلك أن أسماء الأماكن المختصة تُستعمل أسماء كزيد وعمرو، ولا تستعمل ظرفًا إلا في الشعر أو في شاذً من الكلام، وإنما يُستعمل من أسماء الأماكن ظرفًا ما كان مبهمًا، فلذلك كان أكثر ما يُستعمل ظرفًا ما توغل في الإبهام، وإذا قرب من المختص كمكان زيد حسن فيه استعماله اسمًا. وهذه في استعماله استعمال الأسماء قسمان: أحدهما بلا تجوز، نحو: خلفك مجدبٌ، ووراؤك أوسع لك. والثاني بتجوز، نحو: زيدٌ خلفك، إما على إضمار، أي: مكان زيدٍ خلفك، وإما على جعله زيدًا مجازًا لما كان حالًا فيه، كقوله نهارك صائمٌ، وسواء في ذلك المعرفة والنكرة، وهذا مذهب البصريين. وأما الكوفيون فلا يكون ظرف المكان عندهم إلا معرفة بالإضافة أو مشبهًا للمعرفة بها، نحو: خلفك، وخلف حائط، فإن قيل وراء وقدامًا وخلفًا وبقعةً صالحةً ومكانًا طيبًا فليس بظرف، بل قام عبد الله خلفًا ووراء بمعنى متأخرًا، وقدامًا بمعنى متقدمًا، ومكانًا طيبًا وبقعةً صالحةً بمعنى شرفًا ومغتبطًا، فقولك: رأيتك مكانًا طيبًا، بمعنى: شرفًا، أو مغتبطًا. وإذا وقع اسم المكان عندهم خبرًا وكان مضافًا إلى معرفة فإن وقع خبر الأسماء المواضع جاز فيه الرفع والنصب، نحو: داري خلفك وخلفك، أو لغير ذلك لم يجز فيه عندهم إلا النصب، نحو: زيدٌ خلفك، وتقدم الكلام في شيء من ذلك في باب المبتدأ والخبر، فأغنى عن إعادته هنا. وقوله وبين مجردًا يعني من الظرفية، مثاله: هو بعيد بين المنكبين، نقي بين الحاجبين، وقال الشاعر:

стр. 2453

يديرونني عن سالمٍ، وأديرهم وجلدة بين العين والأنف سالم وقال تعالى: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾، وقوله: ﴿قَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾، في قراءة من رفع، وقال: ﴿مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ في قراءة من أضاف (مودة) إلى (بين). قال المصنف: "ومن تجرد بين عن الظرفية قول الشاعر: ولم يترك النبل المخالف بينها أخًا لأخٍ يُرجى، ومأثورة الهند بينها: في موضع رفع بإسناد المخالف إليه، إلا أنه بُني لإضافته إلى مبني مع إبهامه" انتهى. وقال الفراء في قول الشاعر:

стр. 2454

فأدبرن كالجزع المفصل بينه بجيد معم، في العشيرة مخول "إن "بينه" في موضع رفع لأنه اسم ما لم يسم فاعله، وأُقر على نصبه ليدل على أصله. ولا وجه لرفعه بأن يقال "المفصل بينه" بضم النون؛ لأن "بين" ليست مفعولًا في حال تسمية الفاعل، إنما هي مثال محل، ولكنه سائغ إضمار "ما"، فتكون اسم ما لم يسم فاعله، ويقدر: / [٤: ٢/ ب] كالجزع المُفصل ما بينه" انتهى قول الفراء. ومعنى قوله "ليدل على أصله" أي: من غلبة الظرفية عليه. وقوله "لأن بين ليست مفعولًا في حال تسمية الفاعل" كلام يشعر بأنها لا يُتصرف فيها إلا فيما كان أصلها أن تنصب على الظرف فيه، ويدل على ذلك قوله "ولكنه سائغ إضمار ما" إلى آخره. وظهر من كلام الفراء أن بين إذا تصرف فيها لم تُستعمل مرفوعة اللفظ ولا منصوبة، إنما تكون في موضع رفع أو نصب مع كونها بحركة الفتح. قال المصنف: "وقد يكون بين ظرف زمان كما يكون ظرف مكان، فمن ذلك حيث ساعة يوم الجمعة (بين خروج الإمام وانقضاء الصلاة) ". وقوله ونادر التصرف كحيث قال المصنف: "وكونه مجردًا عن الظرفية كقول زهير:

стр. 2455

فشد، ولم تفزع بيوتٌ كثيرةٌ لدى حيث ألقت رحلها أم قشعم وكقول الآخر: إن حيث استقر من أنت راعيـ ـه حمى، فيه عزةٌ وأمان" انتهى. جعل حيث اسم إن، وحمى: خبر. وهذا خطأ؛ لأن كونها اسمًا لأن فرع عن كونها يكون مبتدأ، ولم يُسمع ذلك فيها، ولا في لفظ واحد، لا يحفظ من كلامهم: حيث قعد زيدٌ فسيحٌ، يريدون: المكان الذي قعد فيه زيد فسيحن وهذا البيت الذي أنشده المصنف دلالة على أن حيث اسم إن لا حجة فيه على تصرف حيث، بل اسم إن هو قوله حمى، وحيث: في موضع خبر إن؛ لأنه ظرف، نحو: إن حيث زيدٌ قائمٌ عمرًا، التقدير: إن حمى فيه عزةٌ وأمانٌ حيث استقر من أنت راعيه. والصحيح أن حيث ظرف لا يتصرف، فلا يكون فاعلًا ولا مبتدأ ولا مفعولًا به، وجره بـ"من" كثير، وبـ"في" شاذ، نحو قوله: فأصبح في حيث التقينا شريدهم طليقٌ ومكتوف اليدين ومزعف وقوله ووسط هي ساكنة السين، قال المصنف: "وأما تجرده عن الظرفيه فقليل، لا يكاد يعرف، ومنه قول الشاعر يصف سحابًا: وسطه كاليراع أو سرج المجـ ـدل، طورًا يخبو، وطورًا ينير
следующие страницы →