Полный текст (3 950 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.
стр. 2451
صددت الكأس عنا، أم عمرو وكان الكأس مجرها اليمينا
وتقول: دارك ذات اليمين، ومنازلهم ذات الشمال، قال تعالى "عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ".
واحترز بقوله "لا بمعنى بدل" من استعماله بمعنى بدل، فإنه إذ ذاك لا يتصرف، ويأتي ذكره.
وقوله ومتوسط التصرف، كغير فوق وتحت من أسماء الجهات غير فوق هو: أمامك، وقدامك، ووراءك، وخلفك، وأسفل، وأعلى، تقول في استعمالها غير ظرف: أمام زيدٍ آمن من ورائه، قال الشاعر:
فغدت كلا الفرجين تسحب أنه مولى المخافة خلفها وأمامها
وقرئ ﴿والرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾. وذكر المصنف أن هذا النوع متوسط التصرف.
وزعم الجرمي أنه لا يجوز استعمال الجهات الست إلا ظرفًا، ولا يقاس على استعمالها اسمًا. ونُقل عنه أيضًا أنه لا يجوز كما نقلناه استعمال خلف وأمام اسمين إلا في الشعر، هذا نص النقل عنه. والقياس يقتضي التسوية بينهما وبين ما ذكر من غير فوق وتحت من الجهات.
وذهب أبو علي الفارسي إلى أن استعمالهما ظرفين أحسن من استعمالهما اسمين.
قال بعض أصحابنا: وسبب قلة تصرفهما وتصرف أمثالهما من الجهات المحيطة بالأشياء من أقطارها، نحو قدام ووراء وفوق وتحت وذات اليمين وأشباه
стр. 2452
ذلك - / [٤: ٢/ أ] توغلهما في الإبهام، وذلك أن أسماء الأماكن المختصة تُستعمل أسماء كزيد وعمرو، ولا تستعمل ظرفًا إلا في الشعر أو في شاذً من الكلام، وإنما يُستعمل من أسماء الأماكن ظرفًا ما كان مبهمًا، فلذلك كان أكثر ما يُستعمل ظرفًا ما توغل في الإبهام، وإذا قرب من المختص كمكان زيد حسن فيه استعماله اسمًا.
وهذه في استعماله استعمال الأسماء قسمان: أحدهما بلا تجوز، نحو: خلفك مجدبٌ، ووراؤك أوسع لك. والثاني بتجوز، نحو: زيدٌ خلفك، إما على إضمار، أي: مكان زيدٍ خلفك، وإما على جعله زيدًا مجازًا لما كان حالًا فيه، كقوله نهارك صائمٌ، وسواء في ذلك المعرفة والنكرة، وهذا مذهب البصريين.
وأما الكوفيون فلا يكون ظرف المكان عندهم إلا معرفة بالإضافة أو مشبهًا للمعرفة بها، نحو: خلفك، وخلف حائط، فإن قيل وراء وقدامًا وخلفًا وبقعةً صالحةً ومكانًا طيبًا فليس بظرف، بل قام عبد الله خلفًا ووراء بمعنى متأخرًا، وقدامًا بمعنى متقدمًا، ومكانًا طيبًا وبقعةً صالحةً بمعنى شرفًا ومغتبطًا، فقولك: رأيتك مكانًا طيبًا، بمعنى: شرفًا، أو مغتبطًا.
وإذا وقع اسم المكان عندهم خبرًا وكان مضافًا إلى معرفة فإن وقع خبر الأسماء المواضع جاز فيه الرفع والنصب، نحو: داري خلفك وخلفك، أو لغير ذلك لم يجز فيه عندهم إلا النصب، نحو: زيدٌ خلفك، وتقدم الكلام في شيء من ذلك في باب المبتدأ والخبر، فأغنى عن إعادته هنا.
وقوله وبين مجردًا يعني من الظرفية، مثاله: هو بعيد بين المنكبين، نقي بين الحاجبين، وقال الشاعر:
стр. 2453
يديرونني عن سالمٍ، وأديرهم وجلدة بين العين والأنف سالم
وقال تعالى: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾، وقوله: ﴿قَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾، في قراءة من رفع، وقال: ﴿مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ في قراءة من أضاف (مودة) إلى (بين). قال المصنف: "ومن تجرد بين عن الظرفية قول الشاعر:
ولم يترك النبل المخالف بينها أخًا لأخٍ يُرجى، ومأثورة الهند
بينها: في موضع رفع بإسناد المخالف إليه، إلا أنه بُني لإضافته إلى مبني مع إبهامه" انتهى.
وقال الفراء في قول الشاعر:
стр. 2454
فأدبرن كالجزع المفصل بينه بجيد معم، في العشيرة مخول
"إن "بينه" في موضع رفع لأنه اسم ما لم يسم فاعله، وأُقر على نصبه ليدل على أصله. ولا وجه لرفعه بأن يقال "المفصل بينه" بضم النون؛ لأن "بين" ليست مفعولًا في حال تسمية الفاعل، إنما هي مثال محل، ولكنه سائغ إضمار "ما"، فتكون اسم ما لم يسم فاعله، ويقدر: / [٤: ٢/ ب] كالجزع المُفصل ما بينه" انتهى قول الفراء.
ومعنى قوله "ليدل على أصله" أي: من غلبة الظرفية عليه. وقوله "لأن بين ليست مفعولًا في حال تسمية الفاعل" كلام يشعر بأنها لا يُتصرف فيها إلا فيما كان أصلها أن تنصب على الظرف فيه، ويدل على ذلك قوله "ولكنه سائغ إضمار ما" إلى آخره. وظهر من كلام الفراء أن بين إذا تصرف فيها لم تُستعمل مرفوعة اللفظ ولا منصوبة، إنما تكون في موضع رفع أو نصب مع كونها بحركة الفتح.
قال المصنف: "وقد يكون بين ظرف زمان كما يكون ظرف مكان، فمن ذلك حيث ساعة يوم الجمعة (بين خروج الإمام وانقضاء الصلاة) ".
وقوله ونادر التصرف كحيث قال المصنف: "وكونه مجردًا عن الظرفية كقول زهير:
стр. 2455
فشد، ولم تفزع بيوتٌ كثيرةٌ لدى حيث ألقت رحلها أم قشعم
وكقول الآخر:
إن حيث استقر من أنت راعيـ ـه حمى، فيه عزةٌ وأمان"
انتهى.
جعل حيث اسم إن، وحمى: خبر. وهذا خطأ؛ لأن كونها اسمًا لأن فرع عن كونها يكون مبتدأ، ولم يُسمع ذلك فيها، ولا في لفظ واحد، لا يحفظ من كلامهم: حيث قعد زيدٌ فسيحٌ، يريدون: المكان الذي قعد فيه زيد فسيحن وهذا البيت الذي أنشده المصنف دلالة على أن حيث اسم إن لا حجة فيه على تصرف حيث، بل اسم إن هو قوله حمى، وحيث: في موضع خبر إن؛ لأنه ظرف، نحو: إن حيث زيدٌ قائمٌ عمرًا، التقدير: إن حمى فيه عزةٌ وأمانٌ حيث استقر من أنت راعيه.
والصحيح أن حيث ظرف لا يتصرف، فلا يكون فاعلًا ولا مبتدأ ولا مفعولًا به، وجره بـ"من" كثير، وبـ"في" شاذ، نحو قوله:
فأصبح في حيث التقينا شريدهم طليقٌ ومكتوف اليدين ومزعف
وقوله ووسط هي ساكنة السين، قال المصنف: "وأما تجرده عن الظرفيه فقليل، لا يكاد يعرف، ومنه قول الشاعر يصف سحابًا:
وسطه كاليراع أو سرج المجـ ـدل، طورًا يخبو، وطورًا ينير
стр. 2456
فوسطه: مبتدأ، خبره كاليراع" انتهى. والبيت لعدي بن زيد. وقال الفرزدق:
أتته بمجلومٍ، كأن جبينه صلاءة ورسٍ، وسطها قد تفلقا
فرفعه بالابتداء. وقال القتال:
/ [٤: ٣/ أ] سائل ربيعة: هل رددت لقاحها والخيل مقعيةٌ على الأذناب
من وسط جمع بني قريطٍ بعد ما هتفت ربيعة: يا بني جواب
أسكن مع دخول حرف الجر عليه.
ويروى في بيت عدي "وسطة كاليراع" بالنصب على الظرفية، والحكم بأن وسطه خبرٌ مقدم، والكاف اسم في موضع رفع بالابتداء.
وفي البسيط: جعلوا الساكن ظرفًا والمتحرك اسم ظرف. وقال الفراء: إذا حسنت فيه بينٌ كان ظرفًا، نحو: قعدت وسط القوم، وإن لم تسحن فاسمٌ، نحو: احتجم وسط رأسه. وقال بعضهم: إذا كان الآخر هو الأول فهو اسم، نحو: وسط رأسه صلبٌ، وإلا فظرف، نحو وسط رأسه دهنٌ. وقد يحتملان نحو: وسط الدار آجر. وحكي عن الفراء أن المسكن والمحرك يكون اسمًا وظرفًا، وفرق بين ما يصلح فيه بين فسكنه، وما لا يصلح فيه فحركه، وجوز في كل واحد منهما الآخر.
وفي شرح كتاب س المعزو للصفار: العرب تقول: زيدٌ وسط الدار، فهذا بلا شك ظرف، ويقولون: ضربت وسطه، فهذا اسمٌ مفعولٌ بمنزلة: ضربت ظهره،
стр. 2457
وإذا أتوا بفي إنما يقولونه بالفتح، فدل على أن الظرف إنما هو المنصوب، وأن المجرور إنما هو اسم، فوسط عندنا بمنزلة بين، والوسط: منصف الشيء، فإذا قلت حفرت في وسط الدار بئرًا فمعناه: في منصفها، وهو بمنزلة النقطة من الدائرة، وتقول: جلست وسط الدار، إذا جلست في ناحية منها لا في منصفها، فهذا الفرق بينهما.
وأما الكوفيون فلا يفرقون بينهما، ويجعلونهما ظرفين؛ ألا ترى ثعلبًا قال: "واحتجم وسط رأسه". وهذا عندنا لا يجوز؛ لأن احتجم لا يتعدى، وس يقول: ضربت وسطه، والكوفيون يقولون: هو ظرف بمنزلة وسط، ولا فرق بينهما، إلا أن وسط يقال في المفترق الأجزاء: نحو: وسط القوم، ووسط يقال فيما لا تتفرق أجزاؤه، نحو وسط الرأس.
ولا يستعمل وسط مرفوعًا عندنا إلا في الشعر، نحو:
.................... ............... وسطها قد تفلقا
فهو شاذ عندنا من حيث استعمل اسمًا، وعند الكوفيين شاذ من حيث استعمل فيما لا تتفرق أجزاؤه، وهو الصلابة.
وقوله ودون لا بمعنى رديء احترز بقوله "لا بمعنى رديء" مما حكي س أنه يقال: "هذا ثوبٌ دونٌ: إذا كان رديئًا"، فهذا ليس بظرف. أما إذا كان ظرفًا فسواء أكان حقيقة، نحو: جلست دون زيدٍ، أو مجازًا، نحو: زيدٌ دونك: إذا أردت في الشرف - فإنه لا يُرفع.
стр. 2458
وهو ظرف لا يُتصرف فيه بغير من، وندر تصرفه، قال الشاعر:
ألم تريا أني حميت حقيقتي وباشرت حد الموت، والموت دونها
بالرفع، وقال آخر:
[٤: ٣/ ب] /وغبراء، يحمي دونها ما وراءها ولا يختيطها الدهر إلا المخاطر
وقال ذو الرمة:
جاورت أرضًا يحسر الآل مرة فتبدو، وأخرى يحسر الآل دونها
وقال الأخفش في قوله ﴿ومِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾: "إن دون مبتدأ، وبني لإضافته إلى مبني". فظاهر قول الأخفش اطراد تصرف دون. وغير الأخفش يقدر: ما دون ذلك، يحذف ما. وقال س: "وأما دونك فإنه لا يُرفع أبدًا، وإن قلت: هو دونك في الشرف؛ لأن هذا إنما هو مثلٌ"، يعني به الانحطاط عن علو الشرف، فلازمه الظرفية أيضًا؛ لأن استعماله بذلك المعنى مثل استعماله في المكان الأدنى.
وقال الفراء: سواك ومكانك وبدلك ونحوك ودونك لا تُستعمل أسماء مرفوعة، فإذا قالوا: قام سواك، وبدلك، ومكانك، ونحوك، ودونك - نصبوا، ولم
стр. 2459
يرفعوا على اختيار، وربما رفعوا، قال أبو ثروان: أتاني سواؤك. قال الفراء: وسواك يجري مجرى قصدك ومكانك. وحكي: زيدٌ سوى عمرو، بمعنى: حذاء عمرو. قال الفراء: الرفع في سوى وبدل أقوى منه في دون؛ لأن انفراد هذه الحروف أكثر من انفراد دون، فقد قالوا: هما سواء وقد ينفرد دون، فيقال: هذا رجلٌ دونٌ، يريدون خسيسًا، فإذا قصدوا هذا غربوا دُونًا بوجوه الإعراب.
وفي كتاب "الواضح" مسائل مبنية على تصرف "دون" بالجر، منها: فإن قيل مررت بابن عشرٍ أو دُونه جاز النصب والخفض. ومنها: مررت بابن عشرٍ ودونه، فخفض دون مع الواو أسبق، وقد يجوز: مررت بابن عشرٍ ودونه، بالنصب. وكذلك: منزلك بالحيرة أو دونها. ومنها: فإن قيل: ما مررت بابن عشرٍ إلا دونه، ففي دونه النصب والخفض. وقال: فتلخص من هذه النقول أن دون مختلفٌ فيها، والذي عليه س وأصحابه أنها لا تتصرف، ومذهب الأخفش والكوفيين أنها تتصرف، لكن ذلك فيها قليل.
وقوله وعادم التصرف كفوق وتحت قال المصنف في الشرح: "ومن الظروف العادمة التصرف فوق وتحت، نص على ذلك الأخفش، فقال: (اعلم أن العرب تقول: فوقك رأسك، فينصبون الفوق لأنهم لم يستعملوه إلا ظرفًا). ثم قال: (وتقول: تحتك رجلاك، لا يختلفون في نصب التحت). هذا نصه، وقد جاء جر "فوق" بـ"على" في قول أبي صخر الهذلي:
стр. 2460
فأُقْسِمُ بالله اهتز عرشه علي فوق سبع لا أعلمه بطلا
وهذا نادر" انتهي.
وقال ابن الأنباري: "قال بعض النحويين: يقال: فوقك رأسك، وفوقك قلنسوتك، وكذلك: تحتك رجلاك، وتحتك نعلك وفراشك، يعني أنه فرق / [٤: ٤/ أ] بين الرأس وما كان عليه، وبين الرجل وما كان تحته، فأجاز الرفع فيما أخبر به عن الرأس وعن الرجل، وجعل النصب فيما أخبر به عن القلنسوة والنعل. قال: وهذا عند أحمد بن يحيي مردود؛ لأن فوق ترتيبها النصب في كل الحالات إلا أن تختص في بعضها فوق برفع، ولا فرق عند أحمد بن يحيي بين: تحتك رجلاك، وتحتك فراشك" انتهي.
وتتصرف"تحت" و "فوق" بجرهما ب"من"؛ قال تعالي ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾، وقال ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾، ولا تجر بالباء، ولذلك قال س في قولهم "أخذتنا-يعني السماء- بالجود وفوقه": لا يجوز إلا الحمل علي المعني؛ لأن فوق لا تجر بالباء، إنما تجر بمن، والمجرور بها الذي هو "بالجود" وقع حالاً، فله موضوع.
وقد شذ جرها بالباء في قول الشاعر:
كلفوني الذي أطيق؛ فإني لست وهنا بفوق ما أستطيع
وأما قول الآخر:
стр. 2461
وشبهنني كلباً، ولست يفوقه ولا مثله أن كان غير قليل
فالباء زائدة.
وقوله وعند ولدن ومع سيأتي الكلام علي هذه الثلاثة قريباً إن شاء الله.
وقوله وبين بين دون إضافة مثاله قول الشاعر:
نحمي حقيقتنا، وبعض القوم يسقط بين بينا
الأصل: بين هؤلاء وبين هؤلاء، فزيلت الإضافة، وركب الاسمان تركيب خمسة عشر.
واحترز بقوله "دون إضافة" من أن يضاف إليها، فإذا أضيف إليها تعين زوال الظرفية، ولذلك خطأ أبو الفتح من قال همزة بين بالفتح، وقال:"الصواب همزة بين بين، بالإضافة" انتهي. ولو أضيف صدر "بين بين" إلي عجزها جاز بقاء الظرفية، كقولك: من أحكام الهمزة: التسهيل بين بين، وزوالها، كقولك: بين بين أقيس من الإبدال.
وقوله وجوال وحول وحوالي وحولي وأحوال قال الراجز:
أهدموا بيتك، لا أبا لكا وأنا أمشي الدالي حوالكا
وقال النبي ﷺ : (اللهم حوالينا ولا علينا)، وقال تعالي ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾، وقال الراجز:
стр. 2462
يا إبلي ما ذامه فتأبيه ماء رواء، ونصي حوليه
وقال امرؤ القيس:
فقالت: يمين الله إنك فاضحي ألست تري السمار والناس أحوالي
وتقول: م حوالي، ولا يقال: الثنية هنا شفع الواحد، ومعناها ومعني أحوالك/ [٤: ٤/ ب] وحولك واحد.
وذكر س من المنتصب ظرفاً- وهو غريب: صدك، وصقبك، ووزن الجبل، أي: ناحية توازنه، أي: تقابله، كانت أو بعيدة، وزنة الجبل، أي: حذاءه متصلاً به، وهم قرابتك، أي: قريباً، وهو أشد مبالغة في القرب؛ إذ معناه الاتصال، وقريب قد يكون لما تراخي عنك، وقومك أقطار البلاد، أي: في نواحيها. وهذه كلها ينصبها الفعل اللازم لإبهامها، وهذه الغرائب يجوز أن تستعمل أسماء، إذ قياس كل ظرف أن يتصرف فيه إلا إن نقل أنه مما يلزم أن يكون ظرفاً.
وقوله وهنا وأخواته أخواته هنا وهنا وهنت وثم، وتقدم الكلام عليها في آخر باب اسم الإشارة.
وقوله و"بديل" لا بمعني بديل، وما رادفه من مكان مثاله: هذا بدل هذا، تريد: مكان هذا. ولم يذكر الكوفيون بدل ظرف مكان، وإنما ذكره البصريون. قال ابن خروف:"البدل والمكان إذا استعملا بمعني واحد لا يرفعان، فإن ذكر كل منهما في موضعه، ولم يحمل أحدهما علي الآخر في المعني- رفعا، نحو قولك: هذا مكانك، تشير إلي المكان، وهذا بدل من هذا، فترفع لأنك أشرت بـ"هذا" إلى
стр. 2463
البدل، وهو هو. وإنما انتصب البدل والمكان ولم يجز فيهما الاتساع حين أخرج كل واحد منهما عن موضعه، فلزما طريقة واحدة" انتهي.
وترك المصنف من ظروف المكان التي لا تتصرف سوي وسواء. وإنما لم يتصرفا لأنهما بمعني مكانك الذي يدخله معني عوضك وبدلك؛ ألا تري أنك تقول: مررت برجل سواك وبذلك، و "مكانك" بهذا المعني ليس بمكان حقيقي؛ لأن مكان الشيء حقيقة إنما هو موضعه ومستقره، فلما كانت الظرفية علي طريقة المجاز لم يتصرفوا فيه كما يتصرفون في الظروف الحقيقية، وتقدم نقلنا عن الفراء أنهما لا يرفعان في الاختيار، وسيأتي الكلام مشبعاً علي سوي حيث ذكره المصنف في آخر باب الاستثناء إن شاء الله.
ومما أهما ذكره أكثر النحويين من الظروف التي لا تتصرف "شطر" بمعني"نحو" قال تعالي ﴿شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾، وقال ﴿فَوَلُّوا وجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، وقال الشاعر:
ألا من مبلغ عني رسولا وما تغني الرسالة شطر عمرو
أي: نحو عمرو، وقال الآخر:
أقول لأم زنباع: أقيمي صدور العيس شطر بني تميم
стр. 2464
وقال الآخر، وهو ابن أحمر:
[٤: ٥/ أ] /تعدو بنا شطر نجد، وهي عاقدة قد كارب من إيفادها الحقبا
وقال آخر:
وأطعن بالقوم شطر الملو ك ................
أي: نحوهم، وقال آخر- وجرها بمن:
وقد أظلكم من شطر ثغركم هول، له ظلم، تغشاكم قطعا
والشطر أيضاً: نصف الشيء، والشطر أيضاً: الجزء من الشيء، فهو مشترك بين هذين وبين الجهة.
ص: ف "حيث" مبينة علي الضم، وقد تفتح أو تكسر، وقد تخلف ياءها واو. وإعرابها لغة فقعسية. وندرت إضافتها إلي مفرد، وعدم إضافتها لفظاً أندر. وقد يراد بها الحين عند الأخفش.
و"عند" للحضور أو القرب، حسا أو معني، وربما فتحت عينها، أو ضمت.
стр. 2465
ش: زعم ابن سيده أن أصل حيث حوث بالواو. وعلة بناء حيث إذا كانت شرطية تضمنها معني حرف الشرط، وإذا لم تكن للشرط فعلة بنائها شبهها بالحرف في افتقارها؛ إذ لا تستعمل إلا مضافة، أو في إبهامها، كما أن الحرف مبهم. وحرك لئلا يلتقي ساكنين. فمن بناها علي الضم فلشبهها بقبل وبعد؛ لأنها مضافة إلي جملة، والإضافة في الحقيقة إنما هي إلي المفرد، فكأنها مقطوعة عن الإضافة. ومن بناها علي الفتح فطلباً للتخفيف. ومن بناها علي الكسر فعلي أصل التقاء لساكنين.
وقوله وقد تخلف ياءها واو حوث هي لغة طيئ، قاله اللحياني، يقولون: حوث عبد الله زيد. ومن العرب من يفتح حوث.
وقوله وإعرابها لغة فقعسية حكي ذلك عنهم الكسائي، يقولون: جلست حيث كنت، بالفتح، وجئت من حيث جئت، فيجرونها ب"من"، وصارت عندهم كعند. وأقرأ بعض القراء ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾، فتحتمل هذه القراءة أن تكون علي هذه اللغة، وتحتمل أن تكون علي لغة من بني حيث علي الكسر دائماً. وقال الكسائي: "سمعت في بني تميم من بني يربوع وطهيه من ينصب الثاء لي كل حال في الخفض والنصب والرفع، فيقول: حيث التقينا،
стр. 2466
و ﴿مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾، ولا يصيبه الرفع في لغتهم". قال: "وسمعت في. بني الحارث بن أسد بن الحارث بن ثعلبة، وفي بني فقعس كلها، يخفضونها في موضوع الخفض، وينصبونها في موضع النصب، فيقولون ﴿مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾، وكان ذلك حيث التقينا".
وقوله وندرت إضافتها إلي مفرد هذا مذهب البصريين، لا يجيزون إضافة حيث إلي المفرد، وما سمع من ذلك نادر، وأجاز الكسائي ذلك، وقال الراجز:
أما تري حيث سهيل طالعا
يروي برفع سهيل وجره، وقال الشاعر:
[٤: ٥/ ب] /ونطعنهم تحت الحيا بعد ضربهم ببيض المواضي حيث لي العمائم
فهذا عند البصريين نادر، لا تبني عليه القواعد، وقاس عليه الكسائي.
والجملة التي تضاف إليها حيث شرطها أن تكون خبرية اسمية، أو فعلية مثبتة مصدرة بماض أو بمضارع مثبتين، أو منفي بـ"لم" أو "لا". وأما قوله:
стр. 2467
........ من حيثما سلكوا أدنو، فأنظور
فمن أجاز جرها المفرد فله أن يجعل ما مصدرية، ومن لم يجز ذلك إلا ضرورة جوز هذا، وجوز أن تكون ما زائدة، أي: من حيث سلكوا.
ولا تستعمل غالباً إلا ظرفاً، وقد تجر بالباء، نحو قوله:
...................... كان منا بحيث تعكي الإزار
أو من ﴿ومِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾، أو إلي:
....................... إلي حيث ألقت رحلها أم قشعم
أو في:
فأصبح في حيث التقينا شريدهم ......................
وقوله:
علي فتخاء، تعلم حيث تنحو وما في تنحو من طريق
وقد أضاف إليها في قوله:
стр. 2468
............... بأذل حيث يكون من يتذلل
وقوله وعدم إضافتها لفظاً أندر قال المصنف في الشرح: "أندر من إضافته إلي مفرد إضافته إلي جملة مقدرة، كقوله الشاعر، وهو أبو حية:
إذا ريدة من حيث ما نفحت له أتاه برياها خليل يواصله
أراد: إذا ريدة نفحت له من حيث ما هبت أتاه برياها خليل، فحذف هبت للعلم به، وجعل ما عوضاً كما جعل التنوين في حينئذ عوضاً" انتهي.
ولا حجة في هذا البيت علي ما ادعاه؛ لأنه يحتمل أن تكون حيث مضافة إلي الجملة التي بعدها، وهي: نفحت لهن ويرتفع "ريدة" بفعل محذوف يفسره المعني، التقدير: إذا نفحت ريدة. وهذا التأويل أولي؛ لأنه ليس فيه إلا حذف رفع ل"ريدة"، دل عليه المعني، وفي تأويله حذف هذا الرافع، إذ التقدير: إذا نفحت ريدة نفحت له من حيث هبت، وحذف الجملة التي أضفيت إليها حيث، وفيه دعوي أن "ما" جاءت عوضاً مما تضاف إليه، كالتنوين في حينئذ، ولم يثبت ذلك فيها في غير هذا الموضوع فيحمل هذا عليه.
وقوله وقد يراد بها الحين عند الأخفش استدل بقوله:
للفتي عقل، يعيش به حيث تهدي ساقه قدمه
ولا حجة في ذلك، بل الظاهر أنها في هذا البيت ظرف مكان؛ ألا تري أنه أضاف حيث إلي قوله "تهدي ساقه قدمه" وهو عبارة عن المشي، فكأنه قال: حيث مشى وتوجه.
стр. 2469
[٤: ٦/ أ] /وقوله و"عند" للحضور أو القرب حسا أو معني قال المصنف في الشرح: " لا تستعمل إلا مضافة، ولا يفارقها النصب علي الظرفية إلا مجرورة بمن، وهي لبيان كون مظروفها حاضراً أو معني، أو قريبا حسا أو معني، وقد اجتمع الحضور المعنوي والحسي في قوله تعالي ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكِتَابِ﴾، وقال ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًا عِندَهُ﴾. ومثال القرب الحسي ﴿عِندَ سِدْرَةِ المُنتَهَى (١٤) عِندَهَا جَنَّةُ المَاوَى﴾، ومثال القرب المعنوي ﴿وإنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ﴾، و ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا﴾، ومن القرب المعنوي قول الرجل: عندي مئة، يريد أنه مالكها وإن كان موضعها بعيداً، ومنه قال تعالي ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ﴾. وقد يكون مظروفها معني، فيراد بها الزمان، كقوله ﵇ (إنما الصبر عند الصدمة الأولي).
وكسر عينها هو المشهور، ومن العرب من يفتحها، منهم من يضمها" انتهي.
وإنما لم يتصرف "عند" لأنه أشد توغلا في الإبهام من خلف وأمام وأخواتهما؛ ألا تري أن "عند" تصدق علي الجهات الست، فلما بعد عن المختص الذي بابه أن يستعمل اسماً أكثر من بعد الجهات الست عنه لم تستعمل اسماً.
стр. 2470
-[ص: و"لدن" لأول غاية زمان أو مكان، وقلما تعدم "من". وقد يقال لدن ولدن ولدن ولدن ولد ولد ولد. وإعراب اللغة الأولى لغة قيسية. وتجبر المنقوصة مضافة إلى مضمر. ويجر ما يليها بالإضافة لفظًا إن كان مفردًا، وتقديرًا إن كان جملة. وإن كان "غدوة" نصب أيضًا، وقد يرفع. وليست "لدي" بمعناها، بل بمعنى "عند" على الأصح. وتعامل ألفها معاملة ألف "إلى" و"على"، فتسلم مع الظاهر، وتقلب ياًء مع المضمر غالبًا.]-
ش: "لدن" مبنية لشبهها بالحرف في لزومها استعمالًا واحدًا، وهو كونها مبدأ غاية، وامتناع الإخبار بها وعنها، فلا يبني عليها المبتدأ، بخلاف عند ولدي، فإنهما لا يلزمان استعمالًا واحدًا، بل يكونان لابتداء الغاية وغيرها، ويبنى عليهما المبتدأ، قال تعالى ﴿وعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ﴾، وقال ﴿ولَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ﴾، ﴿ولَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾.
وقوله لأول غاية زمان مثاله: لدن غدوة، وما رأيته من لدن ظهر الخميس.
وقوله أو مكان مثله ﴿آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا﴾، أي: من جهتنا ونحونا.
وفي البسيط: هي بمعنى عند، لكنها أشد منها إبهامًا، يدل على ذلك أنها لا تقع جوابًا عن أين كما تقع فيه عند، ولذلك بنيت، بخلاف عند. وقيل: إن عند تكون لما هو حاصل أو في تقدير الحاصل، فتقول: هذا عندي، وإن لم يكن حاصلًا، ولا كذلك / [٤: ٦/ ب] لدنك، إنما هي للحاصل المتصل.
стр. 2471
وقوله وقلما تعدم من أكثر مجيئها بمن، كقوله ﴿وهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ﴾، ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ﴾. ومجيئها بغير من نحو قولهم: لدن غدوة، وما رأيته لدن شب.
وقوله وإعراب اللغة الأولى لغة قيسية اللغة الأولى هي لدن، أعربتها قيس تشبيهًا بعند، وبلغتهم قرأ أبو بكر عن عاصم ﴿لِّيُنذِرَ بَاسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ﴾، جر النون، وسكن الدال، وأشمها الضم، والأصل من لدنه بضم الدال. وحكي أبو حاتم ﴿مِّن لَّدُنْهُ﴾ بضم الدال وكسر النون. وتقول في النصب: لدنه، ولدنه، بضم الدال، وسكونها مشمة الضمة. وأما قول الراجز:
تنتهض الرعدة في ظهيري من لدن الظهر إلى العصير
فيجوز أن يكون كسر النون إعرابًا على هذه اللغة، ويجوز أن تكون مبنية على السكون، وكسر النون لالتقاء الساكنين.
قال المصنف في الشرح: "ووفيها على غير اللغة القيسية تسع لغات: سكون النون مع ضم الدال أو فتحها أو كسرها، وكسر النون مع سكون الدال وفتح اللام أو ضمها، وفتح النون مع سكون الدال وضم اللام، وحذف النون مع سكون الدال وفتح اللام أو ضمها، وحذف النون مع ضم الدال وفتح اللام" انتهى.
стр. 2472
ووجدت في طرة نسختي من هذا الكتاب - أعني أصلي الذي بخطي من كتاب تسهيل الفوائد مخرجًا- "وولت"، بلام مفتوحة وتاء مكسورة، وينبغي أن يكشف هذه اللفظة.
وقوله وتجبر المنقوصة مضافةً إلى مضمر قال س: "أما لد فهي لدن محذوفة، كما حذفوا يكن؛ ألا ترى أنك إذا أضفته إلى مضمر رددته على أصله، تقول: من لدنه، ومن لدني" انتهى. ولا يجوز: من لدك، ولا من لده.
وقوله ويجر ما يليها بالإضافة لفظًا إن كان مفردًا، وتقديرًا إن كان جملة جازت إضافتها إلى الجمل، وكان القياس ألا تضاف إلى الجمل؛ لأنها ظرف غالبه للمكان، ولا يضاف إلى الجمل من ظروف المكان إلا "حيث" و"لدن". وتضاف إلى الجملة الاسمية، نحو قوله:
وتذكر نعماه لدن أنت يافع إلى أنت ذو فودين أبيض كالنسر
وإلى الفعلية، قال:
لزمنا لدن سالمتمونا وفاقكم فلا يك منكم للخلاف جنوح
وقال:
صريع غواٍن، راقهن، ورقنه لدن شب حتى شاب سود الذوائب
стр. 2473
فأما قول الآخر:
[٤: ٧/ أ] /وليت، فلم تقطع لدن أن وليتنا قرابة ذي قربى ولا حق مسلم
فخرج على زيادة "أن" وإضافة "لدن" إلى الجملة الفعلية، وعلى جعل "أن" مصدرية، أي: لدن ولايتك إيانا.
وقال ابن الدهان: ولا يضاف من ظروف المكان إلى الجمل إلا حيث وحدها، وقيل: لدن أيضًا. وليس كذلك، فأما قول الشاعر:
وأن لكيزًا لم يكن رب عكةٍ لدن صرحت حجاجهم، فتفرقوا
فـ "أن" مراده مع "صرحت" بدليل ظهورها معها في قوله:
أراني لدن أن غاب رهطي ... ...............
فأضافه إلى المفرد.
وقوله وإن كان غدوة نصب أيضًا أي: وإن كان المفرد لفظ غدوة فيجوز الجر على الأصل، والنصب، قال الأخطل:
стр. 2474
لدن غدوة، حتى إذا ما تغيظت هواجر من شعبان حاٍم أصيلها
وقال آخر:
ومازال مهري مزجر الكلب منهم لدن غدوةً حتى دنت لغروب
وقد تزاد "ما" بين "لدن" و"غدوة" المنصوبة، قال الشاعر:
وقفت بها القلوص، وقلت: عوجا فعاج الركب من قلٍص عجال
لدن ما غدوةً حتى اكتسينا لمثنى الليل أثناء الظلال
وقال يونس في كتاب "النوادر" له: "بعضهم ينصب ما بعد لدن، فيقول: لدن غدوةً، وبعضهم ينصب مع حذف النون، فيقول: لد غدوةً". ولا يعني يونس أنه ينتصب بعد لدن كل اسم، إنما المحفوظ نصب غدوة فقط، قال س: "لا ينصب لدن غير عدوة، فلا تقول: لدن بكرةً؛ لأنه لم يكثر في كلامهم" انتهى. وأما قوله:
من لد شولًا فإلى إتلائها
فهو على إضمار كان الناقصة، وتقدم الكلام على ذلك في باب كان.
стр. 2475
وقال ابن خروف: الإضافة في لدن غدوة أكثر. وقد وجهوا نصب غدوةً بلدن بأنها شبهت نونها - وإن كانت من بنية الكلمة- بالتنوين؛ إذ صارت هذه النون تثبت تارةً وتحذف أخرى، فأشبهت ضاربًا، فكما قالوا ضارب زيدًا قالوا لدن غدوةً.
وأجاز بعضهم انتصاب غدوةً على إضمار كان مضمرًا فيها اسمها، كما قال س في: "من لد شولًا"، أي: من لد كانت شولًا.
وأجاز بعضهم انتصاب غدوةً بعد لدن على التمييز. وهو إعراب يعسر تعقله.
وإذا انتصبت غدوة بعد لدن فالمحفوظ أنها منونة وإن كان حقها أن تمتنع من الصرف؛ وإنما / [٤: ٧/ ب] صرفوها لأنهم لما عزموا على إخراجها عن النظائر في حالها غيروها في ذاتها بالصرف. وأيضًا لو لم يصرفوها لفتحوا، فلم يعلم أمنصوبة هي أم مجرورة؛ لأنها لا تنصرف، فلما عزموا على نصبها وإخراجها لكثرة الاستعمال عن حال نظائرها صرفوها ليكون ظهور التنوين مع الحركة يحقق قصدهم.
فإن قلت: فمن رفع، فقال: غدوة، وجر، فقال: غدوة، ما الذي دعاه إلى الصرف، ولا إشكال فيه كما في النصب؟
فالجواب: أنهم لما أوجبوا صرفها منصوبة - وهو الأكثر من أحوالها - حملوا الجر عليه لأنه أخوه، فصار لها تنوين في الحالين، فحملوا الرفع عليهما، والرفع هنا
стр. 2476
دخيل على النصب، فلما كان فرعًا في هذا الموضع حمل على النصب في التنوين. انتهى ملخصًا من كلام ابن جني.
وإذا عطفت على غدوةً المنصوبة بعد لدن، فقلت: لدن غدوةً وعشية - فقد أجاز أبو الحسن الجر في المعطوف والنصب: أما الجر قيل: فلان غدوة وإن لم يجر لفظًا فهو في موضع جر. وأما النصب فلأنه معطوف على منصوب، قال المصنف في شرح الشافية الكافية له: "والنصب في المعطوف بعيد عن القياس" انتهى. وهذه المسألة مما زادته "الشافية الكافية" على "تسهيل الفوائد".
والذي أختاره أنه لا يجوز في المعطوف إلا النصب، ولا يجوز الجر لأن غدوةً عند من نصبه ليس في موضع جر، فليس من باب العطف على الموضع، وهو نصب صحيح، فإذا عطف عطف عليه، ولاسيما على مذهب من جعل غدوةً منصوبًا بكان مضمرة، فلا يتخيل فيه إذ ذاك جر البتة.
فإن قلت: يلزم من ذلك أن تكون لدن قد انتصب بعدها ظرف غير غدوة، ولم يحفظ نصب بعدها إلا في غدوة.
فالجواب: أنه يجوز في الثواني ما لا يجوز في الأوائل؛ ألا ترى أنك تقول: رب رجل وأخيه يقولان ذلك، وكل شاةٍ وسخلتها بدرهم، و:
стр. 2477
أي فتى هيجاء أنت وجارها ..............
ولا تقول: رب أخيه، ولا: كل سلختها، ولا: أي جارها، فكذلك هذه المسألة، لو باشرت المعطوف لدن لم يكن فيه إلا الجر، فلما كان معطوفًا جاز فيه النصب لأنه معطوف على معرب صحيح الإعراب، ولا موضع له، أعني غدوةً.
وقوله وقد يرفع حكي الكوفيون رفع غدوة، وتأويله على تقدير كان، أي: لدن كانت غدوة، كذا قال بعضهم. والظاهر من كلام ابن جني أنه مرفوع بلدن، قال ابن جني: "وقد شبهه بعضهم بالفاعل، فرفع، فقال: لدن غدوة، كما تقول في اسم الفاعل: ضارب زيد، والقياس الجر بها لأنها ظرف، وقد أجراها بعضهم على القياس".
وقوله / [٤: ٨/ أ] وليست "لدي" بمعناها بل بمعنى "عند" على الأصح صرح س بأن لدى بمعنى عند، وقد تقدم مخالفتها لـ "لدن" في كونها يخبر بها كـ "عند".
وقوله وتعامل ألفها إلى آخره قال تعالى ﴿إذِ القُلُوبُ لَدَى الحَنَاجِرِ﴾، وقال ﴿ولَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾، كما تقول: علينا وإلينا. وبعض العرب لا يقلب مع المضمر، بل يقر الألف معه كما يقرها مع المظهر، وكذلك إلى وعلى، قال الشاعر:
стр. 2478
إلا كم - يا خناعة - لا إلانا عزا الناس الضراعة والهوانا
فلو برئت عقولكم بصرتم بأن دواء دائكم لدانا
ودلكم إذا واثقتمونا على نصر اعتمادكم علانا
-[ص: و"مع" للصحبة اللائقة بالمذكور، وتسكينها قبل حركةٍ وكسرها قبل سكون لغة ربعية، واسميتها حينئذ باقية على الأصح. وتفرد، فتساوي "جميعًا" معنًى، و"فتًى" لفظًا لا يدًا وفاقًا ليونس والأخفش، وغير حاليتها حينئٍذ قليل.]-
ش: قال المصنف في الشرح: "ومن الظروف العادمة التصرف (مع)، وهو اسم لمكان الاصطحاب أو وقته على حسب ما يليق بالمصاحب. ويدل على اسميته دخول من عليه في قولهم: ذهب من معه، حكاه س، ومنه قراءة بعض القراء ﴿هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾. وكان حقه أن يبنى لشبهه بالحروف في الجمود المحض والوضع الناقص؛ إذ هو على حرفين بلا ثالث محقق العود، والمراد بالجمود المحض ما لزمه وجه واحد من الاستعمال، إلا أنه أعرب في أكثر اللغات لمشابهته عند في وقوعه خبرًا وصفة وحالًا وصلة ودالًا على حضور وعلى قرب، فالحضور كـ ﴿ونَجِّنِي ومَن مَّعِيَ﴾، والقرب كـ ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾، وكقول الراجز:
إن مع اليوم أخاه غدوا"
стр. 2479
وقوله وتسكينها قبل حركة مثاله: زيد مع عمرٍو، وكسرها قبل سكون مثاله: زيد مع القوم، ومع ابنك لغة ربعية، روى ذلك الكسائي عن ربيعة، قاله المصنف. وفي المحكم: "ربيعة وغنم يسكنون مع قبل حركة"، ولم يحفظ س أن السكون لغة، فزعم أن السكون لا يكون إلا في الاضطرار، نحو قول الشاعر:
ريشي منكم، وهواي معكم وإن كانت زيارتكم لماما
وحركة مع حركة إعراب، ولذلك تأثرت بالعامل في: من معه، ومن سكن بني، وهو القياس.
وقوله واسميتها حينئذ باقية على الأصح أي: حين تسكن؛ لأن / [٤: ٨/ ب] معناها معربًة ومبنية واحد.
وزعم أبو جعفر النحاس أن الإجماع منعقد على حرفيتها إذا كانت ساكنة. وليس ذلك بصحيح، بل الأصح كونها اسمًا إذ ذاك، وكلام س مشعر بذلك، وأن الشاعر إنما يسكنها اضطرارًا.
وقوله وتفرد، فتساوي "جميعًا" معنًى أي: تفرد عن الإضافة، وتفوق بذلك عند لأنه تمكن ما، وعند لا تفرد. وأما مساواتها "جميعًا" معنًى فليس بصحيح.
стр. 2480
وهذه المسألة جرت بين أحمد بن يحيى وأحمد بن قادم، وهما من شيوخ الكوفيين، سأل أحمد بن يحيى عنها ابن قادم، قال: فلم يزل يركض فيها إلى الليل، وفرق أحمد بن يحيى بأن جميعًا يكون للقيام في وقتين، وفي وقت واحد، إذا قلت قام زيد وبكر جميعًا احتمل الوجهين، و"معًا" لا يكون إلا في وقت واحد إذا قلت: قام زيد وبكر معًا.
وقوله و"فتًى" لفظًا لا "ريدًا" وفاقًا ليونس والأخفش اختلف في فتحة معًا:
فذهب الخليل وس إلى أنها فتحة إعراب كفتحتها حالة الإضافة، والكلمة ثنائية اللفظ حالة الإفراد وحالة الإضافة، فهي كالفتحة في: رأيت زيدًا.
وذهب يونس والأخفش إلى أن الفتحة فيها كفتحة تاء فتًى، وأنها حين أفردت رد إليها المحذوف - وهو لام الكلمة- فصار مقصورًا، قال المصنف في الشرح: "وهو الصحيح"، يعني مذهب يونس والأخفش، قال: "لقولهم: الزيدان معًا، والعمرون معًا، فيوقعون معًا في موضع رفع كما توقع الأسماء المقصورة، نحو: هو فتًى، وهم عدًا، ولو كان باقيًا على النقص لقيل: الزيدان مع، والعمرون مع، كما يقال: هم يد واحدة، وهم جميع" انتهى.
والصحيح ما ذهب إليه س والخليل؛ لأن الأصل أن المحذوف الآخر لا يرد لا في حالة الإفراد ولا في حالة الإضافة، وذلك نحو يد ودم وحر، وقد رد بعضها في حالة الإضافة، نحو أب وأخ، وأما أن يرد حالة الإفراد ولا يرد في الإضافة فلا يوجد له نظير سوى هذا الذي فيه الخلاف، فحمل معًا على ما يوجد له نظير كثير
стр. 2481
أولى من حمله على ما لا نظير له. وإتمام معًا عكس أب وأخ؛ لأنه أتم في الإفراد، وحذف في الإضافة، فإذا معًا ليس من باب أب، وإذا لم يكن منه وجب حمله على باب يد ودم، وهذا كان يكون القياس في باب أب، وذلك على الخلاف الذي مر في باب أخ وأب حالة الإضافة، أهي لام الكلمة ردت أم هي إعراب أو إشباع، فلم يرد المحذوف فيصير على هذين القولين من باب يد ودم، ويكون كل ما حذف منه اللام جنسًا واحدًا لا يرد لا في إفراد ولا إضافة.
وأما ما ذكره المصنف من أنه كان يلزم إذا وقع خبرًا للمبتدأ أن يرفع، / [٤: ٩/ أ] فيقال: الزيدون مع - هذا خطأ فاحش؛ لأن "مع" قد تقرر أنها ظرف لا يتصرف، وقد ذكر هو ذلك، فلا يستعمل مبتدأ ولا فاعلًا ولا مفعولًا، وإنما تصرف بدخول "من" عليه على سبيل الندور، ولم يزله ذلك عن عدم التصرف، فقولهم الزيدان معًا هو منصوب على الظرف الواقع خبرًا، كما تقول: الزيدان عندك، وإذا كان ظرفًا لا يتصرف فلا يرفع؛ ألا ترى أنه حالة الإضافة أيضًا لا يرفع إذا قلت: زيد مع بكر.
وقوله، وغير حاليتها حينئذ قليل يعني أن الأكثر فيها أن تكون منصوبة على الحال، نحو: جاء زيد وبكر معًا، وجاء الزيدون معًا. وأما استعمالها في موضع رفع خبرًا فقليل، ومن ذلك قول الشاعر:
أفيقوا - بني حرٍب- وأهواؤنا معًا وأرحامنا موصولة - لم تقضب
стр. 2482
وقول الآخر:
حننت إلى ريا، ونفسك باعدت مزارك من ريا، وشعباكما معًا
وقول الآخر، وهو حاتم الطائي:
أكف يدي عن أن ينال التماسها أكف صحابي حين حاجتنا معًا
وأما قول علقمة:
فأوردتها ماء، كأن جمامه من الأجن حناء معًا وصبيب
فيظهر أنه انتصب على الحال من حناء وصبيب، وتقدم على أحد المتعاطفين ضرورة. ويحتمل أن يكون في موضع رفع على الصفة لهما، وتقدم على أحد المتعاطفين ضرورة.
وذهب بعض النحويين إلى أن "معًا" في نحو "وأهواؤنا معًا" في موضع نصب على الحال، والخبر محذوف، وهو العامل في الحال، والتقدير: وأهواؤنا كائنة معًا. وهذا باطل بالإجماع على بطلان نظيره، لو قلت: زيد قائمًا، تريد: كائن - لم يجز.
стр. 2483
-[ص: ويتوسع في الظرف المتصرف، فيجعل مفعولًا به مجازًا. ويسوغ حينئٍذ إضماره غير مقرون بـ "في"، والإضافة، والإسناد إليه. ويمنع من هذا التوسع - على الأصح- تعدي الفعل إلى ثلاثة.]-
ش: ظاهر كلامه اختصاص الظرف المتصرف بالتوسع فيه بأن يجعل مفعولًا به على طريق المجاز؛ ولا يختص ذلك بهذا الظرف، بل يجوز ذلك في المصدر المتصرف أيضًا، فينصب مفعولًا به على التوسع والمجاز، ولو لم يصح فيه ذلك ما جاز أن يبنى لفعل ما لم يسم فاعله حين قلت: ضرب ضرب شديد؛ لأن بناءه لفعل [٤: ٩/ ب] /ما لم يسم فاعله فرع عن التوسع فيه بنصبه نصب المفعول به، وتقول: الكرم أكرمته زيدًا، وأنا ضارب الضرب زيدًا.
قال في البسيط: "وهذا الاتساع إن كان لفظيًا جاز اجتماعه مع المفعول الأصلي إن كان له مفعول؛ وإن كان معنويًا بأن يوضع بدل المفعول به فإذا قلت ضرب الضرب فكأنك قلت: ضرب الذي وقع به الضرب ضربًا شديدًا، فوضعت بدله مصدره، فلا يكون فيما لا يتعدى - فلا يجتمع مع المفعول الأصلي لأنه كالعوض منه حال التوسع.
وقيل: يجوز الجمع بينهما على أن يكون المفعول منصوبًا نصب التشبيه بالمفعول به؛ وإذا كان الاتساع معنى فلا يجمع بين المتسع فيه والمطلق.
وقيل: لا يجوز الجمع بين شيئين من نوع واحد وإن اختلفا بالوصف؛ لأنه معنى واحد به أحد الأوصاف، فإذا أخذ مع أحدهما فلا يؤخذ مع غيره. وفيه نظر. وقد جوز س: سير عليه أيما سيٍر سيرًا شديدًا، وقال الشاعر:
стр. 2484
فهي تنوش الحوض نوشًا من علا نوشًا، به تقطع أجواز الفلا"
انتهى وفيه بعض تلخيص.
وفي البسيط أيضًا: "المصادر يتوسع فيها، فتكون مفعولًا، كما يتوسع في الظروف، فتكون إذا جرت أخبارًا بمنزلة الأسماء الجامدة، ولا تجري صفة بهذا الاعتبار، وإن كان بمعنى فاعل جاز، يعني أن يكون صفة". قال: "وإذا توسع فيها فكانت عامة على أصلها لم تثن ولم تجمع رعيًا للمصدر، أو خاصة، نحو: ضرب زيد، وسير البريد - فربما جاز التثنية والجمع" انتهى.
والظرف هنا يتناول ظرف الزمان وظرف المكان، وإنما شرط في الظرف التصرف لأن ما لزم الظرفية لا يجوز فيه التوسع؛ لأن التوسع مناف لعدم التصرف؛ إذ يلزم من التوسع فيه كونه يسند إليه، ويضاف إليه، وهذا لا يجوز في عادم التصرف.
ويشمل المتصرف ما كان مشتقًا نحو المشتى والمصيف والمضرب، وما ليس مشتقًا نحو اليوم، فيجوز التوسع فيه كما جاز في اليوم. وكذلك المصدر الذي أوله ميم كالمضرب.
ولا يمنع التوسع إضافة الظرف إلى الظرف المقطوع عن الإضافة المعوض مما أضيف إليه التنوين، نحو حينئٍذ وساعتئٍذ، فتقول: سير عليه حينئذ.
وما ينصب من المصادر انتصاب الظرف، نحو: أتيتك خفوق النجم، ومقدم الحاج - يجوز فيه التوسع.
ولا ينتصب انتصاب الظرف إلا المصادر المتمكنة، وأصل "بين" المصدر بأن يبين بينًا إذا افترق، ولما كان الافتراق يقتضي زمانًا وضع موضعه، ويجوز فيه التوسع، ومنه ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾.
стр. 2485
وأما صفة الظرف، / [٤: ١٠/ أ] نحو: سرت قليلًا - فيضعف فيه التوسع إلا إن وصف، وقد يحسن في بعضها إذا كثر فيها التصرف كقريب، وهو سماع.
وقوله فيجعل مفعولًا به مجازًا هذا مذهب البصريين. وفصل الكوفيون، فزعموا أن ما كان العمل في جميعه انتصب على التشبيه بالمفعول به، ولا يجوز انتصابه على الظرف؛ لأن الظرف يلزم عندهم أن يكون العمل في بعضه من جهة أنه ينتصب على تقدير "في"، و"في" للتبعيض عندهم، وإن كان العمل في بعضه جاز أن يكون انتصابه على الظرف، أو على التشبيه بالمفعول به.
وقوله ويسوغ حينئٍذ - أي: حين التوسع- إضماره غير مقرون بـ "في" وذلك أن أصل الظرف أن يتعدى إليه الفعل بوساطة في، ولذلك يجوز التصريح بها في كثير من الظروف، لكنه استغنى عن "في" بمعناها في الأسماء الظاهرة، فإذا أضمرت تعدي الفعل إلى الضمير بوساطة "في"؛ لأن الضمير غالبًا يرد الأشياء إلى أصولها؛ ألا ترى قولهم في لد زيد: لدنه، وفي لم تك صديقنا: إن لم تكنه فمن يكونه، وفي قعدت جبنًا: الجبن قعدت له، وفي المال لزيٍد: المال له، فرد النون في لدنه، وفي تكنه، واللام في له، وفتح اللام في له رجوعًا إلى الأصل - لأجل الضمير، فعلى هذا تقول: اليوم سرت فيه، فإذا جاء بمثل "اليوم سرته" علم أنه لم يقصد الظرفية، وإنما جعل مفعولًا به على سبيل التوسع. فمن التوسع في ظرف الزمان قوله:
ويوٍم شهدناه سليمًا وعامرًا قليٍل سوى الطعن النهال نوافله
وقول الآخر:
стр. 2486
يا رب يوٍم لي، لا أظلله أرمض من تحت وأضحى من عله
وقول الآخر:
في ليلة يحبها الطعام
ومن التوسع في ظرف المكان قوله:
ومشرٍب، أشربه، رسيل لا آجن الطعم ولا وبيل
فالضمير في "شهدناه" عائد على يوم، وفي "لا أظلله" عائد على يوم، وفي "يحبها" عائد على ليلة، وفي "أشربه" عائد على مشرب، وهو مفعل من الشرب، أي: مكان شرب، وكان الأصل: شهدنا فيه، ولا أظلل فيه، ويحب فيها، وأشرب فيه، فاتسع، ونصب الضمير نصب المفعول به مجازًا، ومن تمثيل س: سير عليه فرسخان.
قال ابن هشام الخضراوي: الضمائر من الزمان والمكان لا تقع خبرًا للمبتدأ منصوبة كما يقع الظرف في شيء من كلام العرب؛ تقول: يوم الخميس سفري فيه، ولا تقول: / [٤: ١٠/ ب] سفري إياه، ولا: إن سفري إياه، ولا: كان سفري إياه، إلا أن تدخل عليه "في". فدل هذا على أن الضمائر لا تنتصب
стр. 2487
ظروفًا؛ لأن كل ما ينتصب ظرفًا يجوز وقوعه خبرًا إذا كان مما يصح عمل الاستقرار فيه، ولم أر أحدًا نبه على] ذلك [هذا التنبيه.
وقوله والإضافة تارة يضاف إليه المصدر على طريق الفاعلية، كقوله تعالى ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾. وتارة على طريق المفعول به، كقوله تعالى ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾، أي: إمضاء أربعة أشهر بتربص. وتارة يضاف إليه الوصف على طريق الفاعلية، كقولهم:
يا سارق الليلة أهل الدار
وتارة على طريق المفعول به، كقولهم: يا مسروق الليلة أهل الدار، ذكرهما س، وقال:
رب ابن عم لسليمى مشمعل طباخ ساعات الكري زاد الكسل
وقال:
فإن أنت لم تقدر على أن تهينه فدعه إلى اليوم الذي أنت قادره
стр. 2488
قال الفارسي: "إذا أضفت إلى شيء منه، فقلت: يا سائر اليوم ويا ضارب اليوم - لم يكن إلا اسمًا، وخرج بالإضافة إليه عن أن يكون ظرفًا؛ لأنها إذا كانت ظروفًا كانت في مراده فيها ومقدرة معها؛ بدلالة ظهورها مع علامة الضمير، فإرادة ذلك فيها تمنع الإضافة إليها؛ ألا ترى أنك إذا حلت بين المضاف والمضاف إليه بحرف جر نحو اللام في غلام لزيٍد لم تصح الإضافة، ومنع منها الحرف".
قال ابن هشام الخضراوي: "ولا يظهر عندي؛ لأن كل مضاف سوى باب الحسن الوجه يقدر باللام أو بمن، وعند قوم أن اللام أو من هو الخافض، ولم يمنع ذلك من الإضافة. وقولنا الظرف مقدر بفي معناه تصلح في اللفظ إن كان متمكنًا، لا نعني إضمارها لعدم الخفض، ولا تضمينها لعدم البناء، وإذا لم تضمر ولم تضمن فتقدرها تقدير معنى، كتقدير لام الملك في: غلام زيد، ومن التبيين في: ثوب خز، فكذا تقول هنا في الوعاء، ولا تمنع الإضافة كما لم يمنعها تقدير لام الملك. والذي أراد س أن الأول يخفض الثاني بالنيابة عن حرف الجر، فصار بمنزلته، وقام الدليل عند س على أن حرف الجر يخرج الظرف عن ظرفيته بدليل سين وسط، سكنوه متى جعلوه ظرفًا، وفتحوه غير ظرف، فإذا قالوا "في وسط" فكلهم يفتحها، ولا يسكنها أحد، وهذا وجدته لابن طاهر، وهو كلام صحيح، ولو قال الفارسي: الظرف إذا عمل فيه الفعل صح دخول الجر عليه، فإذا دخل لم يصح دخول آخر، وكذا إذا / [٤: ١١/ أ] أضيف إليه لم يصح دخول حرف الجر، ومعنى الظرفية مصاحب لجواز دخول الحرف أو تقدير دخوله - كان صحيحًا" انتهى.
стр. 2489
وقال ابن عصفور: "هذا الذي استدل به - يعني الفارسي- هو الذي عول عليه أكثر النحويين، وهو عندي ضعيف؛ لأن العرب تفصل بين المضاف والمضاف إليه بحرف الجر ملفوظًا به في باب لا، نحو قولك: لا أبا لك، وفي باب النداء، نحو قوله:
................. يا بؤس للجهل ضرارًا لأقوام
وإذا لم يعتدوا به فاصلًا وهو ملفوظ به فالأحرى ألا يعتدوا به فاصلًا وهو مقدر، وليس ما ذكروه من أن المقدر بمنزلة الملفوظ به صحيحًا؛ إذ لو كان كذلك لم يصل الفعل إلى نصب الظرف كما لا يصل إليه مع التلفظ بـ "في"، بل لقائل أن يقول: كما لم يعتدوا بـ "في" المقدرة، ولذلك نصبوا، كذلك ينبغي ألا يعتدوا بها إذا أضافوا، وإلى ذلك ذهب أبو موسى الجزولي، فإنه أجاز الإضافة مع بقاء الظرفية.
فإن قال قائل: إنما جاز الفصل باللام لأنها مؤكدة لمعنى الإضافة من حيث كانت على معنى اللام، ولذلك لم يجز الفصل بغيرها من حروف الجر التي لا يوافق معناها معنى الإضافة، فأما قوله:
وقد علمت أن لا أخا بعشوزن ولا جار إذ أرهقتها بالحوافر
فالأخ ليس بمضاف، وإنما جاء به على لغة من يقول أخا كعصا، والظرف على تقدير في، ومعنى في غير موافق لمعنى الإضافة، فلذلك لم تجز الإضافة إلى الظرف.
стр. 2490
فالجواب: أن الإضافة إلى الظرف من قبيل إضافة التخفيف، وليست على معنى اللام فيناقض معناها معنى في، وإنما المخفوض منصوب في التقدير. والدليل على أن الإضافة للتخفيف أن المضاف لا يتعرف بها وإن كان الذي أضيف إليه معرفة؛ ألا ترى أن طباخاً لم يتعرف بإضافته إلى ساعات الكرى، ولذلك أجري على النكرة.
والصحيح عندي أنه لا يضاف إليه إلا بعد الأتساع فيه كما ذهب إليه أبو علي، لكن العلة فيه غير ما ذكره، وهو أن الظرف إذا دخل عليه الخافض خرج عن الظرفية؛ ألا ترى أن وسطاً إذا دخل عليها الخافض صارت اسماً بدليل التزامهم فتح سينها، و «وسط» المفتوحة السين لا تكون إلا اسماً. والسبب في خروج الظروف بالخفض عن الظرفية إلى الاسمية ما ذكره أبو الحسن في كتابه الكبير من أنهم جعلوا الظرف بمنزلة الحرف الذي ليس باسم ولا فعل؛ لشبهه به من حيث كان أكثر الظروف أخرج منها الإعراب، وأكثرها أيضاً لا يثنى ولا يجمع ولا يوصف، قال: فلما كانت كذلك كرهوا أن يدخلوا فيها ما يدخلون في الأسماء.
وقوله والإسناد إليه قال المصنف في الشرح: «من ضروب المجاز التوسع بإقامة الظرف/ [٤: ١١/ب] المتصرف مقام فاعل الحدث الواقع فيه، ومقام المفعول الموقع به الحدث، فالأول كقوله تعالى ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾، وقوله ﴿إنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾، وكقول الشاعر:
следующие страницы →