← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17116

التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

أبو حيان الأندلسي

Полный текст (3 950 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

وقوله وفي التعريف وجوبا فيقولون: أما العلم فعا لم , قال س: «فان أدخلت الألف واللم رفعوا» , يعني بني تميم , وعبارة س اخلص من عبارة المصنف لأنه قال «وفي التعريف» وهذا أعم من أن يكون التعريف بالألف واللام أو بغيرها , والمنقول إنما هو المعرف بالألف واللم. وقوله وللحجازيين في المعرف رفع ونصب ظاهره أنهما مستويان في الجواز , والذي يدل عليه كلام س أن الرفع هو الأكثر لأنه بدأ به , وتكلم في جمل من مسائله , ثم قال: «وقد ينصب أهل الحجاز في هذا الباب بالألف واللام , وذلك قولهم: أما النبيل فنبيل , وأما العقل فهو الرجل الكامل العقل والرأي , أي: هو للعقل والرأي وكأنه أجاب من قال: لمه؟ وأما بنو تميم فيرفعون , فيقولون: أما العلم فعا لم , كأنه قال: فأنا أو فهو عالم به» انتهي ملخصا بلفظ س. وإنما كان الرفع أكثر في لغة الحجاز والنصب أقل لأنه لما كان معرفا بال قويت فيه جهة ان يكون مسندا إليه , فكان جعله عمده أحسن من جعله فضلة. وقوله وهو في النصب مفعول له عند س أي: المعرف بأل في النصب مفعول من أجله عند س؛ ألا تري ان س قال: «كأنه أجاب من قال: لمه»؟ وهذا يتقدر المفعول من أجله , وذلك أنه لما انتصب وهو معرفة بأل لم يمكن أن يكون نصبه علي الحال لتعريفه , ولم يمكن أن يكون نصبه علي المصدر المؤكد لتعريفه أيضا؛ لان المصدر ألتوكيدي لا يكون نصبه معرفا؛ لأنه لا يدل إلا علي ما دل عليه الفعل , والفعل ايدل إلا علي مطلق الحدث , فكذلك توكيده , والمعرف يدل علي خصوصية الفعل , فلا يمكن أن ينتصب على أنه مؤكد لذلك.

стр. 2837

وقوله وهو والمنكر مفعول مطلق عند الاخفش قال المصنف في الشرح: «الاخفش يجعل المنصوب مصدرا مؤكدا في التنكير والتعريف , ويجعل العامل فيه ما بعد الفاء ان لم يقترن بما لا يعمل ما بعده فيما قبله , فتقدير أما علما فعا لم في مذهبه: مهما يكن من شيء فالمذكور عالم علما , فلزم تقديمه كما لزم تقديم المفعول في (فأما إلىتيم فلا تقهر) , والأصل: مهما يكن من شيء / فاليتيم لا تقهر , أو: فلا تقهر اليتيم , وقد قال س في أما الضرب فضارب مثل قول الاخفش في أما علما فعا لم» انتهي. وأجاز بعضهم انتصاب المصدر نكرة ومعرفه علي انه مفعول به بفعل الشرط المقدر , فيقدر متعديا علي حسب المعني , فكأنه قال: مهما تذكر علما أو العلم فالذي وصف عالم , وهذا مذهب الكوفيين , ويجيزون: أما العبيد فلا عبيد لك , وان أردت عبيدا بأعيانهم. لأنهم يحملون هذا الباب كله علي تقدير فعل , كأنه قال: مهما تذكر العبيد , وهو عندهم فعل لا يظهر مع أما , كما لا يظهر الفعل في قول العرب: أما أنت منطلقا انطلقت معك , وحكوا: ما البصرة فلا بصرة لك , وأما أباك فلا أب لك. قال بعض أصحابنا: «وإذا صح ما حكوا فالقول قولهم , ولم يسمعه س , فجري عل الصنعة» انتهي. واختار هذا المذهب المصنف في الشرح , وصوبه وقال: «لأنه لا يخرج فيه شيء عن أصله؛ لان الحكم بالحالية فيه إخراج المصدر عن أصله ووضعه موضع

стр. 2838

اسم فاعل». قال: «ولأنه لا يمنع من اطرده مانع , والقول بالحالية فيه عدم الاطراد لجواز تعريفه. وبخلاف الحكم بأنه الحكم بأنه مصدر مؤكد فانه يمتنع إذا كان بعد الفاء ما لا يعمل ما بعده فيما قبله. وأما الحكم بأنه مفعول به فلا يعرض ما يمنع منه في لفظ ولا معني , فكان أولي من غيره , وقد ذهب أل ذلك السيرافي في قول ابن ميادة ألا ليت شعري هل إلى ام مالك ... سبيل , فأما الصبر عنها فلا صبرا في رواية النصب فقدره: مهم ترم الصبر عنها فلا صبر». قال المصنف: «ويؤيد هذا التقدير في المصدر مجيئه فيما ليس مصدرا , نحو: أما قريشا فانا أفضلها رواه الفراء عن الكسائي عن العرب , وتقديره: مهما تذكر قريشا أو تصف قريشا فانا أفضلها. ومنه ما روي يونس عن القوم من العرب أنهم يقولون: أما العبيد فهو ذو عبيد , ومهما تذكر العبد فهو ذو عبد» انتهي ما اختاره المصنف وما رجح به.

стр. 2839

وما ذهب إليه الأخفش من انتصاب النكرة والمعرفة نصب المصدر المؤكد , وما ذهب إليه بعضهم - واختاره المصنف من نصبه علي انه مفعول به - فاسدام علي ما نذكره ان شاء الله , ويتضح ان الصواب مذهب س ﵀ , فنقول: الدليل علي فساد قول الاخفش من وجهين: احدهما ك أن المصدر المؤكد لا يكون معرفا بالألف واللام؛ لان الألف واللام يخرجانه من الإبهام إلى التخصيص , ودعوي زيادة أل علي خلاف الأصل. والثاني: انه لا يصح أن يكون مصدرا مؤكدا إذا كان ما بعد الفاء لا يمكن ان يعمل فيما قبلها , نحو: أما علما فلا / علم له. والدليل علي فساد المذهب الأخر الذي اختاره المصنف انه لو كان علي إضمار الفعل لمتعدي الناصب له لم يكن ذلك مختصا بالمصدر؛ أما علما فعا لم , أو بالصفات نحو: أما صديقا فصديق , علي ما سيأتي , وكان ذلك جائزا في كل الأسماء. وقد ينص س علي أن قولك: أما الحارث فلا حارث لك , وأما البصرة فلا بصرة لك , وأما أبوك فلا أب لك , لا يجوز فيه إلا الرفع , وذكر انه لا سبيل إلى النصب ولو كان علي ما اختاره المصنف لجاز النصب , فكنت تقول: أما البصرة فلا بصرة لك , أي: مهما تذكر البصرة فلا بصرة لك , فلما التزموا فيه الأوصاف والمصادر دل علي أن نصبه ليس نصب المفعول به. ولو كان أيضا علي ما زعموا من نصبه نصب المفعول به ما اختلفت فيه لغات العرب بالنسبة للتنكير والتعريف؛ وقد قال س: «هذا باب يختار فيه الرفع ويكون فيه الوجه في جميع اللغات , وذلك قولك: أما العبيد فذو عبيد , وأما العبد فذو عبد , وأما عبدان فذو عبدين.

стр. 2840

وإنما اختير الرفع ما ذكرت لان ما ذكرت في هذا الباب أسماء , والأسماء لا تجري مجري المصادر؛ إلا تري انك تقول: هذا الرجل علما وفقهاء , ولا تقول: هو الرجل خيلا وابلا , فلما قبح ذلك جعلوا ما بعده خبرا له , كأنهم قالوا أما العبيد فأنت فيهم , أو أنت منهم ذو عبيد , أي: لك من العبيد نصيب». ثم قال س بعد كلام: «وزعم يونس أن قوما من العرب يقولون: أما العبيد فذو عبيد , وأما العبد فذو عبد , يجرونه مجري المصدر , وهو قليل خبيث؛ وذلك أنهم شبهوه بالمصدر كما شبهوا الجماء الغفير بالمصدر وشبهوا خمستهم بالمصدر , وكان هؤلاء أجازوا: هو الرجل العبيد والدراهم , أي: للعبيد والدراهم , فهذا لا يتكلم به , وإنما وجهه وصوابه الرفع وهو قول العرب وأبي عمرو ويونس , ولا اعلم الخليل ﵀ خالفهما. وقد حملوه علي المصدر , فقال النحويون: أما العلم والعبيد فذو علم وذو عبيد , وهذا قبيح؛ لأنك لو أفردته كان الرفع الصواب». وقال س: «ولو قال: أما العبيد فأنت ذو عبيد , يريد عبيدا بأعيانهم قد عرفهم المخاطب كمعرفتك , كأنك قلت: أما العبيد الذين تعرف - لم يكن إلا رفعا» انتهي ما نقل من كلام س في هذه المسالة. ودل كلام س علي أن نصب «أما العبيد» إذا لم يرد بهم عبيد بأعيانهم خبيث قليل حيث اجري الاسم مجري المصدر , وفرق س بين المصدر والاسم , ولو كان النصب علي المفعول به لجاز كما قلناه في كل اسم , سواء أكان مصدرا أم غيره. وأما ما حكي المصنف من قولهم «أما قريشا فانا أفضلنا» فالنصب قد منعه س , وان صحت حكاية الكسائي ذلك عمن يحتج بكلامهم من العرب فهو قليل

стр. 2841

جدًا, ويخرج علي إضمار المصدر وإبقاء معمولة , والتقدير: أما ذكرك قريشا فانا أفضلها , حذف المصدر , وابقي معمولة , كما حذفه الآخر في قوله: هل تذكرون إلى الديرين هجرتكم ... ومسحكم صلبكم , رحمان قربانا التقدير: وقولكم يا رحمان تقربنا إليك قربانا , ولا يقاس علي حذف المصدر وإبقاء معمولة. وأما قولهم «أما صديقا فصديق» فانتصابه عند س علي الحال , والحال فيها اظهر من الحال في المصدر؛ إذ هي صفة علي كل حال , وانتصابه أما بفعل الشرط المحذوف أو بالصفة التي بعد الفاء ووتكون إذ ذاك حالا مؤكده ز فلو قلت «أما صديقا فليس بصديق» فالنصب علي التقديرين. ومنع المبرد الوجه الثاني لاقتران الصفة العاملة بباء الجر. والباء الزائدة لا تمنع , تقول: ليس زيد عمرا بضارب , تريد: بضارب عمرا. ويمكن أن يكون تعليل منعه بان الصفة الواقعة خبرا ل «ليس» لا يجوز تقديمهما علي مذهبه علي ليس وإذا لم يجر تقديمها علي ليس لم يجر تقديم معمولها عليها.

стр. 2842

وذهب الأخفش إلى أن انتصاب صديقا ب «أن يكون» مضمرة , فليس انتصابه علي الحل , والتقدير: أما أن يكون إنسان صديقا فالمذكور صديق. ورده المبرد , ولم يذكر له حجة. قال المصنف في الشرح: «والحجة أنا إذا قدرنا (أن يكزن) لزم كون أن وصلتها في موضع نصب علي المذهب المختار , وينبغي أن يقدر قلبه (أن يكون) آخر , ويؤدي ذلك إلى التسلسل , والتسلسل محال» انتهي. ولا يلزم ما قال من كون أن وصلتها في موضع نصب علي المذهب المختار كما قال؛ بل تكون في موضع رفع علي الابتداء , والتقدير: أما كون إنسان صديق , ولو فرضنا أن (أن يكون) في موضع نصب لم يلزم أن يكون منصوبا ب «أن يكون» مضمرة؛ لأنه إذ ذاك يكون العامل فيه النصب الوصف الذي بعد الفاء , ويكون «أن يكون» مفعولا له , والتقدير: أما لان يكون إنسان صديقا فالمذكور صديق , وكأنه قال: أما لكينونة الصداقة فالمذكور صديق , كما قال س في أما العلم فعا لم , أي: أما للعلم فعا لم. وإنما يرد مذهب الاخفش بان فيه إضمار المصدر وإبقاء معمولة , وقد ذكرنا أن ذلك من القلة والندور بحيث لا يقاس عليه. وقد خرج س حين صرح ب «أن يكون» بعد «أما» علي انه مفعول له , سبك من أن يكون مصدرا , وهو مفعول له , قال س: «وأما قول الناس للرجل أما أن

стр. 2843

يكون عالما فهو عالم , وأما أن يعلم شيئا فهو عالم - فهذا يشبه أن يكون بمنزلة المصدر؛ لان «أن» مع الفعل الذي يكون صلة بمنزلة المصدر , كأنك قلت: أما علما وأما كينونة علم فأنت عالم». ومنع س أن تقع أن والفعل حالا ز ثم قال في آخر الباب: «فمن ثم تجريت مجري المصدر الأول الذي هو جواب لمه»؟ وتقدم من قولهم: أما العبيد فذو عبيد , فالعبيد: مبتدأ وذو: خبر مبتدأ تقدره علي حسب ما جري الكلام فيه من غيبة أو خطاب أو تكلم , أي: فهو أو فأنت أو فانا , والجملة في موضع خبر المبتدأ , ولا بد فيها من رابط , فلا يجوز ان يكون التكرار؛ لأنه يلزم أن يكون بال , فكان التركيب: أما العبيد فذو العبيد. وقال س: «التقدير فأنت / منهم أو فيهم ذو عبيد». ولا يظهر هذا التقدير؛ لأنه لا يوافق المعني المقصود من الكلام؛ إذ المعني: فأنت تملكهم , وملكهم ثابت لك , وقول س «فأنت منهم أو فيهم» معناه انه من صنف العبيد , وله عبيد , وهذا لم يقصد قط , لكن يتخرج ما قدره س علي أن يكون العامل في «فيهم ومنهم» ما في «ذو» من معني الملك , كأنك قلت: أما العبيد فأنت مالك فيهم أو منهم وذو عبيد: بمعني مالك عبيد. و (أما) «أما العبيد فذو عبيد» - بنصب العبيد - فذهب الزجاج إلى انه علي حذف مضاف , كأنك قلت: أما ملك العبيد فذو عبيد , ويكون مفعولا من اجله , ويعمل فيه مضمر يفسره ذو عبيد , كأنك قلت: مهما تصف ملك العبيد فهو ذو عبيد. أو تعمل فيه أما علي مذهب من رأى ذلك.

стр. 2844

وذهب السيرافي إلى انه من وضع الاسم موضع المصدر , كما تقول: عجبت من دهنك لحيتك , أي من دهن , كأنه قال: أما التعبيد فهو ذو عبيد , وقد نطقوا بهذا المصدر , قال: يرضون بالتعبيد والتأمي وهذا هو ظاهر قول س؛ لأنه قال: «يجرونه مجري المصدر». وقال في قولهم أما العلم والعبيد: «حملوه علي المصدر» , أي: عطفوه عليه. ونظره ب «ويل له وتب» من حيث كان التب بابه النصب , فرفعوه حملا علي الويل , وهنا كان العبيد بابه الرفع , فنصب حملا علي العلم , شبهوه بالمصدر فنصبوه.

стр. 2845

-[ص: فصل لا يكون صاحب الحال في الغالب نكرة ما لم يختص، أو يسبقه نفي أو شبهه، أو يتقدم الحال، أو يكن جملة مقرونة بالواو، أو يكن الوصف به علي خلاف الأصل، أو تشاركه فيه معرفة.]- ش: لما كانت الحال خبرا في المعني، وذو الحال مخبرا عنه، وكان يجوز الابتداء بالنكرة بشرط الفائدة - جاز أن يكون ذو الحال نكرة بشرط وضوح المعني وأمن اللبس. وقوله في الغالب احتراز من قولهم: عليه مئة بيضا، وفيها رجل قائما، فإن ذا الحال نكرة، وليس فيه شرط مما ذكر المصنف. ولا يشعر قوله «في الغالب» بأن ما ليس غالبا هل يجوز ذلك فيه قياسا مطردا أو يقتصر فيه علي السماع. وزعم بعض أصحابنا أنه إذا لم يقبح أن يكون وصفا للنكرة فالانتصاب علي الحال ضعيف جدا، نحو قول الشاعر: وما حل سعي غريبا ببلدة ... فينسب، إلا الزبر قان له أب انتهي. وليس كما زعم، بل قد ذكر س الحال من النكرة كثيرا قياسيا، وإن لم يكن بمنزلة الإتباع في القوة، والقياس قول يونس والخليل، وقد جاء من ذلك ألفاظ عن

стр. 2846

العرب، منها: به داء مخالطه، ومرت بماء قعدة رجل، أي: ممسوحا بذلك، ووقع أمر فجاءة، وعليه مئة بيضا، وفي الحديث: (جاء رسول الله علي فرس سابقا). وقيل: لا يجوز في غير الموصوف إلا سماعا ما لم تتقدم عليه، وأنشد الفارسي: جنونا بها فيما اعتشرنا علالة ... علالة حب مستسرا وباديا /جعله حالا من حب، وهو نكرة ٠ وقوله ما لم يختص الاختصاص يكون بالنعت نحو: مررت برجل تميمي راكبا، وحكي س: هذا غلام لك ذاهبا. وقال بعض أصحابنا: إن ذلك لا يجوز إلا أن تكون النكرة موصوفة بوصفين. ويرد عليه ما حكاه س، وقوله تعالي ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:٤] ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان:٥] ، وقول الشاعر:

стр. 2847

نجيت- يا رب - نوحا، واستجبت له ... في فلك ماخر في اليم مشحونا وعاش يدعو بآيات بينة ... في قومه ألف عام غير خمسينا ويكون الاختصاص بالإضافة كقوله ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت:١٠]، ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ في قراءة من ضم القاف والباء. ويكون الاختصاص بالعمل نحو: مررت بضارب هندا قائما. والجه في هذه المسائل الإتباع لا الحال. وقوله أو يسبقه أو شبهه مثال النفي ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر:٤]، حسن تقدم النفي هنا مجيء الحال من النكرة كما حسن الابتداء بها في نحو: ما قرية إلا لها كتاب معلوم. ومن ذلك: ما مررت بأحد إلا قائما إلا أخالك، وقد تقدم الكلام علي هذا المثال في الاستثناء، والكلام مع الزمخشري فيه في قوله ﴿إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾، وقال الشاعر: ما حم من موت مي واقيا ... ولا يري من أحد باقيا وقال الآخر: وما حل سعدي غريبا ببلدة ... ....................................

стр. 2848

قال في البديع: «النكرة المنفية تستوعب جميع أنواعها، فتنزلت منزلة المعرفة». وشبه النفي هو النهي والاستفهام، نحو قول قطري: لا يركن أحد إلي الإحجام ... يوم الوعي متخوفا لحمام ونحو قول الآخر: يا صاح، هل حم عيش باقيا، فتري ... لنفسك العذر في إبعادها الأملا وقوله أو يتقدم الحال يعني: أو يتقدم الحال علي ذي الحال النكرة، ومثال ذلك: هذا قائما رجل، قال س «لما لم يجز أن توصف الصفة بالاسم، وقبح أن تقول: فيها قائم رجل، فتضع الصفة موضع الاسم، كما قبح: مررت بقائم، وأتاني قائم - جعلت القائم حالا، وكان المبني علي الكلام الأول ما بعده». ثم قال: «وحمل هذا علي جواز: فيها رجل قائما، وصار حين أخر وجه الكلام فرارا من القبح»، وأنشد س لذي الذمة:

стр. 2849

وتحت العوالي في القنا مستظلة ... ظباء، أعارتها العيون الجاذر وأنشده لغيره: / وبالجسم مني بينا لو علمته ... شحوب، وإن تستشهدي العين تشهد وأنشد غير س: وما لام نفسي مثلها لي لائم ... ولا سد فقري مثل ما ملكت يدي وقال الآخر: فهلا أعدوني لمثلي- تفاقدوا - ... وفي الأرض مبثوثا شجاع وعقرب ويظهر من كلام س أن صاحب الحال في نحو «فيها رجل قائما» هو المبتدأ. وذهب قوم إلي أن صاحبه الضمير المستكن في الخبر. قال المصنف في الشرح: «وقول س هو الصحيح؛ لأن الحال خبر في المعني، فجعله لأظهر الاسمين أولي من جعله لأغمضهما» انتهي. وهذا الذي ذكره يستقيم لو تساويا، وأما إذا كان أحدهما معرفة والآخر نكرة فجعله حلا للمعرفة أولي. وزعم ابن خروف أن الخبر إذا كان ظرفا أو جارا ومجرورا لا ضمير فيه عند س والفراء إذا تأخر، وأما إذا تقدم فلا ضمير فيه. واستدل علي ذلك بأنه لو كان فيه ضمير إذا تقدم لجاز أن يؤكد، وأن يعطف عليه، ... وأن يبدل منه، كما فعل ذلك مع المتأخر.

стр. 2850

ومع ذلك فنصب الحال المتقدمة من النكرة لا يكون إلا في قليل من الكلام؛ قال سس: «ومع ذلك أكثر ما يكون في الشعر، وأقل ما يكون في الكلام»، وإن كان قد أطلق القول في جواز وقوع الحال من النكرة، ولم يجعله في الشعر أكثر منه في الكلام. ويجوز أ، تقول «هذا قائم رجل» علي طريق البدل. وحكي الفراء: هذه خراسانية وخراسانية جارية، بنصب خراسانية علي الحال المتقدمة، وبالرفع علي طريق البيان. وقوله أو يكن جملة مقرونة بالواو مثاله ﴿أو كالذي مر علي قرية وهي خاوية علي عروشها﴾، وقال مضي زمن والناس يستشفعون بي ... فهل لي إلي ليلي الغداو شفيع أو يكن الوصف به علي خلاف الأصل مثاله: هذا خاتم حديدا، وعندي راقود خلا، هكذا مثل المصنف، وقال: «ظاهر كلام س أن المنصوب في هذين المثالين وأشباههما منصوب علي الحل، وأن الذي سوغ ذلك مع تنكير ما قبله التخلص من جعله نعتا مع كونه جامدا غير مؤول بمشتق، وقد تقدم أن ذلك

стр. 2851

يغتفر في الحال؛ لأنه بالأخبار أشبه منه بالنعوت. والمشهور في كلام غير س نصب ما بعد خاتم وراقود وشبههما علي التمييز. فلو كان ما قبله معرفة لم يكن إلا حالا، نحو: هذا خاتمك حديدا، وهذه حبتك خزا» انتهي. ومن مجيء الحال بعد ما يقبح الوصف به قولهم: مررت ببر قفيزا بدرهم، ومررت بماء قعدة رجل. وقوله أو تشاركه فيه معرفه نحو: هؤلاء ناس وعبد الله منطلقين، وهذا /رجل وعبد الله منطلقين. -[ص: يجوز تقديم الحال علي صاحبه وتأخيره إن لم يعرض مانع من التقديم، كالإضافة إلي صاحبه، أو من التأخير، كاقترانه ب «إلا» علي رأي، وكإضافته إلي ضمير ما لابس الحال. وتقديمه علي صاحبه المجرور بحرف ضعيف علي الأصح لا ممتنع.]- ش: لما كانت الحال خبرا في المعني تنزلت من صاحبها منزلة الخبر من المبتدأ، فالأصل فيها التأخير عن صاحبها، كما أن ذلك هو الأصل في خبر المبتدأ. ثم قد يعرض تأخيرها عنه وجوبا، وجوازا: فمن الوجوب إضافة العامل إلي صاحبها، نحو: عرفت قيام هند مسرعة، فلا يجوز تقديم مسرعة علي هند لما يلزم في ذلك من الفصل بين المضاف والمضاف إليه.

стр. 2852

ومن ذلك قولهم: ما أحسن هندا متجردة، فيجب تأخير هذه الحال عن صاحبها، فلا يجوز: ما أحسن متجردة هندا، وفيه خلاف سيأتي في باب التعجب. ومما عرض فيه مانع من التأخير عند قوم فخرج عن الأصل اقتران ذي الحال بإلا، مثاله: ما قام مسرعا إلا زيد، أنشد الأخفش: وليس محيرا إن أتي الحي خائف ... ولا قائلا إلا هو المتعيبا ثم قال: فإن هذا ليس بحسن، وهو كلام يجوز في الشعر. وهو مثل: ما أكل إلا زيد الخبز، وما ضرب إلا عمرو زيدا، لا تريد به: ما أكل الخبر إلا زيد، وما ضرب زيدا إلا عمرو، ولكنك تضمر الفعل بعد المستثني علي قبحه، وإنما قبح لأن المخاطب إذا سمع «ما شرب إلا عمرو» ووضعه علي فعل لم يتعد إلي مفعول، فإذا ما هو؛ لأن «ما هو» في موضع المفعول. ولو جئت بعده. بما لا يغير العمل لجاز، نحو: ما ضربني إلا أبوك منهم؛ لأن «منهم» شيء زدت به المخاطب علما، ولم تفسد شيئا من العمل الذي مضي في أصل كلامك. وكذا لو جئت بالحال أو الظرف لجاز؛ لأن الظرف والحال يعمل فيهما الفعل المتعدي وغير المتعدي، وذلك أنك لو قلت: ما جلس إلا زيد عندك، وما جاء إلا زيد راكبا، وما جاء أمه الله راكبة -جاز، وليس شيء من هذا كان متقدماً.

стр. 2853

وأما ما جاء راكبا إلا زيد فلا يجوز تأخيره؛ لأن هذه الحال تلتبس بالحال التي ليست مؤخرة؛ لأنك إذا قلت ما جاء راكبا إلا عبد الله فأنت تنفي عن الحال الركوب كل شيء إلا مجيء عبد الله، وإذا قلت ما جاء إلا عبد الله راكبا فلم تنف عن الركوب شيئا. هذا نص أبي الحسن في «المسائل». قال أبو الحسن: «ولو قلت «ما جاءني أحد راكبة إلا أمة الله» كان محالا، وليس مثل ما جاء راكبا إلا زيد؛ لأن المجيء هنا لزيد، ولم تجعله بدلا من شيء قبله، وفي ما جاءني أحد راكبة إلا أمة الله قد جعلته بدلا من أحد، ووقع الحال الذي هو ل «أمة الله» في موضع قد يكون فيه حال «أحد» فكره اللبس» انتهي. فإن وجد نحو ما قام إلا زيد مسرعا أضمر ناصب الحال بعد صاحبها، كقوله الراجز: / / ما راعني إلا جناح هابطا ... حول البيوت قوطه العلابطا التقدير: ما راعني إلا جناح راعني هابطا، وجناح: اسم رجل. وقوله وكإضافته إلي ضمير ما لابس الحال ما لابس الحال يشمل الملابسة بإضافة وبغيرها، مثاله: جاء زائر هند أخوها، وجاء منقادا لعمرو صاحبه. وقوله وتقديمه علي صاحبه المجرور بحرف ضعيف علي الأصح لا ممتنع أطلق المصنف في حرف الجر، وينبغي أن يقيد بأن يكون غير زائد، إذا كان زائدا جاز تقديم الحال عليه كما جاز ذلك في المفعول، ما جاء من أحد عاقلا، وكفي بزيد معينا، إذا أعربت معينا حلا فيجوز التقديم، فتقول: ما جاء عاقلا من أحد، وكفي معينا بزيد.

стр. 2854

وقال المصنف في الشرح: «وإذا كان صاح الحال مجرورا لم يجز عند أكثر النحويين تقديم الحال عليه، نحو: مررت بهند ضاحكة، فيخطئون من يقول: مررت ضاحكة بهند. ودليلهم في منع ذلك أن تعلق العامل بالحال ثان لتعلقه بصاحبه، فحقه إذا تعدي لصاحبه بواسطة أ، يتعدي إليه بتلك الواسطة، لكن منع من ذلك خوف التباس الحال بالبدل، وأن فعلا واحدا لا يتعدي بحرف واحد إلي شيئين، فجعلوا عوضا من الاشتراك في الواسطة التزام التأخير. وبعضهم يعلل منع التقدم بالحمل علي الحال المجرور بالإضافة. وبعضهم يعلل بأن حال المجرور وبحرف شبيه بحال عمل فيه حرف جر مضمن معني الاستقرار، نحو: زيد في الدار متكئا، فكما لا تقدم الحال علي حرف الجر في هذا وأمثاله لا تقدم عليه في نحو: مررت بهند جالسة». وقد اعترض المصنف هذه العلل، فقال في الأولي: «لا نسلم ذلك الحق حتي يترتب عليه التزام التأخير تعويضا، بل حق الحال لشبه الظرف أن يستغني عن واسطة، علي أ، الحال أشد استغناء عن الواسطة، ولذلك يعمل فيها ما لا يعدي بحرف جر، كاسم الإشارة وحرف التنبيه والتمني». وقال في الثانية: «المجرور بحرف كالأصل للمحور بالإضافة، فلا يصح أن تحمل حال المجرور بحرف عليه؛ لئلا يكون الأصل تابعا والفرع متبوعا. وأيضا فالمضاف بمنزلة موصولة، والمضاف إليه بمنزلة صلة، والحال منه بمنزلة جزء صلة،

стр. 2855

فوجب تأخيره كما يجب تأخير أجزاء الصلة، وحال المجرور بحرف لا يشبه جزء صلة، فأجيزة تقديمه إذ لا محذور في ذلك». وقال في الثالثة: «بين البابين بون بعيد، فإن جالسة من «مررت بهند جالسة) منصوب بمررت، وهو فعل متصرف لا يفتقر في منصب الحال إلي واسطة، كما لا يفتقر إليها في نصب ظرف أو مفعول له أو مفعول مطلق، وحرف الجر الذي عداه لا عمل له إلا الجر، ولا جئ به إلا لتغدية مررت، فالمجرور به بمنزلة منصوب، فيتقدم حاله كما يتقدم حال المنصوب، /ى ولكونه بمنزلة منصوب أجري في اختبار النصب نحو: أزيدا مررت به؟ مجري: أزيدا لقيته؟ وأما متكئا في المسألة ﴿الثانية﴾ فمنصوب ب «في» لتضمنها معني الاستقرار، وهي أيضا رافعة ضميرا عائدا علي زيد، وهو صاحب الحال، فلم يجز لنا أن نقدم متكئا علي في لأن العمل لها، وهي عامل ضعيف متضمن مني الفعل دون حروفه، فمانع التقدم في نحو (زيد في الدار متكئا) غير موجود في نحو: مررت بهند ضاحكة، وربما قدم الحال في نحو: زيد في الدار متكئا» انتهي ما ذكره المصنف في هذه العلل التي ذكرت أنها تمنع من تقديم الحال علي المجرور بالحرف غير الزائد. وقال غيره معللا للمنه: الباء في نحو مررت بهند ضاحكة من حروف الصفات، وتتعلق بالحدث، فكان الحدث مطلقا، ثم تقيده الباء، فصار الحدث مخصوصا بهند لا مطلقا، وضاحكة من صفات هند وقيد لها، فقد اجتمه صفتان: إحداهما الباء المفيدة للمرور، والأخري الحال المقيدة لهند، وإذا اجتمع صفتان لموصوفين لم يجز إلا أن تلي صفة أحدهما موصوفها، أو تلي صفة الموصوف الثاني صاحبها، وتلي صفة الأول صفة الثاني، تقول: مررت برجل علي فرس، فإذا

стр. 2856

وصفتهما جاز أن تلي كل صفة موصوفها، فتقول: مررت برجل عاقل علي فرس أشهب، ومررت برجل علي فرس أشهب عاقل، ولا يجوز أن تلي صفة الأول الموصوف الثاني وتلي صفة الثاني صفة الأول، فلا يجوز: مررت برجل على فرس عاقل أشهب؛ لما يلزم في ذلك من إيلاء الصفة موصوفا غير موصوفها، فلو قلت «مررت ضاحكة بهند» كنت قد أوليت ضاحكة الذي هو من صفات هند المرور الذي هو غير موصوفها، وذلك لا يجوز. فإن قلت: الحال مشبهة بالظرف، والظرف يجوز فيه ذلك، فتقول: مررت بهند اليوم، ومررت اليوم بهند، فينبغي أن يجوز ذلك في الحال. فالجواب: أن الظرف مقدر ب «في»، وهو متعلق بالمرور، وليس بصفة لغيره، والحال هي هند، والشبه الذي بينهما إنما هو في المعني لا في اللفظ، والمشبه بالشيء لا يكون كالمشبه به. قالوا: وحجة من أجاز ذلك من جهة القياس هي أن العامل هو الفعل من حيث المعنى، إلا أن حرف الجر موصل معناه إلى الاسم، فهو من حيث المعنى مفعول لذلك الفعل، فالعامل في الحال هو العامل في صاحبها، وإن كان لم يقو على نصبه، فاحتاج في التوصل إليه إلى الحرف. قال المصنف في الشرح ما ملخصه: «أجزت ذلك للسماع، ولضعف دليل المنع، فالسماع ﴿وما أرسلنك إلا كافة للناس﴾ ف (كافة) حال من الناس.

стр. 2857

وتأويل الزمخشري أن (كافة) صفة ل (إرسالة) حذفت، وقامت (كافة) مقامها، فيبطله نقل ابن برهان أن العرب لم تستعمل قط كافة إلا حالا. وتجويز الزمخشري ذلك شبيه بما أجازه في خطبه (المفصل) من إدخال باء الجر علي (كافة) والتعبير به عما لا يعقل، وشرط الصفة المستغني / بها عن الموصوف أن يعتاد ذكر موصوفها معها قبل الحذف، وألا تصلح الصفة لغيره، و (كافة) بخلاف ذلك. وتأويل الزجاج أنه حال من الكاف، فلا يعرف كونه حالا من مفرد في غير محل النزاع، ولا ينبغي أيضا ذلك لتأنيثه، ولا يقال إن التاء للمبالغة؛ لأنها لا تلحق غاليا إلا ما كان من صفات المبالغة، نحو نسابة وفروقة ومهذراة، ولحاقها هذه شاذ، ولحاقها ل (رواية) أشذ، فحمل علي رواية حمل علي شاذ الشاذ، وقول الشاعر: فإن تك أذواد، أصبن، ونسوة ... فلن تذهبوا فرغا بقتل حبال

стр. 2858

وقول الآخر: لئن كان برد هيمان صاديا ... إلي حبيبا إنها لحبيب وقول الآخر: إذا المرء أعيته المروءة ناشيا ... فمطلبها كهلا عليه شديد وقول الآخر: تسليت طرا عنكم بعد بينكم ... بذكراكم حتي كأنكم عندي ففرغا حال، أي: فلن تذهبوا بدم حبال فرغا، وحبال رجل، وفمطلبها عليه كهلا شديد، وتسليت عنكم طرا.٤ وربما قدم الحال علي صاحبه المجرور وعلي ما يتعلق به الجار، كقول الشاعر: غافلا تعرض المنية للمر ... ء، فيدعي، ولات حين إباء ومثله: مشغوفة بك قد شغفت، وإنما ... ختم الفراق، فما إليك سبيل أي، تعرض المنية للمرء غافلا، وشغفت بك مشغوفة».

стр. 2859

وهذا الذي ذهب إليه المصنف من جواز تقديم الحال علي صاحبها المجرور بحرف شيء ذهب إليه من المتأخرين الفارسي وابن كيسان وابن برهان، ومن أمثلة أبي علي في «التذكرة»: زيد خير ما تكون خير منك، علي أ، المراد: زيد خير منك خير ما تكون، «خير ما تكون» حالا من الكاف المجرورة، وقدمها. وهذه المسألة فيها فصيل، وذلك أن صاحب الحال إما أن يكون مضمرا أو مظهرا: فإن كان مضمرا جاز تقديمها عليه، نحو: مررت ضاحكة بك، عند الكوفيين. وكذا إن كان لمضمرين أحدهما مجرور بحرف، نحو: مسرعين مررت بك، ومررت مسرعين بك. وإن كان مظهرا فإنما أن تكون الحال غير اسم، أو اسما. فإن كانت غير اسم، نحو «مررت بهند تضحك» جاز تقديم الحال علي المجرور، فتقول: مررت تضحك بهند، عند الكوفيين. وإن /كانت اسما فلا يجوز التقديم، لا يجوز: مررت ضاحكة بهند، ودخلت هاجرة إلي سعدي. وذكر ابن الأنباري الاتفاق علي أن ذلك خطأ، وأن الإجماع منعقد على ذلك.

стр. 2860

ولا يجوز عند البصريين تقدم حال المخفوض بحرف غير زائد، سواء أكان المخفوض ظاهرا أم مضمرا؛ لأن حرف الجر عامل غير متصرف. وقد تؤول ما استدل به المصنف من السماع: أما ﴿كافة الناس﴾ فعلي أنه حال من الكاف، أو علي أنه صفة ل (إرسالة) محذوفة. وأما «فلن يذهبوا فرغا» فعلي تقديرا: ذهابا فرغا. وأما «هيمان صاديا» فمفعول ب «برد» وهو مصدر، والتقدير: لئن كان أن برد الماء هيمان صاديا حبيبا إلي، ويعني بهيمان صاديا نفسه. وأما «كهلا» فحال من فاعل المصدر المحذوف، ومجيء الحال من المحذوف لدليل المعني عليه جائز، كقوله ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾، والتقدير: تدل عليها «عنكم» المثبتة، التقدير: تسليت عنكم طرا عنكم. قال بعض أصحابنا: وعلي تقدير أن يبعد تأويل هذه الأبيات لا حجة فيها؛ لأن الشعر يجئ فيه ما لا يجوز في الكلام. وفي الإفصاح: «لم يجز س: مررت قائما بزيد؛ لأن الباء لما عدت الفعل، ولم يستغن عنها، وكان لها حظ من العمل في الاسم - لم يتقدم الحال عليها، ولم يسمع تقديمه هنا من كلام العرب. وقد قال أبو بكر بن طاهر: إن مذهب س أن

стр. 2861

الباء هي العاملة، فلذلك لم تقدم عليها الحال، وهذا الذي ذكر مذهب أبي العباس، نص عليه» انتهي. ولم يتعرض المصنف في الأصل لتقديم الحال علي المجرور بالإضافة، وذكر ذلك في الشرح، فقال ما معناه «إن كانت الإضافة غير محضضة جاز تقديم الحال علي المضاف، نحو: هذا شارب السويق متلوثا الآن أو غدا؛ لأن الإضافة في نية الانفصال، فلا يعتد بها. وإن كانت محضة لم يجز تقديم الحال عليه بإجماع؛ لأن نسبة المضاف إليه من المضاف كنسبة الصلة من الموصول، فأما قوله: نحن وطئنا خسأ دياركم ... إذ أسلمت حماتكم ذماركم ف (خسأ) ليس حالا من المخاطبين فيكون بمعني بعداء من قوله ﴿قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾،بل هو حال من ضمير المتكلم، جمع خاسئ بمعني زاجر، من خسأت الكلب. وأما قول الآخر: ليست تجرح فرارا ظهورهم ... وفي النحور كلوم ذات أبلاد ف (فرارا) ليس حالا من الضمير في ظهورهم، وظهورهم مرفوع بتجرح، بل تجرح مسند إلي ضمير الجماعة الموصوفة، فرارا حال من ذلك الضمير، وظهورهم بدل من ذلك الضمير بدل بعض من كل» وفي كلامه هذا تعقب في موضعين:

стр. 2862

أحدهما: قوله «إن كانت الإضافة غير محضة جاز تقديم الحال /علي المضاف»، وليس كل ما إضافته غير محضة يجوز تقديم الحال فيه علي المضاف، نحو: هذا مثل هند ضاحكة. والثاني: قوله «وإن كانت الإضافة محضة لم يجز تقديم الحال علي المضاف بإجماع»، وامتناع جواز التقديم في هذا فرع عن جواز مجيء الحال من المجرور بالإضافة إضافة محضة، وليس كل ما أضيف إضافة محضة تجوز الحال فيه من المجرور بالإضافة؛ ألا تري إلي امتناع نحو: ضرب غلام هند ضاحكة. وإصلاح كلام المصنف أن يقال: تجوز الحال من المجرور بالإضافة إذا كانت الإضافة في تأويل الرفع والنصب، نحو: أعجبيني قيام زيد مسرعا، ويعجبني ركوب الفرس مسرجا، ومررت برجل راكب الفرس ضاحكا. -[ص: ولا يمتنع تقديمه علي المرفوع والمنصوب، خلافا للكوفيين في المنصوب الظاهر مطلقا، وفي المرفوع الظاهر المؤخر رافعه غير عامل الحال إلي صاحبه إلا أن يكون المضاف جزأه أو كجزئه.]- ش: مثال تقدمه علي المرفوع: جاء مسرعا زيد، وقال الشاعر: فسقي بلادك غير مفسدها ... صوب الغمام وديمة تهمي وقال الآخر: ترحل من أرض العراق مرقش ... علي طرب، تهوي سراعا رواحله

стр. 2863

وقال الآخر: فما كان بين الخير لو جاء سالما ... أبو حجر إلا ليال قلائل وقال: يطير فضاضا بينهم كل قونس ... ويتبعها منهم فراش الحواجب وقال الآخر: تبين أعجاز إذا انتقضت ... وتقبل أشباها عليك صدورها ومثال تقديمه علي المنصوب: لقيت راكبة هندا، وقال الشاعر: وصلت، ولم أصرم مسيئين أسرتي ... وأعتبتهم حتي يلاقوا ولائيا وقال الحارث بن ظالم: وقطع وصلها سيفي، وأني ... فجعت بخالد طرا كلابا وقال آخر: لن يراني حتي يري صاحب لي ... أجتني سخطه يشيب الغرابا

стр. 2864

أراد: لن يراني صاحب لي أجتني سخطه حي يري الغراب يشيب. وقال آخر: يرد حسري حدق العيون وقوله خلافا للكوفيين في المنصوب الظاهر مطلقا يعني بالإطلاق هنا سواء أكانت الحال اسما أم كانت فعلا، فلا يجوز عندهم: لقيت راكبة هندا، ولا: لقيت تركب هندا. وعلتهم في منع لقيت راكبة هندا وشبهه مما الحال فيه اسم توهم كون الاسم مفعولا، وما بعده بدل منه؛ لأن الاسم وقع موقع المفعول، فغلب الفعل عليه، وسبق إليه، فتناوله الفعل كما يتناول الطعام والماء في نحو: أكلت الطعام، وشربت الماء. وما ذهبوا إليه من اعتبار اللبس لا يلتفت إليه؛ لأن الذي يتبادر إليه الذهن إنما هو النصب علي الحال، ولو كان مثل هذا التوهم ملفتا إليه لم يجز: رأيت هنا ضاحكة؛ لاحتمال أن تكون ضاحكة بدلا من هند، وليس كذلك؛ لأن هذا الاحتمال ضعيف من جهة إبدال المشتق من الجامد، وقد تقدم ذكر السماع في الاسم، نحو: مسيئين أسرتي، وفي الفعل، نحو: يشيب الغرابا. وقوله وفي المرفوع الظاهر المؤخر رافعه عن الحال يعني: وخلافا للكوفيين أيضا في هذه المسألة، ومثالها: مسرعا قام زيد. وزعم بعض النحويين أن الكوفيين لا يمنعون تقديم حال المرفوع الظاهر إذا كان الفعل متقدما، نحو: قام مسرعا زيد، وإنما يمنعون تقديم حال المرفوع الظاهر

стр. 2865

إذا كان الفعل متأخرا , نحو: مسرعاً قام زيد] , وسيأتي الكلام على تقديم الحال على العامل بعد هذا إن شاء الله. وقوله واستثنى بعضهم من حل المنصوب ما كان فعلاً أي: استثنى بعض الكوفيين مسألة: رأيت تضحك هنداً , يعنى: فأجازها؛ لأنه لا يتسلط رأيت على تضحك تسلط المفعول به , فلا تتوهم فيه المفعولية , وفي المنصوب بعده البدلية. وقوله ولا يضاف غير عامل الحال إلى صاحبه قال لمصنف في الشرح: (حق المجرور بالإضافة ألا يكون صاحب حال , كما لا يكون صاحب خبر؛ لأنه مكمل للمضاف وواقع منه موقع التنوين. فإن كان المضاف بمعنى الفعل حسن جعل المضاف إليه صاحب حال , نحو: عرفت قيام زيد مسرعاَ , وهو راكب الفرس عرياً ومنه ﴿إلى الله مرجعكم جميعا﴾ وقول الشاعر: تقول ابنتي: إن انطلاقك واحداً ... إلى الروع يوماً تاركي لا أبا ليا وقوله غلا أن يكون المضاف جزأه أو كجزئه أي: إلا أن يكون المضاف جزء ما أضيف إليه - وهو ذو الحال - أو مثل جزئه , قال المصنف: (نحو قوله ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا﴾ , وقوله ﴿أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا﴾

стр. 2866

وإنما حسن ذلك لأنه قد يستغنى به عن المضاف , لو قيل في الكلام: نزعنا ما فيهم من غلّ إخواناً , واتبع إبراهيم حنيفاَ - لحسن , بخلاف ما ليس جزءاً ولا كجزء , لو قلت , ضربت غلام هند جالسة , أو نحو ذلك - لم يجز بلا خلاف) انتهى. وقال أبو نصر أحمد بن أبى حاتم في قول طفيل:/ وأطنابه أرسان جرد , كأنها ... صدور القنا من بادئ ومعقب (أراد: إن أطناب البيت أرسان الخيل , وجرد: قصار الشعر , وقوله كأنها صدور القنا في طولها , وأراد: كأنها القنا , ثم قال صدور القنا , والعرب تفعل ذلك كقولك: جاء فلان على صدر راحلته , وإنما تريد: على راحلته) انتهى. وقال الشاعر: كأن حواميه مدبراً ... خضبن , وإن كان لم يخضب الحوامي: جمع حامية , وهى ما عن يمين الحافر وشماله وقال الآخر:

стр. 2867

كسيف الفرند , أخلص القين صقله ... تراوحه أيدي الرجال قياما وقول المصنف (بلا خلاف) ليس كما ذكر , بل ذهب بعض البصريين إلى إجازة الحال من المضاف إليه الصريح. وقال في البديع: (فإ، لم يكن المضاف إليه فاعلاً ولا مفعول قلت في الحال منه , كقولك: جاءني غلام هند ضاحكة , ومنه قوله تعالى (أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين) فـ (مصبحين) حال من (هؤلاء) وأنشد الفارسي: عوذ وبهثة حاشدون , عليهم ... حلق الحديد مضاعفاً , يلتهب فـ (مضاعفاً) حال من الحديد) انتهى. ولا يتعين ما قال في الآية ولا في البيت. والذي نختاره أن المجرور بالإضافة إذا لم يكن في موضع رفع ولا نصب لا يجوز ورود الحال منه , وسواء أكان المضاف جزاه أو كجزئه أم لم يكن. وما استدل به المصنف لا حجة فيه؛ لاحتمال أن يكون (إخواناً) منصوباً على المدح , نحو قول الشاعر:

стр. 2868

رهط ابن كوزٍ , محقبي أدراهم ... فيهم , ورهط ربيعة بن حذار ولاحتمال أن يكون (حنيفاً) حالاً من (مله) على معنى: دين إبراهيم , أو حالاً من الضمير في (اتبع) ومع هذا الاحتمال لايكون في الاستدلال بذلك حجة على إثبات قاعدة كلية , وهى أن المضاف إذا كان جزءاً من المضاف إليه أو كالجزء جاز أن تأتى الحال من المضاف إليه , ومثل هذه القاعدة لا يثبت بمثال أو مثالين , وهى تحتمل غير الحال احتمالا واضحا , إنما يثبت هذا باستقراء جزيئات كثيرة حتى يحصل من ذلك الاستقراء قانون كلى يغلب على الظن أن الحكم منوط به. وإنما لم تجز الحال م المجرور بالإضافة إذا كان ليس في موضع رفع ولا نصب , نحو: مررت بغلام هند ضاحكة؛ لما تقرر من أن العامل في الحال هو العامل في صاحبها , و (هند) الجار لها إماً معنى الإضافة , وهو نسبة الغلام إليها نسبة تقييدية , وغما اللام التي كانت قبل حصول الإضافة , وأيما قدرته منهما لا يصلح أن يكون عاملاً في الحال؛ لأنه يقيد هذه النسبة التي هي تقييدية بضحك هند , والنسبة ثابتة كانت هند ضاحكة أو لم تكن , فلذلك امتنع مجيء الحال من المضاف إليه الصريح الذي ليس في موضع فاعل ولا مفعول -[ص: يجوز تقديم الحال / على عاملها إن كان فعلاً متصرفاً أو صفة تشبهه ولم يكن نعتاً , ولا صلة لأل أو حرف مصدري , ولا مصدراً مقدراً بحرف مصدري , ولا مقروناً بلام الابتداء أو القسم.]- ش: لما فرغ من تقديم الحال على صاحبها وجوباً ومنعاً وجوازاً أخذ يتكلم في تقديم الحال على عاملها: وجوباً , ومنعاً وجوازاً:

стр. 2869

فمن الجائز أن يكون العامل فيها فعلاً متصرفاً , نحو: جاء , وذهب , فيجوز: مسرعاً جاء زيد , وضاحكة خرجت هندً؛ لان العامل فيها - وهو الفعل - قوى لتصرفه , فكما يجوز تقديم المفعول به عليه فكذلك يجوز تقديم الحال , وهو في الحال أجوز لشبهها بالظرف , والظرف يتسع في غيره , هذا مذهب البصريين إلا الجرمي فإنه لا يجيز تقديم الحال على العامل , شبهها بالتمييز في ذلك. والقياس والسماع يردان عليه: أما القياس فما ذكرناه من شبهها بالمفعول فيه , وهو الظرف , والفرق بين التمييز والحال واضح؛ لأن الحال يقتضيها الفعل بوجه ما , فقدمت كما تقدم سائر الفضلات , وعلى أن في تقديم التمييز على العامل فيه إذا كان فعلاً أو ما جرى مجراه وسلم أن العامل فيه ذلك في تقديمه عليه خلاف , وسيأتي أن جواز تقديمه إذ ذاك هو الصحيح. وأما السماع فقوله تعالى (خشعاً أبصرهم يخرجون) وخشعاً حال , وذو الحال الضمير في يخرجون , والعامل يخرجون , وقد تقدمت الحال عليه , وقالت العرب: شتى تؤوب الحلبة , (فـ (شتى) حال من الحلبة , وقد تقدمت على تؤوب , وهو العامل فيها , وقال الشاعر: سريعاً يهون الصعب عند أولى النهى ... إذا برجاء صادق قابلوا اليأسا

стр. 2870

فـ (سريعاً) حال من الصعب , وتقدمت على يهون , وقال الآخر: مزبداً يخطر ما لم يرني ... وإذا يخلو له لحمي رتع فـ (مزبداً) حال من الضمير في يخطر , وقد تقدم على العامل , وهو يخطر , وقال الآخر: دلق الغارة في إفزاعهم ... كرعال الطير أسراباً تمر فأسراباً حال من الضمير في تمر , وقد تقدمت على العامل , وهو تمر. وسواء أكانت الحال مصدراً , كقوله: فلأياً بلأي ما حملنا وليدنا ... على ظهر محبوك ظماء مفاصلة أم غير مصدر , كالآية والأبيات السابقة. ومؤكدة وغير مؤكدة , وفى المؤكدة خلاف كالخلاف في المصدر المؤكد. وقد منع الأخفش راكباً زيد جاء لبعدها عن العامل

стр. 2871

وأما الكوفيون فيزعمون أن انتصاب الحال لانقطاعها من إعراب ذي الحال لتخالفهما بالتنكير والتعريف , فلما لزمها خلاف صاحبها , ولم يمكن أن يعمل فيها العامل في ذي الحال لاشتغاله به عنها - نصبت على القطع , وعمل فيها النصب عندهم الحديث والمحدث عنه كلاهما , ولذلك أجازوا أن تقول: قائماً في الدار أنت , ومسرعاً أقبلت , فقدموا الحال فيهما , ولم يفرقوا بين الفعل وغيره. وليس تقديم الحال وتوسيطها جائزاً على الإطلاق عندهم , بل لهم في ذلك تفضيل: فإن كان الحال من مرفوع ظاهر تأخرت وتوسطت والرافع قبلها ولم تتقدم على الرافع والمرفوع كليهما , فلا يجوز عندهم: راكباً جاء زيد. وحجتهم أن الحال مبناها على الشرط , فبطل راكباً يجيء زيد من حيث لم يجز إن يركب يجيء زيد , وإن ركب يجيء زيد , وإنما بطل هذا التقديم لأن كناية زيد مع حرف لا ينوى به تأخير , دليل ذلك انجزام يجيء بعد إن يركب , ومحال أن يجيء إن بعد الجزاء المجزوم , فإذا ثبت لها التقدم فسدت المسألة بتقدم المكنى على الظاهر. قالوا: وليس سبيل راكباً جاء زيد كسبيل غلامك ضرب زيد؛ لان الحال تخالف الغلام من جهة أن الغلام لا يخلو من نية التأخير؛ إذ هو منصوب لم

стр. 2872

يدخل عليه ما يمنعه التأخير ويلزمه التقديم , والحال قد دخل عليها مذهب الشرط , وبنيت على معناه , فلزمها التأخير من حيث لا ينفك الشرط من نية السبق إذا وضع أول الكلام وأتى جوابه بعده. وإنما جاء توسط الحال في نحو جاء راكباً زيد لأنها إذا صرح بالشرط فيها لم يكن خطأ؛ ألا ترى أنه ليس بمحال أن يقال: يجيء أن يركب زيد , على أن زيداً رافعه يجيء , والشرط مبنى على التأخير إذا لم تدخل عليه علة تلزمه ألا يتأخر كما دخل عليه وهو أول ما أوجب له رتبة السبق , ومن هذه الجهة شاكل عندهم جاء راكباَ زيد ضرب غلامه زيد , وخالف راكباً جاء زيد غلامه ضرب زيد. وإن كانت من مرفوع مضمر جاز تأخيرها وتوسيطها وتقديمها على الرافع والمرفوع كليهما؛ فيجوز عنهم: في الدار أنت قائماً , وفي الدار قائماً أنت , وقائما في الدار أنت , وجئت راكباً , وراكباً جئت؛ لايلزم من تقديمها على الرافع والمرفوع تقدم مضمر على ظاهر , كما لزم ذلك إذ كانت من مرفوع ظاهر. وإن كانت من مخفوض ظاهر , جاز تأخيرها ولم يجز جعلها أول الكلام لما يلزم في ذلك من تقديم المضمر على الظاهر لفظاً ورتبة على مابين في المرفوع , ولا يجوز توسيطها إجراء للمخفوض مجرى المنصوب من حيث كان في موضع نصب , فكما أن المنصوب لا يجوز عندهم تقديم حاله عليه للعلة التي تذكر بعد , فكذلك ما هو بمنزلته , فيجوز عندهم: مررت بهند ضاحكة؛ ولا يجوز: مررت ضاحكة بهند , ولا: ضاحكة مررت بهندٍ

стр. 2873

وإن كانت من مخفوض مضمر جاز تأخيرها وتقديمها أول الكلام , ولا يجوز توسيطها , نحو: مرت بي هند ضاحكاً , وضاحكاَ مرت بي هند , لأنه يلزم في ذلك تقديم مضمر على ظاهر , ولا يجوز: مرت ضاحكاً بي هند , كما لا يجوز توسيطها إذا كانت من منصوب. وإن كانت من منصوب ظاهر جاز تأخيرها عنه , نحو: لقيت زيداً مسرعاً , ولا يجوز تقديمها , لا يقال: ضاحكة لقيت هند؛ لما يلزم من تقديم المضمر على الظاهر , ولا توسيطها؛ لئلا يسبق أنها / مفعولة. وإن كانت من منصوب مضمر جاز تقديمها , نحو: ضاحكاَ لقيتني هند , وقد تقدم الكلام في بعض هذه الصور. وهذا الذي ذهبوا إليه من امتناع تقديم الحال أول الكلام إذا كانت من ظاهر باطل؛ لأنهم بنوا ذلك على أن الحال مبنية على معنى الشرط , وذلك شيء لم يستدلوا عليه بأكثر من أنهم وجدوها تكون خبراً عن المصدر في نحو: ضربي زيداً قائما , وأكثر شربي السويق ملتوتاً. ولا حجة في شيء من ذلك؛ لأن الحال ليست بخير المصدر , وإنما الخبر محذوف أقيمت الحال مقامه على ما بين في باب الابتداء. وقد تقدم الدليل على مجيء الحال متقدمة أول الجملة على الاسم المرفوع مظهراً , كما حكي الرياشي من قول العرب: شتى تؤوب الحلبة , وقول الشاعر:

стр. 2874

سريعاً يهون الصعب ....................................... وما أشبههما , وقد تقدم الاستدلال على جواز: ضربت راكبة هنداً , وما أشبهه مما تقدم فيه حال المنصوب عليه وحده. فأما تقديم الحال على العامل في نحو ضاحكة لقيت هنداً مما ذو الحال فيه منصوب ظاهر فالقياس يقتضيه , كما جاز ذلك في المرفوع الظاهر , ولكنى لا أحفظ من المسموع ما يدل على ذلك. وفي البسيط: ذهب بعض الكوفيين إلى أنه لا يجوز - يعنى تقديم الحال على العامل - إذا كان أسم الحال اسماً ظاهراً؛ نحو: جاء زيداً راكباً , فإن كان مضمراً جاز , نحو: راكباً جئت. قالوا: لأن فيه تقديم المضمر على الظاهر , فإن في الحال مضمراً , بخلاف المضمر. وهو فاسد , أما السماع فمذكور , وأما ما ذكروه فلأنه إنما امتنع حيث لا يكون في حكم التأخير , بخلاف هذا. وحكي عن الفراء والكسائي المنع مطلقاً. واحتج بتقديم الضمير على من يعود عليه.

стр. 2875

وهو جائز عندنا إذا كان مؤخراً معني , كقولهم: في أكفانه كفن الميت , وقال تعالى (فأوجس في نفسه خيفة موسى) وقوله أو صفة تشبهه شبهها للفعل من جهة تضمن معنى الفعل وحروفه وقبول علامات الفروع وقد نص س وغيره على جواز تقديمها على الفعل وما جرى مجراه من أسماء الفاعلين وما في حكمهما , تقول: مسرعاً زيد راحل , وزيد مجرداً مضروب , وزيد موسراً ومعدماً سمح , وذلك أن الحال تجيء يعمل فيها ما يصح أن يكون من باب الصفة المشبهة , قال: لهنك سمح ذا يسار ومعدماً ... كما قد ألفت الحلم مرضى ومغضبا فإذا قدمت الحال على سمح جاز. وقوله ولم يكن نعتاً أي: ولم يكن العامل نعتاً , قال المصنف في الشرح: (وإذا كان صفة تشبهه تتضمن معنى الفعل وحروفه وقبول علامات الفرعية فهو قوى , ويستوي في ذلك اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة , فلو كان العامل القوي نعتاً لم يجز تقديمه , نحو: مررت برجل ذاهبة فرسه مكسوراً سرجها) انتهى.
следующие страницы →