Полный текст (3 950 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.
стр. 3256
الثوبُ ضَحًى فهو ضَحٍ إذا اتَّسخ، وسَخًى فهو سَخٍ أيضًا إذا اتَّسخ، وسَخِيَ البعيرُ: ظَلَعَ مِن وُثوبه بالحِمل الثقيل، فتعترضه الريح بين الجلد والكتف، وهو بعير سَخٍ، فإنَّ هذه لا يجوز تسكين عينها. وأنشدوا: /
لو شَهْدَ عادًا في زَمانِ عادِ ... لابْتَزَّها مَبارِكَ الجِلادِ
وقال آخر:
إذا غابَ عَنَّا غابَ عَنَّا رَبيعُنا ... وانْ شِهْدَ أجدى خَيرُهُ ونَوافِلُهْ
وقوله (وقد تُجعَل العين الحلقيَّة متُبَعة الفاء في فَعيِل، وتابِعتَها في فَعْل) مثال المسألة الأولى شَهيد وضَئيل وبَعير وصَغير ونَحيف وسَخيف وبَخيل، وسواء أكان اسمًا أم صفة، ومؤنثًا بالتاء كبهيمة أو غير مؤنث، وسواء أكانت الصفة بمعنى فاعِلٍ أو بمعنى مفعول، نحو رَئيّ من الجن،
فيجوز في هذه كلها إتباع فاء الكلمة في الحركة لحركة العين، وهي لغة تميم
ومثال المسألة الثانية فَحْم وقَعْر ودَهْر ونَخْل وكَأس ووَغْد. وهذه المسألة فيها خلاف:
ذهب البصريون إلي أنَّ هذا النوع مقصور على السماع؛ لأنَّ الوارد من ذلك هو مما جاء فيه لغتان: الفتح والسكون، فليس الأصل السكون، ثم عَرض له الفتح لأجل حرف الحلق، وليس أصله الفتح، ثم سُكَّن طلبًا للتخفيف.
стр. 3257
وذهب الكوفيون إلي أنَّ بعضه فيه اللغتان، وبعضه أصله السكون، ثم فُتح لأنَّ الفتحة من الألف، وهو من حروف الحلق، فكان في جعلها على العين ــ والعينُ حلقية مسبوقة بفتحة ــ مشاكلةُ ظاهرة ومناسبات متجاورة، قاله المصنف في الشرح.
وقوله (وقد يُتْبَعُ الثاني الأول في مثل نَحَو ومَحَمومٍ) قال المصنف في الشرح: «واختار ابن جني مذهب الكوفيين» ــ يعني في نحو فَحْم ــ قال: «مستدلاَّ بقول بعض العرب في نَحْو: نَحَو، وفي مَحْمُوم: مَحَمُوم، فقال: لو لم تكن الفتحة عارضة لزم انقلاب الواو ألفًا، لكنها فتحة في محل سكون، فعومل ما جاورها بما كان يعامل مع السكون، ولم يُعتدّ بها. وكذا فتحة مَحَموم، لو لم تكن عارضة لزم ثبوت مَفَعُول أصلاً، ولا سبيل إلى ذلك، لكن فتحة الحاء منه في محل سكون، فأُمن بذلك عدم النظير، وكان هذا التقدير أحسن تقدير» انتهى.
وهذا في العُروض شبيه جَيْئَلَ وتَوْءمٍ ويَسَعُ ويَضَعُ وبُيوت إذا قلت: جَيَلُ وتَوَمٌ، فلم تقلب الياء والواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، ولم تقل يَوْسَعُ ويَوْضَعُ كَيوْجَلُ لعُروض هذه الفتحة؛ إذ الأصل يَوْسِعُ ويَوْضِعُ، ولم تَعتدّ بكسرة بِيُوت فاحتملتها لعُروضها، ولم تحتمل في فِعُل المفرد.
стр. 3258
وقوله وقد يقال في بِئْسَ: بَيْسَ تقدَّم نقل ذلك عن أبي عليٍّ في كلام المصنف في الشرح، ونقلناه نحن عن الأخفش، وتقدَّم توجيهه. وقال المصنف في الشرح: «الوجه فيه أنَّ أصل بَيْسَ: بئْسَ، فخفف: بِيسَ، ثم فُتحت الباء التفاتًا إلى الأصل، وتُرك ما نشأ عن الكسرة؛ لأنَّ استعمالها أكثر، فكانت جديرةً بأن تُنوى مع رجوع الفتحة لشبهها بالعارضة في قلة الاستعمال» انتهى. وهو توجيه مخالف لما ذكرناه نحن في توجيه ذلك.
-[ص: فاعلُ نِعْمَ وبِئْسِ في الغالب ظاهر معروف بالألف واللام، أو مضافُ الى المعرَّف بهما /مباشرًا أو بواسطة، وقد يقوم مقام ذي الألف واللام «ما» معرفًة تامةً، وفاقًا لسيبويه والكسائي، لا موصولةً، خلافًا للفراء والفارسيّ.
وليست بنكرة ممّيزة، خلافًا للزمخشريّ والفارسيّ في أحد قوليه. ولا يؤكد فاعلهما توكيدًا معنويَّا، وقد يُوصَف، خلافًا لابن السّرّاج والفارسيّ، وقد ينكرّ مفردًا أو مضافًا.]-
ش: تقدَّم القول في نِعمَ الرجلُ وبِئسَ الرجلُ في ذكر الخلاف، وكيف يكون إعرابهما على مذهب من ادَّعى فيهما الاسمية. وأمَّا القائلون ببقائهما على الفعلية فالأكثرون على أنَّ ما بعدهما مرتفع بهما على أصله من الفاعلية.
وذهب ابن الطَّراوة إلى أنه مركب بمْنزلة حبَّذا للزومه طريقةً واحدة وتغيُّر الفعل عن أصله، وذلك يدلُّ على التركيب، فيكون عنده على مذهبه في تغليب الاسم في باب حبَّذا، فيكون بمعنى الممدوح، فَيقرُب من مذهب الكوفيين.
ورُدَّ عليه بأنهم لو رَكَّبوا لَبَنَوُا الآخر علي الفتح كخمسةَ عشرَ، ولأنهم لم يلزموا به طريقةً واحدةً؛ ألا تراه يكون بالمضاف وبـ «من» و «ما» وبالنكرة على
стр. 3259
مذهب من أجاز ذلك، فقد تصرَّف، ولم يُسمع مثله في حبَّذا، وبأنَّ التاء تلحق لتأنيث الفاعل، وكل ذلك لا يدلُّ على التركيب.
وقوله في الغالب لأنه يجيء على خلاف ما ذكر مما سيذكر إن شاء الله. ومثالُ ما عُرِّف بأل ﴿نعم المولي ونعم النصير﴾، ﴿ولبئس المهاد﴾
ومثال ما أضيف إلى ذي أل مباشرًا ﴿ولنعم دار المتقين﴾، ﴿فبئس مثوى
المتكبرين﴾. ومثال ذلك بواسطة قول الشاعر:
فإنْ تَكُ فَقْعَسٌ بانَتْ وبِنَّا ... فَنِعْمَ ذَوُو مُجامَلةِ الَخليلِ
وقول الآخر:
فَنِعْمَ ابنُ أُختِ القومِ غيرَ مُكَذَّبٍ ... زُهَيرٌ حُسامٌ مُفْرَدٌ مِن حَمائلِ
ولم يتعرض المصنف لـ «أل» هذه، وفيها خلاف:
ذهب الجمهور إلى أنها جنسية، واختلف هؤلاء:
فقال قوم: هي جنسية حقيقية، فإذا قلت: نِعمَ الرجلُ زيدٌ، فالرجل عامّ،
والجنس كله هو الممدوح، وزيد مندرج تحت الجنس لأنه فرد من أفراده، فأل فيه للجنس.
واستدل على أنها للجنس بوجهين:
стр. 3260
أحدهما: التزام أل في فاعلهما أو فيما أضيف إليه فاعلهما، ولو لم تكن للجنس لكان فاعلهما كل اسم، والمفرد المعروف بأل تكثير إرادة الجنس به، كما قالوا: أهلكَ الناس الدينارُ الصُّفْرُ والدرهمُ البيضُ، وقال تعالى ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا﴾، فاستثني من (الإنسان)، وهو مفرد، فلولا أنه أريد به الجنس لما حسُن الاستثناء، وقال الشاعر:
بِهم هَدى اللهُ جميعَ الإنسانْ ... مِنَ الضلال، وهُم كالعُمْيانْ
وقال آخر:
إنْ تَبْخَلِي ــ يا جُمْلُ ــ أو تَعْتَلِّي ... أو تُصْبِحي في الظاعِنِ المُوَلِّي
/وكذلك المضاف إلى ما عُرِّف بهما، كقوله: (مَولى القومِ منهم)؛ ألا ترى أنه يريد بذلك جميع الموالي.
والوجه الثاني: قول العرب في فصيح كلامها: نعمَ المرأةُ هندٌ، وبئسَ المرأةُ جُملٌ، فلا تلحقهما تاءَ التأنيث، ولا يقولون «قامَ فلانةُ» في فصيح الكلام، فدلَّ ذلك على أنَّ أل للجنس، فمن ذَكَّرَ فلأنَّ الجنس مذكر، ومن أَّنَّثَ فَرَعْيًا للَّفظ،
كقولهم: قال النساء، وقالت النساء، أحدهما على الجمع، والثاني على الجماعة، كذلك
هنا على الجنس واللفظ.
стр. 3261
واختلف الذاهبون إلى أنَّ أل للجنس حقيقة في سبب كونه جنسًا وتوجيه المدح فيه للشخص مع أنه واقع على الجنس:
فقيل: لَمَّا كان الغرض عموم المدح واستغراقه في الثبوت للممدوح المخصوص، وكان الأبلغ في إثبات الشيء أن يُجعل للنوع الذي الممدوح منهم، حتى لا يكون طارئًا عليه، ويحسب أنه يزول ويرتفع ــ عدلوا إلى مدح الجنس،
فكأنك قلت: زيدٌ نِعمَ جنسُه وقوله أي: ثَبَتَ لهم الوصف الجميل والصلاح، وما ثَبَتَ للجنس ثَبَتَ لأفراده، فَتثُبت للممدوح تلك الفضيلة، ولا تكون إلا بالاستغراق في واحد واحد، وهذا تأويل س، ولذلك قال: «لأنك تريد أن تجعله من أُمَّة كلُّهم صالحٌ»، ولذلك شبهه بقولك: زيدُ فارهُ العبد، تريد أنَّ في ملكه العبد الفارهَ لا عبدًا بعينه.
وقد رُدَّ هذا بوجهين:
أحدهما: أنك إذا مدحت الجنس جعلت المقصود بالمدح تبعًا لهم، فيصير المقصود غير مقصود، ولأنَّ ما ثَبت للشيء على جهة الشَّركة فيه لا يكون مدحًا يؤثر ميلاً إلى الممدوح بخصوصيته، والمراد بالمدح ذلك.
والثاني من وجهي الرد: أنه يؤدي إلى التكاذب في مدح الجنس وذمه إذا قلت: نِعمَ الرجلُ زيدٌ، وبئسَ الرجلُ عمرٌو، ولا يكون الشيء ممدوحًا مذمومًا، وقال تعالى ﴿نِعْمَ الَعَبَدُ﴾ يعني أيوب، وليس كل العبد ممدوحا.
وقيل: السبب في ذلك أنه لَما كان الفعل عامَّا في المدح جعلوا فاعله عامَّا ليطابق الفعل؛ إذ لا يكون الفعل عامَّا والفاعل خاصَّا.
стр. 3262
وقيل: السبب في ذلك أنهم أرادوا الإبلاغ في المدح حتى تعدَّى إلى جنسه بسببه؛ كما يقال: شَقِيَ بابنه، وعَظُمَ بأخيه، إذا كان ذلك سبب تعظيمه لكونه بحيث يعظُم غيره بسبه، فمعناه: زيدٌ يُمدَح جنسه لأجله، فُترك هذا للعلم به، كما تقول لمن لبس ثيابًا: أنتَ الآن حسنٌ، تريد: بسبب ثيابك.
وقد رُدَّ هذا بأنه لو كان المعنى على هذا لَلُفِظ بالسبب في بعض المواضع،
ولم يُلفَظ به، فدلّ على فساد هذا القول.
وقال قوم: هي جنسية مجازًا، فإذا قلت «زيدٌ نِعمَ الرجلُ» فزيدُ جعلتَه جميع الجنس مبالغةً، ولم تقصد غير مدح زيد بذلك، وكأنك قلت: نِعمَ زيدٌ الذي هو جنس الرجال، كقولهم: أكلتُ شاةً كلَّ شاة، جُعلت لَمِّا كانت هذه من الوفور والسَّمن كأنها كلُّ الشَّياة، وكقولهم: كُلَّ الصَّيدِ في جَوفِ الفَرا، وهو حمار الوحش، جُعل لجلالته كأنه بمنْزلة جميع الصَّيد.
ووجه التثنية على هذا أنَّ /كل واحد من الشخصين كأنه على حدته جنس، فاجتمع جنسان، فثنِّيا، فأنك قلت: الزيدانِ نِعمَ الرجلان اللذان كلُّ واحد منهما جنس.
وذهب بعض النحويين إلى أنَّ أل في نِعمَ الرجلُ زيدٌ، وبئسَ الرجلُ عمرٌو، عهدية. واختلف هؤلاء على مذهبين:
أحدهما: أنه معهود ذهبي لا خارجي، كما نذكره في تعريف أل؛ إذ من أنواعها التعريف الذهني، فتشير إلى ما في الأذهان من تصور رجل، كما تقول:
стр. 3263
اشتريتُ اللحمَ، ولا تريد الجنس ولا معهودًا تقدَّم، فكذلك هذا. وصحَّ أن يكون خبرًا على ما نذكره بعد إن شاء الله.
المذهب الثاني: أنها للعهد في الشخص الممدوح، فكأنك قلت: زيدٌ
نعمَ هو.
وإلى هذا ذهب الأستاذ أبو إسحاق بن مُلكون من أصحابنا، وأبو منصور الجواليقي اللغوي من أهل بغداد.
واستُدلَّ لهذا المذهب بتثنية المرفوع بهما وجمعه، فلو كانت أل للجنس أو للعهد الذهني لا الخارجي لم تجز تثنيته ولا جمعه؛ لأنها إذا كانت للجنس استَغرقت جميع أفراده، ولأنها إذا كانت للعهد الذهني كانت لمعقول الماهية، وذلك شيء مفرد، فلا يصحُّ فيها إذ ذاك لا تثنية ولا جمع.
وهذا المذهب لا يتأتى إلا على مذهب الأخفش في كون الرابط يكون تكرار المبتدأ بغير لفظه، كما أجاز: زيدٌ قام أبو عمرو، إذا كان أبو عمرو كنية زيد. وقد أبطلوا مذهب الأخفش في كون الربط يكون بهذا، وما ابتنى على الباطل. وأمَّا على مذهب س في أنَّ أل للعموم فلا ينبغي أن تصح التثنية ولا الجمع.
وأمَّا من جعله للجنس مجازًا فيسوغ له ذلك؛ لأنك تجعل كل واحد من المثَّنى والمجموع كأنه جميع الجنس مجازًا. وقد نُوزع أهل هذا المذهب في كون الجنس لا يثنَّى، وزعموا أنه قد جاء مثنَّى في قول الشاعر:
فانَّ النارَ بالعُودَينِ ... تُذْكَى ... وانَّ الَحربَ أَوَّلُها ... الكَلاُم
ألا ترى أنه لا عهد في قولك: فإنَّ النارَ بالعُودَين.
стр. 3264
وقال بعض أصحابنا: «فإن قيل: كيف طريق الاستقراء في هذا، ولم يسمع النحوي سوى نِعمَ واسمٍ بعدها معرَّف بالألف واللام، والاسمُ المعرَّف بالألف واللام مشترك بين الجنس والعهد، فما الذي حمله على أن يقول: لا تكون إلا للجنس؟
فالجواب: أن ذكر حذف التاء في (نعمَ المرأةُ هندٌ) في الفصيح والتزام أل في فاعلها، ولا يُلتزم في اسمٍ من جهة الإخبار عنه إلا لأحد أمرين: إما لحصرِ الصنف، وإما لعهدٍ في شخص، وكلُّ ما تكون فيه أل للعهد يَسوغ زوالها منه وتصريفه على غير معنى العهد؛ إذ معنى العهد عارض في الكلام وراجع إلى وضعٍ باختيار من المتكلم، وأل الُمنبئةبالحصر لا يمكن زوالها؛ لأنها مبيِّنة لحقيقة الاسم، تنَزل من الكلام منْزلة بنية الجمع؛ ألا ترى أنه لا سبيل لك إلى هدم بنية الجمع من الإخبار؛ لأنه لا تؤدي بنية المفرد معناه، وأل العهدية ليس لها من جهة حقيقة الاسم في نفسه /زيادة سوى تخصيصه، والتخصيصُ أمرٌ زائد عليه، ووجدنا العرب قد التزمت أل هنا، فعرفنا أنها لم تلتزمها إلا لكونها تفيد في حقيقة الاسم ما لا يمكن تحصيله دونهما من جهة ضرورة الإخبار.
فإن قيل: هاتان الدلالتان اللتان ذكرنا غايُتهما أن تؤثرا ظَّنا في الموضع لا قطعًا، وربما يُعترض فيهما، فيقال: قولهم: نِعْمَتِ الرأةُ، ونِعمَ المرأةُ في فصيح الكلام ــ إنما سقطت التاء لأنَّ الفعل غير متصرَّف فيه كما تُصُرَّفَ في سائر الأفعال، ولا يلزم عليه اطَّراد ذلك في ليس، وإن كانت لم تتصرف؛ لأنه ما ثبتَ فيه حكم أصل قوي لا يُسأل عنه لأي شيء ثبت فيه، إنما يُسأل عنه إذا لم يثبت فيه، فهذه الدلالة الواحدة معترضة. والدلالة الثانية كذلك؛ لأنَّ مجرد التزام أل لا
стр. 3265
يدل على الجنس؛ إذ يمكن أن تكون للعهد، وتكون أولا موضوعة عليه، فإذا كان الكلام موضوعًا عليه كان المعنى لا يحصل دونه، فلا سبيل إلى إزالتها؛ لأنها أن أزيلت لم يبق ما يدل على ما وُضع الكلام عليه؛ ألا ترى أنَّ هذه الجملة ــ أعني جملة المدح والذمَّ ــ كيف التُزم فيها أن تكون خبرًا لمبتدأ، هو المخصوص بالمدح أو الذمّ إن تقدم، أو مفسَّرًا فاعلها به إن تأخر، فلا بدَّ من ذكره على كل حال، فتلك إحالة عليه، ولا مانع من هذا التصور.
فإن قيل: قد ذكرت الدلالتين ومعارضتهما، وأوجبتَ عند ذاك أن تكون أل عهدية، أو حَّملت الموضع ذلك، فهلاً بسطت القول في معنى المحتملين؛ إذ هما متباينان، وتنسب ذلك لمعنى المدح أو الذمّ، فربما يلوح عند ذلك أحد المحتملين، فُيصار إليه، ويُعوَّل عليه، أو يتكافأ الامران، فتكون، المسألة مسألة خلاف.
قلت: أمَّا المعنى المؤدَّى بأل الجنسية منسوبًا لمدح أو ذمّ في حق المخوص بأحداهما فهو بطريق سراية، ولهم في ذلك منْزعان:
أحدهما: أنك إذا قلت زيدٌ نعمَ الرجلُ كنت مادحًا لزيد بإسنادك بنية المدح لجنسه، وإذا كنت قد مدحت جنسه ضمن ذلك مدحه، وهذا هو الذي جرى عليه أكثرهم، والجنس مع هذا مأخوذ على الحقيقة.
والمْنزع الآخر: هو أن تجعل الممدوح هو جميع الجنس مبالغة، فإذا قلت: زيدٌ نعمَ الرجلُ، فكأنك قلت: زيدُ نِعمَ زيدُ، ولكن وضعتَ اسم الجنس موضعه مضمنًا تشبيه زيد بجنسه، والجنسية مستفادة على هذا. وجعل صاحب هذا المْنزع هذا المعنى من باب:
стр. 3266
وليسَ لِلَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ ... أنْ يجمَعَ العالَمَ في واحدِ
ومثل المعنى في قولهم «أكلتُ شاةً كلَّ شاةٍ» إذ جعلت الشاة المذكورة كأنها جميع الشياه مبالغةً. قال: ومثل قولهم: «كلُّ الصيَّد في جوف الفَرَا».
قلت: هذا لا يُنكر في المعاني، وهو من قبيل المبالغة وتشبيه الأقل بالأكثر، وإقامة الجزء مقام الكل عند وصف فيه مستحسن من باب التجوز، ولكن لم ترد العرب هذا المعنى إلا /بألفاظ تنصّ عليه، وموضعنا هذا ليس فيه من التنصيص على هذا المعنى قليلُ ولا كثيرٌ، فهو حال لا يعوَّل عليه.
واعلم أنَّ النحوي ليس في استطاعته فهم هذا من العربي إلا لو شرحه ونظره، وهذا لم يُنقل فعله عن العرب، فلا سبيل إليه إلا أن يكون المدح يسري إلى زيد من ذكر جنسه بعد صيغة المدح على المنْزع الأول.
وأمَّا إذا أخذنا أل عهدية فتقول: زيدٌ نِعْمَ الرجلُ، أو نِعْمَ الرجلُ زيدٌ، وعنيت بالرجل زيدًا، وبزيد الرجل، كنت قد قرنت بنية المدح بالعبارة الداَّلة بمطابقة على الممدوح من غير تكلُّف.
لكن بقي عليك أن يقال: ما فائدة ذكرك الرجل مع زيد إذ هو هو، هلاَّ قلت «نِعْمَ زيدٌ» إذا أردت مدحه، كما تقول: ما أحسنَ زيدًا! إذا أردت التعجب منه من غير زيادة شيء آخر؟
فنقول: قد كان ذلك لهم لو اختاروه، ولكن جرت طباعهم على أن يذكروا الممدوح أو المذموم بعبارتين، إحداهما ليس لها به اختصاص؛ لأنها صادقة على آحاد
стр. 3267
جنسه، ثم يبينونها بالعبارة المختصة به ليكون أمداح له وأبين لحقيقته؛ إذ الاسم الدالُّ عليه مفردًا إذا اجتمع مع الاسم الذي يفهم بالجنس لم يبق إشكال على السامع. وهذا، وليناسب الإسهاب المألوف في المدح والترقي من الإبهام إلى الشهرة، وهو حسنُ.
ومما يُسَنِّي هذا، بل يُنَزَّل منْزلة البرهان على أنَّ المقصود بالاسم المعروف بأل ذات المخصوص بالمدح والذم ــ كونه يثنَّى بتثنيته، ويُجمع بجمعه، ويُفرد لإفراده، ولو كان عبارة عن الجنس ــ كما زعموا ــ لم يَسغ ذلك؛ ألا ترى أنَّ المستفيض: الزيدان نعمَ الرجلان، ونعمَ الرجلان الزيدان، والزيدون نعمَ الرجالُ، فقد وضح صحة هذا المعنى وسهولة المنْزع في اللفظ الدال عليه. نذكر ارتباط الجملة بالمبتدأ بعد هذا، إن شاء الله» انتهى كلامه، وهو ترجيح لمذهب من ذهب إلى أنَّ أل عهدية في الشخص خارجًا لا في الذهن.
وقال أبوبكر خطّاب الماردي مؤلف كتاب «الترشيح في النحو»:)) كل شيء لا نظير له، ولا هو واحد من جنس يَشرَكه في اسم ــ لا يجوز وقوع نعمَ وبئسَ عليه، لو قلت: نِعْمَت الشمسُ هذه، ونِعمَ القمر هذا ــ لم يجز من حيث جاز: نِعمَ الرجلُ، ولو قلت: نِعمَ القمرُ زيدٌ، ونِعمَت الشمسُ هندٌ، ــ لجاز على التشبيه، ولو قلت: نِعمَ القمرُ ما يكون لأربعَ عشرةَ، ونِعمَت الشمسُ شمسُ السُّعود ــ جاز ذلك؛ لأنك أردت تفضل أحوالهما، كما تقول: هذه الشمس حارّة، وهذه الشمس باردة» انتهى. وهذا بناء على أنَّ أل جنسية، وشرط في الجنس أنه لا يكفي تصوره بل وجوده في الخارج في أشخاص.
стр. 3268
وقوله وقد يقوم إلى قوله في أحد قوليه قال المصنف في الشرح
«ما في نحو نِعمَ ما صَنَعتَ عند س والكسائي فاعلُ بمنْزلة ذي الألف واللام، وهي معرفة تامَّة، أي: غير مفتقرة إلى صلة. وهي عند الفراء ٤ والفارسي فاعلة موصولة مكتفًى بها وبصلتها عن المخصوص.
وأجاز الفراء أن تُرَكَّب نِعمَ وبئسَ مع ما تركيب حبَّ مع ذا، فيليهما مرفوع بهما، كقول العرب: بِئْسَما /تزويجُ ولا مهرَ.
والصحيح جعلُ (ما) فاعلة ببئسَ، وكونهما خبر: تزويجُ ولا مهرَ، والتقدير: بئسَ الترويجُ تزويجُ مع انتفاء المهر. وجعل الزمخشري والفارسي ــ في أحد قوليه ــ ما نكرة مميزة، وسيأتي إبطال ذلك».
وقال أيضًا (١٠) «ويَقَوِّي تعريف ما بعد نِعْمَ كثرةُ الاقتصار عليها في نحو: غَسَلتُه غَسلاً نِعِمَّا (١١)، والنكرة التالية نِعمَ لا يُقتصر عليها إلا في نادر من القول، كقول الراجز (١٢):
стр. 3269
تقولُ عِرْسِي وَهْيَ لِي في عَوْمَرَهْ ... بِئْسَ امْرأً، وإنَّنِي بئِسَ الَمرَهْ»
انتهي. وليس بنادر كما قال، لقوله تعالى ﴿بئس للظلمين بدلا﴾،
فهذا كقوله: بئسَ امرأً.
ولم يبيِّن المصنف ما موضع الجملة الفعلية بعد «ما» إذا كانت ما معرفةً تامَّة؛ ولا استوفى الخلاف في المسألة.
وجماع القول فيها أنه إذا جاءت بعد نِعمَ وبئسَ «ما» فإمَّا أن يجيء بعدها اسم أوفعل:
إن جاء بعدها اسم نحو: نِعِمَّا زيدٌ، وبئسَما عمرٌو، كانت تمييزًا نكرة غير موصوفة، وتكون نعمَ وبئسَ قد أُضمر فيها ما كانت «ما» تمييزًا له، والمرفوع بعدها هو المخصوص بالمدح أو الذمّ، والتقدير: بئسَ شيئًا عمرٌو، ونِعمَ شيئًا زيدٌ.
وإن جاء بعدها فعلُ، نحو قوله تعالى ﴿بئسما اشتروا به أنفسهم﴾
كانت «ما» أيضًا تمييزًا نكرة موصوفة بالفعل الذي بعدها، وفيها ضمير مفسَّر بـ «ما»، والمخصصوص بعدها مذكور أو محذوف لدلالة المعنى عليه. هذا مذهب البصريين في نقل بعض أصحابنا.
وقد قال س في قولهم «غَسَلتُه غَسلاً نِعِمَّا»: «أي: نِعْمَ الغَسلُ، وكقولهم: إني ممَّا أنْ أَصنعَ، أي: مِن الأمرِ أنْ أصنعَ»، فحَمل ما على أن تكون معرفةً كالموصول، ويكون قوله تعالى ﴿فنعما هىَ﴾ من هذا، أي: فِنعمَ الشيءُ هي،
أي: بذلك الوصف من الإبداء. ويُروى جواز ذلك عن الكسائي في قوله «بِئسَما
стр. 3270
تَزويجُ ولا مَهرَ»، أي: بئسَ التزويجُ تزويجُ عَرِيَ عن المهر، كما تقول: نِعمَ الرجلُ زيدُ. وكذلك: ساءَ ما صَنعتَ، أي: ساءَ الصنعُ صنعُك. وكذلك قدَّره المبرد في: دَقَقْتُه دَقَّا نِعِمَّا، أي: نِعْمَ الدَّقُّ.
وكونها معرفةً تامَّة هو مذهب ابن السراج والفارسي وأحد قولي الفراء.
وإذا كان النقل عن س والمبرد ١ وابن السراج والفارسي أنهما معرفة تامَّة فلا ينبغي أن يُطلق أنَّ مذهب البصريين أنها تكون نكرة منصوبة؛ إذ قول هؤلاء ــ وهم جِلَّة البصريين ــ يخالف هذا القول.
وقد أجاز الجرميُّ في نِعمَ ما صنعتَ أن تكون ما اسمًا تامَّا، كأنك قلت: نِعمَ الشيءُ صنعتَ، وأن يكون نكرة منصوبة، أي: نِعمَ شيئًا صنعتَه. قال صاحب «البسيط» فيه: «ورَدَّه بعض البصريين؛ لأنَّ ما لا تكون معرفة إلا موصولةً، وحملوا هذه على أنها نكرة منصوبة. وجوزه الكسائي أيضًا. والمعنى: ساءَ شيئًا صنعُك، وبئس شيئًا تزويجُ ولا مهرَ، كما تقول: نِعمَ رجلاً زيدٌ. وهذا أيضًا ضعيف؛ لأنها لا تكون نكرةً في كلامهم غير موصوفة، وإنما يجوز تأويلها بذلك في قوله تعالى
﴿بئسما اشتروا به أنفسهم﴾، وكقوله تعالى ﴿قل بئسما يأمركم به إيمنكم﴾ انتهى.
وقد أجاز /هذين الوجهين في «ما» ابن كيسان، أجاز أن تكون اسمًا تامًا مرفوعًا، وأجاز أن يكون منصوبًا، فيجرى مجرى المعرفة مرة ومجرى النكرة مرةً.
стр. 3271
وقد ضُعَّفَ النصبُ على التمييز بأنَّ التمييز لا بُدَّ أن يكون قابلاً للألف واللام؛ وهذا معلوم بالاستقراء، وبأن التمييز إنما يجاء به لتبيين جنس المميَّز إذا أبهم، و «ما» في غاية الإبهام، فلا تكون تمييزًا، وقد قال س: «فأمَّا ما فإنها مُبهَمة تقع على كل شيء» وقد نص أصحابنا على أنه لا يُميَّز بالأسماء المتوغلة في البناء ولا بالأسماء المتوغلة في الإبهام كشيء وموجود وشبههما، ولا اسمَ أدخلُ في البناء والإبهام من «ما»، فلا يجوز التمييز بها.
وقد ردَّ أبو ذَرَّ مُصعب بن أبي بكر الُخشَنِيّ على أبي علي الفارسيّ تخريجه قوله تعالى ﴿فنعما هي﴾ على أن تكون «ما» تامَّة في موضع نصب على التمييز، وكان يقول: هي كالمضمر المجهول الذي في نِعمَ، لا يُدرى ما يُعنَى به، وكذلك ما، ولا يُفَسَّر الشيء بما هو مثله في الإبهام، وإنما ينبغي أن تكون «ما» فاعلة نِعمَ، أي: فنِعمَ الشيء هي.
وهذا الذي قاله أبو ذَرَّ مخالف لقول ابن مُلكون، قال: «(ما) هنا أشدُّ إبهامًا من (شيء)، وموقعها هنا أحسن موقع؛ لأنَّ القصد في المدح والذم تعميم جنس الممدوح والمذموم، فكأنه هنا مدح كل شيء لأجل الذي ذكر، أو ذم كل شيء» انتهى.
وذهب قوم إلى أنَّ ما مع نِعمَ وبئسَ كالشيء الواحد، لا موضع لها من الإعراب، قالوا: والاسم الواقع بعدها مرفوع بِنعمَ وبئسَ، ومَن قال: بَئسَت المرأةُ هندٌ لم يقل: بِئسَتْ ما هندٌ، ومَن أجاز: نِعمَت المنْزلُ مكةُ لم يلزمه أن يقول: نِعمَتْ ما جاريتُك.
стр. 3272
فإذا جئت بعدَ «ما» بالفعل، نحو: نِعمَ ما صنعتَ ــ فـ «ما» محذوفة، والتقدير: نِعْمَ ما ما صَنعتَ، فـ «ما» الأولى مبهمة، والثانية يفسِّرها ما في صلتها، وكفَت إحداهما عن الأخرى.
واختلفوا في المحذوفة: فقال الكسائي: المحذوفة هي الثانية. وقال الفراء: المحذوفة هي الأولى.
ولا يَحسُن في الكلام «بئسَ صنعُك» حتى تقول: بئسَ الصنعُ صنعُك، وهذا كما تقول: أظنُّ أن تقوم، لايَحسُن: أظنُّ قيامَك، وإن كان بمعناه، حتى تقول: أظنُّ قيامَك سريعًا، أو نحوه مما تريد من المعنى. وإنما حسُن: نِعمَ ما صنعتَ، وأظنُّ أن تقوم، حين صار الكلام على قسمين، وكفى من الاسمين اللذين بعد الظنّ ونعمَ.
قالوا: فإن قدَّرت (ما) تقدير (الذي)، و (الذي) لا يجوز أن يلي نِعمَ وبئسَ، وليس الآن قبله ما تعتمد نِعمَ عليه من المفسر، فهناك (ما) محذوفة مكتفًى منها بالذي وصلت بالفعل، وتقديرها لو جيء بها تقدير المنصوب. وإن جعلتَ ما في معنَى ما فيه أل اكتفيتَ بها من التي في معنى الذي، فصارت كقول العرب: نِعمَ الرجلُ عندك، ونِعمَ الرجلُ أكرمت. انتهى نقل هذا المذهب.
وهذا الذي ذُكرأنه من كلام العرب فيه خلاف، ذكره ابن أصبغ، قال: «أجاز الكسائي: نِعمَ الرجلُ يقوم، ونِعمَ الرجلُ عندي، ومنعه أكثر النحويين» انتهى. /وقد جاء في الشعر ما يدل على جواز: نِعمَ الرجلُ يقوم، قال الأخطل:
إلى خالدٍ، حتي أُنِخْنَ بخالدٍ ... فنِعْمَ الفَتى يُرجَى، ونِعْمَ المُؤَمَّلُ
стр. 3273
وقال الآخر:
لَبِئسَ المَرءُ قد مُلِئَ ارْتِياعًا ... ويَأبَى أنْ يُراعي ما يُراعَى
التقدير: فَتًى يُرجَى، ومَرءُ قد مُلئ، حَذف المبتدأ، وأقام الصفة التي هي فعل مقامه، كما قال:
وما الدهرُ إلا تارتانِ: فمِنهما ... أَمُوتُ، وأُخرى أَبَتغي العَيشَ أَكْدَحُ
أي: فمنهما تارةٌ أَموت فيها.
وهذا الذي روي عن الكسائي من حذف الموصوف هو مع المرفوع، ومَنع من ذلك مع المنصوب، فيقول: نِعمَ الرجلُ يقوم، ولا يجيز: نِعمَ رجلاً يقوم.
ويعني أنه يُجيز الحذف بعد الاسم الظاهر المرفوع بِنعمَ، ولا يُجيز الحذف بعد الاسم المنصوب بعد نِعمَ. وعلَّة ذلك عنده بعد النكرة أنَّ الاسم فاعل بنِعمَ، والفاعلُ لا يجوز حذفه وإقامة الفعل مقامه، وأمَّا بعد المرفوع فإنه مبتدأ.
وتلخص من هذه النقول أنّ في [ما في] مثل «بِئْسمَا تَزويجُ ولا مَهْرَ»
ثلاثة أقوال: فاعل، أو تمييز، أو تركيب مع بئسَ، وتزويج فاعل. وفي مثل «نِعِمَّا صنعتَ» سبعة أقوال: أن تكون ما فاعلاً اسمًا معرفة تامَّا، والمخصوص محذوف، والفعل صفة له، والتقدير: نِعمَ الشيءُ شيءُ صنعتَ، وهذا مذهب المحققين من أصحاب س، يجعلون التقدير: نعمَ الشيءُ شيءُ صنعتَ. أو تكون منصوبة على
стр. 3274
التمييز موصوفة بالفعل، والمخصوص محذوف. أو منصوبةً على التمييز، والفعل صفة لمخصوص محذوف، التقدير: نعمَ شيئًا شيءٌ صنعته. أو موصولةً، والفعل صلتها، والمخصوص محذوف. أو موصولةً، وهي المخصوص، و (ما) أخرى تمييز محذوف، التقدير: نِعمَ شيئًا الذي صنعته. أو تمييزًا، والمخصوص (ما) أخرى موصولة، والفعل صلة لها. أو مصدرية، وينسبك منها مصدر تقديرًا، وهو فاعل نِعمَ.
وقوله ولا يؤكّد توكيدًا معنويَّا قال المصنف في الشرح: «لا يؤكَّد فاعل نِعمَ وبئسَ توكيدًا معنويَّا باتَّفاق؛ لأنَّ القصد به رفعُ توهُّم إرادة الخصوص بما ظاهرُه العموم، أو رفعُ توهُّم المجاز بما ظاهرُه الحقيقية، وفاعلُ نِعمَ وبئسَ في الغالب بخلاف ذلك؛ لأنه قائم مقام الجنس إن كان ذا جنس، أو مؤوَّل بالجامع لأكمل خصال المدح اللائقة، أو لأكمل خصال الذمّ، والتوكيد المعنوي منافٍ للقصدين، فاتُّفق على منعه» انتهى.
ومَن ذهب إلى أنَّ أل عهدية وأنَّ الرجل هو نفس المخصوص فلا تجيء هذه العلة على مذهبه؛ بل يمكن أن يُجيز أن يؤكَّد توكيدًا معنويَّا؛ لأنه لا يراد به الجنس، بل يصير نظير: جاءني رجلُ فأكرمتُ الرجلَ نفسهَ.
وقال المصنف في الشرح: «وأمَّا التوكيد اللفظي فلا يمتنع لك أن تقول: نِعمَ /الرجلُ الرجلُ زيدٌ» انتهى.
وينبغي ألا يُقدمَ على جواز ذلك إلا بسماع من العرب؛ لأنَّ فاعل نِعمَ وبئسَ له أحكام مغايرة لكثير من أحكام فاعلِ غيرها من الأفعال.
стр. 3275
وقوله وقد يُوصَف، خلافًا لابن السراج والفارسي أمَّا مَن منعَ وصفه فهو قول الجمهور، وأجازه قوم، وقال أبو عبد الله النُّميَري: لا يجوز وصف نِعمَ وبئسَ عند البصريين لما في ذلك من التخصيص الذي ينافي الشياع المقتضى منه عموم المدح والذم. ومما استُدِلَّ به على جواز النعت قول الشاعر:
نِعْمَ الفَتَى المري أَنتَ إذا هُمُ ... حَضَرُوا لَدَى الحُجُراتِ نارَ المُوقِدِ
ومَن مَنع ذلك تأوَّله على البدل، فالتقدير عنده: نِعْمَ الفَتى نِعْمَ المُرَّيُّ أنت.
وتخصيص المصنف من التوابع التوكيد المعنوي والوصف بالذكر دليل على جواز العطف والبدل، وينبغي ألا يجوز منهما إلا ما جاز أن تباشره نعمَ وبئسَ. وقال صاحب «البسيط» فيه: «والاسم المرتفع بهما الأحسن فيه أن يكون جامدًا؛ لأن المراد بيان الجنس على قول الأكثرين، وهو بيان ُ لذات، ولأنَّ الوصف يُشعر بأنه هو الممدوح به، وبابُ نعمَ وبئسَ عامّ، لا يذكر فيه الممدوح به» انتهى.
وينبغي ألا يُفصل بين نعمَ وبئسَ وفاعلهما بظرف ولا مجرور ولا غيرهما إلا بسماع من العرب؛ وقد قال ابن أبي الربيع: «ولا يجوز أن يُفصل بين نعمَ وفاعلها بشيء ولا بالظرف ولا بالمجرور، ولا تقول: نعمَ في الدار الرجلُ زيدٌ، وتقول: نِعمَ الرجلُ في الدار زيدٌ».
стр. 3276
وقال في البسيط: «ويصحُّ الفصل بين الفعل والفاعل لتصرُّفه في رفعه الظاهر والمضمر وعدم التركيب» انتهى.
فإن كان معمولاً للفاعل، نحو: نعمَ فيك الراغبُ زيدٌ ــ فمنعَ ذلك عامَّة النحويين، وأجازه الكسائي. ورُدَّ لأجل الفصل، ولأنَّ فيه تقدم معمول صلة أل عليها، وقد جاء في الشعر ما يدلُّ علي الجواز، قال رِفاعةُ الفَقعَسِيُّ:
يبادرن ... الدِّيارَ ... يَزِفْنَ ... فيها ... وبِئْسَ ... مِنَ الَملِيحاتِ البَدِيلُ
ووجدتُ في شعر العرب الفصل بين بئسَ ومرفوعها بـ «إذًا»، قال الشاعر:
أَرُوحُ، ولم أُحْدِثْ لِلَيلَى زِيارةً ... لَبِئسَ إذًا راعي الَموَدَّة ... والوَصْلِ
وقوله وقد يُنَكَّر مفردًا أو مضافًا المشهور أنه لا يجوز في فاعلهما إذا كان ظاهرًا إلا كونه ذا أل أو مضافًا إلى ما هما فيه، فلا يجوز: نعمَ رجلٌ زيدٌ، ولا: نعمَ ابنُ رجل زيدُ، ولا: بئسَ غلامُ سفرٍ زيدٌ، وهو مذهب س؛ لأنَّ فاعل نعمَ وبئسَ عنده لا يكون واقعًا إلا على الجنس، لو قلت: أهلكَ الناسَ شاةُ وبغيرُ، على حد: الشاةُ والبعيرُ ــ لم يَحسن.
وحكى الكسائي أنه يقال: له بعيرٌ كثيرٌ وشاةٌ كثيرٌ، وهناك رغيفٌ كثيرٌ ولَبُونٌ كثيرٌ، في ألفاظ غير هذا، /فعلى هذا يمكن أن يكون فاعل نعمَ وبئسَ نكرة،
стр. 3277
ويراد به الجنس، وقد ورد ذلك قليلاً جدَّا، فمن ذلك في النثر قول الحارث بن عباد: «نعمَ قتيلُ أصلحَ الله به بين ابْنَي وائل»، وقد روي: «نعمَ القتيلُ قتيلاً أصلحَ الله به» وأمَّا في الشعر فقوله:
أَتَحْسِبُنِي شُغِفتُ بَغَيرِ سَلْمَى ... وسَلْمَى بِي مُتَيَّمةٌ تَهيمُ
وسَلمَى أَكمَلُ الثَّقَلَينِ حُسْنًا ... وفي أَثوابِها قَمَرٌ ورِيمُ
نِيافُ القُرْطِ، غَرَّاءُ الثَّنايا ... ورِئْدٌ لِلنِّساءِ، ونِعْمَ نِيْمُ
ونُقل عن الأخفش أن ناسًا من العرب يرفعون بهما النكرة المفردة، نحو: نعمَ خليلُ زيدٌ. فأمَّا رفعهما النكرة المفردة وما أضيف إلى نكرة فأجاز ذلك الكوفيون والأخفش وابن السراج، ومنعه عامة النحويين إلا في الضرورة، وتقدَّم رفعهما النكرة المفردة.
стр. 3278
ومما جاء في الشعر من رفعهما ما أُضيف إلى نكرة ما أنشده الَهجَرِيّ في نوادره، وأبو موسى الجزولي في «شرح الإيضاح» له من قول الشاعر:
فَنِعْمَ مُناخُ أَزْفَلةٍ عِجافٍ ... ومُلْقَى نِسْعَتَينِ على رُحَيْل
رِجالٌ مِنْ خُوَيْلِدَ آل عَوفٍ ... حِيالَ الشَّمسِ أو مَجْرَى سُهَيْلِ
حِيال الشمس: جانب الشمس، يقال: قَعَدتُ حِيالَه أي: جانبه، وقولِ الآخر:
مالَ قَتيلاً بينَ أَسيافِكُمْ ... شُلَّتْ يَدَا وَحْشِيَّ مِنْ قَاتِل
غَداةَ جِبْريلُ وَزِيرٌ لَهُ ... نِعْمَ وَزِيرُ فارسٍ ... حامِلِ
وقول الآخر:
بِئْسَ قرينا يَفَنٍ هالِكٍ ... أُمُّ حُبَيْشٍ وأبو مالِكِ
لعله: أمَّ حُبَيْن، ويروى: أُمُّ عُبَيْد، وقولِ الآخر:
فَنِعْمَ صاحِبُ قَومٍ، لا سِلاحَ لهمْ ... وصاحِبُ الرَّكبِ عُثمانُ بنُ عَفَّانا
стр. 3279
وقد كان يمكن تأويل هذه الأبيات على حذف التمييز عند من يجيز ذلك؛ وجعل المرفوع هو المخصوص، ورفعُ ما بعده على البدل حيث جاء بعده مرفوع لولا أن الأخفش حكى أنَّ ذلك لغة للعرب، قال الأخفش في «الأوسط»: «اعلم أنَّ ناسًا من العرب يرفعون النكرة إذا أضافوها إلى نكرة في باب نعمَ وبئسَ، فيقولون: نعمَ أخو قومٍ أنت، فمن قال ذا قال: نعمَ أخو قومٍ وصاحبُهم أنت، إذا جعلتَ الثاني نكرة، فإن جعلتَه معرفةً لم يَجز هاهنا؛ لأنَّ نعمَ لا تقع على معرفة إلا أن تكون بالألف واللآم، وتكون النكرة مفردةً ومضافة. ومنهم من يرفعها إذا كانت مضافة».
وقال الأخفش أيضًا: «مَن قال: هذا رجلُ وأخوه ذاهبان، فرفع ــ أجاز: نعمَ غلامُ /قومٍ وصاحبُهم أنت، ومَن قال (ذاهبَين) على تعريف الأخ لم يُجز العطف هنا؛ لأنَّ نعمَ لا ترفع معرفةً إلا بالألف واللام، أو بإضافةٍ إلى ما فيه الألف واللام».
وقال الفراء: «يجوز رفع النكرة المضافة إلى نكرة ونصبها، فتقول: نعمَ غلامُ سفرٍ غلامُك، ونعمَ غلامَ سفرٍ غلامُك».
وما ذهب إليه صاحب «البسيط» من أنه لم يَرد نكرةً غيرَ مضافة ــ وإن كان المعنى واحدًا في النكرة المفردة وفي النكرة المضافة ــ ليس بصحيح؛ وقد حكينا وروده نكرة مفردةً فيما تقدَّم. ويظَهر من كلام المصنف في قوله وقد يُنكَّر مفردًا أو مضافًا تساويهما في القلَّة، وليس كذلك، بل الوارد منه مفردًا قليل جدَّا، والنكرة المضافة أكثر من المفردة.
стр. 3280
قيل: و «قد تأتي النكرة المفردة واقعة على الجنس، كقوله:
فقَتْلاً ... بِتَقتِيلٍ، وعَقْرًا بِعَقْرِكُمْ ... جَزاءَ العُطاسِ، ... لا ينَامُ مَنِ اتَّأَرْ
جعل قَتلاً للجنس، وعادَلَ به تَقتيلاً الذي هو للتكثير، فدلَّ على أنه يَسوغ وقوعه موقع الكثير، وهو معنى الجنس» انتهى.
وأجاز بعض النحويين أن يكون فاعل نعمَ وبئسَ مضافا إلى ضمير ما فيه الألف واللام، فأجاز: القومُ نعمَ صاحبهم أنت، إجراءً للمضاف إلى ضمير ما فيه الألف واللام مجرى ما أضيف إلى ما هما فيه، وأنشد:
فَنِعْمَ أخو الَهْيجا، ونِعْمَ شِهابُها ... ...........................
وقال بعض أصحابنا: والصحيح المنع، وهذا يُحفظ، ولا يقاس عليه؛ إذ لا يكون إلا مما يجوز تنكيره، ومع إضافته للضمير لا يجوز تنكيره.
ص: ويُضمر ممنوعَ الإتباع مفسَّرًا بتمييزٍ مؤخَّرٍ مطابقٍ قابل أل لازمٍ غالبًا، وقد يَرد بعد الفاعل الظاهر مؤكِّدًا وفاقًا للمبرد والفارسيّ، ولا يمنع عندهما إسناد نعمَ وبئسَ إلى «الذي» الجنسية، وندر: نعمَ زيدٌ رجلاً، ومرَّ
стр. 3281
بقومٍ نِعْمُوا قومًا، ونِعْمَ بهم قومًا، ونِعمَ عبدُ الله خالدُ، وبئسَ عبدُ الله أنا إن كان كذا، وشهدتُ صِفِّينَ وبِئسَتْ صِفُّون.
ش: لَّما فرغ من الكلام على فاعل نعمَ وبئسَ إذا كان ظاهرًا أخذ يتكلم فيه إذا كان مضمرًا، وينبغي أن يؤخذ قوله ويُضمَر على أنه ابتداء كلام، لا أنه معطوف على قوله وقد يُنَكَّر مفردًا أو مضافًا، وإن كان يوهم العطف عليه؛ لأنَّ ذلك قليل ومختلف فيه، وهذا عند البصريين كالمجمع عليه. ومثال رفعهما المضمر قولُه تعالى ﴿بئس للظلمين بدلا﴾، وقول الشاعر:
نِعْمَ امْرَأً هَرِمٌ، لَمْ تَعْرُ نائبةٌ ... إلا وكانَ لِمُرْتاعٍ بها ... وَزرَا
وقولُ الآخر:
لَنِعْمَ مَوئلاً الَمولَى إذا حُذِرَتْ ... بَاساُء ذي البَغْيِ واستِيلاءُ ذي الإحَنِ
وعلى أنَّ في نِعمَ وبئسَ مضمرًا هو فاعلُ بهما في نحو «نِعمَ رجلاً زيدٌ» معظم البصريين: /س وغيره.
وذهب الكسائي والفراء إلى أنَّ الفاعل هو زيد، والنكرة المنصوبه بعد نعمَ وبئسَ حالٌ عند الكسائي، وتمييز عند الفراء، وهو عنده من التمييز الذي هو من قبيل المنقول، والأصل عنده: رجلٌ نعمَ الرجلُ زيدُ فحُذف رجل، وقامت صفته مقامه، ثم نُقل الفعل إلى اسم الممدوح، فقيل نعمَ رجلاً زيدٌ.
стр. 3282
ويقبح عنده تأخره؛ لأنه تمييز وقع موقع المرفوع، وأفاد إفادته؛ لأنَّ كلاً منهما بَّين الجنس الذي مدحتَ به زيدًا. ولا يجوز تقدُّمه على نِعمَ كما لا يجوز تقديم ما وقع موقعة.
وأمَّا الكسائيُّ فيجيز تأخير النكرة عن زيد، فيقول: نعمَ زيدٌ رجلاً، ولا يجوّز تقديمها على نعمَ، كمذهب الفراء، وإن اختلفا في التوجيه، فعلى رأي الكسائي لا يجوز لأنَّ العامل في الحال عامل غير متصرف.
قالوا: والصحيح مذهب س ومعظم البصريين لقولهم: نعمَ رجلاً أنتَ، وزيدٌ بئسَ رجلاً هو، ولو كان الضميرـ وهما أنت وهو ــ فاعلين لاتَّصلا بالفعل، ولم ينفصلا. ولقولهم: إخوتُك نعمَ رجالاً، فيقدمون الممدوح، ولا يضمرون في نعمَ ضميرًا يطابق المخصوص، فدلَّ على أنَّ في نعمَ ضميرًا مستترًا؛ إذ لا يخلو الفعل من الفاعل. ولقولهم: نعمَ رجلاً كان زيدٌ، فيُعملون فيه ناسخ الابتداء، ولو كان فاعلاً لم يعمل فيه ناسخ الابتداء.
ونسب صاحب «البسيط» إلى الكوفيين أنَّ انتصاب رجلاً هو على التفسير للممدوح، ولا يحتاجون إلى تقدير فاعل، فكأنك قلت: زيدٌ الممدوحُ رجلاً، كما تقول: امتلاَ الإناءُ ماءً، والإناءُ ممتلئٌ ماءً.
وذهب ابن الطراوة إلى أنه لا إضمار في الفعل، وأنَّ الفاعل محذوف؛ لأنه لا يَبرُز في التثنية ولا الجمع، ولأنه موضع إبهام لأجل استغراق المدح، ومواضع الإبهام يحسُن فيها الحذف، كقوله:
стр. 3283
........................... ... فسَوفَ تُصادفُهُ أيَنَما
حذف لإبهام المحل، كذلك هنا، وصار التفسير بدلاً من اللفظ به، وهو مركَّب مع الفعل على ما كان لو ظهر.
ورُدَّ عليه بأنَّ الفاعل لا يُحذف إلا حيث يراد الفعل، على خلاف فيه، إلا على مذهب الكسائي. وأمَّا احتجاجه بعدم بروزه فِلعِلَّة تُذكَر، ويأتي الكلام على كونه حُكي إبرازه إن شاء الله.
وما نقله صاحب «البسيط» من قوله: «وقال س: حذفوه لكثرة استعمالهم إياه لزومهًا كما ألزموا نِعم الإسكان، واكتفوا في ذلك بالذي يفسره» فظاهره حجة لابن الطراوة في الحذف، لكن عبارةُ س ليست كهذه التي نقل صاحب «البسيط»، قال س بعد أن قرر أنَّ في نِعم ضميرًا في عدة مواضع من كلامه، قال: «واعلم أنك لا تُظهر علامة المضمرين في نعمَ، لا يقولون: نعمُوا رجالاً، يكتفون بالذي يفسره، كما قالوا: مررتُ بكلِّ، وقال جل وعز ﴿وكل أتوه دخرين﴾، فحذفوا علامة الإضمار، والتزموا الحذف كما ألزموا نِعْمَ وبئْسَ الإسكان» انتهى. يُفهم من هذا أنَّ المعنى أنهم لم يُبرزوا علامة الإضمار في الجمع، /لا أنَّ الفاعل محذوف.
واختلف القائلون بالإضمار هل ذلك المضمر جنس أو شخص: فمن قال في نعمَ الرجلُ زيدٌ بالشخص يقول به هنا، وما بعده تمييز لذاته. ومن قال بالجنس اختلفوا هنا: فقال بعضهم: هو شخص، كأنك قلت: زيدٌ نعمَ هو رجلاً. وقيل: هو جنس.
стр. 3284
احتجَّ من قال بالشخص في الموضعين بالتفسير بالمثنى والمجموع في نحو: نعمَ رجلَين الزيدان، ونعمَ رجالاً الزيدون، والجنس لا يُجمع ولا يثنى، فلا يفسَّر به، فدلَّ على أنه شخص. ومَن قال بأنه هناك على المجاز في الجنس كان كذلك هنا، كأنك أضمرت نوعين، ثم فسَّرت.
وأجاب أصحاب الجنس بأنَّ التثنية هي على نحو: هما خيرُ اثنينِ في الناس، فيُضمر على ما أظهر. وقالوا: الذي يدلُّ على أنه ليس شخصًا كونه لا يَبرز في تثنية ولا جمع، فلولا أنه جنس ــ وهو لا يثنى ولا يجمع ــ لَبَرز في التثنية والجمع.
وأجيبوا بأنه كالمثل، نحو: أكرِمْ بزيدٍ! وأحسِنْ بعمرٍو! ولأنهم استغنَوا عن ذلك بتثنية المفسَّر وجمعه.
واحتجُّوا أيضًا بالحمل على الظاهر، والأصل الظاهر، كما يكون في البدل في الشخص، نحو: مررتُ به زيدٍ، لكنه هنا امتنع التمييز لأنه شخص.
قال صاحب «البسيط»: «وقد فرق بعض النحويين الظاهر والمضمر؛ لأنَّ المضمر على التفسير لا يكون في كلام العرب إلا شخصًا، نحو: لله درُّه فارسًا، وويحَه رجلاً، ورُبَّه رجلاً؛ ألا ترى أنَّ رُبَّ لَّما عملت في الظاهر كان نكرةً، ولَّما كانت مع المضمر كان شحصًا، ولو كان نكرةً لكان المعنى: رُبَّ رجلٍ، ولا يفيد المقصود من المدح، وهذا كذلك» انتهى.
وقوله ممنوعَ الإتباع قال المصنف في الشرح: «هذا الضمير المجعول فاعلاً في هذا الباب سبيه بضمير الشأن في أنه قُصد إبهامُه تعظيمًا لمعناه، فاستَويَا لذلك في عدم الإتباع بتوكيد أو غيره» انتهى. فلا يجوز أن يؤكَّد بضمير، نحو: نعمَ هو رجلاً زيدٌ، ولا بغيره، ولا يُعطَف عليه، ولا يُبدل منه، فأمَّا ما رُوي من نحو «نعمَ
стр. 3285
هم قومًا أنتم» فشاذُّ لا يُعَرَّج عليه، «وهم» تأكيد للضمير المستكنِّ في نعمَ على المعنى.
وقوله مفسَّرًا بتمييز تقدَّم خلاف الكسائي في أنه حال؛ إذ مذهبه أنه لا إضمار في الفعل، بل هو رافع للمخصوص بالمدح أو الذم.
وقوله مؤخَّرٍ يعني عن نعمَ وبئسَ، فلا يجوز له أن يتقدم عليهما، لا يجوز: رجلاً نعمَ زيدٌ، ولا: رجلاً بئسَ عمرُو. وأمَّا تأخيره عن نعمَ والمخصوص، نحو: نعمَ زيدُ رجلاً ــ فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله.
وقوله مُطابِقٍ يعني للمخصوص، فتقول: نعمَ رجلَين الزيدانِ، ونعمَ رجالاً الزيدون، وكذلك في التأنيث.
وقوله قابلِ أل يشمل أن يكون مضافًا إلى نكرة، نحو: نعمَ غلامُ سفرٍ غلاُمك، وموصوفًا نحو: نعمَ رجلاً شجاعًا زيدُ، ومفردًا غير ذلك، نعمَ رجلاً زيدُ. وفي «البسيط»: «ويجوز وصف هذا المفسَّر، فتقول: نعمَ رجلاً صالحًا، وقالوا: حَسُنَ إيمانًا نَفِعَك، ورَجُحَ عقلاً رَدَعَك».
وقال المصنف في الشرح: / «ونَّبهت على أنَّ ممِّيزة لا يكون إلا صالحًا للألف واللام، مع أنَّ كل تمييز لا يكون إلا كذلك بالاستقراء؛ لأنَّ أبا عليَّ والزمخشريَّ يُجيزان التمييز في هذا الباب بـ (ما)».
«ونبهت بقول أل على أنه لا يجوز أن يكون بلفظ (مثل) ولا (غير) ولا (أي) ولا (أفعل من)؛ لأنه خَلَف عن فاعل مقرون بالألف واللام، فاشترط
стр. 3286
صلاحيته لهما، وما ذكرته لا يصلح لهما، فلم يجز أن يخلف مقترنًا بهما» انتهى.
ويَرِدُ على ما قاله ما كان مفردًا في الوجود؛ فانه يقبل أل، ولا يجوز أن يقع تمييزًا لهذا المضمر.
ونقول: شرطَ أصحابنا في هذا التمييز شروطًا ثلاثه:
أحدها: أن يكون مبينًا للنوع الذي قُصد فيه المدح أو الذم، فلو قلت: نعمَ غيرَك زيدُ ــ لم يجز؛ لأنَّ «غيرك» لا يُبين النوع الذي قصدتَ مدح زيد فيه، فيندرج في هذا الشرط «مثلك» ونحوه مما هو متوغَّل في الإبهام.
الثاني: ألا يكون فيه معنى المفاضلة، نحو أفعل التفضيل، لو قيل: نعمَ أفضل من زيد أنتَ، ونعمَ أفضلَ رجلٍ أنتَ ــ لم يجز؛ لأنَّ نعمَ لم تزد فيه شيئًا لم يكن قبل دخولها.
الثالث: أن يكون عامَّا في الوجود، لو قلت: نعمَ شمسًا هذه الشمسُ، أو: نعمَ قمرًا هذا القمرُ ــ لم يجز؛ لأنَّ شمسًا وقمرًا مفردان في الوجود، فلو قلت: نعمَ شمسًا شمسُ هذا اليوم، ونعمَ قمرًا قمرُ هذه الليلة ــ جاز؛ لأنك أردت أن تمدح شمس اليوم المشار إليه في سائر الشموس التي تكون في الأيام.
ولا يجوز أن يقع تمييزًا الأسماء المختصة بالنفي، ولا «أيّما رجل» ونحوه؛ لأنها ثناء فلا بدَّ من ذكر المُثْنَى عليه، وتقع صفة لأن الموصوف مذكور قبلها، وحالاً لأنَّ صاحب الحال مذكور، ولا تقع فاعلةً ولا مفعولةً لأنَّ المُثْنَى عليه لا يكون معها، وتقع في الابتداء، فتقول: أيُّما رجلٍ زيدٌ، وزيدٌ أيُّما رجلٍ؛ لأنَّ صاحب الصفة ــ وهو زيد ــ مذكور معها.
стр. 3287
وقوله لازمٍ غالبًا قال المصنف في الشرح: «وقلتُ غالبًا بعد التقييد بـ (لازم) احترازًا من حذف المميز في قول النبي ﷺ : (من توَضَّأ يومَ الجمعةِ فَبِها ونِعْمَتْ)، أي: فبالسُنَّة، ونِعْمَت السُّنَّةُ سُنَّةً، فأضمر الفاعل على شريطة التمييز، وحذف المميَّز للعلم به» انتهى.
ولفظ «لازم» و «غالبًا» متنافيان؛ لأنَّ اللزوم يدلُّ على الوجوب، والغلبة تدلُّ على الجواز، فتَنافَيا، وكان الأَولَى أن يقول: مذكورٍ غالبًا، أو: مُثبَتٍ غالبًا.
وتقديره «ونِعْمَتِ السُّنَّةُ سُنَّةً» ليس بجيد؛ لأنه قدّم في التقدير المخصوص على التمييز، وصحة التقدير: ونعْمَتْ سُنَّة السُّنَّةُ.
وهذا الذي ذكره من جواز حذف التمييز ذكره ابن عصفور، قال: «ولا بدَّ من ذكر اسم الممدوح أو المذموم، ومِن ذكر التمييز إذا كان الفاعل مضمرًا، وقد يجوز حذف ذلك لفهم المعنى، ومن كلامهم: إن فَعَلتَ كذا وكذا فَبِها ونِعْمِتْ، أي: ونِعْمَتْ فَعْلةً فَعْلُتك، فحذف التمييز واسم الممدوح» انتهى.
وفي البسيط: «ولا يجوز حذف التمييز من المضمَر فاعلُه؛ لأنه كالعوض منه، إلا بعوض، كالتاء في نِعْمِتْ، /كقولك: إن تزوجتَ هذه فنِعْمَتْ هي. وقيل: يجوز لأنه تمييز، فيجوز حذفه، وقوله ﵇: (مَن توضَّأ فَبِها ونِعْمَت) حذف التمييز للعوض، وإنما منع في المفسَّر للمضمر لبقاء الإبهام، ولعدم عَوده على شيء» انتهى كلامه.
стр. 3288
والصحيح أنه لا يجوز ذلك وإن فُهم المعنى، وقد نص بعض أصحابنا على شذوذ (فَبِها ونِعْمتْ)، فقال: «والتفسير واجب إن أُضمر الفاعل؛ لأنه إضمارُ قبل الذكر على شريطة التفسير، وقد شذّ (فَبِها ونِعْمَتْ) في قولهم: إن فعلتَ كذا فَبِها ونِعْمَتْ، أي: ونِعْمتِ الحاجةُ حاجتُك، فأضمر، ولم يأت بالتفسير» انتهى.
وقد نصَّ س على وجوب ذكر هذا التمييز ولزومه، قال س بعد ما ذكر:
نِعمَ رجلاً عبد الله، وبعد ما قال: ومثلُه: رُبَّه رجلاً، قال: «ولا يجوز لك أن تقول: نِعمَ، ولا: رُبَّه، وتسكت؛ لأنهم إنما بدأوا بالإضمار على شريطة التفسير، وإنما هو إضمارُ مقدَّم قبل الاسم، والإضمار الذي يجوز السكوت عليه إضمار بعد ما ذكر الاسم مظهرًا، فالذي تقدَّم من الإضمار لازم له التفسير حتى يبيِّنه» انتهى.
والذي ورد في الحديث من قوله (مَنْ توضَّأَ يوم الجمعةِ فَبِها ونِعْمَتْ) جاء على سبيل ما ورد من قولهم: إنْ فَعلتَ كذا وكذا فَبِها ونِعْمَتْ، وقد اختُلف في تخريجه، فخرَّجه ابن عصفور على أنَّ التقدير: فبالرُّخصةِ أَخَذَ ونِعْمَتْ رخصةً الوضوءُ، فحذف التمييز والمخصوص. وخرْجه المصنف على ما حكيناه عنه، وقدَّره: ونِعْمَتِ السُّنَّة سُنَّةً. ونَّبهنا على أنه كان ينبغي أن يقدَّر على تخريجه: ونِعْمَتْ سُنَّةً السُّنَّةُ. وخرّجه ابن هشام على أنَّ القدير: نِعْمَتِ الفَعْلةُ الأخذُ بالسُّنَّة، قال: «فالفَعْلة فاعلُ نِعم، والأخذُ بالسُّنَّة مبتدأ، والخبر في الجملة المتقدمة».
قال: «وجائز أن يكون خبر مبتدأ مضمر، حذف مع المبتدأ أيضًا لدلالة الكلام
عليه». قال: «وكونه مبتدأ أقوى» انتهى. وهذا التخريج ليس جاريًا على قواعد
البصريين؛ لأنه زعم فيه أنَّ الفَعلة فاعل نِعم، وهو محذوف، والفاعلُ لا يُحذف.
стр. 3289
فرع: إذا كان المضمر مؤنثًا، وأتيت بتفسيره ــ فهل تلحق نعمَ وبئسَ تاء التأنيث
اعتبارًا بالتفسير أم لا تلحق، نصَّ المصنف في تمثيله في الشرح على لحوقها،
فقال: «ويقع فاعل هذا الباب ضميرًا مستترًا مفسًّرًا بعده بتمييز مطابق
للمخصوص بالمدح أو الذم، نحو: نِعمَ رجلاً زيدٌ، ونِعمَتِ امرأةً هندٌ، ونِعمَ رجلينِ
الزيدان، ونِعْمَتِ امرأتين الهندانِ، ونِعْمَ رجالاً الزيدون، ونِعْمَ نساءً الهنداتُ».
ونصَّ أبو الحسين بن أبي الربيع على أنه لا تلحق تاء التأنيث، وإن كان المفسَّر
مؤنثًا، قال: «لا تقول: نِعْمَتِ امرأةً هندُ، إنما يقال: نِعْمَ امرأةً هندُ استَغنَوا
بتأنيث المفسَّر» انتهى. فيكون لحاق التاء في قولهم إنْ فعلتَ كذا وكذا فَبِها
ونِعْمَتْ على سبيل الشذوذ كما شَذُّوا في حذف التمييز.
ونصَّ أبو غانم المظهر بن أحمد بن حمدان في كتابه «المحلى» على تأنيث
/الضمير المستكنّ، وإلحاق العلامة في الفعل لتأنيث المفسرِّ، فقال: «وإن
شئت قلت: بئْسَتْ جاريةً جاريتُك، ونِعمَتْ جاريةً جاريتُك».
ونصَّ خطّاب المارديُّ على جواز إلحاق العلامة وعدم إلحاقها، فقال: «نِعْمَ
جاريةَ هندُ، وإن شئت: نِعْمَتْ جاريةً هندُ، بنصب النكرة [على] الحال
والتمييز، والفاعل مضمر» انتهى. فأجرى الضمير مجرى الظاهر المؤنث، فكما
تقول: نِعْمَ المرأةُ هندُ ونِعْمَت المرأةُ هندُ ــ فكذلك الفعل مع المضمر.
ولا يجوز الفصل بين نِعْمَ ومفسرَّ المضمر، لا تقول: نِعمَ في الدار رجلاً زيدٌ، قاله ابن أبى الربيع. والصحيح أنه يجوز، قال تعالى ﴿بئس للظلمين بدلا﴾، ففصَل بين (بئس) وتفسير المضمر بقوله (للظالمين).
стр. 3290
وقوله وقد يَرِدُ بعد الفاعل الظاهر مؤكَّدًا وفاقًا للمرد والفارسي قال المصنف في
الشرح: «منع س الجمع بين التمييز وإظهار الفاعل، وأجاز ذلك أبو العباس
والفارسي، وقولهما هذا هو الصحيح، وحامل ُ س على المنع كون التمييز
في الأصل مسوقًا لرفع الإبهام، والإبهامُ إذا ظهر الفاعل زائل، فلا حاجة إلى
التمييز، وهذا الاعتبار يلزم منه منع التمييز في كل ما لا إبهام فيه، كقولك: له
من الدراهم عشرون درهمًا، ومثل هذا جائز بلا خلاف، ومنه قوله تعالى ﴿إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا﴾
، ﴿واختار موسي قومه سبعين رجلا﴾، ﴿فتم ميقت ربه أربعين ليلة﴾
﴿فهي كاحجارة أو أشد قسوة﴾، فكم حُكم بالجواز في مثل هذا، وجُعل سبب
الجواز التوكيد لا رفع الإبهام ـ فكذلك يفُعل في نحو: نِعمَ الرجلُ زيدُ، ولا يُمنع؛
لأنَّ تخصيصه بالمنع تحكُّم بلا دليل، هذا لو لم تستعمله العرب، فكيف وقد
استعملته، كقول جرير يهجو الأخطل:
والتَّغِلبِيُّونَ نِعمَ الفحلُ فحلُهمُ ... فَحلاً، وأُمُّهمُ زلاًء مِنْطِيقُ
стр. 3291
ومثله لجرير يمدح عمر بن عبد العزير:
فما كَعْب بْنُ مامةَ وابْنُ سُعْدَى ... بأجْوَدَ منكَ ... يا ... عُمَرُ الَجوادَا
ومثله:
نعْمَ الفَتاةُ فتاةً هندُ لو بَذَلَتْ ... رَدَّ التَّحيَّة ... نُطْقًا ... أو بإيْماءِ
ومثله على الأظهر الأبعد من التكليف:
تَزَوَّدْ مِثلَ زادِ ... أبيكَ فينا ... فَنِعْمَ الزَّادُ زادُ ... أَبيكَ زادَا
ومن ورود التمييز للتوكيد لا لرفع الإبهام قول أبي طالب:
ولقد علمتُ بأن دينَ محمدٍ ... مِن خير أَديانِ البَريَّةِ دِينا
ومثله قول الآخر: /
فأمَّا التي خَيُرها ... يُرتَجَى ... فَأَجْوَدُ ... جُودًا مِنَ اللاَّفِظَهْ»
انتهي.
وفي الأمالي أنَّ بُجير بن الحارث بن عُبَاد قتله مهلهل، فقال أبوه حين بلغه
الخبر: «نِعْمَ القَتيلُ قَتيلاً أصلَحَ بين بَكر وتَغلب». هكذا جاء «قتيلاً» بالفتح، وهو
شاهد لأبي العباس ومن قال بقوله؛ لأنه كلام غير شعر.
стр. 3292
وبجواز الجمع بينهما قال ابن السراج.
وما نسبه المصنف إلى س من المنع هو ظاهر كلامه، وبه قال السيرافي
وجماعة، واختاره ابن عصفور، قال س: «فالذي تقدَّم من الإضمار
لازمُ له التفسير حتى يبَّنه، ولا يكون في موضع الإضمار في هذا الباب مظهر».
فظاهر هذا الكلام أنَّ الظاهر الفاعل والتمييز لا يجتمعان. وتأوَّل الفارسيُّ
كلام س على أنَّ معناه: لا يكون الفاعل ظاهرًا حيث يلزم التمييز، بل الفاعل
في حال لزوم التمييز مضمر لا غير؛ ألا ترى أنك تقول: نِعمَ الرجلُ رجلاً زيدُ، فلا
يكون التمييز لازمًا. وأمَّا ما ذكره المصنف من أنَّ الحامل لـ «س» على المنع ما
ذَكر فليس ذلك مذكورًا في كتاب س.
وأمَّا تسوية جواز ذلك بجوازه فيما ذُكر من الآيات وأبيات الشعر التي ليست
من هذا الباب فليس بجيد؛ للأنَّ الفرق ظاهر، وذلك أنَّ التمييز مبناه على التبيين،
ثم يَعرض له في بعض المواضع أن يقترن بالكلام ما يُغني عنه، فيصير مؤكِّدًا؛ ألا
ترى أنَّ عشرين وأربعين وأمثال ذلك محتاجة في أصل وضعها إلى التفسير، فإن
اقَترن بها في بعض المواضع ما يبينها كان التمييز حينئٍذ مؤكِّدًا، وليس كذلك:
стр. 3293
نِعمَ الرجل زيدٌ، فإنَّ الرجل غير محتاج إلى أن يبيَّن أنه رجل في موضع من
المواضع، فبانَ الفرق بينهما، وهذا على تسليم أنَّ المضمر هو جنس كالرجل،
فحينئذ يكون توكيدًا له لأنه قد تقدَّم لنا الخلاف في الضمير أهو جنس أم لا،
وأنَّ القائلين بأن الألف واللام في الرجل في نِعمَ الرجلُ زيدٌ هي للجنس اختلفوا في
هذا الضمير أهو جنس أم لا، وعلى تقدير التسليم أنه جنس لا يلزم أن تساوي
حالة إضماره في البيان حالة إظهاره.
وأمَّا السماع الوارد في نِعمَ وبئسَ فقد تأوَّله المانعون لذلك، وتأوَّلوا
فحلاً وفتاةً على الحال المؤكَّدة لا على التمييز، وتأوَّلوا زادًا على أنه منصوب
بـ «تَزَوَّدْ» على أنه مصدر محذوف الزوائد ــ وقد حكى الفراء استعماله مصدرًا
ــ أو على أنه مفعول به، و «مثل» منصوب على الحال؛ لأنه لو تأخر لكان صفة،
ولَّما تقدم انتصب على الحال، وفُصل بجملة الاعتراض التي هي «فنِعمَ الزادُ زادُ
أبيك» بين تَزَوَّد ومعموله، أو على أنه بدل من «مثل»، كأنه أوقعه على الخصوص،
أي: تَزَوَّدْ مثلَ زاد أبيك زادًا حسنًا ودلً على الصفة قوله: فِنعمَ الزادُ زادُ أبيك.
وعندي تأويل غير ما ذكروه، وهو أقرب، وذلك أن يُدَّعى أنَّ في نِعمَ وبئسَ
ضميرًا، وفَحلاً وفتاةً وزادًا تمييز لذلك الضمير، وتأخرَّ عن المخصوص على جهة
الندور، كما روي نادرًا: نِعمَ /زيدٌ رجلاً، على نية التقديم، أي: نِعمَ رجلاً زيدٌ،
والفحل والفتاة والزاد هي المخصوصة، وفَحلُهم وهندُ وزادُ
стр. 3294
أبيك أبدال من المرفوع قبلها، والتقدير: والتَّغِلبِيُّون بئسَ فحلاً الفحلُ فَحلُهم،
أي: بئسَ فحلاً فحلُهم، ونِعمَ فتاةً هندُ، أي: نِعمَ فتاةً هندُ، وفنعمَ زادًا الزوادُ زادُ
أبيك، أي: فنِعمَ زادًا زادُ أبيك، كما تأوَّلنا نِعمَ زيدٌ رجلاً على التقديم والتأخير،
أي: نِعمَ رجلاً زيدُ. وهذا تأويل سائغ سهل، وفيه إبقاءُ نِعمَ على ما فيها
من الإضمار وتفسير ذلك المضمر بالاسم المنصوب.
وفصَّل بعض أصحابنا، فقال: إن أفاد التمييز معنًى لا يفيده الفاعل جاز،
نحو: نِعمَ الرجلُ رجلاً فارسًا زيدُ، لمًّا وصف التمييز بقوله فارسًا أفاد ما لم يُفده
الفاعل. واستدلَّ هذا المفصَّل على ما اختاره بقول أبي بكر بن الأسود:
ذَرِينِي أَصْطَبِحْ، يا هندُ، إنِّي ... رأيتُ الموتَ نَقَّبَ عن هِشام
تَخَيَّرَهُ، ولَمْ يَعْدِلْ سِواهُ ... فَنِعْمَ الحيُّ مِنْ حَيِّ تَهامِي
ويروى: فَنِعْمَ الَمرءُ مِنْ رَجُلٍ تَهامي، وبقول الكَرَوَّس بن حصْن:
وقائلةٍ: نِعْمَ الفَتَى أنتَ مِنْ فَتًى ... إذا الُمرْضِعُ الهوجاءُ جالَ بَريمُها
وصف حيَّا بتَهامٍ، فأفاد ما لم يُفده الفاعل. وأراد بفتًى مُتَفَتَّ، وأعمله
في الظرف، فأفاد ما لم يُفده الفتى.
стр. 3295
وقد تُؤُوَّلَ «مِن حَيِّ تَهام» على أنَّ «مِن» فيه مبعَّضة، فليس بتمييز، فكأنه
قال: نِعمَ الحيُّ كائنًا مِن بعضِ الحيِّ التِّهاميّ، أي: فَخِذًا منه. وأمَّا «إذا» فالعامل
فيها نِعمَ.
ويحتمل أن يكون في نِعمَ ضمير، ومِن فتًى: تفسير لذلك الضمير، والفتي هو
المخصوص، وأنتَ بدل منه، وليس هو الفاعل، والتقدير: نِعمَ مِن فًتى الفتى أنتَ،
أي: نِعمَ مِن فًتى أنتَ. وقال بعض شيوخنا: «يجوز قليلاً على جهة التوكيد،
حكي: نِعْمَ القتيلُ قتيلاً أصلحَ الله به بين فئتين».
وتلخَّص لنا في هذه المسألة ثلاثة مذاهب: المنع، والجواز، والتفصيل بين أن
يزيد معنًى على الفاعل فيجوز، أوْ لا فلا.
ومِن أحكام هذا التمييز أنه لا تدخل عليه «مِن» إلا في ضرورة شعر، نحو:
مِن حَيُّ تَهام، ومِن فتًى، فلا يجوز في الكلام: نِعمَ من رجلٍ زيدٌ.
وقوله ولا يمتنع عندهما إسناد نِعمَ وبئسَ إلى «الذي» الجنسية ذكر
المصنف في الشرح أنَّ ظاهر قول الأخفش أنه [لا] يجيز: نِعمَ الذي يفعل
زيدٌ، ولا يجيز: نِعمَ مَن يفعلُ زيدٌ، قال: «ولا بنبغي أن يُمنع؛ لأنَّ (الذي يفعل)
بمْنزلة (الفاعل)، ولذلك اطَّرد الوصف به، ومقتضى النظر الصحيح ألاَّ يجوز
مطلقًا، ولا يُمنع مطلقًا، بل إذا قُصد به الجنس جاز، وإذا قُصد به العهد مُنِع»
انتهى. فأجاز أبو العباس والفارسي أن تقول: نِعمَ الذي بُعث بالرسالة محمدُ ﷺ ، كما يقال: نِعمَ المبعوثُ بالرسالة محمدُ ﷺ -
следующие страницы →