← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17116

التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

أبو حيان الأندلسي

Полный текст (3 950 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

ومثله لجرير يمدح عمر بن عبد العزير: فما كَعْب بْنُ مامةَ وابْنُ سُعْدَى ... بأجْوَدَ منكَ ... يا ... عُمَرُ الَجوادَا ومثله: نعْمَ الفَتاةُ فتاةً هندُ لو بَذَلَتْ ... رَدَّ التَّحيَّة ... نُطْقًا ... أو بإيْماءِ ومثله على الأظهر الأبعد من التكليف: تَزَوَّدْ مِثلَ زادِ ... أبيكَ فينا ... فَنِعْمَ الزَّادُ زادُ ... أَبيكَ زادَا ومن ورود التمييز للتوكيد لا لرفع الإبهام قول أبي طالب: ولقد علمتُ بأن دينَ محمدٍ ... مِن خير أَديانِ البَريَّةِ دِينا ومثله قول الآخر: / فأمَّا التي خَيُرها ... يُرتَجَى ... فَأَجْوَدُ ... جُودًا مِنَ اللاَّفِظَهْ» انتهي. وفي الأمالي أنَّ بُجير بن الحارث بن عُبَاد قتله مهلهل، فقال أبوه حين بلغه الخبر: «نِعْمَ القَتيلُ قَتيلاً أصلَحَ بين بَكر وتَغلب». هكذا جاء «قتيلاً» بالفتح، وهو شاهد لأبي العباس ومن قال بقوله؛ لأنه كلام غير شعر.

стр. 3292

وبجواز الجمع بينهما قال ابن السراج. وما نسبه المصنف إلى س من المنع هو ظاهر كلامه، وبه قال السيرافي وجماعة، واختاره ابن عصفور، قال س: «فالذي تقدَّم من الإضمار لازمُ له التفسير حتى يبَّنه، ولا يكون في موضع الإضمار في هذا الباب مظهر». فظاهر هذا الكلام أنَّ الظاهر الفاعل والتمييز لا يجتمعان. وتأوَّل الفارسيُّ كلام س على أنَّ معناه: لا يكون الفاعل ظاهرًا حيث يلزم التمييز، بل الفاعل في حال لزوم التمييز مضمر لا غير؛ ألا ترى أنك تقول: نِعمَ الرجلُ رجلاً زيدُ، فلا يكون التمييز لازمًا. وأمَّا ما ذكره المصنف من أنَّ الحامل لـ «س» على المنع ما ذَكر فليس ذلك مذكورًا في كتاب س. وأمَّا تسوية جواز ذلك بجوازه فيما ذُكر من الآيات وأبيات الشعر التي ليست من هذا الباب فليس بجيد؛ للأنَّ الفرق ظاهر، وذلك أنَّ التمييز مبناه على التبيين، ثم يَعرض له في بعض المواضع أن يقترن بالكلام ما يُغني عنه، فيصير مؤكِّدًا؛ ألا ترى أنَّ عشرين وأربعين وأمثال ذلك محتاجة في أصل وضعها إلى التفسير، فإن اقَترن بها في بعض المواضع ما يبينها كان التمييز حينئٍذ مؤكِّدًا، وليس كذلك:

стр. 3293

نِعمَ الرجل زيدٌ، فإنَّ الرجل غير محتاج إلى أن يبيَّن أنه رجل في موضع من المواضع، فبانَ الفرق بينهما، وهذا على تسليم أنَّ المضمر هو جنس كالرجل، فحينئذ يكون توكيدًا له لأنه قد تقدَّم لنا الخلاف في الضمير أهو جنس أم لا، وأنَّ القائلين بأن الألف واللام في الرجل في نِعمَ الرجلُ زيدٌ هي للجنس اختلفوا في هذا الضمير أهو جنس أم لا، وعلى تقدير التسليم أنه جنس لا يلزم أن تساوي حالة إضماره في البيان حالة إظهاره. وأمَّا السماع الوارد في نِعمَ وبئسَ فقد تأوَّله المانعون لذلك، وتأوَّلوا فحلاً وفتاةً على الحال المؤكَّدة لا على التمييز، وتأوَّلوا زادًا على أنه منصوب بـ «تَزَوَّدْ» على أنه مصدر محذوف الزوائد ــ وقد حكى الفراء استعماله مصدرًا ــ أو على أنه مفعول به، و «مثل» منصوب على الحال؛ لأنه لو تأخر لكان صفة، ولَّما تقدم انتصب على الحال، وفُصل بجملة الاعتراض التي هي «فنِعمَ الزادُ زادُ أبيك» بين تَزَوَّد ومعموله، أو على أنه بدل من «مثل»، كأنه أوقعه على الخصوص، أي: تَزَوَّدْ مثلَ زاد أبيك زادًا حسنًا ودلً على الصفة قوله: فِنعمَ الزادُ زادُ أبيك. وعندي تأويل غير ما ذكروه، وهو أقرب، وذلك أن يُدَّعى أنَّ في نِعمَ وبئسَ ضميرًا، وفَحلاً وفتاةً وزادًا تمييز لذلك الضمير، وتأخرَّ عن المخصوص على جهة الندور، كما روي نادرًا: نِعمَ /زيدٌ رجلاً، على نية التقديم، أي: نِعمَ رجلاً زيدٌ، والفحل والفتاة والزاد هي المخصوصة، وفَحلُهم وهندُ وزادُ

стр. 3294

أبيك أبدال من المرفوع قبلها، والتقدير: والتَّغِلبِيُّون بئسَ فحلاً الفحلُ فَحلُهم، أي: بئسَ فحلاً فحلُهم، ونِعمَ فتاةً هندُ، أي: نِعمَ فتاةً هندُ، وفنعمَ زادًا الزوادُ زادُ أبيك، أي: فنِعمَ زادًا زادُ أبيك، كما تأوَّلنا نِعمَ زيدٌ رجلاً على التقديم والتأخير، أي: نِعمَ رجلاً زيدُ. وهذا تأويل سائغ سهل، وفيه إبقاءُ نِعمَ على ما فيها من الإضمار وتفسير ذلك المضمر بالاسم المنصوب. وفصَّل بعض أصحابنا، فقال: إن أفاد التمييز معنًى لا يفيده الفاعل جاز، نحو: نِعمَ الرجلُ رجلاً فارسًا زيدُ، لمًّا وصف التمييز بقوله فارسًا أفاد ما لم يُفده الفاعل. واستدلَّ هذا المفصَّل على ما اختاره بقول أبي بكر بن الأسود: ذَرِينِي أَصْطَبِحْ، يا هندُ، إنِّي ... رأيتُ الموتَ نَقَّبَ عن هِشام تَخَيَّرَهُ، ولَمْ يَعْدِلْ سِواهُ ... فَنِعْمَ الحيُّ مِنْ حَيِّ تَهامِي ويروى: فَنِعْمَ الَمرءُ مِنْ رَجُلٍ تَهامي، وبقول الكَرَوَّس بن حصْن: وقائلةٍ: نِعْمَ الفَتَى أنتَ مِنْ فَتًى ... إذا الُمرْضِعُ الهوجاءُ جالَ بَريمُها وصف حيَّا بتَهامٍ، فأفاد ما لم يُفده الفاعل. وأراد بفتًى مُتَفَتَّ، وأعمله في الظرف، فأفاد ما لم يُفده الفتى.

стр. 3295

وقد تُؤُوَّلَ «مِن حَيِّ تَهام» على أنَّ «مِن» فيه مبعَّضة، فليس بتمييز، فكأنه قال: نِعمَ الحيُّ كائنًا مِن بعضِ الحيِّ التِّهاميّ، أي: فَخِذًا منه. وأمَّا «إذا» فالعامل فيها نِعمَ. ويحتمل أن يكون في نِعمَ ضمير، ومِن فتًى: تفسير لذلك الضمير، والفتي هو المخصوص، وأنتَ بدل منه، وليس هو الفاعل، والتقدير: نِعمَ مِن فًتى الفتى أنتَ، أي: نِعمَ مِن فًتى أنتَ. وقال بعض شيوخنا: «يجوز قليلاً على جهة التوكيد، حكي: نِعْمَ القتيلُ قتيلاً أصلحَ الله به بين فئتين». وتلخَّص لنا في هذه المسألة ثلاثة مذاهب: المنع، والجواز، والتفصيل بين أن يزيد معنًى على الفاعل فيجوز، أوْ لا فلا. ومِن أحكام هذا التمييز أنه لا تدخل عليه «مِن» إلا في ضرورة شعر، نحو: مِن حَيُّ تَهام، ومِن فتًى، فلا يجوز في الكلام: نِعمَ من رجلٍ زيدٌ. وقوله ولا يمتنع عندهما إسناد نِعمَ وبئسَ إلى «الذي» الجنسية ذكر المصنف في الشرح أنَّ ظاهر قول الأخفش أنه [لا] يجيز: نِعمَ الذي يفعل زيدٌ، ولا يجيز: نِعمَ مَن يفعلُ زيدٌ، قال: «ولا بنبغي أن يُمنع؛ لأنَّ (الذي يفعل) بمْنزلة (الفاعل)، ولذلك اطَّرد الوصف به، ومقتضى النظر الصحيح ألاَّ يجوز مطلقًا، ولا يُمنع مطلقًا، بل إذا قُصد به الجنس جاز، وإذا قُصد به العهد مُنِع» انتهى. فأجاز أبو العباس والفارسي أن تقول: نِعمَ الذي بُعث بالرسالة محمدُ ﷺ ، كما يقال: نِعمَ المبعوثُ بالرسالة محمدُ ﷺ -

стр. 3296

ومنع ذلك الكوفيون، وجماعة من البصريين، منهم ابن السراج، وأبو عمر في «الفرخ»، قال: لا تكون الأسماء الموصولة فاعل نِعمَ على كل وجه، ولم يَرد /به سماع، والقياس المنع؛ لأنَّ كل ما كان فاعلاً لِنعمَ، وكان فيه أل ــ كان مفسِّرًا للضمير المستتر فيها إذا نُزعت منه، و (الذي) ليس كذلك. وأمَّا مَنْ وما الموصولتان إذا أريدَ بهما الجنس فذهب قوم من النحويين إلى أنه يجوز أن تكونا فاعلَين لِنعمَ وبئسَ، واستدلُّوا على ذلك بالقياس والسماع ــ وهو اختيار المصنف، ذكر ذلك في شرحه ــ قال صاحب «البسيط»: «أمَّا القياس فلأنهما بمعنى الذي والتي، وهما فاعلان لهما لوجود الألف واللام باتَّفاق لصحة معنى الجنس» انتهى. وهذا وهم من صاحب «البسيط» وعدم اطِّلاع في قوله «إنَّ الذي والتي يكونان فاعلَين لِنعمَ وبئسَ باتَّفاق»، وقد ذكرنا أنَّ المنع مذهب الكوفيين وجماعة من البصريين، وذكرنا أنه لم يَرد به سماع، ولا يقتضيه قياس. وأمَّا السماع فاستدلُّوا بقوله تعالي ﴿فَنِعِمَّا هِىَ﴾، وتقدم الكلام على «ما» إذا اتصلت بنِعمَ وبئسَ، وفيه عدة أقول، وبقول الشاعر: وكيفَ أرهَبُ أمرًا، أو أُراعُ لَهُ ... وقد زَكَأتُ إلى بِشرِ بنِ مَرْوانِ؟

стр. 3297

فَنِعْمَ مَزْكأُ مَنْ ضاقَتْ مَذاهِبُهُ ... ونِعْمَ مَنْ ... هُوَ في سِرِّ وإغْلانِ فظاهر «مَن» أنها موصولة، وقد وقعت فاعلة لنِعمَ، ووقع مَزكأ ــ وهو مضاف لِمَنْ، وهي موصولة ــ فاعلاً لنِعمَ. والصحيح المنع، ولا حجة في البيت لا حتمال أن تكون «من» مِن قوله «فنِعمَ مَزكأُ مَن ضاقت» نكرة موصوفة، كما قال: رُبَّ مَنْ أنْضَجْتُ غَيظًا صَدرَهُ ... ........................................... وتكون نِعمَ قد رفعت النكرة المضافة إلى نكرة على ما ثبت بنقل الأخفش وغيره أنَّ ذلك لغة للعرب. وأمّا «ونِعمَ مَن هو» فتأوَّله أبو عليّ على أنه تمييز، وفي نِعمَ ضمير، ومَن تفسير له، فهو في موضوع نصب. وقال المصنف في الشرح رادَّا على أبي عليّ: «لا يصحُّ لوجهين: أحدهما: أنَّ التمييز لا يقع في الكلام بالاستقراء إلا بنكرة صالحة للألف واللام، ومَن بخلاف ذلك، فلا يجوز كونها تمييزًا. الثاني: أنَّ الحكم عليها بالتمييز عند القائل به مرتب على كون من نكرة غير موصوفة، وذلك منتفٍ بإجماع في غير محل النِّزاع، فلا يصار إليه بلا دليل عليه» انتهى.

стр. 3298

ولأبي عليّ أن يقول: مَن هنا نكرة غير موصوفة، وليس الجملة التي بعد مَن ـ وهي: هو في سِرِّ وإعلان ــ في موضع الصفة لَمنْ، بل مَن تمييز، و «هو» هو المخصوص بالمدح، وهو عائد على بشر بن مروان، وهو الممدوح. وقوله ونَدَرَ نِعْمَ زيدُ رجلاً قال المصنف في الشرح: «وأمَّا ما رُوي من قول بعضهم نِعمَ زيدُ رجلاً فُيحمل على أنَّ الأصل فيه: نِعمَ رجلاً زيدُ، على أن الفاعل مضمر، ورجلاً مفسِّره، وزيدُ مبتدأ، خبره نِعمَ وفاعلها، وليس فيه شذوذ إلا بكون التمييز مسبوقًا بالمبتدأ، فيكون في ذلك نظير قول الشاعر: والتَّغْلِبِيُّونَ نِعْمَ ... الفَحْلُ فَحْلُهُمُ فَحْلاً .................................» البيت» انتهى وهذه المسألة فيها خلاف: /ذهب البصريون إلى أنه يجب تقديم التمييز على المخصوص، فلا يجوز: نِعمَ زيدُ رجلاً، وقد منعَ من ذلك س في كتابه. وذهب الكوفيون إلى جواز ذلك، وهو قبيح عند الفراء. وتقدَّم مذهبهم في ذلك، وهو أنه ليس في نِعمَ وبئسَ ضمير، وإنما هما رافعان لزيد، وانتصب رجلاً علي الحال عند الكسائي، وعلى التمييز عند الفراء. وقوله ومرَّ بقومٍ نِعْمُوا قومًا هذه أيضًا مسألة خلاف: ذهب س والبصريون إلى أنَّ الضمير الذي في نِعمَ رجلاً زيدُ شرطه أن يكون مفردًا، سواء أكان تمييزه مفردًا أم مثَّنى أم مجموعًا. وأجاز قوم من الكوفيين تثبية هذا الضمير وجمعه،

стр. 3299

فتقول: قومُك نِعْمُوا رجالاً، وأخواك نِعْما رجلَين. وروى ذلك الكسائي عن العرب، وحكى الأخفش في كتابه «الكبير» عن أبي محمد وأبي صالح الأسديين: نِعْما رجلَين الزيدان، ونعْمُوا رجالاً الزيدون، ونِعِمْتُم رجالاً الزيدون، ونِعِمْتُم رجالاً، ونِعِمْنَ نساءً الهنداتُ، ثم قال: «إني لا آمن أن يكونا قد فُهِّما التلقين» انتهى. وقال س: «واعلم أنك لا تُظهر علامة المضمرين في نِعمَ، لا يقولون: نِعْمُوا رجالاً، يكتفون بالذي يفسَّره» انتهى. وقوله ونِعْمَ بهم قومًا قال المصنف في الشرح ٦: «ومَن قال نِعمَ بهم فمراده نِعْمُوا، ولكن زاد باء الجر في الفاعل كما زيدت في كفى بالله» انتهى. وقوله ونِعمَ عبدُ الله خالدُ، وبئسَ عبدُ الله أنا إن كان كذا، وشهدتُ صفِّينَ وبئسَتْ صفُّون قال المصنف في الشرح: «وإذا ثبت أنَّ مميِّز هذا الباب قد يُحذف للعلم به أَمكنَ أن يُحمل عليه ما أَوهمَ بظاهره أنَّ الفاعل فيه عَلَمُ أو مضاف إلى عَلَم، كقول ابن مسعود ــ ﵁ ــ أو غيره من العبادلة: (بئسَ عبدُ الله أنا إن كان كذا)، وكقول النبي ــ ﷺ ــ: (نِعمَ عبدُ اللهِ خالدُ بنُ الوليد)، فيكون

стр. 3300

بئسَ ونِعمَ مُسنَدَين إلى ضميرين حُذف مفسراهما، وعبد الله مبتدأ، وأنا وخالد بدلان. ومن هذا النوع أيضًا قول سهل بن حُنيَف ﵁: (شَهدتُ صِفِّين وبئسَتْ صفُّونَ)» انتهى. يعني أن يكون التقدير: نِعمَ رجلاً عبدُ الله خالدُ، وبئسَ رجلاً عبدُ الله أنا، وبئستْ بقعةً صفُّون» انتهى. وهذا التخرج الذي خرَّجه مبنيّ على جواز حذف التمييز، وتقدم الكلام فيه، والصحيح منع حذفه. وما روي من نحو (نِعمَ عبدُ الله خالد) أجاز الجرمي القياس عليه، فأجاز: نِعمَ عبدُ الله زيدُ. ومنعَه عامة النحويين، وهو الصحيح؛ لأنه إن كان عَلَمًا فلا يجوز من حيث لم يجز: نِعمَ زيدٌ، وإن كان عبد الله واحدًا من العبيد أضيف إلى الله تعالى فلا يجوز أيضًا؛ لأنَّ اسم الله تعالى عَلَمُ وإن كانت فيه أل، فكما لا يجوز نِعمَ غلامُ زيدٍ عمرُو فكذلك لا يجوز: نِعمَ عبدُ الله هذا، وقد جاء في الشعر، قال: بِئْسَ ... قَومُ ... الله ... قَومُ ... طُرقُوا ... فَقَرَوْا ... جارَهم ... لَحْمًا ... وَحِرْ وسهَّل هذا كون «قوم الله» يقع على ما يقع عليه القوم إذا أدخلتَ عليه أل، وهو مع ذلك /مضاف في اللفظ إلى ما فيه أل. وإن لم تكن أل معرفة، ولا ينبغي أن يقاس على هذا؛ لأنَّ فاعل نِعمَ وبئسَ إذا كان مضافًا إلى ما فيه أل فإنه يجوز نزع أل وتنكيره وجعله تفسيرًا للضمير المستكنّ في نعمَ وبئسَ؛ فتقول في نعمَ أخو العشيرة زيدُ: نعمَ أخا عشيرٍة زيدُ، ولا يجوز مثل هذا في «بئسَ قومُ الله قومُ طُرقوا».

стр. 3301

وأمَّا ما جاء من قولهم نِعمَ العُمَرُ عمرُ بن الخطاب فهو من تنكير العلم، كقولهم: لا هَيْثَمَ الليلةَ لِلْمَطِيَّ فكأنه قال: نِعمَ المتسمّون بهذا الاسم. وقد جاء اسم الإشارة معمولاً لبئسَ في الشعر، قال: بئسَ هذا الحيُّ حَيَّا ناصرًا ... ليتَ أَحياءَهُمُ فِيمَنْ هَلَكْ وهذا البيت فيه شذوذ من حيث رَفعت بئسَ اسم الإشارة، ومن حيث الجمع بين الفاعل الضاهر والتمييز. وهو محتمل التأويل على أنَّ في بئسَ ضميرًا، وحيَّا ناصرًا تفسيره، تأخر في الشعر، و «هذا الحيّ» هو المخصوص بالذم، والتقدير: بئسَ حيَّا ناصرًا هذا الحيُّ. ص: ويُدَلُّ على المخصوص بمفهومَي نِعمَ وبئسَ، أو يُذكَرُ قبلهما معمولاً للابتداء أو لبعض نواسخه، أو بعدَ فاعلِهما مبتدأً، أو خبرَ مبتدأ لا يظهر، أو أَوَّلَ معمولَي فعلٍ ناسخ. ومن حَقّه أن يختصّ ويصلح للإخبار به عن الفاعل موصوفًا بالممدوح بعد نِعمَ وبالمذموم بعد بئسَ، فإن بايَنَه أُوِّل. وقد يُحذف، وتَخلُفه صفتُه اسمًا وفعلاً. وقد يغني متعلِّقُ بهما. وإن كان المخصوص مؤنثًا جاز أن يقال: نِعْمَتْ وبِئسَتْ مع تذكير الفاعل.

стр. 3302

ش: المخصوص هو المقصود بالمدح أو الذم. ومعنى يُدَلُّ عليه أي: يُحذف للدلالة عليه بما قبله، كقوله تعالى (إنا وجدنه صابرا نعم العبد)،أي: نِعمَ العبدُ أَيُّوبُ، وقال الشاعر: إنِّي اعْتَمَدتُكَ يا يَزيـ ... ـدُ، فَنِعْمَ مُعْتَمَدُ الوَسائلْ أي: أنتَ. وفي «البسيط» ما نصه: ولا بُدَّ من ذكر الممدوح أو المذموم المقصود باسمه الخاصِّ به في جملة المدح أو الذمِّ إمَّا لقظًا أو نِيَّة، أمَّا النيَّة فكقوله تعالى (فنعم المهدون) أي: نحن، وقوله تعالى ﴿نعم العبد﴾ يريد: أَيُّوب. وذهب بعض المتأخرين إلى أنه لا يجوز نِيَّة إلا إذا تقدَّم ذكره؛ لأنه محتاج له ذكرًا لِما تذكره، ولا يُحذف نِيَّة لأنها لا تستقلّ، فهو كالعوض لها من التصرف، ولأنهم لَمَّا مدحوا الجنس، وأعرضوا عن المقصود ــ وهو الشخص ـ كان ذكره بدلاً من الإعراض في الفاعل، فلو حُذف لَمَا عُلم الممدوح رأسًا، ولا يكون، وأمَّا الآيتان فقد فيهما ذكر المحذوف، لقوله (إنا وجدنه)، وقوله (والأرض فرشنها)، فلو لم يتقدم لم يجز، فكأنه قال: والأرضَ فرشناها فنحن ٥ الماهدون). والأكثرون لم يشترطوا التقدم؛ لأنه خبر ابتداء، وهو يُحذف للعلم والاختصار. وقوله أو يُذكَرُ قبلَهما معمولاً للابتداء /مثاله: زيدُ نِعمَ الرجلُ، وعمرُو وبئسَ الغلامُ، وزيدُ نِعمَ رجلاً، وعمرُو بئسَ رجلاً، ولا خلاف أنَّ الجملة بعد المبتدأ

стр. 3303

في موضع الخبر، سواء أقيل بفاعليَّة نِعمَ وبئسَ أم باسميَّتهما. وجَوَّزوا في قول من قال باسميَّة نِعمَ وبئسَ إعرابَهما مبتدأ، والمخصوص الخبر، والعكس. وفي الرابط لهذه الجملة بالمبتدأ أربعة مذاهب: أحدها: ما ذهب إليه الجمهور، وهو أنَّ الربط حصل بالعموم الذي في مرفوع نِعمَ وبئسَ؛ لأنَّ أل للجنس، والجنس انتظم زيدًا. قالوا: ومن الربط بالعموم قولُه تعالى ﴿والذين يمسكون بالكتب وأقاموا الصلوة إنا لا نضيع أجر المصلحين﴾،، وقول الشاعر: فأمَّا الصُّدورُ لا صُدُورَ لِجَعْفَرٍ ... ولكنَّ ... أَعْجازًا شَديدًا ... ضَريرُها وقولُ الآخر: فأمَّا القتال لا قِتالَ ... لَدَيكُمُ ... ولكنَّ ... سَيرًا في عِراضِ الَمواكِبِ وتُؤُؤِّل هذا كله على أنَّ الرابط فيه ليس العموم، وإنما الرابط وضع الظاهر موضع المضمر، أي: فأمَّا الصدورُ فلا هي لجعفر، وأمَّا القتال فلا هو لديكم. وزعموا أنَّ الشاهد على الربط بالعموم قول الشاعر: ألا ليتَ شِعري هل إلى أُمِّ مالكٍ ... سبَيلُ، فأمَّا الصبَّرُ عنها فلا صَبْرَا وقال أبو زيد السهيلي: «لو صحَّ ذلك لجاز أن تقول: زيدُ لا رجلَ في الدار». وقال غيره: «وكذلك كان يصحُّ: ما زيدُ قائمًا أحدُ، وما زيدُ قائمًا ولا

стр. 3304

ذاهبًا أحدُ، ونحو». وأُجيبَ عن هذا بأنه لم يوضع ما بعد هذه أن يكون للجنس كما وُضع في المدح والذم. وذهب أبو محمد بن السيِّيْد البَطَلْيَوْسي إلى أنَّ الرابط محذوف، والتقدير: زيدُ هو نِعمَ الرجلُ، فزيدُ: مبتدأ، وهو: مبتدأ ثانٍ، ونِعمَ الرجلُ جملة في موضع خبر هو، والجملة من قوله هو نِعمَ الرجلُ في موضع خبر زيد، والرابط هو، وهو المبتدأ الثاني. ورُد عليه بأنَّ «هو» هذا المقدَّر المعرب مبتدأ قد أخبرتَ عنه بقولك: نِعمَ الرجلُ، فيحتاج إلى تقدير هو أخرى، والقول في هو هذه الأخرى يحتاج إلى تقدير هو أخرى، فيؤدي إلى تقدير مبتدآت لا نهاية لها، وذلك لا يجوز. قال بعض أصحابنا: ولابنِ السِّيد أن يقول: لا يلزم هذا؛ لأنَّ الجملة إذا كانت خبرًا عن الاسم المصمر هي من جهة المعنى خبر عن الظاهر الذي المضمرُ كنايةُ عنه؛ وإذا كان كذلك لم يحتج الضمير إلى ضمير، وهذا صحيح، والربط معنوي، فلا يلزمه ذلك. وذهب ابن الطّراوة إلى أنه لا يحتاج إلى تقدير «هو» قبل الجملة، بل «نِعمَ الرجلُ» تحمَّل الضمير؛ لأنَّ مذهبه أنَّ التركيب أصاره اسمًا بمعنى الممدوح أو المذموم، فتحمَّل الضمير الذي يتحمَّله الممدوح أو المذموم. وذهب القائلون بأنَّ أل للعهد إلى أنَّ الربط حصل بتكرير المبتدأ باسمٍ هو المبتدأ من /حيث المعنى؛ وذلك جارٍ على مذهب أبي الحسن في إجازته: زيدُ قام أبو عمرو، إذا كان أبو عمرو كنيةً لزيدٍ، وكما جاز أن يربط بالظاهر الذي

стр. 3305

ليس بالموصول جملة الصلة في نحو قولهم: أبو سعيدٍ الذي رويتُ عن الخدري، يريدون: رويتُ عنه ـ جاز ذلك هنا. وإذا قلت زيدُ نِعمَ رجلاً فتجيْ هذه المذاهب إلا على مذهب ابن الطراوة، فالرابط هو الضمير الذي رَفَعَتْه نِعمَ وبئسَ، لكنه حُذف. وقوله أو لبعضِ نَواسخه يعني أنَّ المخصوص يكون معمولاً لبعض نواسخ الابتداء، مثاله في باب كان قوله: إذا ... أَرسَلُوني عندَ ... تَقديرِ حاجةٍ ... أُمارِسُ فيها، كُنتُ نِعْمَ المُمارسُ ومثاله في باب إنَّ قوله: إنَّ ابنَ عبدِ الله نِعْـ ... ـمَ أَخُو النَّدى وابنُ العَشيرَهْ وقولُه: إنِّي إذا أُغْلِقَ بابُ الصَّيْدَن ... نِعْمَ شَفيعُ الزائرِ المُسْتأذِنِ ومثاله في باب ظنَّ: ظننت زيدًا نِعمَ الرجلُ، وقولُ زهير: يَمينًا لَنِعْمَ السِّيِّدانِ وُجِدتُما ... على كُلِّ حالٍ من سَحيلٍ ... ومُبْرَمِ

стр. 3306

وقوله أو بعدَ فاعلِهما مبتدأً مثاله: نِعمَ الرجلُ زيدُ، وبئسَ الغلامُ عمرُو، والجملة قبلهما خبر عنهما، وذلك كما كانت خبرًا حالة تقدُّم المخصوص، وتقدَّمت الجملة كما تقدَّمت حين وقعتْ خبرًا للمبتدأ المتأخر في قول الشاعر: قد ثَكِلَتْ أُمُّه مَنْ كُنْتَ واحِدَهُ ... وصار مُنْتَشِبًا في بُرْثُنِ الأسَدِ ولذلك ساغ عود الضمير من الجملة على مَن، وإن كان متأخرًا في اللفظ؛ لأنَّ النية بالجملة التأخير. وإعرابه مبتدأ مع التأخر ــ ولا يجوز غيره ــ هو مذهب س، على ما نبيِّنه إن شاء الله، وهو اختيار ابن خروف وهذا المصنف. وقوله أو خبرَ مبتدأ لا يظهر هذا الإعراب نُسب إلى س، وممن نسبه إلى س هذا المصنف في الشرح، قال فيه: «وأجاز س كون المخصوص خبر مبتدأ واجب الإضمار». ثم أخذ في ردِّ هذا القول ناقلاً كلام ابن خروف من حيث المعنى. وأجاز هذا الإعرابَ فيه جماعة، منهم السيرافي وأبو علي والصَّيْمَريُّ وأجاز جماعة أن يكون مبتدأ حُذف خبره. وذكر ابن عصفور أنَّ هذين الإعرابين مذهب الجمهور.

стр. 3307

وأبطل المتأخرون الأمرين بوجهين: أحدهما: أنه إمَّا أن تقدر مرفوعًا، هو الممدوح، وهو محذوف، أو لا، فإن لم تقدر كان الممدوح محذوفًا من جملة المدح لأنَّ ما بعده مستقلّ، وقد تقدَّم أنه لا بدَّ منه، ولا تستقلُّ بنفسها، وإن أضمر فيكون التقدير في قولك نِعمَ الرجلُ زيدٌ: زيد هو نِعمَ الرجلُ، ويقع الكلام في هو، فيؤدي إلى التسلسل، وقد أبطلنا ذلك في قولك: زيدٌ نِعمَ الرجلُ، في تقدير /ابن السِّيد: زيدٌ هو نِعمَ الرجلُ. والوجه الثاني: إمَّا أن يكون الضمير الكائن في الجملة الابتدائية يعود على شيء من جملة المدح أو لا، فإن عاد فليس فيها ما يعود عليه إلا الفاعل، وهو جنس، فلا يخبر عنه بالشخص، وإن لم يكن عائدًا على شيء من الجملة كان على غير متقدم ولا متأخر، وذلك لا يجوز. وقال ابن خروف: «ثبت باتفاق كونه مبتدأ بدليل جواز دخول ناسخ الابتداء عليه، ولا دليل على جواز الوجهين الآخرين مع تكلف الإضمار، فينبغي ألا يقال به» انتهى. ولو كان يجوز فيه أن يكون خبرًا لمبتدأ لانتصب في قولك: نِعمَ الرجلُ كان زيدُ؛ لأنَّ ذلك المضمر يصير اسمًا لكان، فيلزم نصب زيد، ولا تَّصل منصوبًا أو انقصل بكان في قولك: نِعمَ الرجلُ أنتَ، إذا أَدخلتَ كان، فكنت تقول: نِعمَ الرجلُ كانك أو كان إياك، ولا يقال، إنما يقال: نِعمَ الرجلُ كنتَ. ولو كان خبر مبتدأ محذوف للزمَ حذف الجملة رأسًا في نحو ﴿نِعْمَ العَبدُ﴾؛ إذ يصير التقدير: أيُّوبُ الممدوح، ولا يجوز حذف الجملة رأسًا، إلا إن كان في الكلام ما ينوب عنها، نحو: نَعَمْ، وبِلِى، ولا، ونحوها من حروف الجواب.

стр. 3308

وللزم أيضا كون هذه الجملة لا تكون متعلقة بالأولي؛ لأنها لا موضع لها من الإعراب، وليست مفسِّرة؛ إذ المفسِّرة يجوز أن يُستغنَى عنها بالجملة التي قبلها، ولا يجب ذكرها، وهذه ليست كذلك، ولا هي جملة اعتراض. وللزمَ أيضًا حذف جملتين لا دليل على حذفهما، وهي جملة السؤال وجملة الجواب. وأيضا فالمفهوم من قولك: نِعمَ الرجلُ زيدٌ، وزيدٌ نِعمَ الرجلُ ــ واحد، فكما لا يُتَوَهَّم في زيدُ نعمَ الرجلُ أنه على كلامين، فكذلك في: نِعمَ الرجلُ زيدٌ. وقال المصنف في الشرح: «ومن لوازم كونه خبرًا قبل دخول كان أن يقال: نِعمَ الرجالُ كانوا الزيدين، ونِعمَ النساءُ كُنَّ الهنداتِ، ونِعمَ الرجلُ ظَننته زيدًا، ونِعمَ الرجلان وُجدا إياكما، لكنَّ العرب لم تقل إلا: نِعمَ الرجالُ كان الزيدون، ونعمَ النساءُ كانت الهندات، ونعِمَ الرجلُ ظننتُ زيدًا، ونِعمَ الرجلان وُجدتما، فعُلم بهذا أنَّ المخصوص لم يكن قبله ضمير، فيكون هو خبره بل كان مبتدأ مخبرًا عنه بجملة المدح أو الذم». قال: «ومِن لوازم ذلك جواز دخول إنَّ؛ لأنَّ الخبر والمخبر عنه عند من يري صحة ذلك جملة خبرية أُجيب بها سؤال مقدر، وتوكيد ما هو كذلك بإنَّ جائز، والجواز هنا مُنتَفٍ مع أنه من لوازم الخبرية، فالخبرية إذًا منتفية؛ لأنَّ انتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم. وأمَّا على القول بكول المخصوص مبتدأَ مقدَّم الخبر فيلزم منه موافقة الواقع، وهو امتناع دخول إنّ إلا مع تقدُّم المخصوص، كقولك: إنَّ زيدًا نِعمَ الفتى» انتهى، وفيه بعض تلخيص. ولقائلٍ أن يقول: الذي قال فيه إنه خبر مبتدأ محذوف لم يقل ذلك على سبيل الوجوب، بل على سبيل الجواز، ويمكن أن العرب حين أدخلت الناسخ لم تُراع هذا الجائز، بل راعت الجائز الآخر، وهو أن يكون مبتدأ؛ لأنها التزمت حذف

стр. 3309

هذا المبتدأ، فلو راعت هذا الجائز الثاني /عند دخول الناسخ لكان نقضًا لِما اعتزما عليه من الحذف؛ لأنه إذا ذاك يَبرز في كان وأخواتها في التثنية والجمع، وفي ظننت وأخواتها. وقال الأستاذ أبو الحسن بن الباذِش: «لا يجيز س أن يكون المختصُّ بالمدح والذم إلا مبتدأَ في: نِعمَ الرجلُ زيدُ، وبئسَ الرجلُ عمرُو، كما كان في: زيدُ نِعمَ الرجلُ، وعمرُو بئسَ الرجلُ، وتكون الجملة في موضع رفع، وذلك أنَّ نِعمَ وبئسَ لا يتم المعنى المقصود بهما إلا باجتماع المختصَّ بالمدح والذم مع الجنس الذي هو منه، فلا يتقدر على هذا إلا مبتدأً، كما لا يتقدر ذهب أخوه زيدٌ إلا مبتدأ، وهذا يقتضي تشبيه نِعمَ به. ويدلُّ علي فساد الوجه الآخر أنَّ الاسم المختصَّ بالمدح والذم يجوز حذفه، فإذا كان خبر المبتدأ محذوفًا، ثم حُذف هو ــ آل إلى حذف الجملة كلها، وذلك غير جائز» انتهى. وبهذا قوَّى أبو الفتح كونه لا يكون إلا مبتدأ. وقال س: «وأمَّا قولهم نِعمَ الرجلُ عبدُ الله فهو بمنْزلة: ذهبَ أخوه عبدُ الله، عَمِلَ نِعمَ في الرجل، ولم يَعمل في عبد الله. وإذا قال عبدُ الله نِعمَ الرجلُ فهو بمنْزلة: عبدُ الله ذهبَ أخوه». فسوَّى س بين التركيبين تأخير المخصوص وتقديمه. ثم قال س: «كأنه قال: نِعمَ الرجلُ فقيل له: مَن هو؟ فقال: عبدُ الله وإذا قال عبدُ الله فكأنه قيل له: ما شأنُه؟ فقال: نِعمَ الرجلُ» انتهى.

стр. 3310

فلم يُرد س بقوله «من هو» أنَّ الكلام على جملتين إذا تأخر المخصوص، كما لم يُرد ذلك «إذا قال: عبدُ الله، فكأنه قيل له: ما شأنُه؟ فقال: نِعمَ الرجلُ» لأنَّ عبد الله حالة التقديم يستحيل أن يكون جملة، وإنما أراد أنَّ تَعَلُّقَ المبتدأ بالخبر والخبر بالمبتدأ تَعَلُّقُ لازم، فإذا بدأتَ بالمبتدأ احتجتَ إلى خبر، وإذا بدأتَ بالخبر احتجتَ إلى مبتدأ، لا أنَّ ذلك على جملتين، فإذا قلت «ذهب» فكأنه قيل لك: مَن الذاهبُ؟ وإذا قلت «زيدٌ» فكأنه قيل لك: ما شأنه؟ وبأن بهذا النص من س فساد نسبة ذلك لـ «س»، كما فعل المصنف في قوله إنّ س أجاز أن يكون خبر مبتدأ واجب الإضمار، وأنه لم يتصفح كلامه، أو قَلَّدَ مَن نَسب ذلك إلى س. وقال ابن عصفور: «الذي يدلُّ على أنه إذا تأخَّر لا يلزم فيه أن يكون مبتدأ والجملةُ خبر قولُهم: نِعمَ البعيرُ جملُ، ونِعمَ الإنسانُ رجلُ، ونِعمَ مالاً ألفُ، ومنه قوله ــ ﵇ ـ: (نِعمَ المالُ أربعون، والكثيرُ ستُّون، وويلُ لأصحابِ المئين إلا مَن أعطى الكريمة، ومَنَحَ الغزيرة، ونَحَرَ السمينة، وأَطعَم القانعَ والُمعْتَزَّ)، فأربعون وألف ورجل وجمل أخبار لمبتدآت مضمرة، ولا يجوز أن تكون مبتدأة، وما قبلها خبر لها؛ لأنها نكرات، ولا مسوِّغ للابتداء بها، وإذا ثبتَ جعله خبرَ مبتدأ محذوف لفهم المعنى فلا مانع يمنع من جواز جعله مبتدأ، والخبر محذوف لفهم المعنى» انتهى كلامه. وما ذهب إليه من تعيُّن هذه الأسماء النكرات لأن تكون خبر مبتدأ محذوف، وامتناع أن تكون مبتدآت لكونها نكرات، ولا مسوَّغ للابتداء بها ــ غير صحيح، بل فيها مسوِّغان: أحدهما ذكره هو في باب /المبتدأ والخبر، والآخر ذكره غيره:

стр. 3311

فأمَّا الذي ذكره هو فهو أن تكون النكرة لا تُراد لعينها، فهذا عنده من المسوِّغات لجواز الابتداء بالنكرة، وجَعل من ذلك قول الشاعر: مُرَسَّعةُ ... بينَ ... أرْساغِهِ ... بهِ عَسَمٌ يبتَغي أرْنَبا قال: «النكرة هنا لا تراد لعينها؛ ألا ترى أنه لا يريد مُرَسَّعة دون مُرًسَّعة». وقال أيضًا: «وينبغي أن يزاد في شروط الابتداء بالنكرة أن تكون النكرة لا تُراد لعينها، نحو: رجلُ خيرُ من امرأة، تريد: واحدُ من هذا الجنس أيّ واحد كان خيرٌ من كل واحدة من جنس النساء، إلا أنَّ معناه يؤول إلى العموم، إلا أنه يخالف العموم في أنه يدلُّ علي كل واحد على جهة البدل، أعني أنه لا يتناول الجميع دفعةً واحدة، وكلُّ يتناول الجميع في دفعة واحدة» انتهى كلامه. فالمسوَّغ الموجود في قولهم: رجلُ خيرُ من امرأة، وتمرةُ خيرُ من جرادة، ومُرَسَّعةُ بين أرساغه ــ هو بعينه موجود في قولهم: نِعمَ البعيرُ جملُ، ونِعمَ مالاً ألفُ؛ لأنهما نكرتان لا ترادان لعينهما، بل حُكم على واحدٍ من الجمال بأنه نِعمَ البعير، وعلى واحد من الألف بأنه نِعمَ المال. فعلى هذا الذي تقرر يجوز أن يتقدم، فتقول: جملُ نِعمَ البعيرُ، وألفُ نِعمَ مالاً. والمسوِّغ الذي ذكره غيره هو أنه يجوز أن يكون نكرة إذا كان خبره جملةً مشتملة على فائدة، إلا أنه يجب تأخيره، وذلك نحو: قصدَ غلامَه رجلُ، فإنه جائز جواز «عندك رجلُ»؛ لأنَّ في تقديم الجملة ما في تقديم الظرف من رفع توهُّم

стр. 3312

الوصفية مع عدم قبول الابتداء، فعلى ما قَرَّرَ هذا المقرِّر يكون جملُ مبتدأ، وقد تقدَّمَتْه جملة مشتملة على فائدة، وهي: نِعمَ البعيرُ، إلا أنه لا يجوز تقديم هذا المبتدأ على هذا المسَّوغ؛ لأنَّ تقديم الخبر هنا مسوِّغُ لجواز الابتداء بالنكرة. واستشهد بعض النحويين على أنَّ المخصوص حالة التأخير خبر مبتدأ محذوف بقول العرب: شَدَّ ما أنك ذاهب، قال: فـ «ما» منصوبة على التمييز، وأنك خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: شَدَّ شيئًا، ثم أوضح، فقال: هو أنَك ذاهب. ولا يتوجه في «أنَّ» هنا إلا هذا الإعراب؛ إذ لا تكون مبتدأة. وقيل: يجوز أن تكون فاعلةً بـ «شَدَّ». وكذلك: عَزَّ ما أنك ذاهب. وقال الفارسي: «لا يظهر المبتدأ الذي زيدٌ خبره بعد: نِعمَ الرجلُ زيدٌ، لا يقال: هو زيدُ، وذلك لأنَّ هاتين الجملتين قد انعقدتا انعقاد الجملة الواحدة، فطالتا، فاستخَفوا حذف المبتدأ البتَّة، وقَوَّى على ذلك أنَّ الجملة الواحدة منهما قد يُضمر فيها الفاعل، فلا يظهر البتَّة، نحو: نِعمَ رجلاً زيدُ، فلمَّا كان موضع إضمار البتَّة كان أيضًا موضع حذف البتة» انتهى. وقد ردَّ بعض أصحابنا على مَن جوَّز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، وأنَّ التقدير: زيدٌ الممدوحُ ــ بأنَّ الذي يقول نِعمَ الرجلُ زيدُ ليس في نفسه نِعمَ الرجلُ زيدٌ الممدوحُ، ولا يمكن أن يُحذف خبرُ مبتدأ إلا وهو مراد في النفس، فُيحذف للعلم به اختصارًا. وإنما حمل على هذا القائلَ به تجويزُ الإعراب من غير التفات إلى المعنى، وذلك ليس بشيء، بل لا ينبغي أن يوجَّه إعراب حتى يصح معناه. وقال /المصنف في الشرح رادَّا على من زعم أنَّ المخصوص مبتدأ محذوف الخبر ما نصه: «هذا غير صحيح؛ لأنَّ هذا الحذف مُلتَزَم، ولم نجد خبرًا يلتزم حذفه إلا ومحلُّه مشغول بشيء يسدّ مسدّه، كخبر المبتدأ بعد لولا، وهذا بخلاف ذلك، فلا يصح ما ذهب إليه».

стр. 3313

وذهب ابن كسيان إلى أنَّ المخصوص بدل من المرفوع. وهو باطل لأنه لا يقال: نِعمَ زيدُ. وأيضًا فإنه يكون بدلاً لازمَ التبعية، وليس في الأبدال ما هو كذلك. وقوله أو أَوَّلَ مَعمُولَيْ فعلٍ ناسخٍ مثالُه قول الشاعر: لَعَمْري لئنْ ... أنْزَفْتُمُ أو صَحَوْتُمُ ... لَبِئسَ النَّدامَي كُنتُمُ، آلَ أَبْجَرَا وقال زهير: يَمينًا لَنِعْمَ ... السَّيَّدانِ وُجِدتُما ... على كُلِّ حالٍ مِن سَحيلٍ ومُبْرَمِ وقوله ومِن حَقَّه أن يختصّ قال المصنف في الشرح ٣: «ومن حق المخصوص بالمدح والذم أن يكون معرفةً أو مقاربًا لها بالتخصيص، نحو: نِعمَ الفتي رجلُ من بني فلان، ونِعمَ العملُ طاعةُ وقولُ معروفُ» انتهي. ويَرد على ما قال قولُهم: نِعمَ البعيرُ جملُ، ونِعمَ الإنسانُ رجلُ، ونِعمَ مالاً ألفُ، و (نِعمَ المالُ أربعون)، فهذه مخصوصات بالمدح لم تختصّ. وقوله ويَصلح للإخبار به عن الفاعل موصوفًا بالممدح بعد نِعمَ وبالمذموم بعد بئسَ، فإن بايَنَه أوِّل قال في الشرح: «كقولك في نِعمَ الرجلُ زيدٌ: الرجلُ الممدوحُ زيدٌ، وفي بئسَ الولدُ العاقُّ أباه: الولدُ المذمومُ العاقُّ أباه» انتهى. وهذا الذي ذكره في الشرح لا يَسُوغ إلا إذا رَفع نِعمَ وبئسَ الظاهر، أمَّا إذا رَفع المضمرَ فإنه لا يَصلح ذلك فيه، بل يُعتبر ذلك في التمييز، فإذا قلت نِعمَ رجلاً زيدُ فالإخبار بما ذكر يكون في التمييز، فتقول: الرجلُ الممدوحُ زيدُ، وكذا في بئسَ.

стр. 3314

وهذا الذي ذكره المصنف من اختيار المخصوص بأن يُخبَر به عن الفاعل موصوفًا بما ذكر هو معنى ما ذكره أصحابنا مِن أنَّ شرط المخصوص ألا يكون أعمّ ولا مساويًا؛ بل يكون أخصّ، فلو قلت: نِعمَ الرجلُ الإنسانُ، أو نِعمَ الرجلُ المرء، لم يجز، بل شرطه أن يكون أخصَّ من الفاعل؛ لأنه إذا كان أعمَّ أو مساويًا لم يكن في الإخبار فائدة. وقوله فإن بايَنَه أُوِّلَ قال أبو موسى: «ومِن شرطه أن يَصدُق عليه اسم الفاعل» أي: اسم المرفوع بنِعمَ وبئسَ، نحو: نِعمَ الرجلُ عبدُ الله، فلا تقول: نِعمَ الفرسُ الرجلُ. وكذلك أن يصدق عليه التمييز، فلو قلت نِعمَ فرسًا عبدُ الله لم يجز. «فأن وقعَ ما يُوهم خلاف هذا يُؤوَّل»، نحو قوله تعالى ﴿بئس مثل القوم الذين كذبوا بايت الله﴾، تأوله أبو علي على وجهين: أحدهما: أن يكون (الذين) في موضع رفع على إضمار مثل، أي: مثلُ الذين، وهو المخصوص بالذم، وحذف، وقام (الذين) مقامه. والثاني: أن يكون (الذين) في موضع جر صفة للقوم، والمخصوص محذوف، أي: بئسَ مَثَلُ القومِ المكذبين مثلُ هؤلاء. وقد ضعف وصف ما يضاف إليه /فاعل نِعمَ وبئسَ لأنَّ فيه تخصيصًا، والتخصيص مباين لعموم الجنس. وقوله وقد يُحذَف وتَخلُفُه صفتُه اسمًا وفعلاً مثال حذفه والصفة اسم: نِعمَ الصديقُ حَليمٌ كريمٌ، وبئسَ المُصاحبُ عَذولٌ خذولٌ. قال المصنف في

стр. 3315

الشرح: «ويكثُر ذلك إذا كانت الصفة فعلاً والفاعل ما، كقوله تعالى ﴿قل بئسما يأمركم به إيمانكم﴾ وكقوله ﴿ولبئس ما شروا به أنفسهم﴾» انتهى. وقد تقدم الخلاف ٤ في هذه المسألة، وهي إذا جاء بعد نِعمَ وبئسَ ما. وقال المصنف في الشرح ٥: «ويَقلُّ إذا لم يكن الفاعل ما، نحو: نِعمَ الصاحبُ تَستعين به فُيعينك، التقدير: صاحبُ تَستعين به فُيعينك». وهذا الذي أجازه المصنف من «نِعمَ الرجلُ تستعين به» قد تقدَّم الخلاف فيه، وأنَّ الكسائى هو الذي أجازه، وأنَّ أكثر النحويين معنوه، وذلك عند الكلام على كون «ما» تكون فاعلةً تامَّةً على مذهب س. وقوله وقد يُغني متعلَّق بهما أي: يٌحذف الموصوف وصفته، ويبقى ما يتعلَّق بهما، أي: ما يقتضيهما من جهة المعنى، نحو قول الراجز: بئسَ مَقامُ الشَّيخِ أمْرِسْ أمْرِسِ ... إمَّا على قَعْوٍ وإمَّا اقْعَنْسِسِ تقديره: بئسَ مَقامُ الشيخِ مَقامُ مَقُولُ فيه أَمْرِسْ أمْرِسْ، فحُذف مَقام ــ وهو الموصوف ــ وصفته ــ وهو: مَقُولُ فيه ــ وبَقيَ ما يطلبهما، وهو معمول القول الجملة الأمرية.

стр. 3316

وقوله وإن كان المخصوص إلى آخر المسألة إذا كان المذكر كُني به عن مؤنث، أو المؤنث كُني به عن مذكر ــ جاز أن تعامله معاملة ما كُني به عنه، فتقول: هذه الدارُ نِعمَتِ البلدُ، وهذا البلدُ نِعمَ الدارُ، قال س: «وأمَّا قولهم: هذه الدارُ نِعْمَتِ البَلَدُ، لّما كان البلدُ الدارَ أقحموا التاء، فصار كقولك: مَن كانت أُمَّك؟ وما جاءتْ حاجتَك؟ ومن قال نِعمَ المرأةُ قال نِعْمَ البلدُ، وكذلك: هذا البلدُ نِعمَ الدارُ، لَمّا كانت البلدَ ذُكِّرَتْ» انتهى. وقال الشاعر: أو حُرَّةٌ عَيْطَلٌ ثَبْجاءُ مُجْفَرَةٌ ... دَعائمَ الزَّور، نِعْمَتْ زَوْرَقُ البَلَدِ الحق علامةَ التأنيثِ والزَّورَقُ مذكر؛ لأنه كَنى به عن الحُرَّة، وهي الناقة. وقال الآخر: نِعْمَتْ كِساُء الضَّجيعِ شَهْلةٌ فُضُلٌ ... غرَّاءُ بَهْكَنةٌ شَنْباءُ عُطْبولُ وقال الراجز: نِعْمتْ جَزاءُ المُتَّقيِنَ الَجَّنهْ ... دارُ الأَمانِي والمَنى والمنَّهْ وترك التاء أجود إذا كان الفاعل مذكرًا قد كُني به عن مؤنث مراعاةً للفظ.

стр. 3317

وفي كلام ابن عصفور في الشرح «الشرح الكبير» ما يوهم أنك إذا قلت «هذا البلدُ نِعمَ الدارُ» لا تلحق العلامة، وإن كان الدار عنيت بها البلد، والدار مؤنثة، والبلد مذكر. وما قاله ابن عصفور ظاهر من كلام س، وهو أنه لا يجوز في «هذا البلدُ نِعمَ الدارُ» التأنيث؛ لأنه قال: «فَلَزِمَ هذا في كلامهم»، لكن القياس يقبله، والنحويون قالوه، فُيحمل كلام س على أنه أراد بالزوم لزومًا أكثريَّا، كما /قال في «كأيِّنْ مِن رجلٍ» إنّ مِنْ لَزمَتْ، ثم صَّرح بأنَّ أكثر العرب هم الذين يُلحقونها لا كلهم. والأحسن في نِعْمَتِ الجاريةُ أختُك التاء، وكذلك في التثنية، وأمَّا في الجماعة من الإناث فالأحسن ترك التاء، نحو: نِعمَ النساءُ أخواتُك. وقال س: «واعلمْ أنَّ نِعمَ تُذَكَّر وتُؤَنث، تقول: نِعْمَتِ المرأةُ، ونِعْمَ المرأةُ، كما قالوا: ذهبَ المرأة، والحذف في نِعْمَتْ أكثرُ». يعني أكثر من الحذف في ذهبتِ المرأةُ؛ لا أنَّ الحذف في نِعْمَتْ إذا كان فاعلها مؤنثًا أكثر من الإثبات. -[ص: وتُلحَق ساءَ ببئسَ، وبها وبِنِعمَ فَعُلَ موضوعًا أو محوَّلاً من فَعَلَ أو فَعِلَ مضمَّنًا تعجُّبًا، ويَكثُر انجرارُ فاعلِه بالباء، واستغناؤه عن الألف واللام، وإضمارُه على وَفْق ما قبلَه.]- ش: قال المصنف في الشرح: «يقال: ساءَ الرجلُ أبو لهب، وساءتِ المرأةُ حمالةُ الحطب، وساءَ رجلاً هو، وساءتِ امرأةً هي، بإجراء ساءَ مُجري بئسَ في

стр. 3318

كل ما ذكر، ولذلك استُغني بـ (ساءَ) عن بئسَ في قوله تعالي ﴿ساء مثلا القوم﴾، وبـ (بئسَ) عن ساءَ في قوله تعالى ﴿بئس مثل القوم﴾، وقد جُمعنا في قوله تعالى ﴿بئس الشراب وساءت مرتفقا﴾ انتهى. وفي كلامه نقد من وجهين: أحدهما: إفراد ساءَ بالذكر، وهي فرد من أفراد فَعُلَ المُجْرى مُجرى بئسَ ونِعمَ، وساءَ في الأصل فعلُ متعدَّ إلى واحد، متصرف، على وزن فَعَلَ، بفتح العين، تقول: ساءَ الأمرُ زيدًا يَسوءُه، فحُوِّل إلى فَعُلَ ــ بضم العين ــ لِما في ذلك من المباغة، فهو مندرج تحت قوله أو مُحَموَّلاً من فَعَلَ، فإفراده بالذكر لا وجه له. النقد الثاني: قوله «إنه استُغني ببئسَ عن ساء في قوله تعالى ﴿بئس مثل القوم﴾. وليس هذا استغناءً؛ لأنَّ ما جاء على الأصل لا يقال إنه استُغني به عما ضُمِّنَ معناه، بل الأمر بالعكس، وهو الاستغناء بالمضمَّن عما ضُمِّن معناه، كما قال المصنف في ساءَ إنه استُغني بها عن بئسَ في قوله ﴿ساء مثلا القوم﴾. وعلى باب بئسَ حمل أبو علي ﴿ساء مثلا القوم﴾، وجعله غيرُه من باب: طابَ زيدُ نفسًا. وقال في «التذكرة»: «يكون انتصاب المَثَل على حد انتصاب الحمل في قوله ﴿وساءهم يوم القيمة حملا﴾».

стр. 3319

وجعل ابن دُرُسْتُوَيْه القومَ من جنس الَمثَل، وهو عنده من باب: حَسُنَ رجلاً زيدُ، فزيدُ من الرجال، وكذلك القوم عنده من المَثَل، ولذلك لم يكن: نِعمَ أمثالاً القومُ، كما تقول: نِعمَ رجالاً القومُ؛ لأنهم لَمَّا ضُرب بهم المَثَل صاروا مَثَلاً على الاتَّساع، فصار «مَثَلاً» جنسًا منه القوم الذين كَذَّبوا، كما تقول: نِعمَ رجلاً زيدٌ، فزيدٌ من جنس الرجال، فسُمِّي ما ضُرب به المَثَل مثَلاً على الاتِّساع، حكى هذا عن غيره، واستحسنه، وأجاز ما ذكر أبو علي. وقوله وبها ــ أي وبئسَ ــ ونِعمَ فَعُلَ موضوعًا مثاله: حَسُنَ الخُلقُ خُلُقُ خُلُقُ الحكماء، وقَبُحَ العنادُ عنادُ المبطلين، وشَنُعَتِ الوُجُوهُ وُجوهُ الكافرين. وقوله أو مُحَوَّلاً من فَعَلَ وفَعِلَ قال المصنف في الشرح: «فمنها قول العرب: لَقَضُوَ الرجلُ فلانُ، وعَلُمَ الرجلُ فلانُ، بمعنى: نِعمَ القاضي هو، ونِعمَ العالمُ هو انتهى. ومعني الإلحاق أنه يثبت لفَعُلَ سائر الأحكام التي لِنعمَ وبئسَ من الفاعل والتمييز /والمضمر ومجيء «ما» بعده، كقوله ﴿ساء ما يحكمون﴾، ويُتأول مثل قوله ﴿ساء مثلا القوم﴾ ــ أي: مَثَلُ القومِ ــ لاختلاف التمييز والمخصوص. وفي كلام الشارح التمثيل في المُحَوَّل من فَعِلَ إلى فَعُلَ قوله «وعَلُمَ الرجلُ فلانُ»، ونصَّ النحويون على أنَّ الفعل إذا كان على وزن فَعَلَ أو فَعِلَ حُوِّلَ إلى فَعُلَ، وصار المتعدي منها لازمً، وإنَّ العرب شَذَّتْ في ثلاثة ألفاظ ٥، فلم تُحَوَّلها،

стр. 3320

بل أبقتها على أصلها من الوزن، واستعملَتْها استعمال نِعمَ من غير تحويل، لكن جعلتها لازمة، وهي عَلِمَ وجَهِلَ وسَمِعَ، فتقول: عَلِمَ الرجلُ زيدُ، وجَهِلَ الرجلُ عمرٌو، وسَمِعَ الرجلُ عمرٌو إذا أرادوا المباغة في عمله وجهله وسماعه. وذكر خَطَّاب بن يوسف المارِدِيّ شرطَّا في إلحاق فَعُلَ بِنعمَ وبئسَ، وهو أنه لا يُبنَي مُتَوَصَّلاً به إلى ما يجوز التعجب منه، قال في كتابه «الترشيح» حين تكلَّم علي لَفَعُل ما نصبه: «فإن تعجبت من الرباعي فصاعدًا أو الألوان والعاهات فانهم عدَلوا فيه عن الأصل في هذا البناء، واستغنوا عنه بقولهم: أَفْعَلُ الفعل فِعلُه، تقول: أَشَدُّ الحُمرةِ حُمرتُّه، وأسْرَعُ الانطلاقِ انطلاقُه، وأَفْحَشُ الصَّمَمِ صَمَمُه، والاسم الأول مبتدأ، والثاني مضاف إليه، وما بعد المضاف خبر وكان القياس أن يقولوا: لَفَحُشَ الصَّمَمُ صَمَمُه، ولَشَدَّتِ الحُمرةُ حمُرتُه، فيرفعوه من حيث رَفعوا: لَكَرُمَ الرجلُ زيدٌ، ولكنهم استَغنَوا عنه بما ذكرتُ لك» انتهى. وقوله مُضَمَّنًا تَعَجُّبًا اختلفوا في هذه الصيغة: فذهب الفارسيُّى وأكثر النحويين إلى إلحاقها بباب نِعمَ فقط، فعلى هذا تَثبت لها جميع أحكام نِعمَ. وذهب الأخفش والمبرد إلى أنه يجوز إلحاقها بباب التعجب. وفي «البسيط»: «المغَّير عن أصل صيغته للمدح لازمٌ لذلك المعنى الذي غُيِّر له بحيث صار من ألفاظ المدح وغيرُ لازم، الازم حَبَّذا، وعكسه لا حَبَّذا، وغير اللازم كل فعلٍ على ثلاثة أحرف يُبنى منه فَعُلَ، ويوضح للمدح والذمّ إن قبلهما في المعنى قياسًا، وهذا عامّ وخاصّ، العامّ ما كان معناه يَقُرب من معنى نِعمَ وبئسَ، أو

стр. 3321

فيه نسبة إليهما، كعَظُمَ وصَغُرَ وساءَ وكَبُرَ ولَطُفَ وهانَ وعَزَّ وشَدَّ ونحوه، والخاصّ ما دلَّ على خصوصية ما مُح به، نحو: حَسُنَ وفَقُة، ورُدَّ إلى فَعُلَ ليكون من أفعال النحائر؛ إذ بها يقع المدح والذم، وليصير إلى ما لا يتعدى، وهو أصل الباب كنعمَ وحَبَّذا. واختلفوا في فاعلها: فقال الأكثرون كالأخفش وغيره: يكون بمْنزلة نِعمَ وبئسَ وحَبَّذا، يكون ظاهرا عامَّا، ومضافًا، أو مضمرًا مفسَّرًا، أو حرف إشارة مفسَّرًا وغير مفسَّرًا وغير مفسَّر، والاسم بعدها كما تقدم فيها، كقولك: عَظُمَ رجلاً زيدٌ، وتقول: حَسُنَ ذا زيدٌ، وهو يقلُّ لقلَّة ما يُبنى من هذا، وإنما سُمع منه حَبَّذا، وشَدَّ ما أنك ذاهب، وعَزَّ ما أنك منطلق، بُني مع ما، وصارا معًا بمنْزلة مصدر في موضع الظرف، كما تقول: حَقَّا أنك ذاهب، أي: في الحقَّ أنك ذاهب، أي: في الشَّدِّ والعِزِّ أنك ذاهب، كما صارت قَلَّما /غالبة عليها الحرفية لتركيبها معها. وقال بعضهم: يجوز أن يكون فاعلها كل اسم، وأجاز: حَبَّ زيدٌ. والخاصّ كالعامّ، نحو: فَقُهَ رجلاً زيدٌ، وحَسُنَ رجلاً عبدُ الله» انتهي ما لخص من البسيط. والصحيح جواز الاستعمالين، أعني استعماله استعمال نِعمَ وبئسَ، فيكون فاعله وأحكامه كأحكامها. واستعماله استعمال فعل التعجب، فلا يلزم فاعله أن يكون كفاعل نِعمَ وبئسَ في كونه ذا أل أو مضافًا إليه أو مضمرًا على شريطة التفسير، ويكون مخصوصه المرفوع به خاصة، حكى الأخفش الاستعمالين في الكبير له عن العرب. وفي «الإيضاح»: «ذكر أبو الحسن والفراء وأبو العباس وجماعة أنَّ العرب تنقل الثلاثي إلى فَعُلَ بالضم، وتجعله في العمل بمْنزلة نِعمَ وبئسَ، فيكون فاعله جنسًا فيه اللام، أو مضافًا إلى ما فيه اللام، أو مضمرًا مبهمًا مفسَّرًا بنكرة منصوبة،

стр. 3322

والمعتل من الثلاثي يقدر فيه ذلك التقدير، فتكون ألفه منقلبة عن معتلِّ مضموم، نحو: عِلُمَ الرجلُ زيدٌ، وجَهُلَ الرجلُ عمرٌو، وعَلُمَ رجلاً زيدٌ، وباع وقال على ذلك الحد. فإن كان على فَعُلَ بالضم تُرك على حدّه. وكثيرًا ما تدخل اللام، فتقول: لَعَلُمَ رجلاً زيدٌ، وينبغي أن يكون جواب قسم، كما تقول لَنِعمَ الرجلُ زيدٌ» انتهى. وقال المصنف في الشرح: «فإذا قلت لَقَضُوَ الرجلُ فلانُ بمعنى: نِعمَ القاضي هو ـ ففيه معنى: ما أَقْضاه!» انتهى. وكيفية بنائه أنه إمَّا أن يكون صحيحًا عينه ولامه، أو معتلَّهما، أو معتلّ أحدهما، أو مضعَّفتهما: إن كان صحيحَهما على فَعُلَ وَضْعًا أو تحويلاً من فَعَلَ وفَعِلَ فإمَّا أن تُجريه مُجرى نِعمَ أو مُجرى فِعل التعجب، إن أَجريتَه مُجرى نِعمَ، نحو: حَسُنَ الوجهُ وجهك ـ فيجوز فيه إقرار ضمة العين، وتسكينها، ونقلها إلى فاء الكلمة. وإن أجريتَه مُجرى فِعل التعجب جاز الضم والتسكين، ولا يجوز النقل. وإن كان مضعقًا فالإدغام، فتقول: لَحَبَّ الرجلُ زيدٌ، ويجوز النقل إلى الفاء، فتقول: لَحُبَّ الرجلُ زيدٌ. وإن كان معتلَّهما من باب قُوَّة قلبتَ الضمة كسرةً واللامَ ياءً استثقالاً للواوين والضمة، فتقول: لَقَوِيَ الرجلُ زيدٌ. أو من باب شَوى، فتقلب الياءَ واوًا لضمة ما قبلها، وتفعل بها ما فعلت بباب قُوَّة، فتقول: لَشَويَ الرجلُ زيدٌ. ويجوز التسكين فيهما، فتقول: لَقَوْيَ الرجلُ زيدٌ، ولَشَوْيَ الرجلُ عمرُو، ولا يُدغم لأنه سكون عارض.

стр. 3323

وإن كان معتلَّ العين، نحو جادَ وباعَ ــ لزم قبلها ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فتقول للرجل إذا كان حسن القول أو البيع: قالَ الرجلُ زيدٌ، وباعَ الرجلُ عمرُو. وإن كان معتلَّ اللام، وكان على فَعُلَ وضعًا، نحو سَرُوَ، قلت: سَرُوَ الرجلُ عمرٌو، ويجوز التسكين. وإن كان أصله فَعَلَ وفَعِلَ نحو غزا ورمى ولَهِيَ وخَشِىَ، ففي ذلك خلاف: ذهب الجمهور إلى أنه يُحَوَّل إلى فَعُلَ، فتظهر الواو فيما أصله الواو، نحو غَزُوَ، وتنقلب الياء فيما أصله ياءٌ واوًا، فتقول: قَضُوَ. وذهب بعض النحويين إلى أنه يُقَرُّ على حاله، فتقول: لَرَمَى الرجلُ زيدُ، ولَغَزا الرجلُ الرجلُ /عمرُو؛ لأنَّ هذا الفعل يشبه الأسماء في عدم التصرف، فكما يُكره فيها أن يجيء في آخرها واو مضموم ما قبلها فكذلك كُره فيما أشبهها. وإذا أسكنت عين الكلمة مما لامه ياء لم تردّ اللام إلى أصلها من الياء وإن ذهبت الضمة التي أوجبتْ قبلها؛ لأنَّ هذا سكون عارض، كما لم يعتدُّوا بسكون قولهم: دُنْيَ له، أي: دُنِيَ له، فيردّوها إلى الواو إذ زال موجب قلبها ياء ــ وهو الكسرة ـ لأنه سكون عارض أيضًا. وقوله ويكثر انجرارُه بالباء قال المصنف في الشرح: «ولِكَون فَعُلَ المذكور مُضَمَّنًا تعجُّبًا استُحسِن فيه ما لم يُستَحسَن في نِعمَ من جرِّ فاعله بالباء حملاً على أفْعِلْ به في التعجب، فإذا قيل حَسُنَ بزيدٍ رجلاً نُزَّلَ منْزلة: أحسِنْ بزيدٍ رجلاً» انتهى. وقول المصنف «ما لم يُستَحسَن في نِعمَ» عبارة ليست بجيدة؛ لأنها تُشعر بجواز جرِّ فاعل نِعمَ بالباء، وهو لا يجوز، فتخليص العبارة أن يقال: «ما لا يجوز في

стр. 3324

نِعمَ». حكى الكسائي عن العرب: «مررتُ بأبيات جادَ بهنَّ أبياتًا، وجُدْنَ أبياتًا» حَذف الباء، وجاء بضمير الرفع متصلاً، وقال الشاعر: حُبَّ ... بالزَّورِ ... الذي لا تُرَى ... منهُ ... إلا ... صَفْحةٌ أو لِمامْ وقال آخر: لَحَبَّ ... بنارٍ ... أوُ قِدَتْ بين مُحْلِبٍ ... وفَرْدَةَ، لو يَدنو مِنَ الَحبلِ واصِلُهْ وقال آخر: يُضيءُ سَناهُ الَهضْبَ هَضْبَ مُتالعٍ ... وحَبَّ بذاكَ البَرقِ، لو كانَ دانِيا وقال آخر: سَرَتْ تَخْبِطُ الظَّلماءَ مِن جانَبِيْ قَسًا ... وحُبَّ بها مِن خابِطِ الليلِ زائرِ وقال آخر: فقلتُ: اقْتُلُوها عَنكمُ بِمِزاجِها ... وحُبَّ بِها مَقتُولةً حينَ تُقتَلُ

стр. 3325

وقال آخر: بَكَتْ عَينِي، وحُقَّ لها بُكاها ... وما يُغْنِي البُكاءُ ولا العَويلُ وقوله واستغناؤه عن الألف واللام مثاله ما تقدَّم ذكره من حكاية الكسائي: «جادَ بهنَّ أبياتًا، وجُدْنَ أبياتًا»، و «لَحَبَّ بنار»، وحَبَّ بذاكَ البرقِ»، وحُبَّ بها مِن خابط»، وحُبَّ بها مقتولةً»، وحُقَّ بكاها». وقوله وإضمارُه على وَفقِ ما قبلَه تقول: الزيدون كَرُمُوا رجالاً، تُنَزَّله منْزلة: الزيدون ما أَكْرَمَهم رجالاً، ولا يجوز هذا في نِعمَ وبئسَ، إنما تُضمر فيهما ضميرًا مفرًا مُسْتَكِنَّا، يُفَسَّره ما بعده، وهذا الضمير الذي فَعُلَ يكون على وَفقِ ما قبلَه مِن إفرادٍ وتثنية وجمع وتذكير وتأنيث. فأمَّا قوله ﴿كبرت كلمة تخرج من أفوههم﴾، فيحتمل أن يكون مثل: نِعْمَتِ /امرأة هندٌ، وهو قول ابن بَرْهان، ويكون المبتدأ محذوفًا، كما قال ﴿كبر مقتا عند الله أن تقولوا﴾، فظهر المبتدأ، وصَدَق عليه الأول، وتقديره: كبرت كلمةً كلمةٌ تخرج. وأن يكون فاعل ﴿كَبُرَتَ﴾ ضميرًا يرجع إلى ﴿أتخذ الله ولدا﴾، وهو قول الزمخشري في «الكشاف».

стр. 3326

وأجاز بعض النحويين في ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ الله﴾ أن ينتصب (مَقْتًا) على الحال، و (أن تَقولوا) فاعل (كَبُرَ). وفي ﴿كبرت كلمة تخرج﴾ أن تكون (كلمةً) حالاً موطِّئة بالصفة، والفاعل مضمر لتقدُّم ذكره. وتقدَّم مِن قولنا أنَّ فَعُلَ لا يُستعمل في الضمة النقل إلى فاء الكلمة إلا إذا كان للمدح أو الذمّ لا في التعجب، وأنشدا علي ذلك قول الشاعر: لم يَمْنَعِ الناسُ مِنَّي ما أَرَدتُ، ولا ... أُعْطِيهمُ ما أَرادُوا، حُسْنَ ذا أَدَبَا

стр. 3327

-[ص: باب حَبَّذا أصلُ «حَبَّ» من «حَبَّذا»: حَبُبَ، أي: صار حبيبًا، فأُدغِم كغيره، وأُلزِم مَنعِ التصرف وإيلاءَ «ذا» فاعلاً في إفرادٍ وتذكير وغيرهما. وليس هذا التركيب مُزيلاً فعليَّة حَبَّ، فيكون مع «ذا» مبتدأً، خلافًا للمبرد وابن السراج ومن وافقهما، ولا اسميةَ «ذا» فيكون مع حَبَّ فعلاً فاعلُه المخصوص، خلافًا لقوم. وتدخل عليها «لا»، فتحصل موافقهُ «بِئسَ» معنًى.]- ش: حَبَّذا ولا حَبَّذا من الصيغ التي وُضعت للمدح والذم عمومًا كِنعمَ وبئسَ، والعامّ ما أُجملت فيه الصفات المحمودة أو المذمومة بحيث لا يخصُّ اللفظ واحدًا منها إبلاغًا في ذلك؛ لأنَّ التخصيص يتطرق إليه احتمال أنَّ له الوصف الآخر. قيل: والفرق بينهما وبين نِغمَ وبئسَ أنَّ حَبَّذا تُشعر مع دلالتها على المدح بأنَّ الممدوح محبوب وقريب من النفس، ولا حَبَّذا بالعكس، ولا تُشعر بذلك نِعمَ وبئسَ. وقيل: ليستا للمدح والذم بالوضع، وإنما وَضعُها للمبالغة في تمكُّن الحب، فتكون أبلغ من أَحَبَّ، لكن الحبَّ قريب من المدح؛ لأنَّ المحبوب ممدوح في الأكثر. وقوله أصلُ حَبَّ من حَبَّذا حَبُبَ أي: صار حبيبًا يدلُّ على ذلك كونه لا يتعدى، ولأنَّ ما بُني للمدح من هذا النوع يكون على فَعُلَ أصلاً أو تحويلاً، ولأنه إذا لم يُستعمل مع «ذا» جاز نقل حركة العين إلى الفاء، وروي بالوجهين:

стр. 3328

............... ... وحُبَّ بها ... مَقتُولةً ... حينَ ... تُقْتَلُ ولا يجوز مع ذكر «ذا» إلا الفتح، فتقول: حَبَّذا. وأصله قبل استعماله للمدح فَغَلَ، وهو متعدِّ، تقول: حَبَبْتُ زيدًا ــ وهو أقلُّ من أَحْبَبْتُ ــ فهو محبوب، وهو أكثر من مُحَبّ، وهو حبيب، أي: محبوب، وقرأ أبو رجاء العُطارِديّ ﴿فاتَّبِعُوني يَحبَّكُمُ الله﴾، بفتح الياء وكسر الحاء، وكان قياسها الضم؛ لأنَّ المضعف من فَعَلَ المتعدي قياسُه يَفعُل، نحو شَدَّه يَشُدُّه. وقوله فأُدغِم كغيره متى كان ثلاثيَّا مضعفًا وجب الإدغام، وسواء أكان على وزن فَعَلَ كشَدَّ، أو فَعِلَ كشَلَّ، أو فَعُلَ كلَبَّ، وقد جاء في بعض ذلك الفك، نحو: لَحِحَتْ عينُه. وقوله وألزِمَ /منعَ التَّصَرُّف لأنه صار كالحرف الذي جيء به لمعنىً في غيره؛ إذ أصله ألا يدل على المدح، وذلك بخلاف غيره، فإنه يتصرف، نَحو: لَبَّ الرجلُ، تقول فيه: لَبُبْتَ ولم تَلْبُبْ، وفَعُلَ من المضاعف قليل النظير. وقولهوإيلاَء «ذا» فاعلاً أي: وأُلزِم إيلاءَ «ذا» فاعلاً، ذكر بعض النحويين الاتَّفاق على أنه لا يكون بعدها إلا «ذا» اسم الإشارة، وقد ورد فيها رفعها لغير الإشارة، كقوله:

стр. 3329

......... وحُبَّ مَنْ يَتَجَنَّبُ .................................. فقيل: هو استعمال للأصل، وإنما الكلام بعد التركيب. وقوله في إفرادٍ وتذكير وغيرهما مثال الإفراد والتذكير: يا حَبَّذا جَبَلُ الرَّيَّانِ مِنْ جَبَلٍ ... .......................................... ومثال التثنية قوله: حَبَّذا أنتما خَليلَيَّ إنْ لَمْ ... تَعْذلانِي في دَمْعِيَ المُهَراقِ ومثال الجمع قوله: وحَبَّذا نَفَحاتٌ مِن يَمانِيةٍ ... تأتيكَ مِن جَبَلِ ... الرَّيَّانِ أحْيانا وتقول: حَبَّذا الزيدون. ومثال التأنيث: ألا حَبَّذا هندٌ وأَرضُ بِها هندُ ... ...................................... وقول الآخر: يا حَبَّذا القَمْراءُ واللَّيلُ الداجْ ... وطُرُقُ ... مِثلُ ... مُلاءِ ... النَّسَّاجْ وهذا الذي ذهب إليه المصنف من أنَّ «ذا» هو الفاعل هو على قولِ مَن لم يَّدعِ التركيب، وهو مذهب ابن كسيان، وابن دستوريه، والفارسي في

стр. 3330

«البغداديات» وابن بَرهان، وابن خروف، وظاهر مذهب الخليل وس على زعم المصنف. واختلف الذاهبون إلى هذا المذهب في علة إفراد اسم الإشارة وتذكيره وإن اختلف المخصوص بالتثنية والجمع والتأنيث: فقيل: امتنع أن يطابق المخصوص لأنه جرى كالمثل، نحو: «أَطِرَّي فإنَّكِ ناعِلة، و «الصَّيفَ ضَيَّعْتِ اللَّبَنَ». وقال أبو علي: (ذا) جنس شائع، فلا يختلف كما لا يختلف الفاعل في نِعمَ وبئسَ إذا كان ضميرًا. وقال ابن كيسان: إنما كان (١٠) ذلك لأنَّ الإشارة فيه أبدًا إلى مذكر محذوف. والتقدير عنده: حَبَّذا حُسنُ زيدٍ، وحَبَّذا أمرُه وشأنُه، وكذلك تثنيةً وجمعًا وتأنيثًا، ثم حُذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.
следующие страницы →