← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17116

التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

أبو حيان الأندلسي

Полный текст (3 950 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

والثالث: أن يكون قول الفراء في جواز ذلك في كل فعل يحتاج إلي اسم وفعل ليس عامَّا، بل يعني به من باب كان، ولا يعني من باب كان وباب ظنَّ، ويفرق بين البابين بأنَّ باب كان إنما يزاد فيه الفعل خاليًا من مرفوعه دلالة على تقييد التعجب بحدث ذلك الفعل، وأمَّا: ما ظننتُ أَحْسَنَ زيدًا، وما أَظُنُّ أَحْسَنَ زيدًا ــ فإنما فصل به وهو متعلق بمرفوعة، فلا يجوز، وسُمع ذلك في باب كان في كان وأمسى وأصبح، فجاز القياس عليها في أخواتها، ولم يُسمع في باب ظنَّ فامتنع، ولم يصح قياس باب ظنَّ على باب كان ــ وإن اشتركا في النسخ للابتداء ــ لتباين أحكامهما، ولا يجيز جمهور البصريين أن يفصل بين ما والفعل إلا بـ «كان» فقط. وإذا وقعت كان بعد ما أَفْعَلَ بصيغة الماضي دلَّت على بيان الانقطاع، أو بصيغة يكون دّلَّت على الاستقبال، على الخلاف في جواز ذلك، ولا بُدَّ من «ما» المصدرية داخلة عليها، فتقول: ما أَحْسَنَ ما كان زيدٌ! وما أَحْسَنَ ما يكون زيدٌ! وما بعد «ما كان» و «ما يكون» يرتفع على الفاعلية، وأَوقَعتَ الحُسن عليه، وأنت تريد ذات زيدٍ تجوُّزًا، كما تقول: أَخْطَبُ ما يكونُ الأميرُ قائمًا، فـ «كان» هذه تامَّة. وأجاز جماعة ــ منهم المبرد ــ أن تكون ناقصة، وينصب زيدًا، ويجعل ما بمعنى الذي، كما تقول: ما أَحْسَنَ الذي كان في الدار، أو يكون في الدار. ومَن منعَ وقوع ما على شخص مَن يعقل منعَ هذه المسألة، وجوَّزها فيما لا يتشخص.

стр. 3397

وأما «مَنْ» فهل تقع هنا؟ الظاهر جواز ذلك، وقد جوَّزه جماعة، فتقول: ما أَحْسَنَ مَنْ كان زيدًا! ولو عطفتَ في مسألة «ما أَحْسَنَ ما كان زيدٌ» فالأقيس والأجود عودُ الضمير على الكون لا على الفاعل؛ فتقول: ما أَحْسَنَ ما كانت هندٌ وأجمَلَه! ليكون الفعل مع متعلَّقه معطوفًا على الفعل ومتعلَّقه، وهما لشيء واحد. ويجوز أن تقول: ما أَحْسَنَ ما كانت هندٌ وأجمَلَها! قاله الأخفش. وتقدَّم لنا أنه متى تباين متعلَّق الفعلين فإنَّ العطف يَقبُح، فأمَّا قوله: ما ... شَدَّ أَنفُسَهم ... وأَعْلَمَهم ... بما ... يَحمي ... الذَّمارَ به الكَريمُ المُسلِمُ فإن الأنفس هي الضمير من حيث المعنى، فكأنه قال: ما أَشَدَّهم وأَعْلَمَهم! وتقول: ما كان أَحْسَنَ ما كان زيدٌ! فيجوز ذلك على القياس السابق والتوجيه في رفع زيد ونصبه، ولا تكون الثانية /بخلاف الأولى، فلا يجوز: ما كانَ أَحْسَنَ ما يكونُ زيدٌ! للتناقض. -[ص: ويُجرُّ ما تعلَّق بهما من غير ما ذُكر بـ «إلى» إن كان فاعلاً، وإلا فبالباء إن كان من مُفهِمٍ عِلمًا أو جَهلاً، وباللام إن كانا من متعدَّ غيرِه، وإن كان من متعدَّ بحرف جرَّ فبما كان يتعدَّى به. ويقال في التعجب من كسا زيدٌ الفقراءَ الثيابَ، وظَنَّ عمرٌو بشرًا صديقًا: ما أَكسَى زيدًا للفقراءِ الثيابَ! وما أَظَنَّ عمرًا لبشرٍ صديقًا! وينصب الآخر بمدلولٍ عليه بأَفْعَلَ لا به، خلافًا للكوفيين.]- ش: أشار بقوله ما ذُكر إلى المتعجَّب منه والظرف والحال والتمييز، فما ليس واحدًا من هذا يجيء فيه التقسيم الذي ذكر

стр. 3398

فقوله بإلى إن كان فاعلاً يعني فاعلاً في المعنى، مثال ذلك: ما أَحَبَّ زيدًا إلى عمرٍو! وما أَبْغَضَ ١ عمرًا إلى بكرٍ! وما أَمْقَتَ بكرًا إلى خالدٍ! فالتركيب قبل هذا: أَحَبَّ عمرٌو زيدًا، وأَبْغِضْ بعمرٍو إلى بكرٍ! وأَمَقِتْ ببكرٍ إلى خالدٍ. وقوله وإلا فبالباء إن كان من مُفهِمٍ علمًا أو جَهلاً أي: وإلا يُجَرّ بإلى يُجَرّ بالباء، مثاله: ما أَعْرَفَ زيدًا بالعلم! وما أَجْهَلَ عمرًا بالفقه! وما أَبْصَرَ خالدًا بالشعر. وتقول: أَبْصرْ بزيد بالشعر! وأَجْهلْ بخالد بالفقه! وقوله وباللام إن كانا من متعدَّ غيره أي: إن كان أَفْعَلَ وأَفْعِلْ من متعدَّ غيرِ ما يُفهِم عِلمًا أو جَهلاً، ويعني أنه قبل أن يُبنَى منه أَفْعَلَ وأَفْعِلْ كان متعديًا بنفسه إلى مفعول، وإلا إذا بُني منه أَفْعِلْ لا يكون إذ ذاك متعديًا على رأي جمهور البصريين؛ لأنَّ الهمزة إذ ذاك عندهم للصيرورة، وإذا كان كذلك أشكل أن يُعَدَّى أَفْعِلْ إلى المفعول باللام، ومثال ما ذكر: ما أَضْرَبَ زيدَّا لعمرٍو! وما أَحَبَّ ١ زيدًا لخالد! وما أَبْغَضَ زيدًا لبكر! وما أَمْقَتَ عمرًا لخالدٍ! وأَضْرِبْ بزيدٍ لعمرو! وتعدية أَضْربْ لعمرو باللام كما ذكرنا مشكلة؛ لأنَّ معناه: أَضْرَبَ زيدٌ، وأَضْرَبَ زيدٌ لا يتعدَّى، وينبغي ألاً يجوز هذا التركيب، ولا يُقْدَم عليه إلا بعد سماعه من العرب. وقوله وإن كان مما يَتَعَدَّى بحرف جرِّ فَبما كان يَتَعَدَّى به مثاله: ما أَعَزَّ زيدًا عليَّ! وما أزْهَدَ زيدًا في الدنيا. وتقول: أَعْزِزْ بزيدٍ عليَّ! وأَزْهدْ بزيدٍ في الدنيا! فالتركيب قبل هذا: زهِدَ زيدٌ في الدنيا، وعَزَّ زيدٌ عليَّ. وقوله ويقال في التعجب من كسا إلى آخر المسألة المتعدي إلى اثنين إن كان من باب أعطى جاز أن يُقتصر على ما كان فاعلاً في المعنى قبل التعجب، نحو:

стр. 3399

ما أَعطَى زيدًا! وما أَكسَى خالدًا! وجاز أن تُعَدِّيه بعد ذلك إلى أحد المفعولين باللام، فتقول: ما أَكسَى زيدًا لعمرٍو! وما أَكسَى زيدًا للثياب! فإن جاء من كلامهم: ما أَعطَى زيدًا لعمرٍو والدراهمَ! وما أَكسَى زيدًا للفقراءِ الثيابَ! فمذهب البصريين أنه ينتصب بإضمار فعل، تقديره: أَعطاه الدراهمَ، وكَساهم الثيابَ. ومذهب الكوفيين أنه منصوب بنفس فعل التعجب. وإن كان من باب ظَنَّ فإنك تقتصر على الفاعل، فتقول: ما أَظَنَّ زيدًا! وما أَزْعَمَ زيدًا! هذا /مذهب البصريين. وأمَّا الكوفيون فيجيزون ذكرهما بشرط دخول اللام على الأول ونصب الثاني، هذا إن أُمن اللبس، نحو: ما أَظَنَّ زيدًا لبكرٍ صديقًا! أصله: ظَنَّ زيدٌ بكرًا صديقًا. وإن خيفَ لبسٌ أَدخلتَ اللام على كل من المفعولين، فتقول: ما أَظَنَّ زيدًا لأخيك لأبيك! أصله: ظَنَّ زيدٌ أخاك أباك. وقال المصنف في الشرح: «فإن كان قبل التعجب متعدًيا إلى اثنين جررت الأول باللام، ونصت الثاني عند البصريين بمضمر مجرد مماثل لتالي (ما)، نحو: ما أكسَى زيدًا للفقراءِ الثيابَ! والتقدير: يكسوهم الثياب. وكذا يفعلون في: ما أَظَنَّ عمرًا لبشرٍ صديقًا! يقدرون: يَظُنُّه صديقًا. والكوفيون لا يضمرون، بل ينصبون الثاني بتالي (ما) بنفسه. ذكر هذه المسألة ابن كيسان في (المهذب)» انتهى. وهذا النقل عن البصريين والكوفيين مخالف لِما ذكرناه نحن؛ لأنَّا حكينا أنَّ مذهب البصريين في نحو كسا أنك تنصب المتعجَّب منه، وهو الذي كان فاعلاً في كسا، ويتعدى لأحدهما فقط باللام، وأنه إن وجد الثاني منصوبًا فتأويله أنه ينتصب على إضمار فعل. وأمَّا في باب ظَنَّ فإنك تقتصر على الفاعل فقط، فتنصبه في التعجب، ولا يجوز أن يتعدَّى إلى شيء من الأول ولا من الثاني باللام، ولا إلى

стр. 3400

الأول باللام وإلى الثاني بنفسه، هذا مذهب البصريين. وأمَّا مذهب الكوفيين في باب كسا فإنهم ينصبون ما كان قبلُ فاعلاً، ويُعَدُّون إلى الثاني باللام وإلى التالي بنفسه. وأمَّا في باب ظَنَّ فيفصلون بين أن يُلبَس الأول بالثاني أو لا، إن أَلبَس فإنهم يُعَدُّون فعل التعجب إلى كل منهما باللام، ويكون التقديم والتأخير مبينًا اللبس، فما تقدم هو الأول، وما تأخر هو الثاني، كحالهما إذا قلت ظَنَّ زيدٌ أخاك أباك. وإن لم يُلبس تعدَّى إلى الأول باللام، وإلى الثاني بنفسه. فلم يحقق المصنف مذهب البصريين ولا مذهب الكوفيين في المسألتين معًا، إذ حكي ما حكي عنهم فيهما، وليس بصحيح. وقال صاحب البسيط: وأمَّا ظَنَنتُ وأخواتها فيجوز بشرط الاقتصار على الفاعل، ثم تغَّير إلى فَعُلَ، فتقول: ما أَظَنَّنِي! ولا تذكر المفعولين ولا أحدهما، أمَّا الأول فلضرورة نقله إلى فَعُلَ، وأمَّا الثاني فلامتناع الاقتصار على أحد الجزأين، ولا يصح دخول اللام. فإن كان في موضع مفعوليه «أنَّ» جاز لأنه يتعدى إليه بحرف جرّ، كما تقول: ما أَضْرَبَ زيدًا لعمرٍو! على ما نذكره، فتقول: ما أَعْلَمَنِي بأنك قائم! وقد أجاز بعضهم حذف الباء، فتقول: ما أَعْلَمَنِي أنَّك قائمٌ. وأمَّا أَعلَمتُ فمَن جوَّزَ أَفْعَلَ جوَّز هذا بشرط الاقتصار على الفاعل؛ لأنَّ التعجب إنما يكون في الأكثر من صفة الفاعل، ولا يذكر ما عداه ولا أحدهما. ومَن منع في النقل أو على العموم مَنع هنا مع التباسه بـ «ما أَعْلَمَنِي»! مِن عَلمت، وهم يباعدون الالتباس هنا؛ لأنَّ مرادهم بيان ما التعجب منه ليكون عذرًا لهم فيه، فلا يكون فيما يَلتبِس.

стр. 3401

-[ص: فصل بناءُ هذين الفعلين من فِعلٍ ثُلاثيِّ مجرَّدٍ تامَّ مُثَبتٍ متصرِّفٍ قابلٍ معناه للكثرة، غيرِ مَبنيِّ للمفعول، /ولا مُعَبَّرٍ عن فاعله بأَفْعَل فَعْلاء. وقد يُبنَيان مِن فِعلِ المفعولِ إنْ أُمنَ اللَّبسُ، ومِن فِعلِ أَفْعَلَ مُفهِمَ عُسر أو جَهل، ومن مَزيدٍ فيه، فإن كان أَفْعَلَ قيسَ عليه وفاقًا لـ «س». ورُبَّما بُنِيا من غيرِ فِعلٍ، أو فِعلٍ غيرِ متصرِّف. وقد يُغني في التعجُّب فِعلٌ عن فِعلٍ مُستَوفٍ للشروط، كما يُغني في غيره.]- ش: ذكر المصنف شروط ما يُبنى فعل التعجب منه، وهو ما اجتمع فيه سبعة شروط، وزاد غيره: أن يكون على وزن فَعُلَ أصلاً أو تحويلاً، وألاً يكون قد استُغني عن البناء في هذا الباب بغيره. وزاد آخرون: أن يكون واقعًا ٣. وآخرون: أن يكون دائمًا. ونحن نتبع هذه الشروط شَرطًا شرطًا، فنقول: أمَّا صوغهما من فعلٍ فاحتراز من أن يُبنَيا من غير فِعل، قال المصنف في الشرح «وقد يُبنَيان من غير فعل، كقولهم: ما أَذْرَعَ فلانةَ! بمعنى: ما أَخَفَّها في الغَزْل! وهو من قولهم: امرأة ذَراع، وهي الخفيفة اليد في الغزل، ولم يُسمَع منه فِعل. ومِثلُه في البناء من وصفٍ لا فِعلَ له: أَقْمِنْ به! أي: أَحْقِقْ، اشتقُّوه من قولهم: هو قَمِنٌ بكذا، أي: حَقيق به. وهذان أشبههما شواذُّ لبنائهما من غير فِعل».

стр. 3402

وقال أيضًا: «قُيِّدَ ما يُبنَى منه فِعلُ التعجب بكونه فعلاً تنبيهًا على خطأ من يقول من الكلب: ما أَكْلَبَه! ومن الحمار: ما أَحْمَرَه! ومن الجلْف: ما أَجْلَفَه!» انتهى. فأمَّا دعواه أنَّ ما أَذْرَعَ فلانة! بمعنى: ما أَخَفَّها في العزل، لم يُسمع منه فعلٌ ــ فليست بصحيحة، قال ابن القَطَّاع: «ذَرُعت المرأة: خَفَّتْ يداها في العمل، فهي ذراعَ»، فعلى هذا لا يكون قولهم ما أَذْرَعَ فلانةَ شاذُّا؛ إذ هو مصوغ من فعلٍ. وأمَّا كون الفعل المصوغ منه أَفْعَلَ وأَفْعِلْ ثلاثَّيا فاحتراز من أن يكون رباعيَّا أصلاً أو مزيدًا، نحو: دَحرجَ وتدحرجَ، فإنه لا يمكن منه بناء أَفْعَلَ وأَفْعِلْ لهدمِ بنيته ولزومِ حذفِ بعض أصوله. وأمَّا كونه مجردًا فاحتراز من أن يكون غير مجرد، ويأتي الكلام فيما يُبنى من الثلاثي غير المجرد عند تعرُّض المصنف له إن شاء الله. وأمَّا كونه تامَّا فاحتراز من أن يكون ثلاثيَّا مجردًا غير تامّ، نحو كان الناقصة وظَلَّ وكَرَبَ وكادَ ونحوهن من أخوات كان. وهذا الشرط ذهب إليه الجمهور. وأجاز بناءه من كان الناقصة بعضهم، قال أبو بكر بن الأنباري: «وتقول: كان عبد الله قائمًا، فإذا تعجَّبت ٥ منه قلت: ما أَكْوَنَ عبدَ الله قائمًا! فـ (ما) مرفوعة بما في أَكْوَنَ، واسم كان مضمر فيها، وعبد الله منصوب على التعجب، وقائمًا خبر كان، فإن طرحت وتعجبت قلت: أَكْوِنْ بعبد الله قائمًا! وأَكْوِنْ بعبدَي الله قائمين! وأَكْوِنْ بعبيدِ الله قيامًا!».

стр. 3403

وقال صاحب «البسيط»: «أمَّا كان وأخواتها مما كان ثلاثَّيا أو غير ثلاثي فالأكثرون يمنعون فيها التعجب، فلا تقول: ما أَكْوَنَ زيدًا قائمًا! لوجوه: أحدها أنها ليست بقويَّة في الفعلية، بل هي لمجرد الزمان، ولا تدل على المصدر. وقيل: إن تُعُجِّبَ منها فإمَّا للمصدر أو للزمان، ولا يصحّ، أمَّا الأول فلأنها لا مصدر لها، وأمَّا الزمان فلا يُتعجَّب منه؛ لأنه لا فعل له، وليس كان فعلَه. وقيل: إن تُعُجِّبَ فلا بُدَّ من رده إلى فَعُلَ، فيُقتصر على أحد الجزأين، /ولا يكون، لا يقال: يؤتى بالخبر كما يؤتى بالخبر كما يؤتى بالمفعول، فتقول: ما أَضْرَبَ زيدًا لعمروٍ؛ لأنَّ اللام لا تدخل على الخبر، لا تقول: ما أَكْوَنَ زيدًا لقائم! وكذلك أخواتها. وأمَّا الفراء فجوَّز ذلك ــ أعني بناءها للتعجب ــ حملاً على: ضربَ زيدٌ عمرًا؛ ولا يكون لما ذكرنا» انتهى. وفي الكتاب الذي انتخبه أبو مروان عبيد الله بن عمر بن هشام الحضرمي: ما أَكْوَنَ زيدًا قائمًا! عند الفراء جائز، ولم يُجزه أكثر النحويين، وهو الصحيح؛ لأنها موضوعة للزمان مجردة من معنى الحدث، ولا فائدة في التعجب بها، فلذلك امتنع أَفْعَلَ منها. وأمَّا كونه مُثْبَتًا فاحتراز من أن يكون منفيَّا؛ لأنه لا يُتَعَجَّب منه؛ لأنَّ فِعل التعجب هو مُثَبت، فمحال أن يُبنى من المنفيّ. وقال المصنف في الشرح: «وقُيِّدَ بكونه مُثبتًا تنبيهًا على أنه لا يُبنى من فعلٍ مقصودٍ نفيُه لزومًا، كـ (لم يَعِجْ)، أو جوازًا، كـ (لم يَعُجْ)» انتهى. ويعني أنَّ عاجَ يَعيج ــ بمعنى انتفعَ ــ لم تستعمله العرب إلا منفيَّا، وعاجَ يَعوج ــ بمعنى مالَ ــ استعملته العرب مثبتًا ومنفيَّا. وقد ذكر ثعلب في «الفصيح» قوله: «وشَربتُ دَواءً فما عجْتُ به، أي: ما انتَفَعتُ به».

стр. 3404

وما ذهب إليه المصنف من أنَّ عاجَ ــ بمعنى انتفعَ ــ استعملته العرب منفيَّا لا مثبتًا ليس بصحيح، أنشد أبو علي القالي في «النوادر»، قال: أنشدنا أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي: ولم أرَ شيئًا بعدَ لَيلَى أَلَذُّهُ ... ولا مَشْرَبًا أَرْوَى بهِ، فأَعِيجُ وأمَّا كونه متصرفًا فاحتراز مما لا يتصرف، نحو يَذّرُ ويَدَعُ ونحوهما، فإنه لا يجوز أن يصاغ منه؛ لأنه إذا بُني منه كان تصرفًا فيه، والفرض أنه غير متصرف. وقال المصنف في الشرح: «ومثلهما في الشذوذ قولهم: ما أَعْساه! وأَعْسِ به! معناه: ما أَحَقَّه! وأَحْقِقْ به! فبَنَوا فعل التعجب من عَسى، وهو فعل غير متصرف» انتهى. ويعني بقوله «ومثلُهما» أي: ومثل أَقْمِنْ به! أي: أَحْقِقْ. وأمَّا كون معناه قابلاً للكثرة فاشترطه الفراء، وهو صحيح واحتراز من الأفعال التي لا تقبل الزيادة، نحو مات وفَنِيَ وحدثَ، فلا تقول: ما أَمْوَتَ زيدًا! ولا: أَمْوتْ به! وقد شذَّ من الألفاظ الثابتة التي لا يقبل معناها الزيادة قولهم: ما أَحْسَنَه! وما أَقْبَحَه! وما أَقْصَرَه! وما أَطْوَلَه! وما أَهْوَجَه! وما أَشْنَعَه! وما أحْمَقَه! وما أنْوَكَه! وسيأتي اختيار المصنف في بعض هذه الألفاظ إن شاء الله.

стр. 3405

وأمَّا صفات الله ــ تعالى ــ فلا يجوز التعجب منها، لا يقال: ما أَعْلَمَ الله! لأنَّ علمه ــ تعالى ــ لا يقبل الزيادة، وقالت العرب: ما أَعْظَمَ الله وأجَعلَّه! وقال الشاعر: ما أَقْدَرَ الله أن يُدْني على شحَطٍ ... مِنْ دارُهُ الحزنُ مِمَّنْ دارُهُ صُولُ وتأوَّلَ النحويون قول العرب على وجوه. وأَما كونه غير مبنيَّ للمفعول فلأنه لا يجوز: ما أَضْرَبَ زيدًا! وأنت تتعجب من الضرب الذي حَلَّ بزيد. وعلة المنع كونه يلتبس بفعل الفاعل، هكذا علَّله بعضهم، فيظهر من صاحب هذا التعليل أنه يجيز التعجب من فِعل المفعول إذا عُدم اللبس، /فيكون قول الرماديّ: ولا شِبلَ أَحْمَى مِن غَزالٍ، كأنَّهُ ... من السُّمرِ والأحراس في خِيْسِ ضَيْغَمِ جائزًا لأنه قد عدم اللبس. وما صحَّ فيه «أَفْعَلُ مِن» صَحَّ فيه «ما أَفْعَلَه». وإلى هذا ذهب خَطَّاب المارِدِيّ، قال: وقد جاء مثله، قال كعب بن زهير: فَلَهْوَ أَخوَفُ عندي إذْ أُكَلِّمُهُ ... وقيلَ: إنَّكَ مَسلُوبٌ ومَقتُولُ مِنْ ضَيْغَمٍ بِضِراءِ الأَرضِ، مُخْدَرُهُ ... بِبَطْنِ عَثَّرَ غيلٌ، دُونَهُ غِيلُ

стр. 3406

وعلًل المنعَ بعضُهم بأنَّ المفعول ليس له فيما أُقع به من التعجب كَسْبٌ، فأشبه بذلك الخِلَق والألوان إذ ليست من كَسْبِ المتعجَّب منه. فمَن علًل بهذا كان بيت الرماديّ عنده لحنًا. وقد علًل ذلك بعضهم بأنه إنما امتنع ذلك لأنَّ الفعل هنا يُرَدُّ إلى فَعُلَ، وفِعْلُ المفعول يكون على فُعِلَ، فإن صيغ على فَعُلَ كان خروجًا عن القياس، فلا يجوز. والصحيح أنه لا يجوز، وأنه لا يُتَعَدَّى ما سُمع منه، بل يُقتصر عليه. ومَن أجاز ذلك قال: ما كان مستعملاً في الأصل على فُعِلَ فكأنه للفاعل، فلا يُلبس، نحو: شُغِلَ، وجُنَّ، وأُولِعَ به، فصار كظَرُفَ، وما لم يكن في الوضع على فُعِلَ فلا بُدَّ من الفارق بينه وبين فعل الفاعل، فلذلك قالوا في الفاعل: ما أَمْقَتَه لي! وما أَبغَضَه لي! وما أَحْظاها لي! ونحوه، فالتزموا اللام للفاعل، وإلى ونحوها من الظروف نحو عندي وفي عيني للمفعول، فوقع الفرق. وسيأتي اختيار المصنف في ذلك إن شاء الله. وأمَّا كونه لا يُعَبَّر عن فاعله بأَفْعَل فَعْلاء فاحتراز من نحو: شَنِبَ ودَعِجَ ولَمِيَ وعَرِجَ، ولا فرق بين أن يكون عيبًا، كبَرِص وبَرِشَ وحَوِل وعَمِي وعَوِر، وبين ما كان من المحاسن، كشَهِل وكَحِلَ ودَعِج ولَمِي.

стр. 3407

وعلة منع ذلك أنَّ حق الفعل الذي يُبنى للتعجب أن يكون قبل التعجب ثلاثيَّا محضًا؛ وأصل الفعل في هذه أن يكون على وزن افْعَلَّ، ولذلك صحَّت عينه في الثلاثي اللفظ، نحو حَوِلَ، وعوِرَ، وهَيفَ، وجَيِدَ، وصَيِدَ، مع استحقاقه ذلك لوجود العلة الموجبة لقلبه، وهي تحرك حرف العلة وانفتاح ما قلبه، فحملوه على افْعَلَّ، نحو احْوَلَّ واعْوَرَّ، وجودًا ذلك فيه أو تقديرًا، فصحَّت فيه كما صحَّت في افْعَلَّ، كما صححوا اجْتَوَرُوا حملاً على تجاوَرُوا، ومِخْيَط حملاً على مخياط. وهذا التعليل هو المشهور عند النحاة. وقال المصنف في الشرح ما نصه: «وعندي تعليل آخر أسهل منه، وهو أن يقال: لَمَّا كان بناء الوصف من هذا النوع على أَفْعَلَ ــ يعني نحو أَعْوَرَ وأَهْيَفَ ــ لم يُبنَ منه أَفْعَلُ تفضيل لئلا يلبس أحدهما بالآخر، فلما امتنع صوغ أَفْعَلِ التفضيل امتنع صوغ فعل التعجب لتساويهما وزنًا ومعنًى، وجريانِهما مجرى واحدًا في أمور كثيرة، وهذا الاعتبار هِّين بيِّن، ورجحانه متعّين» انتهى. وقد اختُلف مما عُبَّر عن فاعله بأَفْعَلَ في نوعين: أحدهما: العاهات، /فذهب جمهور البصريين إلى أنه لا يجوز أن يُبنى من أفعالها ــ وإن كانت ثلاثية ــ فعل التعجب. وأجاز ذلك الأخفش وبعض الكوفيين ــ منهم الكسائيّ وهشام ــ أجازوا: ما أَعْوَرَه!

стр. 3408

النوع الثاني: الألوان، منعَ التعجب منها البصريون، وللكوفيين فيها قولان: أحدهما: أنه يجوز من جميع الألوان، فأجاز الكسائي وهشام: ما أَحْمَرَه! من الحُمرة، إلا أنَّ الأجود عندهما: ما أَشَدَّ حُمرتَه! والقول الثاني: إجازته في السواد والبياض خاصةً دون سائر الألوان المجيء ذلك فيه؛ ولكونهما أصلَي الألوان، والأصول يكون فيها ما لا يكون في الفروع، والمحفوظ من ذلك ما روى الكسائي أنه سَمع: ما أَسْوَدَ شَعرَه! وقالت أُمُّ الهيثم ــ وهي من العرب الذين يُستشهد بكلامهم ـ: «هو أَسْوَدُ مِنْ حَنَكِ الغُراب»، وفي الحديث في صفة جهنم: (لهي أَسْوَدُ من القار)، وقال الراجز: يا ليتَني مِثلُكِ في البَياضِ ... مِثلُ الغَزالِ زِينَ بالخَضاضِ قَبَّاءُ ذاتُ كَفَلٍ رَضْراضِ ... أَبيَضُ مِنْ أُختِ بَني أَباضِ جاريةٌ في رَمَضانَ الماضي ... تُقَطِّعُ الحَديث بالإيماض

стр. 3409

وأنشد الكسائي: أمَّا الُملُوكُ فأنتَ اليومَ أَلأَمُهُمْ ... لُؤْمًا، وأَبْيَضُهُمْ سِرْبالَ طَبَّاخِ وهذا كله عند البصريين من الشذوذ بحيث لا يقاس عليه. وقد تأوَّل بعضهم قوله «وأَبيضهُم سِربالَ طَبَّاخِ» على أنه ليس أَفْعَلَ التفضيل، بل من باب أَفْعَل فَعْلاء، نحو أحْمرَ، فـ «سِربالَ طَبّاخ» منصوب على التشبيه بالمفعول به، نحو: حَسَنٌ الوجهَ، فالأصل: أنت مُبْيَضُّ سِربالُ طبَّاخِك، ثم نُقل، ونُصب على التشبيه بالمفعول به. قيل أو على التمييز. وقد رُدَّ هذا التأويل بأنه لا يجوز أن يقال: هذا رجلٌ حسنُ الناسِ وجهًا، ولا: ظريفُ القومِ ثوبًا، ولا أَسْوَدُهم جُبَّةً. وقال س في تعليل منع التعجب مما له فعل زائد لا يكاد ينخرم فيه، وهو أفعال الألوان، فإنها تكون على فَعِلَ وفَعُلَ، نحو أَدِمَ وشَهُبَ، ولا يكاد يخلو عن افْعَلَّ وافْعالً، بل قد يستغنون عن الثلاثي بها، نحو اصْفَرَّ، وما ليس كذلك من الخلق الثابتة، نحو حَوِلَ وعَرِجَ، وقالوا: احْوَلَّ واعْوَرَّ، ولم يقولوا اعْرَجَّ، وحُمل على عَوِرَ وعَرِجَ وعَمِيَ، قال س: لما جاء على أفْعَلَّ، وهو وزن خاص بالفعل؛ ألا ترى أنه لم يكن في الأسماء بل في الصفات لقربها من الفعل، فكان فيها الوزن

стр. 3410

ومعنى الفعل، فصارت هذه المعاني كأنً لها أفعالاً زائدة، ولا يُتَعجَّب منها لزيادتها لو تحقق، فكذلك ما نُزِّل منْزلته، ولذلك قال: «وكرهوا فيه ما لا يكون في فعله أبدًا» ما نقل عن س. وهي أصل للعلَّة الأولَى التي هي مشهور قول النحاة. وقال الخليل ١: لما كانت أشياءَ ثابتةً، على حالة واحدة في الأكثر أَشبَهَت ما لا فعل له كالرأس والرِّجل واليد؛ لأنها كذلك ثابتة، وهذه لا يُتَعَجَّب منها بالأصل، فكذلك تلك. /قال: ولأنَّ هذه الأشياء لا تُدخله في بناء الزيادة والتكثير كمِفْعال وفَعُول وفَعَّال، فكأنها أشبهت ما لا يقبل الزيادة، كالخؤولة والعُمومة ونحوها، وهي لا يُتَعَجَّب منها. وأمَّا كونه قبل دخول الهمزة على وزن فَعُلَ أصلاً أو تحويلاً، فتقدَّم الكلام عليه عند ذكر المصنف له. وأمَّا كونه قد استُغني عن البناء في هذا الباب بغيره فسيأتي عند تعرض المصنف له. وأمَّا كونه واقعًا فالصحيح أنَّ ذلك ليس بشرط، تقول: ما أَحْسَنَ ما يكون هذا الطفل! وما أَطْوَلَ ما يكون هذا الزرع! وما أَكْيَسَ ما يكون هذا! فتتعجب من أمر لم يقع إذا ظهرت مَخايلُه. وأمَّا كونه دائما فالصحيح أنَّ ذلك ليس بشرط؛ إذ قد يُتَعَجَّب من سرعة الرمي ولمع البرق ووقوع الصاعة، وهي من الأفعال التي لا تدوم، فتقول: ما أسْرَعَ رميَ زيدٍ!

стр. 3411

وقوله وقد يُبنَيانِ مِن فِعلِ المفعول إن أُمِنَ اللَّبس قد تقدَّم لنا ذكر الخلاف في ذلك في شرح قوله: غير مبني للمفعول. وقال المصنف في الشرح: «وقد يُبنَى فعل التعجب من فِعل المفعول إن أُمن الالتباس بفعل الفاعل، نحو: ما أَجَنَّه! وما أَبْحَتَه! وما أَشْغَفَه! وهذا الاستعمال في أَفْعَلِ التفضيل أكثر منه في التعجب، كأَزْهَى مِن ديك، وأَشْغَل من ذاتِ النِّحْيَينِ، وأَشْهَر من غيره، وأَعْذَر، وأَلْوَم، وأَعْرَف، وأَنْكَر، وأَخْوَف، وأَرْجَى، مِن: شُهِرَ، وعُذرَ، ولِمَ، وعُرِفَ، ونُكِرَ، وخِيفَ، ورُجي. وعندي أنَّ صوغ فعل التعجب وأَفْعَلِ التفضيل مِن فِعلِ المفعول الثلاثيّ الذي لا يلتبس بفعل الفاعل لا يُقتَصَر فيه على المسموع، بل يُحكَم باطَّراده لعدم الضمائر وكثرة النظائر» انتهى. والمسموع من ذلك: ما أَشْغَلَه! وما أَجَنَّه! وما أَجَنَّه! وما أَوْلَعَه! وما أَجَبَّه! وما أَخْوَفَه! وما أزْهاه! وما أَجْبَبَه برأيه! وما أَبْخَتَه! وما أَشْغَفَه! وما أَخْصَرَه! من شُغِلَ، وجُنَّ، وأُولِعَ، وحُبَّ، وخِيفَ، وزُهِيَ، وأُعجِبَ، وبُخِتَ، وشُغِفَ، واخْتُصِرَ. وفي: ما أَخْصَرَه! شذوذ من وجهين: أحدهما أنه من المفعول، والثاني أنه من المزيد، وهو أَخْتُصِرَ. وزاد بعضهم فيها: ما أَبْغَضَه! وما أَمْقَتَه! من أُبْغِضَ ومن مُقِتَ. وقد قيل فيهما: إنهما من فعل الفاعل؛ لأنه سمع: بَغُضَ الرجلُ فهو بَغيض، ومَقُتَ مَقاتةً فهو مقيت. فعلى هذا المسموع لا يكون ما أَفْعَلَه إلا مقيسًا بلا خلاف. وتقدم لنا أنَّ الصحيح قول الجمهور، وهو قصر ذلك على السماع.

стр. 3412

وقوله ومن فِعلِ أَفْعَلَ مُفْهِمَ عُسر أو جَهل قال المصنف في الشرح: «الإشارة بذلك إلى حَمِقَ، ورَعِنَ، وهَوِجَ، ونَوِكَ، ولَدَّ: إذا كان عسر الخصومة. وبناء الوصف من هذه الأفعال على أَفْعَلَ في التذكير وفَعْلاَء في التأنيث، لكنها ناسبت في المعنى جَهِل وعَسِر، فجرت في التعجب والتفضيل مجراهما، فقيل: ما أَحْمَقَه، وأَرْعَنَه، وأَهْوَجَه، وأنْوَكَه، وأَلَدَّه، وهو أَحْمَقُ منه، وأَرْعَنُ، وأَهْوَجُ، وأَنْوكُ، وأَلَدُّ» انتهى. وتقدم لنا في الشواذ: ما أَهْوَجَه! وما أَشْنَعَه! وما أَحْمَقَه! وما أنْوَكَه! وعلى ذلك حمله /أكثر أصحابنا. وقال بعضهم في ما أَحْمَقَه وإخوته: يظهر من كلام س أنهم إنما قالوا فيه ما أَفْعَلَه لأنه من باب العلم وضدّه لا من باب الخلقة في الجسد؛ فدلَّ على أنَّ هذه تخالف حكم الخلق، بل هي أوصاف غير ظاهرة، فخرجت عن الألوان والخلق. وهذا فرق على تعليل الخليل، وأمَّا على تعليل س فإنهم ــ وإن قالوا فيها ما أَفْعَلَه ــ فلأنه ليس أَفْعَل أصلاً فيها، بخلاف اللون والخلقة، بل أصلها أنْ تكون على فَعيل وفَعِلٍ وفاعِل كما في عَليم وفَهِمٍ وجاهِل، فروعي فيها ذلك المعنى، فُتُعجِّبَ من لفظها. وقال خطّاب الماردي: قولهم ما أَحْمَقَه! وما أَرْعَنَه! وما أَنْوكَه! وما أَلَدَّه! من الخَصِم الأَلَدّ، إنما جاز فيه هذا ــ والاسم منه أَفْعَلُ، وهو في معنى العاهات والأدواء ــ لأنهم أخرجوه عن معنى العلم ونقصان الفطرة، وليس بلون ولا خلقة في الجسد، وإنما هو كقولك: ما أَنْظَرَه! تريد نظر الفكر، وما أَلْسَنَه! تريد البيان والفصاحة.

стр. 3413

وقوله ومِن مزيدٍ فيه ذكروا من ذلك: ما أغْناه! وما أَفْقَرَه! وما أَتْقاه! وما أقْوَمَه! وما أَمْكَنَه! وما أَمْلأَه! وما آبلَه! وما أَشَدَّه! وما أَحْوَلَه! وما أَخصَرَه! وما أشْهاه! وما أَحْياه! وما أَرْفَعَه! من استَغنَى، وافْتَقَرَ، واتَّقَى، واسْتَقامَ، وتَمَكَّنَ، وامتَلأَ، وتَأبَّلَ، واشْتَدَّ، واحْتال، واختصِرَ، واشْتَهى، واسْتَحْيا، وارتَفَعَ. وقال الأخفش في «الأوسط»: «وقالوا: ما أَفْقَرَه! وما أَغْناه! وقد ذُكر أنه يقال فَقُرَ وغَنِيَ» انتهى ويدلَّ على ذلك قولهم فَقِير وغَنِيّ، وقالوا تَقِيّ لقولهم تَقِيَ، فكأنَّ أتْقَى مبنيّ منه. وقد نُقل شَهِيَ الشيءَ: اشتهاه، وحَيِيَ الرجلُ: اسْتَحيا، فعلى هذا لا يكون ما أَشْهاه! وما أَحْياه! شاذَّا. قال المصنف في الشرح: «وممن خفيَ عليه استعمال حَيِيَ بمعنى اسْتَحيا أبو عليّ الفارسيّ. وممن حفيَ عليه استعمال فَقُرَ وفَقِرَ سيبويه. ولا حجة في قول من خفي عليه ما ظهر لغيره، بل الزيادة من الثقة مقبولة، وقد ذَكر استعمال ما ادَّعيتُ استعماله جماعةٌ من أئمة اللغة» انتهى. وهذا الذي تبجَّح بالاطلاع عليه لا يقدح فيما قاله س؛ لأن س إنما ينقل فصيح اللغة ومستعملها لا شاذَّها، فالذين قالوا ما أَفْقَرَه! تكون لغتهم افتَقَرَ لا فَقُرَ ولا فَقِرَ؛ ألا ترى إلى قول الأخفش: «وقد ذُكر أنه يقال فَقُرَ وغَنِيَ»، فالأخفش أيضًا مع جلالته وسماعه من العرب لم يسمعه من العرب، إنما قال: «وقد ذُكر أنه يقال فَقُرَ»، وإنَّ شيئًا غابت معرفته عن س لجدير بأن يُطرح، وقال فتًى لأبي الأسود: «إنه قد وقع إليَّ حرف من اللغة لم يصل إليك، ولا عرفَته»، أو كلامًا

стр. 3414

هذا معناه، فقال له أبو الأسود: «لا خير فيما لا يعرفه أبو الأسود»، أو كلامًا قريب المعنى من هذا. وفي «الطُّرَر» التي بخط أحمد بن يوسف الأُشُوني: «نُقل عن الأخفش أنه يجيز التعجب من كل فعلٍ مزيد، كأنه راعى أصله؛ لأن أصل جميع ذلك الثلاثي. وقال بعضهم: إنما أجاز ذلك الأخفش على استكراه، كما أجاز ذلك س في أَفْعَلَ» انتهى. وقوله فإن كان أَفْعَلَ / قيس عليه وفاقًا لسيبويه إذا كان الفعل على وزن أَفْعَلَ ففي حكم التعجب منه ثلاثة مذاهب: أحدهما: أنه لا يجوز أن يُبنى منه أَفْعَلَ ولا أفْعِلْ على الإطلاق، وهو مذهب أبي الحسن، والمازنيّ، والمبرد، وابن السَّرّاج، والفارسيّ. والثاني: أنه يجوز، وهو مذهب الأخفش فيما قيل، ونُسب إلى س، وصححه ابن هشام الخضراوي. والثالث: التفصيل بين أن تكون الهمزة للنقل فلا يجوز، وبين ألاَّ تكون للنقل فيجوز، ونُسب إلى س، وصححه ابن عصفور. وقد جاءت ألفاظ من «أَفْعَلَ تُعُجَّبَ منها والهمزة لنقل ولغير نقل، فمن الأول قولهم: ما آتاه للمعروف! وما أعطاه للدراهم! وما أولاه بالمعروف! وما

стр. 3415

أضْيَعَه لكذا! ومن الثاني قولهم: ما أَنْتَنَه! في لغة من قال أنْتَنَ، وما أَخْطَأَه! وما أَصْوَبَه! وما أَيْسَرَه! وما أَعْدَمَه! وما أَسَنَّه! وما أَوْحَشَ الدارَ! وما أَمْتَعَه! وما أَسْرَفَه! وما أَفْرَطَ جهلَه! وما أَظْلَمَه! وما أَضْوَأَه! فمن نظر إلى مجيء ذلك في النوعين قاس عليه، ومن رآها قليلةً جعلها شاذَّة، ومن فصَّل قال: الذي همزته للنقل لا تدخل عليه همزة نقل، والذي همزته لغير النقل تُحذف، ويؤتى بهمزة النقل، ولذلك يصير الفاعل مفعولاً، نحو: أَظْلَمَ الليلُ، تقول: ما أَظْلَمَ هذا الليلَ! وقال س: «وبناؤه أبدًا من فَعَلَ وفَعِلَ وفَعُلَ وأَفْعَلَ، فشُبِّه هذا بما ليس من الفعل، نحو لاتَ وما. وإن كان من حَسُنَ وكرُم وأعْطَى» انتهى. فظاهر كلام س هنا أنه يجوز التعجب من أَفْعَلَ. وقد زعم بعضهم أنَّ قول س «وأفْعَلَ» صحَّفه الرواة، وأنَّ أصله وأفْعِلْ، يعني أنه ذكر ما أَفْعَلَه، وأنَّ بناءه من فَعَلَ وفَعِلَ وفَعُلَ، ثم قال «وأفْعِلْ»، وهو معطوف على: ما أَفْعَلَه، أي: من صيغة: ما أفْعَلَه، وأَفْعِلْ. لكن يدفع هذا القول قول س بعده: «وإن كان من حَسُنَ وكَرُمَ وأَعطى». وقال المصنف في الشرح: «المزيد على وزن أَفْعَلَ لم يُقتصر في صوغ فعل التعجب منه على المسموع، بل يُحكَم فيه بالاطَّراد وقياس ما لم سُسمع منه على ما سُمع ما يمنع مانع آخر. هذا مذهب س والمحققين من أصحابه، ولا فرق بين ما همزته للتعدية كأَعطى، وبين ما همزته لغير التعدية كأَغفى» انتهى. وقوله «ما لم يمنع مانع» احتراز من نحو أَوْدى بمعنى هَلَك، فإنَّ معناه غير قابل للكثرة، ومن نحو أَصبحَ وأَمسى وأَضحى، فإنها نواقص، وشرطُ المتعَّجب منه التمام. وقال المصنف في الشرح: «ومن تصريح س باطَّراد ما أَعطاه وشبهه قوله في الربع الأخير من كتابه: (هذا باب ما يُستغنَى فيه عن ما أَفْعَلَه بِما أَفْعَلَ

стр. 3416

فِعْلَه). ثم قال: (كما استُغنِي بتَرَكْتُ عن وَدَعْتُ، وكما استُغنِي بِنسْوة عن أن يجمعوا المرأة على لفظها، وذلك في الجواب؛ ألا ترى أنك لا تقول: ما أَجْوَبَه! وإنما يقولون: ما أَجْوَدَ جوابَه!). ثم قال: (وكذلك لا تقول: أَجْوِبْ به! وإنما تقول: أَجْودْ بِجَوابه! ولا يقولون في قالَ يَقيل: ما أَقْيَلَه! استَغنَوا بما أكَثَرَ قائلَتَه! وما أَنْوَمَه في ساعة كذا! كما قالوا تَركتُ، ولم يقولوا وَدَعتُ) هذا نصبُّه. فجعل استغناءهم عن ما أَجْوَبَه بما أَجْوَدَ جوابَه! مساويًا لا ستغنائهم عن وَدَعتُ ماضي يَدَعُ بتَرَكتُ، / وعن ما أَقْيَلَه بما أَكثَرَ قائلتَه! مع العلم بأنَّ عُدولهم عن وَدَعَ إلى تَرَكَ، وعن ما أَقْيَلَه إلى أن يكون ما أَجْوَبَه موافقًا للقياس، وهذا بِّين، والاعتراف بصحته متعّين. وإنما استحقَّ أَفْعَلَ مساواةَ الثلاثيِّ المحض في هذا الاستعمال دون غيره من أمثلة المزيد فيه لشبهه به لفظًا، ولكثرة موافقته له معنًى: أمَّا شبهه به لفظًا فمِن قِبَلِ أنَّ مضارعه واسم فاعله واسم زمانه واسم مكانه كمضارع الثلاثي واسم فاعله وزمانه ومكانه في عدة الحروف والحركات وسكون الثاني؛ بخلاف غيره من المزيد فيه. وأمَّا الموافقة في المعنى فكثيرة: فمن موافقته لِفَعَلَ سَرى وأَسرى، وطَلَعَ على القوم وأَطلَعَ، أي: أَشرَفَ، وطَفَلَتِ الشمسُ وأَطفَلَتْ، أي: دَنَتْ للغروب، وعَتَمَ الليلُ وأَعتَمَ، أي: أَظلَمَ، وعَكَلَ الأمرُ وأَعْكَلَ، أي: أَشْكَلَ. ومن موافقته لفَعلَ غَطشَ الليلُ وأَغطَشَ، أي: أَظلَمَ، وعَوزَ الشيءُ وأَعْوَزَ، أي: تَعَذَّرَ، وكذلك الرجل إذا افتَقَرَ، وعَدِمَ الشيءَ وأعدَمَه، أي: فَقَدَه، وعَبِسَتِ الإبلُ وأَعْبسَتْ، أي: دَنِسَتْ أدبارُها.

стр. 3417

ومن موافقته لَفعُلَ خَلُقَ الثوبُ وأَخْلَقَ، أي: بَلِيَ، وبَطُؤَ وأَبْطَأ معلوم، وبَؤسَ وأَبْأَسَ، أي: ساءت حالُه، ونظائر ذلك كثيرة. فلكون أَفْعَلَ مختصَّا من بين الأفعال المغايرة للثلاثي بمشابهته لفظًا وموافقته معنًى أجراه س مجراه في اطَّراد بناء فِعلَي التعجب منه» انتهى. وما ذكره المصنف من الاستدلال على جواز التعجب من أَفْعَلَ مطلقًا بأنه قد استُغنيِ عن ما أَفْعَلَه بما أَفْعَلَ فِعلَه، وقوله «لا تقول: ما أَجْوَبَه، فإنما يقولون: ما أجْوَدَ جوابَه، ولا تقول: أَجْوِبْ به، وإنما يقال: أَجْوِدْ بجوابه» ـلا دليل فيه على جواز التعجب من أَفْعَلَ مطلقًا؛ لأنَّ همزة أَجابَ ليست للنقل، وإنما هي لغير النقل كأَظْلَمَ، فلا حجة فيه على جواز التعجب من أَفْعَلَ على الإطلاق. وقوله وربَّما بُنِيا مِن غيرِ فِعلٍ تقدَّم الكلام معه في دعواه أنَّ قولهم «ما أذْرَعَ فلانة» مصوغ مما يُسمع منه فِعل، ورددنا عليه دعواه ذلك. وقوله أو فِعلٍ غير متصرَّف تقدَّم تمثيل ذلك. وقوله وقد يُغني إلى آخره الفعل المستوفي للشروط، واستغنت العرب عن التعجب منه بغيره ــ هو: قامَ، وقعدَ وجلسَ ضدّا قامَ ونامَ، وسَكِرَ، وقالَ من القائلة، وغضبَ، وحكى الأخفش في «الكبير» له عن بعض العرب: ما أَغْضَبَه! وهو قليل، قال: «وسألنا عنه التميميين والقيسيين، فلم يقولوه». قال المصنف في الشرح: «استغنت العرب فيهن بما أشَدَّ سُكْرَه! وما أكْثَرَ قُعودَه وجُلوسَه وقائلتَه! عن: ما أَسْكَرَه وأقْعَدَه وأجْلَسَه وأقْيَلَه» انتهى.

стр. 3418

وقال غيره: وذلك لأجل الالتباس، فما أَقْوَمَه ملتبس بما أَقْوَمَه من اسْتَقام، وما أقْعَدَه ملتبس بقولهم: ما أَقْعَدَه بأب، من القُعْدُد، وما أَجْلَسَه محمول على ضدَّه أو مثله، وما أَسْكَرَه ملتبس بما أَسْكَرَ النهرَ! إذا كَثُرَ فيه السَّكْر، قال الجوهري: «السَّكْر ــ /بالإسكان ــ مصدر سَكَرتُ النهرَ أَسْكُرُه سَكْرًا: إذا سَدَدته». فعلى هذا يكون التعجب من فعل المفعول لا من فعل الفاعل. وذكر الاستغناءَ عن ما أسْكَرَه وأقْعَدَه وأجْلَسَه ابن بَرْهان. وأمَّا الاستغناء عن ما أَقْيَلَه فمشهور، ذكره س وغيره. وذكر الاستغناء عن السبعة من أصحابنا ابن عصفور وغيره. وعدُّهم نامَ فيها ليس بصحيح؛ لأنَّ س حكى ٥: ما أَنْوَمَه! وقالت العرب: هو أنْوَمُ مِن فَهْدٍ. ص: ويُتَوَصَّلُ إلى التعجُّب بفعلٍ مثبتٍ متصرِّفً مَصُوغٍ للفاعل ذي مصدر مشهور إن لم يَستوف الشروط بإعطاء المصدر ما للمتعجَّب منه مضافًا إليه بعد «ما أَشْددْ» ونحوهما. وإن لم يَعدَم الفعلُ إلا الصَّوغَ للفاعل جيءَ به صلة لـ «ما» المصدرية آخذةً ما للمتعجَّب منه بعد «ما أَشَدَّ» أو «أَشْدِدْ» أو نحوهما.

стр. 3419

ش: يقول: إنه يُتوصل إلى التعجب مما لا يجوز التعجب منه لفقد شروط جواز ذلك إذا كان له مصدر مشهور بإعطاء ذلك المصدر الذي للفعل لا يجوز أن يُتَعَجَّب منه حُكمَ الاسم الذي كان منصوبًا بعد أَفْعَلَ، ومجرورًا بعد أَفْعِلْ، مضافًا ذلك المصدر إلى الاسم، مثال ذلك: ما أَكْثَرَ حُمْرَةَ زيدٍ، وأَكْثِرْ بحُمْرةِ زيدٍ، وما أَسْوَأَ عَوَرَ زيدٍ، وأَسْوِئْ بَعَورِ زيد! وما أَبْيَنَ بُلْجةَ عمرٍو! وأَبْيَنْ بِبُلْجة عمرٍو! وما أَحْسَنَ استخراجَ زيدٍ للدراهم! وأَحْسِنْ باستخراجِ عمرٍو للدراهم! وما أَفْجَعَ موتَ عمرٍو! وأَفْجِعْ بموتِ عمرٍو! وما أَحْسَنَ كون هندٍ متجردةً! وأَحْسِنْ بكونِ هندٍ متجردةً! وما أشَدَّ دحرجَته! وما أَشْددْ بَدحرَجته! واحترز بقوله ذي مصدر مشهور من أن يكون الفعل قد فقد بعض الشروط، وليس له مصدر مشهور، وذلك نحو يَذَوُ ويَدَعُ، فإنهما ليس لهما مصدر مشهور، وقد روي لهما مصدر، وذلك الوَدْعُ، ولم يتعرض المصنف لحكم هذا، وحكمُه أنَّ الفعل يُجعَل صلةً لـ «ما» المصدرية، ويُتعجب منه، فتقول: ما أَكْثَرَ ما يَذَوُ زيدٌ الشرَّ! وما أَكْثَرَ ما يَدَعُه، وأَكثِرْ بما يَذَرُ زيدٌ الشرَّ، وأَكْثِرْ بما يَدَعُه. فإن كان المانع كونه مبنيَّا للمفعول فهذا له مصدر، ولكن إن أضفته إلى المفعول وكان التبس بالمضاف إلى الفاعل، فإنَّ الفعل يُجعل في صلة ما، فتقول: ما أكْثَرَ ما ضُرِبَ زيدٌ! وأكْثِرْ بما ضُرِبَ زيدٌ! وإن لم يلتبس جاز المجيء بالمصدر، فتقول: ما أكْثَرَ شُغْلَ زيد! وأكْثِرْ به!

стр. 3420

ولا يختصُّ هذا الحكم بما فُقد فيه شرط من الشروط، بل يجوز هذا الحكم فيما استوف الشروط، فتقول: ما أَكْثَرَ ضَرْبَ زيدٍ لعمرٍو! وأَكْثِرْ بِضَربِ زيدٍ لعمرٍو! وما أَكْثَرَ ما ضَرَبَ زيدٌ عمرًا! وأَكْثِرْ بما ضَرَبَ زيدٌ عمرًا. فإن كان المانع كونه منفيَّا جعلتَه في صلة أنْ، نحو: ما أَقْبَحَ ألاَّ تأمرَ بالمعروف! وأَقْبِحْ بألاَّ تأمرَ بالمعروف! وإنما كان ذلك لأنه لا ينسبك من الفعل المنفيِّ مصدر. فلو كان الفعل من بابِ كانَ مما لَزِمَه النفي لكونه وُضع له ــ وهو ليس أو لكونه لا يُستعمل إلا مقرونًا بحرفه أو بحرف النهي /والدعاء، نحو: ما زالَ ــ ففي ذلك خلاف: ذهب البغداديون ٢ إلى إجازة: ما أَحْسَنَ ما ليسَ يَذكرُك زيدٌ! وما أَحْسَنَ ما لا يزالُ يذكرُنا زيدٌ! وتابعهم أبو بكر بن السَّراج. ويقوِّي ذلك في «ليس» أنها قد وقعت صلةً لـ «ما» المصدرية، قال: ............................ ... بِما ... لَسْتُما أَهلَ ... الخِيانِة والغَدْرِ ويقوِّي ذلك في «لا يزال» أنه صورته صورة النفي، وهو موجب من حيث المعنى، وكأنَّ كان الفعل نِعمَ وبئسَ وغيرهما مما لا يَتصرف فلا يقع صلة لـ «ما» ولا لـ «أنْ». مسائل من هذا الباب: الأولى: لا يجوز حذف الهمزة من أَفْعَلَ في هذا الباب، وشذَّ من كلامهم: ما خَيرَ اللَبنَ للصحيح! وما شَرَّهُ للمبطون! وأصلهما: ما أخْيَرَه، وما أَشَرَّه.

стр. 3421

فأمَّا ما خَيْرَهُ فإنه لَمَّا حذف الهمزة احتاج إلى أحد أمرين: إمَّا حذف ألف ما لالتقائها ساكنه مع الخاء الساكنة، وإمَّا تحريك الخاء وإبقاء الألف التي في ما، فينتفي التقاء ساكنين، فمنهم مَن حَذف الهمزة وألف ما، فقال: مَخْيَرَكَ! ومَحْسَنَكَ! وسَمع الكسائيُّ: مَخْبَثَهُ! ومنهم مَن حرَّك الخاء بحركة الياء، وأبقى ألف ما، فقال: ما خَيْرَ اللبنَ! وسهّل ذلك في ما أَخْيَرَ وما أَشَرَّ تشبيهُهما بخَيرٍ وشَرِّ أَفْعَلَي التفضيل، وإن كان حذف الهمزة فيهما في التفضيل هو الفصيح المستعمل. وأمَّا ما شَرَّهُ للمبطون! فإنه ليس فيه إلا حذف الهمزة، وليس فيه التقاء ساكنين ولا نقل حركة الراء إلى الشين لأجل حذف الهمزة، إنما كان النقل لأجل الإدغام، وقال الشاعر: ما ... شَدَّ أنفُسَهم ... وأَعْلَمَهم ... بما ... يَحمي الذَّمارَ به الكريمُ ... المُسلِمُ ولا يقاس على شيء مما حُذفت فيه الهمزة، والقياس عليه خطأ عند البصريين، قاله النحاس. المسألة الثانية: إذا اتَّصل بأفْعَلَ في التعجب ضمير المتكلم، نحو: ما أَحْسَنَنِي! وما أَظْرَفَنِي! وما أجْمَلَنِي! فالذي تقتضيه قواعد البصريين أنه لا يجوز حذف نون الوقاية، كما لا يجوز في: أَكرمَنِي زيدٌ، وضَربني خالدٌ. وحكى الكوفيون: ما أحْسَنِي! بحذف نون الوقاية، فينبغي أن يُحمل على الشذوذ، ولا يقاس عليه. وقال أبو الحسن بن عصفور: «واعلم أنَّ كل فعل يتصل به ضمير المتكلم فإنه تلزمه نون الوقاية إلا فعل التعجب، فإنك في إلحاقها بالخيار. ووجهُ حذفها شبهُه بالاسم، فإذا كانوا قد يتركونها في مثل:

стр. 3422

...................... ... يَسُوءُ الفاليِاتِ إذا فَلَيْني مع أنه لم يخرج عن أصله كفعل التعجب ــ فأقلُّ مراتب هذا أن يجوز ذلك فيه» انتهى. المسألة الثالثة: إذا كان آخر أَفْعَلَ نونًا، ولقي نون الوقاية، نحو: ما أَحْسَنَنِي! وما أَلْيَنَنِي! فيجوز فيه الفكُّ والإدغام، أمَّا الفكُّ فلكونهما غير لازمين؛ لأنهما من كلمتين. وأمَّا الإدغام فكراهة اجتماع المثلين. فإن جاء بعد هذا الفعل ضمير المتكلمين، /نحو: ما أَحْسَنَنا! وجب الفكُّ، وإنما لم يَجز الإدغام كراهة الالتباس بقولهم ما أَحْسَنَّا إذا نفيتَ الإحسان عنك وعن غيرك. وإذا استفهمت قلت: ما أحْسَنُنا؟ برفع النون، ويجوز الإدغام، فتقول: ما احسنَنَّا؟ فيكون الفرق بين النفي والاستفهام بلزوم الإشمام إذا أَدغمت لأنه مرفوع، قال بعض أصحابنا: ولذا اتَّفق القرَّاء على الإشمام في ﴿مالك لا تأمنا على يوسف)، فهنا أولى. المسألة الرابعة: ما شَذُّوا فيه، فقالوا فيه: ما أَفْعَلَه، نحو: ما أَمْلأَ هذه القِرابةَ! وما أَمْكَنَه عند الملك! لا يجوز أن يُبنَى منه لَفَعُلَ في التعجب، فلا يقال: لَمَلُؤَتِ القِربةُ! ولا لَمَكُنَ زيدٌ! وذلك أنَّ فَعُلَ في التعجب قليلة الاستعمال، فلم يَجز لذلك استعماله إلا حيث تُستَعمل ما أَفْعَلَه بقياس. المسألة الخامسة: مَن ذهب إلى أنه يجوز التعجب مما كان على وزن أَفْعَلَ وهمزتُه ليست للنقل؛ ويجعل ذلك مقيسًا ــ لا يُجيز أن يُبنَى منه فَعُلَ للتعجب، فلا يقال: لَخَطُؤَ الرجلُ! ولا: لَصابَ الرجلُ! وإن كانوا قد قالوا: ما أَخْطَأَه! وما أَصْوَبَه!

стр. 3423

المسألة السادسة: ما أَحْسَنَ زيدًا لا ما أَشْرَفَه! وما أَحْسَنَ زيدًا لا أَشْرَفَه! مَنع من إجازتهما الكسائي. وقال أبو جعفر النحاس: وهذا جائز على أصول البصريين؛ لأنَّ حُكم (لا) أن تكون بعد الإيجاب. المسألة السابعة: ما أَحْسَنَ وأجْمَلَ زيدًا! فيها ثلاثة مذاهب. تفصيل في الثالث، فيجوز بشرط إعمال الثاني، ويُمنع على إعمال الأول، وتقدَّم ذكرها في باب الإعمال، فأغنى عن إعادته.

стр. 3424

-[ص: بابُ أَفْعَلِ التفضيل يُصاغُ للتفضيل مُوازِنُ «أَفْعَلَ» اسمًا مما صيغَ منه في التعجب فعلاً على نحو ما سبقَ من اطِّرادٍ وشذوذٍ ونيابِة أَشَدَّ وشبهه، وهو هنا اسمٌ ناصِبٌ مصدرَ المُحْوِجِ إليه تمييزًا. وغَلَبَ حذفُ همزِة أَخْيَرَ وأَشَرَّ في التفضيل، ونَدَرَ في التعجب.]- ش: أَفْعَلُ التفضيل هو الوصف المصوغ على أَفْعَلَ الدالّ على زيادةِ وصفٍ في محلِّ بالنسبة إلى محلِّ آخر. فـ «الوصف» جنس يشمل ما كان من الأوصاف على وزن أَفْعَلَ، و «الدالّ على زيادة إلى آخره» فصل يَخرج به أَحْمَرُ وأَرْمَلٌ. وفي «البسيط»: أَفْعَلُ التفضيل هو الاسم المشتقّ لموصوف قائم به معنًى ليدلَّ على زيادة فيه على غيره. فقولنا «لموصوف» خرج منه الزمان والمكان، وقولنا «ليدلَّ إلى آخره» يَفصله مما عداه. ولما قدَّم المصنف الكلام على التعجب أحالَ هنا في الصوغ على فِعلَيه، وكان قد ذكر ما شذَّ فيه في التعجب، وما يجوز القياس عليه، فكذلك الحكم هنا، فكما شذَّ قولهم أقْمِنْ به مما لم يُصَرَّح له بفعل شذَّ هنا قولهم: هو أقْمَنُ به، أي أحَقُّ، وقالوا «أَلَصُّ من شظاظ»، أي: أكثر لُصُوصِيَّة، وهو /رجل من ضَبَّة، وأَقْيَرُ من هذا، أي: أَمَرُّ، وأَوَّل، وآخَر، ولا فعل لها. قال المصنف في الشرح: «ومن أمثلة س فيما لا فِعل له: أَحْنَكُ الشاتين والبَعيرَين، أي: آكَلُهما، وآبلُ الناس، أي: أَرعاهم للإبل، وفي أمثالهم: آبلُ من

стр. 3425

حُنَيْفِ الحَناتِم. ومن أمثلة غيره: هذا التمر أَصْقَرُ مِن غيره، أي: أَكثَرُ صَقْرًا، وهذا المكان أَشْجَرُ مِن هذا، أي: أَكثَرُ شَجَرًا، وفلان أَضْيَعُ مِن غيره، أي: أَكثَرُ ضياعًا. والصحيح أنَّ أَخْتَك من قولهم: احْتَنَكَ الجرادُ ما في الأرض، أي: أكلَه، ولكنه شاذُّ لكونه من افْتَعَلَ، فهو نظير أَشَدَّ من اشتَدَّ، ونظير قولهم: هو أَسْوى من فلان، بمعنى: أَشَدُّ استواء. والصحيح أنَّ آبل من قولهم أَبِلَ الرجلُ إبالةً وأَبِلَ أَبَلاً: إذا دَرِبَ بسياسة الإبل والقيام عليها، فلا شذوذ فيه أصلاً. وكذا الصحيح أنَّ أَصْقَرَ من صَقِرَ الرُّطَبُ: إذا كان ذا صَقْر، فلا شذوذ فيه أيضًا. أَشْجَر هو من قولهم أشجر المكان، أَي: صار ذا شجر، ولا شذوذ فيه على مذهب س» انتهى. وقد تقدَّم الخلاف في نسبة هذا المذهب إلى س. فأمَّا قولهم «فلان أضيع من غير» من قولهم أَاع الرجل: كثر ضياعه، وقولهم هو أعطاهم للدراهم وأولاهم بالمعروف، وأَكرَمُ لي من زيد، أي: أَشَدُّ إكرامًا، وأَفلَسُ من ابن المُدَلَّق، وهذا المكانُ أَقْفَرُ من ذلك، وقول عمر «فهو لِما سواها أَضْيَعُ» ــ فهي كلها من أَفْعَلَ، والخلاف الذي في التعجب فيه جارٍ في بناء أَفْعَلِ التفضيل منه.

стр. 3426

وشذَّ مما هو أَفْعَلُ فَعْلاَء قولُهم: أَسْوَدُ مِن حَنَكِ الغُرابِ، و (أَبْيَضُ مِن الَّلبَنِ)، وأَحْمَقُ مِنْ هَبَنَّقةَ، وأَهْوَجُ مِن زيد، وأَنْوَكُ منه. وشذَّ من بناء المفعول من المزيد: هو أَخْصَرُ، من اختُصِرَ، وهو أَصْوَبُ مِن غيره، من أُصِيب بمكروه. ومن الثلاثي: هو أَشْغَلُ مِن ذاتِ النِّحْيَينِ، وهو أَعْذَرُ منه، وأَلْوَمُ، وأَشْهَرُ، وأَعْرَفُ، وأَنْكَرُ، وأَرجَى، وأَخْوَفُ، وأَحْمَدُ في أحد تأويليه، وأَزْهَى، وأَهْيَبُ، وأنا بهذا أَسَدُّ منك، وهم بشأنه أَعْنَى. وخلاف المصنف في هذا كهو في فعل التعجب، قال: «فإن اقترن بما يمنع من قصد الفاعلية جاز وحسن، نحو قولهم: أَكْسَى مِن بَصَلة، وأَشْغَلُ مِن ذاتِ النِّحْيَينِ». قال ٥: «فيصح على هذا أن يقال: عبدُ الله بنُ أُبَيِّ أَلْعَنُ مِمَّن لُعِنَ على لسان داود، ولا أحْرَمَ ممن عدم الإنصاف، ولا أَظْلَمَ مِن قَتيل كَرْبَلاء. فلو كان مما لَزِمَ بناءَ ما لم يُسَمَّ فاعلُه أو غَلَب عليه لم يُتَوَقَّف في جوازه لعدم اللبس وكثرة النظائر، كأَزْهَى وأَعْنَى» انتهى. فأمَّا تمثيله بقولهم «أَكْسَى مِن بَصَلة» فلا يتعين أن يكون من المبنيِّ للمفعول ــ وهو كُسِيَ ــ لأنَّ العرب تقول: كَسِيَ الرجلُ ــ بفتح الكاف ــ مَبينَّا للفاعل، بمعنى اكْتَسى، قال:

стр. 3427

............................ ... واقْعُدْ؛ فإنَّكَ أنتَ الطاعِمُ الكاسي وقال: وأنْ ... يَعْرَيْنَ ... إنْ ... كَسِيَ ... الجَواري ... ..................................... فيحتمل أن يكون قولهم «أَكْسَى من بَصَلة» /من كَسِيَ المبنيَّ للفاعل لا كُسِيَ المبنيِّ للمفعول. وأمَّا قوله «لم يُتَوَقَّف في جوازه» فهذا الحكم عنده، وأمَّا غيره فإنه لا يُجيز ذلك، وإن ورد منه شيْ فهو شاذّ. وأمَّا قوله «مما لَزِمَ بناءَ ما لم يُسَمَّ فاعلُه» فمن ذلك: ثُلِجَ فؤادُ الرجل: إذا كان بليدًا، وُختَ الرجلُ: إذا سَعدَ، وجيس: إذا فُعل به فعل قوم لوط مختارًا». وأمَّا قوله «أو غَلَبَ عليه» فمنه قولهم: نُخِيَ الرجلُ نخوةً: إذا تكبَّر، ونَخا نَخْوًا، لغة حكاها ابن القطاع، وشُهِرَ، وبُهِتَ. وقوله مما صيغَ منه في «صيغَ» ضمير يعود على مُوازن أَفْعَلَ، والضمير في «منه» عائد على «ما» في قوله «مما»، أي: من اللفظ الذي صيغَ مُوازنُ أَفْعَلَ منه. وقوله ناصبٌ مصدرَ المُحْوِجِ إليه تمييزًا أي: مصدرَ اللفظ الُمحْوج إلى نيابة أَشدَّ ونحوه، فتقول: هو أَشَدُّ دحرجةً، وأَصَحُّ تعليمًا، وأَكْثَرُ اقترابًا، وهو أَفْظَعُ موتًا، وهو أَقْبَحُ عَوَرًا، وهو أَحْسَنُ كُحْلاً. وقوله وغَلَبَ حذفُ همزِة أخْيَرَ وأَشَرَّ في التفضيل وحذفت الهمزة لكثرة الاستعمال نحو: هو خيرٌ من فلان، وشرُّ من فلان. وجاء الحذف في غيرهما نادرًا، قال:

стр. 3428

وزادَني كَلَفًا في الحُبِّ أَنْ مَنَعَتْ ... وحَبُّ شيءٍ إلى ... الإنسانِ ما مُنِعا يريد: وأَحَبُّ شيءٍ. وندر إتمام خَير وشَرّ، قرأ أبو قِلابة ﴿مَنِ الكذَّابُ الأَشَرُّ﴾، قال: بلالُ خَيرُ الناسِ وابنُ الأخْيَرِ وقوله ونَدَرَ في التعجب يعني حذف همزة أَخْيَرَ وأَشَرَّ، قالوا: ما خَيْرَ اللَّبن للصحيح! وما شَرَّهُ للمَبطُون! وتقدَّم ذكر هذا. كما ندر حذفها في قوله: ما شَدَّ أَنْفُسَهُمْ وأَعْلَمَهُمْ بِما ... ..................................... -[ص: ويَلزَمُ أَفْعَلَ التفضيل عاريًا الإفرادُ والتذكيرُ، وأن يَليَه أو معمولَه المفضولُ مجرورًا بـ «مِن»، وقد يسبقانه، ويلزم ذلك إن كان المفضولُ اسمَ استفهام أو مضافًا إليه، وقد يُفصَل بين أَفْعَلَ و «مِنْ» بـ «لو» وما اتَّصل بها. ولا يخلو المقرونُ بـ «مِنْ» في غير تهكُّم من مشاركِة المفضَّل في المعنى أو تقديرِ مشاكته. وإن كان أَفْعَلُ خبرًا حُذف للعلم به المفضولُ غالبًا، ويقلُّ ذلك إن لم يكن خبرًا. ولا تُصاحب «مِن» المذكورةُ غيرَ العاري إلا وهو مضافٌ إلى غير مُعْتَدِّ به، أو ذو ألف ولام زائدتين، أو دالَّ على عارٍ تتعلقَّ به «مِنْ»، أو شاذُّ.]- ش: يعني بقوله عاريًا أي: من أل ومن الإضافة، فيلزمه إذ ذاك أن يكون مفردًا مذكرًا، سواء أكان لمذكر أو مؤنث، لمفرد، أم مجموع، فتقول: زيدٌ أفضَل من عمرٍو، والزيدان أَفضَلُ من عمرو، والزيدونَ أَفْضَلُ من عمرٍو، وهنٌ أَفضَلُ من دعد، والهندان أَفضَلُ من دعد، والهنداتُ أَفضَلُ من دعد.

стр. 3429

قال أبو الفتح في «كتاب القد» له ما مختصره: «إنما كان بلفظٍ واحد مع مِنْ لأنَّ الغرض إنما هو تفضيل كَرَمِ زيدٍ على كَرَمِ عمرو، فهو في المعنى إخبار عن المصدر، فوجب التذكير لغلبته على المصدر، فرُفِض فيه فُعْلَى» انتهى. وهذه علةُ عدم تثنيته /وجمعه. وقوله وأنْ يَليَه أو معمولَه المفضولُ مثال أن يليه: زيدٌ أَفضَلُ من عمرو، ومثال أن يليه المعمولُ قولُه تعالى (النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾، وقوله ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتب الله من المؤمنين)﴾ ١، وقال تعالى ﴿قال رب السجن أحب إلى يدعوننى إليه)، وقال الشاعر: فلأنتَ أَسْمَحُ لِلْعُفاةِ بِسُؤْلِهِمْ ... عندَ الشَّصائبِ مِنْ أَبٍ لِبَنينا وقال: ما زِلْتُ أَبْسَطَ ــ في غَضِّ الزَّمانِ يَدًا ... لِلنَّاسِ بِالخَيرِ ــ مِنْ عَمرٍو ومِنْ هَرِمِ وقال الراجز: لأَكْلةٌ مِنْ أَقِطٍ وسَمْنِ ... ألْيَنُ مَسَّا في حَوايا البَطْنِ مِنْ يَثْرَبَّياتٍ قِذاذٍ خُشْنِ ... يرمي بِها أَرْمَى مِنِ ابْنِ تِقْنِ

стр. 3430

وقال كثِّير: سَبُعُ الدارِ أَشْجَعُ حينَ يُبلَى ... لَدَى الهَجاء مِنْ لَيثٍ بِغابِ ففي الآيتين الفصل بجارّ ومجرور، وفي البيت الذي يليهما الفصل بجارّين ومجرورين وظرف، وفي البيت الذي يليه بتمييز وجار ومجرور، وفي الذي يليه بظرفين، وكل ذلك معمول لأَفْعَلِ التفضيل. وقوله وقد يسبقانه مثال ذلك قول ذي الرمة: ولا عَيبَ فيها غيرَ أنَّ سَريعَها ... قَطُوفٌ، وأنْ لا شيءَ منهُنَّ أَكْسَلُ وقال آخر: فقالتْ لنا: أَهلاً وسَهْلاً، وَزَوَّدَتْ ... جَنَى النَّحلِ أو ما زَوَّدَتْ مِنهُ أَطْيَبُ وقال آخر: إذا سايَرَتْ أَسماءُ يومًا ظَعينةً ... فأَسماءُ مِن تلكَ الظَّعينِة ... أَمْلَحُ وقال الآخر: ولولا النُّهى أَنْباتُك اليومَ أنَّنِي ... من الطابنِ الطَّبِّ المُجَرِّبِ أَعْلَمُ وقال الآخر:

стр. 3431

فقلتَ لها: لا تَجزَعي، وتَصَبَّري ... فقالتْ بِحَقِّ: إنَّني منكَ أَصْبَرُ فقلتُ لها: واللهِ ما قلتُ باطلاً ... وإنِّي بِما قد قُلتِ لي منكِ أَبْصَرُ ومن علم الكوفيين قال الفراء وأصحابه في إنَّ عبدَ الله لمنكَ أفضَلُ: مستقبَح؛ لأنَّ أفْضَلَ لا يَقوَى على مِن كقوَّة الفعل على المجاز، ومنْ مع أَفْعَلَ موضع المفسِّر الذي موضعه آخر الكلام، فقبُح هذا لإشباهه إنَّ عبدَ الله لَوَجهًا حَسَنٌ. وهذا خَلْفٌ من القول لتقديم المفسِّر الذي موضعه التأخير، وأصله الخفض، وأن يقال فيه: إنَّ عبدَ الله لَحَسَنُ الوجه، فلما أشبهتْ «مِن» ما يأتي مفسَّرًا من النكرات ضعُف مذهب تقديمها، وازداد الكلام اختلالاً /بدخول اللام على ما يشبه حرفًا أصله الخفض والمجيء بعد الخبر. وقال الفراء: إنَّ عبدَ اللهِ منك لأفضَلُ أَقَلُّ قبحًا من الأول؛ لأنَّ اللام لَمَّا دخلتْ على الخبر حصلتْ في موضعها، وأشبهتْ «مِن» في تقديمها في قيلهم: إنَّ عبدَ اللهِ منك لهاربُ، واستقبحَ: إنَّ منك لأفضلُ عبدَ الله، فإن جُوَّزَتْ على ما فيها من القبح شُبِّهت بإن بالجاريةِ لكفيلاً عبد الله. وقال الفراء: إنَّ منك عبدَ الله لأفضلُ أَحسَنُ مِنَ التي قبلها لحصول اللام في مكانها المعروف لها. وقوله ويَلزَم ذلك إن كان المفضولُ اسمَ استفهام مثال ذلك: مِمَّنْ أنتَ خيرٌ؟ ومن أيِّ الناس زيدٌ أفضلُ؟ ومِمَّ قوامُك أَعْدَلُ؟ والإشارة بـ «ذلك» إلى تقدُّم مِن والمفضول على أَفْعَلَ. وينبغي أن ننبّه على سَبْقه أيضًا ما كان أَفْعَلُ خبرًا له، نحو ما مثًلنا، ونحو: ممَّنْ كان زيدٌ أَفضَلَ؟ ومِمَّنْ ظَنَنتَ زيدًا أَفضَل؟ لئلا يُتَوَهَّمَ أنه يجوز توسُّطهما بين المُخبَر عنه والخبر، فإنه لا يجوز: زيدٌ ممَّن أَفضَلُ؟ ولا: كان زيدٌ ممَّنْ أَفضَلَ؟ ولا: ظَنَنتُ زيدًا مِمَّنْ أَفضَلَ؟

стр. 3432

وقوله أو مضافًا إليه مثاله: مِنْ وَجهِ مَنْ وَجهُك أَجْمَلُ؟ ذكر أصلَ هذه المسألة أبو عليّ الفارسيّ في «التذكرة»، قال المصنف في الشرح: «وهي من المسائل المغفول عنها» وقوله وقد يُفصل بين أَفْعَلَ ومِن بـ «لو» وما اتَّصل بها لَمَّا ذَكر أنه قد يُفصل بمعمولٍ لأَفعَلِ التفضيل ذَكر أنه قد يُفصَل بغير المعمول له، فذَكر الفصل بـ «لو» وما اتَّصل بها، نحو قوله: ولَفُوكِ أَطْيَبُ لو بَذلْتِ لنا ... مِنْ ماءِ مَوْهَبةٍ على خَمْرِ المَوْهَبة: غديرُ ماء في صخرة. وجاء الفصل بالمنادى، قال جرير: لم يُلْقَ أَخْبَثُ ــ يا فَرَزْدَقُ ــ مِنكُمُ ... لَيلاً، وأَخْبَثُ بالنَّهار نَهارَا وقوله ولا يخلو المقرون بـ «مِن» في غير تهكُّمٍ من مشاركةِ المفضَّل في المعنى يعني أنه إذا قيل سيبويهِ أنْحَى من الكسائيُّ مشارك لسيبويه في النحو وإن كان سيبويه قد زاد عليه في النحو. قال المصنف في الشرح ١: «فيقال: الخبرُ أَغذَى من السَّويق، والعسلُ أَحلَى من التَّمر، ولا يقال: الخبزُ أَغذَى من الماء». إنما ذلك ــ على زعمه ــ لأنَّ الماء لا يَغذو، فلم يُشارك الماءُ الخبز في ذلك، كما أنَّ الخبز لم يُشارك الماءَ في الريّ، فامتنعت عنده المسألتان. فليس الأمر كذلك، بل يجوز أن تقول: الخبزُ أَغذَى من الماء، والماءُ في لغة العرب يَغذو، قال الشاعر:

стр. 3433

كَبِكْرِ مقُاناةِ ... البَياضِ بِصُفْرةٍ ... غَذَاها ... نَميرُ ... الماءِ غير الْمُحَلَّلِ واحتزاز بقوله في غير تهكُّم من قول الراجز: /لأَكْلةٌ مِن أَقِطٍ وسَمْنِ ... أَلْيَنُ مَسَّا في حَوايا البَطْنِ مِنْ يَثرَبيَّاتٍ قِذاذٍ ... خُشْنِ وقول الشاعر: الحَزْمُ والقُوَّةُ خَيرٌ مِنَ الـ ... ـإدْهانِ والفَكَّةِ والهاعِ الفَكَّة: الضَّعف، والهاع: الجُبْن. وزعم بعض العلماء أنه يقال: العسلُ أَحلَى مِنَ الخَلِّ. ووجَّهه المصنف بثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون قائل هذا أراد بالخَلَّ العنبَ، وسمّاه خلاَّ لمآله إليه، كما سُمي خمرًا في قوله تعالى ﴿إنى أرئنى أعصر خمرًا﴾. الثاني: أن يكون أَحْلَى من حَلِيَ بالعين: إذا حَسُنَ منظرُه. الثالث: أن يكون أوقَعَ أَحلَى موقع أَطْيَبَ؛ لأنَّ الخَلَّ يُتأدَّم به، فله من الطَّيب نصيب، لكنه دون طيب العسل.

стр. 3434

وقوله أو تقديرِ مشاركتِه يعني بوجهٍ ما، كقولهم في النقيضين: هذا أَحَبُّ إليَّ من هذا، قال تعالى ﴿قال رب السجن أحب إلى مما يدعوننى إليه)، وفي الشَّرَّينِ: هذا خيرٌ من هذا، وفي الصَّعبَينِ: هذا أَهْوَنُ مِن هذا، قال الراجز: أَظَلُّ أَرعَى، وأَبِيتُ أَطْحَنُ ... الَموتُ مِن بَعضِ الَحياةِ أَهْوَنُ وفي القبيحين: هذا أحسنُ من هذا، وقال الراجز: عُجَيِّيزٌ لَطْعاءُ دَرْدَبِيسُ ... أَحْسَنُ مِن مَنْظَرِها إبليسُ والمعنى: أَقَلُّ بُغضًا، وأَقَلُّ شَرَّا، وأَهْوَنُ صُعوبةً، وأَقَلُّ قُبحًا. وقال بعضهم: الصَّيفُ أَحرُّ مِن الشتاء، ووجِّه ذلك بوجهين: أحدهما: أن يكون أَحَرُّ من قولهم: حَرَّ القتلُ: إذا اسْتَحَرَّ، أي: اشتَدَّ، فكأنه قيل: أَشَدُّ اسْتِحْرارًا من الشتاء؛ لأنَّ حروبهم في الصيف كانت أكثر. والثاني: أنه يُتَحَيَّل لفصل الشتاء باتخاذ ما يقي البرد، والصيف لا يُحتاج فيه إلى ذلك، فحَرُّه أشدُّ من حرِّ الشتاء، أو يُعتبر بذلك حَرّ الأمزجة، فهو في الصيف أَحَرُّ منه في الشتاء. وقوله وإن كان أَفْعَلُ خبرًا حُذف للعلم به المفضولُ غالبَّا قال تعالى ﴿أتستبدلون الذى هو أدنى بالذى هو خير﴾، ﴿ذلكم أقسط عند الله

стр. 3435

وأقوم للشهادة وأَدنى ألا ترتابوا﴾، ﴿والله أعلم بما وضعت﴾، ﴿وما تخفى صدورهم أكبر﴾، ﴿والبقيت الصلحت خير عند ربك ثوابا وخير أملا﴾، ﴿أى الفريقين خير مقاما﴾، ﴿فسيعلمونأُ من هو شر مكانا وأضعف جندا﴾، ... وهو كثير، وقال الشاعر فَخَرَتْ بَنو أَسَدٍ بِمَقْتَلِ مالكٍ ... صَدَقَتْ بَنو أَسَدٍ، عُتَيبةُ أَفْضَلُ أي: من الجماعة الذين قُتلوا به. وقال آخر: إذا ما سُتُورُ البيتِ رْخِينَ لم يَكُنْ ... سِراجٌ لنا إلا ووَجهُكِ أَنْوَرُ وقال آخر: / وما مَسَّ كَفُّ مِن يدٍ طابَ ريحُها ... مِنَ الناس إلا ريحُ كَفِّكَ أَطْيَبُ وقال آخر (١٠): إذا المرءُ عَلْبَى، ثم أصبَحَ جلْدُهُ ... كَرَحْضِ غَسيلٍ، فالتَّيمُّنُ أَرْوَحُ
следующие страницы →