← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17116

التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

أبو حيان الأندلسي

Полный текст (3 950 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

وقوله خبرًا لا أمرًا أي: معناه معنى الخبر، وهو الفعل الذي هو على صيغة أفْعِلْ، والهمزة فيه للصيرورة، وإن كانت صورته صورة الأمر، لكنه ليس بأمر حقيقة، هذا مذهب جمهور البصريين، فإذا قلت أحْسِنْ بزيدٍ فمعناه: أحْسَنَ زيدٌ أي: صار ذا حُسْن، كقولهم: أبْقَلَتِ الأرضُ، أي: صارت ذات بَقْل، وهو خبر معناه التعجب، فمدلوله ومدلول ما أَحْسَنَ زيدًا من حيث التعجب واحد؛ إذ ليس المعنى أنه كانت منه صيرورة إلى التعجب منه فيما مضى؛ إذ لا تقول ذلك إلا وأنت مُنشىئ للتعجب منه لا على حقيقة الإخبار. وذهب الزجاج ومَن وافقه إلى أنه أمر حقيقة، وليس مرادًا به الخبر، والهمزة فيه للنقل، وسيأتي تقرير هذا المذهب. وقوله مجرورًا بعده المتعجَّبُ منه بباءٍ زائدةٍ وهو نظير قول العرب: كفى بالله. والدليل على زيادتها في كفى باللهِ جواز حذفها ورفع الاسم بعدها، قال: ....................... كَفَى الشَّيبُ والإسلامُ لِلْمَرءِ ناهِيا وسيأتي الخلاف في هذه الباء في حروف الجر إن شاء الله. وقوله لازمةٍ يعني أنه لا يجوز حذفها، فلا يقال: أحْسِنْ زيدٌ، ولا: أَحْسِنْ زيدًا، على مذهب من يعتقد أنه فعل أمرٍ حقيقة.

стр. 3362

وقوله وقد تُفارقه أن كان أنْ وصلتَها أي: وقد تفارق الباءُ المجرورَ بها إنْ كان أنْ وصلَتها، فيجوز في أَجْوِدْ بأنْ يكتبَ زيدٌ أن تقول: أجْوِدْ أنْ يكتبَ زيدٌ، وقال الشاعر: وقالَ نَبِيُّ المسلمينَ: تَقَدَّمُوا ... وأَحْبِبْ إلينا أنْ نكونَ المُقَدَّما وقوله وموضعُه رفعٌ بالفاعلية أي: وموضع المجرور رفع بالفاعلية، وتقدَّم بيان ذلك. وقوله لا نصبٌ بالمفعولية، خلافًا للفراء والزمخشري وابن خروف هذا قولُ مَن ذهب إلى أن أَفْعِلْ أمر حقيقة، وليست الهمزة فيه للصيرورة، بل هي للنقل، كهي في: ما أَحْسَنَ زيدًا! والقائلون بأنه أمر حقيقة اختلفوا على قولين في الفاعل: فقيل: المخاطب الحُسن، وإليه ذهب ابن كيسان، فكأنه قيل: يا حُسْنُ أَحْسِنْ بزيدٍ، أي: الْزَمه ودُمْ به، ولذلك كان الضمير مفردًا على كل حال، ووجهّ الفعل إلى الاسم المبهم عند المتعجب، وهو السبب الخفيّ الذي حَسَّن زيدًا في عين المتعجِّب الذي هو (ما) في قولك: ما أَحْسَنَ زيدًا! وصار الذي أبهم على المتعجِّب من حُسن زيد كالشيء تخاطبه، كأنك قلت: أَحْسِنْ يا حُسْنُ بزيدٍ، وافعلْ ما شئت به، أي: أنت على ذلك قادر، فالْزَمه، وصَرِّفه كيف شئت من التحبيب إلينا.

стр. 3363

قال ابن طلحة: «وهذا قول حسنٌ لتتوفر حقيقة اللفظ في الفعل وفي الاسم، فاللفظ لفظ الأمر، فيجب /أن يكون بين البابين نسب حتى تصح الاستعارة، ولم يتمحَّض فيه الأمر، لأنَّ المواجَه به غير محصَّل، فالاعتماد على المتعجَّب منه، ولذلك صار المعنى: حَسُنَ زيدٌ جدَّا، ولَّما لم يتمحَّض فيه معنى الأمر لم يصح أن يجاب، وأمكن أن يقطع فيه على أحد محتملين» انتهى وقال غيره في تقرير هذا القول: كان الأصل: حَسُنَ زيدٌ، ثم دخلت همزة النقل على معنى: أَحْسَنَ زيدًا أمرٌ ما وسببُ ما، ثم أرادوا أمر الفاعل بأن يقع به على جهة اللزوم مجازًا، فكأنهم أمروا السبب باللزوم، أي: الزمْه يا سببُ، فمعنى أحْسِنْ بزيد! أي: دُمْ له، فهو أمر حقيقة. وقد رُدَّ هذا المذهب بأنهم يصرَّحون بخطاب الشخص، فيقولون: يا زيدُ أَحْسِنْ بعمرٍو، فكيف يكون الضمير لمخاطبين. وقال المصنف في الشرح: «وقد يُتَوَهَّمُ أنَّ أَفْعِلْ أمرُ خوطب به المصدر على سبيل المجاز، كأنَّ من قال: أَحْسِنْ به! قائل: يا حُسْنُ أَحْسِنْ به، فلهذا لزم الإفراد والتذكير. أشار إلى هذا أبو علي في (البغداديات) منفَّرًا منه وناهيًا عنه. ومما يبيِّن فساده أنَّ من المصادر المصوغ منها أَفْعِلْ ما لا يكون إلا مؤنثًا كالسُّهولة والنَّجابة، فلو كان الأمر على ما تَوَهَّمَه صاحب هذا الرأي لَقِيل في أَسْهِلْ به، وأَنْجِبْ ِبه: أَسْهِلِي به، وأَنْجِبِي به، لكنه لم يُقَبلْ، فصحَّ بذلك فساد ما أدَّى إليه» انتهى.

стр. 3364

ولا دليل في ذلك على فساد هذا القول؛ لأنَّ أصل المصدر ألا يجيء بتاء التأنيث، فرُوعِيَ في تذكير الضمير ما كان يستحقُّه المصدر من التذكير، وإن لم يُنطَق به مذكرًا، لكنه ذُكَّرَ على ما كان يستحقُّ أن يجيء عليه، ولأن يجري الأمر في ذلك مجًرى واحدًا، كما ذكروا في: ما أَحْسَنَ زيدًا! وإن كان مؤثِّر التعجُّب قد يكون مؤنثًا ولأنَّ ذلك جرى مجرى الأمثالُ لا تحتمل التغيير. والقول الثاني أنَّ المخاطب هو الشخص، فإذا قلت أَحْسِنْ بزيدٍ فالفاعل ضمير المخاطب، فكأنك قلت: أَحْسِنْ يا مخاطبُ بزيدٍ، ولا يبرز الضمير باختلاف المخاطب تثنية وجمعًا وتأنيثًا؛ لأنه جرى مجرى المَثَل، وكان الأصل: شيءٌ أَحْسَنَ زيدًا، أي: كان سببَه أو حَكَمَ بحسنه، ثم أَمروا المخاطب بذلك، فمعنى يا زيدُ أَحْسِنْ بعمرٍو، أي: احْكُمْ بحُسْنه، ولَزِمَت الباء في المفعول ليكون للأمر في معنَى التعجب حالة لا تكون له حالة غير التعجب. وقال بعض أصحابنا: ويحتمل أن تكون الهمزة لا للنقل، بل على معنَى أَقْطَعَ النخلُ، ثم أَدخَلوا الباء على معنى انه صيَّره كذلك، أي: صَيَّرَه ذا حُسْنٍ وذا كَرَمٍ أمرٌ ما، ثم أُمر السبب أو الشخص على النَّحْوَين المتقدِّمَين، فتكون الباء للتعديه. وقد استدلَّ القائلون بأنه ليس بأمر حقيقة على ذلك بعدم بروز الضمير إذا كان المخاطب مثنَّى أو مجموعًا أو مؤنثًا، ولأنَّ الهمزة إمَّا للتعدية فيجب نصب ما بعد الفعل، وليس كذلك. وإمَّا لغير التعدية كأَقْطَفَ الكَرْمُ، فيكون فاعلاً، والأصل فعلَ زيدٌ، وأنت تقول: فعلَ بزيد، فتُدخل الباء في الأصل، فكذلك دخلت في الفرع. وقال ابن طلحة: «الدليل على أنه ليس بأمر أنه محتمل للصدق والكذب؛ لأنَّ المخبِر به قد قطع على أحد /محتملين. ودليل آخر أنه لا يجاب بالباء، وما مِن

стр. 3365

أمر إلا ويجوز أن يجاب بالباء، وإنما خصُّوا التعجب بلفظ الأمر لِما فيه مِن معنَى المبالغة، فقد قالوا: كُنْ ما شئتَ، إذا أرادوا المبالغة، وقال تعالى في التهديد والوعيد (قل كونوا حجارة أو حديدا﴾. وقال الصَّيْمَريّ: (معناه معنَى ما أَفْعَلَه، إلا أنك إذا قلت ما أَحْسَنَ زيدًا فأنت وحدك متعجَّب، وإذا قلت أَحْسِنْ بزيد فقد استدعيت غيرك إلى التعجُّب). فآخر كلام الصيمري ناقصُ لأوله؛ إذ جعله في أوله خبرًا محضًا، وفي آخره جعله أمرًا لقوله: فقد استدعيتَ غيرك للتعجب». انتهى. وقال المصنف في الشرح: «وفي أَفْعِلِ المتعجَّب به مع الإجماع على فعليتَّه قولان: أحدهما: أنه في اللفظ أمر، وفي المعنى خبر إنشائيُّ مسند إلى المتعجَّب منه المجرور بالباء. والثاني: أنه أمرُ باستدعاء التعجب من المخاطب مسندًا إلى ضميره، وهو قول الفراء، واستحسنه الزمخشريُّ وابن خروف. والأول هو الصحيح لسلامته مما يَرد على الثاني من الإشكالات: أحدها: أنه لو كان الناطق بأَفْعِل المذكور آمرًا بالتعجب لم يكن متعجبَّا، كما لا يكون الآمر بالحَلف والنداء والتنبيه حالفًا ولا منادًيا ولا منَّبهًا، ولا خلاف في كون الناطق بأَفْعِل الذكور متعَّجبًا، وإنما الخلاف في انفراد التعجب ومجامعته الأمرية. الثاني: أنه لو كان أمرًا مع الإجماع على فعليته لَزم إبراز ضميره في التأنيث والتثنية والجمع، كما يَلزم مع كل فعل أمر، متصرفًا كان أو غير متصرف. ولا

стр. 3366

يعُتَذَر عن ذلك بأنه مَثَل أو جارٍ مجرى المثل؛ لأنَّ يلزم لفظًا واحدًا دون تبديل ولا تغيير، نحو «أَطِرِّي فإنَّكِ ناعِلة، و «خَلا لَكِ الَجوُّ، فَبِيضِي، واصْفِرِي». والجاري مجرى الَمثَل يلزم لفظًا واحدًا مع اغتفار بعض التغيير، نحو: حَبَّذا، ولِلِه دَرُّك، فالتزم لفظ حَبَّذا، ولِلِه دَرُّك، وأجيز أن تختم الجملتان بما كان للناطق بهما غرض في الختم به، وأَفْعِل المذكور لا يلزم لفظًا واحدًا أصلاً فليس مَثَلاً ولا جاريًا مجرى المَثَل، فلو كان فعلَ أمرٍ مُسنَدًا إلى المخاطب لبرزَ ضميره في التأنيث والتثنية والجمع، كما يَبرز مع غيره من أفعال الأمر العارية من المَثَلية. وقيدت أفعال الأمر بالعارية من المَثَلية احترازًا من «خُذْ ما صَفا، ودَعْ ما كَدِر»، و «زُرْ غِبَّا تَزْدَدْ حُبَّا»، على أنَّ قولهم «اذهبْ بِذِي تَسلَمُ» أشبه بالأمثال وأحق

стр. 3367

بأن يجرى مجراها، ولم يمنع ذلك من بروز فاعلي الفعلين في التثنية والجمع والتأنيث، فلو كان أَفْعِل المذكور فعلَ أمرٍ جاريًا مجرى المَثَل لعوامل معاملة اذهبْ وتَسلَم. الثالث من الإشكالات: أنَّ أَفْعِل المذكور لو كان أمرًا مسندًا إلى المخاطب لم يجز أن يليه ضمير المخاطب، نحو: أَحْسِنْ بك! لأنَّ في ذلك إعمال فعلٍ واحد في ضميري فاعل ومفعول لمسمَّى واحد. الرابع من الإشكالات: أنَّ أَفْعِل المشار إليه لو كانت بمعنى الأمر لا بمعنى أَفْعَلَ تالي (ما) لوجب له من الإعلال إذا كانت عينه ياءً أو واوًا ما وجب لأَبنْ وأَقِمْ ونحوهما، /ولم يُقَلْ أبين به وأَقْوِم، فيلزم مخالفة النظائر، فإذا جُعلَ مخالفًا لأَبِنْ وأَقِمْ ونحوهما في الأمرية موافقًا لأَبْيَنَ وأَقْوَمَ من: ما أَبْيَنَة! وما أَقْوَمَه! في التعجب ــ سُلك به سبيل الاستدلال، وأُمن الشذوذ من التصحيح والإعلال» انتهى. وتلخَّص من هذه النقول أنَّ أَفْعِلْ كالمجمع على فِعلَّيته، خلافًا لِما يَدُولَّ عليه كلام ابن الأنباريّ أنه اسم، وإذا كان فعلاً فهل هو أمرُ حقيقة أم أمرُ لفظًا بمعنَى أَفْعَلَ؟ قولان. وإذا كان أمرًا حقيقةً فهل الفاعل المخاطب أو ضمير المصدر الدالّ عليه أَفْعِلْ؟ قولان. وهل الهمزة في أَفْعِلْ للتعدية، فتكون الباء زائدة، أو للصيرورة فتكون الباء للتعدية؟ قولان. وإذا كان بمعنى أفْعَلَ فالفاعل هو المجرور بالباء، ولا ضمير في أَفْعِلْ. ولو ذهب ذاهبُ إلى أنَّ أَفْعِلْ أمرٌ صورةً خبرٌ معنًى، بمعنى أفْعَلَ، والفاعل فيه مضمر، يعود على المصدر المفهوم من الفعل، و «بزيد» في موضع، مفعول، والهمزة في أَفْعِلْ للتعدية ـ لكان مذهبًا، فإذا قلتَ أَحْسِنْ بزيدٍ فمعناه: أحسَنَ هو ـ أي: الإحسانُ ـ زيدًا، أي: جعلَه حسنًا، وكذلك: أَكْرِمْ بزيد، أي: أكْرَمَ هو ـ أي: الإكرام زيداً، أي: جعله كريماً، فيوافق في المعنى: ما أكرم زيداً! أي شيء جعل زيداً كريماً، وهو الإكرام.

стр. 3368

ولا يُعترض على هذا بخطاب في قولك: يا زيدُ أَكْرِمْ بعمرٍو؛ لأنَّ الفاعل مخالف للمخاطب، فالمعنى: يا زيدُ أَكْرَمَ الإكرامُ عمرًا، أي: جعلَه كريمًا، كما تقول: يا زيدُ ما أَكْرَمَ عمرًا! أي: شيءٌ جعلَه كريمًا. وأُضمر الفاعل في أَفْعِلْ ليكون بإضماره إبهام، ويحصل بعدم التصريح به جَوَلان الفكر فيه بما هو. والدليل على أنَّ المجرور في موضع نصب شيئان: أحدهما: جواز حذفه اختصارًا، كقوله تعالى (أسمع بهم وأبصر)، واقتصارًا، نحو قوله: ............................. ... .......... وإنْ يَسْتَغْنِ يومًا فأَجْدِرِ والثاني: أنهم لَّما حذفوا الباء نصبوا الاسم، نحو قول الشاعر: ألا طَرَقَتْ ... رِجالَ ... القَومِ ... لَيلَى ... فَأَبْعِدْ ... دارَ ... مُرْتَحِلٍ ... مَزارَا وقولِ الآخر: ............................... وأجْدِرْ ... مثلَ ... ذلك أنْ يَكُونا

стр. 3369

أي: ما أَبْعَد دارَ مرتحلٍ مزارًا! وما أجْدَرَ مِثلَ ذلك! وأيضًا فإنه لا تُعهد صيغة أمر ترفع الاسم الظاهر وإن كان خبرًا في المعنى دون لام الأمر؛ ألا ترى إلى قوله (فليمدد له الرحمن مد﴾ كيف هو أمرٌ صيغة خبرٌ في المعنى، ولما رَفع الظاهر كانت فيه لام الأمر. وقد تأوَّلَ هذين البيتين مَن ذهب إلى أنَّ المجرور ليس في موضع نصب بأنَّ قوله «فأَبْعِدْ دارَ مُرتَحِلٍ» يمكن أن يكون «أَبْعدْ» فيه دعاءً؛ على معنى: أَبعَدَ الله دارَ مُرتَحِلٍ عن مزارِ محبوبه، كأنه يُحَرِّض نفسه على الإقامة في منْزل طُروق ليلى؛ لأنه صار بطروقها مَزارًا. وبأنَّ «فأَجْدِرْ» أمرٌ عارٍ من التعجب، أي: اجْعَلْ مِثلَ ذلك جديرًا، وأَجْدِرْ به! أي: اجعلْه جديرًا بأن يكون، أى: حقيقًا بالكون، يقال: /جدُرَ بكذا جدارةً، أي: صار جديرًا به، وأَجدَرتُه به، أي: جعلتُه جديرًا به، أي: حقيقًا. وأنه تعجُّب، ومثلَ في موضع رفع، وهو مبنيّ لإضافته إلى مبنيّ، نحو قوله ﴿أنه لحق مثل ما أنكم تنطقون﴾ في قراءة مَن فتح اللام. وقال المصنف في الشرح حيث اختار أَن فاعل أَفْعِلْ هو المجرور بالباء: «إنه لو اضطر شاعر فحذفها لرفع الاسم، وإنَّ الباء زيدت في الفاعل كما زيدت في فاعل كفى، إلا أنه بينهما فرق من وجهين: أحدهما أنه يجوز حذف الباء قي فاعل كفى فصيحًا، ويرتفع الاسم. والثاني أنَّ كفى قد يُسند إلى غير المجرور بالباء، فيكون هو في موضع نصب، نحو قوله:

стр. 3370

فكَفَى بِنا فَضْلاً على مَن غَيرِنا ... حُبُّ النَّبِيَّ محمدٍ إيَّانا ولا يُفعل ذلك بأَفْعِلْ» انتهى ملخصًا. ولشيخنا أبي الحسن بن الضائع تخريج في هذا البيت، يأتي ـ إن شاء الله ـ في حروف الجر. وقوله واستُفيدَ الخبر من الأمر هنا وفي جواب الشرط لَّما اختار أنَّ أَفْعِلْ هنا ــ وإن كان بصيغة الأمر ـ فمعناه الخبر، أخذ يذكر له نظيرًا، وهو ما وقع من ذلك في جواب الشرط، نحو قوله تعالى ﴿قل من كان في الضللة فليمدد له الرحمن مدًا﴾، وقول النبي ــ ﷺ ــ (مَنْ كَذَبَ عليَّ مُتَعَمَّدًا فَلْيَتَبَوَّا مَقْعَدَه من النار»، وفي رواية (فَلْيِلجِ النار»، أي: فَيمُدّ، وفيَتَبَوَّأ، وفَيَلج. وقوله كما استُفيد الأمرُ من مُثَبت الخبر والنهيُ مِن مَنْفيَّه أخذ يتأنس في هذا المجاز ــ وهو وضعُ الأمر موضعَ الخبر ــ بأنه قد نُطق بِمُثَبت الخبر ومعناه الأمر، كقوله ﴿والمطلقت يتربصن﴾، ﴿والوالدات يرضعن﴾، والمعنى: ليَتَرَبَّصْنَ، ولُرْضعنَ. وُنطق بالمنفي، والمراد به النهي، كقوله ﴿لا تضار ولدة بولدها) في قراءة من قرأ برفع الراء، فهذا منفيّ أُريد به النهي، أي: لا تُضارِرْ، أو: لا تُضارَرْ. والجامع بين الأمر والخبر أنَّ الخبر هو إخبار بالثبوت، والأمر طلب للثبوت. والجامع بين النفي والنهي أنَّ النفي هو سلب الثبوت، والنهي هو استدعاء لسلب الثبوت

стр. 3371

وتركه، فهذه هي العلاقة التي بين كل واحد من الخبر والأمر، وكل واحد من النفي والنهي. وقوله ورُبَّما استُفيد الأمر من الاستفهام ومثاله ﴿وقل للذين أوتو الكتب والأمين أسلمتم)﴾، وقوله ﴿(فهل أنتم منهون﴾ أي: أسْلمُوا، وانْتَهُوا. وقوله ولا يُتَعَجَّبُ إلا من مختصّ قال المصنف في الشرح: «المتعجَّب منه مُخبَر عنه في المعنى، فلا يكون إلا معرفة أو نكرة مختصَّة، فيقال: ما أَحْسَنَكّ! وما أَكْرَمَ زيدًا! وما أَسْعَدَ رجلاً اتَّقى الله! ولا يقال: ما أَحْسَنَ غلامًا! ولا: ما أَسْعَدَ رجلاً من الناس! لأنه لا فائدة في ذلك» انتهى. وقد وقع الخلاف في مسائل: الأولي: إذا كان معرفةً بأل للعهد، نحو: ما أَحْسَنَ الابنَ! تعني به ابنًا معهودًا بينك وبين المخاطب. ذهب الجمهور إلى جواز ذلك، ومنعه الفراء. الثانية: إذا كان أيَّا الموصولة، أذا كانت صلتها فعلاً ماضيًا، نحو: ما أَحْسَنَ أيَّهم قال ذلك! منعها الكوفيون والأخفش، وأجازها غيرهم. فإن كانت صلتها مضارعًا جازت عند الجميع، /نحو: ما أَحْسَنَ أيَّهم يقول ذلك. الثالثة: ما أَحْسَنَ ما كان ما كان زيدٌ! أجازها هشام، ومنعها غيره من الكوفيين. قال النحاس: وهي على أصل البصريين جائزة، أي: ما أَحْسَنَ ما كانت كينونة زيد، فالأولى في موضع نصب، والثانية في موضع رفع. الرابعة: ما أَحْسَنَ ما كان زيدٌ ضاحكًا. إذا كانت كان ناقصة أجاز ذلك الفراء، ومنعها البصريون. فإن جعلت كان تامَّة، ونصبت ضاحكًا على الحال ــ جاز عند الجميع.

стр. 3372

الخامسة: ما أَحْسَنَ ما ظننتُ عبدَ الله قائمًا. قال الفراء: إن شئت لم تأت بقائم لأنه نصبٌ على الحال لا غير. وهو عند البصريين خبر، فلا يجوز حذفه. السادسة: ما أَحْسَنَ أحدًا يقول ذلك. أجازها الكسائيّ، ومنعها الفراء والبصريون. وألزمه الفراء أن يقول: اضربْ أحدًا يقول ذلك، ولتضربَنَّ أحدًا يقول ذلك، وعليك بأحدٍ يقول ذلك. وهو إلزام صحيح؛ لأنَّ الكسائي شبَّه أحدًا بـ «أيّهم» من جهة الإبهام، وهو يجيز ما ألزمه في أيّهم، فإن جعلت أحدًا في معنَى واحدٍ صحَّت المسألة. السابعة: ما أَحْسَنَ ما ليس يذكرُك زيدٌ. قال بعض أصحابنا: يجوز. وقال: لا يجوز: ما أَحْسَنَ ما ليس زيدٌ قائمًا. وهو مذهب البغداديين. وقوله وإذا عُلم جاز حذفه مطلقًا يعني بقوله مطلقًا أي: معمولاً لأَفْعَلَ أو لأَفْعِلْ. فمثال حذفه بعد أَفْعَلَ قولُه: جَزى الله عنَّا ... بَخْتَرِيَّا ورَهطَهُ ... بَني عَبدِ عمرٍو، ما أَعَفَّ وأَمْجَدَا وقولُ الآخر: أَرى أُمَّ عَمرٍو، دَمْعُها قد تَحَدَّرا ... بُكاءً على عَمرٍو، وما ــ كانَ ــ أَصْبَرَا وقولُ الآخر: جَزى الله عنَّا، والجَزاُء بِفَضِلهِ ... رَبيعةَ خَيرًا، ما أَعَفَّ وأَكْرَمَا وقولُ الآخر:

стр. 3373

خَلَّفْ على أَرْوَى السَّلامَ، فإنَّما ... جزَاءُ الثَّوِيِّ أن يَعِفَّ ويَحْمَدَا سأَرحَلُ عنها وامقًا غير عاشقٍ ... جَزَى الله خيرا، ما أَعَفَّ وأمْجَدَا أي: ماأعفَّهم وأمجدَهم، وما كان أصبَرها، وما أعفًهم وأكرمَهم، وما أعفْها وأمجدَها. ومثال حذفه بعد أَفْعِلْ قوله تعالى ﴿أسمع بهم وأبصر﴾، ﴿وأبصر به وأسمع)، وقال: أعْززْ بنا ... وأَكْف، إنْ دُعيِنا ... يومًا إلى نُصْرةِ مْن يَليِنا وقال آخر: تَرَدَّدَ فيها ضَوءُها وشُعاعُها ... فَأَحْصِنْ وأَزْيِنْ لامريئٍ إنْ تَسَرْبَلا وقال آخر: فذلكَ إنْ يَلْقَ المَنَّيةَ يَلْقَها ... حَميدًا، وإنْ يَسْتغْنِ يومًا فَأَجْدِرِ /أي: وأَبْصِرْ بهم، وأسْمِعْ به، وأكْفِ بنا، وفَأَحْصِنْ بها وأَزْيِنْ بها، وفَأَجْدرْ به. ومن زعم أنَّ المجرور في موضع رفع استعذر لحذفه بأن لّما لزمه الجر اكتسى صورة الفضلة، فلما عُرف جاز حذفه، ولأنه في المعنى كمعمول أَفْعَلَ، فجاز حذفه حملاً عليه.

стр. 3374

وزعم الفارسيُّ وقومٌ من النحويين أنه لم يُحذف الفاعل في أَفْعِل، بل لمّا حُذف حرف الجر استتر الفاعل في أَفْعِلْ. ورُدَّ بأنه لو كان مستترًا في أَفْعِلْ لبرز في تثنية وجمع وتأنيث، فقلت: أَسْمِعْ بالزيدَينِ وأَبْصرا! وأَسْمِعْ بالزيديِنَ وأَبْصرُوا! وأَسْمِعْ بهند وأبْصِري! ولأنَّ من الضمائر ما لا يمكن استتاره، نحو ضمير المتكلم، تقول: أكْرِمْ بي! وأَعْزِزْ بنا! فلو حذفت الباء وحدها لقيل: أَكْرِمْتُ! وأَعْزِزْنا! ولم يُقَل، إنما قالوا: أَكْرِمْ! وأَعْزِزْ! فدل ذلك على أنَّ المحذوف هو حرف الجر ومعموله. ويكثر حذف هذا المجرور إذا كان ضميرًا معطوفًا عامله على ما قبله، وحذفُه دون عطف قليل. وزعم بعض أصحابنا أنه لا يجوز الاقتصار على الاسم بعدها إلا في باب العاملَين، نحو: ما أَحْسَنَ وأَجْمَلَ زيدًا. ويعني أنَّ كل فعل منها يطلب مفعولاً، فلا يجوز أن يُقتصر على اسم واحد إلا في باب التنازع. قال: «على خلاف فيه». وقوله ورُبَّمَا أُكَّدَ أَفْعِلْ بالنون تقدَّم له ذكر هذه المسألة في أول الكتاب عند شرحه قوله «ونونِ التوكيد الشائع». وفي قوله ورُبَّما دليل على قلة نحو: أَحْسِنَنَّ بزيدٍ. وقال المصنف هنا في الشرح: «ولشبه أَفْعِلْ بفعل الأمر جاز أن يؤكَّد بالنون، كقول الشاعر: ومُسْتَبْدل من بَعد غَضْبَى صُرَيْمةً ... فَأَحْر به بطُول فقرٍ، وأَحْرِيَا وهذا من إلحاق شيء بشيء لمجرد شبه لفظي، وهو نظير تركيب النكرة مع لا الزائدة لشيهها بـ (لا) النافية للجنس، ونظير زيادة أنْ بعد (ما) الموصولة لشبهها بـ (ما) النافية».

стр. 3375

وقوله ولا يؤكِّد مصدرٌ فعلَ تعجبٍ ولا أَفْعَلَ تفضيل قال المصنف في الشرح: «ولَّما كان فعل التعجب دالاَّ على المبالغة والمزية استغنى عن توكيد بالمصدر، وكذلك أفعل التفضيل» انتهى. وأمَّا أَفعَلُ التفضيل فلا نحفظ فيه خلافًا أنه لا يؤكَّد بمصدر. وعلْة ذلك أنه ليس له فعل من معناه، فإذا قلت زيدٌ أفضلُ من عمرٍو فإنَّ العرب لم تَبنِ فعلاً يدلُّ على أفضلية زيد على عمرو كما دلّ عليه أفعل التفضيل. وأمَّا فِعلُ التعجب فذهب بعضهم إلى أنه يَنصب الحدث، فأجاز: ما أَحْسَنَ زيدًا إحسانًا! وأَحْسِنْ بزيدٍ إحسانًا! وهو مذهب الجرمي. وذهب الجمهور إلى المنع. والقياس الجواز. لكنه ــ والله أعلم ــ لم تستعمله العرب. ولم يذكر المصنف في باب التعجب من صيغ التعجب إلا صيغتين: ما أَفْعَلَه، وأَفْعِلِ به، وقد تقدم له في آخر باب نِعمَ وبئسَ صيغة فَعُلَ متضمّنة تعجبنًا، وتكلمنا عليها هناك. وكذا ذكر بعض أصحابنا أنَّ للتعجب المبوَّب له ثلاثَ صيغ: ما أفْعَلَه، وأَفْعِلِ به، ولَفَعُلَ. وزاد الكوفيون أَفْعَلَ بغير «ما» مسندة إلى الفاعل، نحو قوله:/ ومُرَّة يَحميهمْ إذا ما تَبَدَّدُوا ... ويَطْعُنُهُمْ شَزْرًا، فأَبْرَحْتَ فارِسا

стр. 3376

قال بعض أصحابنا: وما ذكروه فيه معنى التعجب، لكنه ليس من هذا الباب، بل من باب: لِلِه دَرُّه فارسًا، وكَفى بك فارسًا، ولذلك فسَّره س بمعنى: كَفَيتَ فارسًا، فكأنه تعجَّب أولاً من أمر، ثم بيَّن من ماذا تعجَّب، لكنه يُستعمل في التعجب، كقولهم: زيدٌ أَيُّما رجل! وإنما يكون من هذا الباب لو ثبتَ أنَّ العرب تُغير الفعل إلى أَفْعَلَ تدلُّ به على المتعجَّب منه، فتقول أَكْرَمتَ بمعنى: ما أَكْرِمك! وأَحْسَنْتَ بمعنى: ما أَحْسَنَك! ويكون ما ينتصب بعده تمييزًا إن كان التعجب له، كما تقول: أَكْرِمْ به أبًا! فإن ثبت هذا فيكون من هذا بمعنى: وُجدْتَ ذا كرم، ولا بُدَّ من السماع. وزاد بعض النحويين في صيغ التعجب: أَفْعَل من كذا؛ لأنه بمعناه من الزيادة والمبالغة. وقال س: «والمعنى في أَفْعَلَ وأَفْعِلْ به وما أَفْعَلَه واحد». ولأنَّ قياسه فيما يُشتَقُّ منه كقياس ما أفْغَلَه وأَفْعِلْ به، ولذلك لا يجوز: زيدٌ أبيضُ من فلان، ولا: أَعْرَجُ منه، إلا شاذَّا، فهو مرتبط به، فلذلك كان بمعناه. قال بعض أصحابنا: «وردَّه المققون بأنه موضوع للمفاضلة، ويدخله معنى التعجب كما دخل: لِلِّهِ دَرُّه فارسًا، وليس من هذا الباب، وليس موافقته لأَفْعَلَ وأَفْعِلْ به تدلُّ على أنه موضوع للتعجب، بل لما كان فيه معنى المفاضلة، والتعجب كذلك، وباب المفاضلة هي التي يُشترط فيه تلك الشروط، سواء أكان تعجبنًا أم لا والاشتراك في الأعمَّ لا يوجب الاشتراك في الأخصِّ، لكنه يُستعمل للتعجب، وهو أولى فيه من غيره للمشاركات» انتهى.

стр. 3377

-[ص: فصل همزةُ أَفْعَلَ في التعجب لتعديةِ ما عَدِمَ التعدي في الأصل أو الحال؛ وهمزة أَفْعِلْ للصيرورة، ويجب تصحيحُ عينيهما وفَكُّ أَفْعِل المضعف. وشذَّ تصغير أَفْعَلَ مقصورًا على السماع، خلافًا لابن كيسان في اطِّراده وقياسِ أفْعِلْ عليه. ولا يتصرفان، ولا يليهما غيرُ المتعجَّب منه إن لم يتعلّق بهما، وكذا إن تعلّق بهما وكان غيرَ ظرف وحرف جرّ، وإن كان أحدَهما فقد يلي، وفاقًا للفراء والجرميّ والفارسيَ وابن خروف والشلوبين، وقد تليهما عند ابن كيسان «لولا» الامتناعية.]- ش: مثال ما عَدِمَ التعدي في الأصل ــ ويعني بذلك الأ يكون ينصب مفعولاً به فأكثر ــ ظَرُفَ وجَمُلَ وفَزِعَ وجَزعَ ونَحَبَ وذَهَبَ، فإذا تعجبت من هذه ونحوها أدخلت همزة النقل، وصار الفاعل الذي كان لها قبل دخول الهمزة مفعولاً بها، فتقول: ما أَظْرَفَ زيدًا! ونحوه. والتعدي في الحال يعني به أن يكون متعديًا في الأصل، فإذا أردت التعجب منه أدخلت عليه همزة التعدي، وقُدَّر أنه قبل دخولها ضُمِّن معنَى ما لا يتعدى من أفعال الغرائز، فكانت الهمزة فيه للتعدي؛ إذ صيرت الفاعل الذي للفعل قبل الهمزة مفعولاً بعدها، وضعُف عن وصوله إلي المفعول /الذي كان له قبل دخول الهمزة إليه، فصار يتعدى إليه بواسطة حرف الجر، مثال ذلك: ضربَ زيدٌ عمرًا، فهذا متعدِّ، فإذا أدخلتَ عليه الهمزة قلتَ: ما أَضْرَبَ زيدًا لعمرٍو وكذلك: عرفَ

стр. 3378

زيدٌ الحقَّ، تقول: ما أَعْرَفَ زيدًا بالحقَّ! وسيأتي تبيين ما يصل إليه الفعل المتعدي قبل التعجب إذا تُعُجِّبَ منه في حروف الجر إن شاء الله. واختلف النحويون فيما يتعدى وما لا يتعدى مما كان على وزن فَعَلَ أو فَعِلَ إذا تُعُجِّب منه، أَيُحوِّل إلى فَعُلَ، ثم تدخل عليه همزة النقل، أم تدخل عليه دون تحويل إلى فَعُلَ: فقيل: يُحَوَّل فَعَلَ وفَعِلَ إلى فَعُلَ. قالوا: والدليل على نقله إلى فَعُلَ شيئان: أحدهما: أنك إذا تعجَّبت مما يتعدى إلى مفعول واحد بقي متعدًيا إلى مفعول واحد، فلو كان غيرَ محوَّل إلى فَعُلَ لوجب تعديه إلى مفعولين كسائر الأفعال المتعدية إلى واحد، إذا دخلت عليها همزة النقل تعدت إلى اثنين، نحو: طَعِمَ زيدٌ اللحمَ، تقول: أطعمتُ زيدًا اللحمَ. والثاني: أنهم إذا أرادوا أن يتعجبوا من الثلاثي قالوا: لَشَرُبَ الرجلُ، ولَضَرُبَت اليدُ، فيحولون فَعَلَ وفَعِلَ إلى فَعُلَ. وإنما بُني على فَعُلَ لأنَّ التعجب موضع مبالغة، وفَعُلَ من أفعال الطبائع والغرائز، ومن المبالغة في الفعل أن يُجعل كأنه طبيعة في المتعجَّب منه. وقيل: لا يحتاج فَعَلَ وفَعِلَ إلى أن يُحَوَّلا إلى فَعُلَ، بل بناء أَفْعَلَ يكون منهما ومن فَعُلَ الموضوع، وهذا ظاهر كلام س؛ لأنه قال: «وهو مبنيّ من فَعَلَ وفَعِلَ وفَعُلَ». واستدلّ المصنف في الشرح على صحة هذا القول بوجهين:

стр. 3379

«أحدهما: أنَّ فَعَلَ وفَعِلَ يشار كان فَعُلَ في اللزوم وقبول همزة التعدية، فتقدير ردهما إلى فَعُلَ لا حاجة إليه. الثاني: أنَّ من الأفعال ما رفضت العرب صوغه على فَعُلَ، وذلك المضاعف واليائي العين أو اللام، فلو قُصد بمضاعف معنًى غريزيُّ دَلُّوا عليه في غير شذوذ بفَعَلَ، نحو: جَلَّ يَجلُّ، وعَزَّ يَعِزُّ، وخَفَّ يَخفُّ، وقَلّ يَقلُّ، ونُسب إلى الشذوذ نحو لَبُبْت، واستغنوا في اليائي العين بفَعَلَ يَفْعِلُ، نحو: طابَ يَطيب، ولانَ يَلين، وضاقَ يضيق. وفي اليائي اللام عن فَعُلَ بفَعِلَ، نحو حَيِىَ يحيا، وعَيِيَ يعيا. فلو تعجَّبتَ من شيء من هذه الأفعال أَدخلت الهمزة، ولم تَرُدّها إلى فَعُلَ؛ لأنه فيها مرفوض» انتهى كلامه. ولا يلزم ما قاله؛ لأنَّ هذا التحويل هو أمر تقديريّ لا وجوديّ، والمقدَّرات ليست كالوجوديات، فقد يكون الشيء مقدَّرًا، ولا يُنطق به، ولا يُلفظ، وهذا كثير في هذه الصناعة؛ ألا ترى إلى المنصوب على الاشتغال، وإلى المرفوع أو المنصوب من النعوت المقطوعة ــ كيف تُحكم بعواملها وتُقدر، وليست موجودة، ولا يُلفظ بها، ولا يُنطق في لسان العرب. والذي يدلُّ على التحويل تقديرًا أنهم إذا بنوا فَعُلَ من المضاعف أو اليائي العين أو اللام قدَّروه مبنيَّا على فَعُلَ، وإن كان لا يظهر / ذلك في اللفظ، فقالوا: لَجَلَ الرجلُ، ولَقَوِيِ، ولَشَوِيَ، ولَعَيِيَ، ولطابَ، وقدَّروا هذه كلها على فَعُلَ، وعرض فيها من الإعلال ما ردَّها إلى هذه الأوزان، وقد تبيّن هذا وفي باب نِعمَ وبئسَ حين بيَّنَّا أحكام فَعُلَ للتعجب وكيفية بنائه في الأفعال.

стр. 3380

وإنما كان النقل بالهمزة، ولم يكن بالتضعيف؛ لأنَّ التضعيف فيه تكلُّف وعلاج، قاله بعض أصحابنا، يعني أنهم قالوا: ما أَحْسَنَ زيدًا! وما أَظرَفَه! ولم يقولوا: ما حَسَّنَ زيدًا، وما ظَرَّفه، بتضعيف العين. وإنما عدلوا إلى الهمزة لما في التضعيف من اجتماع الأمثال في نحو: ما شَدَّده، ومن الجمع بين المعتلّين والتشديد في: ما طَوَّلَه، وما بَيَّنَه، فعدلوا إلى الهمزة لأنَّ النطق بها أخف، نحو،: ما أَشَدَّه! وما أطْوَلَه! وما أبْيَنَه! وقوله وهمزةُ أَفْعِلْ للصيرورة قال المصنف في الشرح: «أي: لتحوّل فاعله ذا كذا، فأصل قولك أحْسِنْ بزيد! أَحْسَنَ زيدٌ، أي: صار ذا حُسنٍ تامّ، وهو نظير أثري الرجل: صار ذا ثروة، وأَتْرَبَ: صار ذا مالٍ كالتراب، وأَنْجَبَ، وأَظْرَفَ: صار ذا ولد نجيب، وذا ولد ظريف، وأخْلَتِ الأرضُ، وأَكْلأَتْ، وأَكْمَأَتْ: صارت ذات خلاً وكَلأٍ وكَمْأةٍ، وأَوْرَقَتِ الشجرةُ، وأَزْهَرَتْ، وأثْمَرَتْ: صارت ورقٍ وزهر وثَمر» انتهى. وهذا الذي ذكره هو مذهب جمهور البصريين. ومَنْ ذهب إلى أنَّ أَحْسِنْ فعلُ أمر حقيقة فليست الهمزة فيه للصيرورة، بل هي للتعديه. وإنما كثَّر المصنف المثل بأَفْعَلَ ـ أي: صار صاحب كذا ــ لُيِرِيَ أنه باب متَّسع، فلا يُنكر أن يُدَّعى ذلك في أَحْسِنْ أنه بمعنى أَحْسَنَ، أي: صار ذا حُسْن، ومع ذلك فاقتياسه في فعل التعجب ـ أعني استعمال صورة الأمر بمعنى أَفْعَلَ، أي: صار ذا كذا ــ يدلُّ على أنه ليس منه؛ لأنَّ أَفْعَلَ بمعنى صار ذا كذا لا ينقاس وإن كان قد جاءت منه ألفاظ كثيرة. وقال بعض أصحابنا: وأَفْعِلْ محمول على أَفْعَلَ في التغيير من فَعُلَ. يعنى أنه من: حَسُنَ زيدٌ، ثم أَدخلتَ عليه همزة الصيرورة، فقلتَ: أَحْسَنَ زيدٌ، ثم أتيت بصورة أَفْعِلْ منه.

стр. 3381

وقوله ويجب تصحيح عينيهما تقول: ماأَبْيَنَ الحقَّ! وما أَنْوَرَه! قال المصنف في الشرح: «وأصله الإعلال، لكن صُحِّحَ حملاً على أَفْعَلِ التفضيل، كما حُمل هو على المتعجَّب به في امتناع التأنيث والتثنية والجمع، فإنهما متناسبان وزنًا ومعنًى، فأُتبع أحدهما الآخر فيما هو أصل فيه، كما أُجري اسم الفاعل مجرى المضارع في العمل، وأُجري المضارع مجرى اسم الفاعل في الإعراب، وكما أجري الحسنُ الوجهَ على الضارب الرجلَ في النصب، والضاربُ الرجلِ على الحسنِ الوجهِ في الجر، ثم حُمل أَفْعِل المتعجَّب به على أخيه، فقيل: أَنْوِرْ بالحق! وأَبْيِنْ به! كما قيل: ما أَبْيَنَه! وما أَنْوَرَه!» انتهى. وهذا الذي ذكره تكثير لا طائل تحته، وما ذكره من وجوب تصحيح عيني أَفْعَلَ وأَفْعِلْ هو مذهب الجمهور. وذهب الكسائي إلى أنه يجوز في فعل الأمر في التعجب التصحيح كما ذهب إليه الجمهور، والإعلال، فتقول: أَطْوِلْ /بهذه النخلة! وأَطِلْ بها! في معنى: ما أَطْوَلَها! والصحيح المسموع من العرب في التعجب التصحيح، قال الشاعر: ......................... ... فَأَحْصِنْ وأَزْينْ لا مرىئٍ إنْ تَسَرْبَلا وقال الآخر: فَأَطْوِلْ بِأَيْرٍ مِنْ ... مَعَدَّ وثَروةٍ ... نَزَتْ ... بإيادٍ ... خَلفَ دارِ ... مُرادِ وقوله وفَكُّ أَفْعِل المضعَّف هذا أيضًا فيه خلاف: ذهب الجمهور إلى وجوب الفك في التعجب، فتقول: أَشْدِدْ بحمرِة زيدٍ! وأَعْزِزْ بعمرٍو! وذهب الكسائي إلى

стр. 3382

جواز ذلك، فأجاز: أَجْلِلْ بزيدِ! وأَجلَّ بزيدٍ، والمسموع من العرب في التعجب الفكُّ، قال الشاعر: أعزِزْ عليَّ بأنْ أُرَوَّعَ شِبْهَها ... أو أنْ يَذُقْنَ ... على يَدَيَّ حِماما وقال المصنف في الشرح: «ولزمَ فَكُّ أَفْعِل المضاعف، نحو: أَجْللْ به وأَعْززْ! لأنَّ سبب الإدغام في هذا النوع إنما هو تلاقي المثلين متصلين متحركين تحركًا غير عارض؛ أو ساكنًا أحدهما سكونًا غير لازم، كسكون أَجْلِلْ إذا لم يكن تعجبًا؛ لأنه معرَّض للحركة في نحو: أَجْلِلِ الله، وأَجلاَّه، وأَجِلُّوه، وأَجِلَّيه، فلذلك لم يجب فكُّ أَجْلِلْ إذا لم يكن تعجبًا، ووجب إذا كان إياه» انتهى. ويعني أنه لزم الفكّ لأنه لم يتصل المثلان متحركين في التعجب؛ لأنه لا يجيء بعد الثاني ساكن فيتحرك آخر الفعل له، إنما يجيء متحرك، وهو المجرور بالباء، فلذلك لم يوجد فيه سبب الإدغام. وقوله وشذَّ تصغير أَفْعَلَ مقصورًا على السماع، خلافًا لابن كيسان في اطْراده قال المصنف في الشرح ٢: «ولِشَبَهِ أَفْعَلَ المتعجَّب به بأفْعَلِ التفضيل أَقدمَ على تصغيره بعض العرب، فقال: يا ما أُمَيْلحَ غزلانًا، شَدَنَّ، لنا ... مِن ... هؤليَّائكُنَّ الضَّالِ والسَّمُرِ وهو في غاية الشذوذ، فلا يقاس عليه، فيقال في ما أجْمَلَه! وما أَظْرَفَه! ما أُجَيْملَه! وما أُظَيرفَه! لأن التصغير وصف في المعنى، والفعل لا يوصف، فلا بُصَغَّر. وأجاز ابن كيسان اطِّرادَ تصغير أَفْعَلَ» انتهى.

стр. 3383

وهذا الذي ذكره عن ابن كيسان من اطِّراد تصغير أَفْعَلَ في التعجب هو نص كلام البصريين والكوفيين. أمَّا البصريون فنصَّوا على ذلك في كتبهم ــ وإن كان خارجًا تصغيره عن القياس ــ فقالوا: لم يُصَغَّر من الأفعال إلا أَفْعَل في التعجب. وقال س: «وسألتُ الخليل عن قول العرب: ما أُمَيْلحَه، فقال: لم يكن ينبغي أن يكون في القياس، وليس شيْ من الفعل ولا شيء مما يسمى الفعل به يُحَقَّر إلا هذا وما أشبهه من قولك: ما أَفْعَلَه» انتهى. فدلَّ قوله «إلا هذا وما أشبهه من قولك ما أفْعَلَه» على أنَّ تصغيره مقيس، فتقول: /ما أُظَيرِفَه! وما أُجَيمِلَه! وكذلك كل ما يقال فيه ما أَفْعَلَه. فرع: إذا تعجبت من نحو حَيِيَ، فقلت: ما أَحْيا زيدًا! ثم صغَّرته ــ قلت: ما أُحيَّ زيدًا! وذلك أنَّ أصله: ما أُحَيِّيَ زيدًا! اجتمعت ثلاث ياءات: الياء التي للتصغير، والياء التي هي عين الكلمة، والياء التي هي لام الكلمة، فحذفت الأخيرة التي هي لام الفعل، وتحركت الياء التي بعد ياء التصغير بالفتح؛ لأنَّ الفعل الماضي مبنيّ على الفتح. ونظير ذلك أُحَيُّ ــ تصغير أَحْوى ــ عند من يحذف ويمنع الصرف؛ لأنه نوى ما حذف. وقوله وقياس أَفْعِلْ عليه أي: وخلافًا لابن كيسان في قياس أَفْعِلْ في التصغير على أَفْعَلَ، فيجيز: أُحَيْسِنْ بزيد! قياسًا على ما أُحَيْسنَ زيدًا! ولم يُسمع التصغير في أَفْعِلْ، إنما سُمع في أَفْعَلَ، وإذا كان تصغير أَفْعَلَ شاذَّا في القياس وخارجًا عن النظائر فلا يمكن القياس عليه البتة.

стр. 3384

وقوله ولا يتصرفان يعني أنَّ «ما أَفْعَلَه» لا يقال منه مضارع ولا أمر، وكذلك أَفْعِلْ في التعجب، لا يُستَعمَل منه ماضٍ ولا مضارع، وليس أَفْعِلْ هذا أمرًا من أَفْعَلَ عند الجمهور لاختلاف مدلول الهمزة فيهما؛ لأنها في أَفْعَلَ للنقل، وفي أفْعِلْ للصيرورة. قيل: وإنما منع التصرف لأنه إنما يُتَعَجَّب مما وَقع لا مما يقع، فلمَّا كان معنى التعجب لا يختلف باختلاف الزمان لزم طريقهً واحدة، وهي المضيُّ إمَّا لفظًا ومعنًى، وإمَّا معنًى لا لفظًا، وذلك في أَفْعِلْ. وقيل: ضُمِّنَ معنَى التعجب، فأشبهَ الحرف؛ لأنَّ الموضوع للدلالة على المعاني إنما هي الحروف. وقال أبو الحسن بن الباذش: «الحرف الذي ضُمِّن أَفْعِلْ عند جماعة من النحويين هو اللام؛ لأنَّ الأصل في نحو أَحْسِنْ بزيد: لُحْسِنْ بزيدٍ، أي: ليُحْسِنْ زيدٌ، فدخلت اللام فيما أريد به معنَى التعجب كما دخلت فيما أريد به معنَى الأمر؛ ثم حذفت اللام وحرف المضارعة كما يُحذَفان من فعل الأمر، ورُدَّت الهمزة المحذوفة لسكون ما يليها؛ لأنَّ الأصل: لُيؤَحْسِنْ زيدٌ، وما أَفْعَلَ في عدم التصرف محمول على أَفْعِلْ به» انتهى. وما ذكره المصنف من كونهما لا يتصرفان صحيح، لكنْ في أَفْعَلَ بعد «ما» خلافٌ: ذهب البصريون إلى أنه يلزم فيه لفظ المضيّ، لا خلاف عنهم في ذلك. وأجاز هشام بن معاوية الضرير ــ وهو من أئمة الكوفيين ــ أن تأتي لهذا الماضي بمضارع في التعجب، فتقول: ما يُحْسِنُ زيدًا! قال هشام: «لأنه قد أحاط العلم بأنه يكون». وما قاله قياس، ولم يُسمع من العرب، فوجب اطِّراحه. وقوله ولا يليهما غيرُ المتعجَّب منه إن لم يتعلَّق بهما يعني أنه لا يُفصل بين أَفْعَلَ ومنصوبه ولا أَفْعِلْ ومجروره بشيء لا يتعلَّق بهما، وسبب ذلك ضعفهما

стр. 3385

بكونهما لا يتصرفان، فأشبها إنَّ وأخواتها. وقيل: لأنهما مشبَّهان بالصلة والموصول لافتقار الأول إلى الثاني من جهة المعنى، فإذا كان ثمَّ ما /يتعلق بغيرهما فلا يجوز أن يليهما، ومثال ذلك: ما أَحْسَنَ آمرًا بمعروف! وما أَقْبَحَ ضاحكًا في الصلاة! فلو قلت: ما أَحْسَنَ بمعروف آمرًا! وما أَقْبَحَ في الصلاة ضاحكًا! لم يجز. وكذلك: ما أنْفَعَ معطيك عند الحاجة! وأَنْفِعْ بمعطيك عند الحاجة! وأَصْلِحْ بآمرِك بمعروف! وذكر المصنف في الشرح أنه لا خلاف في منع الفصل بذلك. وقوله وكذا إن تعلق بهما وكان غيرَ ظرف أو حرف جر قال المصنف في الشرح: «وكذا لا خلاف في منع إيلائهما ما يتعلق بهما من غير ظرف وجار ومجرور، نحو: ما أَحْسَنَ زيدًا مقبلاً! وأَكْرمْ به رجلاً! فلو قلت: ما أَحْسَنَ مقبلاً زيدًا! وأَكْرمْ رجلاً به! لم يجز بإجماع» انتهى. وهذا الذي ذكر أنه لا يجوز: ما أَحْسَنَ مقبلاً زيدًا، فتفصل بنهما بالحال بإجماع، تبعه في ذلك ابنُه بدر الدين محمد في «شرح الخلاصة» من نظم أبيه، فقال: «لا خلاف في امتناع الفصل بينه ــ أي: بين الفعل ــ والمتعجَّب منه بغير الظرف والجار والمجرور، كالحال والمنادى». وليس كما ذكرا، بل الخلاف في الحال موجود، ذهب الجرمي من البصريين وهشامٌ من الكوفيين إلى أنه يجوز الفصل بينهما بالحال. وأمَّا الفصل بالمنادى فذكر ابن المصنف ٤ أنه لا خلاف في منع ذلك. وفي الكلام الفصيح ما يدلُّ على جواز ذلك، روي عن عليِّ بن أبي طالب ــ كرَّم الله

стр. 3386

وجهه ــ قولُه لَمَّا قُتل عَمَّار: «أعْززُ عليَّ ــ أبا اليَقظانِ ــ أنْ أراكَ صَريعًا مُجَدَّلاً» ١ وقال المصنف في الشرح: «وهذا مُصَحِّح للفصل بالنداء». وأجاز الجرميّ الفصل بالمصدر، فأجاز: ما أحسَنَ إحسانًا زيدًا! ومنع ذلك الجمهور لمنعهم أن يكون له مصدر، وإجازته هو أن ينصب المصدر. وقوله وإن كان أحدَهما فقد يَلي وفاقًا للفراء والجرميّ والفارسّ وابن خروف والشلوبين انتهى. وهو مذهب المازنيّ. وذهب الأخفش، والمبرد، وأكثر البصريين إلى أنَّ ذلك لا يجوز، واختاره الزمخشريُّ، ونسبه الصَّيْمَرِيُّ إلى س. وحكى سلمة عن الفراء أنه أجاز: ما أَحْسَنَ عليك البياضَ! والجواز مذهب الجرميّ، وهو مشهور عنه، وهو مذهب الزجاج. وقال الأخفش في «الأوسط»: «لو قلت ما أَحْسَنَ زيدًا ومعه رجلاً! تريد: ورجلاً معه ــ لم يجز؛ لأنك إذا عطفت رجلاً على زيد فكأنك قلت: ما أَحْسَنَ معه رجلاً! وذلك لا يجوز؛ لأنك لا تفصل بين [فعل] (١٠) التعجب (١١) والاسم بشيء، لا تقول: ما أحْسَنَ في الدار زيدًا! ولا: ما أَقْبَحَ عندك زيدًا! تريد: ما أَحْسَنَ زيدًا في الدار! وما

стр. 3387

أَقْبَحَ زيدًا عندك! لأنَّ أحْسَنَ فعل ضعيف لا يتصرف» انتهى كلام الأخفش. وحكى ابن خالويه أنَّ الأخفش أجاز أن تحجز بالظرف، فتقول: ما أَحْسَنَ في الدار زيدًا. فعلى هذا يكون للأخفش قولان: المنع، والجواز. وقال الأستاذ أبو عليى: «حكى الصَّيْمَرِيُّ أنَّ مذهب س منعُ الفصل بالظرف بين فعل التعجب ومعموله. والصوابُ أنَّ /ذلك جائز، وهو المشهور والمنصور. وقال السيرافي: [قول س (ولا تُزيلَ شيئًا عن موضعه): إنما أراد بذلك أنك تقدَّم ما وتُوليها الفعلَ، ويكون الاسم المتعجَّب منه بعد الفعل، ولم يتعرض للفصل بين الفعل والمتعجَّب منه]، [وكثير من أصحابنا يُجيز ذلك، منهم الجرمي، وكثير منهم يأباه، منهم الأخفش والمبرد]» انتهى. والصحيح جواز ذلك للقياس والسماع: أمَّا القياس فنقول: ليس فعل التعجب بأضعف من إنَّ، ويجوز الفصل بالظرف والمجرور بينهما وبين اسمها، وإنْ لم يكن خبرًا، فتقول: إنَّ بك زيدًا مأخوذٌ، وإنَّ اليوم زيدًا مسافرٌ، ولا يقال إنَّ باب إنَّ لما خرج من الضعف إلى القوة عومل معاملة القوي، بخلاف فعل التعجب، فإنه خرج من القوة إلى الضعف؛ لأنَّا تقول:

стр. 3388

فعل التعجب قويّ الأصل، بخلاف أنَّ، فعادل قوة الأصل ضعف المراد، فلم يكن أضعفَ من إنَّ. وأيضًا فإنَّ الظرف والجارّ والمجرور يُغتفر الفصل بهما هنا أولى. وأيضًا فإنّ بئسَ أضعف من فعل التعجب، وقد فصل في نحو ﴿بئس للظلمين بدلا)، فأن يُفصل هنا أولى. وأمَّا السماع فقولُ عليّ، وقد مر بَعمَّار، فمسح التراب عن وجهه: «أعْززْ عليَّ ـ أبا اليَقْظان ــ أنْ أَراكَ صَريعَا مُجَدَّلاً»، وقولُ عمرو بن معدي كربَ: «لِلِه دَرُّ بني مجاشع ــ وروي: لِلِهَّ دَرُّ بني سُلَيم ــ ما أَحْسَنَ في الهجاءِ لِقاءَها! وأَكْثَرَ في اللَّزباتِ عَطاءَها!»، وروري: «وأثَبَتَ في المَكْرُماتِ بَقاءَها»، ومِن كلامهم: «ما أَحْسَنَ بالرجلِ أنْ يَصدُق»، وقال الشاعر: حَلُمتَ، وما أَشْفَى لِمَنْ غِيظَ حِلْمَه! ... فآضَ الذي ... عاداكَ ... خِلاَّ ... مُوالِيا وقال: خَليلَيَّ ما أَحْرَى بِذِي اللُّبَّ أنْ يُرَى ... صَبُورًا! ولكنْ لا سبَيلَ إلي الصَّبْرِ وقال:

стр. 3389

أعزِزْ عليَّ ... بأنْ ... أُرَوِّعَ ... شِبْهَها! ... أو ... أنْ ... يَذُقْنَ ... على يَدَيَّ حِماما وقال: أُقِيمُ ... بِدارِ الَحزْمِ ما دامَ ... حَزْمُها ... وأحْرِ ... إذا حالَتْ ... بأنْ ... أَتَحَوَّلا وقال: فَصَدَّتْ، وقالت: بَل تُريدُ فَضيحتي ... وأَحْبِبْ ... إلى قَلبي ... بِها مُتَغَضِّبا وقال: وقالَ نَبِيُّ ... المُسلمينَ: تَقَدَّمُوا ... وأَحْبِبْ إلينا أنْ نكُونَ المُقَدَّمَا وأجاز بعضهم الفصل على قبح. فتخلص من ذلك ثلاثة مذاهب: المنع، والجواز فصيحًا /والجواز على قبح. وقوله وقد تليهما عند ابن كيسان «لولا» الامتناعية أجاز: ما أحْسَنَ لولا بُخلُه زيدًا! وأحْسِنْ لولا بُخلُه بزيد! ولا حجة له على ذلك. واعلم أنه لا يجوز تقديم معمول فعل التعجب على الفعل ولا معمول أفعَلَ على ما، لا يجوز: زيدًا ما أَحْسَنَ! ولا: ما زيدًا أَحْسَنَ! ولا بزيدٍ أَحْسنْ! وإن كان في غير هذا الباب يتقدم في نحو هذا التركيب، لو قلت زيدٌ ضربَ عمرًا جاز زيدٌ عمرًا ضربَ، بلا خلاف، وجاز: عمرًا زيدٌ ضربَ، على خلاف، ولو قلت اعتصمْ بزيدٍ جاز بزيدٍ اعتصمْ. وعلة ذلك أنَّ فعل التعجب لا يَتصرف، وما لا يَتصرف في نفسه لا يُتصرف في معموله. وأيضًا فإنَّ المجرور في أَفْعِلْ بزيدٍ عند جمهور البصريين فاعل، والفاعل لا يجوز تقديمه على الفعل.

стр. 3390

ولا يجوز تأكيد المضمر في أَحْسَنَ ولا في أَحْسِنْ على مذهب من اعتقد أنَّ فيه ضميرًا. قيل: لأنَّ المراد الإبهام في ذاته، والتأكيد يكون في غير المبهم الذات؛ ألا تراه لا يكون في النكرة، فلا يكون هنا. وقيل: لأنه فصل بين الفعل ومعموله. فعلى التعليل الأول لا يجوز مطلقًا، وعلى التعليل الثاني يجوز إذا كان بعد المعمول، نحو: ما أَحْسَنَ زيدًا نفسُه! ولا يجوز العطف على ذلك الضمير. وإذا اختلف متعلَّق ما أَفْعَلَ فلا يجوز حذف «ما»، لو قلت «ما أَحْسَنَ زيدًا وأقْبَحَ خالدًا» كان قبيحًا؛ لأنَّ هذا الباب لم يَتصرف فعله، فلزمَ طريقهً واحدة كالَمَثل، فلا تنوب الواو فيه عن «ما». وقال المصنف في الشرح: «ولمَّا كان فعل التعجب مسلوب الدلالة على المضي، وكان المتعجَّب منه صالحًا للمضيّ ــ أجازوا زيادة كان إشعارًا بذلك عند قصده، نحو: ما ــ كان ــ أَحْسَنَ زيدًا!» انتهى. فأمَّا قوله «إنَّ فعل التعجب مسلوب الدلالة على المضيّ» فهذه مسألة خلاف، وقد ذكرها بعض أصحابنا، قال: ذهب بعض النحويين إلى أنَّ زمانه هو للحال، فإذا قلت ما أَحْسَنَ زيدًا! فإنك لا تقول ذلك إلا وهو في الحال حسنٌ، ولذلك إذا أردت الماضي أدخلتَ كان، فقلت: ما ــ كان ــ أَحْسَنَ زيدًا! وذهب بعضهم إلى أنه بمعنى المضيّ إبقاءً للصيغة على بابها، ألا أنه يدلُّ على الماضي المتصل بزمان الحال، فإن أردتَ الماضي المنقطع أتيت بكان، وهو قول الأكثرين. وهذان القولان مبنيَّان على وجوب كون المتعجَّب منه ثابتًا، وقد اختُلف فيه:

стр. 3391

فمنهم من أوجب الثبوت؛ لأنَّ التعجب تأثُّر عن مؤثر، ولابُدَّ من وجوده، وإلا وُجد المعلول دون علته، ومؤثَّرُه الصفة المشاهدة، ولأنه يدخله معنى المدح والذمّ، ولا يكون إلا من ثابت، ولأنَّ معنى الكلام الإخبار بحصوله، فلا يخرج عنه لكونه كذِبًا ولملازمته الماضي، وهو يدلُّ على الثبوت. وذهب بعضهم إلى جواز ذلك محتجَّا بقولهم: ما أَحْسَنَ ما تكون هذه الجارية! وما أَحْسَنَ ما يكون زيد! وما أطولَ ما يكون هذا /الزرع! ونحوه، مع أنه ليس بموجود. وأجاب الأوَّلون عن ذلك بأنه ربما يقال ذلك فيما لا بُدَّ من كونه، وأنه لا بُدَّ أن ينتهى إليه وجوبًا أو عادةً، كقوله تعالى (اسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا﴾، وقال ﴿فما أصبرهم على النار)، أو على حذف، أي: على عملِ أهل النار، أي: ما أجرأهم عليه. وكذلك قولهم: ما أكثرَ قيامَه في ساعة كذا وكذا! على أنه مما يفعل ذلك حتى كأنه واقع. وكذلك: ما أحسنَك إذا تزَّيْت! إن كان من عادته جاز، وإلا لم يجز. وإنما جاز في هذا لأنه لمَّا كان يبلغه صار كأنه حاضر وواقع. قال: والذي يقال إنه لا خلاف في أنَّ السبب لتأثُّر النفس لا بُدَّ أن يكون موجودًا أو مقدَّرًا، والنفس تتأثَّر للتقدير، كما تقول: عجبتُ مِن ضَربك غدًا، وإنما النظر في فعل التعجب نفسه، هل يلزم فيه المضيّ معنًى كما لزم لفظًا أو لا؟ فمَن قال لا يلزم كان على ضربين: منه ما يكون ماضيًا لفظًا ومعنًى، إمَّا متصل الآن أو منقطع الاتصال بكان، ومنه ما يكون ليس ماضيًا معنًى، نحو: ما أَحْسِنَ زيدًا غدًا! أي: شيء يُحسِنُ زيدًا غدًا، أتى بلفظ الماضي ليجعله كأنه قد وقع، سواء أكان مما

стр. 3392

شأنه أن يصار إليه أم لا. ويدلُّ عليه أنه لو كان ماضيًا في المعنى حقيقة أو مجازًا لتناقض مع الظروف المستقبلة معنًى او لفظًا، فلا تقول: ما أحسَنَه إذا رَكب! و (إذا) للمستقبل، وكقوله تعالى (اسمع وأبصر يوم يأتوننا﴾، فدلَّ على أنه ماضٍ لفظًا، ولو تجوَّزتَ فيه لعلَّقتَه بظرف يناسبه، كقوله تعالى (وإذ قال الله﴾، ولمَّا لم يتجوَّز في معنى الفعل في قوله (حتى إذا فتحت﴾ لم يقل: إذْ فُتحت. وأمَّا أَفْعِلْ به فصيغته صيغة المستقبل، ومعناه على القول الأول ــ لأنَّ المجرور فاعل ــ إمَّا حال أو ماضٍ، وعلى القول الثاني مستقبل. انتهى. و «كان» هذه الداخلة بين «ما» و «أَفْعَلَ» فيها ثلاثة مذاهب: أحدها أنها زائدة، لا اسم لها ولا خبر ولا فاعل، وهو مذهب أكثر الكوفيين والبصريين، واختاره الفارسيّ. والثاني: أنها زائدة، وهي كان التامَّة، واسمها ضمير المصدر، أي: كان هو، أي: الكون، وهو مذهب السيرافيّ. وقيل: ضمير «ما». والثالث: أنها كان الناقصة، واسمها ضمير يعود على ما، وخبرها فعل التعجب، وهو مذهب الجرميّ، ونقله بعضهم عن البصريين، ولا يصحُّ ذلك عنهم.

стр. 3393

وهذا أبعد هذه الأقوال من الصواب لظهور فساده، وذلك أنَّ العرب التزمت أن يكون خبر «ما» في التعجب على وزن أَفْعَلَ، ولأنَّ التعجب يكون واقعًا على كان، وليس مغيَّرًا إلى ما يدل على التعجب؛ إذ لا تقول: ما قامَ زيدٌ، تريد التعجب من قيامه. والأحسن مذهب الفارسي؛ لأنَّ زيادة المفرد أسهل من زيادة الجملة. وحُكي عن العرب إدخال «يكون» بين «ما» وأفعَلَ، حُكي: ما ــ يكونُ ــ أهْوَنَ زيدًا اليومَ! وما ــ يكونُ ــ أَحْسَنَ زيدًا! قال الفارسيّ: إنما جاز دخول كان على فعل التعجب لأنه يقتضي دلالته علي الزمان لكونه كالاسم؛ والاسم لا يدلَّ على الزمان كدلالة الفعل، وإنما كان كالاسم لعدم /تصرفه، ولأنه يصح، فتقول: ما أقْوَلَه! كالاسم، فاحتيج إلى تبيين الزمان، ولذلك بُيِّن تامُّ الأفعال الدالة على الزمان المطلق، ولم يدخل في غيرها من أخواتها، نحو أصبح وأمسى وما يخصُّ وقتًا. واختلوا في زيادة غير «كان» بين «ما» و «أفْعَلَ»: فذهب الأخفش والكسائيُّ والفراء إلى جواز زيادة أَمسى وأَصبحَ بينهما، واستُدِلَّ بما حكي من كلامهم: ما ــ أَصبَحَ ــ أَبْرَدَها! وما ــ أَمسى ــ أَدْفَأَها! وحَمل جمهور البصريين ذلك على الشذوذ والاقتصار في ذلك على ما سُمع.

стр. 3394

وذهب الفراء إلى جواز ذلك في كل فعل يحتاج إلى اسم وفعل، يعني في كل فعل يحتاج إلى اسم وخبر. وقال ابن عصفور: «وقاس الكوفيون عليها ــ أي: على كان ــ سائر أخواتها ما لم يناقض معنى الفعل المزيد معنى التعجب. وذهب بعض النحويين إلى إجازة زيادة كل فعل لا يتعدى مما لا يناقض، نحو: ما ــ قامَ ــ أَحْسَنَ زيدًا! إذا أردت: ما أَحْسَنَ قيامَ زيدٍ فيما مضى. وحكى الكسائي عن العرب: ما ــ مَرَّ ــ أَغْلَظَ أصحابَ موسى!»، وذلك أيام موسى أمير المؤمنين؛ لأنهم مَرُّوا بغلظ وجفاءٍ، والمعنى: ما أغْلَظَ مرورَ أصحاب موسى! وحكى الكسائي أيضًا: ما ــ يَخرجُ ــ أطْوَلَه! ولا يجوز شيء من هذا عند البصريين. ومنع الفراء: ما ــ مَرَّ ــ أَغْلَظَ أصحابَ موسى! وأجاز الكسائي: ما أَظُنُّ أَظْرَفَك! وما ظَنَنتُ أَظْرَفَك، يجعل أَظُنُّ ناصبةّ في المعنى لـ «ما» ولـ «أَظْرَفَ»، ويوقع أَظْرَفَ على الكاف. وأجاز ذلك هشام في الظن وأخواته. وما ذهب إليه الكسائي فاسد؛ لأنه أَعملَ ظَنَّ في «ما» التعجبية، و «ما» مُلتَزَم فيها الرفع على الابتداء، فلا يدخل عليها ناسخ، ليس من كلامهم: كان ما أَحْسنَ فالأولى ألاَّ يجوز التوسط. ثم في قوله هذا إبطالٌ لِما روي عنه أنه قال: لا موضع لـ «ما». قال: ونصبت عبد الله بالتعجب، وهو تقدير المفعول به، وهو في المعنى فاعل. وهذا كله اضطراب وتخليط، فكيف يقول: إنَّ «ما» لا موضع لها، ثم يجيز: ما أَظُنُّ أَظْرَفَك! يجعل أَظُنُّ ناصبة في المعنى لأَظْرَفَ.

стр. 3395

وقد تأوَّلَ بعض النحويين قول الكسائي «إنه لا موضع لها» على معنى أنها ليست مثل ما في قولك: ما عندك يُعجبني، وأنه لا يقع شيء في موضعها، فإنما أراد الإبهام، وهي عنده اسم، وقد تقدَّم ما حكيناه عن الفراء من جواز الفصل بين ما والفعل بكلِّ فعل يحتاج إلى اسم وفعل. ثم رأيناه قد ناظرَ الكسائيَّ في جواز ذلك على جهة الإنكار، قال الفراء: «أجاز الكسائي: ما ظننتُ أَحْسَنَ زيدًا! فرأيته يَلزمه أن يقول: ما مررتُ أَحْسَنَ زيدًا! فكَرِهَ ذلك الكسائيُّ، وقال: (ما ليس باسم صحيح، إنما يدخل عليه ما يبطل عنه). واعتلَّ الكسائي أنه لا يدخل الخفض عليه، كما قالت العرب: ما ضربتُ ما خلا زيدًا، وما قام ما خلا زيدًا، ولا يجوز: ما مررتُ ما خلا زيدًا؛ لأنَّ المخفوض لا يفارِق، والمرفوع والمنصوب يفارقان» انتهى ما نقله الفراء. وذلَّ هذا النقل على وجوه: أحدها: أنَّ الفراء حكي عن الكسائي إجازة: /ما ظننتُ أَحْسَنَ زيدًا! وقد تقدَّم من قول الفراء جواز ذلك، فيحتمل أن يكون للفراء قولان: أحدهما الجواز، والآخر المنع. ويحتمل أنه لَمَّا ناظره الكسائيُّ في جواز ذلك، واعتلَّ له بما قالت العرب ــ جوَّز الفراء ذلك، وكان قبلَ هذه المناظرة في حالة التوقف في إجازة هذه المسألة. والثاني: قوله «إنما يدخل عليه ما يبطل عنه» أي: ما لا يعمل فيه، نحو كان وظننت، فدل ذلك على أنَّ ظننت ملغاة عن العمل نحو كان، فلا عمل لها في ما ولا في أَظْرَفَ، بخلاف ما حكى عن الكسائي أنه يجعل ظننتُ ناصبة في المعنى لـ «ما» وللفعل، فيكون له في ظننتُ إذا فصل بـ «ما» قولا: أحدهما أنها ملغاة، والثاني أنها مُعمَلة في ما وفي الفعل بعدها.

стр. 3396

والثالث: أن يكون قول الفراء في جواز ذلك في كل فعل يحتاج إلي اسم وفعل ليس عامَّا، بل يعني به من باب كان، ولا يعني من باب كان وباب ظنَّ، ويفرق بين البابين بأنَّ باب كان إنما يزاد فيه الفعل خاليًا من مرفوعه دلالة على تقييد التعجب بحدث ذلك الفعل، وأمَّا: ما ظننتُ أَحْسَنَ زيدًا، وما أَظُنُّ أَحْسَنَ زيدًا ــ فإنما فصل به وهو متعلق بمرفوعة، فلا يجوز، وسُمع ذلك في باب كان في كان وأمسى وأصبح، فجاز القياس عليها في أخواتها، ولم يُسمع في باب ظنَّ فامتنع، ولم يصح قياس باب ظنَّ على باب كان ــ وإن اشتركا في النسخ للابتداء ــ لتباين أحكامهما، ولا يجيز جمهور البصريين أن يفصل بين ما والفعل إلا بـ «كان» فقط. وإذا وقعت كان بعد ما أَفْعَلَ بصيغة الماضي دلَّت على بيان الانقطاع، أو بصيغة يكون دّلَّت على الاستقبال، على الخلاف في جواز ذلك، ولا بُدَّ من «ما» المصدرية داخلة عليها، فتقول: ما أَحْسَنَ ما كان زيدٌ! وما أَحْسَنَ ما يكون زيدٌ! وما بعد «ما كان» و «ما يكون» يرتفع على الفاعلية، وأَوقَعتَ الحُسن عليه، وأنت تريد ذات زيدٍ تجوُّزًا، كما تقول: أَخْطَبُ ما يكونُ الأميرُ قائمًا، فـ «كان» هذه تامَّة. وأجاز جماعة ــ منهم المبرد ــ أن تكون ناقصة، وينصب زيدًا، ويجعل ما بمعنى الذي، كما تقول: ما أَحْسَنَ الذي كان في الدار، أو يكون في الدار. ومَن منعَ وقوع ما على شخص مَن يعقل منعَ هذه المسألة، وجوَّزها فيما لا يتشخص.

стр. 3397

وأما «مَنْ» فهل تقع هنا؟ الظاهر جواز ذلك، وقد جوَّزه جماعة، فتقول: ما أَحْسَنَ مَنْ كان زيدًا! ولو عطفتَ في مسألة «ما أَحْسَنَ ما كان زيدٌ» فالأقيس والأجود عودُ الضمير على الكون لا على الفاعل؛ فتقول: ما أَحْسَنَ ما كانت هندٌ وأجمَلَه! ليكون الفعل مع متعلَّقه معطوفًا على الفعل ومتعلَّقه، وهما لشيء واحد. ويجوز أن تقول: ما أَحْسَنَ ما كانت هندٌ وأجمَلَها! قاله الأخفش. وتقدَّم لنا أنه متى تباين متعلَّق الفعلين فإنَّ العطف يَقبُح، فأمَّا قوله: ما ... شَدَّ أَنفُسَهم ... وأَعْلَمَهم ... بما ... يَحمي ... الذَّمارَ به الكَريمُ المُسلِمُ فإن الأنفس هي الضمير من حيث المعنى، فكأنه قال: ما أَشَدَّهم وأَعْلَمَهم! وتقول: ما كان أَحْسَنَ ما كان زيدٌ! فيجوز ذلك على القياس السابق والتوجيه في رفع زيد ونصبه، ولا تكون الثانية /بخلاف الأولى، فلا يجوز: ما كانَ أَحْسَنَ ما يكونُ زيدٌ! للتناقض. -[ص: ويُجرُّ ما تعلَّق بهما من غير ما ذُكر بـ «إلى» إن كان فاعلاً، وإلا فبالباء إن كان من مُفهِمٍ عِلمًا أو جَهلاً، وباللام إن كانا من متعدَّ غيرِه، وإن كان من متعدَّ بحرف جرَّ فبما كان يتعدَّى به. ويقال في التعجب من كسا زيدٌ الفقراءَ الثيابَ، وظَنَّ عمرٌو بشرًا صديقًا: ما أَكسَى زيدًا للفقراءِ الثيابَ! وما أَظَنَّ عمرًا لبشرٍ صديقًا! وينصب الآخر بمدلولٍ عليه بأَفْعَلَ لا به، خلافًا للكوفيين.]- ش: أشار بقوله ما ذُكر إلى المتعجَّب منه والظرف والحال والتمييز، فما ليس واحدًا من هذا يجيء فيه التقسيم الذي ذكر

стр. 3398

فقوله بإلى إن كان فاعلاً يعني فاعلاً في المعنى، مثال ذلك: ما أَحَبَّ زيدًا إلى عمرٍو! وما أَبْغَضَ ١ عمرًا إلى بكرٍ! وما أَمْقَتَ بكرًا إلى خالدٍ! فالتركيب قبل هذا: أَحَبَّ عمرٌو زيدًا، وأَبْغِضْ بعمرٍو إلى بكرٍ! وأَمَقِتْ ببكرٍ إلى خالدٍ. وقوله وإلا فبالباء إن كان من مُفهِمٍ علمًا أو جَهلاً أي: وإلا يُجَرّ بإلى يُجَرّ بالباء، مثاله: ما أَعْرَفَ زيدًا بالعلم! وما أَجْهَلَ عمرًا بالفقه! وما أَبْصَرَ خالدًا بالشعر. وتقول: أَبْصرْ بزيد بالشعر! وأَجْهلْ بخالد بالفقه! وقوله وباللام إن كانا من متعدَّ غيره أي: إن كان أَفْعَلَ وأَفْعِلْ من متعدَّ غيرِ ما يُفهِم عِلمًا أو جَهلاً، ويعني أنه قبل أن يُبنَى منه أَفْعَلَ وأَفْعِلْ كان متعديًا بنفسه إلى مفعول، وإلا إذا بُني منه أَفْعِلْ لا يكون إذ ذاك متعديًا على رأي جمهور البصريين؛ لأنَّ الهمزة إذ ذاك عندهم للصيرورة، وإذا كان كذلك أشكل أن يُعَدَّى أَفْعِلْ إلى المفعول باللام، ومثال ما ذكر: ما أَضْرَبَ زيدَّا لعمرٍو! وما أَحَبَّ ١ زيدًا لخالد! وما أَبْغَضَ زيدًا لبكر! وما أَمْقَتَ عمرًا لخالدٍ! وأَضْرِبْ بزيدٍ لعمرو! وتعدية أَضْربْ لعمرو باللام كما ذكرنا مشكلة؛ لأنَّ معناه: أَضْرَبَ زيدٌ، وأَضْرَبَ زيدٌ لا يتعدَّى، وينبغي ألاً يجوز هذا التركيب، ولا يُقْدَم عليه إلا بعد سماعه من العرب. وقوله وإن كان مما يَتَعَدَّى بحرف جرِّ فَبما كان يَتَعَدَّى به مثاله: ما أَعَزَّ زيدًا عليَّ! وما أزْهَدَ زيدًا في الدنيا. وتقول: أَعْزِزْ بزيدٍ عليَّ! وأَزْهدْ بزيدٍ في الدنيا! فالتركيب قبل هذا: زهِدَ زيدٌ في الدنيا، وعَزَّ زيدٌ عليَّ. وقوله ويقال في التعجب من كسا إلى آخر المسألة المتعدي إلى اثنين إن كان من باب أعطى جاز أن يُقتصر على ما كان فاعلاً في المعنى قبل التعجب، نحو:

стр. 3399

ما أَعطَى زيدًا! وما أَكسَى خالدًا! وجاز أن تُعَدِّيه بعد ذلك إلى أحد المفعولين باللام، فتقول: ما أَكسَى زيدًا لعمرٍو! وما أَكسَى زيدًا للثياب! فإن جاء من كلامهم: ما أَعطَى زيدًا لعمرٍو والدراهمَ! وما أَكسَى زيدًا للفقراءِ الثيابَ! فمذهب البصريين أنه ينتصب بإضمار فعل، تقديره: أَعطاه الدراهمَ، وكَساهم الثيابَ. ومذهب الكوفيين أنه منصوب بنفس فعل التعجب. وإن كان من باب ظَنَّ فإنك تقتصر على الفاعل، فتقول: ما أَظَنَّ زيدًا! وما أَزْعَمَ زيدًا! هذا /مذهب البصريين. وأمَّا الكوفيون فيجيزون ذكرهما بشرط دخول اللام على الأول ونصب الثاني، هذا إن أُمن اللبس، نحو: ما أَظَنَّ زيدًا لبكرٍ صديقًا! أصله: ظَنَّ زيدٌ بكرًا صديقًا. وإن خيفَ لبسٌ أَدخلتَ اللام على كل من المفعولين، فتقول: ما أَظَنَّ زيدًا لأخيك لأبيك! أصله: ظَنَّ زيدٌ أخاك أباك. وقال المصنف في الشرح: «فإن كان قبل التعجب متعدًيا إلى اثنين جررت الأول باللام، ونصت الثاني عند البصريين بمضمر مجرد مماثل لتالي (ما)، نحو: ما أكسَى زيدًا للفقراءِ الثيابَ! والتقدير: يكسوهم الثياب. وكذا يفعلون في: ما أَظَنَّ عمرًا لبشرٍ صديقًا! يقدرون: يَظُنُّه صديقًا. والكوفيون لا يضمرون، بل ينصبون الثاني بتالي (ما) بنفسه. ذكر هذه المسألة ابن كيسان في (المهذب)» انتهى. وهذا النقل عن البصريين والكوفيين مخالف لِما ذكرناه نحن؛ لأنَّا حكينا أنَّ مذهب البصريين في نحو كسا أنك تنصب المتعجَّب منه، وهو الذي كان فاعلاً في كسا، ويتعدى لأحدهما فقط باللام، وأنه إن وجد الثاني منصوبًا فتأويله أنه ينتصب على إضمار فعل. وأمَّا في باب ظَنَّ فإنك تقتصر على الفاعل فقط، فتنصبه في التعجب، ولا يجوز أن يتعدَّى إلى شيء من الأول ولا من الثاني باللام، ولا إلى

стр. 3400

الأول باللام وإلى الثاني بنفسه، هذا مذهب البصريين. وأمَّا مذهب الكوفيين في باب كسا فإنهم ينصبون ما كان قبلُ فاعلاً، ويُعَدُّون إلى الثاني باللام وإلى التالي بنفسه. وأمَّا في باب ظَنَّ فيفصلون بين أن يُلبَس الأول بالثاني أو لا، إن أَلبَس فإنهم يُعَدُّون فعل التعجب إلى كل منهما باللام، ويكون التقديم والتأخير مبينًا اللبس، فما تقدم هو الأول، وما تأخر هو الثاني، كحالهما إذا قلت ظَنَّ زيدٌ أخاك أباك. وإن لم يُلبس تعدَّى إلى الأول باللام، وإلى الثاني بنفسه. فلم يحقق المصنف مذهب البصريين ولا مذهب الكوفيين في المسألتين معًا، إذ حكي ما حكي عنهم فيهما، وليس بصحيح. وقال صاحب البسيط: وأمَّا ظَنَنتُ وأخواتها فيجوز بشرط الاقتصار على الفاعل، ثم تغَّير إلى فَعُلَ، فتقول: ما أَظَنَّنِي! ولا تذكر المفعولين ولا أحدهما، أمَّا الأول فلضرورة نقله إلى فَعُلَ، وأمَّا الثاني فلامتناع الاقتصار على أحد الجزأين، ولا يصح دخول اللام. فإن كان في موضع مفعوليه «أنَّ» جاز لأنه يتعدى إليه بحرف جرّ، كما تقول: ما أَضْرَبَ زيدًا لعمرٍو! على ما نذكره، فتقول: ما أَعْلَمَنِي بأنك قائم! وقد أجاز بعضهم حذف الباء، فتقول: ما أَعْلَمَنِي أنَّك قائمٌ. وأمَّا أَعلَمتُ فمَن جوَّزَ أَفْعَلَ جوَّز هذا بشرط الاقتصار على الفاعل؛ لأنَّ التعجب إنما يكون في الأكثر من صفة الفاعل، ولا يذكر ما عداه ولا أحدهما. ومَن منع في النقل أو على العموم مَنع هنا مع التباسه بـ «ما أَعْلَمَنِي»! مِن عَلمت، وهم يباعدون الالتباس هنا؛ لأنَّ مرادهم بيان ما التعجب منه ليكون عذرًا لهم فيه، فلا يكون فيما يَلتبِس.
следующие страницы →