← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17116

التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

أبو حيان الأندلسي

Полный текст (3 950 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

كأن مجر الرامسات ذيولها ... عليه حصير، نمقته الصوانع فيتخرج على حذف من الأول، أو حذف العامل، فتقدره: كأن موضع مجر الرامسات ذيولها، فيكون مجر اسم مصدر، وانتصب به ذيولها. أو يكون تقديره: تجر ذيولها، ويكون مجر اسم مكان. وكذلك قوله: كأن مجره الأبطال ........... ... ................................ وأما قوله: فظلت بملقى واحف جرع المعى ... .................................. فتقديره: بموضع لقاء واحف جرع المعى. والمصدر الذي يجعل زماناً لا يقوى قوة المصدر، ولا يعمل عمله؛ لأنه قد انتقل معناه، نحو: أتيتك خلافة بني العباس، وخفوق النجم. * * *

стр. 3642

-[ص: فصل يجيء بعد المصدر الكائن بدلاً من الفعل معمول، عامله على الأصح البدل لا المبدل منه، وفاقاً لسيبويه والأخفش.]- ش: هذا هو المصدر الذي أشار إليه بقوله في أول الباب "إن لم يكن بدلاً من اللفظ"، ولكونه بدلاً من العامل لا يظهر معه ناصبه، ولا يتقدر معه بحرف مصدري، وتقدمت مواقعه في باب المفعول المطلق، وهنا يبين مواقعه متعدياً. واختلف في هذا المصدر هل ينقاس أم لا على ثلاثة مذاهب: أحدها: ما ذهب إليه أكثر المتأخرين من أن مذهب س أنه لا ينقاس، وأنه يقصره كله على السماع. والمذهب الثاني: أنه ينقاس في الأمر والدعاء والاستفهام بتوبيخ وبغيره، وفي التوبيخ بغير استفهام، وفي الخبري المقصود به الإنشاء أو الوعد، وهو اختيار المصنف في الشرح، وزعم أن في كلام س ما يدل على أنه منقاس فيما كان منها أمراً أو دعاء أو توبيخاً أو إنشاء. والمذهب الثالث: أنه ينقاس في الأمر والاستفهام فقط، وبه قال بعض أصحابنا، وحكاه المصنف في باب ظن عن الأخفش والفراء. فمما جاء منه أمراً قول /الشاعر، أنشده س:

стр. 3643

على حين ألهى الناس جل أمورهم ... فندلاً - زريق - المال ندل الثعالب وقول الآخر: هجراً المظهر الإخاء إذا لم ... يك في النائبات جد معين ودعاء قول الشاعر: يا قابل التوب غفراناً مآثم، قد ... أسلفتها، أنا منها مشفق وجل وقول الآخر: إعانة العبد الضعيف على الذي ... أمرت، فميقات الجزاء قريب واستفهاماً بتوبيخ قوله: أعلاقة أم الوليد بعد ما ... أفنان رأسك كالثغام المخلس وقوله: أبغياً وظلما من علمتم مسالماً ... وذلا وخوفاً من يجاهركم حربا وقوله: أبسطاً بإضرار يميناً ومقولاً ... ومدعياً مجداً تليداً وسؤددا وتوبيخاً بغير استفهام قوله: وفاقاً بني الأهواء والغي والونى ... وغيرك معني بكل جميل على هذا أنشده المصنف في الشرح، ويحتمل أن يكون حذفت منه همزة الاستفهام، والتقدير: أوفاقاً؟

стр. 3644

قال المصنف في الشرح: "ويكثر أيضاً وقوعه موقع فعل خبري مقصود به الإنشاء، كقول من أبصر ما يتعجب منه: عجباً، وكقول المعترف بالنعمة: حمداً وشكراً لا جحوداً وكفراً، ومنه قول الشاعر: حمداً الله ذا الجلال وشكراً ... وبداراً لأمره وانقيادا وقد يقع الخبر به وعداً، كقوله: قالت: نعم، وبلوغاً بغية ومنى ... فالصادق الحب مبذول له الأمل وهذه الأنواع عند الأخفش والفراء مطردة صالحة للقياس على ما سمع منها. وبذلك أقول لكثرته في كلام العرب ولما في ذلك من الاختصار". وهذه المصادر التي هي بدل من اللفظ بالفعل منصوبة بأفعل منها واجبة الإضمار؛ فإذا قلت: ضرباً زيداً، بمعنى: اضرب زيداً - فالناصب للمصدر اضرب واجبة الإضمار، وانتصابه/ على أنه مصدر. وفي الإفصاح: "إن ما كان بمعنى الأمر، نحو: ضرباً زيداً، وشتماً عمراً - فالمعنى: اضرب زيداً، واشتم عمراً، الناصب له عند س الزم ضرباً زيداً، فهو مفعول بإضمار فعل لا يجوز إظهاره، وناصب لأنه صار عوضاً من اضرب. وغيره يرى أن الناصب له: اضرب". وقوله عامله على الأصح البدل إلى آخره اختلف في العامل في المعمول: فذهب س والأخفش والزجاج والفارسي إلى أن المصدر نفسه هو الناصب للمفعول، لما جعلته العرب بدلاً منه ورث العمل الذي كان للفعل. وإلى هذا مال حذاق المتأخرين.

стр. 3645

وذهب المبرد والسيرافي وجماعة إلى أن النصب في المفعول هو بالفعل المضمر الناصب للمصدر. وذكرت هذين المذهبين لشيخنا الأستاذ أبي الحسن بن الضائع، فرجح مذهب س، وقال: "الدليل على أن انلعامل في المنصوب بعد المصدر هو المصدر إضافته إليه". وانبنى على هذا الاختلاف الاختلاف في تقديم المنصوب على هذا المصدر؛ فمن رأى النصب بـ"اضرب" المضمرة أجاز التقديم، فيقول: زيداً ضرباً. وممن يرى جواز التقديم أبو العبس وأبو بكر وعبد الدائم القيرواني، وقد تؤول ذلك على س. ومن جعل العمل للمصدر لنيابته مناب الفعل، وهو مذهب أبي الحسن والفراء، قال أبو الحسن في هذا الباب: وكل شيء كان في موضع الفعل فلا يجوز أن تأمر به لغائب، ولا تقدم فيه. قيل: وهذا ظاهر مذهب س. ونقل ابن أصبغ عن أبي الحسن جواز التقديم، فيكون عنه القولان. وقد أجاز بعض من رأى العمل للمصدر تقديم مفعوله عليه. وفي "الإفصاح": "ومن يضمر الزم، ويعمل ضرباً بالنيابة - لا يرى تقديم معموله، وقد رأى بعضهم تقديمه على هذا الوجه" انتهى.

стр. 3646

وفي البسيط: "وأما كونه نائباً عن فعله في الدعاء والأمر، نحو: ضرباً زيداً، وسقياً زيداً - فقيل: يعمل لأنه ناب عن فعله، فهو أقوى منه إذا كان غير نائب، فلا يشترط فيه أن، وإذا عملت الحروف بالنيابة فالمصادر أولى، هذا إن جعلته نائباً عن اضرب. وأما إن جعلت المصدر منصوباً بفعل غيره، كالزم ونحوه مما ترك إظهاره - وقد نسب هذا القول إلى س في الأمر - فلا يبعد تقديره هنا بأن والفعل، فيكون التقدير: الزم أن تضرب زيداً، ولا يبعد حمل الدعاء عليه؛ لأن الدعاء بصيغة الأمر. فإن كان العامل المصدر بالنسابة صح تقديم معموله عليه، نحو: زيداً ضرباً، وإن كان عاملاً هنا لا بالنيابة بل بأنه في تأويل أن - وهو معمول للفعل - لم يجز التقديم. فأما قوله تعالى (فَضَرْبَ الرِّقَابِ) فليس على معنى: فاضربوا الرقاب. وقال المبرد: هو على معنى: (فاضربوا الرقاب ضرباً). وقيل: فاضربوا ضربا مثل ضرب الرقاب. وقال س في قوله: أعلاقة أم الوليد ............... ... ........................................ (ناب عن: أتعلق أم الوليد). وقد قيل: لا يعمل. /والأول أصح" انتهى. ونص س على قبح: زيداً حذرك، وجعله في القبح مثل: زيداً عليك. وقال الأستاذ أبو علي: منع س من تقديم منصوب حذرك لأنه لم يستعمل إلا في الأمر، ولم يفارقه، فصار بمنلة: عليك زيداً، الذي لا يجوز تقديم الاسم فيه. والأحوط أنه لا يقدم على التقديم في نحو ضرباً زيداً إلا بسماع من العرب.

стр. 3647

وقد جاء المصدر خبراً صرفاً عارياً مما ذكر، ومنه: وقوفاً بها صحبي على مطيهم ... يقولون: لا تهلك أسى، وتجمل تقديره: وقف وقوفاً بها صحبي. ولا ينقاس مثل هذا لقلته. وأما قول الشاعر: عهدي بها الحي لم تخفف نعامتهم ... ........................................ فجعله المصنف من المنصوب المراد به الماضي، أي: عهدت. ويحتمل أن يكون مرفوعاً، ويكون من باب: ضربي زيداً قائماً، والجملة من قوله "لم تخفف نعامتهم" في موضع الحال. وقد جاء نوع من هذا المصدر النائب عن الفعل مصغراً، وذلك قولك رويداً في أحد استعمالاته، فيعرب إذ ذاك، وتجوز إضافته إلى الفاعل، فتقول: رويداً زيداً، ورويدك زيداً. وتجوز أيضاً إضافته إلى المفعول، فتقول: رويد زيد. واختلفوا في النصب به: فذهب المبرد إلى أنه لا يجوز؛ لأن تصغيره يمنع من ذلك كما منع اسم الفاعل من العمل؛ لأن التصغير من خواس الأسماء، فالنصب بعده إنما يكون بالفعل الناصب لرويداً. وذهب غيره إلى أنه يجوز النصب به. واختلفوا في السبب الذي عمل لأجله وهو مصغر، ولم يعمل اسم الفاعل المصغر: فذهب الفارسي إلى أنه إنما عمل وهو مصغر حملا ًعلى رويد اسم الفعل، لما شابهه في اللفظ عمل، كقوله:

стр. 3648

رويد عليا، جد ما ثدي أمهم ... إلينا، ولكن ودهم متماين وهذا يقتضي أن أبا علي يمنع من إعمال المصدر الموضوع موضع الفعل المصغر فيما عدا رويداً. وزعم أبو بكر بن طاهر وابن خروف أن السبب في جواز إعماله أن عمله ليس بالشبه كاسم الفاعل، وإنما عمل لوضعه موضع الفعل، فلا يقدح التصغير في إعماله، بخلاف اسم الفاعل، فعمله لشبهه بالفعل المضارع، والتصغير يبعده عن شبه الفعل، فوجب ألا يعمل مصغراً. قال بعض أصحابنا: وهذا هو الصحيح عندي، وسواء في ذلك رويداً وغيرها من المصادر المصغرة الموضوعة موضع الفعل. مسألة: اختلفوا في حذف المصدر وإبقاء معموله، فمنهم من منع ذلك لأنه موصول، والموصول لا يحذف. ومنهم من أجاز حذفه إذا كانت الدلالة عليه قوية؛ لأنه في معنى المنطوق، كما قد يحذف المضاف لدلالة الأول عليه، ويبقى عمله في المضاف إليه، قيل: ومنه قوله تعالى: (هل تستطيع ربك)، على قراءة الكسائي، التقدير: هل تستطيع سؤال ربك، حذف سؤال، وأقام ربك مقامه، فأعربه بإعرابه، و (أَنْ يُنَزِّلَ) معمول للسؤال المحذوف؛ /لأنه لا يتعلق بـ (تستطيع)؛ لأن الفعل للغير، ولا يقال: هل تستطيع أن يقوم زيد، فدل على تعلقه بالسؤال المحذوف. * * *

стр. 3649

-[ص: باب حروف الجر سوى المستثنى بها فمنها "من"، وقد يقال "منا"، وهي لابتداء الغاية مطلقاً على الأصح، وللتبعيض، ولبيان الجنس، وللتعليل، وللبدل، وللمجاوزة، وللانتهاء، وللاستعلاء، وللفصل، ولموافقة الباء، ولموافقة "في"، وتزاد لتنصيص العموم أو لمجرد التوكيد بعد نفي أو شبهه جارة نكرة مبتدأ، أو فاعلاً، أو مفعولاً به، ولا يمتنع تعريفه ولا خلوه من نفي أو شبهه، وفاقاً للأخفش. وربما دخلت على حال. وتنفرد "من" بجر ظروف لا تتصرف، كقبل وبعد وعند ولدى ولدن ومع، وعن وعلى اسمين. وتختص مكسورة الميم ومضمومتها في القسم بالرب، والتاء واللام بـ"الله"، وشذ فيه: من الله، وتربي.]- ش: الحرف إن لم يختص بما يدخل عليه فالأصل ألا يعمل فيه، نحو: هل، وبل، والهمزة للاستفهام، وإن اختص وتنزل منزلة الجزء مما دخل عليه لم يعمل، كـ"أل" وحرف التنفيس، وإن لم يتنزل منزلة الجزء فإن اختص بالفعل فقياسه أن يعمل الجزم؛ لأن الجزم مختص بالفعل، وإن اختص بالاسم فقياسه أن يعمل الجر؛ لأن الجر مختص بالاسم، فعمل المختص المختص، أي: عمل الحرف المختص الإعراب المختص بما دخل عليه الحرف، وحروف الجر اختصت بالأسماء، فعملت الإعراب الذي اختص بالأسماء، وهو الجر.

стр. 3650

ويسميها الكوفيون حروف الإضافة لأنها تضيف الفعل إلى الاسم؛ ألا تراه يربط بين الاسم والفعل، وحروف الصفات لأنها تحدث صفة في الاسم، فقولك: جلست في الدار، فـ"في" دلت على أن الدار وعاء للجلوس. وعملت هذه الحروف لشبهها بالفعل في الاختصاص بما دخلت عليه. وكان عملها الجر لأن ما دخلت عليه فضلة، فلم تعمل رفعاً؛ لأن الرفع من إعراب العمد، ولم تنصب لأن ما دخلت عليه موضعه نصب؛ بدليل الرجوع إليه في الضرورة، فلو نصبت لاحتمل أن يكون النصب بالفعل، ودخل الحرف لإضافة معنى الفعل إلى الاسم، كما في: ما ضربت إلا زيداً، فلما تعذر الرفع والنصب لم يبق إلا الجر. وقوله سوى المستثنى بها تقدم ذلك في الاستثناءن وهي: خلا وحاشا وعدا إذا انجر الاسم بعدها، وأن س لا يكون حاشا عنده إلا حرفاً. وذهب الفراء إلى أنها لا تكون إلا فعلاً، وأن الاسم الذي بعدها إذا انخفض كان على تقدير اللام، والأصل عنده: قام القوم حاشا لزيد، فحذفت اللام، وبقي الاسم مخفوضاً. وذهب الأخفش والمبرد والزجاج إلى أنها تكون حرفاً، وقد تكون فعلاً. وهو الصحيح لثبوت النصب بها من كلام العرب. وأما "عدا" فـ"س" يقول: هي فعل، والأخفش يجعلها مثل خلا. وخلا فيها خلاف، ونقل المهاباذي عن الأخفش أنها حرف، وهو نص الأخفش فيها وفي حاشا في كتابه "الوسطى"، قال الأخفش: /"اعلم أن كل ما استثنيته بحاشا وخلا وسوى وسواء فهو جر أبداً". وقد تقدم النقل عن الأخفش أن حاشا تكون فعلاً، فيكون عنه القولان في حاشا، أحدهما موافق لمذهب س.

стр. 3651

وذهب الجمهور إلى أن خلا تكون فعلاً وحرفاً، وقد وهم من نقل اتفاق النحويين على أن خلا يكون الاسم بعدها مخفوضاً ومنصوباً، وأن النصب أكثر من الخفض. وكان ينبغي للمصنف أن يقول: "وسوى ما ذكر في باب الظروف"، وهما مذ ومنذ، فإنه ذكر أنهما حرفان إذا انجر ما بعدهما. وقوله فمنها من وقد يقال منا من ثلاثية عند الكسائي، وثنائية عندنا، وزعم أن أصلها منا، فحذفت الألف لكثرة الاستعمال. واستدل على هذه الدعوى بقول بعض بني قضاعة: بذلنا مارن الخطي فيهم ... وكل مهند ذكر حسام منا أن ذر قرن الشمس حتى ... أغاث شريدهم فنن الظلام قال: فرد من إلى أصلها لما احتاج إلى ذلك لأجل الوزن؛ ألا ترى أن المعنى: من أن ذر قرن الشمس. وقال المصنف في الشرح: "حكى الفراء أن بعض العرب يقول في من: منا، وزعم أنه الأصل، وخففت لكثرة الاستعمال" انتهى. وأظن الفراء أخذ ذلك من هذا البيت الذي أنشده الكسائي. وقد تأوله أبو الفتح على أن "منا" مصدر منى يمني: إذا قدر، ويكون مصدراً استعمل ظرفاً، نحو: خفوق النجم، أي: تقدير أن ذر قرن الشمس وموازنته إلى آخر النهار لا يزيد ولا ينقص.

стр. 3652

وقوله وهي لابتداء الغاية مطلقاً على الأصح يعني بقوله "مطلقاً" أي: تدخل لابتداء الغاية في المكان والزمان وغيرهما، مثالها في المكان (مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى). وكونها لابتداء الغاية في المكان مجمع عليه. ومثال ابتداء الغاية في الزمان (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ)، (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ). وقال الأخفش في "المعاني": "قال بعض العرب: من الآن إلى غد"، وفي الحديث (من نصف النهار إلى صلاة العصر)، وفيه: (من صلاة العصر إلى مغرب الشمس)، وفيه: (فمطرنا من جمعة إلى جمعة)،

стр. 3653

ومنه في حديث عائشة (ولم يجلس عندي من يوم قيل في ما قيل)، وقول أنس: "فلم أزل أحب الدباء من يومئذ"، وفيه: قال ﵇ لفاطمة: (هذا أول طعام أكله أبوك من ثلاثة أيام)، وقال النابغة: تخيرن من أزمان يوم حليمة ... إلى اليوم، قد جربن كل التجارب وقال جبل بن جوال: وكل حسام أخلصته قيونه ... تخيرن من أمان عاد وجرهم وقال الراجز:/ تنتهض الرعدة في ظهيري ... من لدن الظهر إلى العصير

стр. 3654

وقال بعض الطائيين: من الآن قد أزمعت حلماً، فلن أرى ... أغازل خوداً، أو أذوق مداما وقال: ألفت الهوى من حين ألفيت يافعاً ... إلى الآن ممنوا بواش وعاذل وقال: ما زلت من يوم بنتم والها دنفا ... ذا لوعة، عيش من يبلى بها عجب وقال: ونجوت من عرض المنو ... ن من الغدو إلى الرواح وقال: كأنهما م الآن لم يتغيرا ... وقد مر للدارين من بعدنا عصر وقال: لمن الديار بقنة الحجر ... أقوين من حجج ومن دهر وقال:

стр. 3655

من غدوة حتى كأن الشمسا ... بالأفق الغربي تكسى ورسا وقال: من الصبح حتى تطلع الشمس لا ترى ... من القوم إلا خارجياً مسوما وقال: أتعرف أم لا رسم دار معطلا ... من العام تمحاه، ومن عام أولا وقال: من عهد عاد كان معروفاً له ... أسر الملوك وقتلها وقتالها وكونها لابتداء الغاية للزمان مختلف فيه: منع ذلك البصريون، وأثبته الكوفيون، وهو الصحيح، وقد كثر ذلك في لسان العرب نثرها ونظمها كثرة تسوغ القياس، وتأويل البصريين لذلك مع كثرته ليس بشيء. وذهب ابن الطراوة إلى أنك إذا أردت الانتهاء في الزمان والابتداء فيه أتيت بإلى ومن؛ كما أن ذلك يكون في المكان كذلك، فلابد من "من" إذا أردتهما. قيل له: إذا أردت ذلك في الزمان استعملت مذ، فتقول: ما رأيته مذ يوم الجمعة إلى يوم الأحد. فزعم أن هذا لا يجوز؛ لأن قولك: ما رأيته مذ/ يوم الجمعة، يفهم منه أن انقطاع الرؤية اتصل إلى آخر الإخبار، فلا يحتاج هنا إلى حرف

стр. 3656

الانتهاء، وإنما يحتاج إليه حرف لا يستغرق الوقت نحو من، فلابد من دخول من على الزمان في هذا الموضع. ومثال دخولها لابتداء الغاية في غير المكان والزمان: قرأت من أول سورة البقرة إلى آخرها، وأعطيت الفقراء من درهم إلى دينار، وتقول إذا كتبت كتاباً: من فلان إلى فلان، وفي الحديث: (من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم). واختلف النحويون في "من" بعد أفعل التفضيل، نحو: زيد أفضل من عمرو: فذهب س إلى أنها لابتداء الغاية، ولا تخلو من التبعيض. وذهب المبرد والأخفش الصغير إلى أنها لابتداء الغاية، ولا تفيد معنى التبعيض. وصححه بعض أصحابنا. ومنع ابن ولاد في رده على المبرد أن تكون من لابتداء الغاية، واستدل على ذلك بأن ابتداء الغاية لا يكون إلا بأن يكون لها انتهاء، كقولك: خرجت من الكوفة إلى البصرة، ولا يجوز: زيد أفضل منك إلى جعفر. وزعم س أن من تكون غاية، فقال: "تقول: رأيته من ذلك الموضع، تجعله غاية رؤيتك كما جعلته غاية حيث أردت الابتداء"، يريد أن من هنا دخلت على المحل الذي وقع فيه ابتداء الرؤية وانتهاؤها، ولذلك سماه غاية لما كان محيطاً بغاية الفعل؛ لأن الغاية هي مدى الشيء، أي: قدره، فيمكن أن يكون في: زيد أفضل من عمرو كذلك، أي: ابتدأ التفضيل منه، وانتهى به.

стр. 3657

وقال بعض أصحابنا في قولهم: زيد أفضل من عمرو: "أردت أن تعلم أن زيداً يبتدأ في تفضيله من عمرو، ويكون الانتهاء في أدنى من فيه فضل؛ إذ العادة أن يبتدأ في التفضيل مما يقرب من الشيء ويدانيه في الصفة التي تقع فيها المفاضلة". انتهى. وسيأتي الكلام على من في أفعل التفضيل عند تعرض المصنف لذلك في الشرح إن شاء الله. وقوله وللتبعيض قال المصنف في الشرح: "ومجيء من للتبعيض كثير، كقوله تعالى (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ)، وكقوله تعالى (خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ). وعلامتها جواز الاستغناء عنها بـ (بعض)، كقراءة عبد الله (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) " انتهى. وفي "البديع": "وقيل: إن من لأقل من النصف، كقوله تعالى (مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) انتهى. وما ذكره المصنف من أن "من" تأتي للتبعيض ليس متفقاً عليه، زعم المبرد والأخفش الصغير وابن السراج وطائفة من الحذاق والسهيلي من أصحابنا أنها لا

стр. 3658

تكون إلا لابتداء الغاية؛ وأن سائر المعاني التي ذكروها راجع إلى هذا المعنى؛ ألا ترى أنك إذا قلت: أكلت من الرغيف، إنما أوقعت الأكل على جزء، فانفصل ذلك الجزء من الجملة، فآل معنى الكلام إلى ابتداء الغاية. وذهب الفارسي والجمهور إلى أن من تكون للتبعيض. قال ابن عصفور: "وهو الصحيح/ بدليل أنك لو جعلت مكانها بعضاً لكان المعنى واحداً؛ ألا ترى أنه لا فرق بين قولك: أخذت من ماله، وأخذت بعض ماله، وقبضت من الدراهم، وقبضت بعض الدراهم، ولو وضعتها موضع من التي لابتداء الغاية في نحو: سرت من الكوفة - لم يسغ أن تقول: سرت بعض الكوفة" انتهى. وما ذهب إليه ابن عصفور من أنه لا فرق بين من التبعيضية وبعض رده بعض شيوخنا، فقال: "يتعلق الأكل بالرغيف على وجهين: أحدهما أنه عمه. والثاني أنه خصه، ولم يقع بجملته، فلحقت من لبيان ذلك. وإذا فهمت هذا فهمت الفرق بين من وبعض، فإنك إذا قلت: أكلت بعض الرغيف - فليس الرغيف متعلق الأكل، وإنما متعلقه البعض، وسيق الرغيف لتخصيص ذلك البعض وزوال شياعه. وإذا قلت: أكلت من الرغيف - فـ"من" دلت على أن الأكل وقع بالرغيف على جهة التبعيض، والرغيف متعلق الأكل، ودلت من على أنه لم يعمه". قال: "وقد صعب هذا على بعض الطلبة، فأراد أن يسوي بين من وبعض، وفيما ذكرته فرق لمن تدبره" انتهى. ومن قال لا فرق جعلهما مترادفين، ويمتنع الترادف بين مختلفي الحد.

стр. 3659

وقوله ولبيان الجنس قال المصنف في الشرح: "ومجيئها لبيان الجنس كقوله تعالى (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ)، (خَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ) " انتهى. وكونها لبيان الجنس مشهور في كتب المعربين، ويخرجون عليه مواضع من القرآن، وقال به جماعة من القدماء والمتأخرين، منهم النحاس، وابن بابشاذ وعبد الدائم القيرواني وابن مضاء. واستدلوا على ذلك بقوله (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ)، وقوله (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ)، وقوله (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ)؛ ألا ترى أن الأوثان كلها رجس، فأتى بـ"من" ليبين بما بعدها الجنس الذي قبلها، فكأنه قيل: فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، أي: الرجس الوثني. وكذلك: الذين آمنوا الذين هم أنتم؛ لأن الخطاب هو مع المؤمنين، فلذلك لم يتصور أن تكون تبعيضية. وكذلك التقدير: من جبال هي برد؛ لأن الجبال هي البرد لا بعضها. وقد أنكر ذلك أكثر أصحابنا، وزعموا أنها لم ترد لهذا المعنى، ولا قام دليل على ذلك من لسان العرب. وكذلك قال من زعم أنها لا تكون إلا لابتداء

стр. 3660

الغاية. وقالوا هي في قوله تعالى (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ) لابتداء الغاية وانتهائها؛ لأن الأوثان نحاس مصنوع أو ذهب أو غير ذلك، فليس الرجس ذاتها، ولا الجنس الذي صنعت منه، وإنما وقع الاجتناب على عبادتها، ووصف بالرجس المعبود منها، وتكون من في الآية كهي في قولك: أخذته من التابوت؛ ألا ترى أن اجتناب عبادة الوثن ابتداؤه وانتهاؤه في الوثن. /وأما (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ) فلا يتعين أن يكون الخطاب خاصاً، بل يقدر الخطاب عاماً للمؤمنين وغيرهم. وأما (مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ) فـ (مِنْ جِبَالٍ) بدل من (السَّمَاءِ) بدل اشتمال، و (مِنْ بَرَدٍ) بدل من (جِبَالٍ) بدل شيء من شيء، فيؤول التقدير إلى أن يكون المعنى: وينزل من برد السماء، فتكون من فيه للتبعيض. وأما ما استدل به فـ"من" في (مِنْ ذَهَبٍ) في موضع الصفة، فهي للتبعيض، وكذلك (مِنْ سُنْدُسٍ). وأما (مِنْ صَلْصَالٍ)، و (مِنْ مَارِجٍ) فلابتداء الغاية، أي: ابتداء خلق الإنسان من صلصال، وابتداء خلق الجان من مارج. وأما (مِنْ نَارٍ) فللتبعيض. وأما: أخزى الله الكاذب من زيد وعمرو - ففيها معنى التبعيض، وفيها معنى التبيين، وهي تلزم في اللفظ أو التقدير، وتلزم العطف في الظاهر، ولا تلزم في الضمير؛ لأنك تقول: منا. وقوله وللتعليل قال المصنف في الشرح: "ومجيئها للتعليل كقوله تعالى: (يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ)، و (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي

стр. 3661

إِسْرَائِيلَ)، ومنه قول عائشة: (فما أستطيع أن أقضيه إلا في شعبان، الشغل من رسول الله، ﷺ ، وكقول الشاعر: ومعتصم بالحي من خشية الردى ... سيردى، وغاز مشفق سيؤوب" انتهى. وقال الفرزدق: يغضي حياء، ويغضى من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم ومنه: مات من علته، وضحك من كلام زيد، وغضب مما قيل له، ومنه (أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ)، أي: بسبب الجوع. ومن لا يرى ذلك في الآية قال بالتضمين، أي: خلصهم بالإطعام من جوع وبالأمن من خوف. وقوله وللبدل قال المصنف في الشرح: "التي للبدل كقوله تعالى: (أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ)، (وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ)، ومنه قول الشاعر:

стр. 3662

أخذوا المخاض من الفصيل غلبة ... ظلماً، ويكتب للأمير أفيلا" وقوله وللمجاوزة فتكون بمعنى عن واستدل على ذلك بعضهم بقوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ) أي: عن ذكر الله، وقول العرب: حدثته من فلان، أي: عن فلان. وقال المصنف في الشرح: "ومجيئها للمجاوزة نحو: عذت منه، وأنفت منه، وبرئت منه، وشبعت ورويت. ولهذا المعنى صاحبت أفعل التفضيل، فإن القائل: زيد أفضل من عمرو - كأنه قال: جاوز زيد عمراً في الفضل. وهذا أولى من أن يقال: إنها لابتداء الارتفاع في نحو: أفضل منه، أو الانحطاط في نحو: شر منه، كما زعم س؛ إذ لو كان الابتداء مقصوداً لجاز أن تقع بعدها إلى. وقد أشار س إلى أن ابتداء الغاية قد /يقصد دون إرادة منتهى، فقال: (تقول: ما رأيته مذ يومين، فجعلتها غاية، كما قلت: أخذته من ذلك المكان، فجعلته غاية، ولم ترد منتهى). هذا نصه. والصحيح أن من في نحو: أخذته من ذلك المكان، للمجاوزة؛ إذ لو كان الابتداء مقصوداً مع أخذت كما هو مقصود مع حملت في قولك: حملته من ذلك المكان - لصدق على استصحاب المأخوذ أخذ كما يصدق على استصحاب المحمول حمل.

стр. 3663

وأما مذ في: ما رأيته مذ يومين، ونحوه - فقد جعلها بعضهم بمعنى في وليس كذلك؛ لأن المراد بما رأيته مذ يومين ونحوه نفي الرؤية في مدة أنت في آخرها، والابتداء والانتهاء مقصودان، واليومان معينان. ولو جيء بـ (في) مكان مذ لم يفهم تعين ولا ابتداء ولا انتهاء. وقد تقع من موقع مذ في مثل هذا، كقول النبي ﷺ لفاطمة، ﵂: (هذا أول طعام أكله أبوك من ثلاثة أيام)، فلو كان المجرور بمذ أو منذ حاضراً غير مثنى ولا مجموع صح قصد معنى في، كقوله ﵇ للملكين: (طوفتماني مذ الليلة). انتهى. وقد تقدم مذهب س ومذهب المبرد ومن تبعه في "من" التي تكون مع أفعل التفضيل. وما رد به المصنف على س هو قول ابن ولاد. وقد رد على ابن ولاد بأنه لا يلزم من ذكر الابتداء ذكر الانتهاء، فقد لا تذكره، إما لكونك لا تعلم إلى أين انتهى، وإما لكونك لا تريد أن تخبر به، نحو: خرج زيد من البصرة، وكذلك: زيد أفضل من عمرو، يكون الابتداء معلوماً والانتهاء مجهولاً، ويكون ذلك أمدح في حق المفضل؛ إذ لا يقف السامع على محل الانتهاء. وقال المصنف في الشرح أيضاً: "وأشار أيضاً - يعني س - إلى قصد التبعيض بالمصاحبة أفعل التفضيل، فقال في: هو أفضل من زيد: (فضله على بعض، ولم يعم).

стр. 3664

ويبطل كون هذه للتبعيض أمران: أحدهما عدم صلاحية بعض في موضعها. والثاني صلاحية كون المجرور بها عاماً، كقولنا: الله أعظم من كل عظيم، وأرحم من كل رحيم. وإذا بطل كون المصاحبة أفعل التفضيل لابتداء الغاية وللتبعيض تعين كونها بمعنى المجاوزة كما سبق" انتهى. وما رد به على س لا يلزم؛ لأن س لم يدع في نحو زيد أفضل من عمرو أنها للتبعيض فقط، إنما قال: "إنها لابتداء الغاية، ولا تخلو من التبعيض"، يعني حيث يمكن التبعيض. وتمثيله بقوله: هو أفضل من زيد، وقوله "فضله على بعض، ولم يعم" معناه: فضله على زيد، وهو بعض من الناس. وهذا قول صحيح، لا شك أن زيداً ليس بلفظ عام، وإنما هو بعض من عام. وأما كونها لا تصلح مكان بعض فقريباً من كلام المصنف قول ابن عصفور، قال: "الصحيح عندي أن التبعيض ليس مفهوماً في أفعل من، وإنما فهم ذلك من جهة أنك إذا أدخلت من التي لابتداء الغاية/ على الموضع الذي ابتدأ منه التفضيل علم أنك لم ترد التعميم في التفضيل؛ وإنما أردت أن تذكر الموضع الذي ابتدأت منه التفضيل، وليست كذلك طريقة من في إفادتها التبعيض، وإنما طريقها أن تدخل على اسم ما تريد بعضه؛ ألا ترى أنك إذا قلت قبضت من الدراهم أفدت بذلك أنك قبضت بعض ما دخلت عليه من؛ وهو الدراهم، وليست كذلك في: زيد أفضل من عمرو، لأنك لم ترد بعض ما دخلت عليه من" انتهى كلام ابن عصفور. ولم يرد س إلا أن ما دخلت عليه من ليس بعام، وأنك إذا أردت العموم حذفتها، فما دخلت عليه من بعض، لا أنها دلت على التبعيض فيما دخلت عليه، بل ما دخلت عليه هو البعض، فالتبعيض لفظ مشترك، يراد به أن ما دخلت عليه يكون بعضاً من عام، ويراد به أن ما دخلت عليه يكون عاماً، فتفيد تسليط العامل على بعضه.

стр. 3665

وأما ما ذكره المصنف من امتناع أن تدل على التبعيض، كقوله: الله أعظم من كل عظيم - فهو قول المبرد في رده على س ادعاءه أنها لا تخلو من التبعيض؛ واستدلاله أنك تقول: زيد أفضل الناس أجمعين، ولم يدع س أنها يصحبها التبعيض في كل مكان، بل قال ذلك حيث أمكن التبعيض، وهو قوله: هو أفضل من زيد، فزيد بعض الناس، وإذا قلت زيد أفضل من العمرين فهما بعض الناس، وإذا قال أفضل من الرجال فقد فضله على جماعة معلومين، فإذا أراد العموم حذف من، فقال: أفضل الرجال، وأفضل الناس، ولذلك جعل س [من] في قولك أفعل من لا يستغني عنها، يريد: إذا أريد معنى التبعيض، فإذا أريد العموم حذفت من كقولهم: هو أكذب من دب ودرج. وقوله وللانتهاء قال المصنف في الشرح: "ومجيء من للانتهاء كقولك: قربت منه، فإنه مساو لقولك: تقربت إليه. وقد أشار س إلى أن من معاني (من) الانتهاء، فقال: (وتقول: رأيته من ذلك الموضع، فجعلته غاية رؤيتك كما جعلته غاية حين أردت الابتداء). قال ابن السراج: (وحقيقة هذه المسألة أنك إذا قلت: رأيت الهلال من موضعي - فـ (من) لك، وإذا قلت: رأيت الهلال من خلل السحاب - فـ (من) للهلال، فالهلال غاية لرؤيتك، فلذلك جعل س من غاية في قولك: رأيته من ذلك الموضع) " انتهى.

стр. 3666

ومن أثبت لـ"من" هذا المعنى - وهم الكوفيون - استدل عليه بقول الشاعر: أأزمعت من آل ليلى ابتكارا ... وشطت على ذي نوى أن تزارا المعنى: أأزمعت إلى آل ليلى. وبقول العرب: شممت الريحان من الطريق، ورأيت الهلال من خلل السحاب، فـ"من" لانتهاء الغاية؛ لأن الشم لم يبتدئ من الطريق، ولا الرؤية ابتدأت من خلل السحاب، إنما ابتدأا من غيرهما، وانتهيا إليهما. ويبين ذلك أنك/ تقول: شممت الريحان من داري من الطريق، ورأيت الهلال من داري من خلل السحاب، فـ"من" الأولى للابتداء، والثانية للانتهاء. وقد رد أصحابنا هذا المعنى، وقالوا: لا تكون لانتهاء الغاية، فأما تأويل المصنف على س، وأنه أشار إلى أنها للانتهاء - فليس س مصحراً بأنها للانتهاء، إنما قال: "جعلته غاية رؤيتك"، ومعناه أنه محل لابتداء الفعل وانتهائه معاً. وكذلك: أخذته من زيد، زيد أيضاً هو محل ابتداء الأخذ وانتهائه معاً. فتحصل من هذا أن من تكون في أكثر الموضع لابتداء الغاية فقط، وفي بعض المواضع لابتداء الغاية وانتهائها معاً. وأما البيت فخرج على أن المعنى: أأزمعت من أجل آل ليلى ابتكاراً؟ لأنه إذا أزمع ابتكاراً إليهم فقد أزمعه من أجلبهم، وحذف المضاف لدلالة المعنى سائغ. وأما قولهم: شممت الريحان من داري من الطريق، ورأيت الهلال من داري من خلل السحاب - فتأولوه على أن كلا منهما لابتداء الغاية، فتكون الأولى لابتداء الغاية في حق الفاعل، والثانية لابتداء الغاية في حق المفعول؛ ألا ترى أن ابتداء وقوع رؤية الهلال من الفاعل إنما كان في داره، وأن ابتداء وقوع الرؤية بالهلال إنما كان في خلل السحاب؛ لأن الرؤية إنما وقعت بالهلال وهو في خلل

стр. 3667

السحاب. وكذلك أيضاً ابتداء وقوع الشم إنما كان من الدار، وابتداء وقوعه بالريحان إنما كان من الطريق؛ لأن الشم إنما تسلط على الريحان وهو في الطريق. ونظير هذا ما جاء في بعض الأثر: (كتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر بالشام: الغوث الغوث)، وأبو عبيدة لم يكن في وقت كتبه بالشام، بل الذي كان بالشام عمر، فـ"بالشام" ظرف للفعل بالنظر إلى المفعول؛ لأن الكتب إلى عمر إنما كان وعمر بالشام. وزعم بعض النحويين أن من الطريق، ومن خلل السحاب - من فيهما لابتداء الغاية، إلا أنه جعل العامل محذوفاً، وليس شممت، ولا رأيت، وتقديره: كائناً من الطريق، وظاهراً من خلل السحاب. قال السهيلي: "ولا حجة في قولهم: شممت الريحان من الطريق، ورأيت الهلال من خلل السحاب؛ لأن معنى الكلام أن الريحان شم من الطريق حتى شممت رائحته، وأن الهلال لاح من خلل السحاب حتى نظرت إليه)) انتهى. فكأنه قال: ناما أو فائحاً من الطريق، ولائحاً من خلل السحاب. ورد هذا التأويل بعض أصحابنا بأن المحذوف الذي يقوم المجرور مقامه إنما يكون مما يناسب معناه الحرف؛ و"من" الابتدائية لا يفهم منها الكون ولا الظهور، فلا ينبغي أن يجوز حذفهما منه. وقوله وللاستعلاء قال المصنف في الشرح: "وقد جاء من بمعنى على في قوله تعالى: (وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا)، كذا قال أبو الحسن الأخفش" انتهى. والأحسن ألا يضمن الحرف /معنى الحرف، ويضمن الفعل

стр. 3668

معنى الفعل، فتكون من على بابها، ويكون التقدير: ومنعناه بالنصر من القوم الذين كذبوا بآياتنا. وهذا الذي ذكره عن الأخفش هو قول الكوفيين وبعض اللغويين. وقوله وللفصل قال المصنف في الشرح: "وأشرت بذكر الفصل إلى دخولها على ثاني المتضادين، نحو (وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ)، و (حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ)، ومنه قول الشاعر: إذا ما ابتدأت امرأً جاهلاً ... ببر فقصر عن فعله ولم تره قابلاً للجميل ... ولا عرف العز من ذله فسمه الهوان، فإن الهوان ... دواء لذي الجهل من جهله" انتهى. ومنه: لا يعرف قبيلاً من دبير. وليس من شرطها الدخول على المتضادين، بل تدخل على المتشابهين، تقول: لا يعرف زيداً من عمرو. وقوله ولموافقة الباء هذا قول كوفي. قال المصنف في الشرح: (يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ)، قال الأخفش: (قال يونس: أي: بطرف

стр. 3669

خفي، كما تقول العرب: ضربته في السيف، أي: بالسيف) " انتهى. يريد أنهم جعلوا من بمعنى الباء كما جعلوا في بمعنى الباء. ولا حجة لما قاله يونس؛ إذ يحتمل أن تكون فيه من لابتداء الغاية، أي: ابتداء نظرهم هو من طرف خفي. وقوله ولموافقة في وهذا قول كوفي أيضاً. قال المصنف في الشرح: "أشرت إلى نحو قول عدي بن زيد: عسى سائل ذو حاجة إن منعته ... من اليوم سؤلا أن ييسر في غد انتهى. ولا حجة في ذلك؛ إذ يجوز أن تكون من للتبعيض على حذف مضاف، أي: إن منعته سؤلاً من مسؤولات اليوم أو من مسؤولاتك اليوم، يعني: من الأشياء التي تسألها اليوم. وزعم بعض النحويين أن من تكون بمعنى في، وجعل من ذلك قوله تعالى: (أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ)، أي: في الأرض. وزعم أبو عبيدة أنها تقع بمعنى عند، وجعل من ذلك قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا). ولا حجة في شيء من ذلك؛ إذ يحتمل التأويل. وزعم السيرافي والأعلم وابن طاهر وابن خروف أن "من" إذا كان بعدها "ما" كانت بمعنى ربما، وزعموا أن س يشير بهذا لهذا المعنى كثيراً في كلامه، كقوله في "باب ما يكون في اللفظ من الأعراض": "اعلم أنهم مما يحذفون".

стр. 3670

وكان الأستاذ أبو علي لا يرتضي هذا المذهب لكون س إذا ذكر "مما" إنما يريد التكثير، فلا يحسن إذ ذاك استعمال رب إذ كان معناها يناقض المراد. واحتج الذاهبون إلى ذلك بأنه قد سمع ذلك منهم، قال:/ وإنا لمما نضرب الكبش ضربة ... على وجهه، تلقي اللسان من الفم قالوا: المعنى: لربما. وخرج الأستاذ أبو علي وأصحابه ذلك على أن "ما" مصدرية، و"من" لابتداء الغاية، وكأنهم خلقوا من الضرب لكثرة ما يقع منهم، كما قال تعالى: (خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ)، جعل كأنه مخلوق من العجل لكثرة وقوع العجل منهم. فأما قول الشاعر: نصحت أبا زيد، فأدى نصيحة ... إلي، ومما أن تغر النصائح وقول الآخر: ألا غنيا بالقادسية، إننا ... على النأي مما أن ألم بها ذكرا فلا يمكن أن تكون ما مصدرية لأجل أن، قالوا: فمعناها ربما. وتأوله من منع ذلك على أن ما نكرة موصوفة بالمنسبك من أن وما بعدها، وهو مصدر، كأنه قال: إننا على النأي من شيء إلمام بها ذكره، فجعلهم من إلمامهم ذكراً لكثرة إلمامهم. وكذلك النصيحة للإنسان تشق عليه، فكأن النصح مخلوق مما يشق على الإنسان.

стр. 3671

وهذا التأويل بعيد، ولا يجوز الوصف بأن والفعل، لا يجوز: مررت برجل أن يصوم، تريد: برجل صوم. وعلة ذلك أن الوصف بالمصدر هو على سبيل المجاز، ونيابة أن والفعل عنه مجاز، فكثر التجوز، فلذلك امتنع. والأولى أن ما مصدرية، وجمع بينها وبين أن المصدرية لاختلاف لفظيهما، وذلك في الشعر كما جاء قوله: فأصبحن لا يسألنني عن بما به ... ............................................ وإذا جمعوا بين حرفي الجر مع كونهما عاملين فلأن يجمعوا بين م لا عمل له - وهو ما المصدرية - وما له عمل - وهو أن - أولى. وقوله وتزاد لتنصيص العموم أو لمجرد التوكيد بعد النفي أو شبهه جارة نكرة أما ما تزاد لتنصيص العموم فهي الداخلة على نكرة لا تختص بالنفي، نحو رجل وامرأة وغيرهما، فإذا قلت ما قام رجل احتمل نفي الجنس على سبيل التعميم، أي: لم يقم فرد من أفراد الرجال لا واحد ولا أكثر. واحتمل أن يكون النفي سلط على رجل بقيد الوحدة، فعلى الأول تقول: ما قام رجل بل امرأة، وعلى الثاني تقول: ما قام رجل بل اثنان، فإذا أدخلت من زال احتمال نفي الوحدة، ولذلك يخطأ من قال: ما قام من رجل بل اثنان، ودل دخولها على أنه أريد النفي العام. وأما ما تزاد لمجرد التوكيد فهي الداخلة على نكرة لم تستعمل إلا في النفي العام أو ما يشبهه، نحو أحد الموضوع لعاقل، وديار وطوري، وقد تقدمت في باب العدد في آخر الفصل الثاني منه، فدخولها فيه إنما هو لمجرد التوكيد؛ لأن النفي العام لا يفهم بدونها.

стр. 3672

وقال المصنف في الشرح: "وأشار س إلى أن من الزائدة قصد بها التبعيض؛ لأنه قال بعد تمثيله بما أتاني من رجل: (أدخلت من لأن هذا موضع تبعيض، فأراد أنه /لم يأت بعض الرجال)، هكذا قال، يريد أن من دلت على شمول الجنس، فلكل بعض منه قسط من المنسوب إلى جميعها، فالتبعيض على هذا التقدير مقصود. وهذا غير مرضي؛ لأنه يلزم منه أن تكون ألفاظ العموم للتبعيض. وإنما المقصود بزيادة من في نحو ما أتاني من رجل جعل المجرور بها نصاً في العموم، وإنما تكون للتبعيض إذا لم يقصد عموم، وحسن في موضعها بعض، نحو (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا) الآية، و (مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)، و (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ)، وقد صرح س بهذا المعنى، فقال: (وتكون للتبعيض، نحو: هذا منهم، كأنك قلت: هذا بعضهم) " انتهى. وما فهمه الشارح المصنف عن س ليس بصحيح؛ لأن س لم يرد بقوله "لأن هذا موضع تبعيض" أنه حين زيدت كان الكلام بزيادتها استفيد منه التبعيض، وإنما يريد أنها زيدت ناصة على العموم؛ لأن الكلام قبل الزيادة كان يفهم منه التبعيض، ولم يكن نصاً على العموم كما هو بزيادتها. وقد يمكن إجراء لفظ س على ظاهره، فيكون قوله "لأن" تعليلاً لدخول من الزائدة، وأنها يستفاد من دخولها

стр. 3673

التبعيض، فإذا قلت ما قام من رجل كان نفياً لجنس الرجال أن يقوم أو يقوم منه شيء، فكأنك قلت: ما قام بعض الرجال في حال من الأحوال لا وحده ولا مع غيره. وتقسيم المصنف وغيره "من" هذه الزائدة إلى أنها تكون لاستغراق الجنس ولتأكيد استغراق الجنس ليس مذهب س؛ بل قولك: ما جاءني من أحد، وما جاءني من رجل، من في الموضعين لتأكيد استغراق الجنس. وهذا هو الصحيح؛ لأن من لم تدخل في قولك ما جاءني من رجل إلا على قولك: ما جاءني رجل، المراد به استغراق الجنس. وزعم علي بن سليمان أن "من" الزائدة لابتداء الغاية، فإذا قلت ما قام من رجل ابتدأت النفي من هذا النوع دون غيره، ثم عرض لها - وإن كانت لابتداء الغاية - أن يقتصر بها على هذا النوع. وقال أبو العباس في ما جاءني من رجل: لا ينبغي أن يقال فيها زائدة؛ لأن الزائد لا يفيد معنى، و"من" هنا تفيد استغراق الجنس، فإنك إن حذفتها احتمل الكلام وجوها، ولم يكن نص على استغراق الجنس، فإذا قلت ما جاءني من أحد فهي زائدة؛ لأنك إذا حذفتها لم تخل بمعنى. قال ابن هشام: وهذا الذي ذكره صحيح، إلا أنها لما كان العامل يطلب موضعها ولم تكن معدية جعلها س بهذا الاعتبار زائدة. وقوله بعد نفي أو شبهه جارة نكرة مبتدأ وفاعلاً ومفعولاً به يريد بقوله "بعد نفي" سائر أدوات النفي لم ولما وما ولا ولن وإن. وشبه النفي يريد به النهي، وحرفه كما تقرر لا، والاستفهام، وليس ذلك عاماً في جميع أدواته، إنما يحفظ ذلك مع هل، وفي إلحاق الهمزة بها نظر، ولا أحفظه من /لسان العرب، ولو قلت:

стр. 3674

كيف تضرب من رجل؟ أو: أين تضرب من رجل؟ أو: كيف خرج من ضيف أتاك؟ لم يجز. وذكره جارة نكرة هذا مذهب جمهور البصريين، وهو أن لزيادتها شرطين: أحدهما: أن يكون الكلام غير موجب، ويعنون به النفي والنهي والاستفهام على ما شرحناه. والثاني: أن يكون المجرور بها نكرة. ومثال زيادتها في المبتدأ (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)،: ........................................ ... .......... ألا لا من سبيل إلى هند إلا أن زيادتها بعد لا في المبتدأ قليلة، بخلاف ما. (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ). ومثال زيادتها في الفاعل (مَا يَاتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ)، وهل قام من رجل؟ ولا يقم من أحد. وحكم اسم كان وأخواتها حكم الفاعل، فتقول: ما كان من أحد قائماً، وليس من رجل قائماً، قال تعالى: (وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ). ومثال زيادتها في المفعول (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ)، (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ)، ولا تضرب من أحد.

стр. 3675

وشمل قوله المفعول ما سمي فاعله، وما لم يسم فاعله، والمفعول الأول والثاني من باب أعطى، والأول من باب ظن، والأول من باب أعلم. وفي دخولها على ثاني أعلم نظر، ولا تدخل على ثاني ظن، ولا على ثالث أعلم، ولا على خبر كان وأخواتها. وتدخل على المتسع فيه من ظرف ومصدر، نحو: ما ضرب من ضرب شديد، وما سير من ميل، وما صيم من يوم. فرع: إذا قلت: قلما يقول ذلك رجل، وقلما أضرب رجلاً - إن جعلت قلما مقابلة كثر ما لم يجز دخول من على رجل؛ لأن الكلام موجب، وإن جعلت قلما للنفي المحض جاز زيادة من؛ لأن الكلام غير موجب، واستعمال قلما بالوجهين شائع في كلام العرب. وزعم بعض البصريين أنها تزاد في لشرط، فيجري مجرى النفي والنهي والاستفهام، ويكون ما تدخل عليه نكرة كهي مع تلك، فتقول: إن قام من رجل قام عمرو، وإن ضربت من رجل ضربك. وحجته أن الضرب غير واقع، كما أنه كذلك في: ما ضربت رجلاً. والصحيح المنع؛ لأنه وإن لم يكن واقعاً مفروض الوقوع، ولا يمكن أن يفرض إلا ما لا تناقض فيه، فيصير المعنى إن قدر وقوع هذا الخبر: الذي هو قام من رجل قام عمرو، و"قام من رجل" لا يمكن؛ لما قاله بعض أصحابنا من أنه يلزم اجتماع الضدين في الواجب، على ما يتضح عند بيان اشتراط الشرطين عند جمهور أهل البصرة. فإن كل فعل الشرط منفياً، أو كان قد دخل على النفي ما صيره تقريراً - فيحتاج في دخول من على النكرة - أي في سياق ذلك - إلى نظر، والذي يظهر المنع.

стр. 3676

وزعم لكذة - ويقال لغذة - الأصبهاني - واسمه [الحسن بن عبد الله أبو علي]- أن "من" في قول الهذلي: فما العمران من رجلي عدي ... وما العمران من رجلي فئام زائدة، وأن هذا لا يجوز، وأنه منحول، وليس من شعر الهذلي. قال: لأنه لا يقال: ما زيد من رجل الحرب، ولا: ما زيد من رجلي الحرب. وعلة منعه لذلك اعتقاده أن من زائدة في خبر المبتدأ/ إن كانت "ما" تميمية، أو في خبر "ما" إن كانت حجازية، و"من" لا تزاد في الخبر. وما ذهب إليه في البيت لكذة غير صحيح؛ لأنه بناه على أن "ما" نافية، وهو خلاف ما قصد الشاعر؛ لأنه قصد المدح، فكيف تكون نافية؟ فيصير إذ ذاك هجواً، وإنما "ما" هنا استفهامية، معناها التعجب والتعظيم والتفخيم للشأن، كقولك: عبد الله ما عبد الله، تريد: أي رجل عبد الله، وكذلك أراد الشاعر: أي رجلي عدي، وأي رجلي فئام العمران، و"من" هنا نظيرتها في قول الشاعر: يا سيداً، ما أنت من سيد ... موطأ الرحل، رحيب الذراع فـ"من" داخلة على التمييز؛ إذ يجوز: يا فارساً ما أنت فارساً، و"عدي" في بيت الهذلي في معنى العداة، كما قال الشنفي: له وفضة، فيها ثلاثون سيحفا ... إذا ما رأت أولى العدي اقشعرت وزعم بعض النحويين أن "من" إذا دخلت على قبل وبعد تكون زائدة، وزعم أن المعنى بسقوطها وثبوتها واحد. وليس كما زعم، بل المعنى مختلف، فإذا

стр. 3677

قلت جئت من قبل زيد كان مجيئك مبتدأ من الزمان المتعقبه زمان مجيء زيد، فإذا قلت جئت قبل زيد كان مجيئك سابقاً على مجيء زيد، واحتمل أن يكون تعقبه زمان مجيء زيد، أو كان بينهما مهلة كثيرة أو قليلة؛ لأنه يدل على مطلق السبق. وإذا قلت جئت من بعد عمرو ابتدأ مجيئك من الزمان المتعقب زمان مجيء عمرو، وإذا قلت جئت بعد عمرو احتمل أن يتعقب وأن يتأخر بمهلة كثيرة أو قليلة، فـ"من" لابتداء الغاية في القبلية والبعدية، فلو جاء شخص ظهراً وآخر عصراً حسن فيه قبل وبعد، ولم يحسن من قبل ولا من بعد؛ إذ لا اعتقاب في الزمانين. وقوله ولا يمتنع تعريفه ولا خلوه من نفي أو شبهه وفاقاً للأخفش وافق المصنف الأخفش، وذكر جملة ما استدل به لهذا المذهب في شرحه نثراً ونظماً، فمن ذلك قوله تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ)، (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ)، (وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ)، (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ)، (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)، وفي لابخاري من كلام عائشة (أن رسول الله ﷺ كان يصلي جالساً، فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته نحواً من كذا)، هكذا ضبط بخط من يعتمد. أي: ولقد جاءك نبأ، ويحلون أساور، ويكفر عنكم سيئاتكم، يغفر لكم ذنوبكم، تجري تحتها، فإذا بقي قراءته نحواً من كذا. وقال عمر بن أبي ربيعة:

стр. 3678

وينمي لها حبها عندنا ... فما قال من كاشح لم يضر وقال جرير: لما بلغت إمام العدل قلت لهم ... قد كان من طول إدلاج وتهجير /وقال آخر: وكنت أرى كالموت من بين ساعة ... فكيف ببين كان موعده الحشر وقال آخر: يظل به الحرباء يمثل قائما ... ويكثر فيه من حنين الأباعر أي: فما قال كاشح، وقد كان طول إدلاج، وكنت أرى بين ساعة، ويكثر فيه حنين [الأباعر]. ورأى زيادة "من" في الإيجاب الكسائي، وخرج عليه "إن من أشد الناس عذاباً المصورون". وابن جني، وخرج عليه قراءة ابن هرمز (لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ)، تقديره عنده: لمن ما، فأدغمت نون من في ميم ما، فاجتمعت ثلاث ميمات، فحذفت ميم من، وبقيت الثانية التي كان نوناً مدغمة في ما. انتهى ما لخص من شرح المصنف.

стр. 3679

وأما الكوفيون فاختلف النقل عنهم: فقال بعض أصحابنا عنهم: إنها تزاد في الواجب وغيره بشرط أن يكون مجرورها نكرة، وحكوا عن العرب من زيادتها في الواجب: قد كان من مطر، وقد كان من حديث فخل عني، أي: كان مطر، وقد كان حديث. وقال الكسائي وهشام: من زائدة في قوله (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ)، (وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ)، و (يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ)، (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً)، كما قال الأخفش، فلم يشترطا أن يكون المعمول نكرة. ووافقهم الفارسي على زيادتها في قوله: (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ)، أي: جبالاً فيها برد. وجعل أبو عبيدة في "المجاز" له "من" زائدة في قوله: (أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ)، أي: خير من ربكم. واستدل أيضاً على زيادتها بغير الشرطين بقوله: (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ). وما احتج به لهم لا حجة فيه:

стр. 3680

أما (وَلَقَدْ جَاءَكَ) فالفاعل مضمر، أي: ولقد جاءك هذا النبأ، و (مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ) في موضع الحال، أي: كائناً من نبأ المرسلين؛ لأن قبله: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا)، فأخبره تعالى أن هذا النبأ الذي جاءك هو من نبأ المرسلين، فتأس بما جرى لهم. وأما (مِنْ أَسَاوِرَ) فـ (مِنْ) للتبعيض. وأما (وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ)، و (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) - فالذي يكفر بعض السيئات، والذي يغفر بعض الذنوب؛ لأن ما كان فيه تبعة لآدمي لا يكفر، ولأن المغفور بالإيمان ما اكتسبوه من الكفر لا ما يكتسبونه في الإسلام، وذلك بعض الذنوب، فـ (مِنْ) فيهما للتبعيض. وكذا هي للتبعيض في (أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ)، إذ أصله: أن ينزل الله عليكم من خير، أي: بعضاً من خير، ثم بني للمفعول، وأقيم المجرور مقام الفاعل، وجعل الظاهر بدلاً من الضمير لما حذف الظاهر الذي كان يعود عليه الضمير، وهو اسم الله. وكذا هي للتبعيض أيضاً في (مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ)؛ لأنه لا يمكن/ أن يأكل كل ما أمسكن؛ إذ منه ما يموت فرقاً، ولم ينفذ مقاتله، ولا أثر فيه بناب ولا ظفر. وأما (مِنْ تَحْتِهَا) فلابتداء الغاية. وأما (فإذا بقي من قراءته)، و ((بما قال من كاشح))، و ((قد كان من طول))، و ((يكثر فيه من حنين))، و ((قد كان من مطر))، و ((قد كان من حديث)) - فخرج على أن تكون "من" في ذلك كله مبعضة، ويكون الفاعل مضمراً اسم فاعل يفسره الفعل كما فسر في قوله: (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ)، أي: هو، أي: البداء، فكذلك يكون التقدير: فإذا بقي هو، أي: باق من قراءته نحواً من كذا، ومما
следующие страницы →