Полный текст (3 950 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.
стр. 3606
فلولا رجاء النصر منك ورهبة ... عقابك قد كانوا لنا كالموارد
وقال آخر:/ ... [٥: ٦٤/أ]
بضرب بالسيوف رؤوس قوم ... أزلنا هامهن عن المقيل
وقال الفرزدق:
فرم بيديك هل تستطيع نقلا ... جبالاً من تهامة راسيات
وقال زياد الأعجم:
ببذل في الأمور وصدق بأس ... وإعطاء على العلل المتاعا
وحكى هشام: عجبت من أكل الخبيص، إذا كنت تخاطبه، قال: إلا أنه ينتصب بإضمار تأكل. قال: فإن لم تخاطبه رفعت. قال: وأحب إلى أن يفرق بينهما بشيء.
والبصريون لا يضمرون في مثل هذا ويجيزون النصب وإن كان لغير المخاطب إذا جرى ذكر.
ثم اختلف البصريون في الفاعل: فذهب الجمهور إلى أن الفاعل محذوف، فاعترضوا بإنكارهم على الكسائي حذف الفاعل في باب الإعمال، ففرقوا بين حذفه من المصدر وحذفه من الفعل واسم الفاعل وما جرى مجراه مما يجري مجرى الفعل بأن الموجب لحذفه من الفعل إنما هو جعل ضميره كالجزء من العامل؛ بدليل تسكينهم له آخر الفعل في ضربت، وفصلهم به بين الفعل وإعرابه في نحو يفعلان، فكما لا يجوز حذف الجزء من الكلمة بقياس، فكذلك لا يجوز حذف الفاعل إذا
стр. 3607
كان مضمراً متصلاً، ثم حمل الظاهر والضمير المنفصل في امتناع الحذف على المضمر المتصل، فلما كان المصدر لا يتصل به ضمير فاعل لم تكن نسبة فاعلة منه نسبة الجزء من الكلمة فيمتنع حذفه لم يحمل الظاهر والضمير المتصل في امتناع الحذف عليه.
وقد علل المصنف في الشرح كونه لا يذكر معه بل يحذف بخلاف الفعل، وأبدى فرقاً بين الفعل وما أشبهه وبينه بأن الفعل لو ذكر دون مرفوع لكان حديثاً عن غير محدث عنه، وليس كذلك المصدر؛ لأنه إذا عمل الفعل المنسوب إليه بإجماع لم يكن إلا في موضع غير صالح للفعل، فجرى مجرى الأسماء الجامدة في عدم تحمل الضمير، وجاز أن يرفع ظاهراً لكونه أصلاً لما لا يستغني عن مرفوع. انتهى.
ولا يلزم من حذف الفاعل مع الفعل أن يكون حديثاً عن غير محدث عنه؛ لأن المحذوف كالملفوظ به الموجود.
وذهب قوم إلى أن الفاعل مضمر في المصدر، وأن المصدر يتحمل الضمير كما يتحمله اسم الفاعل والصفة المشبهة والظرف؛ لأنه يعمل في الظاهر، فيعمل في المضمر. ونسب ذلك بعض أصحابنا إلى الكوفيين.
قال ابن هشام: "وأهل البصرة متفقون على أن لا إضمار، وأهل الكوفة يضمرون الفاعل، ويقولون: لابد من ذلك؛ لأنه كاسم الفاعل والصفة المشبهة والفعل ما عمل في الظاهر رفعاً، فلابد له أن يرفع ظاهراً أو مضمراً، إلا من رأى منهم أنه لا يعمل.
/وحجة البصريين أنه قد يضاف إلى فاعله، فمحال أن يرفع حينئذ، فقد خرج بهذا عن الفعل وعن كل ما أشبهه، والصفة حين أضيفت لفاعلها تخلصت للموصوف، ورفعت ضميرها، وليس المصدر كذلك" انتهى.
стр. 3608
وذهب أبو القاسم خلف بن فرتون الشنتريني - عرف بابن الأبرش - إلى أن الفاعل منوي إلى جنب المصدر، والتقدير: أو إطعام إنسان، ودل عليه ذكر الإنسان قبله. قال: "ولا يجوز أن يقال: إن الفاعل مضمر؛ لأن المصدر لا يضمر فيه؛ لأنه بمنزلة أسماء الأجناس.
فإن قيل: إذا كان بمنزلة أسماء الأجناس فكيف يعمل عمل الفعل؟
فالجواب: أنه عمل عمل الفعل لوجود لفظ الفعل فيه؛ ألا ترى أنه إذا أضمر بطل عمله، ولا يجوز أن يقال: محذوف؛ لأن الفاعل لا يحذف" انتهى كلامه.
وذكرت هذا لشيخنا الأستاذ أبي الحسن بن الضائع، فقال: عجبت من ركوب الفرس، الفاعل هنا ليس منويا، ولا يدل عليه ذكر شيء قبله، بل هو هنا محذوف ولابد.
وذهب السيرافي إلى أنه يجوز ألا يقدر فاعل، بل ينتصب المفعول بالمصدر كما ينتصب التمييز في عشرين درهماً من غير أن تقدر فاعلاً.
ثم اعترض على نفسه، فقال:
فإن قلت: فإذا نصبت يتيماً ولم تقدر فاعلاً في إطعام فقد جعلته تمييزاً.
فالجواب: أنا - وإن نصبناه من غير أن نقدر فاعلاً - فإنما ينتصب تشبيهاً بالمفعول الذي ينصبه الفعل، ولا يلزم من ناصبه أن يكون مثل الفعل في جميع أحكامه، تقول: عجبت من إطعام زيد عمراً، فتنصب عمراً بإطعام، وتقيم زيداً مقام التنوين، وهو مجرور، ولا تقدر فاعلاً غير زيد، فقد بطل في المصدر لفظ الفاعل الذي هو مرفوع في الفعل لا محالة، ولم يكن المصدر بمنزلة الفعل في هذه الحال، فكذلك ما ذكرنا.
стр. 3609
ورد على السيرافي بما رد هو على الكسائي في باب الإعمال، وهو أن يقال له: إما أن يكون الفاعل مراداً أو غير مراد، فإن قال إنه غير مراد فهذا باطل بالضرورة؛ لأنه لابد للإطعام من مطعم من جهة المعنى، وإن قال إنه مراد فقد أقر بأن المصدر يقتضيه كما يقتضيه الفعل، وأنه مخالف لعشرين درهماً، فيلزمه أن يكون مقدراً فيه وإن لم يصح إضماره فيه ولا إبراز لفظ المضمر.
وذهب الفراء إلى أنه لا يجوز أن يلفظ بالفاعل بعد المصدر المنون. قالوا: وحمله على ذلك أنه لم يسمع.
ورد البصريون عليه هذا، واستدلوا على ورورد ذلك بقول الشاعر:
حرب تردد بينهم بتشاجر ... - قد كفرت آباؤها - أبناؤها
قالوا: التقدير: بتشاجر أبناؤها قد كفرت آباؤها، أي: لبست الدروع.
وهذا البيت لا حجة فيه، بل الظاهر أن قوله "آباؤها أبناؤها" مبتدأ وخبر، أي: آباؤها في ضعف الحلوم مثل أبنائها؛ /ألا ترى أن قبله ما يدل على هذا المعنى، وهو قوله:
стр. 3610
هيهات قد سفهت أمية رأيها ... فاستجهلت، حلماؤها سفهاؤها
إذ التقدير: حلماؤها مثل سفهائئها، فكذلك يكون تقدير: "آباؤها أبناؤها".
ويلزم أيضاً في تخريج البيت على قول البصريين أن يفصل بين المصدر ومعموله بقوله: "قد كفرت أبناؤها".
والذي يظهر لي مذهب الفراء؛ لأن كل ما أورد س وغيره من المصدر المنون في لسان العرب لم يذكر بعده فاعل، ولم يذكره س إلا في نفس عبارته، قال: "وذلك عجبت من ضرب زيد عمراً"، وليس في لفظه ما يدل على أنه محكي عن العرب، فيحتمل أن يكون ذلك رأياً منه، بل هو ظاهر كلامه وقياس منه؛ لأنه قال: "لأنك كما تقول: عجبت من أن ضرب زيد عمراً ينبغي أن تقول: عجبت من ضرب زيد عمراً". وكأن س لم ير مانعاً يمنع من ذلك إذ نزل منزلة: أن يفعل، والفاعل يظهر مع أن يفعل، فينبغي أن يظهر مع ما نزل منزلته، وكونه يذكر مضافاً إليه المصدر يقضي بذكره معه غير مضاف إذ لا فرق.
والذي ينبغي أن يعول عليه مذهب الفراء؛ لأنه سامع لغة من العرب، وقد نفى ذلك عن لسانهم، مع أن الكوفيين أوسع سماعاً وأتبع لشواذ كلام العرب من البصريين.
وللفراء أن يقول: المصدر - وإن نزل منزلة أن يفعل - فليس ينبغي أن تجرى عليه أحكام لفظه من ذكر الفاعل معه وغير ذلك، إنما يتبع في ذلك موجب الأدلة السمعية، فليس موضع قياس، ومع أن المصدر اسم صراح لم يبن للفاعل، ولا وضع له - فذكر الفاعل بعده بمثابة ضم اسم إلى اسم من غير جامع بينهما، فإذا أضيف
стр. 3611
إليه أمكن اتصاله به، وصارت بينهما علاقة من جهة اللفظ مع العلاقة التي من جهة المعنى، فأمكن ذلك، ولذلك سمع مضافاً إلى الفاعل، ولم يسمع غير مضاف والفاعل مذكور بعده.
وقوله ومعموله كصلة يعني أن المصدر لكونه ينحل لحرف مصدري والفعل هو كالموصول، ومعموله كالصلة، فكما أن صلة الموصول لا تتقدم عليه، فكذلك معمول هذا المصدر لا يتقدم عليه. وأيضاً فكما لا يفصل بين الموصول وصلته بأجنبي فكذلك لا يفصل بين المصدر ومعموله.
وقوله ويضمر عامل فيما أوهم ذلك أو يعد نادراً أي: فيما أوهم تقديم المعمول أو أوهم الفصل، فمما أوهم تقديم المعمول قول تميم العجلاني:
لقد طال عن دهماء لدي وعذرتي ... وكتمانها أكني بأم فلان
وقول عمر بي أبي ربيعة:
ظنها بي ظن سوء كله ... وبها ظني عفاف وكرم
وقوله:
طال عن آل زينب الإعراض ... للتعزي، وما بنا الإبغاض
/وقول الآخر:
وبعض الحلم عند الجهـ ... ـل للذلة إذعان
ومما أوهم الفصل قوله تعالى (إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ)، فظاهره أن (يوم) منصوب بـ (رجعه)، وقد فصل بينهما بقوله (لقادر)، وهو أجنبي منهما،
стр. 3612
فيضمر عامل يتعلق به: عن دهماء وبي، وعن آل، وللذلة، وهو مصدر يفسره المصدر بعد هذه المجرورات، ويقدر: يرجعه يوم تبلى السرائر، أو يعلق بنفس المصدر على نية التقديم والتأخير، أو على أنه يجوز في المصدر ذلك وإن لم يجز في الموصول، كما جاز حذف معموله وإن لم يجز حذف صلة الموصول.
فأما قوله:
فهن قيام، ينتظرن قضاءه ... بضاحي عذاة أمره، وهو ضامز
فـ"بضاحي" متعلق بـ"قضاءه" لا بـ"ينتظرن". وأما قوله:
ليت شعري إذا القيامة قامت ... ودعا للحساب أين المصيرا
فقال الشجري: "التقدير: ليت شعري المصير أين هو، فحذف المبتدأ، وفصل المصدر مما عمل فيه".
قال المصنف في الشرح: "وأسهل من ذلك أن يكون التقدير: أين يصير المصير، أو: أين هو؟ أعني المصير" انتهى.
وقول المصنف "وأسهل من ذلك" دليل على تجويز ما قاله الشجري، وهو لا يجوز؛ لأن "شعري" في "ليت شعري" إنما استعملته العرب معلقاً عن جملة الاستفهام، ولم تلفظ له بمنصوب، فتجويزهما أن يكون "المصير" معمولاً لـ"شعري" خطأ وخروج عن لسان العرب، فيتعين على هذا أن ينتصب المصير بفعل محذوف.
стр. 3613
وأما قول الشاعر:
وإني لأبكي اليوم من حذري غدا ... فراقك، والحيان مجتمعان
فالظاهر أن "غدا" ظرف لقوله "فراقك"، وذلك لا يجوز. وتخريجه على أن يكون "غدا" مفعولاً بـ"حذري"، و"فراقك" بدل منه بدل اشتمال.
وقد تساهل بعض النحويين في الجار والمجرور والظرف، فجوز تقديمهما على المصدر المقدر بحرف مصدري والفعل دون الحرف المصدري والفعل. وعن الأخفش نقل غريب، وهو أنه يجيز تقديم المفعول به على المصدر، فيقول: يعجبني عمراً ضرب زيد.
-[ص: وإعماله مضافاً أكثر من إعماله منوناً، وإعماله منوناً أكثر من إعماله مقروناً بالألف واللام. ويضاف إلى المرفوع أو المنصوب، ثم يستوفى العمل كما كان يستوفيه ما لم يكن الباقي فاعلاً فيستغنى عنه غالباً، وقد يضاف إلى ظرف فيعمل بعده عمل المنون.]-
ش: قسم هذا/ المصدر إلى مضاف ومنون ومعرف بأل، ولا خلاف في إعمال المضاف بين البصريين والكوفيين، وفي كلام بعض أصحابنا ما ظاهره خلاف هذا، قال ما نصه: "مذهب البصريين أنه يعمل على جميع وجوهه، ومن الكوفيين من يرى أن إعماله باللام لا يجوز، ومنهم من يرى أنه لا يعمل على كل حال، وما وجد بعده من العمل فبإعمال فعل دل عليه".
وقوله أكثر من إعماله منونا هذا راجع إلى الاستقراء. قال المصنف في الشرح: "وإعمال المضاف أكثر من إعمال غير المضاف؛ لأن الإضافة تجعل
стр. 3614
المضاف إليه كجزء من المضاف، كما يجعل الإسناد الفاعل كجزء من الفعل، وتجعل المضاف كالفعل في عدم قبول التنوين والألف واللام، فقويت بها مناسبة المصدر الفعل، فكان إعماله أكثر من إعمال عادم الإضافة، وهو المنون والمقترن بالألف واللام، إلا أن في المنون شبها بالفعل المؤكد بالنون الخفيفة، استحق به أن يكون أكثر إعمالاً من المقترن بالألف واللام" انتهى.
وذهب الزجاج والفارسي والأستاذ أبو علي والأكثرون إلى أن أقوى عمله إذا كان منوناً؛ لأن ما شبه به نكرة، فكذلك ينبغي أن يكون نكرة. وهذا لا تحقيق فيه؛ لأن عمله ليس بالشبه إنما هو بالنيابة عن حرف مصدري والفعل، وذلك المنوب عنه في رتبة المضمر.
وذهب الفراء وجماعة إلى أن الأحسن المضاف ثم المنون؛ لأن المصدر ما عمل للشبه، والأصل في عمل الأسماء الإضافة، فصار المضاف أولى لوجود أصل العمل الخاص بالأسماء، والمنون دونه لوجوده على حالة ليست للأسماء بالأصالة. قال الفراء: ولذلك لا تجد المنون في كتاب الله تعالى إلا بفاصل؛ لأنه يبعد من العمل المخالف للإضافة. قال: ولم تجده إلا في الشعر. قال: وأما المضاف فكثير، قال تعالى (لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ)، (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ)، و (مَكْرُ اللَّيْلِ)، و (لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ). وأما المنون المنفصل فقوله (أَوْ
стр. 3615
إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا)، وقوله (مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا). انتهى من البسيط.
وذهب بعض النحويين إلى أن إعماله مضافاً ومنوناً على حد سواء.
وذكر بعض النحويين أن المصدر إذا قصد به المضي كان الخفض أحسن حملاً بوجه ما على اسم الفاعل، والمنون في الاستقبال أحسن منه في المضي، وخفض المفعول أحسن من الفاعل حملاً على ذلك.
وذهب الأستاذ أبو الحسن بن عصفور إلى أن إعمال المعرف بالألف واللام أقوى من إعمال المضاف في القياس؛ وأطال الاحتجاج في ذلك بما لا يجدي نقله كبير فائدة.
وترك إعمال المضاف وذي أل عندي هو القياس؛ لأنه قد دخله خاصة من خواص الاسم، فكان قياسه ألا يعمل، وكذلك المنون؛ لأن الأصل في الأسماء ألا تعمل، فإذا التقى /الاسم بالاسم على سبيل التعلق فالأصل الجر بالإضافة، ولذلك تصح الإضافة بأدنى ملابسة.
وأما المصدر المنون ففي إعماله خلاف: ذهب البصريون إلى جواز إعماله، فيرفع به الفاعل، وينصب المفعول أو المفعولان أو الثلاثة على حسب الفعل الذي هو مصدره، وتقدم ذكر الخلاف في كونه ينحل لحرف مصدري والفعل المبني للمفعول.
وفي الإفصاح: "أجاز جماعة أن يذكر مرفوعاً ويقدر بأن والفعل المسند للمفعول. ومن الناس من منعه، وهو الصحيح؛ لأن ما يرفع الفاعل من الفعل
стр. 3616
والصفة لا يكون على صيغة ما يرفع المفعول، والمصادر لا تختلف صيغها، فلا يصلح فيها ذلك. وكان ابن خروف يقول: يجوز ذلك إذا لم يقع لبس. وهذا كله خطأ؛ لأنه لم يسمع، والقياس يبطله" انتهى.
وذهب الكوفيون إلى أن المصدر المنون لا يجوز إعماله، وأنه إن وقع بعده مرفوع أو منصوب فإنما هو محمول على فعل مضمر يفسره المصدر من لفظه؛ فإن وجد مثل عجبت من ضرب زيد عمراً فالتقدير: ضرب زيد عمراً. وقالوا في قوله تعالى (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ): إن التقدير: يطعم. وقالوا: المصدر إذا نون انقطع عن أن يحدث إعراباً، وصارت قصته قصة زيد وعمرو.
وقال الفراء: "إن نونت فليس من كلام العرب إلا مستكرها في الأشعار، فإذا رأيته في شعر فهو على نية كلامين" انتهى. ويرد عليه وجوده في أفحص كلام منوناً كما مر من قوله (أَوْ إِطْعَامٌ).
ومن فروع مذهب الكوفيين أنه يختار في المنون أن يكون السابق المفعول والمتأخر الفاعل، نحو: يعجبني ضرب في الدار زيداً عمرو، قاله هشام.
ومن فروعهم أنه إذا نون المصدر، وجرى بعده الفاعل والمفعول - فسبيله أن يفصل بينهما وبينه، فيقال: يعجبني قيام أمس زيد، وهو أحسن من قولك: قيام زيد.
ومن فروعهم أنه إذا رفع الاسم بعد المصدر المنون المحجوز اختير أن يكون ذلك في المدح والذم؛ كقولك: عجبت من قراءة في كل حال القرآن، أي: يقرأ
стр. 3617
القرآن، وأنكرت صيدا في كل ساعة صلاة ظبي، أي: يصاد ظبي، فهذا أجود عندهم من قولك: يسوءني ضرب في كل حال زيد، أي: يضرب زيد.
وذهب الكوفيون إلى إجازة خفض الاسم بعد المصدر المنون، فتقول: يعجبني ضرب زيد، التقدير: ضرب ضرب زيد، فحذف الثاني لدلالة الأول عليه. ولا يجوز ذلك عند البصريين.
وقد رد بعض أصحابنا على الكوفيين في دعواهم أن ما جاء بعد المصدر المنون من فاعل ومفعول هو على إضمار فعل يفسره المصدر؛ وأن ذلك معمول للمصدر نفسه، فقال: الدليل على صحة ذلك أنه لا يجوز: عجبت من ضرب أمس زيد عمراً أول من أمس، تريد: عجبت أمس من ضرب زيد عمراً أول من أمس، فدل ذلك على أن ما بعد المصدر معمول له، فلذلك لم يستجيزوا الفصل بينه وبين المصدر بمعمول الفعل، ولا ورد شيء من ذلك في كلامهم، ولو كان ما بعد المصدر معمولاً/ لفعل مضمر من لفظ المصدر لم يمنع من ذلك مانع؛ لأنه لا يلزم من تأخير معمول الفعل بعد المصدر فصل ما بين الموصول وما هو من صلته.
وأما المصدر المعرف بأل ففيه مذاهب:
أحدها: مذهب س، وهو إجازة إعماله كالمصدر المنون، فيرتفع به الفاعل وينتصب المفعول، فتقول: أعجبني الضرب زيد عمراً، ولا قبح في ذلك، وصححه بعض أصحابنا.
الثاني: مذهب الكوفيين، وهو أنه لا يجوز إعماله كالمنون، وما ظهر بعده من معمول فإنما هو على إضمار فعل يفسره المصدر كما قالوا في المنون؛ حتى إنهم أجازوا خفض الاسم بعده على حذف مصدر، قالوا: قالت العرب: يعجبني
стр. 3618
الإكرام عندك سعد بنيه، أي: إكرام سعد بنيه. وحكى الفراء عن العرب: أما والله لو تعلمون العلم الكبيرة سنه الدقيق عظمه، أي: علم الكبيرة سنه. ولا يجيز البصريون ذلك.
ووافق الكوفيين على منع إعماله معرفاً بأل جماعة من البصريين، منهم ابن السراج، وإن اختلفوا في استدلال المنع.
ونقل أبو إسحاق بن أصبغ في "مسائل الخلاف" من تأليفه أن مذهب الفراء جواز إعماله بأل كمذهب س وكافة البصريين، وأن ذلك مستقبح. ومنع البغداديون إعماله البتة.
الثالث: مذهب الفارسي وجماعة من البصريين، وهو جواز إعماله على قبح.
الرابع: مذهب ابن الطراوة وأبي بكر بن طلحة، وهو التفصيل بين أن تكون أل معاقبة للضمير فيجوز إعماله، نحو: إنك والضرب خالداً لمسيء إليه، أو لا تكون معاقبة للضمير، فلا يجوز إعماله، نحو: عجبت من الضرب زيد عمراً. وهذا المذهب هو الصحيح على ما يتضح إن شاء الله.
ونحن نذكر ما وقفنا عليه من الشواهد السمعية، فمن ذلك ما أنشد س للمرار الأسدي:
لقد علمت أولى المغيرة أنني ... كررت، فلم أنكل عن الضرب مسمعا
وأنشد س أيضاً:
стр. 3619
ضعيف النكاية أعداءه ... يخال الفرار يراخي الأجل
وقال أمية بن أبي عائذ:
فأصبحن ينشرن آذانهن ... في الطرح طرفاً يميناً شمالاً
وقال علي بن أمية:
وداعي الصباح يطيل الصياح السـ ... ـلاح السلاح، فما يستفيق
وقال كثير:
تلوم امرأً في عنفوان شبابه ... وللترك أشياع الصبابة حين
وقال الأخطل:
فإنك والتكليف نفسك دراماً ... كشيء مضى لا يدرك الدهر طالبه
وقال آخر:
فإنك والتأبين عروة بعد ما ... دعاك وأيدينا إليه شوارع
/لكالرجال الحادي، وقد تلع الضحى ... وطير المنايا فوقهن أواقع
وقال آخر:
فإلا يكن جسمي طويلاً فإنني ... له بالفعال الصالحات وصول
стр. 3620
وقال آخر:
وقد يحسن التيمي عقد نجافه ... ولا يحسن العقد القلادة بالمهر
وقال آخر:
....................................... ... وكيف التوقي ظهر ما أنت راكبه
وأنشد القالي في أماليه:
قل الغناء إذا لاقى الفتى تلفا ... قول الأحبة: لا يبعد، وقد بعدا
أي: قل أن يغني قول الأحبة شيئاً إذا لاقى الفتى تلفا، رفع به الفاعل، ونصب به الظرف، وحذف المفعول المنصوب، وهو شيئاً.
فهذه مصادر معرفة بأل، وهي معاقبة فيها للضمير، وانتصب بعدها المفعول، التقدير: فلم أنكل عن ضربي مسمعا، وضعيف نكايته أعداءه، وفي طرحهن طرفا، وصياحه السلاح السلاح، ولتركه أشياع، وتكليفك نفسك، وتأبينك عروة، وبفعالي الصالحات، وعقده القلادة، وتوقيك ظهر.
ولم يرد ما ظاهره رفع الفاعل بعد المصدر المعرف بأل فيما وقفنا عليه غير بيت واحد، أنشده صاحب "المرشد" وغيره، وهو قول الشاعر:
стр. 3621
عجبت من الرزق المسيئ إلهه ... وللترك بعض المحسنين فقيرا
بنصب المسيء ورفع إلهه بالرزق، وهو مصدر رزقه يرزقه رزقاً كذكرا، ورزقا كضربا.
وقد أنكر ابن الطراوة وغيره أن يكون رزقا بكسر الراء مصدراً، وقالوا: الرزق بمعنى المرزوق كالرعي والطحن، وردوا على الفارسي في زعمه أن رزقاً مصدر ينصب شيئاً في قوله تعالى: (مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا)، فعلى ألا يكون الرزق مصدراً، ويكون بمعنى الذي يرزقه الإنسان - ينتصب المسيء، ويرتفع إلهه بإضمار فعل يفسره الرزق، أي: يرزق المشيء إلهه، ويكون البيت لا حجة فيه على رفع الفاعل بالمصدر؛ إذ الرزق ليس بمصدر. وقوله "وللترك بعض" أل فيه معاقبة للضمير، أي: ولتركه بعض.
و"أل" هذه الداخلة على المصدر لا نعلم خلافاً في أنها للتعريف، إلا ما ذهب إليه صاحب "الكافي في الإفصاح" من أنها في المصدر المقدر بحرف مصدري والفعل ينبغي أن يدعى زيادتها كما يدعى في الذي والتي وما جرى مجراهما؛ وكذلك "الآن"، قال: "لأن التعريف /في هذه الأشياء بغير أل، فيدعى فيها الزيادة؛ إذ لا يجتمع على الاسم تعريفان".
قال صاحب "الكافي": "المصدر المقدر بأن والفعل معرفة - وإن كان منونا - لأنه في معنى ما هو معرفة؛ بدليل الإخبار عنه بالمعرفة في غير ما موضع، قال
стр. 3622
تعالى (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا)، وقال تعالى (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ)، فالألف واللام الداخلتان على المصدر كالألف واللام الداخلتين في الذي والتي؛ لأن تعريف هذا بالصلة، وكذلك في (الآن)؛ لأن تعريفها بالإشارة كتعريف ثم، فإذا صح التعريف بغير الألف واللام ثبت أنهما زائدتان. وهذا الذي ذكرته في المصدر المقدر بأن والفعل.
وأما إذا قلت: أعجبني العلم، ولم تأخذه في شخص بعينه - فيلزم لذلك ألا يقدر بأن والفعل، وكذلك الحلم والعقل، وكرهت البذاء، وما أحسن الحياء! وكما جاء في الأثر (الحياء من الإيمان)، فالألف واللام هنا للتعريف بمنزلتهما إذا دخلتا على جميع الأسماء، نحو: الرجل خير من المرأة، والتمرة خير من الجرادة. وهذا المصدر الذي لم يوجد لشخص بعينه، وإنما أخذ حقيقة مجردة عن موادها - لا يعمل لا برفع ولا بنصب، ويكون معرفاً بالألف واللام على طريق الجنس.
وإذا صح أن الألف واللام زائدتان في هذا المصدر المقدر بأن والفعل صح أن وجود المصدر دونهما أحسن من وجودهما فيه. وكذلك إذا صح أن الإضافة هنا تخفيف صح أن وجود هذا المصدر منونا أحسن وأقوى في القياس، إلا أن الإضافة للتخفيف أقرب من زيادة الألف واللام، ولذلك كان إعمال هذا المصدر بالألف واللام ضعيفاً".
стр. 3623
وقال أيضاً في المصدر المضاف: "هذه الإضافة المقصود بها التخفيف، والمعنى في: عجبت من قيام زيد، ومن قيام زيد - سواء؛ لأن الموصول لا يكون إلا معرفة؛ ألا ترى أنك إذا قلت: يعجبني أن يقوم زيد - فأن يقوم في تقدير مصدر معروف" انتهى كلامه.
وفي دعواه أن المصدر المنون معرفة، وأن ما فيه أل معرفة بغير أل، وفي أن الإضافة في المضاف للتخفيف مع كون المصدر معرفة - نظر، وقد نص النحاة على أنه إذا كان منوناً نكرة، وأن الإضفة محضة، وأن أل معرفة.
وقوله ويضاف إلى المرفوع أو المنصوب مثال إضافته إلى المرفوع قوله تعالى (فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ)، (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ)، (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)، (لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ)، (يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ). ومثال إضافته إلى المفعول (لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ)، (لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ).
وقوله ثم يستوفى العمل كما كان يستوفيه العمل أي: إن أضيف إلى /فاعل انتصب بعده المفعول، نحو قوله تعالى (كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ)، (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ
стр. 3624
النَّاسَ)، (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ)، (وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ)، ونحو ذلك مما يكثر وجوده.
وإن أضيف إلى مفعول ارتفع الفاعل، وهذا ليس بالكثير، ولم يجيء في القرآن منه إلا ما رواه يحيى بن الحارث الذماري عن ابن عامر أنه قرأ: (ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا)، بضم الدال والهمزة، وفي الحديث "وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً"، وقال الأقيشر الأسدي:
أفنى تلادي وما جمعت من نشب ... قرع القواقيز أفواه الأباريق
وقال آخر:
رد إضناؤك الغرام الذي كا ... ن عذولا ممهدا لك عذرا
وقال آخر:
ألا إن ظلم نفسه المرء بين ... إذا لم يصنها عن هوى يغلب العقلا
وقال آخر:
أمن رسم دار مربع ومصيف ... لعينيك من ماء الشؤون وكيف
стр. 3625
فمربع مرفوع برسم، ورسم مصدر عند أبي علي، وقد تؤول على خلاف هذا.
فأما قول الحطيئة:
أرسم ديار من هنيدة تعرف ... بأسقف من عرفانها العين تذرف
فخرجه ابن عصفور على أنه من باب إضافة المصدر للمفعول به ورفع الفاعل بعده.
ولا يتعين ما قاله؛ إذ يحتمل أن تكون العين مبتدأ، وفاعل عرفانها محذوف، وهو ضمير المخاطب، والإضافة إلى المفعول مع وجود الفاعل جائزة، لكن إضافته إلى الفاعل مع وجود المفعول أحسن؛ لأنه لا يتصور ذلك حتى يزال الفاعل عن رتبته فيقدم عليه المفعول، ولشدة طلب المصدر للفاعل استسهل الفصل بالمفعول بينه وبين الفاعل مبقى على اقتضائه من إضافته إليه، وجعلوه كلا فصل.
وذهب بعض النحويين إلى أن إضافته للمفعول ورفع الفاعل بعده لا تجوز إلا في الشعر. وقال أبو الحسين بن أبي الربيع: "لا أعلمه جاء في القرآن، لكنه جاء في الشعر وفي قليل من الكلام" انتهى. وقد نص س على إجازة ذلك في الكلام.
стр. 3626
وفي "البسيط": وإذا حصر الفاعل والمفعول فالأحسن الإضافة إلى المفعول. قال: وفيه نظر، ولم يظهر من كلام س ترجيحن ورجح بعضهم إضافته إلى الفاعل؛ لأنه أخص به من المفعول؛ إذ المفعول كالفضلة، ولأنه مستبد بالفاعل بالاتصالز وكذلك/ يضاف إلى ما أقيم مقام الفاعل، كقوله تعالى (وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ)، ويجوز تقديم أحدهما على الآخر حيث لا يلبس.
وقوله ما لم يكن الباقي فاعلا فيستغنى عنه غالباص تقدم تمثيله في نحو (لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ).
وقوله وقد يضاف إلى ظرف فيعمل بعده عمل المنون المصدر يضاف إلى الظرف كثيرا، نحو قوله تعالى (تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ)، (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ)، (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)، وذلك على حسب التوسع في أن اجري المصدر في التوسع مجرى الفعل، لا أن ذلك على تقدير الإضافة بـ"في" كما ذهب إليه المصنف في باب الإضافة، وسيأتي الكلام معه - إن شاء الله - على ذلك.
وإذا أضفت المصدر إلى الظرف فإنه يجوز لك أن تكمل عمله بالرفع والنصب معاً إن شئت؛ قال الشاعر:
رب ابن عم لسليمى مشمعل ... طباخ ساعات الكرى زاد الكسل
стр. 3627
وتقول: عرفت انتظار يوم الجمعة زيد عمراً، ذكره س. ومن منع من ذكر الفاعل والمصدر منون منع هذه المسألة ونحوها.
-[ص: ويتبع مجروره لفظاً ومحلاً ما لم يمنع مانع. فإن كان مفعولاً ليس بعده مرفوع بالمصدر جاز في تابعه الرفع والنصب والجر.
ويعمل عمله اسمه غير العلم، وهو ما دل على معناه، وخالفه بخلوه لفظاً وتقديراً دون عوض من بعض ما في فعله، فإن وجد عمل بعد ما تضمن حروف الفعل من اسم ما يفعل به أو فيه فهو لمدلول به عليه.]-
ش: الإتباع يشمل النعت والتأكيد والبدل والعطف، والمجرور يشمل الفاعل الذي أضيف إليه المصدر، والمفعول الذي أضيف إليه. ومثال إتباعه لفظاً: يعجبني أكل زيد الظريف الطعام، وأكل زيد نفسه الخبز، وأكل زيد أخيك الخبز، وأكل زيد وعمرو الخبز. ويعجبني شرب اللبن الصرف زيد، وشرب اللبن كله زيد، وشرب اللبن لبن الضأن زيد، وشرب اللبن والعسل زيد.
وقوله ومحلا يعني أنه إن كان المضاف إليه المصدر فاعلاً رفعت التابع، أو مفعولاً نصبت التابع، وإن اعتقدت في المصدر أنه يضاف إلى المفعول الذي لم يسم فاعله - وهو مذهب المصنف - رفعت التابع أيضاً، فتقول: يعجبني اكل زيد الظريف الخبز، ويعجبني شرب اللبن الصرف زيد، ويعجبني ركوب الفرس المسرع، وكذلك في باقي التوابع.
وظاهر كلام المصنف جواز مراعاة المحل في جميع التوابع، وهذه مسألة خلاف، فيها ثلاثة مذاهب:
أحدها: مذهب س ومحققي البصريين، وهو أنه لا يجوز فيه الإتباع على المحل.
стр. 3628
والثاني: مذهب الكوفيين وجماعة من البصريين، وهو أنه يجوز الإتباع على المحل، وقد ذكرنا/ أنه ظاهر كلام المصنف، إلا أن الكوفيين في الإتباع على محل المجرور المفعول يلتزمون ذكر الفاعل، ولا يجوز عندهم هنا حذف الفاعل، فتقول: عجبت من شرب الماء واللبن زيد.
والثالث: مذهب أبي عمر، وهو التفصيل، فأجاز ذلك في العطف والبدل، ومنع ذلك في النعت والتوكيد. وحجته في ذلك أن العطف والبدل عنده من جملة أخرى، فالعامل في الثاني غير العامل في الأول، وأما الصفة والتأكيد فالعامل فيهما واحد، ومحال - وهما شيء واحد - أن يكون الشيء مجروراً مرفوعاً أو مجروراً منصوباً.
وأما مذهب س فمبني على أن الحمل على الموضع إنما يكون حيث محرز الموضع لا يتغير عند التصريح بالموضع، وهنا لو صرحت برفع الفاعل أو نصب المفعول لتغير العامل بزيادة تنوين فيه.
وأما مذهب الكوفيين ومن وافقهم من البصريين فاستدلوا على ذلك بالسماع، قرأ الحسن (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)، قال الفراء: "هو جائز كقولك: أن يلعنهم الله"، وقال زياد العنبري:
стр. 3629
قد كنت داينت بها حسانا ... مخافة الإفلاس والليانا
يحسن بيع الأصل والقيانا
وقال لبيد:
حتى تهجر في الرواح وهاجه ... طلب المعقب حقه المظلوم
وقال امرؤ القيس:
أحار ترى برقاً أريك وميضه ... كلمع اليدين في حبي مكلل
يضيء سناه أو مصابيح راهب ... أهان السليط في الذبال المفتل
وقال النابغة:
فانشق عنها عمود الصبح جافلة ... عدو النحوص تخاف القانص اللحما
تحيد من أستن سود أسافله ... مشي الإماء الغوادي تحمل الحزما
أو ذو وشوم بحوضى بات منكرسا ... في ليلة من جمادى أخفضلت ديما
وقال:
стр. 3630
يا، لعنة الله والاقوام كلهم ... والصالحون على سمعان من جار
في رواية من رفع "والأقوام". وقال:
هويت ثناء مستطابا مؤبداً ... فلم تخل من تمهيد مجد وسؤددا
وقال:
لقد عجبت، وما في الدهر من عجب ... أني قتلت وأنت الحازم البطل
/السالك الثغرة اليقظان سالكها ... مشي الهلوك، عليها الخيعل الفضل
وقال:
ما جعل امرأ لقوم سيدا ... إلا اعتياد الخلق الممجدا
وفي الحديث (أمر بقتل الأبتر وذو الطفيتين). وقال الفراء: عجبت من تساقط البيوت بعضها على بعض، الخفض على اللفظ، والرفع على المعنى.
فقوله (والملائكة) عطف على محل (الله)، و"الليانا" عطف على محل "الإفلاس"، و"القيانا" عطف على محل "الأصل"، و"المظلوم" نعت على محل "المعقب"، و"أو مصابيح" عطف على محل "اليدين"، و"أو ذو وشوم" عطف على محل "النحوص"، و"الأقوام" عطف على محل "الله"، و"سؤددا" عطف على محل "مجد"، و"الفضل" نعت على محل "الهلوك"، و"الممجدا" نعت على محل "الخلق"،
стр. 3631
و (ذو الطفيتين) عطف على محل (الأبتر)، و"بعضها" بدل على محل "البيوت". فظاهر ما ورد عن العرب من هذا كله يجوز الإتباع على المحل، ويحتاج مانع ذلك إلى تأويل.
وقد تؤول ذلك على إضمار فعل يفسره المصدر. وتأول السيرافي "والليانا" على أنه معطوف على "مخافة"، على تقدير حذف مضاف، أي: ومخافة الليان، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. وتأوله ابن يسعون على أنه مفعول معه، أي: مخافة الإفلاس مع الليان.
وتأول قاسم بن ثابت السرقسطي رفع "المظلوم" على أنه فاعل بطلب، و"المعقب" مفعول بطلب، والمعقب: هو الماطل في هذا التأويل. وتأوله أبو حاتم على أنه بدل من الضمير المستكن في المعقب. وتأوله أبو علي في "التذكرة" على أنه فاعل بقوله: حقه، وحقه: فعل ومفعول، والمظلوم: فاعل.
وتؤول "أو مصابيح" على أنه عطف على "سناه" على التشكيك، وهو منزع عجيب، من "البديع".
وتؤول "أو ذو وشوم" على أن التقدير: أو عدوها عدو ذي وشوم، فحذف المبتدأ، وأبقى خبره، وحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.
وتأول بعضهم رفع "الفضل" على أنه مرفوع على الجوار، كما خفضوا على الجوار في قولهم: هذا جحر ضب خرب.
стр. 3632
ومن جوز الإتباع على المحل من البصريين فالاختيار عندهم الحمل على اللفظ، وأما الكوفيون فكذلك إن لم يفصل بين التابع والمتبوع بشيء، فإن فصل اعتدل عندهم الحمل على اللفظ والحمل على الموضع، نحو: يعجبني ضرب زيد عمرو وبكراً، بنصب بكر وخفضه، وقيامك في الدار نفسك ونفسك، بالجر والرفع على حد سواء في الجودة.
هذا ما لم يكن المفعول المضاف إليه المصدر ضميراً، فالعطف على الموضع، ولا يجوز على الخفض إلا في ضرورة الشعر، نحو: يعجبني إكرامك زيد وعمراً، بنصب عمرو خاصة، وكذلك: /يسرني جلوسك عندنا وأخوك.
قال ابن الأنباري: لو قيل قيامك في الدار وزيد كان مكروهاً مستقبحاً بملاصقة الكاف وبالبعد عنها؛ لقبح عطف ظاهر على مكني مخفوض، وليس بمستحيل؛ لأن بعض العرب قاله. وقرأ قارئون: (تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ)، عطف على الهاء.
وقال الفراء: عجبت من ضرب عبد الله ومحمد - مستكره، ويجوز في الشعر. وكذا النعت والتوكيد عنده، فإن فرقت حسن عنده، فقلت: عجبت من ضرب عبد الله زيداً ومحمد. وقال هشام نحوه، إلا أنه لم يقل: يجوز في الشعر، فكأنه جائز عنده في الشعر وفي غيره.
وقوله ما لم يمنع مانع احتراز من نحو: عرفت قربك، فإنه لابد في العطف عليه من إعادة المضاف.
وقوله فإن كان إلى قوله والجر أي: فإن كان المجرور بالإضافة مفعولاً - مثاله: عرفت تطليق المرأة - فيجوز في نعتها والعطف عليها والبدل والتوكيد الجر
стр. 3633
على اللفظ، والنصب على تقدير المصدر بفعل الفاعل، والرفع على تقديره بفعل ما لم يسم فاعله. وهذا الذي ذكره هو على ما اختاره من جواز الإتباع على المحل، ومن جواز اعتقاد بناء المصدر للمفعول الذي لم يسم فاعله.
وقوله ويعمل عمله اسم غير العلم أي: اسم المصدر، واسم المصدر على ضربين: علم، وغير علم:
فالعلم: ما دل على معنى المصدر دلالة مغنية عن أل لتضمن الإشارة إلى حقيقته، كيسار وبرة وفجار، فهذه وأمثالها لا تعمل عمل الفعل؛ لأنها خالفت المصادر الأصلية بكونها لا يقصد بها الشياع، ولا تضاف، ولا تقبل أل، ولا توصف، ولا تقع موقع الفعل ولا موقع ما يوصل بالفعل، ولذلك لم تقم مقام المصدر الأصلي في توكيد الفعل وتبيين نوعه أو مراته.
وغير العلم: ما ساواه في المعنى والشياع وقبول أل والإضافة والوقوع موقع الفعل وموقع ما يوصل بالفعل
وقوله وهو ما دل على معناه إلى قوله في فعله يعني أن اسم المصدر غير العلم هو ما دل على معنى المصدر، وخالفه في اللفظ أو في التقدير من بعض ما في الفعل، كوضوء وغسل، هما مساويان للتوضؤ والاغتسال في المعنى والشياع وجميع ما نفي عن العلم، وخالفاه بخلوهما من بعض ما في فعلهما، وهما توضأ واغتسل، وحق المصدر أن يتضمن حروف الفعل بمساواة، كتوضأ توضؤا، أو بزيادة عليه، كأعلم إعلاماً، ودحرج دحرجة.
واحترز بقوله لفظاً وتقديراً من فعال مصدر فاعل كقتال، فإنه مصدر مع خلوه عن المدة الفاصلة بين فاء فعله وعينه؛ لأنها حذفت لفظاً، واكتفي بتقديرها بعد الكسرة، وقد تثبت فيقال: قيتال.
стр. 3634
واحترز بقوله دون عوض من عدة، فإنه مصدر وعد مع خلوه من الواو؛ لأن التاء التي في آخره عوض /منها، فكأنها باقية. وكذا: تعليم، فإنه مصدر علم مع خلوه من التضعيف، فكأنه باق، ولذلك إذا جيء بالمصدر مضعفاً ككذب كذاباً استغني عن التاء. ونسب التعويض إلى تاء تعليم دون يائه لأن ياءه مساوية لألف إكرام واستماع وانطلاق واستخراج ونحوها من المدات التي قصد بها ترجيح لفظ المصدر على لفظ الفعل الزائد على ثلاثة أحرف دون حاجة إلى تعويض.
ومن المحكوم بمصدريته مع خلوه من بعض حروف فعله كينونة وثواب وعطاء وطاعة وطاقة وجابة، الأصل كيونونة وإثواب وإعطاء وإطاعة وإطاقة وإجابة، فهذه وأمثالها مصادر لقرب ما بينها وبين أصلها، بخلاف ما بينه وبين الأصل بعد وتفاوت، كعون وعشرة وكبر وعمر وغرق وكلام، بالنسبة إلى: إعانة ومعاشرة وتكبر وتعمير وإغراق وتكليم، فهذه وأمثالها أسماء مصادر.
وأما ما ليس فيه إلا غرابة وزنه، كدعابة ورغباء وغلواء - فهو مصدر، وجعله اسم مصدر تحكم بغير دليل.
ومن إعمال "ثواب" قول حسان:
لأن ثواب الله كل موحد ... جنان من الفردوس فيها يخلد
ومن إعمال "عطاء" قول القطامي:
أكفراً بعد رد الموت عني ... وبعد عطائك المئة الرتاعا
وفي حديث الموطأ (من قبلة الرجل امرأته الوضوء)، ومنه قول الشاعر:
стр. 3635
إذا صح عون الخالق المرء لم يجد ... عسيراً من الآمال إلا ميسراً
وقول الآخر:
بعشرتك الكرام تعد منهم ... فلا ترين لغيرهم ألوفا
وقول الآخر:
قالوا: كلامك دعدا وهي مصغية ... يشفيك، قلت: صحيح ذاك لو كانا
انتهى الكلام على اسم المصدر، وهو من كلام المصنف في الشرح، وفي بعض ما ذكر خلاف، فنقول:
اسم المصدر يقال باصطلاحين:
أحدهما: ما ينقاس بناؤه من الثلاثي على مفعل، ومما زاد على صيغة اسم المفعول على ما تقرر في بابه، وهذا يعمل عمل المصدر، قال:
ومغزاه قبائل غائظات ... على الذهيوط في لجب لهام
وقال:
стр. 3636
فظلت بملقى واحف جرع المعى ... قياماً تفالى مصلحما أميرها
وقال:
/ومجنبنا جرداً إلى أهل يثرب ... عناجيج، منها متلد ونزيع
وقال:
جزى الله أبناء العشيرة لامة ... بمتركهم آثارنا يوم قطقط
وقال:
كأن مجره الأبطال قسراً ... إلى أشباله حطب رفيت
وقال:
ومفحصها عنها الحصى بجرانها ... ومثنى نواج، لم يخنهن مفصل
وقال:
ألم تعلم مسرحي القوافي ... فلا عيابهن ولا اجتلابا
وقال:
стр. 3637
أظلوم إن مصابكم رجلاً ... أهدى السلام تحية ظلم
وقال:
يا دار مية من محتلها الجرعا ... هاجت لي الهم والأحزان والوجعا
وقال:
فأصبح في مداهن باردات ... بمنطلق الجنوب على الجهام
وقال:
مستعان العبد الإله يريه ... كل مستصعب من الأمر هينا
ولا خلاف بين البصريين والكوفيين أن كل فعل تجاوز ثلاثة أحرف فإنه يجوز أن يأتي اسم مصدره على قياس مفعوله قياساً مطرداً. فهذا النوع من اسم المصدر يجري مجرى المصدر في جميع أحكامه.
والاصطلاح الثاني: ما كان أصل وضعه لغير المصدر كالثواب والعطاء والدهن والخبز والكلام والكرامة والكحل والرعي والطحن ونحوها، وهي الأسماء التي أخذت من مواد الأحداث، فهذه وضعت لما يثاب به، ولما يعطى، ولما يدهن به، وللجمل المقولة، ولما يكرم به، ولما يكحل به، ولما يرعى، ولما يطحن. فهذا النوع من اسم المصدر فيه الخلاف بين البصريين والكوفيين:
стр. 3638
ذهب البصريون إلى أن شيئاً من هذه لا يعمل.
وذهب الكوفيون والبغداديون إلى جواز إعمالها، فأجاز الكسائي والفراء وهشام: عجبت من كرامتك زيداً، ومن طعامك طعاماً.
واستثنى الكسائي من ذلك ثلاثة ألفاظ، فلم يعملها، وهي الخبز والقوت والدهن، فلا /تقول: عجبت من خبزك الخبز، ولا عجبت من دهنك رأسك، ولا من قوتك عيالك. وأجاز ذلك الفراء. وقال هشام: ولا يمتنع القياس. وقال الفراء: سمعت أبا ثروان يقول: أتيته لكرامته إياي. وجاء أيضاً ما أنشدنا من قوله:
....................................... ... وبعد عطائك المئة .............
و:
لأن ثواب الله كل موحد ... ......................................
و:
قالوا: كلامك دعدا ........................ ... ........................................
وقول ذي الرمة:
ألا هل إلى مي سبيل وساعة ... تكلمني فيها من الدهر خاليا
فأشفي نفسي من تباريح ما بها ... فإن كلاميها شفاء لما بيا
ولا يجوز هذا عند البصريين إلا إن اضطر شاعر، فيستعمل اسم المصدر استعمال المصدر.
وتحقيق الخلاف بين الفريقين هل ينقاس أن يطلق اسم المصدر مجازاً على المصدر ويعمل عمل المصدر أم لا؟ فقال البصريون: لا يجوز إلا إن اضطر شاعر إلى ذلك، فيطلقه عليه، ويعمله. وقال الكوفيون والبغداديون: ينقاس ذلك.
стр. 3639
وما ذكرناه من أن ثواباً وعطاء وكلاماً هو من اسم المصدر مخالف لما ادعاه المصنف أنها مصادر. وكذلك دعواه أن عوناً وعشرة وكبراً وعمراً وغرقاً وكلاماً أسماء مصادر، ليس عندنا كذلك، بل هي مصادر جاءت على غير قياس، وليس كل ما خالف القياس من المصادر يقال فيه: إنه اسم مصدر، وإلا كانت أسماء المصادر أكثر من المصادر.
والذي أذهب إليه في هذا المسموع من هذا النوع أن المنصوب بعده ليس منصوباً باسم المصدر، ولا أجري مجرى المصدر في العمل، لا في ضرورة ولا في غيرها، بل هو منصوب بإضمار فعل يفسره ما قبله، كما أذهب إلى أن المصدر الذي لفعل لازم إذا جاء بعده مفعول لم يكن منصوباً بذلك المصدر؛ إذ ليس هو مصدراً للفعل المتعدي، وذلك نحو ما حكى الكسائي عن العرب: الحمد لله على غناه إياي، التقدير: أغناني، فلما حذف العامل الذي هو أغنى انفصل الضمير.
وجعل ابن عصفور "أظلوم إن مصابكم رجلاً" من اسم المصدر الذي لا يعمل إلا حيث سمع. وذلك وهم فاحش؛ لأن مصاباً من اسم المصدر القياسي من أفعل المعتل العين؛ ألا ترى أن فعله أصاب، فهو من المقيس الذي أجمع عليه البصريون والكوفيون.
وذكر ابن المصنف في شرحه أرجوزة أبيه أن اسم المصدر هو ما أوله ميم مزيدة لغير مفاعلة، كالمضرب والمحمدة، أو كان لغير ثلاثي بوزن ما للثلاثي، كالغسل والوضوء، وهذا الثاني عندنا مصدر لا اسم مصدر.
стр. 3640
وقوله فإن وجد إلى آخر المسألة مثال ما يفعل به: الدهن، والكحلن يطلق على ما يدهن بهن وما يكحل به. ومثال ما يفعل فيه ما استعمل اسم مكانن نحو (كِفَاتًا) من قوله تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا).
ونقص /المصنف أن يقول: أو من اسم ما يفعل، نحو الخبز والطعام والطحن والرعي.
وقوله فهو لمدلول به عليه أي: لفعل دل عليه باسم ما يفعل به أو فيه، وكل هذا يطلق عليه اسم مصدر، ومعناه اسم أصل وضعه ألا يكون مصدراً بل مفعولاً به أو فيه من حيث الوضع الأول، ثم أطلق ويراد به المصدر مجازاً، فهذا هو الذي وقع في إعماله الخلاف الذي تقدم ذكره، وقد روي عن العرب مثل: أعجبني دهن زيد لحيته، وكحل هند عينها، وقال تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا)، فالدهن والكحل والكفات ليس مصادر؛ إذ الدهن ما يدهن به، والكحل ما يكحل به، والكفات ما تكفت فيه الأشياء، أي: تجمع وتحفظ، فهذا ونحوه محمول على إضمار فعل، أي: دهن لحيته، وكحلت عينها، وتكفت أحياء وأمواتاً.
قال المصنف في الشرح: "ولك أن تنصب أحياءً وأمواتاً على التمييز؛ لأن كفات لشيء مثل وعائه، والموعى ينتصب بعد الوعاء على التمييز" انتهى.
وأما قول النابغة:
стр. 3641
كأن مجر الرامسات ذيولها ... عليه حصير، نمقته الصوانع
فيتخرج على حذف من الأول، أو حذف العامل، فتقدره: كأن موضع مجر الرامسات ذيولها، فيكون مجر اسم مصدر، وانتصب به ذيولها. أو يكون تقديره: تجر ذيولها، ويكون مجر اسم مكان. وكذلك قوله:
كأن مجره الأبطال ........... ... ................................
وأما قوله:
فظلت بملقى واحف جرع المعى ... ..................................
فتقديره: بموضع لقاء واحف جرع المعى.
والمصدر الذي يجعل زماناً لا يقوى قوة المصدر، ولا يعمل عمله؛ لأنه قد انتقل معناه، نحو: أتيتك خلافة بني العباس، وخفوق النجم.
* * *
стр. 3642
-[ص: فصل
يجيء بعد المصدر الكائن بدلاً من الفعل معمول، عامله على الأصح البدل لا المبدل منه، وفاقاً لسيبويه والأخفش.]-
ش: هذا هو المصدر الذي أشار إليه بقوله في أول الباب "إن لم يكن بدلاً من اللفظ"، ولكونه بدلاً من العامل لا يظهر معه ناصبه، ولا يتقدر معه بحرف مصدري، وتقدمت مواقعه في باب المفعول المطلق، وهنا يبين مواقعه متعدياً.
واختلف في هذا المصدر هل ينقاس أم لا على ثلاثة مذاهب:
أحدها: ما ذهب إليه أكثر المتأخرين من أن مذهب س أنه لا ينقاس، وأنه يقصره كله على السماع.
والمذهب الثاني: أنه ينقاس في الأمر والدعاء والاستفهام بتوبيخ وبغيره، وفي التوبيخ بغير استفهام، وفي الخبري المقصود به الإنشاء أو الوعد، وهو اختيار المصنف في الشرح، وزعم أن في كلام س ما يدل على أنه منقاس فيما كان منها أمراً أو دعاء أو توبيخاً أو إنشاء.
والمذهب الثالث: أنه ينقاس في الأمر والاستفهام فقط، وبه قال بعض أصحابنا، وحكاه المصنف في باب ظن عن الأخفش والفراء.
فمما جاء منه أمراً قول /الشاعر، أنشده س:
стр. 3643
على حين ألهى الناس جل أمورهم ... فندلاً - زريق - المال ندل الثعالب
وقول الآخر:
هجراً المظهر الإخاء إذا لم ... يك في النائبات جد معين
ودعاء قول الشاعر:
يا قابل التوب غفراناً مآثم، قد ... أسلفتها، أنا منها مشفق وجل
وقول الآخر:
إعانة العبد الضعيف على الذي ... أمرت، فميقات الجزاء قريب
واستفهاماً بتوبيخ قوله:
أعلاقة أم الوليد بعد ما ... أفنان رأسك كالثغام المخلس
وقوله:
أبغياً وظلما من علمتم مسالماً ... وذلا وخوفاً من يجاهركم حربا
وقوله:
أبسطاً بإضرار يميناً ومقولاً ... ومدعياً مجداً تليداً وسؤددا
وتوبيخاً بغير استفهام قوله:
وفاقاً بني الأهواء والغي والونى ... وغيرك معني بكل جميل
على هذا أنشده المصنف في الشرح، ويحتمل أن يكون حذفت منه همزة الاستفهام، والتقدير: أوفاقاً؟
стр. 3644
قال المصنف في الشرح: "ويكثر أيضاً وقوعه موقع فعل خبري مقصود به الإنشاء، كقول من أبصر ما يتعجب منه: عجباً، وكقول المعترف بالنعمة: حمداً وشكراً لا جحوداً وكفراً، ومنه قول الشاعر:
حمداً الله ذا الجلال وشكراً ... وبداراً لأمره وانقيادا
وقد يقع الخبر به وعداً، كقوله:
قالت: نعم، وبلوغاً بغية ومنى ... فالصادق الحب مبذول له الأمل
وهذه الأنواع عند الأخفش والفراء مطردة صالحة للقياس على ما سمع منها. وبذلك أقول لكثرته في كلام العرب ولما في ذلك من الاختصار".
وهذه المصادر التي هي بدل من اللفظ بالفعل منصوبة بأفعل منها واجبة الإضمار؛ فإذا قلت: ضرباً زيداً، بمعنى: اضرب زيداً - فالناصب للمصدر اضرب واجبة الإضمار، وانتصابه/ على أنه مصدر.
وفي الإفصاح: "إن ما كان بمعنى الأمر، نحو: ضرباً زيداً، وشتماً عمراً - فالمعنى: اضرب زيداً، واشتم عمراً، الناصب له عند س الزم ضرباً زيداً، فهو مفعول بإضمار فعل لا يجوز إظهاره، وناصب لأنه صار عوضاً من اضرب. وغيره يرى أن الناصب له: اضرب".
وقوله عامله على الأصح البدل إلى آخره اختلف في العامل في المعمول: فذهب س والأخفش والزجاج والفارسي إلى أن المصدر نفسه هو الناصب للمفعول، لما جعلته العرب بدلاً منه ورث العمل الذي كان للفعل. وإلى هذا مال حذاق المتأخرين.
стр. 3645
وذهب المبرد والسيرافي وجماعة إلى أن النصب في المفعول هو بالفعل المضمر الناصب للمصدر.
وذكرت هذين المذهبين لشيخنا الأستاذ أبي الحسن بن الضائع، فرجح مذهب س، وقال: "الدليل على أن انلعامل في المنصوب بعد المصدر هو المصدر إضافته إليه".
وانبنى على هذا الاختلاف الاختلاف في تقديم المنصوب على هذا المصدر؛ فمن رأى النصب بـ"اضرب" المضمرة أجاز التقديم، فيقول: زيداً ضرباً. وممن يرى جواز التقديم أبو العبس وأبو بكر وعبد الدائم القيرواني، وقد تؤول ذلك على س.
ومن جعل العمل للمصدر لنيابته مناب الفعل، وهو مذهب أبي الحسن والفراء، قال أبو الحسن في هذا الباب: وكل شيء كان في موضع الفعل فلا يجوز أن تأمر به لغائب، ولا تقدم فيه. قيل: وهذا ظاهر مذهب س. ونقل ابن أصبغ عن أبي الحسن جواز التقديم، فيكون عنه القولان.
وقد أجاز بعض من رأى العمل للمصدر تقديم مفعوله عليه. وفي "الإفصاح": "ومن يضمر الزم، ويعمل ضرباً بالنيابة - لا يرى تقديم معموله، وقد رأى بعضهم تقديمه على هذا الوجه" انتهى.
следующие страницы →