Полный текст (3 950 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.
стр. 3781
كل وجه. وقال الفراء والرماني وجماعة: يدخل ما لم يكن غير جزء منه، نحو قولهم: إنه لينام الليل حتى الصباح.
واتفقوا على أنها إذا عطفت دخل ما بعدها فيما قبلها. واتفقوا على أنها لا تعطف إلا حيث تجر، ولا يلزم العكس. واتفقوا على أنه إذا لم يكن قبلها ما يعطف عليه لم يجز إلا الخفض، نحو ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، و ﴿حَتَّى حِينٍ﴾. وصرح س أن ما بعدها داخل فيما قبلها ولابد، لكنه مثل بما هو بعض مما قبله.
وقال أبو العباس: "أكلت السمكة حتى رأسها، فالرأس قد دخل في الأكل؛ لأن معناها عاملًة وعاطفًة واحد".
وقوله ومجرورها إلى قوله أو غير صريح قال المصنف في الشرح:
"وعنيت بالصريح كونه بلفظ موضوع للجمعية، فيدخل في ذلك الجمع الاصطلاحي واللغوي كرجال وقوم. وعنيت بغير الصريح ما دل على الجمعية بغير لفظ موضوع لها، كقوله تعالى: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾، فإن مجرور حتى فيه منتهًى لأحيان مفهومة غير مصرح بذكرها".
وقوله وإما كبعض مثاله:
ألقى الصحيفة ............................ ... .................................
стр. 3782
البيت؛ لأن النعل ليست بعضًا من الصحيفة والزاد، لكنها كبعض باعتبار أن إلقاء الصحيفة والزاد إنما كان ليخلو من ثقل وشاغل، والنعل مما يثقل ويشغل، فجاز عطفها لذلك؛ لأنه بمنزلة أن تقول: ألقى ما يثقله حتى نعله. ويروي "نعله" بالأوجه الثلاثة.
وقوله ولا يكون ضميرًا أي: ولا يكون المجرور بحتى ضميرًا. هذا مذهب س. وأجاز الكوفيون والمبرد جرها للمضمر، واستدلوا بقول الشاعر:
فلا والله لا يلقى أناس ... فتى حتاك، يا بن أبي يزيد
وهذا البيت عند البصريين ضرورة. ومن أجاز أن تجر المضمر أدخلها على المضمرات المجرورات كلها، نحو: حتاي وحتاه وحتاهما وحتاكما وحتاكم وحتاهم وحتانا وحتاكن. ولا ينبغي القياس على حتاك من هذا البيت، فيقال ذلك في سائر الضمائر. وانتهاء الغاية في حتاك هنا لا أفهمه، ولا أدري ما غيي هنا بحتاك، فلعل هذا البيت مصنوع.
وقوله ولا يلزم إلى قوله خلافًا لزاعم ذلك قال المصنف في الشرح:
"والتزم الزمخشري كون/مجرورها آخر جزء أو ملاقي آخر جزء، وهو غير لازم، ومن دلائل ذلك قول الشاعر:
إن سلمى من بعد يأسي همت ... بوصال، لو صح لم يبق بوسا
стр. 3783
عينت ليلًة، فما زلت حتى ... نصفها راجيًا، فعدت يؤوسا"
انتهى.
وما نقله عن الزمخشري هو قول أصحابنا، قال بعضهم: "ولا يكون الاسم الذي انجر بها إلا آ×ر جزء من الشيء، نحو قولك: أكلت السمكة حتى رأسها، أو ملاقيًا لآخر جزء منه، نحو قولك: سرت النهار حتى الليل، ولو قلت: أكلت السمكة حتى وسطها، وسرت النهار حتى نصفه- لم يجز ذلك، بل إذا أردت ذلك المعنى أتيت بإلى، فقلت: أكلت السمكة إلى وسطها، وسرت النهار إلى نصفه، فـ (إلى) في استعمالها لانتهاء الغاية أقعد من (حتى)؛ لأنها تدخل على كل ما جعلته انتهاء غاية، وسواء في ذلك أن يكون آخر جزء من الشيء أو ملاقيًا لآخر جزء، أو لا يكون، ولما كانت أقعد منها في ذلك جروا بها الظاهر والمضمر، ولم يجروا بحتى إلا الظاهر" انتهى.
وما استدل به المصنف من قوله "عنيت ليلةً" البيت، لا حجة فيه؛ لأنه لم يتقدم حتى ما يكون ما بعدها جزءًا له، ولا ما يكون ما بعدها ملاقيًا لآخر جزء منه في الجملة المغيا العامل فيها بحتى، فليس البيت نظير ما مثل به أصحابنا من قولهم: أكلت السمكة حتى وسطها؛ لأنه تقدم السمكة في الجملة المغيا العامل فيها بحتى، وليس الوسط آخر جزء في السمكة ولا ملاقيًا لآخر جزء منها، فلو صرح في الجملة بذكر الليلة فقال: فما زلت راجيًا وصلها تلك الليلة حتى وسطها-كان ذلك حجة على الزمخشري.
ونحن نقول: إذا لم يتقدم في الجملة المغياة بحتى ما يصح أن يكون ما بعد حتى آخر جزء منه، أو ملاقيًا آخر جزء منه-جاز أن تدخل على ما ليس بآخر جزء ولا ملاق آخر جزء إذا تقدم على الجملة مالغياة ما يصلح أن يكون ما بعد حتى جزءًا من ذلك السابق على الجملة، ولا يعتبر فيه كونه آخر جزء منه ولا ملاقيًا لآخر جزء منه، كذلك البيت الذي أنشده المصنف.
стр. 3784
وقوله ويختص إلى بزيادة ما قد تقدم شرح المصنف لهذه الزيادة بأنها ضعف أو قوة أو تعظيم أو تحقير.
وقوله وبجواز عطفه العطف لغة ضعيفة، وستأتي أحكامها في العطف إن شاء الله تعالى.
وقوله واستئنافه قال المصنف في الشرح: "نحو: ضربتهم حتى زيد، فزيد مبتدأ محذوف الخبر، ويروي بالأوجه الثلاثة قول الشاعر:
عممتهم بالندى حتى غواتهم ... فكنت مالك ذي غي وذي رشد
ويروى بالأوجه الثلاثة أيضًا قوله:
................ ... ................... حتى نعله ألقاها"
انتهى.
وقد تقدم لنا أن البصريين لا يجيزون فيه أن يكون مبتدأ إلا إذا كان ما بعده يصلح أن يكون خبرًا، وأن مجيز ذلك بعض/الكوفيين، وذكرنا علة امتناع ذلك. وإن صح في ((غواتهم)) الرفع عن العرب كان حجة لهذا المذهب. وأما "حتى نعله ألقاها" فلا حجة فيه؛ لأنه صرح بما يصلح أن يكون خبرًا للنعل، وهو قوله: ألقاها.
وقوله وإبدال حائها عينًا لغة هذيلية كرر المصنف إبدال حائها عينًا في الفصل الرابع من "باب تتميم الكلام على كلمات مفتقرة إلى ذلك"، فقال حين تكلم على نعم: "وكسر عينها لغة كنانية، وقد تبدل حاء، وحاء حتى عينًا"، لكنه هنا نسب الإبدال إلى لغة هذيل.
стр. 3785
وقال المصنف في الشرح: ((وفي قراءة ابن مسعود: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾، وسمع عمر-﵁-رجلًا يقرأ: ﴿حَتَّى حِينٍ﴾، فقال: من أقرأك؟ قال: ابن مسعود. فكتب إليه: إن الله أنزل هذا القرآن، فجعله عربيًا، وأنزله بلغة قريش، فلا تقرئهم بلغة هذيل، والسلام" انتهى.
وأما "حتى" الابتدائية فهي التي تجيء بعدها الجملة من المبتدأ والخبر، أو الشرط والجزاء، أو الفعل ومرفوعه، فمن مجيء المبتدأ والخبر قول الشاعر:
فيا عجبا، حتى كليب تسبني ... كأن أباها نهشل أو مجاشع
وقول الآخر:
فما زالت القتلى تمج دماءها ... بدجلة، حتى ماء دجلة أشكل
وقول الآخر:
سريت بهم حتى تكل مطيهم ... وحتى الجياد ما يقدن بأرسان
وقال ابن طاهر: إنها في "حتى كليب" عاطفة، والمعنى: يسبني الناس حتى كليب. وقال في "وحتى الجياد": إن العطف للواو، وجردت حتى للغاية كما تجرد لا للنفي في: ما قام زيد ولا عمرو، ولكن للاستدراك في: ما قام زيد ولكن عمرو.
ومن مجئ الشرط قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ﴾. وهذا أول موضع وقع في القرآن من دخول حتى على إذا، وهو كثير
стр. 3786
في القرآن، وتقدم لنا الرد على المصنف في زعمه أن إذا مجرورة بحتى، وذلك في الفصل الأول من باب المفعول المسمى ظرفًا.
ومن مجئ الفعل ومرفوعه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوا﴾. وكذلك إذا جاء المضارع بعدها مرفوعًا، نحو قوله: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾، وقولهم: سرت حتى تطلع الشمس، بالرفع.
وليس معنى قولهم "حرف ابتداء" أنه يصحبها المبتدأ دائمًا، إنما معناه أنها بصدد أن يأتي بعدها المبتدأ، كما قال: هي ولكن وبل من حروف الابتداء، وإن كان يقع بعدها غير المبتدأ، وإنما المعنى أنها يصلح أن يقع بعدها المبتدأ.
وقد وقع للمصنف وهم في أول شرحه في حتى، فقال: "والجارة مجرورها إما اسم صريح، نحو ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِين﴾، و ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، أو مضارع، نحو: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ ". فزعم أن مضمرة بعد حتى في قوله (حتى عفوا).
стр. 3787
ونحن نقول: إنها حرف ابتداء، والذي نقول: إنها في مثل هذا حرف ابتداء، ولولا ظهور النصب في المضارع بعد حتى لم ندع أن مضمرة بعدها، ولهذا قال بعض شيوخنا: "ضابط حتى أن تقول: إذا كان بعدها مفرد مخفوض أو فعل مضارع منصوب فهي حرف جر، وإذا وقع بعدها اسم مفرد مرفوع أو منصوب فهي حرف عطف، فإن وقع بعدها جملة فهي حرف ابتداء".
وقال أيضًا: "اعلم أنها إذا كانت حرفًا من حروف الابتداء فإنها تقع بعدها جملة من فعل وفاعل، وجملة من مبتدأ وخبر. وإذا وقع بعدها إن كانت مكسورة، بخلاف الجارة والعاطفة، فإنها تكون مفتوحة. وإذا قلت: سرت حتى أدخل المدينة، ورفعت أدخل-كانت حتى حرف ابتداء، وكان معناها معنى الفاء، كأنك قلت: سرت فأنا الآن أدخلها لا أمنع من ذلك، وسرت فدخلتها، ثم وضع المضارع موضوع الماضي، كما جاء:
لعمري لقوم قد ترى أمس فيهم ................................... "
انتهى.
وقد تقدم لنا ذكر الخلاف في الجملة الابتدائية أهي في موضع جر أم لا موضع لها من الإعراب، ومذهب الجمهور أنها لا موضع لها من الإعراب. وإنما لم يجز أن تكون الجملة في موضع جر لأن الجمل لا تدخل عليها حروف الجر في فصيح الكلام، لا يقولون: عجبت من يقوم زيد، ولا: عجبت من زيد قائم؛ لأن ذلك ضرب من تعليق حروف الجر، وحروف الجر لا تعلق؛ ألا ترى كيف فحش س: أشهد بلذاك.
стр. 3788
-[ص: ومنها الكاف للتشبيه، ودخولها على ضمير الغائب المجرور قليل، وعلى أنت وإياك وأخواتهما أقل. وقد توافق "على". وقد تزاد إن أمن اللبس. وتكون اسمًا، فتجر، ويسند إليها. وإن وقعت صلًة فالحرفية راجحة. وتزاد بعدها "ما" كافًة وغير كافة، وكذا بعد "رب"و"الباء"، وتحدث في الباء المكفوفة معنى التقليل، وقد تحدث في الكاف معنى التعليل، وربما نصبت حينئذ مضارعًا، لا لأن الأصل "كيما". وإن ولي ربما اسم مرفوع فهو مبتدأ بعده خبره، لا خبر مبتدأ محذوف و ((ما)) نكرة موصوفة بهما، خلافًا لأبي علي في المسألتين. وتزاد "ما" غير كافة بعد "من" و"عن".]-
ش: أي: ومن حروف الجر الكاف. والدليل على حرفيتها وصلهم الموصول بها في حال السعة، تقول: جاءني الذي كزيد، كما تقول: جاءني الذي في الدار.
وليست الكاف كعلي وعن وفي ونحوها من الحروف التي تجر المضمر، فيجوز حذفها وحذفه في الصلة، نحو: غضبت علي الذي غضبت، تريد: عليه؛ لأن جرها المضمر لا يكون إلا ضرورة. ولا هي/مما إذا جرت الظاهر يجوز حذفها، فيصل الفعل إلى مجرورها، فينصبه نصب المفعول، كما قال:
................................ ... ......... لقضاني
يريد: لقضى علي، فيستدل على حرفيتها بأحد هذين، فلذلك عدل النحويون إلى الاستدلال على حرفيتها بكونها يوصل بها في فصيح الكلام.
وقد استدل أيضًا على حرفيتها وانتفاء كونها اسمًا بمجيئها على حرف واحد؛ ولا تجيء على حرف واحد الأسماء الظاهرة إلا محذوفًا منها وعلى سبيل الشذوذ؛ وسيأتي خلاف الأخفش فيها إن شاء الله تعالى. والدليل القاطع على حرفيتها زيادتها، ولا يزاد إلا الحروف.
стр. 3789
ومن حيث هي حرف جر لابد لها مما تتعلق به. وذهب الأخفش-وتبعه ابن عصفور في بعض تصانيفه-إلى أن الكاف لا تتعلق بشيء، قال ابن عصفور: "جاءني الذي كزيد، ليس للكاف ما تتعلق به ظاهرًا؛ إذ ليس في اللفظ ما يمكن أن يعمل فيه، ولا مضمرًا؛ إذ لا يحذف ما يعمل في المجرور إذا وقع صلة إلا ما يناسب الحرف، نحو: جاءني الذي في الدار، تريد: الذي استقر في الدار؛ لأن (في) للوعاء، والاستقرار مناسب للوعاء، ولو قلت: جاءني الذي في الدار، تريد: الذي ضحك في الدار، أو أكل في الدار- لم يجز؛ لأنه ليس في الكلام ما يدل على ذلك، فلا يمكن أن يكون المحذوف مع الكاف إلا الذي يناسبها، وهو التشبيه. ولو قلت:
جاءني الذي أشبه كزيد-لم يجز؛ لأن أشبه لا تتعدى بالكاف بل بنفسها، وأيضًا فإن العرب لم تلفظ بالشبه ولا بما تصرف منه مع الكاف في موضع أصلًا، فدل ذلك على أن الكاف لا تتعلق بشيء" انتهى.
وما ذهب إليه ليس بصحيح، بل العامل في الكاف مضمر في المثال الذي ذكره، فإذا قلت جاءني الذي كزيد فالعامل فيه مضمر، وهو الكون المطلق، وهو الذي يقدر مع سائر الحروف إذا وقعت أخبارًا وكانت تامة، نحو: زيد كعمرو، وزيد من بني تميم، وزيد على الفرس، والأمر إليك، والمال لزيد، فجميع هذا وأمثاله العامل فيه مضمر، وهو الكون المحذوف المطلق، فإذا قلت زيد كعمرو فتقديره: زيد كائن كعمرو، وكذلك جاءني الذي كزيد، تقديره: جاءني الذي كان كزيد، فإن كان حرف الجر ناقصًا لم يعمل فيه إلا الكون المقيد، ولا يجوز حذفه إلا إن أتى ضرورة، كما أنه لا يثبت الكون المطلق إلا في قليل من الكلام، لو قلت: زيد عنك، تريد: راض عنك، وزيد فيك، تريد: محب فيك-لم يجز.
وقوله ودخولها على ضمير الغائب المجرور قليل قال المصنف في الشرح:
"الكاف من الحروف التي تجر الظاهر وحده كـ (حتى)، واستغنى في الغاية مع المضمر
стр. 3790
بإلى عن حتى، واستغني في التشبيه مع المضمر بـ (مثل) عن الكاف، إلا أن الكاف خالفت أصلها في بعض الكلام لخفتها، فجرت ضمير الغائب المتصل، كقول الشنفرى:
لئن كان من جن لأبرح طارقا ... وإن كان إنسا ما كها الإنس تفعل
/أي: ما مثلها الإنس تفعل. ومثله قول الراجز في وصف حمار وحش وآتن:
ولا ترى بعلا ولا حلائلا ... كه ولا كهن إلا حاظلا"
انتهى.
وقد تقدم لنا ذكر الخلاف في جر حتى المضمر وأنه مذهب الكوفيين والمبرد.
ودل كلام المصنف في المتن وفي الشرح أنه يجوز أن تجر الكاف مضمر الغائب على قلة، وأصحابنا يخصونه بالضرورة، ولا يخصون الجر في الضرورة بمضمر الغائب، بل يطلقون المضمر، وأنشدوا:
وأم أوعال كها أو أقربا
وقال آخر:
стр. 3791
وإذا الحرب شمرت لم تكن كي ... حين تدعو الكماة فيها: نزال
أدخل كاف التشبيه على ضمير المتكلم. وشذ إدخالها أيضا عليه وعلى ضمير المخاطب في قول الحسن: أنا كك وأنت كي.
وأما ما استدل به هو وبعض أصحابنا من قوله:
كه ولا كهن إلا حاظلا
فلا حجة فيه؛ إذ يحتمل أن يكون الأصل: كهو، فسكن، وحذف، و"هو" ضمير رفع، كما قالوا: ما أنا كأنت ولا أنت كأنا.
وحركة الكاف الفتح إلا مع الياء للمتكلم إذا دخلت عليه في الضرورة فالكسر، وقال س: "كي، وكي خطأ".
وقوله وعلى أنت وإياك وأخواتهما أقل قالت العرب: ما أنا كأنت ولا أنت كأنا، وقال الشاعر:
قلت: إني كأنت، ثمت لما ... شبت الحرب خضتها، وكععتا
وأنشد الكسائي:
فأحسن وأجمل في أسيرك إنه ... ضعيف، ولم يأسر كإياك آسر
وأخوات أنت هي الضمائر المرفوعة المنفصلة، وأخوات إياك هي الضمائر المنصوبة المنفصلة، ولا يعني بـ"أخوات أنت" ضمير المخاطب المرفوع المنفصل، وبـ"إياك" ضمير المخاطب المنصوب المنفصل.
والحكم بالأقلية على أنت وإياك وأخواتهما، وعلى ضمير الغائب المجرور بالقليلية، ليس كما ذكر. أما دخولها على إياك وأخواته فهو أقل من دخولها على
стр. 3792
ضمير الغائب المجرور، وأما دخولها على أنت وأخواته فليس أقل من دخولها على ضمير الغائب المجرور، ودخولها على أنت إن لم يكن أكثر من دخولها على ضمير الغائب المجرور فلا أقل من أن يكونا سيين.
وفي البسيط: "وقد ورد أيضا في ضمير الرفع أيضا في قولهم: أنت كأنا، وأنت كهو، قال الشاعر:
فلولا المعافاة كنا كهم ... ولولا البلية كانوا كنا
وأنكر الكوفيون، وقال الفراء: البيت مولد لا حجة فيه" انتهى. وعلى تقدير أنه من كلام العرب لا حجة في البيت؛ لأن "هم" و"نا" مشتركة بين ضمير الرفع والنصب والجر، فلا يتعين أن يكون "هم" و"نا" ضميري رفع، بل يجوز أن يكونا ضميري جر.
وقوله وقد توافق على هذا/ مذهب للكوفيين والأخفش، زعموا أن الكاف تجيء بمعنى "على". وحكى الأخفش عن بعض العرب أنه قيل له: كيف أنت؟ فقال: كخير. وحكى الفراء: كيف أصبحت؟ فقال: كخير، يريد: على خير. وعلى هذا خرج الأخفش قولهم: كن كما أنت. قال: ولا يتصور أن تكون الكاف للتشبيه؛ لأنه لا يشبه بحاله، والتقدير: كن كالحال الذي أنت عليه، والكاف بمعنى على، و (ما) موصولة، و (أنت) مبتدأ محذوف الخبر، والجملة صلة لـ (ما).
ولا حجة في هذا كله. أما "كخير" فيحتمل أن يكون على حذف مضاف، لما قيل له: كيف أنت؟ قال: كخير، أي: كصاحب خير.
стр. 3793
وأما ((كن كما أنت)) فتحتمل "ما" أن تكون زائدة، "وأنت" في موضع خفض بالكاف، ووقع ضمير الرفع المنفصل بعد الكاف، كقولهم: ما أنا كأنت، وتقدم ذلك، ومنه قوله:
.................................. ... وأكرومة الحيين خلو كما هيا
وقوله:
................................. ... فتتركه الأيام، وهي كما هيا
وقد زيدت "ما" بين الكاف ومجرورها، قال الكميت:
يركضن في المهمه اليباب كما ... أقرب أرض منها أباعدها
أي: كأقرب أرض لها أبعد أرض منها. وقال الأعشى:
كما راشد تجدين امرأ ... تفكر، ثم ارعوى، أو قدم
وتكون على هذا شبهته فيما يستقبل بنفسه بما قبل ذلك، ولا ينكر تشبيه الشيء بنفسه في حالين مختلفين.
ويحتمل أن تكون"ما"كافة لها عن العمل ومهيأة لها الدخول على الجمل، مثلها في ربما، وأنت مبتدأ، والخبر محذوف، والتقدير: كن كما أنت عليه. وقدره بعض شيوخنا: كما أنت كائنه، أو كائن إياه. وقدره بعضهم: كما أنت معلوم، وحذف الخبر، ونظيره قول الشاعر:
стр. 3794
وإن بنا - لو تعلمين - لغلة ... إليك، كما بالحائمات غليل
والكاف لتشبيه معنى الجملة التى قبلها بمعنى الجملة التى بعدها، وكأنه أمره أن يكون منه فيما يستقبل كون يشبه كونه في الحال، وتكون المسألة نظير قوله: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ فوقع بعد الكاف جملة يفهم منها ما كان يفهم من المنخفض بها من التشبيه.
ويحتمل أن تكون (أنت) مرفوعة بفعل مضمر، التقدير: كن كما كنت، فلما حذف العامل انفصل الضمير، ونحو ذلك ما رواه هشام من قول الشاعر:
وما زرتنا في الدهر إلا تعلة ... كما القابس العجلان، ثم يغيب
أي: كما يزور القابس العجلان؛ ألا ترى قوله (ثم يغيب)، معطوف على ذلك الفعل المحذوف. والكاف في هذا الوجه أيضا على معناها من التشبيه. وقيل: التقدير: كالذي هو أنت، مثل قراءة من قرأ ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾.
وقوله وقد تزاد إن أمن اللبس مثاله/ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، أي: ليس مثله شيء، ولا يجوز ألا تكون زائدة؛ لأنه يقتضي إثبات مثل الله، ولا مثل له تعالى.
ومن الناس من جعل مثلا في الآية زائدة، وزعم أن مثلا تزاد، ومنه قول العرب: مثلك يفعل هذا، تريد: أنت تفعل هذا. وهذا ليس بشيء، فر من زيادة الحرف إلى زيادة الاسم، وهو مبني على مذهب الكوفيين من أن العرب قد تزيد
стр. 3795
الأسماء، وجميع ما استدلوا به متأول. وأما مثلك يفعل هذا فكلام صحيح، و"مثلك" فيه باقية على مدلولها؛ لأن المقول له هذا له مثل موجود أو مقدر، بخلافه في الآية.
ويحتمل ألا تكون الكاف في الآية زائدة، ويراد بـ"مثل" الصفة؛ لأن مثلا ومثلا قد يراد بهما الصفة، ولما كان قد تقدمت أشياء من صفاته تعالى قيل: ليس شيء - أي: من الصفات - كصفته ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، فنفى شبه صفات العالم لصفته تعالى، وهذا معنى صحيح.
فأما قوله تعالى ﴿وَحُورٌ عِينٌ، كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ فزعم المصنف في الشرح أن الكاف زائدة، كهي في قوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. وكذلك زعم أنها زائدة فيما روي في الحديث (يكفي كالوجه واليدين)، يريد: يكفي الوجه واليدان، وهي الرواية الأخرى.
وزيادتها لا تنقاس، فتارة تزاد خارجة عن معنى التشبيه، قال:
لواحق الأقراب فيها كالمقق
المعنى: فيها مقق، أي: طول؛ لأنه إنما يقال: في الشيء طول، ولا يقال: فيه كالطول.
стр. 3796
ومثله ما حكاه الفراء من أنه قيل لبعض العرب: كيف تصنعون الأقط؟ فقال: كهين. يريد: هينا.
وتارة يراد بها إذا زيدت التأكيد للتشبيه، كقوله:
فصيروا مثل كعصف مأكول
زاد الكاف لتأكيد التشبيه المدلول عليه بمثل، والكاف مع ما جرته في موضع خفض بمثل.
وأما قوله:
وصاليات ككما يؤثفين
فالكاف الثانية زائدة لتأكيد التشبيه.
وذهب بعض شيوخنا إلى أن الزائدة للتأكيد هي الأولى، والثانية هي اسم بمعنى مثل، وزعم أن "ما" موصولة، قال: وذلك أنه يريد أن يشبه أثافي قد قدمت بأثافي مستعملة، فيكون التقدير: وصاليات مثل اللائي يؤثفين الآن، أي: ينصبن، فيوقد عليهن؛ لأن هذه قد انتقل أهلها عنها، وبقيت لا يوقد عليها، إلا أنها مسودات، ومعها رمادها لم يتغير، فصارت بذلك مشبهة لما يوقد عليه منها، والضمير في يؤثفين راجع إلى "ما" على المعنى. قال: وهذا أحسن من أن تجعل ما مصدرية، فيكون التقدير: كإثفائهن، وفيه تشبيه العين بالمعنى، فيحتاج إلى تأويل في اللفظ وحذف مضاف، وعلى جعل"ما" موصولة اسمية لا تقدير فيه ولا حذف.
وقوله وتكون اسما/ فتجر، ويسند إليها لا خلاف نعلمه في أن كاف التشبيه تكون حرفا إلا ما ذهب إليه صاحب كتاب "المشرق" - وهو أبو جعفر بن
стр. 3797
مضاء - من أن الأظهر في الكاف أن تكون اسما أبدا؛ لأنها بمعنى مثل، وما هو بمعنى اسم فهو اسم. وقد تقدم لنا ذكر الدليل على حرفيتها.
واختلفوا هل تكون اسما في الكلام؟ فأثبت ذلك الأخفش، وهو اختيار المصنف وظاهر قول الفارسي. وذهب س إلى أنها لا تكون اسما بمنزلة مثل إلا في ضرورة الشعر. فمما جاءت فيه مجرورة بالحرف قول الشاعر:
بكاللقوة الشغواء جلت، فلم أكن ... لأولع إلا بالكمي المقنع
وقول الآخر:
وزعت بكالهراوة أعوجي ... إذا ونت الرياح جرى وثابا
وقول الآخر:
ورحنا بكابن الماء، يجنب وسطنا ... تصوب فيه العين طورا، وترتقي
وقول الآخر، وهو ذو الرمة:
стр. 3798
أبيت على مي كئيبا، وبعلها ... على كالنقا من عالج يتبطح
وقول الآخر:
على كالخنيف السحق، يدعو به الصدى ... له قلب عفى الحياض أجون
وقول الآخر:
قليل غرار العين، حتى تقلصوا ... على كالقطا الجوني، أفزعه الزجر
وقول الراجز:
يبسمن عن كالبرد المنهم
ومما جاءت فيه مجرورة بالإضافة قول الشاعر:
تيم القلب حب كالبدر، لا بل ... فاق حسنا من تيم القلب حبا
ومثال كونها يسند إليها فاعلة قول امرئ القيس:
وإنك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف، ولم يغلبك مثل مغلب
وقول الأعشى:
стр. 3799
أتنتهون، ولن ينهى ذوي شطط ... كالطعن، يذهب فيه الزيت والفتل
وقول الآخر:
فيا عجبا! إن الفراق يروعني ... به كمناقيش الحلي قصار
/وقول الآخر:
وما هداك إلى أرض كعالمها ... وما أعانك في غرم كغرام
وتقع اسم كان، قال:
لو كان في قلبي كقدر قلامة ... فضلا لغيرك ما أتتك رسائلي
ومبتدأة، قال:
بنا كالجوى مما نخاف، وقد نرى ... شفاء القلوب الصاديات الحوائم
وقال امرؤ القيس:
متقلدا عضبا مضاربة ... في متنه كمدبة النمل
وقال بعض شيوخنا: إنها تكون مفعولة، وذلك في قول النابغة:
стр. 3800
لا يبرمون إذا ما الأفق جلله ... برد الشتا من الأمحال كالأدم
وقوله:
وإني لأقى من ذوي الضغن منهم ... وما أصبحت تشكو من الوجد ساهرة
كما لقيت ذات الصفا من حليفها ... وما نفكت الأمثال في الناس سائرة
فالكاف في "كالأدم" مفعولة ب"جلله" وفي "كما لقيت" مفعولة بقولة "لألقى".
ومن النحويين من تأول هذا السماع جميعه على حذف الموصوف وإقامة المجرور الذي هو صفته مقامه، وقد أجاز ذلك الفارسي.
فمن نظر إلى كثرة هذا السماع استدل به على اسمية الكاف في الكلام.
ومن نظر إلى أنه لم يقع في النثر خص ذلك بالشعر، أو تأوله، فقدره: بفرس كالقوة، وكالهراوة، وكابن كالقطا، وعن ثغر كالبرد، وحب محبوب كالبدر، وفاخر كفاخر ضعيف، وناه كالطعن، ومروع كمناقيش، وهاد كعالمها، وموضع كقدر قلامة، وبنا حب كالجوى، وأثر كمدبة.
والذي أختاره ذلك في الكلام على قلة؛ لأن هذا تصرف كثير فيها من كونها تكون فاعلة واسم كان ومفعولة ومبتدأة ومجرورة بحرف جر وبإضافة؛ وهكذا شأن الأسماء المتصرفة، تتقلب عليها وجوه الإسناد والإعراب. وفي
стр. 3801
"البديع": "مثل س على اسميتها: كلا كزيد أحدا، بالنصب على أنه بدل من الكاف"
وقوله وإن وقعت صلة فالحرفية راجحة مثال وقوعها صلة قول الراجز:
ما يرتجي وما يخاف جمعا ... فهو الذي كالغيث والليث معا
قد تقدم لنا الدليل على حرفيتها كونها تقع صلة في فصيح الكلام، بخلاف مثل؛ لأنها حرف جر، وحرف الجر يقع صلة في فصيح الكلام، وأما مثل فلا تقع صلة لأنها مفردة، فإن/ جاء مثل "جاءني الذي مثل عمرو" فهو على إضمار مبتدأ، ولا تقع إلا شذوذا أو نادرا إذا لم يكن في الكلام طول، ولا وقع في صلة، أي: على ما قرر في الموصولات.
وقوله وتزداد بعها "ما" كافة وغير كافة فإذا كانت كافة وليتها الجمل الاسمية، وتكون من حروف الابتداء، قال الشاعر:
أخ ماجد، لم يخزني يوم مشهد ... كما سيف عمرو لم تخنه مضاربه
وقال الآخر:
ألم تر أن البغل يتبع إلفه ... كما عامر واللؤم مؤتلفان
وقال الآخر:
стр. 3802
وإن بنا- لو تعلمين- لغلة ... إليك كما بالحائمات غليل
وقال آخر:
لقد علمت سمراء أن حديثها ... نجيع كما ماء السماء نجيع
وقال زياد الأعجم:
لعمرك إنني وأبا حميد ... كما النشوان والرجل الحليم
أريد هجاءه، وأخاف ربي ... وأعلم أنه عبد لئيم
وكون "ما"تكون كافة إذا وليتها الجملة الاسمية هو مفرع على أن"ما" المصدرية لا توصل إلا بالجملة الفعلية؛ أما إذا فرعنا على أنها توصل بالجمل الاسمية فإن"ما" لا تكون كافة في نحو هذه الأبيات، بل تكون مصدرية ينسبك منها مع الجملة التي بعدها مصدر، يكون في موضع جر بالكاف، وتكون إذ ذاك الكاف غير مكفوفة، وإذا كانت كافة انجر الاسم بكاف التشبيه، وقد تقدم لنا ذكر ذلك في بيتي الأعشى والكميت. وأنشد أبو علي القالي:
وننصر مولانا، ونعلم أنه ... كما الناس مجروم عليه وجارم
قال س: "وسألته عن قولهم: هذا حق كما أنك هاهنا، فزعم أن العامل في (أن) الكاف، و (ما) لغو، إلا أنها لا تحذف كراهة أن يجيء لفظها كلفظ كأن".
стр. 3803
وقد كررت «ما» بعدها زائدتين، قال:
كما ما امرئ في معشر غير قومه ... ضعيف الكلام، شخصه متضائل
وقوله وكذا بعد رب والباء يعني أن "ما" تزداد بعد رب وبعد الباء كافة وغير كافة، فمثال زيادتها بعد رب وهي كافة قول أبي دواد:
ربما الجامل المؤبل فيهم ... وعناجيج، بينهن المهار
وسيأتي الخلاف في هذه المسألة.
ومثالها غير كافة قوله:
ماوي، يا ربتما غارة ... شعواء كاللذعة بالميسم
وقوله:
ربما ضربة بسيف صقيل ... بين بصري وطعنة نجلاء
وقوله:
لقد رزئت كعب بن عوف، وربما ... فتى لم يكن يرضى بشئ يضيمها
وقد اقتصروا بـ"ربما" عن ذكر شيء بعدها، كقوله:
стр. 3804
فذلك إن يلق الكريهة يلقها ... حميداً، وإن يستغن يوما فربما
وقد اقتفى ذلك أبو تمام، فقال:
عسى وطن يدنو بهم، ولعلها ... وإن تعقب الأيام فيهم فربما
ومثال زيادتها كافة بعد الباء قوله:
فلئن صرت لا تحير جواباً ... لبما قد ترى وأنت خطيب
ومثال زيادتها غير كافة قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾.
وقوله وتحدث في الباء المكفوفة معنى التقليل قال المصنف في الشرح: «وتحدث (ما) الكافة في الباء معنى ربما، فمعنى لبما قد ترى وأنت خطيب: ربما قد ترى. ومثله قول كثير:
مغان بهيجن الحليم إلى الهوى ... وهن قديمات العهود دواثر
بما قد أرى تلك الديار وأهلها ... وهن جميعات الأنيس عوامر
أراد: ربما أرى، و"قد" مع المضارع تفيد هذا المعنى، ولكن اجتمعتا توكيدا كما اجتمعت عن والباء التي بمعناها في قول الشاعر:
فأصبحن لا يسألنه عن بما به .................................. " انتهى.
стр. 3805
وما ذهب إليه من أن «ما» فيما ذكر كافة وأنها أحدثت معنى التقليل غير صحيح، بل «ما» في ذلك مصدرية، والباء للسببية المجازية، والمعنى على التكثير لا على التقليل، ونظيره قول الآخر:
فلئن فلت هذيل شباه ... لبما كان هذيلا يفل
والفعل الذي تتعلق به الباء مقدر مما قبلها، والتقدير: لانتفاء إحارتك جوابا برؤيتك وأنت خطيب، وهن قديمات العهود دوائر برؤيتي تلك الديار، لفلته بما كان يفلها. والسببية ظاهرة في هذا البيت، وأما في البيتين قبله فسبب خرسه بالموت كونه كان خطيبا في الحياة؛ إذ ينشأ عن الحياة الموت؛ إذ مصير كل حي إلى الممات. وكذلك البيت الثاني، سبب دثور الديار كونها كانت عامرة بأهلها؛ إذ مصير العمران للخراب، ولذلك جاء:
لدوا للموت، وابنوا للخراب ................................
وقوله وقد تحدثت في الكاف معنى التعليل/ يعني: وقد تحدثت «ما» الكافة في الكاف معنى التعليل، فتخرج بذلك عن التشبيه. ومثل ذلك المصنف في الشرح بقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾. وتقل ذلك عن الأخفش في قوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا﴾ الآية، أي: كما أرسلنا فيكم
стр. 3806
رسولا فاذكروني، [أي]: لما فعلت هذا فاذكروني. وعن ابن برهان في ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ﴾، أي: أعجب لأنه لا يفلح.
ومثل بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وقوله ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، ومثل: جئني كما جئتك.
وزعم الخليل أن الكاف إذا لحقها إذا "ما" الكافة قد تجعلها العرب بمعنى لعل، وتصيرها"ما" للفعل كما صيرت ربما للفعل، وجعل من ذلك قولهم: انتظرني كما آتيك، قال: "والمعنى: لعلي آتيك". وجعل من ذلك قول الشاعر:
قلت لشيبان: ادن من لقائه ... كما نغدي القوم من شوائه
أي: لعلنا. وقول الآخر:
لا تشتم الناس كما لا تشتم
أي: لعلك لا تشتم. وحكى س: "كما أنه لا يعلم فتجاوز الله عنه"، أي: لأنه لا يعلم.
وذهب الفراء إلى أن قولهم: "انتظرني كما آتيك"، و «"لا تشتم الناس كما لا تشتم"، الكاف فيهما للتشبيه، والكاف صفة لمصدر محذوف، أي: انتظرني انتظارا
стр. 3807
صادقا مثل إتياني لك، أي: ف لي بالانتظار كما أفي لك بالإتيان، وانته عن شتم الناس كانتهائهم عن شتمك، وتشبيه الحدث بالحدث في مجرد كونه حدثا أمر مستبرد، إلا أن س نقل عن العرب أن من معاني «مررت برجل مثلك»: تشبيه بأنه رجل كما أنك رجل، فالتشبيه في مجرد الجنسية، ولو كانت للتشبيه حقيقة لصرحوا بالمصدر؛ إذ "ما" مصدرية، ولم يظهروه قط فيقولوا: انتظرني كإتيانك، فلو كان الفعل هنا مع "ما" بمعنى المصدر لنطق به يوما ما، فهذا حمل س والخليل على أنها بمعنى لعل.
والكاف في قولهم "انتظرني كما آتيك" عند الخليل وس غير جارة وغير متعلقة بشيء لكونها قد جعلت بمنزلة لعلما، وهو مذهب ابن طاهر وتلميذه ابن خروف.
وقال الزجاج: يشير س إلى الكاف غير عاملة، وقال: عي عندي عاملة في الموضع، مثل: مررت برجل يقوم، فـ"يقوم" في موضع جر.
وزعم بعض النحويين أن «كما» تأتي ظرفا، قالوا: ائت المسجد كما يؤذن المؤذن، أي: حين يؤذن، واخرج كما يسلم الإمام، أي: حين يسلم.
وقوله وربما نصبت مضارعا لا لأن الأصل كيما يعني أنها حين إذ حدث فيها معنى التعليل تنصب المضارع، وقد تقدم في "كما آتيك" و "كما لا تشتم" مجيء المضارع بعدها مرفوعا.
وقال المنصف في الشرح: "وإذا حدث فيها معنى التعليل، ووليها مضارع- نصبته لشبهها بكي، كقول الشاعر:
стр. 3808
وطرفك إما جئتنا فاصرفنه ... كما يحسبوا أن الهوى حيث تنظر
/وزعم الفارسي أن الأصل كيما، فحذفت الباء. وهذا تكلف لا دليل عليه، ولا حاجة إليه» انتهى.
وكان ينبغي أن يقول «ووليها مضارع نصبته على قله» كما قال في المتن "وربما" عن تقييده في الشرح.
وقوله "وزعم الفارسي» هذا الذي ذهب إليه الفارسي هو مذهب الكوفيين، زعموا أن "كما نغدي" من قوله:
كما نغدي القوم من شوائه
في موضع نصب بـ"كما"، و"كما" محذوفة من كيما، وسكنوا ياء نغدي ضرورة. واستدلوا بقوله «كما يحسبوا»، يريد: كيما يحسبوا، ولذلك حذف النون.
وقوله "وهذا تكلف لا دليل عليه، ولا حاجة إليه" ليس كما ذكر، بل هو تأويل عليه دليل، وإليه حاجة، وذلك أنه لم يثبت النصب بـ"كما" في موضع خلاف هذا المختلف فيه، فيحمل هذا عليه، والنصب ثابت بـ"كيما". والعلة في كيما أصل، وفي كاف التشبيه المكفوفة بـ"انتظرني كما آتيك" بين الخليل والفراء، فالأولى أن يعتقد أن أصلها كيما لظهور التعليل فيها، ولثبوت النصب بكيما.
وقوله وإن ولي ربما اسم مرفوع إلى آخر المسألة: هذا الذي ذهب إليه المصنف هو مذهب المبرد، زعم أنه تليها الجملة الاسمية والفعلية نحو إنما، تقول: ربما قام زبد، وربما زيد قائم، كما تقول في إنما.
стр. 3809
قال المصنف في الشرح: "زعم- يعني الفارسي- في قول الشاعر:
ربما الجامل المؤبل فيهم ... وعناجيج، بينهن المهار
أن «ما» فيه نكرة موصوفة بمبتدأ مضمر وخبر مظهر. والصحيح أن «ما» فيه زائد كافة، هيأت رب للدخول على الجملة الاسمية كما هيأتها للدخول على الجملة الفعلية في قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾، وفي قول الشاعر:
لا يضيع الأمين سرا، ولكن ... ربما يحسب الخؤون أمينا» انتهى.
وهذا الذي قاله عن الفارسي هو مذهب الجمهور.
وابن عصفور خرج البيت تخريج أبي علي، وهو الصحيح؛ إذا لو كان على ما اختاره المصنف لسمع من كلامهم: ربما زيد قائم، بتصريح المبتدأ والخبر، ولم يسمع ذلك فيما أعلم، فوجب تخريج البيت على ما خرجه الفارسي وابن عصفور.
ومثل قوله: ربما الجامل ... البيت قول الآخر:
طالعات ببطن فقرة بدى ... ربما ظاعن بها ومقيم
وقول الآخر:
стр. 3810
أم الصبيين! ما بدربك أن ربما ... عيطاء، قلتها شماء قرواح
العيطاء: الهضبة، وشماء: مرتفعة، وقرواح: جرداء. ويتأول هذان البيتان تأويل: /ربما الجامل.
ومذهب س أنها إذا كفت بـ «ما» فلا يليها إلا الفعل، ولا تدخل على الجملة الابتدائية. وظاهر كلامه جواز دخولها على المستقبل، وقاله كثير من النحويين.
وزعم جماعة أن "ربما" لا تكون إلا للماضي، كقول الشاعر:
ربما أوفيت في علم ... ترفعن ثوبي شمالات
وقال ابن يسعون في قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ﴾: "قد تكون (ما) نكرة موصوفة، أي: رب ود يوده الذين كفروا".
قال ابن هشام: وهذا باطل؛ لأن (لو) تحتاج على هذا التقدير إلى جواب، ولا يكون إذا من جنس ما قبلها، ولا يصح هنا، وإنما هي بمنزلة أن معمولة لما قبلها، كقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾، و ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ﴾، و ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ﴾. وقال الفراء: هي بمنزلة أن.
стр. 3811
وقال بعض شيوخنا: "وأما إذا كانت كافة"، يعني ما إذا جاءت بعد رب، قال: «فإنها حينئذ تصير من الحروف الطالبة بالجمل الفعلية، فلا يقع بعدها إلا الفعل، ولا يكون إلا ماضيا، ولا يكون إلا مقدما، نحو: ربما قام زيد، وربما ضربت زيدا، ولا تقول: ربما عمرا ضربت إلا أن تأتي في الشعر، فيقصر على موضعه، ولا تجد من حروف الجر ما كف عم مجروره إلا رب وكاف التشبيه على أحد الوجهين في قوله: كن كما أنت. وأكثر ما يكون الكف في الحروف الداخلة على الجمل المؤثرة فيها».
وقال أيضا: "إلا أن العرب تدخلها على المضارع، فيصير ماضيا" انتهى.
وقال الشاعر:
ربما أوفيت في علم ... ترفعن ثوبي شمالات
وتلخص من كلام أشياخنا أن رب إذا كفت بـ"ما" فلا تليها الجملة الاسمية، بل الفعلية المصدرة بماض أو مضارع في معنى الماضي. ومن أجاز أن تدخل رب على ما يكون العامل فيها مستقبلا لم يحتج إلى تأويل في قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدّ﴾
ومن خصه بالماضي- وهم أكثر النحويين- قالوا: لا تخرجها (ما) عن المضي، كما لم يخرج "لم" إلحاق (ما) الزائد عن الدخول على لفظ المضارع، تقول: لم تقم، ثم تقول: لما تقم، وتأول الآية على أنها حكاية حال تكون، وساغ دخول ربما على يود لصدق الوعد وقرب الدنيا من الآخرة من حيث لا فصل بينهما، فجعل لذلك ودهم بمنزلة الماضي الواقع.
والكوفيون يجعلون ذلك على إضمار كان، أي: ربما كان يود. وبه قال أبو بكر. ولا يجوز ذلك على مذهب س.
стр. 3812
وقوله وتزداد "ما" غير الكافية بعد «من» و «عن» مثاله بعد من ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾. ومثاله بعد عن قوله: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾، وقال الشاعر:
وأعلم أنني عما قريب ... سأنشب في شبا ظفر وناب
وإذا كانوا قد زادوا "ما" بين المضاف والمضاف إليه مع شدة الاتصال بينهما لأنه كالجزء منه فلأن يزيدوها بين حرف الجر والمجرور أولى؛ ومن ذلك قول سحيم:
مساعير ما حرب وأيسار شتوة ... إذا الريح ألوت بالكنيف المستر
وقول الخرنق:
من غير ما فحش يكون بهم ... في منتج المهرات والمهر
-[ص: ومنها "مذ" و "منذ"، وقد ذكرا في باب الظروف. ومنها "رب"،
ويقال: رب ورب ورب وربت وربت وربت ورب ورب وربت. وليست اسما، خلافا للكوفيين والأخفش في أحد قوليه، بل هي حرف تكثير وفاقا لسيبويه، والتقليل بها نادر. ولا يلزم تصديرها وتنكير مجرورها. وقد يعطف على مجرورها وشبهه مضاف إلى ضميريهما.]-
ش: تقدم الكلام على مذ ومنذ كما ذكر المصنف
стр. 3813
وقوله ومنها رب أي: من حروف الجر، ويأتي ذكر الخلاف فيها أهي اسم أم حرف. وذكر المصنف في الشرح أن "في رب عشر لغات: أربع بتشديد الباء، وست بتخفيفها، وقد ذكرت" انتهى. وضيطها على ما يناسب: رب وربت ورب وربت ورب وربت ورب وربت ورب ورب.
وزاد غيره رب وربتا. وهذه أوردها من أوردها من النحويين على أنها لغات في رب.
وزعم أبو الحسن علي بن فضال المجاشعي- وهو صاحب كتاب "الهوامل والعوامل"- أن فتح الراء في الجميع شاذ، وأن أبا حاتم نقل فتح الراء وتخفيف الباء مع فتحها ودون التاء ضرورة لا لغة. واستدل على ذلك بأن كل حرف على حرفين لا يكون إلا ساكن الثاني، نحو هل وبل.
ولا حجة فيما ذكر؛ لأنا لا ندعي أن أصل رب وضع على حرفين، بل هي ثلاثية الوضع، وخففت، بخلاف هل وبل ونحوها، فإنها وضعت في أصل الوضع على حرفين. وإذا وقفت على ما فيه التاء منها فالوقوف بالتاء، خلافا لمن يقلبها هاء.
وقوله وليست اسما خلافا للكوفيين هكذا نقله عنهم غيره، ووافقهم على ذلك ابن الطراوة، فهي عندهم اسم مبني يحكم على موضعه بالإعراب كسائر الأسماء المبنية. واستدلوا على ذلك بالإخبار عنها، قال الشاعر:
إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن عارا عليك، ورب قتل عار
стр. 3814
فـ «رب» عندهم مبتدأ، وعار: خبره.
وفي الإفصاح: زعم الفراء وجماعة من الكوفيين أن رب اسم معمولة لجوابها كـ"إذا" و "حين" في الظروف، وتقدمت عندهم لاقتضائها/ الجواب. وهي مبنية؛ بدليل أن من العرب من يسكن آخرها. فقالوا: وقد يبتدأ بها، فيقال: رب رجل أفضل من عمرو، ويقال: رب ضربة ضربت، بتقدير المصدر، ورب يوم سرت، بتقدير الظرف، ورب رجل ضربت، مفعول، ورب رجل قام، مبتدأ، كما يكون ذلك في كم.
وأجيب بأنه لا يمتنع أن يخبر عن مجرورها بخير مفرد، فـ"رب قتل" مبتدأ، دخل عليه حرف الجر، و"عار" خبره، وكذلك أفضل. ورب ضربة ضربت، منصوب بضربت، وكذا باقيها.
وذهب البصريون إلى أن "رب" حرف. واستدلوا على بطلان مذهب الكوفيين بأنها لو كانت اسما لتعدى إليها بحرف الجر الفعل المتعدي بالحرف، فكما تقول في المعتدي: رب رجل أكرمت، فتكون رب مفعولا بها على زعمهم، فكان ينبغي أن يجوز: برب رجل عالم مررت؛ إذ ليس في كلامهم اسم يتعدى إليه الفعل بنفسه إلا ويجوز أن يتعدى إليه الفعل المتعدي بحرف الجر به. وبأنه لو كانت اسما لأخير عنها، وأضيف إليها، وعادت الضمائر عليها، فجميع علامات الأسماء اللفظية منتفية عنها.
وأما ما استدلوا به على اسميتها فلا حجة فيه؛ لأن الرواية المشهورة هي «وبعض قتل عار»، ولئن صحت تلك الرواية فعار خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو عار، والجملة في موضع الصفة لقتل، أي: ورب قتل هو عار أوقعته بهم، وقد أظهر هذا المبتدأ المضمر في قول الشاعر:
стр. 3815
يارب هيجا هي خير من دعه
وهذا على تقدير القول بأن معمول رب تلزمه الصفة، وأما على مذهب من لا يلزمه الصفة فـ «عار» خبر عن مجرور رب، إذ هو في موضع مبتدأ. وكذلك الجملة من قوله "هي خير من دعه" هي: خبر عن هيجا المجرورة برب.
ومثال حذف الضمير المبتدأ الواقع هو وخبره صفة قول الشاعر:
قلت: أجيبي عاشقا ... بحبكم مكلف
أي: هو بحبكم مكلف.
وقال الأستاذ أبو علي: ومن الدليل على أنها حرف أنهم وبين المجرور كما فصلوا بين كم وما تعمل فيه في الخبر مع الجر.
وقوله بل هي حرف تكثير وفاقا لسيبويه والتقليل بها نادر هذا خلاف ما يذهب إليه أصحابنا من أنها حرف تقليل. قال المصنف في الشرح: "وأكثر النحويين يقولون: معنى رب التقليل". وكذا ذكر غيره أنه مذهب الجمهور. وقال بعض شيوخنا: هو مذهب البصريين.
وزعم صاحب كتاب العين أنها للتكثير، ولم يذكر أنها تجيء للتقليل.
وذهب الفارسي في "كتاب الحروف" له إلى أنها تكون تقليلا وتكثيرا. وهو مذهب الكوفيين.
وذهب بعض النحويين إلى أنها حرف إثبات، ولم توضع لتقليل ولا تكثير، بل ذلك مستفاد/ من سياق الكلام.
وأصحابنا يزعمون أنها للتقليل في جنس الشيء أو لتقليل نظيره.
стр. 3816
وزعم بعضهم أنها تكون للتكثير في مواضع المباهاة والافتخار.
فتلخص فيها أقوال: للتقليل، للتكثير مطلقا. للتكثير في مواضع الافتخار، لهما، لم توضع لهما، بل حرف إثبات.
والذي نختاره هذا المذهب، وهو أنه لا دلالة لها على تكثير ولا تقليل، وإنما يفهم ذلك من خارج. فمثال ما فهم من السياق التقليل قوله:
ألا رب مولود، وليس له أب ... وذي ولد لم يلده أبوان
وذي شامة غراء في حر وجهه ... مجللة، لا تنقضي لأوان
يعني عيسى وآدم- ﵉ والقمر. وقول الآخر، وهو زهير:
وأبيض فياض، يداه غمامة ... على معتفيه، ما تغب فواضله
يعني حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري؛ بدليل قوله:
حذيفة ينميه وبدر كلاهما ... إلى باذخ، يعلو على من يطاوله
وقول خوات بن جبير:
стр. 3817
وذات عيال واثقين بعقلها ... خلجت لها جار استها خلجات
يعني ذات النحيين وحدها. وقول صخر بن الشريد:
وذي أخوة قطعت أقران بينهم ... كما تركوني واحدا لا أخا ليا
يريد بيذي الأخوة دريد بن حرملة المري، وهو الذي قتل أخاه معاوية، فلما قتله بأخيه قال هذا الشعر، وقوله "كما تركوني واحدا لا أخا ليا" يبطل توهم الكثرة هنا؛ لأن الذين تركوه بلا أخ هم بنو حرملة، ولم يكن أخ قتل غير معاوية وحده. ونسبه المصنف في الشرح لعمرو بن الشريد أخي الخنساء، كذا قال. ونسبه ابن عصفور لصخر بن الشريد كما نسبناه نحن. وقول الآخر:
ونار قد حضأت بعيد وهن ... بدار، ما أريد بها مقاما
يصف قصة جرت له وحده مع الجن على زعمه. وقول الآخر:
ويوم على البلقاء، لم يك مثله ... على الأرض يوم في بعيد ولا دان
يريد يوما كانت وقعة بين غسان ومذحج في يوم يعرف بالبلقاء. وقال أبو طالب يمدح رسول الله - صل الله عليه وسلم:
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى، عصمة للأرامل
/ ومما جاء فيه رب لتقليل النظير قول امريء القيس:
стр. 3818
وإن أمس مكروبا فيا رب قينة ... منعمة أعملتها بكران
وقول أبي كبير الهذلي:
أزهير! إن يشب القذال فإنه ... رب هيضل مرس لففت بهيضل
ومما ظاهره استعمال رب في التكثير قول عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير ابن الخطفي:
فإن تكن الأيام شبين مفرقي ... وأكثرن أشجاني، وفللن من غربي
فيا رب يوم قد شربت بمشرب ... شفيت به عني الصدى، بارد عذب
وكم ليلة قد بتها غير آثم ... بساجية الحجلين مفعمة القلب
ومن تأول ذلك جعل رب لتقليل النظير، وراعى في كم التكثير.
وقال المصنف في الشرح: "الصحيح أن معنى رب التكثير، ولذا تصلح كم في كل موضع وقعت فيه رب غير نادر". وأنشد عدة أبيات، يصلح وضع كم فيها موضع رب. ونسب هو وابن خروف هذا المذهب إلى س، واستدلا على ذلك بقوله في "باب كم ": "أعلم أن لكم موضعين: أحدهما
стр. 3819
الاستفهام، والآخر الخبر. ومعناها معنى رب". بقوله في الباب:"واعلم أن كم في الخبر لا تعمل إلا فيما تعمل فيه رب؛ لأن المعنى واحد، إلا أن كم اسم، ورب غير اسم".
قال المصنف في الشرح: "وهذا نص س، ولا معارض له في كتابه، فعلم أن مذهبه كون رب مساوية ل"كم"الخبرية في المعنى، ولا خلاف في أن معنى كم الخبرية التكثير. والذي دل عليه كلام س من أن معنى رب التكثير هو الواقع في غير النادر من كلام العرب نثره ونظمه، فمن النظم الأبيات التي تقدم ذكرها، ومن النثر قوله- ﵇ "يارب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة"، وقوله- ﵇: "رب أشعث أغبر، لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره"،ومنه قول الأعرابي الذي سمعه الكسائي يقول بعد الفطر: رب صائمه لن يصومه، وقائمه لن يقومه. وقال الفراء: يقول القائل إذا أمر فعصى: أما والله لرب ندامة لك تذكر قولي فيها"
انتهى.
أما قول المصنف "وهذا نص س، ولا معارض له في كتابه" فقال صاحب "البسيط": "س يصرح في مواضع من كتابه بأن كم بمنزلة رب، وكذلك في كائن، فيحتمل أن يريد في الجر، أو في جميع أحوالها معنى ولفظا" انتهى. وإذا كان كلام س محتملا فكيف يقول المصنف: إنه نص.
стр. 3820
وقال في "البسيط": ذهب/ البصريون إلى أنها للتقليل، كالخليل وسيبويه وعيسى بن عمر ويونس وأبي زيد وأبي عمرو بن العلاء وأبي الحسن الأخفش والمازني وابن السراج والجرمي والمبرد والزجاج والزجاجي والفارسي والرماني وابن جني والسيرافي، وجملة الكوفيين كالكسائي والفراء وابن سعدان وهشام، ولا مخالف لهؤلاء إلا صاحب العين، فإنه صرح بكونها للتكثير دون التقليل، ولا ذكره لغيره. وذكر الأعلم أنها للتقليل، إلا أن التقليل يكون للذات تارة وللوجود أخرى وإن كثرت ذاته وعظمت، كقوله مفتخرا: رب غارة أغرت، ورب ناقة كوماء نحرت.
وقال ابن السيد: الشيء الذي له نقيض مستعمل في التقليل، [نحو]: ربه رجلا- على أصله، وهو كثير في كلامهم. وأما موضوع التفخيم والتعظيم، نحو: رب يوم سرور شهدت- فهو للتكثير، ومنه:
следующие страницы →