Полный текст (3 950 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.
стр. 3816
وزعم بعضهم أنها تكون للتكثير في مواضع المباهاة والافتخار.
فتلخص فيها أقوال: للتقليل، للتكثير مطلقا. للتكثير في مواضع الافتخار، لهما، لم توضع لهما، بل حرف إثبات.
والذي نختاره هذا المذهب، وهو أنه لا دلالة لها على تكثير ولا تقليل، وإنما يفهم ذلك من خارج. فمثال ما فهم من السياق التقليل قوله:
ألا رب مولود، وليس له أب ... وذي ولد لم يلده أبوان
وذي شامة غراء في حر وجهه ... مجللة، لا تنقضي لأوان
يعني عيسى وآدم- ﵉ والقمر. وقول الآخر، وهو زهير:
وأبيض فياض، يداه غمامة ... على معتفيه، ما تغب فواضله
يعني حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري؛ بدليل قوله:
حذيفة ينميه وبدر كلاهما ... إلى باذخ، يعلو على من يطاوله
وقول خوات بن جبير:
стр. 3817
وذات عيال واثقين بعقلها ... خلجت لها جار استها خلجات
يعني ذات النحيين وحدها. وقول صخر بن الشريد:
وذي أخوة قطعت أقران بينهم ... كما تركوني واحدا لا أخا ليا
يريد بيذي الأخوة دريد بن حرملة المري، وهو الذي قتل أخاه معاوية، فلما قتله بأخيه قال هذا الشعر، وقوله "كما تركوني واحدا لا أخا ليا" يبطل توهم الكثرة هنا؛ لأن الذين تركوه بلا أخ هم بنو حرملة، ولم يكن أخ قتل غير معاوية وحده. ونسبه المصنف في الشرح لعمرو بن الشريد أخي الخنساء، كذا قال. ونسبه ابن عصفور لصخر بن الشريد كما نسبناه نحن. وقول الآخر:
ونار قد حضأت بعيد وهن ... بدار، ما أريد بها مقاما
يصف قصة جرت له وحده مع الجن على زعمه. وقول الآخر:
ويوم على البلقاء، لم يك مثله ... على الأرض يوم في بعيد ولا دان
يريد يوما كانت وقعة بين غسان ومذحج في يوم يعرف بالبلقاء. وقال أبو طالب يمدح رسول الله - صل الله عليه وسلم:
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى، عصمة للأرامل
/ ومما جاء فيه رب لتقليل النظير قول امريء القيس:
стр. 3818
وإن أمس مكروبا فيا رب قينة ... منعمة أعملتها بكران
وقول أبي كبير الهذلي:
أزهير! إن يشب القذال فإنه ... رب هيضل مرس لففت بهيضل
ومما ظاهره استعمال رب في التكثير قول عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير ابن الخطفي:
فإن تكن الأيام شبين مفرقي ... وأكثرن أشجاني، وفللن من غربي
فيا رب يوم قد شربت بمشرب ... شفيت به عني الصدى، بارد عذب
وكم ليلة قد بتها غير آثم ... بساجية الحجلين مفعمة القلب
ومن تأول ذلك جعل رب لتقليل النظير، وراعى في كم التكثير.
وقال المصنف في الشرح: "الصحيح أن معنى رب التكثير، ولذا تصلح كم في كل موضع وقعت فيه رب غير نادر". وأنشد عدة أبيات، يصلح وضع كم فيها موضع رب. ونسب هو وابن خروف هذا المذهب إلى س، واستدلا على ذلك بقوله في "باب كم ": "أعلم أن لكم موضعين: أحدهما
стр. 3819
الاستفهام، والآخر الخبر. ومعناها معنى رب". بقوله في الباب:"واعلم أن كم في الخبر لا تعمل إلا فيما تعمل فيه رب؛ لأن المعنى واحد، إلا أن كم اسم، ورب غير اسم".
قال المصنف في الشرح: "وهذا نص س، ولا معارض له في كتابه، فعلم أن مذهبه كون رب مساوية ل"كم"الخبرية في المعنى، ولا خلاف في أن معنى كم الخبرية التكثير. والذي دل عليه كلام س من أن معنى رب التكثير هو الواقع في غير النادر من كلام العرب نثره ونظمه، فمن النظم الأبيات التي تقدم ذكرها، ومن النثر قوله- ﵇ "يارب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة"، وقوله- ﵇: "رب أشعث أغبر، لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره"،ومنه قول الأعرابي الذي سمعه الكسائي يقول بعد الفطر: رب صائمه لن يصومه، وقائمه لن يقومه. وقال الفراء: يقول القائل إذا أمر فعصى: أما والله لرب ندامة لك تذكر قولي فيها"
انتهى.
أما قول المصنف "وهذا نص س، ولا معارض له في كتابه" فقال صاحب "البسيط": "س يصرح في مواضع من كتابه بأن كم بمنزلة رب، وكذلك في كائن، فيحتمل أن يريد في الجر، أو في جميع أحوالها معنى ولفظا" انتهى. وإذا كان كلام س محتملا فكيف يقول المصنف: إنه نص.
стр. 3820
وقال في "البسيط": ذهب/ البصريون إلى أنها للتقليل، كالخليل وسيبويه وعيسى بن عمر ويونس وأبي زيد وأبي عمرو بن العلاء وأبي الحسن الأخفش والمازني وابن السراج والجرمي والمبرد والزجاج والزجاجي والفارسي والرماني وابن جني والسيرافي، وجملة الكوفيين كالكسائي والفراء وابن سعدان وهشام، ولا مخالف لهؤلاء إلا صاحب العين، فإنه صرح بكونها للتكثير دون التقليل، ولا ذكره لغيره. وذكر الأعلم أنها للتقليل، إلا أن التقليل يكون للذات تارة وللوجود أخرى وإن كثرت ذاته وعظمت، كقوله مفتخرا: رب غارة أغرت، ورب ناقة كوماء نحرت.
وقال ابن السيد: الشيء الذي له نقيض مستعمل في التقليل، [نحو]: ربه رجلا- على أصله، وهو كثير في كلامهم. وأما موضوع التفخيم والتعظيم، نحو: رب يوم سرور شهدت- فهو للتكثير، ومنه:
стр. 3821
ألا رب يوم صالح لك منهما ... ..............................................
وفي "الإفصاح": مذهب أبي عثمان وأبي العباس وأبي بكر وأبي إسحاق والرماني وابن جني والصيمري والسيرافي وأبي على أنها للتقليل، وهو قول عيسى بن عمر ويونس وأبي زيد الأنصاري وأبي عمرو بن العلاء والأخفش والجرمي، وجلة الكوفيين، كالكسائي والفراء ومعاذ الهراء وهشام وابن سعدان.
وبه قال من المتأخرين الزمخشري.
وقيل: أنها للتكثير. وبه قال جماعة، منهم صاحب العين وابن درستويه، ويروى عن الخليل، وقال به كثير من المتأخرين.
وقال بعض المتأخرين: هو من الأضداد، يكون للتقليل والتكثير.
وقال ابن الباذش: هي لمبهم العدد، تكون تقليلا وتكثيرا. وبه قال ابن طاهر. وقال بعض أصحابنا: أكثر ما تقع للتقليل. وبنحو هذا قال أبو نصر الفارابي في "كتاب الحروف" له.
وقوله ولا يلزم وصف مجر ورها، خلافا للمبرد ومن وافقه من وافقه هم ابن السراج والفارسي والعبدي وأكثر المتأخرين، منهم الأستاذ أبو علي. وفي "البسيط" أنه رأي البصريين.
стр. 3822
وذهب الأخفش والفراء والزجاج وأبو الوليد الوقشي وابن طاهر وابن خروف إلى أنه لا يلزم الوصف. قيل: وتضمين رب القلة والكثرة يقوم مقام الوصف. ووافقهم هذا المصنف. وهو ظاهر مذهب س، ونص الأخفش والمبرد فيما نقل ابن هشام، واختيار ابن عصفور.
واحتج من قام بلزوم الوصف بأن رب أجريت مجرى حرف النفي، وحكم حرف النفي أن يدخل على جملة، فالأقيس في المجرور أن يوصف بجملة لذلك، وقد يوصف بما يجري مجراها من ظرف أو مجرور أو اسم فاعل أو مفعول. ويدل على جريانها مجرى حرف النفي أنها لا تقع إلا صدرا، ولا يتقدم عليها ما يعمل في الاسم المجرور/ بعدها، بخلاف سائر حروف الجر، وأن المفرد الذي يجوز جمعه إذا وقع بعدها قد يدل على أكثر من واحد كما يكون ذلك في النفي.
وقالو أيضا: رب للتقليل، والنكرة بلا صفة فيها تكثير بالشياع والعموم، ووصفها يحدث فيها التقليل بإخراج الخالي منه، فلزم الوصف لذلك. وأيضا فقولك رب رجل عالم لقيت رد على من قال: ما لقيت رجل عالما، فلو لم تذكر الصفة لم يكن الرد موافقا.
стр. 3823
وقال العبدي: "إنما وجب الوصف على طريق العوض من العامل المحذوف". يعني أن العامل الذي يتعلق به مجرور رب محذوف في الغالب، فلزمه الوصف ليكون عوضا منه متى حذف.
وما استدلوا به لا حجة فيه، أما قولهم "إنما جرت مجرى حرف النفي لكونها لا تقع إلا صدرا" فليس بصحيح، وقد وقعت خبرا ل"إن"، وخبرا ل"أن" المخففة من الثقيلة، قال الشاعر:
أماوي إنى رب واحد أمه ... أخذت، فلا قتل لدى ولا أسر
وقال الآخر:
تيقنت أن رب امريء، خيل خائنا، ... أمين وخوان يخال أمينا
وأما قولهم "إنه لا يتقدم عليها ما يعمل في الاسم المجرور" فهو تفريغ على أن ل"رب" ما تتعلق به؛ وهو شيء مختلف فيه، وسيأتي، وعلى تقدير أنها لها ما تتعلق به فلا يدل عدم تقدمه عليها على أنها مشبهة بحرف النفي؛ لأن لنا ما لا يتقدم على المجرور الذي يتعلق به، ولا يلزم أن يكون جاريا مجرى حرف النفي، نحو قولك: بكم درهم تصدقت، تريد الخبرية. وأيضا فحرت النفي على قسمين: منه"ما"، وهو الذي امتنع أن يتقدم عليها ما يعمل في الاسم المجرور. ومنه ما ذلك فيه هو الوجه، نحو: لم ولما ولن ولا وإن، نحو: لم أمر بزيد.
وأما قولهم "إن المفرد إذا وقع بعد رب قد يدل على أكثر من واحد كما يكون ذلك في النفي" فالقلة والكثرة لا تدل عليهما رب بالوضع؛ وإنما ذلك يفهم من سياق الكلام، كما يراد العموم من النكرة في المثبت في نحو قوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾، وليس ذلك من مدلول النكرة في الإثبات، كذلك النكرة في رب.
стр. 3824
وأما قولهم "رب للتقليل" إلى آخر الاستدلال بذلك فقد تقدم النزاع في أنها وضعت للتقليل.
وأما قول العبدي ودعواه أن العامل الذي تتعلق به رب محذوف في الغالب، والوصف عوض عنه- فليس ذلك بصحيح، بل الغالب ذكره لا حذفه، ولو كانت الصفة عوضا من المحذوف ما اجتمعا، وقد اجتمعا، فدل على أنه ليس بعوض.
وأما قولهم: "إنها جواب لمن قال: ما لقيت رجلا عالما"- قال المصنف في الشرح: "والصحيح أن تكون جوابا وغير جواب، وإذا كانت/ جوابا فقد تكون جواب موصوف، وجواب غير موصوف، فيكون لمجرورها من الوصف وعدمه ما للمجاب، فيقال لمن قال: ما رأيت رجلا: رب رجل رأيت، ولمن قال: ما رأيت رجلا عاما: رب رجل عالم رأيت. وإذا لم تكن جوابا فللمتكلم بها أن يصف مجرورها وألا يصفه. ومن وقوعه غير موصوف قول أم معاوية:
يارب قائلة غدا ... يالهف أم معاوية
ومثله:
ألا رب مأخوذ بإجرام غيره ... فلا تسأمن هجران من كان مجرما
ومثله:
رب مستغن، ولا مال له ... وعظيم الفقر وهو ذو نشب"
انتهى.
وهذه الأبيات التي أنشدها دلالة على أن مجرور رب لا يحتاج إلى صفة لمدع أن يقول: إن الموصوف محذوف لفهم المعنى؛ ألا ترى أن جميع ذلك صفات، وهي: قائلة، ومأخوذ، ومستغن، فالتقدير: يارب امرأة قائلة، ورب إنسان مأخوذ، ورب إنسان مستغن.
стр. 3825
واستدل ابن طاهر على أنه لا يلزمه الوصف بقوله:
ألا رب مولود، وليس له أب
ألا ترى أن مولودا لم يوصف.
قال ابن عصفور: ومما يبين أنه لا يلزمه الوصف أنك تجد أماكن إن جعلت ما بعد المخفوض صفة لم يبق للمخفوض ما يعمل فيه لا في اللفظ ولا في التقدير؛ لأن معنى الكلام لا يقتضي عاملا محذوفا، بل تجد المعنى مستقلا من غير حذف، نحو قول امريء القيس:
فيارب يوم قد لهوت وليلة ... بآنسة، كأنها خط تمثال
ألا ترى أن المعنى مستقل بما في اللفظ خاصة، وإن رمت أن تتكلف حذف عامل، فقدرت: ظفرت بهما، أو تمتعت بهما- كانت زائدة غير مفيدة؛ لأن ذلك المعنى حاصل من غير حذف؛ لأن لهوك بالآنسة في ذلك اليوم وتلك الليلة ظفر بهما وتمتع.
ومما يدل على ذلك أيضا أنك متى وصفت المخفوض برب. بما لا يحتمل غير الوصف تعلقت النفس بزيادة بيان؛ ولم تكتف بالصفة؛ ألا ترى أنك إذا قلت رب رجل قائل ذلك لم يجز الاكتفاء، بل لا بد من عامل مقدر، به يتم الكلام. وإذا قلت رب رجل يقول ذلك وجدت اللفظ مستقلا غير مفتقر إلى حذف.
وكون رب قد عوملت معاملة حرف الفنفي لا يلزم عنه لزوم الوصف للمخفوض بها؛ لأن العامل في الاسم المجرور بها يتنزل منها منزلة الجملة المنفية من حرف النفي.
وهذا الذي ذكرناه من/ أن المخفوض برب لا يلزمه الوصف هو الذي يعطيه كلام س؛ ألا ترى أنه قال في "باب الجر": "وإذا قلت رب يقول ذلك فقد
стр. 3826
أضفت القول إلى الرجل برب"، فدل ذلك من كلام س على أنه لم يجعل "يقول ذلك" صفة ل"رجل"؛ لأن اتصال الصفة بالموصوف يغني عن ذلك.
وقال المصنف في الشرح: "والذي يدل على أن وصف مجرورها لا يلزم عند س تسويته إياها ب"كم"الخبرية، ووصف مجرور كم الخبرية لا يلزم، فكذا وصف ما سوي بها، وتصريحه بكون "يقول" مضافا إلى الرجل برب مانع كونه صفة؛ لأن الصفة لا تضاف إلى الموصوف، وإنما يضاف العامل إلى المعمول، ف"يقول"إذا عامل في "رجل" بواسطة رب، كما كان مررت من مررت بزيد عاملا في زيد بواسطة البادء، وكما كان أخذت من أخذته من عبد الله عاملا في عبد الله بواسطة من، وهما من أمثلة س في باب الجر" انتهى.
وكان الأستاذ أبو علي يتأول كلام س بأن يقول: لا يصح أن يكون إلا صفة لرجل، لأن فعل المضمر لا يتعدى إلى ظاهرة؛ ألا ترى أنك لا تقول: بزيد افتخر، تريد: بنفسه افتخر زيد؛ لأن فاعل افتخر ضمير يعود إلى زيد، فكذلك فاعل "يقول"ضمير يعود إلى رجل، فكيف يتعدى إلى رجل بحرف الجر، فلا بد من متعلق محذوف إلا أنه لم يظهر، ونابت الصفة منابه، فلما كان كذلك قال س: إن رب وصلت يقول إلى رجل وإن كانت إنما وصلت وجدت المحذوفة، ونابت يقول منابها.
ومن النحويين من خطأ س في تمثيله: رب رجل يقول ذلك.
стр. 3827
وقال ابن خروف: قول س"فقد أضفت القول إلى الرجل برب" كلام حسن، وهو كقوله: "فقد أضفت الكينونة إلى الدار بفي"، وكقوله:"فقد إليه الرداءة بفي"، يعني قوله: أنت في الدار، وفيك خصلة سوء، فرب أوصلت القول إلى قليل الرجال وكثيرهم كما أوصلت في الكينونة إلى الدار، واستقرار الرداءة إلى المخاطب. وموضع المخفوض برب مبتدأ، ويقول: خبره، فكأنه على تقديره: كثير من الرجال يقول ذلك.
وقال المصنف في الشرح: "وقد يسر لي- بحمد الله- تخريجه بوجه لا تخطئة فيه ولا تكلف، وذلك بأن يجعل يقول مضارع قال، بمعنى: فاق في المقاولة، ويجعل ذلك فاعلا أشير به إلى مرئي أو مذكور، كأنه قال: رب رجل تفوق ذلك الرجل في المقاولة. فيهذا التخريج يؤمن الخطأ والتكلف، ويثبت استغناء مجرور رب عن الوصف" انتهى.
وإنما أمن من الخطأ لأنه يكون إذ ذاك الفاعل غير ضمير رجل، فيكون رب رجل يقول ذلك كقوله: رب رجل ضرب زيد، فلم يتعد فعل فاعل الضمير المتصل إلى ظاهره.
لكن هذا التخريج بعيد إرادته من قول/ س: "رب رجل يقول ذلك"، بل المتبدر إلى الذهن أن "ذلك"منصوب لا مرفوع، وأن الفاعل ب"يقول" هو ضمير عائد على رجل، ولما كانت رب حرفا محكوما له بحكم الزيادة لم يتنزل منزلة الحرف الذي لم يحكم له بحكم الزيادة، لم يتنزل منزلة الحرف الذي لم يحكم له بحكم الزيادة، فاحتمل أن عاد الضمير فاعلا على مجرورها، فليس نظير: بزيد افتخر؛ لأن بزيد في موضع نصب، وهذا ليس في موضع نصب، بل في موضع رفع بالابتداء، ورب كأنها حرف زائد.
стр. 3828
وقال ابن خروف أيضا: "لا يفتقر إلى الصفة كما زعموا؛ لأن معنى التقليل والتكثير الذي دلت عليه يقوم مقام وصف مخفوضها كما كان ذلك في كم؛ ولذلك قلت: كم غلام عندك، فابتدأت بنكرة". يعني أن ما دلت عليه كم من التكثير سوغ الابتداء بها مع أنها نكرة.
وقوله ولا مضى ما تتعلق به اختلفوا في زمان ما تتعلق به رب: فالمشهور أنه ماضي المعني، وهو مذهب المبرد والفارسي، واختاره ابن عصفور، وتأول قوله ﴿رُبَمَا يَوَدُّ﴾، وسيأتي الكلام عليه.
وذهب بعض النحويين إلى أنه يجوز أن يكون مستقبلا وحالا، والمضي أكثر. وهو اختيار المصنف، قال في الشرح: "وأما كونه- يعني المضى- لازما لا يوجد غيره فليس بصحيح، بل قد يكون مستقبلا، كقول جحدر اللص:
فإن أهلك فرب فتي سيبكي ... على مذهب اللص رخص البنان
وكقول هند أم معاوية:
يارب قائلة غدا ... يالهف أم معاويه
стр. 3829
وكقول سليم القشيري:
ومعتصم بالحي من خشية الردى ... سيردى، وغاز مشفق سيؤوب
وقال الراجز:
يارب يوم لي، لا أظللله ... أرمض من تحت، وأضحى من عله
وقال آخر:
يارب غابطنا لو كان يطلبكم ... لاقى مباعدة منكم وحرمانا
قال: "وقد يكون ما وقعت عليه رب حالا، كقولك لمن قال: ما في وقتنا امرؤ مستريح: رب امريء في وقتنا مستريح، ومنه قول ابن أبي ربيعة:
فقمت ولم تعلم على خيانة ... ألا رب باغي الربح ليس برابح
/ ومثله:
ألا رب من تغتشه لك ناصح ... ومؤتمن بالغيب غير أمين"
وقد تأول بيت جحدر من ذهب إلى التزام مضيه بأن يكون على حكاية المستقبل بالنظر إلى المضى؛ قال: "وكأنه قال: فإن أهلك فرب فتى بكي علي فيما مضى وإن كنت لم أهلك، فكيف يكون بكاؤه على إذا هلكت؟ فأوقع سيبكي موقع بكى لأجل الحكاية، وحذف ما يتم به الكلام لفهم المعنى. والدليل على أن
стр. 3830
المستقبل قد يحكى بالنظر إلى ما مضى أنك تقول: لم تركت زيدا وقد كان سيعطيك؟ ومن ذلك قول امرأة من العرب ترثي زوجها:
ياموت لو تقبل افتداء ... كنت بنفسي سأفتديه
وهذا التأويل إنما يحتاج إليه إن قدر سيبكي جوابا لرب لا صفة للمخفوض بها؛ وأما إن قدرته في موضع الصفة للمخفوض برب، وجعلت لها جوابا نحذوفا يراد به المضي- فلا يحتاج إليه، ويكون التقدير إذ ذاك: فرب فتى سيبكي على مخضب رخص البنان لم أقض حقه، فحذف ذلك لدلالة ما بعده عليه، وهو قوله بعد:
ولم أك قد قضيت حقوق قومي ... ولاحق المهند والسنان"
انتهى
وأما استدلال المصنف بقول أم معاوية فقولها "يارب قائلة غدا" هو من الوصف بالمستقبل لا من باب تعلق رب. بما بعدها. وأما "ومعتصم" فإن "سيردي" محتمل أن يكون صفة لا متعلقا به رب. وأما "لا أظله" فهو صفة أيضا. وكذلك "يارب غابطنا". فجميع ما استدل به على استقبال ما تتعلق به رب لا دليل فيه.
وأما قوله "فقمت" البيت، وقوله "ألا رب"البيت- فهما مما وصف فيهما المجرور بالحال لا مما تعلقت به رب.
وفي قول المصنف "ولا مضى ما تتعلق به" نص على أنها تتعلق كحروف الجر غير الزوائد، وهذه مسألة اختلف فيها:
فذهب الرماني وابن طاهر إلى أنها لا تتعلق بشيء، وحكاه شيخنا أبو الحسين بن أبي الربيع عن بعض المتأخرين، قال: "إذا قلت: رب رجل عالم قد
стр. 3831
لقيته- فرب حرف دخل على المبتدأ وخفضه، وهو بمنزلة: بحسبك زيد، فدخل حرف الجر، فانخفض المبتدأ، فكما أن المجرور هنا لا يحتاج إلى متعلق كذلك رب رجل عالم لا يحتاج إلى متعلق".
وذهب الجمهور إلى أنه يتعلق.
واختلفوا في موضع المجرور بها: فذهب الزجاج إلى أنه في موضع نصب أبدا، فإذا قلت: رب رجل قد ضربت، ورب رجل قد أتاني- كانت في موضع نصب بضربت وأتاني. وإن جعلتهما صفة كانت في موضع نصب بعامل محذوف.
ورد على ذلك بأنه يؤدي إلى تعدي الفعل المتعدى بنفسه إلى مفعوله/ بواسطة رب، وهو لا يحتاج في تعديه إليها.
وأجاب الرماني بأنها دخلت على معمول الفعل كما دخلت اللام في "إن كنتم للرءيا تعبرون"، لكن هذا على سبيل الجواز لما كان التقديم والتأخير جائزين، ولما وجب تقديم الفضلة المجرورة برب على الفعل وجب دخول رب عليها.
ورد بأن العامل إذا تقدم معموله عليه لم يقو في وصوله إليه باللام.
ورد أيضا مذهب الزجاج بأنه يؤدي إلى تعدي الفعل المتعدي إلى ضمير المفعول وإلى ظاهره في نحو: رب رجل عالم لقيته، ولا يجوز: بزيد لقيته، وبأنه إذا كان المفعول يلزم تقديمه لم يلزم أن يقوى بالحرف، فيجوز: لأي رجل ضربت؟
وأي رجل ضربت؟
стр. 3832
وذهب الأخفش والجرمي إلى أنها تزاد في الإعراب، ويحكم على موضع مجرورها بالنصب والرفع على حسب العامل بعدها، ويجوز فيه الاشتغال إذا كان العامل قد عمل في ضميره أو سببه نصبا، ويعطف على لفظه وعلى موضعه، فإن كان رفعا رفع المعطوف، أو نصبا نصب. قال ابن عصفور: "ومن العطف على الموضع قول الشاعر:
وسن كسنيق سناء وسنما ... ذعرت بمدلاج الهجير نهوض
عطف سنما على موضع سن لأنه في موضع نصب على المفعول".
وقال الأعلم: "السناء: الارتفاع، وكذلك، فعلى هذا يكون وسنما معطوفا على سناء".
وقال أبو بكر عاصم بن أيوب البطليوسي: "من جعل سنما اسما للبقرة عطفه على موضع وسن؛ لأنه في موضع المفعول بذعرت؛ أراد: ذعرت بهذا الفرس ثورا وبقرة، وهو بعيد عند بعض النحويين أن يجعل لرب موضع من اإعراب. انتهى".
ويدل هذا على أنها زائدة في الإعراب قولهم: رب رجل عالم يقول ذلك، فلولا أن "رب" زائدة فب إعراب ما جاز ذلك؛ لما يلزم من تعدي فعل الضمير المتصل إلى ظاهره، فجعل "رب رجل" في موضع رفع بالابتداء هو الذي سوغ ذلك. لا يقال: كيف يقال في رب إنها زائدة في إعراب وهي تدل على معنى زائد؛ لأن الزائد على قسمين: قسم إذا أزيل لم يتغير المعنى؛ لأنه إنما جيء [به] للتأكيد،
стр. 3833
وقسم إذا أزيل تغير المعنى، ويسمى زائدا في الاصطلاح باعتبار أنه يتخطى العامل إليه. مثال الأول: ليس زيد بقائم، ومثال الثاني: جئت ليلا بلا زاد، فيقول النحويون إن "لا زائدة، وهي لو أزيلت لتغير المعنى من النفي إلى الإثبات. ف"رب" إذا كان معمولها مبتدأ لا تتعلق بشيء، ونظيرها في ذلك "لولا" مع المضمر، و"لعل" في لغة من جر بها في أنهما لا يصل بهما عامل إلى معموله، وكذلك رب رجل عالم في الدار ف "في الدار"خبر عن "رجل"، ولم يصل ب"رب"عامل إلى معموله. فأما رب رجل عالم لقيت فإنما قلنا إن رب رجل في موضع مفعول لأن العامل في ذلك يطلبه/ على جهة المفعولية، بخلاف "لولا" مع المضمر، و"لعل" في لغة من جر بها، فإنه لا يكون ذلك أبد إلا في موضع لا يتعلق فيه بعامل.
وأما قول س في رب رجل يقول ذلك: "إنك قد أضفت القول إلى الرجل برب"- فمعناه أن يقول: إضافته رب إلى الرجل على معنى التقليل أو التكثير على الخلاف، كما تقول في لعل زيد قائم: إن لعل أضافت القيام إلى زيد على طريق الترجي.
وحروف الجر غير الزائدة متعلقة كانت أو غير متعلقة معناها الإضافة، فإن كانت متعلقة أضافت العامل إلى المعمول، وإن كانت غير متعلقة أضافت الابتداء إلى المخفوض بها على المعنى الذي لها.
وحذف الفعل الذي يكون خبرا لمجرور رب، أو عاملا في موضعه، أو مفسرا لعامل- نادر وفاقا ل"س"والخليل، لا كثير، خلافا للفارسي والجزولي، ولا ممنوع، خلافا للكذة الأصبهاني؛ إذ زعم أن ذكره واجب، ولحن ما ورد من ذلك، وزعم أنه منحول للعرب.
стр. 3834
قال س في باب ما يجزم من الجوابات: "وزعم الخليل- ﵀ أنه وجد في أشعار العرب رب لا جواب لها، ومن ذلك قول الشماخ:
ودوية قفر تمشي نعامها ... كمشي النصارى في خفاف اليرندج
ألا ترى أنه قد علم أن مراده: قطعتها، أو نحوه ".
وقول الخليل يدل على بطلان ما قاله الفارسي ولكذة. ومما يرد على لكذة قولهم: رب رجل قائم، ورب ابنة خير من ابن، وفي المثل السائر: رب لائم مليم، وقول الشاعر:
ألا رب من تغتشه لك ناصح ... ومؤتمن بالغيب غير أمين
وقال أبو الحسين بن أبي الربيع: ((لا يمكن أن تجعل رب زائدة؛ لأنها تحزر معنى، والزائد لا يحزر معنى، وإنما هو مؤكد، ولا كل حرف خافض لا يكون إلا موصلا، وإنما خفض إذا كان زائدا ليبقى عليه عمله الذي أنس به، وما زادته العرب للتوكيد وليس له أصل فلا يكون خافضا؛ لأنه ليس موصلا، و"رب" خافضة، فلابد أن تكون موصلة، أو منقولة منها إن جعلتها زائدة، فقد صح. بما ذكرته أنها لا بد لها من فعل تتعلق به، فلابد أن يكون ظاهرا أو محذوفا، وإذا كان محذوفا فيكون على وجهين:
стр. 3835
أحدهما: أن يكون قد ناب منابه شيء، فلا يظهر.
الثاني: ألا ينوب منابه شيء، فيجوز أن يظهر، ويجوز أن تحذفه، فيكون ظاهرا إذا لم يكن معك ما يدل عليه، وإذا كان معك ما يدل عليه، ولم تكن الصفة تقوم مقامه- فانت بالخيار، إن شئت حذفته وإن شئت أظهرته. وإذا كانت الصفة تقوم مقامه فلا يجوز إظهار الفعل.
فمثال ما أنت فيه بالخيار أن تسمع إنسانا يقول لك: ما لقيت رجلا عالما، فتقول: رب رجل عالما لقيت، ولك ألا/ تذكر لقيت، فتقول: رب رجل عالم، وتكتفي بكونه جوابا. فإن كان ذلك منك ابتداء فلابد من إظهار الفعل. وأكثر ما تكون جوابا، وإذا كانت غير جواب فهي تقدير على ذلك، إلا أن الفعل يظهر لأ سامعك لا يعلم ذلك الفعل إذا حذفته.
ومثال ما يكون الفعل فيه لا يظهر لأن الصفة تقوم مقامه قولك: رب رجل يفهم هذه المسألة، لمن يقول لك: قد فهمتها، فالتقدير: رب رجل يفهم هذه المسألة وجدت، لكن مثل هذا لا يظهر. وبهذا كان الأستاذ أبو علي يتأول كلام س، وهو: "إذا قلت: رب رجل يقول ذلك، فقد أضفت القول إلى الرجل برب"،فكان يقول: إن يقول لا يصح أن يكون إلا صفة لرجل؛ لأن فعل المضمر لا يتعدى إلى ظاهره، فلابد من متعلق محذوف، إلا أنه لا يظهر، ونابت الصفة منابه، فلما كان كذلك قال س: إن رب وصلت يقول إلى رجل، وإن كانت إنما وصلت وجدت المحذوفة، ونابت يقول منابها"، انتهى ما نقلناه من كلام أبي الحسين.
فصارت المذاهب في الفعل المقدر عاملا في رب بالنسبة إلى الحذف خمسة: الندور، وهو مذهب س والخليل. والكثرة، وهو مذهب الفارسي. والمنع، وهو
стр. 3836
مذهب لكذة. ونقل صاحب "البسيط" عن بعضهم أنه يلزم الحذف، فقال: "وادعى بعضهم لزوم الحذف لأنه معلوم، كما حذف في: باسم الله، وتالله لأفعلن". والتفصيل، وهو ما ذهب إليه ابن أبي الربيع.
وقوله بل يلزم تصديرها إن عني أنه يلزم تصديرها علي ما تتعلق به علي ما تتعلق به علي ما زعم فهو صحيح، لا يوجد في كلامهم: لقيت رب رجل عالم. وإن عنى أنه يلزم تصديرها أول الكلام فقد بينا أن ذلك ليس بصحيح، وأنها قد وقعت خبراً ل "إن" ول "أن" المخففة من الثقيلة.
وقوله وتنكير مجرورها يعني أن ذلك ليس بصحيح، وأنها قد وقعت خبراً ل "إن" ول "أن" المخففة من الثقيلة.
وقوله وتنكير مجرورها يعني أنه إذا كان مجرورها ظاهراً فإنه يكون نكرة، سواء أكان معرباً أم مبنياً، نحو:
رب من أنضجت غيظاً صدره ................................
وزعم بعض النحويين أنها تجر الاسم المعرف بأل، فتقول: رب الرجل لقيت، وأنشدوا في ذلك قوله:
ربما الجامل المؤبل فيهم وعناجيج بينهن المهار بخفض الجامل.
وقال من منع ذلك: الرواية الجامل بالرفع علي أن تكون ما في موضع اسم نكرة، والجامل خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الجامل، والجملة في موضع الصفة ل "ما". وقد تقدم تخريج المصنف الرفع علي أنه مبتدأ، و "ما" كافة ل "رب".
قالوا: فإن صحت وراية الجر خرج علي زيادة أل، كأنه قال: ربما جامل مؤبلٍ فيهم، كما قالوا: إني لأمر بالرجل مثلك فأكرمه، أي: برجل مثلك.
стр. 3837
وقوله وقد يعطف علي مجرورها وشبهه مضاف إلي ضميريهما مثال ذلك: رب رجلٍ وأخيه رأيت. وشبه مجرورها هو المجرور بعد كم، نحو: كم عبد وأخيه أعتقت، وقال الشاعر:
وكم دون بيتك من مهمه ... وكداك رمل وأعقادها
وكذا أي وكل، قال:
فأي فتى هيجاء أنت وجارها ... ....................
وكذلك كل، قالوا: كل شاة وسخلتها بدرهم.
وشرط جواز ذلك أن يكون في العطف من التوابع، وأن يكون العطف بالواو خاصة. وزعم الفارسي أنه يجوز ذلك في البدل، وأنشد:
كأنهم صابت عليهم سحابه ... صواعقها "لطيرهن دبيب" جملة في موضع الصفة، والجملة نكرة وصفت بها المعطوف، فدخله حكم المعطوف عليه" انتهي.
ولا يثبت مثل هذا الحكم بهذا التأويل؛ لأن الأولي والظاهر أن يكون صواعقها مبتدأ لا بدلاً، و "لطيرهن دبيب" خبره، والجملة من "صواعقها" وخبره صفة لسحابة.
стр. 3838
وسوغ دخول رب المضاف إلي ضمير مجرورها لأن الإضافة غير محضة، فلم تتعرف النكرة بإضافتها إلي المعرفة، والعرب لا تحكم للمضاف إلي ضمير النكرة بحكم النكرة إلا بشرط أن يكون بعد لفظ يطلب بالتنكير، ك "رب" و "كل" و "أي" فيما ذكرنا، وشرط أن يكون المضاف إلي النكرة معطوفاً علي نكرة متقدمة معمولة ل "رب" و "كم" و "أي" و "كل".
وقال س: "وهو علي ج=وازه ضعيف". وحكى الأصمعي ما هو أشد من هذا، وهو مباشرة رب للمضاف إلي الضمير، قال: قلت لأعرابية: ألفلان أب أو أخ؟ قالت: رب أبيه، رب أخيه، تريد: رب أخ له، رب أب له، فجعلت إضافتهما إلي الضمير في نية الانفصال. ووجه ذلك أن الأخ والأب لما كانا من الأسماء التي يجوز الوصف بها قدر فيهما الانفصال، كما قالوا: مررت بفرس قيد الأوابد، إلا أن هذا من القلة بحيث لا يقاس عليه باتفاق. وكذلك: رب واحد أمه.
ولو كان العطف بالواو في غير رب وكل وأي وكم، نحو قولك: هذا رجل وأخوه، تريد به الانفصال، أي: وأخ له، ويكون الأخ نكرة- ففي ذلك خلاف، قبل: والصحيح أنه يجوز؛ لأنه قد يشترك المعطوف مع المعطوف عليه، فينسحب عليه حكم ما عطف عليه، إلا أنه لا يثبت بذكر مثل هذا نصاً كما يثبت برب وكم وأي وكل؛ لأن هذه لا تدخل إلا علي نكرات، فيتبين فيها نصاً التنكير، ولا يتبين في مثل: هذا رجل وأخوه
стр. 3839
-[ص: وقد تجر ضميراً لازماً تفسيره بمتأخرٍ منصوب علي التمييز مطابقٍ للمعني. ولزوم إفراد الضمير وتذكيره عند تثنية التمييز وتأنيثه أشهر من المطابقة.]-
ش: أجروا "ربه رجلاً" في الإضمار قبل الذكر علي شريطة التفسير مجرى نعم لتقارب معنييهما، من حيث كان ربه رجلاً يستعمل في الثناء والمدح، كما أن نعم رجلاً كذلك.
وقال الزجاج: "قولهم ربه رجلاً معناه: أقلل به في رجال، وإنما فعلوا ذلك لما في الإضمار قبل الذكر من الإبهام، والإبهام كثيراً ما يستعمل في موضع التعظيم" انتهي. ف "ربه رجلاً" أفخم وأمدح من: رب رجل.
وفي قول المصنف "وقد تجر" إشعار بأن ذلك قليل، بل قد نص في غير هذا الكتاب من مصنفاته أن جر رب المضمر شاذ.
والنحويون أوردوا ذلك علي سبيل الجواز وأنه فصيح لا شاذ ولا قليل، إلا إن كان عنى بالشذوذ شذوذ القياس، وبلقلة بالنسبة إلي جرها الظاهر، فهو صحيح؛ لأن القياس في مضمر الغائب أن يتقدمه مفسره، وجرها الظاهر النكرة أكثر من جرها الضمير.
وقد اختلفوا في هذا الضمير أنكرة هو أو معرفة: فذهب الفارسي وكثير من النحاة إلي أنه معرفة، وجرى مجرى النكرة في دخول رب عليه لما أشبهها في أنه غير معين ولا مقصود قصده.
وذهب بعض النحويين إلي أنه نكرة، وهو اختيار ابن عصفور، قال ما ملخصه: "ضمير النكرة معرفة إذا فسرته نكرة متقدمة عليها لنيابتها مناب
стр. 3840
المعرفة، نحو: لقيت رجلاً فضربته؛ لأنه نائب مناب: فضربت الرجل، فأضمروه فراراً من التكرار. فإن فسر بنكرة متأخرة فقد تضعه العرب موضع ظاهر معرفة، فيكون معرفة لوقوعه موقعها، نحو: نعم رجلاً زيد، فالضمير في نعم واقع موقع ظاهرٍ معرف بألٍ أو مضافٍ إلي ما هي فيه. وقد تضعه موضع موضع ظاهر نكرة، فيكون نكرة لوقوعه موقعها، وذلك: ربه رجلاً؛ لأن المخفوض ب (رب) إذا كان ظاهراً لا يكون إلا نكرة، وكأنك قلت: رب شيء، ثم فسرت الشيء الذي تريده بقولك رجلا" انتهى.
وقد خالف الفارسي في: نعم رجلاً زيد، فزعم أن المضمر فيه لا يجوز إظهاره، وأن قولك: نعم الرجل زيد- ليس إظهاراً للضمير الذي في: نعم رجلاً.
واستدل علي ذلك بقولهم: ربه رجلا، من جهة أن الضمير معرفة، فلو كان واقعاً موقع الظاهر لوجب أن يكون ذلك الظاهر معرفة، و "رب" لا تعمل في المعارف. وما ذهب إليه الفارسي من كون هذا الضمير معرفة هو الجاري علي مهيع النجاة من أن الضمير معرفة.
وقوله لازماً تفسيره هذا التفسير مخالف لتفسير الضمير في نعم؛ لأنه في نعم قد روي حذفه لدلالة الكلام عليه، وهنا لا يجوز حذفه، لو قيل ذلك: هل رأيت رجلاً عالماً؟ لم يجز أن تقول: ربه، وأنت تعني: ربه رجلاً عالماً رأيت.
وقوله بمتأخر منصوب قال:
ربه امرأ بك نال أمنع عزةٍ ... وغنى بعيد خصاصة وهوان
ونصب هذا التمييز هو المعروف في لسان العرب، وقد سمع جره، قال:/
стр. 3841
واهٍ رأبت وشيكاً صدع أعظمه وربه عطب أنقذت من عطبه ووجه الجر أنه نوى من، كأنه قال: وربه من عطب، كما قالوا: نعم من رجل، وذلك علي سبيل الشذوذ، لا أنه جائز في الكلام.
وقوله مطابقاً للمعنى أي: مطابق للذي يقصده المتكلم من إفراد وتذكير وغيرهما، فليس مطابقاً للفظ الضمير؛ لأن لفظ الضمير مفرد مذكر، والتمييز مطابق لما يريده من المعنى بالنسبة إلي التأنيث والتثنية والجمع.
وقوله ولزوم إفراد الضمير إلي آخره مذهب البصريين أن الضمير مفرد مذكر وإن كان مميزاً بمؤنث أو مثنى أو مجموع؛ فتقوله: ربه رجلاً، وربه رجلين، وربه رجالاً، وربه امرأة، وربه امرأتين، وربهن نساءً.
قال ابن عصفور: "وأجاز أهل الكوفة تثنية وجمعه قياساً، وذلك عندنا لا يجوز؛ لأن العرب استغنت بتثنية التمييز وجمعه عنه، كما استغلوا بترك عن وذر وودع" انتهى.
ولم يجتزه الكوفيون قياساً، بل حكوه عن العرب. ومثال قولهم ربه رجالاً قول الشاعر:
ربه فتية دعوت إلي ما يورث الحمد دائماً، فأجابوا
стр. 3842
ومن ذهب إلى أن مجرور رب النكرة لابد له من الوصف لم يذهب إلي ذلك في: ربه رجلاً. وسبب ذلك فيما ذكره ابن أبي الربيع أنه استغنى بما دل عليه الإضمار من التفخيم عن الوصف، فصار قولك ربه رجلاً بمنزله رب رجلٍ عظيمٍ لا أقدر علي وصفه.
وما يتعلق به ربه رجلاً حكمه عندي حكم رب رجل من ان حذفه ينبغي أن يكون ناداً؛ إذ ظاهر قوله "ربه امرأ" وما رووا أيضاً من قوله "وربه عطباً أنقذت من عطبه" بالنصب والجر، وقوله "ربه فتية" الأبيات- فيه ذكر الفعل الذي تتعلق به رب.
وزعم ابن أبي الربيع أن حذف هذا الفعل في ربه رجلاً لازم، قال: "يحتاج إلي ما تتعلق به رب في ربه رجلاً كما تحتاج: رب رجل، وما تتعلق به محذوف، تقديره علي حسب ما يكون جواباً له، إلا أنه لا يظهر؛ لأن الحذف في رب رجلٍ عالمٍ أكثر من الإظهار، فلزم في ربه رجلاً لما فيه من زيادة التعظيم".
-[ص: قد يلي عند غير المبرد "لولا" الامتناعية الضمير الموضوع للنصب والجر والمجرور الموضع عند سيبويه؛ مرفوعه عند الأخفش والكوفيين.
ويجر ب "لعل" و "عل" في لغة عقيل، وب "متى" في لغة هذيل.]-
ش: المشهور أنه إذا ولي لولا الامتناعية ضمير أن يكون ضمير رفع منفصلاً؛ لأنه ناب مناب الظاهر، والظاهر مرفوع، فوجب أن يكون/ ضمير رفع، قال تعالى: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾. والخلاف فيه كالخلاف
في
стр. 3843
الظاهر، أهو مرفوع بلولا، أو مرفوع بفعل محذوف، أو مبتدأ أغنى الجواب عن خبره، أو خبره محذوف لزوماً، أو فيه تفصيل.
وقوله عند غير المبرد زعم أن ذلك لحن، وأن النحويين أخذوا ذلك من قوله يزيد بن الحكم، وقد أنشده س.
وكم موطن لولاي طحت كما هوى ... بأجرامه من قلة النيق منهوي
قال: "وهذه القصيدة فيها لحن كثير".
قال الأستاذ أبو علي: "اتفق أئمة البصريين والكوفيين، كالخليل وسيبوبه، والكسائي والفراء- علي رواية لولاك عن العرب؛ فإنكار المبرد هذيان، وإن يكن يزيد بن الحكم لحاناً كما قال فقد قال رؤبه:
لولاكما لخرجت نفساهما"
انتهى.
стр. 3844
وأنشد الفراء: أتطمع فينا من أراق دماءنا ... ولولاك لم يعرض لأحسابنا حسن
وأنشد أيضاً:
...................... ... لولاك هذا العام لم أحجج
وقال الأخطل:
أستمعتكم يوم ادعو في موداة ... ولاكم شاع لحمي عندها ودمي وقال آخر:
ويوم بجي تلافيته ... ولولاك لاصطلم العسكر
стр. 3845
وقال جحدر:
خليلي! إن العارمي لعارم ... ولولاه ما قلت لدي الدراهم
ويحتمل أن يكون "ولولاه" من باب:
فبينا هـ يشري ................... ......................
أي: فبينا هو يشري. فأما قوله:
ولولا هم لكنت كحوت بحرٍ ... هوى في مظلم الغمرات داج
فيحتمل "هم" أن يكون ضمير رفع وضمير جر؛ لأن "هم" ضمير يكون مرفوعاً ومنصوباً ومجروراً. وعلي هذه اللغة تقول: لولاي ولولانا، ولولاك ولولاك ولولاكما ولولاكم ولولاكن، ولولاها ولولاهما ولولاهم ولولاهن.
وقول الامتناعية احتراز من "لولا" التحضيضية، فإن التحضيضية لا يليها غلا الفعل ظاهراً أو مضمراً أو معموله.
وقوله مجرور الموضع عند سيبويه لأن هذا الضمير لا جائز أن يكون منصوباً؛ لأنه لو كان منصوباً لجاز أن توصل بنون الوقاية ياء المتلكم كالضمائر المتصلة بالحروف، ولا جائز أن يكون مرفوعاً؛ لأنها ليست من ضمائر الرفع، فتعين الجر.
стр. 3846
وقوله مرفوعه عند الأخفش والكوفيين/ ذهبوا إلي أنه مما استعير الضمير المجرور عوضاً عن الضمير المرفوع، كما عكسوا في قولهم: ما أنا كأنت، ولا انت كأنا. وفي هذا المذهب إقرار "لولا" علي ما استقر فيها من مجيء المرفوع، كما عكسوا في قولهم: ما أنا كأنت، ولا أنت كأنا. وفي هذا المذهب إقرار "لولا" علي ما استقر فيها من جيء المرفوع بعدها، ويترجح بهذا وبأن الضمير فرع عن الظاهر، وإذا لم تجر الاصل فكيف تجر الفرع، وبانك لو جعلتها حرف جر احتاجت إلي شيء تتعلق به، ولا شيء تتعلق به، ولأن مدلول لولا أنت ولولاك واحد، وفي لولا أنت يكون الكلام جملتين، وفي لولاك يكون الكلام جملة واحدة.
وقال المصنف في الشرح: "وفي ذلك- أي في الجر مع شذوذه- استيفاء حق ل (لولا)، وذلك أنها مختصة يالاسم غير مشافبهة للفعل، ومقتضي ذلك أن تجر الاسم مطلقاً، لكن منع من ذلك شبهها بما اختص بالفعل من أدوات الشرط في ربط جملة بجملة، وأرادوا التنبيه علي موجب العمل في الأصل، فجروا بها المضمر المشار إليه" انتهى.
وقوله "إنها مختصة بالاسم" ليس كذلك؛ لأنها إنما هي داخلة علي الجملة الابتدائية، فلم تختص بالاسم، وإذا لم تكن مختصة بالاسم فليس مقتضى ذلك أن تجر الاسم كما ذكر.
وإذا قلنا بأن الضمير في لولاك وشبهه مجرور لولاك فذكر بعضهم أنها لا تتعلق بشيء، وهو مشكل؛ لأن حرف جر ليس بزائد لابد أن يتعلق.
وذهب بعضهم إلي أنها تتعلق بفعل واجب الإضمار، فإذا قلت: لولاي لكان كذا- فالتقدير: لولاي حضرت، فألزقت ما بعدها بالفعل علي معناها من امتناع الشيء، ولا يجوز أن يعمل فيها الجواب؛ لأن ما بعد اللام لا يعمل فيها قبلها.
انتهى.
стр. 3847
وكأنه لما رأى أن لولا إذا ارتفع ما بعدها كان الخبر واجب الإضمار جعل الفعل الذي تتعلق به لولا واجب الإضمار. وما ذهب إليه فاسد لأن في ذلك التقدير تعدي الفعل الرافع للضمير إلي مضمره المجرور، وهو يجري مجرى المنصوب، فلا يجوز: في فكرت، ولا يجوز: لولاي حضرت.
والذي يظهر أنها لا تتعلق بشيء؛ ألا ترى أن لعل إذا جرت لا تتعلق بشيء، ولا يلزم من عمل الحرف الجر أن يتعلق بشيء وغن كان الغالب التعلق؛ ألا ترى أن الزائد لا يتعلق بشيء، فكذلك بعض الحروف التي ليست بزائدة، والعمل إنما هو تأثير لفظي، فجاز أن يكون المجرور بعد لولا كالمرفوع؛ ألا ترى أن الفراء ذهب إلى أن المرفوع بعد لولا هو مرفوع بها، فكذلك يكون مجروراً بها، ولا يحتاج إلي تقدير، كما لا يحتاج المرفوع عند الفراء إلي تقدير شيء محذوف.
وقوله ويجر بلعل وعل في لغة عقيل تقدم له الكلام في ذلك في آخر الفصل الرابع من باب إن وأخواتها، وذكرنا أن بعض النحويين أنكر ذلك، وتأول قول الشاعر:
.............................. لعل أبي المغوار منك قريب
والصحيح ثبوت ذلك لغة، حكاها الاخفش والفراء، وذكر أبو زيد أنها لغة عقيل./ وقد قال أبو موسى الجزولي في "قانونه": "وقد جروا بلعل منبهة على الأصل".
стр. 3848
وقوله وبمتى في لغة هذيل أما متى فإنها ظرف زمان، وتكون شرطاً واستفهاماً، ونقل بعضهم أن متى تكون بمعنى وسط، فتجر ما بعدها، وحكى: وضعها متى كمه، أي: وسط كمه.
وقال أبو سعيد السكري: "متى بمعنى من"، ولم ينسبها لهذيل، وأنشد لأبي ذؤيب: شربن بماء البحر، ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج وأنشد أيضاً لغيره:
متى ما تعرفوها تنكروها ... متى أقطارها علق نفيث
قال أبو سعيد: "أي: من لجج، ومن أقطارها" انتهى.
ويحتمل أن تكون هنا في البيتين بمعنى وسط، فتبقى علي ما استقر فيها من الظرفية وإن لم تكن شرطاً ولا استفهاماً.
وقال المصنف في الشرح: "وأما متى فهمي في لغة هذيل حرف جر بمعنى من، ومنه قول الشاعر:
شربن بماء البحر ...................... ... ................................... "
البيت.
قال: "ومن كلامهم: أخرجها متى كمه، أي: من كمه".
стр. 3849
-[ص: فصل
في الجر بحرف محذوف
يجر برب محذوفة بعد الفاء كثيراً، وبعد الواو أكثر، وبعد بل قليلاً، ومع التجرد أقل. وليس الجر بالفاء وبل باتفاق، ولا بالواو، خلافاً للمبرد ومن وافقه.]-
ش: مثال الجر بعد الفاء قول امرئ القيس:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعاً ... فألهيتها عن ذي تمائم مغيل وقول ربيعة بن مقروم:
فإن أهلك فذي حنق لظاه ... يكاد علي يلتهب التهابا
وقول بعض طيئ:
إن يثن سلمى ابيضاض الفود عن صلتي ... فذات حسن سواها دائماً أصل
وقول الهذلي:
فإما تعرضن- أميم- عني ... وينزعك الوشاة أولو النباط
فحورٍ قد لهوت بهن عينٍ ... نواعم، في المروط وفي الرياط
стр. 3850
وقوله وبعد الواو أكثر هذا لا يحتاج إلي مثال؛ لأن دواوين العرب ملأى منه.
وقول المصنف يجر برب محذوفة بعد الفاء كثير، بل هو قليل، يكاد ألا يوجد منه إلا هذا الذي أنشدناه.
ومصال ذلك بعد بل قول الراجز:
بل جوز تيهاء كظهر الحجفت
/وقول الآخر:
بل بلد ملء الفجاج قتمه ... لا يشترى كتانه وجهرمه
/وقوله الآخر:
بل بلد ذي صعد وأصباب
وقوله ومع التجرد أقل يعني: ومع التجرد من الفاء والواو وبل، ومثاله قول
ذي الرمة:
أصهب، يمشي مشية الأمير ... لا أوطف الرأس ولا مقرور
وقول الآخر:
стр. 3851
رسم دار وقفت في طلله ... كدت اقضي الغداة من جلله
أي: رب أصهب، ورب رسم دارٍ.
وقوله وليس الجر بالفاء وبل بالاتفاق قال المصنف في الشرح: "ولا خلاف في أن الجر في (فذي حنقٍ)، و (بل بلدٍ)، و (رسم دارٍ)، وأشباهها- برب المحذوفة" انتهى. زقال ابن عصفور: "ولم يختلف أحد من النحويين في أن الخفض بعد الفاء وبعد بل بإضمار رب". فعلى هذين النقلين يظهر وهم من عد الفاء وبل في حروف الجر، وأن الجر بها لنيابتها مناب رب.
وذكر صاحب "كتاب الكافي" أنه لا يعلم خلافاً بين النحويين في أن الجر بعد الفاء برب مضمرة لابالفاء. وذكر أن العرب تحذفها، وتبقي عملها بعد واو العطف، ولا يجوز إظهارها بعدها، قال: "وقد أجرت العرب الفاء مجرى الواو، فحذفت بعدها رب". قال: "وقد حذفت قليلاً بعد ثم، والأصل في هذا كله واو، والعرب أقامتها مقام رب في الموضع الذي ذكرت، ثم أجرت العرب الفاء مجرى الواو، وكذلك أجرت العرب ثم. وسبب ذلك أن هذه الثلاثة من حروف العطف ليست بجامعة إلا في اللفظ".
وقوله ولا بالواو خلافاً للمبرد قال المبرد: الواو بمنزلة رب، والخفض بها، ولا ينكر أن يكون للحرف الواحد معان كثيرة. ويدل علي أنها ليست للعطف مجيئها في أول القصيدة، نحو قوله:
стр. 3852
وقاتم الأعماق خاوي المخترق
ووافق المبرد لعض الكوفيين.
ورد ذلك بأنها لو كانت بمنزلة رب، ولا تقول: ووخصم، وليس امتناع ذلك كراهة اتفاق اللفظين؛ لأنهم قد قالوا: ووالله، فأدخلوا واو العطف علي واو القسم. وبأنها قد أضمرت بعد الفاء وبل وثم، ولم يختلفوا أن الجر بها لا بهذه الحروف، فللواو أسوة بها. ولا يمنع كونها للعطف مجيئها في أوائل القصائد؛ لإمكان إسقاط الراوي شيئاً قبلها من القصيدة، أو لإمكان عطفه علي ما في خاطره مما يناسب ما عطف عليه، ومثال ذلك قول زهير: دع ذا، وعد القول في هرم .....................................................
العرب تنشد هذه القصيدة، وأولها عندهم: دع ذا، ولا يعرفون قبلها شيئاً، فهذا قد أشار ب "ذا" إلي شيء في نفسه؛ إذ كانوا يستفتحون القصائد بذكر شيء من الغزل وذكر الأطلال وغير ذلك مما يجري في أوئل/ قصائدهم. ومن العرب من يجعل أول قصيدة زهير.
دع ذا، وعد القول في هرم ... .......................................................
العرب تنشد هذه القصيدة، وأولها عندهم: دع ذا، ولا يعرفون قبلها شيئاً، فهذا قد أشار ب "ذا" إلي شيء في نفسه؛ إذ كانوا يستفتحون القصائد بذكر شيء من الغزل وذكر الأطلال وغير ذلك مما يجري في أوائل /قصائدهم. ومن العرب من يجعل أول قصيدة زهير:
لمن الديار بقنة الحجر ... .............................................................
والحجة في رواية من روى أولها: "دع ذا وعد القول في هرم". وإضمار رب بعد الواو والخفض بها مضمرة مذهب البصريين.
стр. 3853
-[ص: ويجر بغير رب أيضاً محذوفاً في جواب ما تضمن مثله، أو في معطوف على ما تضمنه بحرف متصل، أو منفصل ب "لا"، أو "لو"، أو في مقرون بعد ما تضمنه بالهمزة، أو "هلا"، أو "إن" أو الفاء الجزائيتين. ويقاس علي جميعها، خلافاً للفراء في جواب نحو: بمن مررت؟]-
ش: هذه مسائل ذكرها المصنف، وزعم أنه يجوز حذف حرف الجر فيها وإبقاء عمله. مثال الأولى: زيد، في جواب من قال: بمن مررت؟ قال: "ومنه قوله- ﵇: (أقربهما منك باباً)، جواباً لمن قال له: فإلى أيهما أهدي؟ وكذلك: بلى زيد، لمن قال: ما مررت بأحد، أو هل مررت بأخذ؟ ".
ومثال الثانية قوله تعالى: ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، وفي آخر الآية قوله: ﴿آيَات﴾، فجر ﴿اخْتِلافِ﴾ ب "في" لاتصاله بالواو لتضمن ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ﴾ لفظ في. ونظيره: في الدار زيد والقصر عمرو، أي: وفي القصر. ومثله قول الشاعر:
ألا يا لقومي، كل ما حم واقع ... وللطير مجرى، والجنوب مصارع
стр. 3854
وقول الآخر:
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
وقول الآخر:
كالتمر أنت إذا ما حاجة عرضت ... وحنظل كلما استغنيت خطبان
وقول الآخر:
حبب الجود للكرام، فحمدوا ... وأناسٍ فعل اللئام فليموا
وقول الآخر:
لك مما يداك تجمع ما تن ... فقه، ثم غيرك المخزون
وقال المصنف في الشرح: "ومن شواهد إضمار الجار في العطف بغير الواو
قول الشاعر:
أية بضمرة أو عوف بن ضمرة أو ... أمثال ذينك، أية تلف منتصرا"
قال: "أراد: أو بأمثال ذينك اية".
ولا يتعين ما قال؛ إذ يحتمل أن يكون "أو أمثال ذينك" معطوفاً علي ما قبله، و "أيه" توكيد لقولك "أيه" المتقدمة.
стр. 3855
ومثال الثالثة قول الراجز:
ما لمحب جلد إن هجرا ... ولا حبيب رأفة فيحبرا
ومثال الرابعة قول الشاعر:
متى عذتم بنا ولو فشة منا ... كفيتم، ولم تخشوا هواناً ولا هنا
وحكى الأخفش في "المسائل" أنه يقال: جئ يزيد أو عمرو ولو كليهما، وأجاز في كليهما الجر علي تقدير: ولو بكليهما، والنصب بإضمار ناصب، والرفع بإضمار رافع.
قال المصنف في الشرح: "وأجود من هذا المثال الذي ذكر الأخفش أن يقال: جئ يزيدٍ وعمروٍ ولو احدهما؛ لأن المعتاد في مثل هذا النوع من الكلام ان يكون ما بعد لو أدنى مما قبلها في كثرة وغيرها، /كقول النبي- صلي الله عليه وسلم-: (التمس ولو خاتماً من حديد)، وكقولهم: اثنتي بدابة ولو حماراً". وجوز س الجر علي ضعف.
ومثال الخامسة: يقال: مررت بزيد، فتقول: أزيد بن عمرو؟
ومثال السادسة: يقال: جئت بدرهم، فتقول: هلاً دينار. حكاهما الأخفش في "المسائل"، قال: وهذا كثير.
ومثال السابعة قولهم: مررت برجل صالح غلا صالح فطالح، علي تقدير: إلا أمر بصالح فقد مررت بطالح، حكاه يونس، وأجاز: امرر بأيهم هو أفضل إن
следующие страницы →