Полный текст (3 950 стр.). Показаны 3921–3950 · переход к 3926.
стр. 3921
وأنشده الأستاذ أبو علي "وإن أخاكم لم يضهد"، وأنشده غيره "لم يقصد"، وأنشد قبله:
ولأثأرن بمالكٍ وبمالكٍ ... وأخي المروراة الذي لم يسند
وقال آخر:
وهم الرجال، وكل ملك منهم ... تجدن في رحبٍ وفي متضيق
وقال آخر:/
ليت شعري! وأشعرن، إذا ما قربوها منشورة، ودعيت
وقال آخر:
فليأزلن، وتبكأن لقاحه ... ويعللن وليده بسمار
وقد اعتل الفارسي في "تذكرته" لعدم دخول إحدى النونين مع السين
стр. 3922
وسوف حين يتقدم المعمول، نحو ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾، ومع "قد" علي المنفي ب "لا"- بما ملخصه: "أن كلا من السين وسوف ولا تخلص الآتي من فعل الحال، فاستغنى عن النون إذ هي مخلصة أيضاً، وبأن قد حرف غير عامل كالسين وإن كانت قد خالفتها في أنها لا تدل علي الاستقبال" انتهى. ويعني أن "قد" حرف مختص بالفعل، جعل كالجزء منه كالسين.
وقوله وقد تؤكد المنفي ب "لا" قال المصنف في الشرح: "إن كان المضارع المجاب به القسم منفياً لم يؤكد بالنون إلا إن كان نفيه ب "لا"، فحينئذ قد يؤكد بها، كقول الشاعر:
تالله لا يحمدن المرء محتنبا ... فعل الكرام وإن فاق الورى حسبا
والأكثر الا يؤكد، كقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ " انتهى.
ولو حذفت "لا" كان كإثبات في تأكيد الفعل بنون، كما قال الشاعر:
بإصر يتركني ................... ... ..........................
وقوله ويكثر إلي قوله مع حذفه مثاله قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾، وقال حسان:
стр. 3923
أقسمت أنساها، وأترك ذكرها ... حتى تغيب في الضريح عظامي
ولو كان الفعل المنفي ب "لا" مركداً بالنون لم يجز حذف "لا" لإلباسه بالمثبت؛ بل الذي يتبادر إلي الذهن هو الإثبات.
وقد أطلق المصنف في نافي المضارع المجرد مع ثبوت القسم، ولا يخلو من ان يكون النافي "لا" أو "ما"، فإن كان "لا" فالحكم كما ذكر، وإن كان "ما" فمن النحويين من أجاز حذفهما حملاً علي "لا"، ومن النحويين من منع ذلك لعدم ورود السماع به، ولما فيه من اللبس؛ لأنه لا يعلم إذا حذفت هل القسم علي النفي في الحال أو في المستقبل.
ومثال حذف "لا" والقسم محذوف قول الشاعر:
وقولي إذا ما أطلقوا عن بعيرهم ... تلاقونه حتى يؤوب المنخل
أراد: والله لا تلاقونه. إلا أنه لا يجوز حذفها والقسم محذوف غلا إذا كان المعنى لا يصح إلا بتقدير النفي، كالبيت الذي أنشدناه، هكذا قال المصنف، وفهم ان قبل "تلاقونه" قسماً محذوفاً.
وقال بعض اصحابنا: "ولا يجوز حذفها منه- أي حذف/ لا من المضارع- في غير القسم إلا في ضرورة؛ لأنه لا يوجد فيه من كثرة الاستعمال والتفرقة اللازمة بين الإيجاب والنفي ما يوجد في القسم. ومما جاء من ذلك قول النمر بن تولب:
وقولي إذا ما أطلقوا .............. .....................................
البيت. يريد: لا تلاقونه. وقول الآخر:
стр. 3924
تنفك تسمع ما حييت بهالك حتى تكونه
يريد: لا تنفك" انتهى. فلم يجعل تلاقونه ولا تنفك جواب قسم محذوف.
وقوله وقد يحذف نافي الماضي إن أمن اللبس مثاله قول أمية بن أبي عائذ الهذلي:
فإن شئت آليت بين المقا ... م والركن والحجر الأسود
نسيتك ما دام عقلي معي ... أمد به أمد السرمد
قال المصنف في الشرح: "أراد: لا نسيتك، فحذف النافي لأن المعنى لا يصح إلا بتقديره، وأنه لو أراد الإثبات لقال: لقد نسيتك، أو لنسيتك. وهذا النوع مع ظهور المعنى دون تقدم نفيٍ آخر علي القسم قليل" انتهى.
وقال بعض أصحابنا: إن دخلت علي لفظ الماضي، نحو قولك: والله لا فعلت هذا أبداً- لم يجز حذفها إلا في ضرورة، لا يجوز ان يقال في الكلام: والله فعلت هذا أبداً. ومما جاء في الضرورة قوله:
فلا وأبي دهماء زالت عزيزة ... علي قومها ما فتل الزند قادح
يريد: فلا وأبي دهماء لا زالت عزيزة.
وزعم الكوفيون أن "لا" غير محذوفه في البيت، وإنما هى مقدمة من تأخير، والتقدير: فوأبي دهماء لا زالت عزيزة.
وما ذهبوا إليه باطل؛ لأن الحروف التي يتلقى بها القسم لا يجوز تقديمها علي القسم. ومما يدلك علي أن "لا" محذوفة في البيت رواية من روى:
لعمر أبي دهماء زالت عزيزة ... ...................................................
стр. 3925
وقوله ويكثر ذلك لتقدم نفي علي القسم أي: ويكثر حذف نافي الماضي، قال:
فلا والإله نادى الحي ضيفي ... هدوا بالمساءة والعلاط
أي: فلا والإله لا نادى، فحذف الثاني استغناء عنه بالأول. وقد يجتمعان، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾، وكقول أبي ذر: (فلا والله لا أسألهم دنيا، ولا أستفتيهم عن دين).
وقوله وقد يحذف لأمن اللبس نافي الجملة الاسمية مثاله قول الشاعر:
فوالله ما نلتم، وما نيل منكم ... بمعتدل وفق ولا متقارب
أراد: ما ما نلتم، فحذف "ما" النافية، وأبقى "ما" الموصولة، وجاز ذلك لدخول الباء الزائدة/ في الخبر ولدلالة العطف.
ويجوز علي مذهب الكوفيين أن تكون "ما" الباقية النافية والمحذوفة الموصولة، ولا يجوز هذا علي مذهب البصريين؛ لأنهم لا يجيزون بقاء الصلة بلا موصول في اللفظ وغن دل عليه دليل، قاله المصنف في الشرح.
стр. 3926
ونصوص أصحابنا علي أن "ما" و"إن" النافية إذا دخلتا علي الجملة الاسمية لا يجوز حذف واحدة منهما؛ فلا يجوز في: والله ما زيد قائم، ولا: والله إن زيد قائم، أن تقول: والله زيد قائم.
وقوله وقد يكون الجواب قسماً مثاله قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾، التقدير: والله ليحلفن.
منع بعض أصحابنا أن يكون القسم جواباً للقسم، قال: لأن القسم لا يدخل علي القسم، قال ذلك في لعمرك، وقد تقدم.
-[ص: ولا يخلو دون استطالة الماضي المثبت المجاب به من اللام مقرونة ب "قد" أو "ربما" أو "بما" مرادفتها إن كان متصرفاً، وإلا فغير مقرونة، وقد يلي "لقد" و "لبما" المضارع الماضي معني، ويجب الاستغناء باللام الداخلة علي ما تقدم من معمول الماضي كما استغني بالداخلة علي ما تقدم من معمول المضارع.]-
ش: قال "دون استطالة" لأنه إذا كان ثم استطالة جاز حذف اللام، كقوله تعالي: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ﴾، وهو جواب لقوله ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾، وقوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ جواب ﴿وَالشَّمْسَ﴾.
ولا يحتاج إلي هذا القيد، فقد جاء في كلام الفصحاء حذف هذه اللام وإبقاء "قد"، قال الشاعر، وهو زهير:
стр. 3927
تالله قد علمت قيس إذا قذفت ... ريح الشتاء بيوت الحي بالعنن
أن نعم معترك الحي الجياع إذا ... خب السفير ومأوى البائس البطن
وقال أيضاً:
تالله قد علمت سراة بني ... ذبيان عام الحبس والأصر
أن نعم معترك الجياع إذا ... خب السفير وسابئ الخمر
واحتراز بقوله "المثبت" من المنفي، فإنه لا تدخله اللام إلا اضطراراً، وتقدم ذكره، ولا ينفى إلا ب "ما" و "إن"، ولا يجوز نفيه ب "لا"؛ لأن "لا" لا ينفى بها الماضي في غير القسم إلا في قليل من الكلام أو في ضرورة شعر، فلم يسمع لذلك نفي الماضي بها في القسم إلا أن يكون الماضي واقعاً موقع المستقبل، فيجوز أن ينفى ب "لا" رعيا لمعناه، فتقول: والله لا فعلت كذا أبداً، أي: لا أفعل.
وقوله مقرونة بقد مثاله ﴿تالله لقد ءاثرك الله﴾. وظاهره أنك مخير أن تأتي ب "قد" وحدها أو اللام. وغيره يقول: ويجوز أن تصل اللام بقد إذا كنت مخاطباً لمن يتوقع خبرك، فتقول: والله لقد قام زيد.
ومثال اقتران اللام بربما قول الشاعر:/
لئن نزحت دار لليلى لربما ... غنينا بخير، والديار جميع
وقوله أو ب "ما" مرادفتها انشد شاهداً علي ذلك قول عمر بن أبي ربيعة:
فلئن بان أهله ... لبما كان يؤهل
وتقدم لنا الكلام في نظائر هذا البيت في حروف الجر عند قوله "وكذا بعد رب والباء، وتحدث في الباء المكفوفة معنى التقليل".
стр. 3928
وملخص ما ذكرناه أن ثم بعد اللام فعلاً محذوفاً لدلالة ما قبله عليه، وتقديره في هذا البيت: لبان بما كان يؤهل، فاللام دخلت علي ذلك الفعل المحذوف، والباء سببية، و "ما" مصدرية، فعلى هذا لا تكون "لبما" بمعنى ربما.
وقوله إن كان متصرفاً احتراز من ان يكون جامداً، فإنه لا يقرن ب "قد" ولا ب"ربما" ولا ب "ما"، ولا كان غبر متصرف، فتقول: والله لقام زيد، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾، وفي الحديث من كلام امرأة من غفار (والله لنزل رسول الله- صلي الله عليه وسلم- إلي الصبح فأناخ)، وفي حديث سعيد بن زيد: "أشهد لسمعت رسول الله- صلي الله عليه وسلم- يقول: (من اخذ شبرا من الأرض ظلماً) " الحديث، وقال الشاعر:
لكلفتني ذنب امرئ، وتركته ... كذي العر، يكوى غيره، وهو راتع
وحكى س، "والله لكذب". ولا يجوز حذف اللام و "قد"، فتقول: والله كذب.
وفصل ابن عصفور، فقال: "إن كان قريباً من زمان الحال أدخلت عليه
стр. 3929
اللام وقد، فقلت: والله لقد قام زيد؛ لأن قد تقربه من زمان الحال. وإن كان بعيداً أتيت باللام وحدها، فقلت: والله لقام زيد، قال:
حلفت لها بالله حلفة فاجرٍ ... لناموا، فما إن من حديث ولا صال
ومن النحويين من ذهب إلي أنها لابد أن تصحبها "قد" ظاهرة أو مقدرة، وقاسها علي اللام الداخلة علي خبر إن، فكما لا تدخل تلك علي الماضي كذلك لا تدخل هذه".
ورد ذلك بأن لام إن قياسها ألا تدخل علي الخبر إلا إذا كان هو المبتدأ في المعنى، نحو: إن زيداً لقائم، أو مشبهاً بما هو المبتدأ في المعنى، نحو: إن زيداً ليقوم؛ وذلك أنه لما تعذر دخولها علي المبتدأ دخلت علي ما هو المبتدأ في المعنى أو ما هو مشبه به، وليست كذلك اللام التي في جواب القسم.
قال ابن عصفور: "وأيضاً فغن قد تقرب من زمان الحال، فإذا /أردنا القسم علي الماضي البعيد من زمن الحال لم يجز الإتيان بها".
وقوله وقد يلي لقد ولبما المضارع الماضي معنى مثال "لقد" قوله:
لئن أمست ربوعهم يبابا ... لقد بدعو الوفود لها وفودا
ومثال "لبما" قوله:
فلئن تغير ما عهدت .... ... .............................
البيتان.
стр. 3930
وتقدم لنا تأويل لبما.
وقوله ويجب الاستغناء باللام الداخلة علي ما تقدم من معمول الماضي مثاله قول أم حاتم:
لعمري لقدما عضني الجوع عضة ... فآليت ألا أمنع الدهر جائعا
وقوله في مثل هذا "إنه استغناء باللام" ليس استغناء، بل هذه اللام هي الداخلة علي الماضي، فصل بينهما بمعموله.
وقوله كما استغني بالداخلة علي ما تقدم من معمول المضارع قال المصنف في الشرح: "وقد اجتمع في قول عامر بن قدامة:
فلبعده لا اخلدن، وما له بدل إذا انقطع الإخاء، فودعا شذوذان: أحدهما عدم الاستغناء بتقدم اللام عن النون، والثاني دخولها علي جواب منفي، فلو كان مثبتاً لكان دخولها عليه مع تقدم اللام اسهل" انتهى. يعني لو قيل: زيد والله لبعده أقوم- كان أسهل.
ص: وإذا توالى قسم وأداة شرط غير امتناعي استغني بجواب الأداة مطلقاً إن سبق ذو خبر؛ وإلا فبجواب ما سبق منهما، وقد يغني حينئذ جواب الأداة مسبوقة بالقسم.
وقد يقرن القسم المؤخر بفاء، فيغني جوابه. وتقرن أداة الشرط المسبوقة بلام مفتوحة تسمى الموطئة، ولا تحذف والقسم محذوف إلا قليلاً. وقد يجاء ب "لئن" بعد ما يغني عن الجواب، فيحكم بزيادة اللام.
стр. 3931
ش: كرر المصنف مسألة توالي القسم وأداة الشرط في الفصل الأول من "باب عوامل الجزم" فقال: "وإن توالى شرطان أو قسم وشرط استغني بجواب سابقهما، وربما استغني بجواب الشرط عن جواب قسم سابق، ويتعين ذلك إن تقدمهما ذو خبر أو كان حرف الشرط لو أو لولا" انتهى ما ذكر في هذه المسالة في ذلك الفصل، وكنا شرحناه في "كتاب التكميل لشرح كتاب التسهيل"، ونحن نتكلم علي ما ذكر هنا، وغن كان قد تكلمنا عليه هناك، فلعلنا نأتي بمزيد في الشرح، فنقول:
قوله غير امتناعي هو قوله هناك "أو كان حرف الشرط لو أو لولا"، ومذهبه في ذلك انه يستغنى بجواب لو ولولا فالجواب للقسم، وجواب لو ولولا محذوف /لدلالة جواب القسم عليه.
وقوله مطلقاً إن سبق ذو خبر يعني أن الجواب لأداة الشرط سواء أتقدم القسم علي الشرط عليه إذا تقدمهما ذو خبر؛ وهو قوله هناك: "ويتعين ذلك- أي الاستغناء بجواب الشرط- إن تقدمهما ذو خبر". وتمثيل ذلك: زيد والله إن يقم أقم معه، وزيد إن يقم والله أقم معه.
وذكر غيره ان ذلك ليس علي سبيل التعيين بل علي سبيل الجواز، فيحوز أن تقول: زيد والله إن قام يقم عمرو، وزيد والله إن قام ليقومن عمرو.
وقال المصنف في الشرح: "فإن تقد عليهما ذو خبر استغني بجواب الشرط، تقدم علي القسم أو تقدم القسم عليه. وكان الشرط حقيقاً بأن يغني
стр. 3932
جوابه مطلقاً لأن تقدير سقوطه مخل بالجملة التي هو منها، وتقدير سقوط القسم غير مخل لأنه مسوق لمجرد التوكيد، والاستغناء عن التوكيد سائغ، ففضل الشرط بلزوم الاستغناء بجوابه مطلقاً إذا تقدم عليه وعلي القسم ذو خبر".
وقوله وإلا فبجواب ما سبق منهما وهذا هو قوله هناك
"استغني بجواب سابقهما". ومعنى قوله "وإلا" أي: وإلا يسبق ذو خبر. مثاله: والله إن قام زيد لأقومن، وإن قام زيد والله أقم.
وإذا أغنى جواب القسم عن جواب الشرط لزم أن يكون جواب القسم مستقبلاً؛ لأنه مغن عن مستقبل ودال عليه، ولزم أن يكون فعل الشرط بصيغة الماضي او منفياً بلم؛ لما تقرر من ان جواب الشرط لا يحذف إلا إذا كان فعل الشرط علي ما ذكر، فلا يجوز أن تقول: والله إن يقم زيد لأقومن، ولا: والله إلا يقم زيد لأقومن، ولا: والله إن قام زيد لقمت، إلا أن يكون الماضي وقع موقع المستقبل، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾، أي: ليظلن.
وإذا تقدم علي القسم وحده ما يطلب خبراً أو ما يطلب صلة جاز أن يبنى ما بعده علي طالب الخبر وطالب الصلة؛ وجاز أن يبنى علي القسم، ففي الأول يكون جواب القسم محذوفاً لدلالة الخبر والصلة عليه، وفي الثاني يكون الخبر والصلة القسم وجوابه. مثال ذلك: زيد والله يقوم، وجاءني الذي والله يقوم، وزيد والله ليقومن، وجاءني الذي والله ليقومن.
وقوله وقد يغني حينئذ جواب الأداة مسبوقة بالقسم هذا هو قوله هناك: "وربنا استغني بجواب الشرط عن جواب قسم". قال المصنف في الشرح: "ولا يمتنع الاستغناء بجواب الشرط مع تأخره، ومن شواهد ذلك قول الفرزدق:
стр. 3933
لئن بل لي أرضي بلال بدفعة ... من الغيث في يمنى يديه انسكابها
أكن كالذي صاب الحيا أرضه التي ... سقاها، وقد كانت جديبا جنابها
ومنها قول ذي الرمة:/
لئن كانت الدنيا علي كما أرى ... تبارح من مي فللموت أروح
ومنها قول الأعشى:
لئن منيت بنا عن غب معركةٍ ... لا تلفنا عن دماء القوم ننتفل"
انتهى.
وهذا الذي اجازه المصنف هو مذهب الفراء، وقد منعه اصحابنا والجمهور، وقالوا: لا يجوز جعل الفعل جواباً للشرط المتوسط بينه وبين القسم. قالوا: فأما قول الأعشى: لئن منيت بنا. البيت، وقول امرأة فصيحة من بني عقيل:
لئن كان ما حدثته اليوم صادقاً ... أصمم في نهار القيظ للشمس باديا
وأركب حماراً بين سرج فروةٍ ... وأعر من الخيتام صغرى شماليا
فاللام في "لئن" ينبغي أن تكون زائدة كالتي في قوله:
.............................. ... ....................... أمسى لمجهودا
وكالتي في قراءة سعيد بن جبير: ﴿إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَاكُلُونَ الطَّعَامَ﴾، وكالتي في قوله:
стр. 3934
طعامهم لئن أكلوا معن ... وما إن تحاك لهم ثياب
وعلي ذلك حملها الفارسي.
وأما قول الآخر:
حلفت لها إن تدلجي الليل لا يزل ... أمامك بيت من بيوتي سائر
فليس "حلفت" فيه قسماً كما ذهب إليه الفراء، بل هو خبر محض غير مراد به معنى القسم إذا تقدم علي الشرط بني الجواب عليه، ولم بين علي الشرط. وإنما لم يبن الجواب علي المتأخر منهما لأنك لو فعلت ذلك لكنت قد حذفت جواب الأول لدلالة الثاني علي؛ والباب في المحذوفات التي يفسرها اللفظ ألا يحذف منها شيء إلا لتقدم الدليل عليه.
وقوله وقد يقرن القسم المؤخر بفاء، فيغني جوابه قال المصنف في الشرح: "فيجب الاستغناء بجوابه؛ لأن الفاء تقتضي الاستئناف وعدم تأثر ما بعدها بما قبلها، ومنه قول قيس بن العيزارة:
فإما أعش حتى أدب علي العصا ... فوالله أنسى ليلتي بالمسالم
وأجاز ابن السراج أن تنوى هذه الفاء، فيعطى القسم المؤخر بنيتها ما أعطي بلفظها، فأجاز أن يقال: إن تقم يعلم الله لأزورنك، علي تقدير: فيعلم الله لأزورنك، ولم يذكر عليه شاهداً، فلو لم تنو الفاء لألغي القسم، فقيل: إن تقم يعلم الله أزرك" انتهى.
стр. 3935
وقول المصنف "فيغني جوابه" وقوله في الشرح "فيجب الاستغناء بجوابه" يدل علي أن للشرط جواباً محذوفاً؛ أغنى عنه جواب القسم. وليس كذلك، بل الجملة القسمية هي نفس جواب الشرط، ولذلك دخلت الفاء، ولم يغني عنه جواب الشرط لأنه مصرح به، فكيف يقال إنه يغني عنه جواب الشرط، وذلك أن جواب الشرط قد يكون بالقسم، /نحو: إن تجئني فو الله لأكرمنك، فلذلك لزمت الفاء؛ لأنها تلزم كل جواب لا يمكن أن تباشره أداة الشرط.
وأما تجويز ابن السراج حذفها فينبغي ألا يجوز؛ لأن حذف فاء جواب الشرط لا يجوز غلا في الضرورة، نحو قوله:
من يفعل الحسنات الله يشكرها ............................................
وقوله وتقرن أداة الشرط إلي قوله إلا قليلاً أداة الشرط أعم من أن تكون إن أو غيرها، إلا أن قرنها بإن كثير، قال تعالى: ﴿لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾، ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾.
ومثال رزقت ليأتينك سيبه ... جلبا، وليس إليك ما لم ترزق
وقول الآخر:
стр. 3936
لمتى صلحت ليقضين لك صالح ... ولتجزين إذا جزيت جميلا
وعلي ذلك حمل المصنف وغيرها تعالى ﴿النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾.
وقوله المسبوقة أي: بقسم ملفوظ به أو مقدر، فالملفوظ به ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ﴾، والمقدر ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ الآية.
وقوله تسمى الموطئة أي: وطأت الجواب للقسم المذكور قبلها أو المنوي، وتسمى أيضاً المؤذنة، أي: آذنت بالقسم.
وقوله ولا تحذف والقسم محذوف إلا قليلاً وقال س: "فلابد من هذه اللام مظهرة او مضرة". وقال أصحابنا: أنت بالخيار في إدخال هذه اللام علي الأداة. ومن حذفها قوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ﴾، ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾، ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنّ﴾، وقال الشاعر: فإن لم تغير بعض ما قد صنعتم ... لانتحين العظم ذو أنا عارقه
لم يقل: فلئن.
стр. 3937
وقد شبه بعضهم إذ يإن، فأدخل عليها هذه اللام، قال:
غضبت علي وقد شربت بجزةٍ فلإذ غضبت لأشربن بخروف وهذه اللام زائدة للتأكيد، وموطئة لدخول اللام علي الجواب، ودالة على القسم إذا حذف، وليست التي يتلقى بها القسم، هذا مذهب البصريين.
وزعم الفراء أن هذه اللام لما دخلت علي الشرط أجيبت بجواب القسم.
واستدل لمذهب البصريين بجواز إسقاطها، وبرفع الفعل بعدها في نحو قول كثير:
لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها ... وأمكنني منها إذا لا أقيلها
فرفع أقيلها يدل علي اعتماد القسم عليه، ولو كانت لام لئن هي جواب القسم لانجزم: لا أقيلها، كما تقول: إن تقم إذا لا أقم.
وقال بعض أصحابنا: "ومما يدل للبصريين أن الفعل الواقع جواباً للقسم المحذوف إذا كان منفياً لم يجز حذفها إذ ذاك؛ لأنها لو حذفت /لم يكن في اللفظ ما يدل علي القسم المحذوف، فإذا وجد من كلام العرب (إن قام زيد لا يقوم عمرو) لم يحمل علي القسم، بل لابد من إدخال اللام علي أداة الشرط إذا أريد به معنى القسم، كما جاء في بيت كثير، وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ " انتهى.
وينبغي أن يقيد قول المصنف "ولا تحذف والقسم محذوف إلا قليلاً" بهذه المسألة السابقة؛ إذ يجب إثباتها، وذلك إذا كان الفعل الواقع جواباً منفياً بـ"لا".
стр. 3938
وقوله وقد يجاء بلئن إلي أخره: مثال ذلك قول عمر بن أبي ربيعة:
ألمم بزينب، إن البين قد أفدا ... قل الثواء لئن كان الرحيل غذا
وقول الآخر:
فلا يدعني قومي صريحاً لحرة ... لئن كنت مقتولاً ويسلم عامر
اللام في لئن زائدة، وما قبل لئن دليل علي جواب الشرط المحذوف.
-[ص: لا يتقدم علي جواب قسم معموله إلا إن كان ظرفا أو جاراً ومجروراً. ويستغنى للدليل كثيراً بالجواب عن القسم، وعن الجواب بمعموله أو بقسم مسبوق ببعض حروف الإجابة، والأصح كون "جير" منها، لا اسماً بمعنى حقاً، وقد تفتح راؤها، وربما أغنت هي و "لا جرم" عن لفظ القسم مراداً، وقد يجاب ب"جير" دون إرادة قسم.]-
ش: قال المصنف في الشرح: "إن تعلق بجواب القسم جار ومجرور أو ظرف جاز تقديمه عليه، كقوله ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾، وكقول الشاعر: رضيعي لبنا ثدي ام، تحالفا بأسحم داجٍ عوض لا نتفرق فغن تعلق به مفعول لم يجز تقديمه، فلا يجوز في والله لأضربن زيداً: والله زيداً لأضربن" انتهى.
وقد أطلق المصنف في جواب القسم، وجواب القسم إن كان ب "ما" أو ب "إن" فلا يجوز أن يتقدم المعمول عليهما، فإذا قلت: والله ما يقوم زيد الآن، أو في
стр. 3939
البيت أو: والله إن زيداً قائم الآن، او في البيت- لم يجز تقدم "الآن" ولا "في البيت" علي "ما يقوم"، ولا علي "إن زيداً قائم".
وإن كان ب "لا" داخلة علي الموضوع ففي المسألة خلاف: منهم من أجاز تقديم المعمول مطلقاً من ظرف ومجرور ومفعول عليه. ومنهم من منع ذلك مطلقاً، وهو الصحيح.
و'ن كان باللام داخلة علي جملة اسمية فلا يجوز التقديم أيضاً مطلقاً. هذا نص أصحابنا.
وإن كان ما دخلت عليه اللام مضارعاً فالنص من أصحابنا انه لا يجوز مطلقاً. وأجاز هذا المصنف ذلك، ومثل به في قوله: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾.
وفي "البسيط": "وهذه اللام لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، /وقد أجازه الفراء وابو عبيدة، ومنه قوله تعالى ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ ﴿لَأَمْلأَنّ﴾، جوزوا في الاول أن يكون منصوباً ب ﴿لَأَمْلأَنّ﴾، كأنه قال: لأملأن حقاً. والصواب انه منصوب بفعل القسم، أما اللام فهي لام الجواب، وليست لام الابتداء" انتهى.
وقوله ويستغنى للدليل كثيراً بالجواب عن القسم قال المصنف في الشرح: "كوقوعه بعد (لقج)، أو بعد (لئن)، أو مصاحباً بلام مفتوحة نون توكيد" انتهى.
ووجدت بخطي أن ذلك لا يجوز إلا بشرط أن يكون الجواب باللام أو بإن،
стр. 3940
فليس يحذف القسم إذا كان متلقى بحرف غيرهما، ك "ما" و "لا" و "إن".
وقد اختلف في نحو قولك "لزيد منطلق" من غير قسم في اللفظ: فالمنقول عن البصريين أنها ليست لام قسم بل لام ابتداء. وقال الكوفيون: هي لام قسم. قالوا: والدليل عليه أنها تدخل علي الفضلات، كقولك: لطعامك زيد آكل، وليس الطعام بمبتدأ. وحجة البصريين أن اللام إذا دخلت علي مفعول ظننت ارتفع بالابتداء، ولا يمكن تقدير القسم فيه لأن ظننت لا يلغى بالقسم، فعلم ان تعليق ظننت لتحقق الابتداء كما تعلق بالاستفهام، كقولك: علمت أيهم قائم، وأما قولهم لطعامك زيد آكل فإنما جاز لأنها في حيز الخبر؛ إذ كان معموله متقدماً عليه، فكأنها داخلة علي المبتدأ.
وقوله وعن الجواب بمعموله قال المصنف في الشرح: "ويستغنى عن الجواب بمعموله، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾، أي: لتبعثن يوم ترجف الراجفة" انتهى.
ولا يتعين ما قاله في الآية، ولا يثبت هذا الحكم بمحتمل؛ إذ يجوز أن يكون جواب ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾، قوله: لتبعثن، حذف لدلالة ما بعده عليه، ولا يكون ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾ معمولاً لقوله لتبعثن، حذف لدلالة ما بعده عليه، ولا يكون ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾ معمولاً لقوله لتبعثن، بل منصوباً بقوله ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾. ويجوز أن يكون منصوباً بقوله ﴿وَاجِفَةٌ﴾ من قوله ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾، وكرر ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ علي سبيل التوكيد.
ويحتمل أن يكون جواب القسم قوله ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾، وحذف اللام لطول الكلام، أي: والنازعات لقلوب يومئذ واجفة، ويكون ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾ ﴿٦﴾ ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ اعتراضاً بين القسم وجوابه. ويجوز أن يكون معمولاً ل ﴿وَاجِفَةٌ﴾، وسهل تقديمه كونه ظريفاً، وكون اللام التي هي في الجواب محذوفة.
стр. 3941
وقوله أو بقسم مسبوق ببعض حروف الإجابة قال المصنف في الشرح: "وهي: بلى، ولا، ونعم، ومرادفاتها: إي وإن واجل وجير، كقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾، وكقولك لمن قال: أتفعل كذا؟ لا والله، ونعم والله، وإي والله، وإن والله، وأجل والله، وجير والله" انتهى. وتقدم لنا ذكر الخلاف في "إن"، هل تكون من حروف الإجابة، في شرح أول الفصل الثالث من "باب الأحرف الناصية الاسم الرافعة الخبر".
/وظاهر كلام المصنف أنه يستغنى عن الجواب بأحد هذين، إما بالمعمول أو بقسم مسبوق ببعض حروف الإجابة. والضابط انه لا يستغنى عنه إلا إذا وقع القسم بين متلازمين، كالشرط وجزائه، والمبتدأ وخبره، والموصول وصلته، وما أشبه ذلك، أو عقب كلام يدل عليه.
وقوله والأصح كون جير منها لا اسماً بمعنى حقاً، وقد تفتح راؤها قال المصنف في الشرح: "زعم قوم أن جير اسم بمعنى حقاً. والصحيح أنها حرف بمعنى نعم؛ لأن كل موضع وقعت فيه جير يصلح أن توقع فيه نعم، وليس كل موضع وقعت فيه يصلح أن توقع فيه حقاً، فإلحاقها بنعم أولى. وأيضاً فإنها أشبه بنعم الاستعمال، ولذلك بنيت، ولو وافقت حقاً في الاسمية لأعربت، ولجاز أن تصحبها الألف واللام، كما أن حقاً كذلك، ولو لم تكن بمعنى نعم لم يعطف عليها في قول بعض الطائيين:
أبي كرماً، لا آلفا جير أو نعم ... بأحسن إيفاء، وأنجز موعد
стр. 3942
ولا أكدت "نعم" بها في قول طفيل الغنوي:
وقلن علي البردي أول مشرب ... نعم، جير، إن كانت رواء أسافله
ولا قوبل بها (لا) في قول الراجز:
إذا يقول (لا) أبو العجير ... يصدق، لا إذا يقول (جير)
فهذا تقابل ظاهر، ومثله في التقدير قول الكميت:
يرجون عفوي، ولا يخشون بادرتي ... لا جير لا جير، والغربان لم تشب
أراد: لا يثبت مرجوهم، نعم تلحقهم بادرتي. وقريب منه اجتماع (أجل) و (لا) في قول ذي الرمة:
تري سيفه لا ينصف الساق نعله ... (أجل) (لا)، ولو كانت طوالا محامله"
انتهى.
وكان قد شنع علي الزمخشري في قوله "ومن الناس" بأنه جهل من هو قائل ذلك، وهوس، فيقال له: وأنت أيضاً جهلت من قال فيها "إنها اسم"- وهو س- بقولك: "وزعم قوم". وقد استدل علي أنها اسم بتنوينها.
стр. 3943
قال الأستاذ أبو علي: "ويمكن أن يكون التنوين في جير في البيت جاء شاذاً كمجيء التنوين في اسم الفعل في الخبر في قولهم: فداء لك، بكسر الهمزة. وأيضاً فيمكن أن يكون من تنوين الترنم الذي يلحق القوافي عوضاً من ياء، ولابد منها في الوزن".
وقال بعض أصحابنا: "وأما عوض وجير فمبنيان، حذف منهما حرف القسم، فيجوز أن يحكم علي مواضعهما بالنصب بإضمار فعلٍ، أو بالرفع علي الابتداء أو علي خبر ابتداء مضمر، قياساً علي نظائرهما من الأسماء المحذوف منها حرف القسم. /وما ذكره الزجاجي من أن عوض تستعمل في القسم مذهب كوفي، والبصريون لا يعرفون القسم به" انتهى.
ومما لخصته من كتاب "الملخص": "يعوض من القسم (عوض) اسم دهر مبنياً علي الضم لقطعه عن الإضافة، أو علي الفتح لأنه اخف، كحيث، ولا يقال: عوض والله لأفعلن، وإن جاء فقليل إذ هو الأصل، وفيه الجمع بين العوض والمعوض منه.
و (جير)، وليست حرفاً بمعنى نعم لتنوينها، خلافاً لزاعمه. وقيل: مصدر، والمعنى: حقاً لأفعلن. وبنيت لقلة تمكنها؛ لأنها لآ تستعمل إلا في القسم، بخلاف سبحان؛ لأنها لا تخص باب التعظيم، قد توجد تعجباً وإنكاراً.
стр. 3944
وقيل: اسم فعل، وبنيت لأنه الأصل علي الكسر، علي أصل التقاء الساكنين.
وقيل: ظرف، وبني لقلة تمكنه، وكأنه قال: لا أفعل هذا أبداً، وتكون بمنزلة عوض.
وهذه الأقوال [الثلاثة] تتقارب، والأول يبعد لأن تنوينها للتنكير، وهو لا يوجد إلا في الصوت واسم الفعل، فيغلب علي الظن أنها اسم فعل" انتهى.
والذي يظهر أنها من حروف الإجابة للدلائل التي استدل بها المصنف.
وقوله وربما أغنت هي و "لا جرم" عن لفظ القسم مراداً مثال الاستغناء ب "جير" قول الشاعر:
قالوا: قهرت، فقلت: جير ليعلمن ... عما قليل أينا المقهور
وحكي الفراء أن العرب تقول: لا جرم لآتينك، ولا جرم لقد أحسنت.
يريد أنهم يستغنون بها عن القسم قاصدين بها معنى حقاً، وقد صرح بعض الأعراب
بالقسم مع: لا جرم، قال لمرداس: لا جرم والله لا فارقتك.
فاما قوله تعالى ﴿لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾، ف (لا) عند الخليل وسرد، و (جرم) فعل، فاعله أن وما بعدها. وقال الكوفيون: لا: نافية، وجرم: اسم لا، وأن علي تقدير من.
стр. 3945
وقوله وقد يجاب ب"جير" دون إرادة قسم قال الشاعر:
وقائلة: أسيت، فقلت: جير ... أسي، إنني من ذاك إنه
يجاب بها كما يجاب بأخواتها إلا "إي"، فلا يعلم استعمالها إلا مع قسم.
مسألة: قالت العرب: لا ها الله ذا، فالخليل يجعل ذا من جملة ما أقسم عليه، والتقدير: للأمر ذا. والاخفش يجعله توكيداً للقسم، كانه قال: ذا قسمي.
ويدل علي صحة هذا القول ذكر المقسم عليه بعد "ذا"، فيقولون: لا ها الله ذا ما كان كذا، وإتيانهم بعده بالمقسم عليه نفياً، ولو كان هو المقسم عليه لم يكن مطابقاً، وأنشد س:
تعلمن ها- لعمر الله- ذا قسماً ... فاقدر بذرعك، وانظر أين تنسلك
أي: لعمر الله للأمر ذا أقسم قسماً، فتأكيد القسم بعده يدل علي انه المحلوف عليه.
/وقال الأستاذ أبو علي: "وأما قولهم (ذا) فزعم غير الخليل أنها من جملة ما أكد المقسم به، أي: هذا ما أقسم به، فإن جاء بعده جواب صح هذا القول، وإن لم يجيء عنهم أصلاً صح قول الخليل.
وتلخيصه ان أصل الكلام: إي والله للأمر هذا، ثم حذف حرف القسم،
стр. 3946
وقدمت "ها" من "هذا" كما قدمت في: ها أنا ذا، وحذفت لام القسم مع المبتدأ وإن كانت لا تحذف وحدها، وهذا له نظائر لحذف الشيء الذي لا يجوز حذفه مفرداً إذا حذف معه ما يسوغ حذفه، نحو قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾، هذا مذهب الخليل". انتهى.
وقال أبو عمرو بن تقي: جعلها الخليل إشارة إلي المحلوف عليه، وهو الجواب، أشار إليه قبل ذكره لأنه أمر وشأن. وجعلها الأخفش إشارة إلي المقسم به؛ لأن موضع الإشارة إنما هو الأسماء لا الجمل.
وقال أبو عمرو بن تقي: جعلها الخليل إشارة إلي المحلوف عليه، وهو الجواب، أشار إليه قبل ذكره لأنه امر وشأن. وجعلها الأخفش إشارة إلي المقسم به؛ لأن موضع الإشارة إنما هو الأسماء لا الجمل.
وقال السيرافي: " وأبو الحسن يجعل ذا هو المحلوف به، وهو من جملة القسم، والتقدير عنده:
ها الله ذا قسمي. قال: والدليل علي ذلك أنهم يقولون: ها الله ذا لقد كان كذا، وها الله ذا لتفعلن".
وقال الفارسي في "التذكرة": "الذي يعضد مذهب الخليل انه قد ورد: لا ها الله ذا، فهذا إن كانت فيه ذا كما قال أبو الحسن فسيكون كمن يقول (والله)، ولا يأتي بالمقسم عليه، وهذا لا يجوز، فتعين انه مقسم عليه، فأما (لا ها الله ذا لأفعلن) فعلى قسم آخر، كما يجوز أن تقول مبتذئاً: لأفعلن". انتهى.
والذي أختاره مذهب الأخفش، ويدل عليه مجيء المقسم عليه بعده، وحمله علي إضمار قسم آخر خلاف الظاهر، وقال زهير:
تعلمن ها لعمر الله ذا قسما ....................................................
وجوابه قوله بعد ذلك:
ليأتينك منى منطق قذع ........................................................
стр. 3947
ووجه الدلالة أنه أكد مضمون الجملة القسمية- وهي: لعمر الله ذا- بقوله "قسما"، كما تقول: له علي دينار اعترافاً. وجاز ذلك بعد قوله "ذا"، فلو كان "ذا" من الجملة المقسم عليها لم يفصل بين جملة القسم ومصدره المؤكد به بالجملة المقسم عليها، فدل علي أن "ذا" إشارة إلي القسم وتوكيد له كما أكد بقوله قسماً. ويحققه الإتيان بجواب القسم بعده.
وأما إن سمع "لا ها الله ذا" مقتصراً عليه فإنما ذلك من حذف الجملة المقسم عليها لدلالة معنى الكلام عليه؛ وعليه (لا ها الله ذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل في سبيل الله، فيعطي غيره سلبه)، وهو من كلام أبي بكر الصديق، فالظاهر أن "لا يعمد" هو الجواب.
وقال الأعلم: "تقديره: لعمر الله هذا ما أقسم به". فاختار مذهب الأخفش.
مسألة: إذا أخبرت عن قسم غيرك فلك أن تقول: أقسم زيد ليضربن عمراً، ولك أن تحكى فتقول: لأضربن.
مسألة: ﴿﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾، الواو في ﴿وَالنَّهَارِ﴾، وفي ﴿وَمَا خَلَقَ﴾ - للعطف لا للقسم؛ إذ لو كانت للقسم لاحتاج كل قسم إلي جواب علي حدة، وكان كل قسم مستأنفاً منفصلاً مما قبله، ولما كان المقسم عليه واحداً لم يقو أن تقدر منه جواباً لكل قسم؛ لأن في ذلك من التكرار لغير فائدة ما لا خفاء به، وإنما أراد: وهذه الأشياء
стр. 3948
جملة إن سعيكم لشتى. ولو نويت بها القسم مستأنفاً لكنت تأتي بواو العطف؛ ألا ترى أنك تقول: والله لأفعلن، ووالله لأفعلن، فإذا كانت واو قسم مستأنف لم تجيء بواو العطف قبل ذكر جواب الأول، وكما لا يجوز مررت بزيد بعمرو إلا بالتشريك فكذلك هذا؛ لأن المقسم عليه واحد، وغنما يجوز ترك التشريك في الجمل، نحو: زيد قام عمرو ذاهب، وإنما أقسم علي شيء واحد، فالكلام جملة واحدة.
ودليل ما قال الخليل أن العرب لا تقول: تالله بالنبي لأفعلن كذا، فلا تأتي بقسم حتى توفي الأول جوابه، فتقول: تالله لأفعلن، بالكعبة لأفعلن.
وقال الفارسي: "ليس هذا خلافاً ل"س"؛ لأنه قد أجازه في آخر الباب علي التأكيد، إلا أنه ضعيف" انتهى.
وليس كما قال، إنما أجاز ذلك مع اتحاد حرف القسم والمقسم به، قال: التأكيد، إلا أنه ضعيف" انتهى.
وليس كما قال، إنما أجاز ذلك مع اتحاد حرف القسم والمقسم به، قال:
"ولو قال وحقك وحقك علي التوكيد جاز، وكانت الواو واو جر".
وقال الأستاذ أبو علي: تلخيص كلام الخليل أنه لا يجتمع مقسم بهما إلا أن يكون الثاني هو الأول علي التوكيد؛ ودليله أنا إذا قلنا: وحقك وحق زيد لأفعلن كذا، إذا لم تجعل الواو عاطفة فهو يحتمل وجوهاً أربعة:
الأول: أن تجعل "وحق زيد" توكيداً لجملة المقسم به. وهو فاسد؛ لأنه ليس /توكيداً لفظياً ولا معنوياً؛ إذ ليس لفظ الأول ولا معناه.
والثاني: أن تجعله متعلقاً بمحذوف، والجملة توكيد لجملة المقسم به. وفيه
стр. 3949
تأكيد الشيء قبل أن ييتم، ولا يؤكد الشيء، ولا يحمل عليه شيء من الأشياء إلا بعد استقلاله، والمؤكد هنا هو جملة القسم والجواب، فهما في هذا القصد كالمفرد بالتوكيد، وذلك لا يجوز.
والثالث: أن تجعلهما جملتين منقطعتين، لكن جوابهما واحد. وهو واضح الفساد؛ إذ كل قسم لابد من جواب لأنهما منقطعان، إذ ليس الثاني تأكيداً للأول.
والرابع: أن تقدرهما جملتين، ولكل واحد جواب، إلا أنه حذف جواب أحدهما، وأكدت بإحداهما الأخرى بعد أخذ الجواب.
ولا يخلو في هذا الوجه أن تجعل جواب الأول هو المحذوف، والذي في اللفظ جواب الثاني، أو تعكس. فإن قدرت الأول ففيه مضعفان: حذف الأول لدلالة الثاني، وليس مطرداً، فإنه كالإضمار، فليس إلا في نحو أبواب الاشتغال، وبالجملة فهو لا ينبغي؛ إذ لا يحذف الشيء حتى يكون قد علم. والمضعف الثاني التأكيد مع الحذف، وهما متناقضان. فقد امتنع أن تكون الواو هنا واو قسم علي الوجوه الثلاثة من كل وجه، وعلي الرابع يضعف، ويكون شاذاً، فلم يبق إلا العطف. ولهذا الرابع تعرض الخليل أن يتكلم عليه، وضعفه، فتدبره؛ لأن الآخر بين الفساد. انتهى، وفيه بعض تلخيص.
مسالة: الاستحلاف يجري مجرى اليمين إلا فيما يذكر، ففاعل الفعل في الجواب علي حسب الفاعل في غيبة وخطاب وتكلم، نحو: والله ليقومن زيد، والله لتقومن، والله لأقومن.
وفي الاستحلاف يجوز: أستحلفه ليفعلن، ولأفعلن، هذا في الغائب، واستحلفتك لتفعلن، ولأفعلن، في المخاطب
стр. 3950
تم بحمد الله- تعالى- وتوفيقه
الجزء الحادي عشر من كتاب "التذييل والتكميل"
بتقسيم محققه، ويليه- إن شاء الله تعالى-
الجزء الثاني عشر، وأوله:
"باب الإضافة"