Полный текст (3 950 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.
стр. 3886
فإنك_ عمر الله_ إن تسأليهم ... بأحسابنا إذ ما تجل الكبائر
ينبوك أنا نفرج الهم كله ... بحق، وأنا في الحروب مساعر
وقال آخر:
فلا عمر الذي أثني عليه ... وما رفع الحجيج إلى إلال
لما أغلفت شكرك، فانتصحني ... وكيف، ومن عطائك جل مالي
يروى بنصب عمر ورفعه، فالرفع على الابتداء، والنصب بإضمار أحلف بعد / إسقاط الباء، الأصل: فلا بعمر الذي.
وقال أبو جعفر النحاس: إذا قلت: عمر الله، وعمرك_ جاز الرفع والنصب، وقد يجوز الخفض، تجعل الواو للقسم، وتقول: وعمرك. واستعمال عمر دون لام قليل. فأما قول الطائي:
عمري لقد نصح الزمان، وإنه ... لمن العجائب ناصح، لا يشفق
فيحتمل أن يكون مرفوعا على الابتداء، وخبره محذوف. ويحتمل أن يكون منصوبا بفعل محذوف.
وقوله وإن كان عمرا أي: وإن كان الذي كان متعينا للقسم عمرا، وحذفت لامه_ جاز ضم عينه، فتقول: عمرك لقد كان كذا، وكذا كان القياس مع اللام، لكن العرب التزمت الفتح لأنه أخف من الضم.
وقوله ودخول الباء عليه قال:
стр. 3887
رقي! بعمركم، لا تهجرينا ... ومنينا المنى، ثم امطلينا
وقال آخر:
أأقام أمس خليطنا أم سارا ... سائل بعمرك أي ذاك اختارا
وهكذا أنشدهما المصنف شاهدا على أنه تدخل الباء على عمر في القسم.
وهذا كما بيناه أول الباب ليس بقسم، بل هو من باب السؤال والطلب؛ ألا تراه كيف جاء بعد ((بعمركم)) جملة النهي، وهي قوله ((لا تهجرينا))، وكيف قال ((سائل بعمرك))، فعلقه ب ((سائل))، وليس من أفعال القسم.
وقوله ويلزم الإضافة مطلقا يعني إلى الظاهر والمضمر مع اللام ودونها.
وإنما حذفوا خبر ((لعمرك)) لزوما لأنه ليس بخبر حقيقة، إنما يراد به القسم، وهذا من التركيب الذي لفظه لا يكون طبق معناه، بل لوحظ فيه المعنى، وهو أنه مقسم به، فلم يكن له خبر موجود، كما قالوا حسبك، فاستعملوه مبتدأ بلا خبر ملفوظ به لأنه في معنى الأمر.
وفي معنى عمر هنا قولان:
أحدهما: ما ذهب إليه البصريون من أنه بمعنى البقاء، تقول: طال عمرك وعمرك، وألزموه الفتح مع اللام في القسم، فعلى هذا يكون المجرور بعده فاعلا، ويكون المصدر مضافا إليه.
والثاني: ما ذهب إليه بعض الكوفيين والهروي في ((الغريبين)) من أنه مصدر ضد الخلو، من عمر الرجل منزله، والمقسم يريد تعمير القلب بذكر الله تأكيدا للصدق وتحذيرا من الغفلة والوقوع في المأثم والحنث. قال أبو زيد السهيلي:
стр. 3888
ولذلك قالوا:
عمرتك الله إلا ما ذكرت لنا ... ...........................
أي: ذكرتك تذكيرا يعمر القلب، ولا يخلو منه؛ لأن الذكر قد يكون باللسان دون القلب، فعلى هذا لعمر الله ي معنى التذكير به، فهو مفعول في المعنى، أي: ذاكر أو مذكر. ونحو منه: ((قعدك الله))، و:
قعيدكما الله الذي أنتما له ... .....................
أي: إنه /ثابت معك، يطلع على عيبك، فاذكره، ولا تحنث.
وهذا القول إذا تدبرته هو لا شك مقصود العرب بهذه الكلمة؛ لأنهم فتحوا أولها كالمصادر الثلاثية، واشتقوا منها الفعل، فقالوا: عمرتك الله، كما يشتق من المصادر. وقوى هذا المعنى قولهم: قعدك الله. ولو كان العمر هنا محلوفا به لقالوا: وعمر الله، كما قالو: وعهد الله، ولو كان صفة الله يحلف بها لوجدت في الكلام في غير القسم، ولو كان بمعنى البقاء لقالوا: وبقاء الله، وهم لا يحلفون ببقائه ولا قدمه، لكن بعزته وعظمته؛ لما في ذلك من التعظيم. وأشنع ما حكى أصحاب هذا القول أن العمر إنما هو للإنسان يعمره الله ما يشاء، ولا يضاف العمر إلى الله، إنما يوصف بالبقاء.
ص: وإن كان ((ايمن)) الموصول الهمزة لزم الإضافة إلى ((الله)) غالبا، وقد يضاف إلى الكعبة والكاف والذي، وقد يقال فيه مضافا إلى ((الله)): ايمن وايمن وايمن وايم وايم وام، و ((من)) مثلث الحرفين، و ((م)) مثلثا، وليست الميم بدلا من واو، ولا أصلها ((من))، خلافا لمن زعم ذلك، ولا ((ايمن)) المذكور جمع يمين،
стр. 3889
خلافا للكوفيين. وقد يخبر عن اسم الله مقسما به ب ((لك)) و ((علي)). وقد يبتدأ بالنذر قسما.
ش: يريد: وإن كان المبتدأ في الجملة الاسمية المتعين للقسم ايمن الموصول.
ويعني بالموصول الذي همزته همزة وصل، واحترز من أيمن الذي همزته همزة قطع جماع يمين. وحكمه حكم واحده إذا أقسم به من جواز جره بالحرف، ونصبه إذا حذف الحرف. ويدل على أن همزته همزة وصل سقوطها إذا كان قبلها متحرك، قال الشاعر:
فقال فريق القوم لما نشدتهم: ... نعم، وفريق: ليمن الله ما ندري
ولا خلاف نعلمه أن ايمن اسم إلا ما حكى عن الرماني أنه حرف جر، وهذا خلاف شاذ.
وجمهور النحويين على أن ((ايمن الله)) في القسم التزمت العرب فيه الرفع على الابتداء، ولا يستعمل إلا كما استعملته العرب.
وذهب ابن درستويه إلى أنه يجوز أن يجر بواو القسم، قال في كتابه المسمى ب ((الهداية)): ((واعلم أن ما عدا الباء والواو والتاء أسماء يقسم بها كما يقسم ب (الله)، وتدخل عليها الواو، إلا من ربي، ومن ربي، فتقول: وأيمن الله، ويمين الله، وعهد الله)). قال: ((ومن ربي ومن ربي إنما هما ايمن، حذفت منه الهمزة والياء. وكذلك: ام الله، إنما هي يمين أو ايمن)). قال: ((ولا يدخل على هذه الثلاثة حرف جر؛ لأنها أشبهت حروف المعاني لما حذفت)).
стр. 3890
وقال ابن عصفور: وهذا الذي ذهب إليه لم يرد به سماع من كلام العرب، فاجازته لذلك إنما هي بالقياس على الأسماء التي استعملتها العرب في هذا الباب مبتدأة وغير مبتدأة.
والذي عليه جمهور النحويين أنه لا يستعمل في هذا الباب إلا مبتدأ كما استعملته العرب؛ لأنه اسم غير متصرف، ولعدم تصرفه شبه بالحرف، / ففتحت همزة الوصل الداخلة عليه كما تفتح إذا دخلت على الحرف في مثل الرجل والغلام، ووجه الشبه بينهما أن العرب لم تستعمله في موضع من المواضع التي تستعمل فيها الأسماء، فإذا تصرف فيه كما يتصرف في الأسماء، فاستعمل مبتدأ وغير مبتدأ_ لم يكن وجه لفتح همزة الوصل الداخلة عليه
وقوله وقد يضاف إلى الكعبة والكاف والذي تقول: ايمن الكعبة لأقومن، ومن كلام عرورة بن الزبير حين قطعت رجله لداء كان اقتضى قطعها: ((ليمنك لئن ابتليت لقد عافيت، ولئن أخذت لقد أبقيت))، وفي الحديث من قول رسول الله (صل الله عليه وسلم): (وايمن الذي نفسي بيده).
وقد أضيفت لغير ما ذكره المصنف. وزعم الفارسي في غير ((الإيضاح)) أنها لا تضاف إلا إلى ((الله)) وإلى ((الكعبة)). وهذا الذي ذكره هو الأكثر، وقد تضاف إلى غيرهما، أنشد الكسائي:
...................... ... ليمن أبيهم لبئس العذرة اعتذروا
стр. 3891
وهي عند البصريين معربة ملتزم فيها الرفع على الابتداء. وقد تقدم مذهب ابن دستورية في جواز جرها بواو القسم ٠
وحكى المفضل عن العرب: ليمن الله، بكسر النون إذا لقيها ساكن، فإن لم يلقها ساكن سكنت النون كما في قوله ((ليمن أبيهم))، فعلى هذه الحكاية تكون مبنية. وسبب بنائها هو السبب في فتح همزتها، وهو شبهها بالحرف.
وقد تصرف العرب في لفظ ايمن تصرفا كثيرا، وذلك لكثرة استعمالهم؛ لأن كثرة الاستعمال مدعاة إلى الحذف. فتلخص من كلام المصنف فيه ثلاث عشرة لغة، هي مستخرجة من كلامه.
فأما ايم_ بفتح الهمزة وضم الميم وحذف النون_ فمنقولة عن تميم. وأما ايم_ بكسرها_ فمنقولة عن سليم. وضمة الميم في هاتين اللغتين علامة رفع. وروي: ايم الله، بكسر الهمزة والميم، وكسرة الميم جر عند الأخفش بحرف قسم مقدر، وهو نحو: الله لأقومن. ورد بأنه محذوف من ايمن، والعرب لم تستعمل ايمن في القسم إلا مرفوعا على الابتداء. قال هذا الراد: والوجه عندي أن يكون مبنيا على السكون في لغة من بناها على السكون، وكسرت لالتقاء الساكنين.
وأما ام_ بكسر الهمزة وميم مضمومة_ فمنقولة عن أهل اليمامة. وعن بعض العرب ام، بكسر الهمزة والميم. وعن بعضهم: أم الله، بفتح الهمزة وضم الميم. وعن بعضهم: أم الله بفتح الهمزة وكسر الميم، وفتح الميم وكسرها لالتقاء الساكنين، كما قيل في ايم. ونقل الفارسي: ام الله، وام الله، وام الله، بكسر الهمزة وفتح الميم وضمها وكسرها. وأغربها: هم الله، بإبدال الهمزة هاء، كما أبدلوا في إياك، قالوا: هياك.
стр. 3892
/وأما من الله_ بضمهما وفتحهما وكسرهما_ فحكاها الجوهري عن العرب. وقال بعض أصحابنا: ينبغي أن يعتقد في فتح النون وكسرها أن من الله ومن الله مبنيان على السكون كايمن في لغة من بناها على السكون، والفتحة والكسرة حر كتا التقاء الساكنين لا علامتا إعرب؛ لأنهما محذوفان من ايمن.
وأما م الله وم الله فحكاها الكسائي والأخفش، وسئل رجل من بني العنبر: ما الدهدران؟ فقال: م ربي الباطل. وحكى الهروي: م الله، بالفتح. وهو عند الأخفش مبني لأن الميم حرف واحد، قال: وإذا كان الاسم على حرف واحد لم يعرب. فهذه تماني عشرة لغة.
وزعم بعض النحويين أن ((من)) و ((م)) بلغاتها حرفان، وليسا بقية ايمن. واستدب من ذهب إلى أن من حرف جر لا بقية ايمن بأنها لو كانت بقية ايمن لم تستعمل مضافة إلا إلى ((الله)) كما أن ايمن كذلك، وهم يدخلونها على ((الرب))، فيقولون: من ربي لأفعلن. قال المبرد في ((المدخل)): وتقول: الله لأفعلن، ومن الله لأفعلن، ومن ربي لأفعلن. وأيضا لو كانت بقية ايمن لكانت معربة؛ لأن الاسم المعرب إذا حذف منه شيء بقي معربا، ومن مبنية على السكون، ولذلك كسرت حين دخلت على ((الله))، فقالوا: من الله؛ لالتقاء الساكنين. وقال المبرد: إنما دخلت اللام ومن_ يعني في القسم_ لأن حروف الخفض يبدل بعضها من بعض، نحو: فلان بمكة، وفي مكة.
ومن ذهب إلى أنها بقية ايمن قال: قد تصرف في ايمن تصرفا كثيرا، فيكون هذا منه، وهو أولى من إثبات حرف خفض لم يستقر فيها في موضع من المواضع.
стр. 3893
واستدل من ذهب إلى أن ((م)) حرف جر بأن الاسم المعرب لا يجوز حذفه حتى لا يبقى منه إلا حرف واحد؛ بل لا يحفظ من ذلك إلا ما حكاه ابن مقسم من قولهم: شربت ما، يريدون: ماء، فبطل أن يكون ((م)) اسما بقية ايمن. وأيضا فالاسم المقسم به إذا حذف منه حرف الجر نصب باتفاق، أو رفع على خلاف سبق ذكره، ولا يجوز جره؛ لأن إ ١ مار الخافض وإبقاء عمله لا يجوز إلا في ضرورة أو نادر كلام، فلو كان ((م)) اسما لكان منصوبا أو مرفوعا، لا يقال بني على الكسر وهو في موضع نصب أو رفع؛ لما تقدم من أن الاسم المعرب إذا حذف منه شيء بقي معربا. وإذا ثبت أن الميم المكسورة حرف خفض فكذلك المضمومة والمفتوحة.
وقوله وليست الميم بدلا من واو يعني من واو القسم. قال المصنف في الشرح: ((وزعم بعضهم أن الميم المفردة بدل من واو (والله)، كالتاء. وليس بصحيح؛ لأنها لو كانت بدلا منها لفتحت كما فتحت التاء، ولأن التاء إذا أبدلت من الواو في القسم فلها نظائر في غير القسم مطردة، كاتصف واتصل، وغير مطردة، كتراث وتجاه، وليس لإبدال الميم من الواو إلا موضع شاذ، وهو فم، وفيه مع شذوذه /خلاف)) انتهى.
أما قوله ((لو كانت بدلا منها لفتحت كما فتحت التاء)) فهو وغيره قد ذكروا الفتح فيها؛ ألا تراه قد قال: ((وم مثلثا))، فهي قد فتحت، ثم تلاعبت العرب بها، فضموها وكسروها.
وأما قوله ((ولأن التاء ....)) إلى آخره فهو مرتب على أن التاء بدل من الواو، وهذا قول غيره من النحويين.
стр. 3894
وقال السهيلي: ((يحتمل أن تكون حرفا موضوعا للقسم، خص باسم الله_ تعالى_ كما خص بأشياء لا تكون لغيره)). ثم ذكر أشياء كثيرة مما اختص به هذا الاسم الشريف. ثم قال: ((ويضعف عندي أن تكون بدلا من الواو لما فيها من معنى العطف، وليس ذلك في التاء، ولسر آخر، وهو أن التاء إنما أبدلت من الواو حيث كثرت زيادتها في تصاريف الكلمة؛ كتراث وتخمة وتترى وتولج؛ لأنهم قالوا: توارث توارثا، وتواتر، واتلج يتلج اتلاجا، فكثر في التصاريف حتى قالوا: أتلج أي: أدخل. ونحو منه ريحان، قلبوا الواو ياء لكثرة انقلابها في مادة الكلمة، نحو الريح والرياح ويريح ويستريح، حتى صار كأنه من ذوات الياء، فجعلوا الواو ياء وإن لم يكن قبلها كسرو لما ذكرناه، وواو القسم لا تقلب تاء لعدم هذا الأصل)) انتهى.
وزعم جمهور النحويين أن الواو بدل من الباء، وأن الباء هي الأصل في حروف القسم، قالوا: ((وإنما أبدلت منها لأمرين:
أحدهما: أن معنى الباء قريب من معنى الواو؛ لأن الواو للجمع، والباء للإلصاق، والإلصاق جمع في المعنى.
والثاني: أنها من حروف مقدم الفم.
ولما كانت بدلا منها لم تتصرف تصرف الباء؛ لأن الفرع لا يتصرف تصرف الأصل فجرت الظاهر خاصة، ولم تجر المضمر)).
وقال بعض أصحابنا: ليست الواو بدلا من الباء؛ إذ لو كانت بدلا ما اختلفنا في الحركة، كما لم تختلف حركة الهمزة المبدلة من الواو في وشاح حين قالوا إشاح. وأيضا لم توجد قط الواو بدلا من الباء؛ لأنها ليست من مخرجها، ولما بينهما من المضادة؛ إذ في الواو لين، وفي الباء شدة.
стр. 3895
وزعم السهيلي ان واو القسم هي في الأصل واو العطف كواو رب، تعطف على منوي إيجازا، إذ كانوا يحلفون بأسماء كثيرة كما جاء في القرآن ٠ قال: ((ويقوى ذلك أن واو العطف لا تدخل على مضمر مخفوض البتة، وكذا واو القسم.
فإن قلت: فكيف تقول: ووالله لأفعلن؟ فالجواب أن الواو إنما دخلت على الفعل المضمر، فكأنك قلت: وأحلف بالله، ثم عطفت)) انتهى.
وهو قول متكلف جدا؛ إذ يحتاج في كل مكان يبدأ فيه بالقسم بالواو أن يتكلف قبل ذلك مقسم به محذوف وهو والفعل الذي يتعلق به حرف الجر؛ وهذا بعيد جدا.
وقوله ولا أصلها من، خلافا لمن زعم ذلك قال المصنف في الشرح: ((وزعم الزمخشري أنها (من) المستعملة مع (ربي)، فحذفت نونها. وليس بصحيح؛ لأنها لو كانت إياها لاستعملت في النقص مع استعملت في التمام على الأشهر، كما لم / تستعمل ايمن في النقص إلا مع ما استعملت في التمام على الأشهر.
واحترزت ب (الأشهر) من رواية الأخفش عن بعض العرب: من الله، ومن: ايمن الكعبة، وايمنك، وايمن الذي بيده.
وقال الزمخشري في م الله: (ومن الناس من زعم أنها من ايمن). قلت: لم يعرف من الذي زعم ذلك، وهو س، فإنه قال في (باب عدة ما يكون عليه الكلم): (واعلم أن بعض العرب يقول: م الله لأفعلن، يريد: ايم الله). وفي عدم معرفة الزمخشري بأن صاحب هذا القول هو س دليل على أنه لم يعرف من كتابه
стр. 3896
إلا ما يعرف بتصفح وانتقاء لا بتدبر واستقصاء؛ فما أوفر تبجحه وأيسر ترجحه! عفا الله عنا وعنه)) انتهى كلام المصنف في الشرح.
وما رد به على الزمخشري غير صحيح، وعنى أنه لو كانت محذوفة من ((من)) الداخلة على الرب لدخلت على الرب، ولم يقولوا: م ربي، وقد تقدم لنا أن بعض العرب قال ((م ربي الباطل)) حين سئل: ما الدهدران؟ فقد دخلت ((م)) على ما دخلت عليه ((من)) من لفظ ((الله)) ولفظ ((الرب)).
وأما قوله ((إن الزمخشري لم يعرف من الذي زعم ذلك، وهو س))؛ لقوله: ((ومن الناس من زعم أنها من ايمن)) - فليس كما ذكر المصنف، بل لا يدل ذلك على الجهل بقائله، بل الظاهر أنه لما كان عنده هذا القول ضعيفاً تأدب مع س، فقال: ((ومن الناس))، ولم يصرح باسمه إعظاماً له لما خالفه.
وأما قول المصنف عن الزمخشري: ((إنه لم يعرف من كتابه- يعني س- إلا ما يعرف بتصفح وانتقاء لا بتدبر واستقصاء)) فهو كما قال، ولذلك وقع في ((مفصله)) أغلاط ومخالفة لـ ((س))، وقد رد الناس عليه ذلك. لكن ما ذكره المصنف عن الزمخشري هو مشارك له فيه، فكم مكان خالف فيه نصوص س عن العرب، وكم نقل جهله عنه، وكم مفهوم فهمه خلاف ما فهمه المعتنون بكتاب س والتفقه فيه، على أنه ﵀ لم يقرأ كتاب س على أحد، إنما كان يتصفح منه مواضع، وقد رحل الزمخشري من خوارزم إلى مكة قبل العشرين وخمس المئة لقراءة كتاب س على رجل من أصحابنا من أهل الأندلس، يعرف بأبي بكر بن طلحة
стр. 3897
اليابري، كان مجاوراً بها، عالماً بكتاب سيبويه، وله تصانيف، فقرأ عليه الزمخشري جميع الكتاب.
وأما قوله ((فما أوفر تبجحه وأيسر ترجحه))! فهو كما قال وافر التبجح، يسير الترجع، معظم نفسه على طريقة أمثاله من أهل بلاده.
وقوله ولا ايمن المذكور جمع يمين، خلافاً للكوفيين قال المصنف في الشرح: ((رأيهم في هذا ضعيف؛ لأن همزة الجمع مقطوعة، وهذه همزة وصل لسقوطها مع اللام في: ليمنك، وليمن الله، وليس هذا بضرورة لتمكن/ الشاعر من إقامة الوزن بتحريك التنوين والاستغناء عن اللام، ولأن من العرب من يكسر الهمزة في الابتداء، وهمزة الجمع لا تكسر، ولأن منهم من يفتح الميم، فوزته افعل، ولا يوجد ذلك في الجوع)) انتهى.
وما نسبه المصنف للكوفيين من أن ايمن جمع يمين صحيح، لا خلاف عنهم في ذلك، وإن كان أبو القاسم الزجاجي نسب ذلك إلى الفراء، فما ذلك- والله أعلم- إلا لأنه هو الذي أثاره، وشهر به.
وقال بعض شيوخنا: ((لو كان ايمن جمع يمين لجاز فيه من الإعراب ما جاز في يمين، وهم قد رفعوا ونصبوا في يمين، والتزموا الرفع في ايمن)) انتهى.
ولا حجة في ذلك؛ لأنهم قد يختصون بعض الألفاظ بأحكام، كما اختصوا غدوة بأن نصبوها بعد لدن، وكما اختصوا بكرة وغدوة بمنع الصرف دون ضحوة، وكما اختصوا لعمرك بفتح العين.
واحتج للكوفيين بأن همزتها مفتوحة، وهمزة الوصل في الأسماء لا تكون مفتوحة، وبأنها على وزن أفعل، وأفعل بناء جمع، لا يزجد في أبنية الأسماء أفعل
стр. 3898
مفرداً، وقال س: لا يكون أفعل مفرداً.
وأما وصل همزتها في نحو لا يمن فإنما وصلت لكثرة الاستعمال، على أن وصلها ليس حتماً، حكى أبو الحسن في ألفه القطع، وزعم أنه جمع يمين وإن كان س قد حكى الوصل، فتحصل بحكايتهما أن للعرب فيها الوصل والقطع. ويدل على أن أصلها القطع كونهم أبدلوا منها الهاء، فقالوا: هيم الله، لو كانت في الأصل همزة وصل لم تبدل منها الهاء.
وأما كسرها في قولهم ايمن فهذا لا يدل على أنها ليست في الأصل أفعل الجمع؛ لأن العرب تلاعبت بهذه الكلمة حتى غيرتها نحواً من ثمانية عشر تغييراً على ما حكيناه، فهذا من بعض تلك التغييرات.
وزعم أبو الحسن فيما حكاه عنه بعضهم أن همزة ايم الله همزة وصل، وهمزة إيم الله همزة قطع، قال: ولا أحملها على ايم الله؛ لأن تلك قد علمت أنها وصل بقولهم: ليم الله، وليست همزة الوصل مطردة في الاسماء.
قال بعض أصحابنا: ((والصواب أن يعتقد فيها أن ألفها موصولة؛ لأنه لا يحفظ من كلامهم لإيم الله بإثبات الهمزة)). قال: ((وكذلك ينبغي أن يعتقد في ايمن الله؛ لأنه لا يحفظ من كلامهم لإيمن الله)).
وقال بعض شيوخنا: وأما ايمن الله -بكسر الهمزة- فلا أعلم خلااً أن الألف فيها ألف وصل؛ لأنها لو كانت جمعاً لما أمكن كسر الهمزة، ولأن إفعلاً ليس في الكلام، لا مفرداً ولا جمعاً، ولا صفة ولا مصدراً، ولا اسماً ولا فعلاً، وأما
стр. 3899
ما حكوه من إصبع فلم يثبت عند النظار في الأبنية.
وقال بعض أصحابنا: ((فإن قال قائل: لا حجة في حذف همزتها في الدرج على أنها همزة وصل لاحتمال أن تكون حذفت/ تخفيفاً لكثرة الاستعمال.
فالجواب أن تقول: التزام حذفها في الدرج يدل على أنها همزة وصل؛ إذ لو كانت همزة قطع إلا أنها حذفت تخفيفاً لجاءت مثبتة في الوصل في بعض الأحوال؛ ألا ترى أنالعرب لما حذفت همزة ((شيء)) مع ((أي)) في قولهم: أيش لك؟ تخفيفاً، وويلمه- لم تلتزم ذلك فيه؛ بل يجوز أن تقول: أي شيء لك؟ وويل أمه، وكذلك جميع ما حذف تخفيفاً يسوغ إثباته)) انتهى.
وما ذكره من أنه لم تقطع همزته ليس بصحيح؛ إذ قد حكى الأخفش فيها القطع، وقد تقدم لنا ذكر ذلك. وأما دعواه أن جميع ما حذف تخفيفاً يسوغ إثباته فليس بصحيح؛ ألا ترى أن قيودة ونظائرها هي في الأصل فيعلولة على مذهب البصريين، فالأصل قيودودة، اجتمعت وارو وياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فأدغمت، فصارت قيدودة، ثم خففت بحذف عين الكلمة، فصار قيدودة، ومع هذا فلا يجوز فيه ولا في نظائره أن يرد إلى أصله فيقال قيدودة بالإدغام.
وقال الأستاذ أبو علي: ايمن مغير كامرئ وابن، فلا يطالب بوزنه وأنه ليس في الكلام مثله، كما لا يطالب بذلك في ابن وامرئ إلا أنه لم ينطق بالأأصل. فقال أبو بكر بن طاهر: هو عنده- أي عند س -مغير من يمين. وقال غيره: بل هو مغير من فعل، اسم مشتق من اليمن، كامرئ المغير عن مرء، وهو أظهر. وقال ابن خروف: قال الأخفش: إن سميت بايمن ثم صغرته قلت يمين. وهو قول صحيح.
стр. 3900
وقوله وقد يخبر عن اسم الله مقسماً به بـ ((لك)) و ((علي)) مثال ذلك قول الشاعر:
لك الله لا ألفى لعهدك ناسياً ... فلا تك إلا مثل ما أنا كائن
وقول الآخر:
لقد حليتك العين أول نظرة ... فأعطيت مني- يا بن عم- قبولاً
أميراً على ما شئت مني مسلطاً ... فسل- فلك الرحمن- تمنع سولا
أي: لا تمنع سولا. وقول الآخر:
نهى الشيب قلبي عن صباً وصباية ... ألا- فعلي الله - أوجد صابيا
أي: لا أوجد صابيا.
وقوله وقد يبتدأ قسماً مثاله قول الشاعر:
علي إلى البيت المحرك حجة ... أوافي بها نذراً، ولم أنتعل نعلا
لقد منحت ليلى المودة غيرنا ... وإن لها منا المود ة والبذلا
وقال آخر:
على أخد من كل نذر هدية ... تحلله ما قلتها يا مهاجر
/ص: المقسم عليه جملة مؤكدة بالقسم، تصدر في الإثبات بلام مفتوحة، أو ((إن)) مثقلة أو مخففة، ولا يستغن ى عنهما غالباً دون استطالة، وتصدر في
стр. 3901
الشرط الامتناعي ب ((لو)) أو ((لولا))، وفي النفي ب ((ما)) أو ((لا)) أو ((إن))، وقد تصدر ب ((لن)) اة ((لم))، وتصدر في الطلب بفعله أو بأداته أو ب ((إلا)) أو ((لما)) بمعناها. وقد تدخل اللام على ((ما)) النافية اضطرارا.
ش: الذي يتلفى به القسم في الإثبات هو اللام المفتوحة وإن، وفي النفي ((ما)) و ((لا)) و ((إن))، وذكر المصنف أنها قد تصدر بلن ولم. وفي الشرط الامتناعي بلو أو لولا، ويأتي الكلام على ذلك مفصلا، إن شاء الله.
وزعم الأخفش أن القسم يجوز أن يتلقى بلام كي، وجعل من ذلك قوله تعالى: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ)، وقوله تعالى: (وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ)، والمعنى عنده: ليرضنكم ولتصغين، وقال ابن عناب الطائي:
إذا قال: قدني قلت: بالله حلفة ... لتغني عني ذا إنائك أجمعا
واختلف قول أبي علي: فأجاز ذلك في ((العسكريات))، ورجع عن ذلك في ((البصريات)) و ((التذكرة))، قال في ((العسكريات)): قول ابن عناب: ((بالله خلفة لتغني)) بالله: قسم، وهو مبتدأ به فلا بد له من جواب، وليس متوسطا
стр. 3902
فيحذف جوابه، نحو: زيد_ والله_ منطلق، ولا جواب له في هذا البيت ولا فيما بعده، فتعين أن يكون الجواب ((لتغني))، ولا يمنع من ذلك كونه في تقدير مفرد؛ لأن الفعل والفاعل اللذين جريا في صلة ان سدا مسد الجملة، كما سد في قوله: (الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا)، وعلمت أن زيدا منطلق، ولو أنك جئتني لأكرمتك، وأقائم زيد)).
وقال في ((البصريات)): لا يجوز تلقي القسم كي، ولا ورد منه شيء في كلام العرب، ف ((ليرضوكم)) متعلق ب ((يحلفون))، ولم يرد القسم، إنما أراد أن يخبر أن الذين يؤذون النبي يحلفون بالله للمسلمين ما عابوا النبي ليرضوهم بذلك.
وأما (ولتصغي) فمحمول على ما قبله من المصدر، وهو (غرور)، والتقدير: للغرور ولتصغي.
وأما (لتغني عني) فيحتمل أن يكون ((بالله)) متعلقا بفعل مضمر لا يكون قسما، أي: حلفت بالله لتغني عني. ويحتمل أن يكون قسما، وجوابه محذوف، أي: لتشربن لتغني عني، وحذف الجواب لدلالة الحال عليه، فيكون إذ ذاك نحو ما حكى أبو الحسن من قولهم: أما والله، ويحذفون ما يقسم عليه.
ورواه أبو علي في ((البصريات)):
إذا قال قدني قلت آليت حلفة ... ..................................
فيحتمل أن يكون ((لتغني)) متعلقا بآليت، ولا يراد بها القسم بل الإخبار.
стр. 3903
ورواه ثعلب ((لتغنن عني))، وهي لام الأمر، وجاء على لغة طيئ، ولغة غيرهم: لتغنين عني، والمعنى: أغنين عني، فآليت لا يراد بها القسم.
وزعم بعض القدماء من النحويين أن القسم قد يتلقى ب ((بل))، واستدل بقوله تعالى: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ).
وهذا /باطل؛ لأنه بنى جواز ذلك على الآية، ولا حجة فيها؛ إذ يحتمل أن يكون الجواب قوله: (كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ)، وحذف اللام_ أي: لكم_ لطول الفصل، كما حذفها من قوله تعالى: (قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ)، وهو جواب: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ).
وقال الفراء: ((ص معناها: وجب والله، ونزل والله، وحق والله، فهي جواب لقوله (وَالْقُرْآنِ)، كما تقول: نزل والله)). يريد أنها جواب للقسم من جهة المعنى لا من جهة اللفظ، بل الجواب محذوف لدلالة (ص) عليه، كما أن الجواب في قولك نزل والله محذوف لدلالة نزل عليه.
وزعم ابن عصفور أن من الحروف التي تربط القسم بالمقسم عليه ((أن))، قال في ((المقرب)): ((وأما الحروف التي تربط المقسم به بالمقسم عليه ف (أن) إن كانت
стр. 3904
الجملة الواقعة جوابا للو وما دخلت عليه؛ نحو قوله:
أما والله أن لو كنت حرا ... وما بالحر أنت ولا القمين))
ورد عليه شيخنا أبو الحسن بن الضائع، فقال: ((نص س على أن أن في جواب القسم كاللام الأولى في: والله لئن فعلت لأفعلن، فليست الرابطة للجواب بالقسم، وإنما جواب القسم على هذا ما زعم ابن عصفور أنه جواب لو، ولذلك لم تدخل اللام عليه في قوله تعالى: (أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ)؛ لأنه جواب القسم. ويدل على صحة ذلك أن لو كـ (إن)، فكما لا يجوز أن تكون (إ،) وجوابها جواباً للقسم فكذلك لو، بل يكون جوابهما هو جواب القسم. وأما امتناع: والله لقام زيد لو قام عمرو، وجواز: والله ليقومن زيد إن قام عمرو- فالمضي والاستقبال فعلا ذلك؛ لأنه يجوز: يقوم زيد إن قام عمرو، ولا يجوز: قام زيد لو قام عمرو. وأظن هذا هو الذي غلطه، على أن في لفظ السيرافي ما يقتضي أن أن مع لو جواب كما زعم ابن عصفور، فلينظر)) انتهى.
وقوله ((بل يكون جوابهما هو جواب القسم)) يريد به: بل ما كان يكون جوابهما لولا القسم هو جواب القسم، ولا يريد أن نفس جواب إن ولو هو بعينه جواب القسم.
стр. 3905
وقد رجع ابن عصفور عما في ((المقرب)) إلي ما قاله س، فقال: ((وقد يدخلون أن على لو توطئه يجعل الفعل الواقع بعدها جوابا للقسم، كما يدخلون اللام على إن الشرطية؛ أقسم أن لو قام زيد لقام عمرو، ومن ذلك قوله: فأقسم أن لو التقينا وأنتم لكان لنا يوم من الشر مظلم)) انتهى.
والذي يظهر من نص س أن أن ليست رابطة كما ذهب إليه ابن عصفور في ((المقرب))، ولا توطئة كما ذكره شيخنا ابن الضائع وابن عصفور في ثاني قوليه، بل زائدة، دخولها كخروجها. قال في ((هذا باب أن وإن)) بعد كلام ذكر فيه بعض أقسام أن، فقال: ((ووجه آخر تكون فيه لغوا)). ثم قال: ((فأما الوجه الذي تكون فيه لغوا فنحو قولك: لما أن جاء [ذهبت]، وأما والله أن لو فعلت لأكرمتك)) انتهى.
وقوله/ وتصدر في الإثبات بلام مفتوحة ظاهر هذا الكلام إطلاق الإثبات في الجملة الاسمية والفعلية، وكلامه في الشرح، وفي قوله بعد: ((وإن كان أول الجملة مضارعا))، وقوله بعد: ((ولا يخلو دون استطالة الماضي المثبت)) _ يدل على أنه هنا عنى الجملة الاسمية، قال في الشرح: ((كقوله تعالى: (ثُمَّ لَنَحْنُ
стр. 3906
أَعْلَمُ)، وكقول حسان:
فلئن فخرت بهم لمثل قديمهم ... فخر اللبيب به على الأقوام
(إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى)، (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ). ويستغنى عنهما قليلا دون استطالة في المقسم به، كقول أبي بكر: (والله أنا كنت أظلم منه))).
وذهب بعض النحويين إلى أنه لا يتلقى القسم ب ((إن)) إلا إذا كان في خبرها اللام، فإن لم تكن اللام فتحت أن، وتقدم لنا نقل المذاهب في ذلك في الفصل الأول من ((باب إن وأخواتها)).
وقوله دون استطالة إن كان طال ما بين القسم وجوابه فظاهر كلام المصنف انه يستغنى عن إن وعن اللام. وليس كذلك، بل الأكثر الفصيح أنه لا بد من أحدهما، وقد توسغ الاستطالة الحذف.
وقال في الشرح: ((فلو كان فيه استطالة لحسن الحذف، وكان جديرا بكثرة النظائر، كقول بعض العرب: (أقسم بمن بعث النبيين مبشرين ومنذرين، وختمهم بالمرسل رحمة للعالمين، هو سيدهم أجمعين)، وقول ابن مسعود ﵁: (والذي لا إله غيره هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة)، والأصل: لهذا،
стр. 3907
فحذف اللام لاستطالة القسم والخبر بالصلتين، ومن قول الشاعر:
ورب السموات العلا وبروجها ... والأرض وما فيها المقدر كائن
أي: للمدر كائن)).
ولم يذكر أحد من أصحابنا الاستغناء عن اللام أو عن إن في الجملة الاسمية، فينبغي أن يحمل ذلك على الندور بحيث لا يقاس عليه.
وقوله وتصدر في الشرط الامتناعي بلو أو لولا تقدم لنا أن اصحابنا لا يجعلون لو شرطا إلا إذا كانت بمعنى إن، وأما إن كانت تعليقا في الماضي فليست شرطا. ومن التصدير ب ((لو)) قول سويد بن كراع:
فتالله لو كنا الشهود وغبتم ... إذا لملأنا جوف خبرائهم دما
ومن التصدير ب ((لولا)) قول عبد الله بن الزبير:
فوالله لولا خشية النار بغتة ... علي لقد أقبلت نحري مغولا
وقالت امرأة:
فوالله لولا الله تخشى عواقبه ... لزعزع من هذا السرير جوانبه
/وقال راجز:
والله لولا الله ما اهتدينا
وكلام المصنف يقتضي أن جواب القسم لو ولولا وما دخلتا عليه،
стр. 3908
وكلامه في الفصل الأول من ((باب عوامل الجزم)) يقتضي أن جواب القسم محذوف يغني عنه جواب لو، وأن الجواب ل ((لو)) في نحو: والله لو قام زيد لقام عمرو، ول ((لولا)) في: والله لولا زيد لأكرمتك، فاضطرب كلام المصنف في هذه المسألة، وقد تكلمنا عليها هناك حيث تعرض المصنف لها.
ونقول: إن كلام أصحابنا نص في أن القسم ولو أو لولا إذا اجتمعا وتقدم القسم كان الجواب له؛ كتقدمه على أداة الشرط، فليست الجملة المتصدرة لو أو لولا جوابا له، ولا الجواب للو ولا للولا، ولكنه للقسم، ويلزم أن يكون ماضيا، فوجب أن يكون الدال عليهما ماضيا، فتقول: والله لو قام زيد لقام عمرو، ووالله لو قام بكر ما قام خالد، وكذلك لولا.
قال بعض أصحابنا: وقد يحذفون القسم قبل لو ولولا، ويكون مرادا، وذلك إذا كان الجواب موجبا، ودخلت عليه اللام، فتكون اللام والفعل جواب القسم المحذوف، ولا يجوز موجبا، ودخلت عليه اللام، فتكون اللام والفعل جواب القسم المحذوف، ولا يجوز حذفها، ويدل على حذف القسم قبل لولا إدخالهم لام التوطئة الدالة على القسم المحذوف عليها كما تدخل على إن الشرطية، قال:
للولا حصين عينه أن أسوءه ... وأن بني سعد صديق ووالد
وقال آخر:
للولا قاسم ويدا بسيل ... لقد جرت عليك يد غشوم
إلا أن ذلك لم يجئ إلا في الشعر كراهيو اجتماع لامين. وإن لم تقدر قبلهما قسما محذوفا كانت اللام جوابا لهما، ويجوز حذفها إذ ذاك.
стр. 3909
فلو كان الجواب منفيا ب ((ما)) لم يجز حذف القسم؛ لأنه لا يحذف إذا كان جوابه منفيا، فقولك: لو قام زيد ما قام عمرو، هو جواب للولا لقسم محذوف، ولو قلت: لو قام زيد لما قام عمرو كان جواب لو؛ لأنه إذا كان جواب قسم لم تدخل اللام على ((ما)) إلا في ضرورة، وهم يقولون لو قام زيد لما قام عمرو في فصيح الكلام وفي الشعر، ومنه قول الشاعر:
ولو نعطى الخيار لما افترقنا ... ولكن لا خيار مع الليالي
ولو قلت: لو قام زيد لم يقم عمرو، كان جواب لو؛ لأن القسم لا يجاب بلم. انتهى، وفيه بعض تلخيص.
وقوله وفي النفي ب ((ما)) أو ((لا)) أو ((إن)) أما الجملة الاسمية فتنفي ب ((ما)) ولا ننفي ب ((لا))، والنظر يقتضي أن تنفى ب ((إن))، فتقول: والله إن زيد قائم، أي: ما زيد /قائم. وذكر المصنف في ((شرح الشافية الكافية)) له أن الجملة الاسمية تنفي بما وإن ولا، قال: ((لا فرق في ذلك بين الجملة الفعلية والاسمية، إلا أن الاسمية إذا نفيت ب (لا)، وقدم الخبر، أو كان المخبر عنه معرفة_ لزم تكرارها في غير الضرورة، نحو: والله لا زيد في الدار ولا عمرو، ولعمري لا أنا هاجرك ولا مهيينك)) انتهى. وكون الجمله الاسمية تنفى ب ((لا)) غلط ووهم.
والثلاثة تنفة بها الجملة الفعلية، إلا أن ((لا)) لا تدخل على الماضي، فلا تقول: والله لا قام زيد. وزعم المصنف في الشرح أنه ينفى ب ((لا))، قال: ((ومن وروده في المنفى ب ((لا)) قول الشاعر:
ردوا، فوالله لا ذدناكم أبدا ... ما دام في مائنا ورد لنزال))
стр. 3910
وقد بحتنا معه في تأويل هذا البيت في آخر الباب الأول من هذا الكتاب بما يوقف عليه هناك.
وإذا تقدم الماضي المنفي بما أو بإن قسم يليه شرط صار ذلك الماضي مستقبل المعنى، كقوله: (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ)، وقوله (وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ).
وقوله وقد تصدر بلن أو لم قال المصنف في الشرح: ((وندر نفي الجواب بلن في قوله أبي طالب:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوارى في التراب دفينا
وب ((لم)) فيما حكى الأمعي أنه قال لأعرابي: ألك بنون؟ قال: نعم، وخالقهم لم تقم عن مثلهم منجبة)) انتهى. لا يقاس على شيء من ذلك البتة.
وليس للمتصف سلف فيمن أجاز ذلك إلا ما حكى عن ابن جني أنه زعم أنه قد يتلقى القسم بلم وبلن في الضرورة. واستدل على ذلك بقول زياد بن منفذ.
стр. 3911
رويق! إني وما حج الحجيج له ... وما أهل بجنبي نخلة الحرم
لم ينسني ذكركم مذ لم ألاقكم ... عهد، سلوت به عنكم، ولا قدم
وبقول الأعشي:
أجدك لم تغتمض ساعة ... فترقدها مع رقادها
أجدك عنده من قبيل الأقسام. وقال آخر:
أجدك لن ترى بثعيلبات ... ولا بيدان ناجية ذمولا
وهذا غلط من ابن جني؛ لأن القسم بعد إن يجوز فيما بعده أن يكون خبرا لأن، ويحذف جواب القسم، ويجوز أن يكون جوابا للقسم، فيكون القسم وجوابه في موضع خبر إن. وقوله ((لم ينسني)) ليس جوابا للقسم، بل هو خبر إن، وجواب القسم محذوف، فهو نظير قولك: إن /زيدا_ والله_ لقائم، فقوله ((لم ينسني)) لا يصلح أن يكون جوابا للقسم كما لا يصلح ((لقائم))، وفي قولك: إن زيدا والله ليقومن، فيتعين أن يكون ليقومن جواب القسم. ومنه ما يحتمل الوجهين، نحو قول طرفة:
إني وجدك ما هجوتك والـ ... ـأنصاب يسفح بينهن دم
يجوز أن يكون ((ما هجوتك)) خبرا لإن، ويحتمل أن يكون جوابا للقسم.
وقال الكميت:
إني لعمر أبي سوا ... ك من الصنائع والذخائر
стр. 3912
وقال الآخر:
إنك والله لذو ملة ... يطرفك الأدنى عن الأبعد
فهذا يتعين أن يكون خبرا لإن.
وأما قول العرب: أجدك لم تفعل كذا، ولن تفعل كذا، فلا يراد به القسم، وهو عند س من باب ما ينتصب من المصادر توكيدا لما قبله، نحو قولك: هذا عبد الله حقا، قال س في هذا البا: ((ومثل ذلك في الاستفهام: أجدك لا تفعل كذا؟ كأنه قال: أحقا لا تفعل كذا))؟ قال: ((وأصله من الجد، كأنه قال: أجدا؟ ولكنه لا يتصرف، ولا يفارق الإضافة، كما كان ذلك في لبيك ومعاذ الله)).
قال بعض أصحابنا: ((وإنما جعله_ يعني س _ من هذا الباب وإن كان أجدك ليس قبله كلام يؤكد؛ لأن الكلام الذي بعده النية به أن يكون مقدما عليه من جهة أن المصدر في هذا الباب منصوب بفعل مضمر تدل عليه الجملة التي المصدر توكيد لها؛ وذلك الفعل احق أو ما جرى مجراه، وذلك أنك إذا قلت (هذا عبد الله) فالظاهر أن يكون هذا الكلام قد جرى على يقين منك وتحقيق، فدل الكلام بظاهره على أحق أو ما في معناه، فلما كانت الجملة دالة على الفعل المضمر الناصب للمصدر كان الوجه فيها ان تكون متقدمة على المصدر؛ لأن الدليل بابه
стр. 3913
أن يكون متقدما على المدلول، وإنما التزم في أجدك لا تفعل كذا تقديم المصدر لأنه خالف المصادر المؤكدة لما قبلها في التزامهم فيه الإضافة؛ والتغيير كثيرا ما يأنس بالتغيير، فلم يتصرفوا فيه لذلك، بل ألزموه طريقة واحدة، فجعلوه مجاورا لهمزة الاستفهام مقدما على ما يؤكده، وصار التقديم الذي كان في غيره ضعيفا لا يجوز غيره فيه)) انتهى.
والمحفوظ أن الفعل المنفي بعد أجدك يكون نفيه ب ((لم)) وب ((لن)) كما أنشدنا قبل، وب ((لما))، قال زهير:
أفي كل أخدان وإلف ولذة ... سلوت، وما تسلو عن ابنة مدلج
وليدين، حتى قال من يزغ الصبا: ... أجدك لما تستحي أو تحرج
وب ((لا)) كما قال س: أجدك لا تفعل كذا؟.
/ وأما ما استدل به المصنف من قول العربي ((نعم، وخالقهم لم تقم عن مثلهم منجبة)) فليس ((لم تقم)) جوابا للقسم، بل جواب القسم محذوف، يدل عليه سؤال السائل: ألك بنون؟ فقال: نعم، وخالقهم لبنون لي، ثم أستأنف مدحهم، وأخبر أنه لم تقم عن مثلهم منجبة.
فهذا الذي ذهب إليه المصنف من أنه قد تصدر في النفي بلم ولن لا سلف له فيه إلا ابن جني، فإنه أجاز ذلك في الضرورة، واستدل بما ذكرناه، وتقدم الرد عليه.
стр. 3914
وكان أبو عبد الله محمد بن خلصة الكفيف يجيز أيضا أن يتلقي القسم بلم. وقد رد عليه ذلك أبو محمد بن السيد ٠
واعتلوا لكون ((لن)) لم يتلق بها القسم_ وإن كانت ك ((لا)) في نفي المستقبل_ بأن قولك ((لن يفعل)) نفي ل ((سيفعل))، فلما كانت في مقابلة السين لم يتلقوا بها القسم كما لا يتلقى بالسين.
وقوله وتصدر في الطلب بفعله أو بأداته أو بإلا أو لما بمعناها تقدم لنا الكلام على ما يكون جوابا لفعل الطلب وأنه ستة أشياء في أوائل هذا الباب؛ ومثال فعل الطلب قول الشاعر:
بعيشك_ يا سلمى_ ارحمي ذا صبابة ... أبي غير ما يرضيك في السر والجهر
ومثال الاداة قوله:
بربك، هل للصب عندك رأفة ... فيرجو بعد اليأس عيشا مجددا
ومثاله بإلا قوله:
بالله ربك إلا قلت صادقة ... هل في لقائك للمشغوف من طمع
ومثال لما:
قالت له: بالله_ ياذا البردين_ ... لما غنثت نفسا او اثنين
وقوله وتدخل اللام على ((ما)) النافية اضطرارا مثاله قول الشاعر:
стр. 3915
لعمرك_ يا سلمى_ لما كنت راجيا ... حياة، ولكن العوائد تخرق
وقال النابغة:
فلا عمر الذي أثني عليه ... ...........................
البيتان، وتقدم إنشادهما ٠
-[ص: وغن كان أو الجملة مضارعا مثبتا مستقبلا غير مقارن حرف تنفيس ولا مقدم معمولة لم تغنه اللام غالبا عن نون توكيد؛ وقد يستغني بها عن اللام، وقد يؤكد المنفي ب ((لا)). ويكثر حذف نافي المضارع المجرد مع ثبوت القسم، ويقل مع حذفه. وقد يحذف نافي الماضي إن امن اللبس، ويكثر ذلك لتقدم نفي على القسم، وقد يكون الجواب مع ذلك مثبتا. وقد يحذف لأمن اللبس نافي الجملة الاسمية، /وقد يكون الجواب قسما.]-
ش: قال المصنف في باب نوني التوكيد ما نصه: ((وهما خفيفة وثقيلة، تلحقان وجوبا المضارع الخالي من حرف تنفيس المقسم عليه مستقبلا مثبتا غير متعلق به جار)) فكرر معظم أحكام المضارع، وخالفه بأنه قال هناك ((تلحقه وجوبا))، وقال هنا ((لم تغنه اللام غالبا)). وقال هناك ((غير متعلق به حار)) وقال هنا ((ولا مقدم معموله)). وقد شرحنا ما في باب نوني التوكيد، ونتكلم على هذا هنا، فنقول:
اخترز بقوله ((مثبتا)) من أن يكون منفيا، وذكر بعد أنه قد يؤكد المنفي ب ((لا)). واحترز بقوله ((مستقبلا)) من أن يكون حالا. قال المصنف في الشرخ. ((فإن أريد به الحال قرن باللام، ولم يؤكد بالنون؛ لأنها مخصوصة بالمستقبل، فمن
стр. 3916
شواهد إفراد اللام لكون الحال مقصودا قول الشاعر:
لئن تك قد ضاقت عليكم بيوتكم ... ليعلم ربي أن بيتي واسع
ومثله:
لعمري لأدري ما قضى الله كونه ... يكون، وما لم يقض ليس بكائن
ومثله:
وعيشتك_ يا سلمى_ لأوقن أنني ... لما شئت مستحيل ولو أنه القتل
ومثله:
يمينا لأبغض كل امرئ ... يزخرف قولا، ولا يفعل))
انتهى.
واورد المصنف هذه المسألة كأنها مجمع عليها، وهي مسألة خلاف:
فمنهم من قال: إن الحال لا يجوز أن يقسم عليه؛ لأن مشاهدته أغنت عن أن يقسم عليه ٠ وحكاه الزجاج عن المبرد، قال: ولذلك لم تدخل عليه إحدى النونين. ورد ذلك عليه بأن قال: لو كان امتناع دخول النون على الحال لأنها لا يحلف عليها لكان كل من يحلف عند القاضي لا يجب أن تقبل يمينه؛ لأنه يحلف أنه في حال ليس عليه شيء، ولامتنع قولك: والله لأنت أفضل الناس؛ إذ هو في حال فضل، وقولك: والله لزيد يصلي بحذائي ولامتنع (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ).
стр. 3917
وقال ابن عصفور وقد ذكر مذهب من منع ان يقسم علي الحال، قال: "وهذا باطل؛ لأنه قد يعوق عن المشاهدة عائق، فيحتاج إذ ذاك إلي القسم، نحو قولك: والله إن زيداً في حال قيام، لمن لا يدرك قيام زيد. والصحيح انه يجوز أن يقسم عليه، إلا أنه إن كان موجباً فإنك تنشئ من الفعل اسم الفاعل، وتصيره خبر المبتدأ، ثم تقسم علي الجملة الاسمية، فتقول: والله غن زيداً لقائم، والله إن زيداً قائم، والله لزيد قائم. وإنما لم يجز ان تبقي الفعل علي لفظه وتدخل اللام لأنك لو قلت والله ليقوم زيد لأدى ذلك إلي الإلباس/ في لعض المواضع؛ وذلك أنك إذا قلت والله ليقوم زيد لأدى ذلك إلي الإلباس/ في بعض المواضع؛ وذلك أنك إذا قلت إن زيداً والله ليقوم لم يدر هل يقوم خبر إن أو جواب القسم. ولا يجوز إدخال النون فارقة فتقول: إن زيداً والله ليقومن؛ لأن النون تخلص للاستقبال.
وقد تدخل عليه اللام وحدها، ولا يلتفت إلي اللبس، إلا أن ذلك قليل جداً، بابه الشعر، قال الشاعر:
تألى ابن أوسٍ حلفةً ليردني ... إلي نسوةٍ، كأنهن مفائد"
وقال ابن عصفور أيضاً: "وإن كان المقسم عليه حالاً موجباً دخلت عليه اللام، ومن ذلك قراءة قنبل ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، والأكثر فيه إذ ذاك أن يجعل خيراً لمبتدأ، فتصير الجملة اسمية".
وقال في "المقرب": "وإن كان موجباً فلابد من وقوعه خبراً لمبتدأ، فتكون الجملة إذ ذاك اسمية، نحو: والله إن زيداً ليقوم الآن".
وقال ابن أبي الربيع: "وأما في الإيجاب فترد الفعلية اسمية بتقديم الفاعل،
стр. 3918
فتقول: والله لزيد يقوم".
وقال أيضاً: "وقد ياتي قليلاً: والله ليقوم زيد، كما قال:
كذبت، لقد أصبي علي المرء عرسه ... وأمنع عرسي أن يزن بها الخالي"
وقوله غير مقارن حرف تنفيس احتراز من أن يقترن به حرف تنفيس، فإنه إن اقتران به دخلته اللام فقط، قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾، وقال الشاعر:
فوربي لسوف يجزى الذي أسلفه المرء سيئاً أو جميلاً
وحكم السين في ذلك حكم سوف، فتقول: والله لسيقوم زيد. هذا مذهب البصريين، قالوا ذلك بالقياس علي سوف، ولم يسمع.
ولا يجيز ذلك الفراء، قال: لأن اللام كالجزء مما تدخل عليه، ولذلك جاز في فصيح الكلام: لهو قائم، بتسكين الهاء تخفيفاً إجراء لها مجرى عضد، فلو قلت والله لسنقوم لأدى ذلك إلي توالي أربعة أحرف بالتحريك فيما هو كالكلمة الواحدة، وذلك مرفوض في كلامهم، ولذلك سكنوا آخر الفعل في ضربت.
قال بعض أصحابنا: "والصحيح جوازه بدليل قول العرب: (والله لكذب زيد كذباً ما أحسب أن الله يغفره له)، فكما احتملوا ذلك في هذا وامثاله، ولم يجعلوا اللام كالجزء من الكلمة- فكذلك يجوز: والله لسيقوم زيد" انتهى.
стр. 3919
وينبغي أن يزيد: "ولا قد"، فإنه تدخله اللام فقط، نحو: والله لقد يقوم زيد، حكم قد حكم سوف.
وقوله ولا مقدم معموله احتراز من أن يتقدم المعمول، فإنه إن تقدم دخلته اللام فقط، ومنه قوله تعالى: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾، وقال الشاعر:/
يميناً ليوم يجتني المرء ما جنت ... يداه، فمسرور ولهفان نادم
وقال الآخر:
جواباً به تنجو اعتمد، فوربنا ... لعن عملٍ أسلفت لا غير تسأل
وقال آخر:
قسما لحين تشب نيران الوغي ... يلفي لدي شفاء كل غليل
ولو قال المصنف "غير مفصول بينه وبين اللام لم تغنه غالباً" كان أخصر واحصر؛ إذ نقصه أن يقترن ب "قد".
وقوله لم تغنه اللام غالباً عن نون توكيد هذا الذي اختاره هو مذهب الكوفيين، وأما البصريون فلابد عندهم من اللام والنون إلا في الضرورة، فقد يستغنى بإحداهما عن الأخرى.
وتبع أبو علي الكوفيين، فأجاز أن تذكرهما معاً أو أحدهما معاً أو احدهما، أي شيء أردت منهما.
وادعى ابن هشام الإجماع على انه لابد منهما، وأن أبا علي لم يسبقه أحد إلي ما ذهب إليه. وليس كما ذكر؛ إذ مذهب الكوفيين جواز تعاقبهما كما ذكرنا، ونصوص س علي لزومهما معاً.
стр. 3920
فمثال ما النفي فيه باللم وحدها قول الشاعر:
تألى ابن أوسٍ حلفة ليردني ... .........................
وقد تقدم إنشاد ابن عصفور هذا على أن "ليردني" فعل حالٍ دخلت عليه اللام، وذلك قليل جداً، وأنشده علي أنه فعل مستقبل، فاضطرب في فهمه فيه.
قال المصنف في الشرح: "وقلت (في الغالب) احترازا من قول النبي- صلي الله عليه وسلم- (ليرد علي أقوام أعرفهم ويعرفوني)، ومن قول الشاعر:
تألى ابن أوس حلفة ليردني ..................................
ومن قول ابن رواحة ﵁:
فلا وأبي لنأتيها جمعياً ... ولو كانت بها عرب وروم"
وقوله وقد يستغنى بها عن اللام مثاله قوله:
وقتيل مرة أثأرن، فإنه ... فرغ، وإن اخاكم لم يثأر
стр. 3921
وأنشده الأستاذ أبو علي "وإن أخاكم لم يضهد"، وأنشده غيره "لم يقصد"، وأنشد قبله:
ولأثأرن بمالكٍ وبمالكٍ ... وأخي المروراة الذي لم يسند
وقال آخر:
وهم الرجال، وكل ملك منهم ... تجدن في رحبٍ وفي متضيق
وقال آخر:/
ليت شعري! وأشعرن، إذا ما قربوها منشورة، ودعيت
وقال آخر:
فليأزلن، وتبكأن لقاحه ... ويعللن وليده بسمار
وقد اعتل الفارسي في "تذكرته" لعدم دخول إحدى النونين مع السين
стр. 3922
وسوف حين يتقدم المعمول، نحو ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾، ومع "قد" علي المنفي ب "لا"- بما ملخصه: "أن كلا من السين وسوف ولا تخلص الآتي من فعل الحال، فاستغنى عن النون إذ هي مخلصة أيضاً، وبأن قد حرف غير عامل كالسين وإن كانت قد خالفتها في أنها لا تدل علي الاستقبال" انتهى. ويعني أن "قد" حرف مختص بالفعل، جعل كالجزء منه كالسين.
وقوله وقد تؤكد المنفي ب "لا" قال المصنف في الشرح: "إن كان المضارع المجاب به القسم منفياً لم يؤكد بالنون إلا إن كان نفيه ب "لا"، فحينئذ قد يؤكد بها، كقول الشاعر:
تالله لا يحمدن المرء محتنبا ... فعل الكرام وإن فاق الورى حسبا
والأكثر الا يؤكد، كقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ " انتهى.
ولو حذفت "لا" كان كإثبات في تأكيد الفعل بنون، كما قال الشاعر:
بإصر يتركني ................... ... ..........................
وقوله ويكثر إلي قوله مع حذفه مثاله قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾، وقال حسان:
стр. 3923
أقسمت أنساها، وأترك ذكرها ... حتى تغيب في الضريح عظامي
ولو كان الفعل المنفي ب "لا" مركداً بالنون لم يجز حذف "لا" لإلباسه بالمثبت؛ بل الذي يتبادر إلي الذهن هو الإثبات.
وقد أطلق المصنف في نافي المضارع المجرد مع ثبوت القسم، ولا يخلو من ان يكون النافي "لا" أو "ما"، فإن كان "لا" فالحكم كما ذكر، وإن كان "ما" فمن النحويين من أجاز حذفهما حملاً علي "لا"، ومن النحويين من منع ذلك لعدم ورود السماع به، ولما فيه من اللبس؛ لأنه لا يعلم إذا حذفت هل القسم علي النفي في الحال أو في المستقبل.
ومثال حذف "لا" والقسم محذوف قول الشاعر:
وقولي إذا ما أطلقوا عن بعيرهم ... تلاقونه حتى يؤوب المنخل
أراد: والله لا تلاقونه. إلا أنه لا يجوز حذفها والقسم محذوف غلا إذا كان المعنى لا يصح إلا بتقدير النفي، كالبيت الذي أنشدناه، هكذا قال المصنف، وفهم ان قبل "تلاقونه" قسماً محذوفاً.
وقال بعض اصحابنا: "ولا يجوز حذفها منه- أي حذف/ لا من المضارع- في غير القسم إلا في ضرورة؛ لأنه لا يوجد فيه من كثرة الاستعمال والتفرقة اللازمة بين الإيجاب والنفي ما يوجد في القسم. ومما جاء من ذلك قول النمر بن تولب:
وقولي إذا ما أطلقوا .............. .....................................
البيت. يريد: لا تلاقونه. وقول الآخر:
стр. 3924
تنفك تسمع ما حييت بهالك حتى تكونه
يريد: لا تنفك" انتهى. فلم يجعل تلاقونه ولا تنفك جواب قسم محذوف.
وقوله وقد يحذف نافي الماضي إن أمن اللبس مثاله قول أمية بن أبي عائذ الهذلي:
فإن شئت آليت بين المقا ... م والركن والحجر الأسود
نسيتك ما دام عقلي معي ... أمد به أمد السرمد
قال المصنف في الشرح: "أراد: لا نسيتك، فحذف النافي لأن المعنى لا يصح إلا بتقديره، وأنه لو أراد الإثبات لقال: لقد نسيتك، أو لنسيتك. وهذا النوع مع ظهور المعنى دون تقدم نفيٍ آخر علي القسم قليل" انتهى.
وقال بعض أصحابنا: إن دخلت علي لفظ الماضي، نحو قولك: والله لا فعلت هذا أبداً- لم يجز حذفها إلا في ضرورة، لا يجوز ان يقال في الكلام: والله فعلت هذا أبداً. ومما جاء في الضرورة قوله:
فلا وأبي دهماء زالت عزيزة ... علي قومها ما فتل الزند قادح
يريد: فلا وأبي دهماء لا زالت عزيزة.
وزعم الكوفيون أن "لا" غير محذوفه في البيت، وإنما هى مقدمة من تأخير، والتقدير: فوأبي دهماء لا زالت عزيزة.
وما ذهبوا إليه باطل؛ لأن الحروف التي يتلقى بها القسم لا يجوز تقديمها علي القسم. ومما يدلك علي أن "لا" محذوفة في البيت رواية من روى:
لعمر أبي دهماء زالت عزيزة ... ...................................................
стр. 3925
وقوله ويكثر ذلك لتقدم نفي علي القسم أي: ويكثر حذف نافي الماضي، قال:
فلا والإله نادى الحي ضيفي ... هدوا بالمساءة والعلاط
أي: فلا والإله لا نادى، فحذف الثاني استغناء عنه بالأول. وقد يجتمعان، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾، وكقول أبي ذر: (فلا والله لا أسألهم دنيا، ولا أستفتيهم عن دين).
وقوله وقد يحذف لأمن اللبس نافي الجملة الاسمية مثاله قول الشاعر:
فوالله ما نلتم، وما نيل منكم ... بمعتدل وفق ولا متقارب
أراد: ما ما نلتم، فحذف "ما" النافية، وأبقى "ما" الموصولة، وجاز ذلك لدخول الباء الزائدة/ في الخبر ولدلالة العطف.
ويجوز علي مذهب الكوفيين أن تكون "ما" الباقية النافية والمحذوفة الموصولة، ولا يجوز هذا علي مذهب البصريين؛ لأنهم لا يجيزون بقاء الصلة بلا موصول في اللفظ وغن دل عليه دليل، قاله المصنف في الشرح.
следующие страницы →