Полный текст (3 950 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
وقوله أو خلفه ليشمل ما وقع الربط فيه بالظاهر الذي هو الموصول من حيث المعنى، وهو خلف من الضمير، ومنه ما روي من كلامهم "أبو سعيد الذي رويت عن الخدري"/، و"الحجاج الذي رأيت ابن يوسف"، ومنه قول الشاعر:
فيا رب ليلى أنت في كل موطن وأنت الذي في رحمة الله أطمع
يريدون: رويت عنه، والذي رأيته، وفي رحمته.
وقال أبو علي في التذكرة: "وقال رجل يخاطب ربه -تعالى-:
..................................... وأنت الذي في رحمة الله أطمع
حمل على المعنى، وكأنه قال: وأنت الذي في رحمتك، أو في رحمته أطمع، ومن الناس من لا يجيز هذا" انتهى.
قال بعض أصحابنا: تقديره "أنت الذي في رحمتك أطمع" أولى، وأوقع الظاهر موقع المضمر، ولم يكرر لفظ الأول، وهذا لم يجزه س في خبر المبتدأ، فأحرى أن لا يجوز عنده في الصلة.
وقوله وجملة صريحة أو مؤولة مثال التأويل بجملة مؤولة الوصل بالظرف والمجرور التامين، والصفة الواقعة صلة للألف واللام، فإذا قلت: قام الذي عندك، أو في الدار، فإن صلة الموصول جملة مسندة إلى ضمير
стр. 667
الموصول محذوفة، وبها يتعلق حرف الجر، وهي عاملة في الظرف. وكذلك: مررت بالضارب، هو مؤول بجملة، ولذلك تعمل الصفة ماضية ومستقبلة وحالًا.
وقوله غير طلبية المقصود بالصلة توضيح الموصول، والجملة الطلبية لم يتحصل معناها بعد، فهي أحرى أن لا يتحصل بها وضوح غيرها.
وما ذكره المصنف من أن الجملة الواقعة صلة تكون غير طلبية هو مذهب الجمهور، وفي ذلك خلاف:
أما جملة الأمر والنهي فذهب الكسائي إلى جواز ذلك، فتقول: الذي أضربه، أو لا تضربه زيدٌ.
وأما جملة الدعاء إذا كانت بلفظ الخبر فحكمها عند المازني حكم الجملة الأمرية والنهيية عند الكسائي، فيجوز عند المازني أن تقول: الذي يرحمه الله زيدٌ، وكأنه راعى صيغة الخبر، ولم يلحظ معناه. ويقتضي مذهب الكسائي موافقة المازني، بل هو أحرى بذلك لأنه إذا أجاز ذلك مع صيغة الأمر والنهي فلأن يجيزه مع صيغة الخبر المراد به الدعاء أولى وأحرى.
وقوله ولا إنشائية هذا مخالف لما قسم الكلام إليه من أنه خبرٌ وطلب، وهنا جعل الجمل ثلاثًا: خبرًا وطلبًا وإنشاءً، وتقسيمها إلى خبر وإنشاء هو التقسيم الصحيح.
والجملة الإنشائية هي التي حصول معناها مقارن لحصول لفظها، فلا يصلح وقوعها صلة. قال المصنف في شرحه: "لأن الصلة
стр. 668
معَرفة، والموصول معرف، فلابد من تقدم الشعور بمعناها على الشعور بمعناه. والمشهور عند النحويين تقييد الجملة الموصول بها بكونها معهودة، وذلك غير لازم لأن الموصول قد يراد بع معهود، فتكون صلته معهودة، كقوله تعالى: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾، وكقول الشاعر:
/ألا أيها القلب الذي قاده الهوى أفق، لا أقر الله عينك من قلب
وقد يراد به الجنس، فتوافقه صلته، كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إلاَّ دُعَاءً ونِدَاءً﴾، وكقول الشاعر:
ويسعى إذا أبني ليهدم صالحي وليس الذي يبني كمن شأنه الهدم
وقد يقصد تعظيم الموصول، فتبهم صلته، كقول الشاعر:
فإن أستطع أغلب، وإن يغلب الهوى فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه
وقال آخر:
وكنت إذا أرسلت طرفك رائدًا لقلبك يومًا أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه، ولا عن بعضه أنت صابر"
انتهى.
стр. 669
وما ذهب إليه من أن جملة الإنشاء لا تقع صلة هو مذهب الجمهور. وذهب هشا إلى أنه يجوز في ليت ولعل وعسى أن يقعن صلة للموصول، فتقول: الذي ليته منطلق زيدٌ، والذي لعله منطلق زيدٌ، والذي عسى أن يخرج عمروٌ.
ومما يستدل به لهشام في وقوع "لعل" صلة للموصول قوله:
وإني لرامٍ نظرة قبل التي لعلي -وإن شطت نواها- أزورها
والمشهور أن "عسى" إنشاء لأنه ترجٍ، فهي نظيرة "لعل"، ولذلك لا يجوز وصل الموصول بها، لكن دخول "هل" الاستفهامية عليها في نحو قوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ ....﴾ ووقوعها خبرًا لـ"إن" في قول الراجز:
أكثرت في العذل ملحًا دائمًا لا تلحني إني عسيت صائمًا
стр. 670
دليل على أنها فعل خبري، وإذا ثبت كونها فعلًا خبريًا فينبغي أن يجوز وقوعها صلة للموصول بلا خلاف.
ويحتمل أن تكون "عسى" صلة لـ"ذا" المراد به "الذي" على أحد محتملات "ذا" في قول الشاعر:
وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا سوى أن يقولوا: إنني لك عاشق
وقول الآخر:
وماذا عسى الحجاج يبلغ جهده إذا نحن جاوزنا حفير زياد
ومن منع ذلك تأول هذا السماع، وقد تأولوا قوله "قبل التي لعلي" على إضمار القول بعد "التي"، أي: قبل التي أقول لعلي، أو على إضمار خبر "لعلي" وجعل "أزورها" صلة لـ"التي"، والتقدير: قبل التي ازورها وإن شطت نواها لعلي أبلغ ذلك، وفصل بين الصلة/ والموصول بجملة الاعتراض التي هي: لعلي أبلغ ذلك.
стр. 671
وذكر أصحابنا شروط الجملة الواقعة صلة، فزادوا فيها أنها لا تكون تعجبية ولا مستدعية كلامًا قبلها.
أما اشتراط انتفاء كونها تعجبية فإن التعجب عندهم خبر من الأخبار يقبل التصديق والتكذيب، فلا يجوز: جاءني الذي ما أحسنه! وعلة ذلك أن التعجب إنما يكون من خفي السبب، والصلة موضحة، فتنافيا.
وأما من يذهب إلى أن التعجب إنشاء فوجه المنع ظاهر، وذلك أن الإنشاء يكون في الحال، والصلة لا تكون أبدًا إلا معهودة بينك وبين مخاطبك على المشهور، والإنشاء ليس فيه تقدم عهد، فلا يجوز.
وفي الإفصاح: "جملة الشرط والجزاء ونعم وبئس وجملة التعجب كلها تكون صلة لـ"الذي" باتفاق إلا جملة التعجب فإن فيها خلافًا" انتهى.
وفي البسيط: "وفي التعجب والقسم من غير إضمار القول خلاف، ووجه جوازه أنهما خبر يوضحان الموصول كما يوضح الموصوف، فكما تقول: مررت برجل ما أحسنه! وبرجل لتكرمنه، كذلك تقول: "مررت بالذي لتكرمنه، وقال تعالى: ﴿وإنَّ مِنكُمْ لَمَنْ لَّيُبَطِّئَنَّ﴾ أي: للذي ليبطئن".
стр. 672
وأما كأن ولعل وليت فالأحسن أن لا تكون في الصلة لأنها غيرت الخبر عن مقتاه، وقد تدخل في الجملة مراعاة للأصل".
"قالوا: فإذا دخل الموصول معنى الشرط لم تكن صلتها شرطًا لاجتماع الشرطين، والشيء لا يكون تمام نفسه، ولأنه لا يوضح لأنه لا يثبت له.
وليس بصحيح: أما الأول فلبس أحدهما هو الآخر حتى يكون الشيء تمامًا لنفسه، بل كل واحد شرط على حدته لمشروطه، كقولك: الذي إن تطلع الشمس ينظر إليها فهو صحيح البصر. وأما الثاني فهو منقوض بالشرط الأول، وكان قد قدم جواز: الذي إن قام قام أبوه منطلق، فهذا يعني بالأول" انتهى.
وأما اشتراط كونها لا تكون مستدعية كلامًا قبلها فهو نحو أن تقول: جاءني الذي حتى أبوه قائم، فلا يجوز ذلك لأن "حتى" لابد أن يتقدمها كلام تكون "حتى" غاية له.
وذهب جماعة من قدماء النحويين إلى أنه لا يجوز وصل الموصول بالقسم وجوابه إذا كانت جملة القسم قد عربت من ضمير يعود على الموصول؛ فلا يجوز أن تقول: جاءني الذي أقسم بالله لقد قام أبوه.
стр. 673
وذهبوا أيضًا إلى أنه لا يجوز الوصل بالشرط والجزاء إذا عربت إحدى الجملتين من ضمير عائد على الموصول، فلا يجوز: جاءني الذي إن قام عمرو قام أبوه.
قال أصحابنا: وذلك جائز قياسًا وسماعًا:
أما القياس فإن الجملتين قد صارتا بمنزلة جملة واحدة بدليل أن كل واحدة منهما لا تفيد إلا باقترانها بالأخرى، فاكتفى فيهما بضمير واحد كما يكتفي في الجملة الواحدة.
وأما السماع فقوله تعالى: ﴿وإنَّ مِنكُمْ لَمَنْ لَّيُبَطِّئَنَّ﴾، فـ (ليبطئن) جواب قسم، والقسم جوابه في موضع صلة لـ (من)، التقدير: وإن منكم للذي والله ليبطئن.
فإن قلت: لعل (من) نكرة/ أي: لإنسانًا ليبطئن؟
فالجواب: أم "من" النكرة لابد لها من صفة، والجملة إذا وقعت صفة فلابد فيها من رابط يربطها بالموصوف، فإذا ثبت في جملة القسم والجواب أنها تقع صفة فكذلك تقع صلة.
ومن السماع قوله تعالى: ﴿وإنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾، فـ (ما) موصولة في موضع هبر (إن)، واللام الداخلة عليها لام (إن)، و (ليوفينهم) جواب القسم المحذوف، والقسم جوابه في صلة (ما).
فإن قيل: لعل (ما) حرف زائد، وليست بموصولة؟
стр. 674
فالجواب: أن ذلك يؤدي إلى دخول لام التوكيد على مثلها، حتى كأنك قلت: لليوفينهم، وذلك لا يجوز.
وقد رد شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع هذا، وقال: "الممتنع أن تدخل اللام على اللام، فإذا فصل بينهما جاز؛ ألا ترى أن القسم أيضًا فاصل في التقدير". وقال أيضًا: "لا يمنع: "جاءني الذي والله لأضربنه" من عنده أدنى مسكة من اللغة، ثم إن هذا ليس للغة فيه مجال، بل هو معنى لا يصح أن يخالف فيه أحد من العقلاء لأن الفطرة السليمة تقبل مثل هذا الإخبار، وهو أن تقول: زيدٌ والله لأضربنه، وكذا: زيدٌ أقسم بالله لأضربنه، وكذا: زيدٌ إن يكرمني تحسن حالي، وقال الشاعر:
وأنت إذا استدبرته سد فرجه بضاف فويق الأرض ليس بأعزل
ومثله كثير في الكلام، ومعنى صحيح في كل لغة".
"ثم أي فرق بين الوصل والخبر؟ فكما يجوز الخبر بجملة الشرط والجواب كذلك يجوز الوصل، ولهذا إذا ارتبطت الجملتان بالفاء جاز أيضًا أن يكون الضمير في إحداهما وإن لم يكن في الأخرى؛ كإجازة أبي علي "الذي يطير الذباب فيغضب زيد" على أن يكون الضمير العائد على الموصول
стр. 675
في "يغضب"، والجملة الأولى خالية عنه، لكن لارتباطهما بالفاء وصيرورتهما جملة واحدة جاز. وعلى هذا كان الأستاذ أبو علي يجيز في قوله:
إن الخليط أجد البين فانفرقا ..............................
رفع "البين" على أن يكون فاعلا بـ"أجد"، ويكون الضمير العائد على اسم "إن" في "انفرقا"، وجاز لارتباطهما بالفاء" انتهى.
وزعم الكوفيون أن الموصول قد يجوز أن يتبع باسم معرفة بعده، ويستغنى بذلك عن الصلة، فأجازا أن تقول: ضربت الذي أباك. واستدلوا على ذلك بقول الشاعر:
حتى إذا كان هما اللذين مثل الجديلين المحملجين
ويقول الآخر:
إن الزبيري الذي مثل الجلم سرى بأسلابك في أهل العلم
стр. 676
إلا أن تكون المعرفة التي بعد الموصول اسمًا مضمرًا فإنه لا يجوز إجراؤه على الموصول والاستغناء به عن الصلة عندهم؛ لأن الضمير لا يكون نعتًا، فتقول: ضربت الذي أنت/، أي: الذي هو أنت، ولا يجوز عندهم: ضربت الذي إياك.
وهذا الذي ذهبوا إليه عند البصريين باطل، لابد للموصول عندهم من صلة، ولا حجة لهم في البيتين لأنه يحتمل أن تكون الصلة محذوفة لفهم المعنى، التقدير: اللذين عادا مثل الجديلين، والذي عاد مثل الجلم، فحذف، ولم يبق من الجملة إلا الحال، وإذا كانت الجملة الواقعة صلة كما تقدم يجوز حذفها بأسرها فالأحرى أن يجوز ذلك إذا بقى منها بعض.
وزعم الكوفيون أيضًا أن مثلًا تقع صلة للموصول. واستدلوا بالبيتين السابقين، وذلك بناءً منهم على أن "مثلك" تستعمل ظرفًا، وهذا مقرر في علم الكوفيين أن "مثلك" تكون محلًا، وسنتعرض لذلك في باب المبتدأ والخبر، إن شاء الله.
ورد استدلالهما بأنه يحتمل أن تكون الصلة محذوفة، أي: صارا مثل، وصار مثل، فحذف الجملة، وأبقى معمولها، وإذا حذفت الجملة بأسرها في قوله:
стр. 677
........................ وكفيت جانيها اللتيا والتي
أي: اللتيا صغرت والتي عظمت، فالأحرى أن تحذف ويبقى منها بعض.
وقوله ومن الحروف ما أول مع ما يليه بمصدر، ولم يحتج إلى عائد أي: والموصول من الحروف. و"ما أول" جنس يتناول "صه" ونحوه من أسماء الأفعال، فإنه يؤول بمصدر معرفة إن لم ينون، وبمصدر نكرة إن نون. ويتناول أيضًا الفعل المضاف إليه، نحو: حين قمت قمت، معناه: حين قيامك. ويتناول أيضًا (هو) من قوله ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ أي: العدل. قال المصنف: "فاحترزت من هذه الأشياء ونحوها بقولي "مع ما يليه"، فإن هذه الأشياء مؤولة بمصادر لا مع شيء يليها، بخلاف الحروف الموصولة، فإنها تؤول بمصادر مع ما يليها من صلاتها" انتهى.
وفيما ذكر منازعة، وذلك أن "صه" اسم فعل، فمدلوله لفظ فعل، وإذا كان مدلوله لفظ فعل فكيف يؤول بمصدر؟ ولو كان مؤولًا بمصدر على مذهبه لكان له موضع من الإعراب، والمصنف لا يرى له موضعًا من الإعراب؛ لأنه من حيث أوله بمصدر لابد أن يكون ذلك المصدر إما في موضع رفع أو نصب أو جر، فيلزم من حيث أنه لا موضع له من
стр. 678
الإعراب أن لا يكون مؤولًا بمصدر.
وأما قوله: يتناول أيضًا (هو) من قوله ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ فلا يقال إن (هو) يتأول بمصدر؛ إذ الضمير إذا عاد على شيء لا يقال فيه إنه يتأول بذلك الشيء، لو قلت: زيد هو الفاضل، وأعربنا هو مبتدأ، لا نقول إنه يتأول بالاسم العلم الذي هو زيد، ولو قلت: خرج أخوك، فقال قائل: هو من أهل الخير، لا نقول إن "هو" يتأول باسم مضاف إلى ضمير، وهو "أخوك"، فكذلك "هو"، هو عائد على المصدر المفهوم مما قبله، فلا يقال أنه يتأول بمصدر. والحروف المصدرية قليلة جدًا، فالذي كان يناسب أن تعد لا أن تحد كما قلنا/ في أول كلامنا على الموصول.
وقوله ولم يحتج إلى عائد احتراز من "الذي" الموصوف به مصدر محذوف، فإنه يدل على المصدر، ولابد له من عائد، نحو: قمت الذي قمت، تريد: القيام الذي قمت، فهذا لابد من تقدير عائد، أي: قمته. قال المصنف: "ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿وخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ أي: كالخوض الذي خاضوه، حذف الخوض، وأقام (الذي) مقامه، وحذف العائد إلى (الذي) لأنه منصوب متصل بفعل، وحذف مثله كثير" انتهى.
وهذا المثال أيضًا لا يتعين لما ذكر؛ بل قالوا يكون مما حذفت منه النون، أي: كالذين، أو صفة لمفرد في معنى الجمع، أي: كالجمع الذي خاضوا، ويكون قد جمع الضمير في الصلة على معنى "الذي" لا على لفظه.
стр. 679
وجَوَّزَ الكوفيون والمصنف أن تكون (الذي) مصدرية، فينسبك منها ومن صلتها مصدر، وتكون حرفية لا يعود عليها ضمير، أي: وخضتم كخوضهم، ومع هذا الاحتمالات لا يتعين ما ذكر في الآية.
-[ص: فمن الأسماء الذي والتي للواحد والواحدة، وقد تشدد ياءاهما مكسورتين أو مضمومتين، أو تحذفنا ساكنًا ما قبلهما أو مكسورًا، وتخلفهما في التثنية علامتها مجوزًا تشديد نونها وحذفها. وإن عنى بـ"الذي" من يعلم أو شبهه فجمعه "الذين" مطلقًا، ويغني عنه "الذي" في غير تخصيص كثيرًا، وفيه للضرورة قليلًا، وربما قيل "اللذون" رفعًا.]-
ش: بدأ المصنف بالذي والتي لأنهما -وإن كانا مبنيين- ظهر فيهما تصرف ما كالتثنية والجمع والتصغير، فصار فيهما بذلك شبه بالمعرب، ولأنه إذا التبس كون غيرهما موصولًا اختبر بصلاحية الذي والتي موضعه.
واللام والياء في "الذي" أصلان لأنه اسم ظاهر، فلم يكون على حرف واحد كسائر الأسماء الظاهرة.
وقال الكوفيون: الاسم الذال وحده لأم الياء تسقط في التثنية، ولو كانت أصلًا لم تسقط، ولحذفها في الشعر وتسكين الذال، واللام زيدت
стр. 680
ليمكن النطق بالذال ساكنة، ولتدخل اللام على متحرك.
وقالوا: والجواب عما قاله الكوفيون أنه لي بتثنية حقيقة، وحذفها في الشعر من الشذوذ لا يدل على زيادتها، وقد حذف كثير من الأصول في الشعر. والألف واللام في "الذي" زائدتان لا للتعريف، والتعريف بالصلة بدليل تعرف من وما بها إذا لا لام فيهما، ولأنهما لو حصلا التعريف لكان الاسم مستعملًا بدونهما نكرة؛ إذ جميع ما تدخل عليه لام التعريف كذلك، ورب زائد يلزم كالفاء في: خرجت فإذا زيد. انتهى هذا الرد، وفيه مناقشة.
وفي البسيط ما ملخصه: "مذهب س أن أصل الذي لذي كعمي، ومذهب الفراء أن أصله "ذا" التي لاسم الإشارة". "وكذا التي أصلها عن س لتي، وعند الفراء تي. ومذهب السهيلي أن أصل الذي ذو بمعنى صاحب"./ وللفراء والسهيلي تقديرات حتى صارت "الذي" في غاية الاضمحلال والتعسف، ضربنا عن كتابتها صفحًا.
وقوله للواحد أي: للمذكر سواء كان من ذوي العلم أم غيرهم.
стр. 681
والواحدة أي: للمؤنث سواء كانت من ذوات العقل أم غيرهن.
وقوله وقد تشدد ياءاهما مكسورتين مثاله قول الشاعر:
وليس المال فاعلمه بمال وإن أغناك إلا للذي
ينال به العلاء، ويصطفيه لأقرب أقربيه وللقصي
ويروى: وإن أرضاك إلا للذي. هكذا أنشد هذا البيت المصنف، وأنشد غيره:
................................. وإن أنفقته إلا الذي
تنال به العلاء وتصطفيه لأقرب أقربيك وللقصي
فعلى ما أنشده المصنف يكون "إلا للذي" استثناء مفرغًا، ويكون "للذي" واقعًا على الشخص، والتقدير: وليس المال فاعلمه بمالٍ لأحدٍ إلا للشخص الذي ينال به العلاء. وعلى ما أنشده غيره يكون استثناء من المال، ويكون "الذي" وقع على المال لا على الشخص، إذ التقدير: وليس المال فاعلمه بمال وإن أغناك إلا المالي الذي تنال به العلاء وتصطفيه لأقرب أقربيك وللقصي.
وظاهر قول المصنف "وقد تشدد ياءاهما مكسورتين" أنهما يبنيان على
стр. 682
الكسر، وإن ذلك جائز في الذي والتي. أما البناء على الكسر فليس يظهر في الرواية التي أنشدها المصنف، وهي قوله "إلا للذي" لأنه يجوز أن تكون الحركة حركة إعراب أحدثتها لام الجر. وأما في إنشاد غيره "إلا الذي تنال به" على الخطاب بـ"تنال" وبقوله "وتصطفيه" و"أقربيك" فإن فيه دليلًا على البناء.
وقد زعم أبو موسى أن الياء تجري بوجوه الإعراب الثلاثة. وإن صح هذا عن العرب فلا يكون في إنشاد المصنف دليل على أنها تبنى على الكسر؛ إذ يحتمل أن تكون الكسرة كسرة إعراب.
وذكر بعض أصحابنا أن في "الذي" إذا شددت البناء على الكسر والجري بوجوه الإعراب.
وأما جواز ذلك في الذي والتي فإن التشديد سمع في "الذي"، وأما في "التي" فلا يحفظ ذلك. وكأن المصنف اعتمد على أبي موسى في "الكراس" له حيث ذكر ذلك. وأما من تعرض لحصر لغات "التي" كالدينوري في "المهذب"، والهروي في "الأزهية"، والجوهري في "الصحاح"، فلم يذكروا ذلك في كتبهم.
وقوله أو مضمومتين مثاله ما أنشده المصنف من قول الشاعر:
أغض ما اسطعت فالكريم الذي يألف الحلم إن جفاه بذي
стр. 683
وظاهر كلام المصنف أنها تكون مبنية على الضم مشددة.
ولا حجة في هذا البيت على البناء إذ قد يحتمل أن تكون الحركة حركة إعراب، كما ذكروا أنه يجوز في "الذي" مشددة/ الجري بوجود الإعراب.
وقوله أو تحذفان ساكنًا ما قبلهما مثاله:
فلم أر بيتًا كان أحسن بهجة من اللذ به من آل عزة عامر
وقال:
ما اللذ يسومك سوءًا بعد بسط يد بالبر إلا كمتلي البغي عدوانا
وقال:
فما نحن إلا من أناس تخرموا بأدنى من اللذ نحن فيه وأوفرا
وقال آخر:
فكنت والأمر الذي قد كيدا كاللذ تزبى زبية فاصطيدا
وقال آخر:
стр. 684
فقل للت تلومك إن نفسي أراها لا تعوذ بالتميم
وقال آخر:
أرضنا اللت أوت ذوي الفقر والذل فآضوا ذوي غنى واعتزاز
وقوله أو مكسورًا مثاله قول بعض بني تميم:
واللذ لو شاء لكانت برًا أو جبلًا أصم مشمخرًا
وقوله:
لا تعذل اللذ لا ينفك مكتسبًا حمدًا، ولو كان لا يبقى ولا يذر
وقال الفراء: ومن العرب من يقول: "هو اللذ قال ذلك".
ولم ينشدوا على كسر التاء دون ياء شيئًا، لكن ذكر ذلك فيها الدينوري والهروي والجوهري، إلا أن المصنف في بعض نسخ شرح هذا الكتاب أنشد على ذلك قول الشاعر:
стр. 685
شغفت بك اللت تيمتك، فمثل ما بك ما بها من لوعة وغرام
ومن ذهب إلى أن هذا التصرف في ياء الذي والتي من التشديد في الياء، ومن حذفها والاجتزاء بالكسرة عنها، ومن حذفها وتسكين المكسور، مختص بالشعر، فمذهب فاسد، وإنما نقله أئمة العربية على أنها لغات من الذي والتي.
قال الفراء: "ومن العرب من يقول: هو اللذ قال ذلك، ويقول في الواحد: هو اللذ قال ذلك، بجزم الذال، وفي الواحدة: هي اللت قالت ذلك" انتهى.
وقد تقدم من قولنا أن تشديد الياء في "التي" لا نحفظه، لكن أكثر أصحابنا نص عليه كـ"الذي" سواء.
وقوله وتخلفهما أي: تخلف ياء الذي وياء التي في التثنية علامتها أي: الألف رفعًا والياء نصبًا وجرًا، تقول: اللذان/ واللتان، ورأيت الذين، ومررت بالذين، وكذلك "التي".
وقوله مجوزًا تشديد نونها أي: نون التثنية. وتخفيف النون لغة الحجاز وبني أسد، وتشديدها لغة قيس وتميم. وظاهر كلام المصنف جواز التشديد مع الألف والياء.
стр. 686
وفي البسيط: "وفيه وجهان: تشديد النون لغة قريش، وتخفيفها". فأما مع الألف فلا خلاف في تجويز تشديد النون، وقد قرئ في السبعة ﴿والَّلذَانِ يَاتِيَانِهَا مِنكُمْ﴾، وأما مع الياء ففيه خلاف: مذهب البصريين أنه لا يجوز التشديد مع الياء. وذهب الكوفيون إلى جواز ذلك، وبه قرأ بعضهم في قوله ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا﴾.
وذكر المصنف أن التشديد قصد به التعويض مما حذف من الاسم المفرد في التثنية؛ لأن القياس كان يقتضي أن لا يحذف منه شيء، فكان يقال: اللذيان كما قالوا: الشجيان، لكنهم حذفوا الياء في التثنية، فناسب أن يعوضوا من ذلك المحذوف التشديد في النون. ويحتاج من دعوى هذا إلى دليل.
ولمدع أن يدعي أن هذه الزيادة في النون إنما هي للفرق بين تثنية المبني وتثنية المعرب لا للتعويض من المحذوف؛ كما فرقوا بالحركة بين المعرب والمبني في قبل وبعد، فجعلوا الحركة فيهما إذا كان مبنيين ضمة، وكل واحد من القولين دعوى.
وفي البسيط أقوال في تشديد النون لم شددت، لا يقوم لشيء منها دليل.
стр. 687
وقوله وحذفها الحذف لغة بني الحارث بن كعب وبعض ربيعة، يقولون: هما اللذا قالا ذلك، بحذف النون، وهما اللتا قالتا ذلك، وعليه قوله في تثنية الذي:
أبني كليب إن عمي اللذا قتلا الملوك، وفككا الأغلالا
وقال:
وعكرمة الفياض منا وحوشب هما فتيا الناس اللذا لم يعمرا
وقال:
وحوصاء ورألان الـ ـلذي دلا على الحج
وقال في تثنية التي:
هما اللتا لو ولدت تميم لقيل فخر لهم عميم
وقوله وإن عني بـ"الذي" من يعلم أو شبهه يعني بشبهه الأصنام التي عبدت من دون الله إذ نزلوها منزلة من يعلم حتى عبدوها. فمثال إطلاق "الذين" على من يعلم قوله ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾، وهو كثير جدًا. ومثال إطلاقه على من يشبه من يعلم قوله تعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ
стр. 688
عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ﴾ إلى قوله ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بها﴾ إلى آخر الاستفهام.
وقوله فجمعه "الذين" مطلقًا يعني أنه يكون بالياء في موضع الرفع والنصب والجر. قال المصنف في الشرح: "لما كانت التثنية من خصائص الأسماء المتمكنة، ولحقت الذي والتي، وجل لحاقهما/ معارضًا لشبههما بالحروف، فأعربا في التثنية كما جعلت إضافة "أي" معارضة لشبهها بالحروف، فأعربت. ولم يعرب أكثر العرب "الذين" وإن كان الجمع من خصائص الأسماء لأن "الذين" مخصوص بأولي العلم و"الذي" عام، فلم يجريا على سنن الجموع المتمكنة؛ بخلاق "اللذين" و"اللتين"، فإنهما يجريا على سنن المثنيات المتمكنة لفظًا ومعنى. وعلى كل حال ففي "الذي" و"الذين" شبه بالشجي والشجين في اللفظ وبعض المعنى، فلذلك لم يجمع العرب على ترك إعراب الذين" انتهى.
والذي ذهب إليه المحققون أن اللذان واللتان والذين واللذون صيغ تثنية وجمع، وليست بتثنية صحيحة ولا جمع صحيح؛ لأنها لو كانت تثنية صحيحة للزم تنكيرها لأن الاسم لا يثنى حتى ينكر، ولذلك تقول "الزيدان"، والموصلات لا يتصور تنكيرها لأن موجب تعريفها لازم لها، وهو الألف واللام على قول، والصلة على قول آخر، فلما لم يتصور تنكيرها لم يتصور تثنيتها وجمعها. ويبين أنها ليست بتثنية صحيحة حذف الياء، إذ لو كانت تثنية صحيحة لقيل اللذيان واللتيان، كما تقول في القاضي والغازي
стр. 689
القاضيان والغازيان.
وقوله ويغني عنه "الذي" في غير تخصيص كثيرًا مثاله ﴿والَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾، فلو لم يكن المراد به جمعًا لم يخبر عنه بجمع، وهو "أولئك"، ولا عاد عليه ضمير جمع.
قال المصنف: "ومنه ﴿كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ﴾ انتهى. وليس مثل ما تقدم لأنه يحتمل أن يكون (الذي) هو مفردًا، بل هو أظهر، بخلاف قوله ﴿والَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾.
وقوله وفيه للضرورة قليلًا أي: وفي التخصيص. قال المصنف في الشرح: "إذا قصد بـ"الذي" مخصص فلا محيص عن "اللذين" في التثنية و"الذين" في الجمع، ما لم يضطر شاعر، كقوله:
أبني كليب إن عمي اللذا ......................................
وقوله:
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد"
انتهى.
ولا يعرف أصحابنا هذا التفصيل بين أن يقصد به التخصص أو غيره، بل أنشدوا البيتين على الجواز في فصيح الكلام لا على الضرورة، وعلى
стр. 690
ذلك أنشدوا أيضًا قول الشاعر:
يا رب عبس لا تبارك في أحد في قائم منهم، ولا فيمن قعد
إلا الذي قاموا بأطراف المسد
وقول الآخر:
فبت أساقي القوم إخوتي الذي غوايتهم غيي ورشدهم رشدي
وقول الآخر:
أولئك أشياخي الذي تعرفونهم .................................
قال الأخفش: يكون "الذي" للجمع والواحد بلفظ واحد كـ"من". قيل: ومنه ﴿والَّذِي/ جَاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ﴾ و ﴿كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. فعلى مذهب الأخفش لا يكون "الذي" المراد منه الجمع محذوفًا منه النون، بل هو من المشترك بين الواحد والجمع. ولو كان مثل "من" على ما ذهب إليه الأخفش لجاز أن يكون أيضًا للمثنى، فيعود عليه الضمير مثنى،
стр. 691
فتقول: جاءني الذي ضربا زيدًا، وهذا غير مسموع.
وقوله وربما قيل اللذون رفعًا يعني أنه أجري مجرى ما جمع بالواو والنون رفعًا، والياء والنون جرًا ونصبًا. قال المصنف: "إعراب الذين في لغة طيئ مشهور، فيقولون: نصر اللذون آمنوا على الذين كفروا".
ونقل غيره من أصحابنا أنها لغةً هذيل. ونقل غيرهما أنها لغةً عقيل. وأنشد من ذكر أنها لغةً طييء ومن ذكر أنها لغة هذيل قول الشاعر:
وبنو نوينجيه اللذون كأنهم ... معط مخدمة من الخزان
ص: وقد يقال لذي بأذان ولذان ولذين ولاتي. وبمعنى الذين الألى والألاء واللاء واللائين مطلقًا، أو جرًا ونصبًا، واللاؤون رفعًا. وجمع التي: اللاتي، واللاتي واللواتي، وبلا ياءات، واللأ واللوا واللواء واللاءات مكسورًا أو معربًا أعراب أولات والألي، وقد ترادف التي واللاتي ذات وذوات مضمومتين مطلقًا.
стр. 692
ش: قال المصنف في الشرح: "والسادسةً - يعني اللغة السادسةً - حذف الألف واللام وتخفيف الياء ساكنةً. وبهذه اللغة قرأ بعض الأعراب، قال أبو عمرو بن العلاء: سمعت أعرابيًا يقرأ بتخفيف اللام، يعني ﴿صِراطَ لَذِينَ﴾ انتهى.
ولم يذكر المصنف شاهدًا على ما ادعاه من حذف الألف واللام من لذي ولذان ولذين ولتي ولاتي سوى قراءةً هذا الأعرابي، فإن كان مستنده القياس على قراءة هذا الأعرابي، فجوز الحذف من البواقي دون سماع، كان قياسًا فاسدًا لأن ذلك في ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ﴾ في غايةً من الدور والشذوذ، فلا يقاس عليه، وهو شبيه بحذف الألف واللام من قول بعضهم "سلام عليكم"، بحذف التنوين على إرادة الألف واللام، وذلك على رأي من يزعم أن تعريف الذي وما فيه الألف واللام من الموصولات بالألف واللام.
وقوله وبمعنى الذين الألى هي على وزن "العلي"، والمشهود وقوعها بمعنى "الذين" فتكون للعقلاء، نحو قول الشاعر:
стр. 693
رأيت بني عمي الألي يخذلونني على حدثان الدهر إذ يتقلب
وقول الآخر:
وإن يكن من خيار أمته من الألي يحشرهم في زمرته
وقول الآخر انشده بعض البغداديين:
ألا أيها القوم الألي ينبحوني ... كما نبح الليث الكلاب الضوارع
ألم ترني بعد الذين تتابعوا ... وكانوا الألي أعطى بهم وأمانع
وقول الآخر:
أليسوا بالألي قسطوا جميعا ... على النعمان, وابتدروا السطاعا
وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: "وأما الألي بمعنى اللذين فغنها تقع على من يعقل وما لا يعقل من المذكرين" انتهى. ولا تختص بالمذكر, بل تأتي للمؤنث على ما يذكر إن شاء الله.
وقال: "وقولنا الألي بمعنى "اللذين" تحرز منها بمعنى "أصحاب" نحو قوله:
стр. 694
لقد علمت أملى المغيرة أنني ... لحقت, فلم أنكل عن الضرب مسمعا
معناه: أصحاب المغيرة" انتهى.
وهذا وهم من الأستاذ، أولى تأنيث أول، ومعنى أولى في البيت متقدمةً الخيل المغيرةً، أو أولى الجماعةً المغيرةً، قال أبو عبد الله بن خالويه: سألت أبا عمر - يعني غلام ثعلب - عن قوله:
لقد علمت أولى المغيرة أنني ... .................
فقال: أولى كل شيء أوله، وأنشد:
له وفضة قيها ثلاثون سيحفًا ... إذا ما رأت أولى العدى اقشعرت
ولو قال ابن عصفور: "احترز من ألي اسم الإشارة"، لكان له وجه لأن النطق بهما واحد، ورسمهما في الخط واحد، بخلاف أولى فإن بعد الهمزة واوًا، تمد الهمزةً لأجلها إذ هي عين الكلمةً، فلفظةً "ألي" مشتركةً بين أن تكون موصولةً وبين أن تكون مشارًا بها، ولا تكون بمعنى "أصحاب" البتة، ولا أيضًا "أولى" تأنيث "أول" بمعنى "أصحاب"، ثم إنه لا يقع اشتراك بين ألَى الموصولةً وألي اسم الإشارةً إلا إذا كانت الموصولةً دون ألف ولام، نحن قول الشاعر:
أأنتم ألي جئتم مع الدبر والدبا ... فطرتم، وهذا شركم غير طائر
стр. 695
وقول بشر بن أبي خازم:
ونحن ألي ضربنا رأس حجر ... بأسياف مهندةً رقاق
وقول والألاء مثال ذلك قول الشاعر:
أبى الله للشم الألاء كأنهم سيوف أجاد القين يوما صقالها
وقوله واللأء مثال قول الشاعر:
من النفر اللاء الذين هم إذا يهاب الرجال حلقة الباب قعقعوا
وقال كثير:
تروق عيون اللاء لا يطعمونها ويروي برياها الضجيع المكافح
وأنشد الفراء لرجل من سليم:
فما آباؤنا بأمن منه ... علينا اللاء هم مهدوا الحجورا
стр. 696
اجتزأ بالكسرةً عن الياء.
وقوله واللائين مطلقًا يعنى انه كـ "الذين", يكون بالياء رفعًا ونصبًا وجرًا، وهذه لغةً هذيل. وأنشد المصنف في الشرح قول الشاعر:
وإنا من اللائين إن قدروا عفوًا وان اتربوا جادوا, وإن تربوا عفوًا
وأنشد غيره:
ألمًا تعجبني وترى بطيطا من اللائين في الحقب الخوالي
وأنشد المصنف:
من اللاتي يعود الحلم فيهم ويعطون الجزيل بلا حساب
قال: "فقوله "من اللائين" يحمل أن يكون على لغة من يبني، ويحتمل أن يكون على لغة من يعرب".
وقوله واللاؤون هي أيضًا لغة لبعض هذيل، يقولون "اللاؤون، في الرفع، و "اللائين" في الجر والنصب، وأنشدوا:
стр. 697
هم اللاؤون فكوا الغل عني بمرو الشاهجان، وهم جناحي
ويجوز حذف النون من اللائين واللاؤون، قرأ ابن مسعود ﴿لِلَّائي آلَوْا مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ وابن مسعود هذلي. وسمع الكسائي هذيلًا تقول: "هم اللاؤو صنعوا كذا". وحكي الفارسي في "الشيرازيات" عن بعض البغداديين أنه حكي: "هم اللائي فعلوا كذا"، فاستعمله بالياء في حالة الرفع محذوف النون كقراءة عبد الله.
ونسب المصنف لهذيل هذه اللغة، أعني "اللاؤون" رفعًا، ولم ينسب "اللائين" مطلقًا، وكلاهما لغة لهذيل. قال المصنف في الشرح: "والصحيح أن الذين جمع الذي مرادًا به من يعقل، وأن اللائين جمع اللاء مرادفًا للذين" انتهى. وهذه كما قلنا ليست بجموع حقيقةً.
وقوله وجمع التي اللاتي واللائي واللواتي وبلا ياءات هذه ستة ألفاظ للجمع في "التي". قال المصنف: "وإثبات الياءات فيهن هو الأصل، وحذفها تخفيف واجتناب للاستطالة، وقد بالغوا في ذلك حتى حذفوا التاء والياء من اللاتي واللواتي، فقالوا: اللأ واللوا، ولم أجد حجةً على ذلك إلا
стр. 698
تصديق الرواة" انتهى.
وعدم وجدانه هو لا يدل على عدم الوجود، وهذا هو من باب نقل اللغةً، وليس من شرط نقل اللغةً أن يجد في ذلك المتأخر نقلًا عن العرب بصريح لفظها، بل يكفي في ذلك قول اللغوي: إن العرب تقول كذا.
وقد أنشد المصنف في نسخةً أخرى من الشرح قول الراجز:
جمعتها من اينق عكار ... من اللوا شرفن بالصرار
وقال:
وكانت من اللا لا يعيرها ابنها إذا ما الغلام الأحمق الأم عيرًا
والبيت للكميت، وقال الكميت:
فدومي على العهد الذي كان بيننا أم أنت من اللا ما لهن عهود
قال: "والأظهر عندي أن الأصل في التي: اللوائي، وفي اللَّا:
стр. 699
اللاء". وأنشد غير المصنف:
اللاء كن مرابعا ومصايفًا ... بك, والغصون من الشاب رطاب
وقوله واللاءات مكسورًا أي مبنيًا على الكسر في الأحوال الثلاث، أو معربًا إعراب أولات، أي: يرفع بالضمةً، ويجر وينصب بالكسرةً. ولم يذكر بعض أصحابنا في "اللاءات" إلا البناء على الكسر. وأنشد المصنف:
أولئك إخواني الذين عزفتهم ... وأخدانك اللاءات زين بالكتم
وزاد "اللائي" بياء محضةً، و "اللاتي" بالسكون. ولا تثبت لغةً السكون بقوله ﴿اللَّائِي يَئِسْنَ﴾ لإمكانه أن يكون السكون لأجل الإدغام.
وقوله والألي تقدم أن "الألى" أيضًا يكون لجمع المذكر عاقلًا وغير عاقل، ومما جاء فيه لجمع المذكر بمعنى الذين وجمع المؤثنات بمعنى
стр. 700
اللاتي قول الشاعر:
وتفني الألي يستلئمون على الألي ... تراهن يوم الروع كالحدأ القبل
ومما جاءت فيه بمعنى "اللاتي" قوله:
فأما الألى يسكن غور تهامة ... فكل فتاة تترك الحجل أقصما
وقال يصف كلابًا وبقرةً وحشيةً:
تبذ الألى يأتينها من ورائها ... وإذ تتقدمها الطوارد تصطد
وقول وقد ترادف التي واللاتي ذات وذوات مضومتين مطلقًا تقدم أن "ذات" بمعنى صاحبةً تعرب بالضمةً والفتحةً والكسرةً، وأن "ذوات" بمعنى صواحب تعرب، بالضمةً والكسرةً نحو صاحبات. فأما إذا كانت "ذوات" بمعنى "التي" - أي: لمؤنثةً مفردةً - أو: "ذوات" بمعنى "اللاتي" - أي: لجمع مؤنث - فإنهما مبنيان على الضم أبدًا، ومن كلام العرب "بالفضل ذو فضلكم الله به، وبالكرامةِ ذات أكرمكم الله به، وقال الشاعر:
стр. 701
جمعتها من أينق موارق
ويروى: سوابق.
ذوات ينهضن بغير سائق
وهذا الذي ذكره هو لغة طيئ، وتأتي "ذو" إن شاء الله.
وتثنى ذات: ذواتا في الرفع وذواتي في الجر والنصب، فتعرب كإعراب تثنيةً "ذات" بمعنى صاحبةً. وقال المصنف في الشرح: "إن تاء ذات وذوات مضمومةً أبدًا، وحكي غيره إعراب "ذات" الموصولةً بالحركات إعراب "ذات" بمعنى "صاحبة". ونقل لنا شيخنا الإمام بهاء الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي نمر الحلبي شهر بابن النحاس أنه حكي إعراب "ذوات" الموصولة إعراب "ذوات" بمعنى "صواحب", فترفع بالضمةً، وتجر وتنصب بالكسرةً، قال: وهذا غريب. والأفصح في "ذات" أن لا تثنى ولا تجمع، بل تكون "ذات" للمؤنثةً المفردةً ومثناها ومجموعها، وأن تبنى على الضم حالة الرفع والنصب والجر.
стр. 702
-[ص: وبمعنى الذي وفروعه من وما وذا غير ملغي ولا مشار به بعد استفهام بما أو من، وذو الطائيةً مبنية غالبًا، وأي مضافًا إلى معرفةً لفظا أو نيةً. ولا يلزم استقبال، عامله ولا تقديمه، خلافًا للكوفيين، وقد يؤنث بالتاء موافقًا للتي. وبمعنى الذي وفروعه الألف واللام، خلافًا للمازني ومن وافقه في حرفيتها، وتوصل بصفة محضة، وقد توصل بمضارع اختيارًا، ومبتدأ وخبر أو ظرف اضطرارًا.]-
ش: يعني بقوله "وفروعه" فروع "الذي"، وفروعه هي "التي" لأن التأنيث فرع التذكير، وتثنيتهما وجمعهما، نحو اللذان واللتان، والذين واللاتي. فـ "من" و"ما" يجوز أن يراد بكل منهما المفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث؛ إلا أن لكل منهما بالنسبةً إلى ثم يعلم وما لا تعلم اعتبارًا يذكر - إن شاء الله. عند تعرض المصنف له.
وقوله غير ملغي إن عني بالإلغاء الزيادةً كما يفهم من ظاهر اصطلاح النحويين فليس قوله بصحيح لأن الأسماء لا تلغى، أي: لا تزاد، وإذ عني أنها ركبت مع "ما"، وصار المجموع اسم استفهام، فيصح.
وقوله وذا غير مشار به أصل "ذا" أنه اسم إشارةً، ثم جرد من معنى الإشارةً، واستعمل موصولًا بالشرط الذي يذكر، فإذا أقر على أصل موضوعةً من الإشارةً لم يحتج إلى صلةً، وانعقد منه مع "من" أو "ما" كلام، وإذا كان موصولًا كان جزء كلام، واهتم إلى صلة وعائد كغيره من الموصولات، وصار يقع على المفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث.
وقوله بعد استفهام بما أو من أما جعل "ذا" موصولةً بعد "ما" الاستفهاميةً فلا نعلم خلافًا في جواز ذلك، وأما بعد "من"الاستفهاميةً ففيه
стр. 703
خلاف، فأكثر أصحابنا أجازوا ذلك، ومن النحويين من لا يجيز ذلك. واستدل لجواز ذلك بقول الشاعر:
وغريبة تأتي الملوك كريمة ... قد قتلها ليقال: من ذا قالها
وقول الآخر:
ألا إن قلبي لدى الظاعنينا ... حزين فمن ذا يعزي الحزينا
وفي البسيط: "وقيل: لا تكون "ذا" موصولةً مع "من" لأن "من" تخص من يعقل، فليس فيها إبهام كما في "ما"، وإنما صارت بالرد إلى الاستفهام في غاية الإبهام، فأخرجت "ذا" من التخصيص إلى الإبهام، وجذبتها إلى معناها، ولا كذلك "من"، لتخصيصها، فلذلك لا تستعمل استعمالها، وإنما تستعمل حيث قال س: "وأكثر ما تستعمل في الإنكار على معنى: ما أحد خيرًا منك، كما تقول: من ذا أرفع من الخليفة"، قال
стр. 704
تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ , فوصف "ذا" بـ "الذي"، ولم يرد أن يشير إلى إنسان قد عرف فضله على المسؤول، ولو أردت ذلك لنصبت" انتهى.
ولتعلم أن "ماذا" لها استعمالات:
أحدها: أن تنفي كل واحدةً على أصلها، فتبقى "ما" على استفهاميتها و"ذا" على إشارتها كما ذكرنا.
الثاني: أن تبقى "ما"على استفهاميتها، وتكون "ذا" موصولةً مفردةً هكذا لمذكر ولمؤنث وفروعهما.
الثالث: أن تركب "ذا" مع "ما"، ويصيرا اسمًا واحدًا استفهامًا. والفرق بين هذا والذي قبله أنك إذا قلث "ماذا صنعت؟ " كانت "ما" مبتدأ، و "ذا" بمعنى "الذي" خبره، و "صنعت" صلة "ذا" والعائد محذوف، والتقدير: ما الذي صنعته؟ هذا على الاستعمال الثاني. وأما على الاستعمال الثالث فيكون "ماذا" بجملته مفعولًا مقدمًا بـ "صنعت" ولا ضمير في "صنعت"، وكأنك قلت: أي شيء صنعت؟ وجواب هذا في الأفصح "خيرًا" بالنصب حتى يطابق بين السؤال والجواب، وجوابه في الوجه الثاني في الأفصح "خير" بالرفع حتى يطابق بين السؤال والجواب أيضًا، ويظهر الفرق بينهما بالبدل أيضًا، فعلى الاستعمال الثاني رفع البدل لأنه بدل من مرفوع، فتقول: ماذا صنعت أخير أم شر؟ وعليه جاء قوله:
آلا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحب فيقضى أم ضلال وباطل
وعلى الاستعمال الثالث، تنصب البدل لأنه بدل من منصوب، فتقول:
стр. 705
ماذا صنعت خيرًا أم شرًا؟
ومما يدل على استعمالها مركبةً مع "ذا" قول العرب: "عماذا تسأل؟ " بإثبات ألف "ما" لكونها توسطت، ولا تصح موصوليةً "ذا" لأن حرف الجر لا يدخل على الجملةً، وبدليل قول الشاعر:
يا خزر تغلب، ماذا بال تسوتكم لا يستفقن إلى الديرين تحنانا
ولا تصح موصوليتها لأن العرب لا تقول إلا "ما بالك؟ " ولا تقول: ما الذي بالك؟ وبقول الشاعر:
وأبلغ آبا سعد إذا ما لقيته نذيرًا، وماذا ينفعن نذير
فدخول نون التوكيد يقضى بأن "ماذا" كلها جاءت استفهامًا. ولا يجوز أن تكون موصولة لأن الفعل الواقع صلةً لا تدخله نون التوكيد.
وتترجح دعوى التركيب إذا كان "الذي"بعد "ماذا" أو بعد "من ذا" كقوله تعالى ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ وقول الشاعر:
ويحسب آذ النائبات تركنه ومن ذا الذي عمرينه فهو وافر
وقول الشاعر في ماذا
فماذا الذي يشفي من الحب بعدما ... تشربه بطن الفؤاد وظاهره
следующие страницы →