← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 17116

التذييل والتكميل في شرح كتاب التسهيل

أبو حيان الأندلسي

Полный текст (3 950 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

قومك، لم يجز عند الكوفيين، ويجوز ذلك عند البصريين؛ لأنه لا يجعلون للفصل تأثيرًا. والسماع في الحمل على اللفظ بعد الحمل على المعنى إنما هو مع الفصل، هذا نقل السيرافي أن البصريين لا يشترطون الفصل، يجيزون: من قام وقعدا، ومن قام وقعدت، والعكس، فتبدأ بالحمل على المعنى، ولا ترجع إلى اللفظ بعد الحمل على المعنى إلا بشرط الفصل. وزعم الأستاذ أبو علي أن مذهب البصريين هذا يعني اعتبار ذلك بالفصل، والأول مذهب الكوفيين. وإذا كان الضميرُ المحمولُ على اللفظ مخبرًا عنه بعده، وأخبرت عنه بفعل، لم يجز الحمل إلا على اللفظ أو على المعنى، فتقول: من كان يقوم أخواك، ومن كانا يقومان أخواك، ولا يجوز: من كان يقومان أخواك. وإن أخبرت عنه باسم وكان مشتقًا باطراد جاز الحمل على اللفظ والحمل على المعنى على الإطلاق، فتقول: من كان محسنًا أخواك، ومن كانا محسنين أخواك، ومن كان محسنين أخواك، ومن كان محسنًا أختك، ومن كان محسنة أختك، ومن كانت محسنة أختك. وإلى جواز الجمع بين الحملين ذهب الكوفيون وكثير من البصريين، وهو الصحيح. وذهب ابن السراج إلى منع الجمع بين الحملين. والحجة عليه قوله تعالى ﴿وقَالُوا لَن يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾، وقال الشاعر:

стр. 772

.............................. وأيقظ من كان منكم نياما هذا إذا كان من الصفات المفصول بين مذكرها ومؤنثها بالتاء. فإن كان من غيرها فإما أن تكون صفة المذكر والمؤنث من لفظ واحد أو لا، إن كانت من لفظ واحد، وأدى الحمل إلى جعل صفة المذكر للمؤنث أو للعكس، لم يجزه الكسائي، وأجازه/ الفراء، فتقول "من كانت حمراء جاريتك" على المعنى، و"من كان حمراء جاريتك"، الاسم على اللفظ، والخبر على المعنى، ولا يجيز الكسائي "من كانت من النساء أحمر جاريتك"، ولا "من كان أحمر جاريتك"، والفراء يجيزه لاتفاق الصفتين في الحروف الأصول كاتفاق قائم وقائمة في ذلك. وصحح مذهب الفراء بعض أصحابنا. وإن لم تكن مشتقة من لفظ واحد، وأدى الحمل إلى جعل صفة المذكر للمؤنث أو العكس، لم يجز ذلك عند الكسائي ولا عند الفراء ولا عند أحد من البصريين فيما علمت، قاله بعض أصحابنا. وقال بعضهم: "إن كانا لا يرجعان لاشتقاق واحد فالفراء والكسائي منعا الحمل على لفظ التذكير، فيقولان: من كان عجوزًا جاريتك، ولا يجيزان: من كان شيخًا جاريتك، إلا في لغة من يقول شيخ وشيخة، قال: وتضحك مني شيخة عبشمية كأن لم ترى قبلي أسيرًا يمانيا

стр. 773

ولا يجيزان: من كان غلامًا جاريتك، إلا في لغة من يقول غلام وغلامة، قال الشاعر: ومركضة صريحي أبوها تهان لها الغلامة والغلام والأحسن عند الفراء: من كان عجوزًا جاريتك، ومن كان أمة جاريتك، ولا يستحسن: من كان شيخًا جاريتك، ولا: من كان غلامًا جاريتك؛ لأن غلامة وشيخة قليل في كلامهم. وأصول البصريين تقتضي جواز ذلك كله لأنهم أطلقوا القول، ولم يفصلوا. فإن لم يكن الضمير المحمول على اللفظ مخبرًا عنه بما بعده، وأردت حمل ما بعده عليه، حملته على لفظه، ولم يجز الحمل على معناه عند الكوفيين، فتقول: من ضربته أجمعون قومك، فتحمل على "من"، ولا يجوز النصب تأكيدًا للضمير على معناه لنه لا يحمل عندهم على المعنى إلا حيث لا يمكن إظهار المعنى في اللفظ، وأنشد الكسائي: إذا ما حاتم وجد ابن عمي مجدنا من تكلم أجمعينا فرد على من، ولا يجوز أن يرد على الضمير الذي في "تكلم" فيرفع؛ لأنه يمكن جمعه.

стр. 774

وأصول البصريين تقتضي جواز ذلك لأنهم لم يفصلوا، وهو الصحيح بدليل قوله تعالى ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ﴾؛ ألا ترى أن (خالدين) حال من الضمير المحمول على معناه، والعامل في الحال الفعل العامل في الضمير، ولا يجوز أن يكون حالًا من "من" لأن العامل في الحال لا يكون إلا العامل في ذي الحال، نحو: جاء زيد ضاحكًا، أو ذا الحال نفسه إن كان فيه معنى فعل، نحو قولك: هذا ضاحكًا زيد. ولا يجوز أن يكون العامل في الحال (من) لأنها ليس فيها معنى فعل، ولا العامل في (من)؛ لأن العامل فيها إنما هو معنى، والمعنى المجرد دون اللفظ لا يعمل في الحال، وإنما عمله الرفع خاصة" انتهى/ ما قاله بعض أصحابنا. ومما وقع فيه الحمل على اللفظ خاصة، ولا يجوز الحمل على المعنى، قولك في التعجب: ما أحسن زيدًا! وإن كان الذي أوجب التعجب صفة مؤنثة أو صفات متعددة. ومما وقع فيه الحمل على المعنى، ولا يجوز الحمل على اللفظ، قولهم "ما جاءت حاجتك" كأنه قال: أية حاجة صارت حاجتك. فرع: إذا جاء العائد على لفظ الموصول دون معناه، ثم أكدته بلفظة مضافة، فحملت أولها على معنى الموصول وآخرها على لفظه، لم يجز ذلك عند الفراء، وأجازها الكسائي وهشام، ومثاله: جاءني من خرج أنفسه، جعلت العائد أولًا في "خرج" مفردًا على لفظ الموصول، ثم أكدت بـ"أنفس" جمعًا على معنى الموصول، ثم أفردت الضمير المضاف إليه

стр. 775

"أنفس" على لفظ الموصول. -[ص: ويعتبر المعنى بعد اعتبار اللفظ كثيرًا، وقد يعتبر اللفظ بعد ذلك.]- ش: مثال ذلك ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿ومِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي ولا تَفْتِنِّي أَلا فِي الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾، ﴿ومِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ ثم قال ﴿فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ﴾. ومثال اعتبار اللفظ بعد اعتبار المعنى بعد اعتبار اللفظ قوله تعالى ﴿ومَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾، فأفرد الضمير في (يؤمن) و (يعمل) و (ندخله)، ثم جمعه في (خالدين)، ثم أفرده في (له رزقا). وقوله تعالى ﴿مِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ وإذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا ولَّى مُسْتَكْبِرًا﴾ إلى آخر الآية، أفرد الضمير في (يشتري) و (ليضل) و (يتخذها)، ثم جمع (أولئك) و (لهم)، ثم أفرد في (وإذا تتلى عليه) إلى آخر الآية. وقال تعالى في "من" الشرطية -وحكمها حكم الموصولة- ﴿ومَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وإنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ ويَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إذَا جَاءَنَا﴾ في قراءة من أفرد الضمير في (جاءنا) أفرد في

стр. 776

(يعش) وفي (نقيض له) وفي (فهو له)، ثم جمع في (ليصدونهم) و (يحسبون أنهم مهتدون)، ثم أفرد في (جاءنا). وأما من قرأ (جاءانا) على التثنية فهو ضمير العاشي والقرين، وكانا قد أفردا، قم جمعا، ثم ثنيا، وكل من الضميرين مفرد، فلم يخرج أيضًا عن إفراد الضمير العاشي. وقال الشاعر: لست ممن يكع أو يستكينو ن إذا كافحته خيل الأعادي أفرد الضمير في "يكع"، ثم جمع في "يستكينون"، ثم أفرد في "كافحته". وبهذا البيت والآيات السابقة يتبين خطأ صاحب البسيط في ادعائه اتفاق النحويين على أن العرب قد ترجع من الواحد إلى الجمع، ومن المذكر إلى المؤنث من لفظه إلى معناه، ولا ترجع من معناه/ إلى لفظه، قال: "بإجماع من النحويين". قال: "واستخرج ابن مجاهد عكس هذا من آية سورة الطلاق". ص: وتقع من وما شرطيين، واستفهاميتين، ونكرتين موصوفتين. ويوصف بـ"ما" على رأي، ولا تزاد "من" خلافًا للكسائي، ولا تقع على غير من يعقل إلا منزلًا منزلته، أو مجامعًا له شمول أو اقتران، خلافًا لقطرب. و"ما" في الغالب لما لا يعقل وحده، وله مع من يعقل، ولصفات من يعقل، وللمبهم أمره، وأفردت نكرة، وقد تساويها "من" عند أبي علي. وقد تقع "الذي" مصدرية، وموصوفة بمعرفة أو شبهها في امتناع لحاق "أل".

стр. 777

ش: مثال "من" و"ما" شرطًا ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾. ومثالهما استفهامًا ﴿مَّنْ إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾؟ ﴿ومَا رَبُّ العَالَمِينَ﴾؟ ومثال "من" نكرة موصوفة قولك: مررت بمن معجب لك، أي: بإنسان معجب لك، وقال الشاعر: ألا رب من تغتشه لك ناصح ومؤتمن بالغيب غير أمين فوصفك لـ"من" بمعجب وناصح، وهما نكرتان، دليل على أن "من" نكرة. وشرط بعض أصحابنا فيها أنها لا تستعمل موصوفة إلا في حال تنكير. وليس كما ذكر؛ ألا ترى أنها توصف وهي معرفة، وذلك إذا كانت موصولة، نحو: قام من في الدار العاقل. ووقوع "من" نكرة موصوفة سائغ فيها سواء كانت في موضع تسوغ فيه النكرة والمعرفة أم في موضع لا تسوغ فيه إلا النكرة. وزعم الكسائي أن العرب لا تستعملها نكرة موصوفة إلا بشرط وقوعها في موضع لا تقع فيه إلا النكرة، نحو قولك: رب من عالم أكرمت، ورب من أتاني أحسنت إليه، أي: رب إنسان آتٍ إلى أحسنت إليه، لأن "رب" لا تدخل إلا على نكرة. ومن ذلك قولُ

стр. 778

الشاعر: رب من أنضجت غيظًا قلبه قد تمنى لي موتًا، لم يطع وأنشد المفضل: ألا يا اسلمي قبل الفراق ظعينا تحية من أمسي إليك حزينا تحية من لا قاطع حبل واصل ولا صارم قبل الفراق قرينا بخفض "قاطع" فأنكر ذلك الكسائي، وقال: إنما هو "لا قاطع" بالرفع، و"من" موصولة، كأنه قال: تحية من لا هو قاطع. قيل له: فكيف تصنع ببيت الفرزدق: إني وإياك إذ حلت بأرحلنا كمن بواديه بعد المحل ممطور فقال: "من" موصولة، وصلتها "بواديه"، و"ممطور" مكرر على "من"، يعني بدلًا منه، كأنه قال: كممطور بعد المحل. وهذا الذي ذهب إليه الكسائي باطل؛ لأن رواية المفضل لا تندفع/ بروايته، وجعله ممطورًا بدلًا من "من" ضعيف لأنه مشتق، والبدل بابه أن يكون بالجوامد لأنه في نية تكرار العامل، والصفات التي هي غير مختصة بجنس الموصوف لا تباشرها العوامل إلا في ضرورة شهر، و"ممطور" من الصفات غير المختصة بجنس الموصوف، فحمله على البدل ضعيف، بل هو

стр. 779

غير جائز إلا في ضرورة، ولا داعية إلى ذلك لأن ما ذهب إليه غير صحيح بدليل رواية المفضل، وبدليل قول الشاعر: فكفى بنا فضًا على من غيرنا حب النبي محمد إيانا فإنه روي بخفض "غير" نعتًا لـ"من". وللكسائي أن يقول: "من" في رواية المفضل وفي هذا البيت زائدة، التقدير: تحية لا قاطع، وعلى غيرنا؛ إذ من مذهبه جواز زيادة "من". ومثال "ما" نكرة موصوفة قولك "مررت بما معجب لك"، ومن ذلك قول أمية: ربما تكره النفوس من الأمـ ـر له فرجة كحل العقال "ما" بمنزلة "شيء"، و"تكره النفوس": صفة له، والعائد محذوف، كأنه قال: رب شيء تكرهه النفوس من الأمر له فرجة. لا تكون "ما" هذه هي المهيئة؛ لأن تلك حرف، فلا يعود عليها ضمير. ومن ذلك أيضًا قول الشاعر:

стр. 780

سالكاتٌ سبيل قفرة بدي ربما ظاعن بها ومقيم فـ"ما" بمنزلة "إنسان"، ووقعت على من يعقل لأن الموضع موضع عموم، وظاعن: خبر ابتداء مضمر، ومقيم: معطوف عليه، والجملة في موضع صفة، كأنه قال: رب إنسان هو ظاعن بقلبه إلى أحبته الذين ظعنوا عن هذه البلدة مقيم بجسده فيها. ولا تكون "ما" كافة لأمرين: أحدهما أن "رب" التي تلحقها "ما" الزائدة لا تدخل على الجمل الاسمية. والآخر عود الضمير عليها، ولو كانت "ما" حرفًا لم يعد عليها ضمير. ومن ذلك قول أبي داود: ربما الجامل المؤبل فيهم وعناجيج بينهم المهار فـ"ما" بمعنى شيء، كأنه قال: رب شيء هو الجامل، والجملة في موضع صفة. والدليل على أن "ما" اسم عودة الضمير عليها أيضًا. وقد يمكن أن يكون من ذلك قوله تعالى ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾، فتكون "ما" نكرة بمنزلة "شيء"، وعتيد: صفة له، كأنه قال: هذا شيء لدي عتيد. وفي البسيط: أنكر بعض النحويين أن تكونا موصوفتين، واستدل بأنهما لا تستقلان بأنفسهما، وما هو كذلك فلا يكون اسمًا تامًا. وهذا مردود، فإن من الصفات ما يلزم الموصوف، نحو "الجماء الغفير" و"يا أيها الرجل"، و"من" و"ما" من هذا القبيل. ولا تستقل بوصفها إلا إذا كانت

стр. 781

مفعولة، نحو: مررت بمن صالح، وإذا كانت خبرًا عن مبهم نحو: هذا من أعرف، فلا تكتفي بكونها مع وصفها خبرًا، بل تأتي بشيء آخر يكون حالًا أو خبرًا، نحو: هذا من أعرف منطلق./ وإنما كان كذلك لأن الإخبار بالنكرات لا يفيد حتى تعتمد على معرفة، بخلاف الفعل، لأنه فيه تخصيصًا بسبب الزمان، فكما اشترط في المبتدأ أن يكون كذلك ليقع للتخصيص، كذلك يشترط في الخبر أن يكون فيه أيضًا إيضاح وبيان لتحصل الفائدة، وأنت إذا اعتمدت على مبهم، ثم أخبرت عنه بمبهم، فلم تحافظ على الفائدة، فصار بمنزلة "رجل قائم"، فلذلك احتجت إلى تخصيص إما بحال أو خبر. وقوله ويوصف بـ"ما" على رأي، قال المصنف في الشرح: "واختلف ما "ما" من قولهم "لأمر ما جدع قصير أنفه"، فالمشهور أنها حرف زائد منبه على وصف مراد لائق بالمحل. وقال قوم: هي اسم موصوف به. والأول أولى لأن زيادة "ما" عوضًا من محذوف ثابت في كلامهم، من ذلك قولهم "أما أنت منطلقًا انطلقت"، فزادوا ما عوضًا من "كان". ومن ذلك قولهم: حيثما تكن أكن، فزادوا ما عوضًا من الإضافة. وليس في كلامهم نكرة موصوف بها جامدة كجمود "ما" إلا وهي مردفة بمكمل، كقولهم: مررت برجل أي رجل، وأطعمنا شاة كل شاة، وهذا رجل ما شئت من رجل. فالحكم على "ما" المذكورة بالاسمية واقتضاء الوصفية حكم بما لا نظير له، فوجب اجتنابُه" انتهى.

стр. 782

ولم يذكر أصحابنا خلافًا في أن "ما" تكون صفة. قال الأستاذ أبو محمد بن السيد: "ومنها "ما" التي تجري مجرى الصفة، وهي تنقسم ثلاثة أقسام: قسم يراد به التعظيم للشيء والتهويل به، كنحو ما أنشد سيبويه: عزمت على إقامة ذي صباح لأمر ما يسود من يسود أي: السيد إنما يسود لأمر عظيم يوجب له ذلك. ومنه قول امرئ القيس: ................................ وحديث ما على قصرة أي: حديث طويل وإن كان قصيرًا. وقسم يراد به التحقير كقولك لمن سمعته يفخر بما أعطاه: وهل أعطيت إلا عطية ما. وقسم لا يراد به تحقير ولا تعظيم، ولكن يراد به التنويع، كقولك: ضربت ضربًا ما، أي: نوعًا من الضرب، وفعل فعلًا ما، أي: نوعًا من الفعل. ومن هذا قول العرب: افعله آثرًا

стр. 783

ما"، كأنه قال: نوعًا من الإيثار، و"آثرًا" مصدر جاء على فاعل". وقال الأستاذ أبو الحسن بن عصفور: "مثال كونها صفة كقولك: فعلت هذا لأمر ما، إذا قصدت التعظيم، أي: لأمر عظيم، فـ"ما" لإبهامها ضمنت معنى "عظيم"؛ لأن العرب تستعمل الإبهام في موضع التعظيم، كقوله تعالى ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ اليَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾، وكقوله سبحانه ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الحَاقَّةُ﴾، ومن كلامهم "لأمر ما جدع قصير أنفه". ومن ذلك أيضًا قوله: ................................... لأمر ما يسود من يسود أي: لأمر عظيم. ولا يمكن أن تكون "ما" زائدة لأمرين: أحدهما أن زيادة "ما" قبل الجملة أو آخرًا تقل، بل لا يحفظ من ذلك إلا قولهم: "افعله آثرًا ما"، أي: آثرًا له على غيره، فزادها آخرًا. وقوله: وقد ما هاجني، فازددت شوقًا بكاء حمامتين تجاوبان وفي إحدى الروايتين، أي: وقد هاجني، ولم يجئ ذلك إلا في الشعر. ومثل: لأمر ما جدع قصير أنفه" كثير في كلامهم. والآخر أنها تعطي التعظيم، ولا تستعمل نعتًا إلا إذا قصدته، ولو كانت

стр. 784

"ما" زائدة لم يكن في الكلام ما يعطي التعظيم". وقوله ولا تزاد من، خلافًا للكسائي. مذهب البصريين والفراء أنه لا تزاد "من" لأنها اسم، والأسماء لا تزاد، وأجاز ذلك الكسائي، واستشهد على ذلك بقول عنترة: يا شاة من قنص لمن حلت له حرمت على، وليتها لم تحرم وبقول الآخر: آل الزبير سنام المجد قد علمت ذاك القبائل والأثرون من عددا التقدير عنده: يا شاة قنص، والأثرون عددا. وتأولوا هذا السماع على جعل "من" نكرة موصوفة، التقدير: يا شاة إنسان قنص، أي: مقتنص، أو ذي قنص، وكذلك والأثرون من يعد، وصف "من" بـ"عدد" كما وصفها بـ"قنص". وقوله إلا منزلًا منزلته أي: منزلة العاقل، كقوله تعالى ﴿ومَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾، فعبر بـ"من" عن الأصنام لتنزلها منزلة

стр. 785

من يعقل. ومنه قوله: بكيت إلى سرب القطا إذ مررن بي فقلت ومثلي بالبكاء جدير أسرب القطا هل من يعير جناحه لعلي إلى من قد هويت أطير وقال امرؤ القيس: ألا عم صباحًا أيها الطلل البالي وهل يعمن من كان في العصر الخالي وقوله: وهل يعمن من كان أحدث عهده ثلاثين شهرًا في ثلاثة أحوال أوقع "من" على الطلل -وإن كان من قبيل ما لا يعقل- لما ناداه وحياه، فعالمه لذلك معاملة من يعقل. وكذلك لما بكى إلى سرب القطا، وناداها، وطلب منها إعارة جناح، أطلق "من" على ما لا يعقل إذ عاملها بذلك معاملة من يعقل. وقوله أو مجامعًا له شمول مثاله قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ﴾، وقوله ﴿ومِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾؛ ألا ترى أن الماشي على رجلين منه عاقل كالإنسان وغير عاقل كالطائر، لكن أوقع على الجميع "من" لاختلاطهما، ولذلك لما قال

стр. 786

جرير: /يا حبذا جبل الريان من جبل وحبذا ساكن الريان من كانا قال له الفرزدق: وإن كانوا قرودًا؟ فسوغ أن تقع "من" على ما لا يعقل لأجل الاختلاط، فأجابه جرير بأن قال: إنما قلت "من"، ولم أقل "ما". ووجه انفصال جرير أن "من" وإن وقعت على ما لا يعقل في حال اختلاطه بمن يعقل، فإنها فيمن يعقل أظهر. وقال تعالى ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ﴾ و ﴿مَن لاَّ يَخْلُقُ﴾ شمل المعبود من دون الله عاقلًا وغير عاقل. ومثله ما ذكر الفراء عن بعض العرب "اشتبه على الراكب وجمله، فلا أدري من ذا من ذا". وقوله أو اقتران مثاله ﴿ومِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾، وقعت هنا على ما لا يعقل لاختلاطه بمن يعقل فيما فصل بـ"من" في قوله ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ﴾؛ ألا ترى أن الدابة تقع على كل ما يدب من عاقل أو غير عاقل، فغلب من يعقل على ما لا يعقل، وعومل الجميع معاملة من يعقل، ففصل بـ"من" لذلك. ومن كلام العرب "خلق الله الخلق، فمنهم من يتكلم، ومنهم من لا يتكلم"، فأوقع "من" على ما لا يتكلم، وهو غير عاقل، لاقترانه بالعاقل في المفصل بـ"من" وهو الخلق، لأن الخلق يقع على كل مخلوق من عاقل وغير عاقل.

стр. 787

وتقول العرب "أصبحت كمن لم يخلق" تريد: كمن قد مات، فتقع "من" على هذا المعنى على العاقل، فإن أردت بمن لم يخلق المعدوم، فذهب الفراء إلى جواز ذلك، وذهب بشر المريسي إلى منع ذلك، قال بشر: "من": الناس، ومن لم يخلق ليس بشيء، فبأي شيء شبه؟ فأجاب الفراء عن ذلك بأن العرب توقع "ما" على المعدوم، فتقول "ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن"، فكما جاز ذلك في "ما" فكذلك يجوز في "من". قال بعض أصحابنا: والصحيح ما ذهب إليه الفراء، ولا تخرج "من" بذلك عن معناها، بل تكون واقعة على عاقل موجود أو معدوم متوهم، فإن المعدوم المتوهم تجعله العرب شيئًا، قال عمر بن أبي ربيعة: وهبها كشيء لم يكن أو كنازح به الدار، أو من غيبته المقابر فأوقع شيئًا على ما لم يكن، وهو المعدوم. ومثل ذلك قول بشار: وأخفت أهل الشرك، حتى إنه لتخافك النطف التي لم تخلق فأوقع النطف على ما لم يخلق.

стр. 788

وقوله خلافًا لقطرب، زعم قطرب وغيره أن "من" تقع على ما لا يعقل عمومًا دون اشتراط ما ذكر، واستدل بقوله تعالى ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ﴾، قال: يعني بذلك الأوثان والأصنام. ولا حجة في ذلك كما بينا لاشتراك العاقل وغير العاقل في (من لا يخلق) إذ قد عبد من دون الله من يعقل/ ومن لا يعقل، أو لتنزيلها منزلة من يعقل إذ عبدت من دون الله، أو لاعتقاد من عبدها أنها عاقلة فعالة. فهذه الوجوه كلها يحتمل قوله ﴿كَمَن لاَّ يَخْلُقُ﴾، فلا دليل على أنها تقع على آحاد ما لا يعقل. وقوله و"ما" في الغالب لما لا يعقل قال المصنف في الشرح: "احترزت بقولي "في الغالب" من نحو قوله تعالى ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، ومن قول بعض العرب: سبحان ما سخركن لنا" انتهى. ويعني أنها في قليل تطلق على آحاد ذوي العلم كما أطلقت في قوله "لما خلقت" على آدم، وفي "ما سخركن" على الله تعالى.

стр. 789

وإطلاقها على آحاد من يعقل هو مذهب أبو عبيدة وابن درستويه ومكي بن أبي طالب، ومن متأخري أصحابنا الأستاذ أبو الحسن بن خروف، وزعم أنه مذهب س. واستدلوا على ذلك بما تقدم، وبقوله "سبحان ما سبح الرعد بحمده"، وبقوله تعالى ﴿والسَّمَاءِ ومَا بَنَاهَا (٥) والأَرْضِ ومَا طَحَاهَا (٦) ونَفْسٍ ومَا سَوَّاهَا (٧)﴾، ومعلوم أن الذي بني السماء، وطحا الأرض، وسوى النفس، هو الله. وبقوله ﴿ولا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾، ومعلوم أنه الله. وأبى أصحابنا ذلك، وتأولوا ما استدل به المخالف. أما ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فقال السهيلي: "عبر بـ"ما" لأن السجود له لم يكن من حيث هو عاقل، بل من حيث الأمر كالقبلة. وقد يقال: أنه حين الخلق لم يكن عاقلًا، وإنما نفخ فيه الروح بعده بمدة" انتهى هذا التأويل. وقوله "وإنما نفخ فيه الروح بعده بمدة" ليس بصحيح بدليل قوله ﴿فَإذَا

стр. 790

سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾، فالأمر بالسجود إنما كان بعد التسوية ونفخ الروح فيه، وعتب إبليس على امتناعه من السجود إنما كان بعد الأمر وامتثال الملائكة، وقبل هذا كان قد سوي، ونفخ فيه الروح، فقوله تعالى ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ كان بعدما سوي، ونفخ فيه الروح. وتأولوا "سبحان ما سخركن لنا" و"سبحان ما سبح" على أن جعلوا "ما" مصدرية ظريفة، أي: مدة تسخيركن، ومدة تسبيح الرعد، و"سبحان" علمًا غير مصروف، كما جاء: .............................. سبحان من علقمة الفاخر ولا نقول إنه كان أصله: سبحان الله، فحذف المضاف إليه، وبقي: سبحان؛ لأنهم إذا خذفوا ما أضيفت إليه نونت، نحو قوله: سبحانه، ثم سبحانًا نعوذ به وقبله سبح الجودي والجمد فنون سبحانًا لما حذف المضاف إليه. وأما (وما بناها) (وما طحاها) (وما سواها) و (لما خلقت بيدي) و (ما أعبد) فتأولوا ذلك على أن "ما" مصدرية، كأنه قيل: وبنائها وطحوها

стр. 791

وتسويتها وخلقي وعبادتي، أي: عبادة مثل عبادتي، وقد أول المصدر في لخلقي وعبادتي تأويل المفعول، أي: لمخلوقي ومعبودي، كما قالوا: درهم ضرب الأمير، وبرد نسج اليمن. قالوا: والضمير في (بناها) و (طحاها) و (سواها) عائد على الله تعالى، وإن لم يتقدم/ له ذكر؛ لأنه قد علم أن فاعل ذلك هو الله، فعاد على ما يفهم من سياق الكلام. وقال شيخنا الأستاذ أبو الحسن بن الضائع: "وقيل: يحتمل أن يكون عبر بالمصدر عن المعبود، والأولى أن يكون عبر بـ"ما" لأنه في مقابلة ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾، وقد يجوز عند المقابلة ما لا يجوز ابتداء، وهو كثير في القرآن وكلام العرب، ومنه ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ ". "وزعم أبو زيد السهيلي أنها لا تقع على أولي العلم إلا بقرينة وتلك القرينة هي التعظيم والإبهام. فوقعت عنده "ما" على الله تعالى فيما تقدم ذكره لأن المراد التعظيم، فأتى بـ"ما" لأنها مبهمة، والإبهام كثيرًا ما يستعمل إذا قصد التعظيم، نحو قوله ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الحَاقَّةُ (٢)﴾، ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ اليَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾، فكأن المعنى: إن الذي بنى السماء وطحا الأرض لعظيم". وأما ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ فتقدم تأويله فيه. وأما ﴿ولا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ فسوغ وقوع "ما" عنده على الله تعالى شيئان: أحدهما: الإبهام وتعظيم المعبود. والآخر: أن الحسد منهم يمنعهم من أن يعبدوا معبوده كائنًا ما كان. وقد تقدم تأويل ما احتج به.

стр. 792

وما ذكره أبو زيد من التعظيم لا يسوغ وضع الاسم الذي هو لما لا يعقل على من يعقل، والإبهام مقصد من مقاصد التعظيم، لكن ما ينبغي أن يكون ذلك الإبهام الذي يقصد به التعظيم مخرجًا للفظ عما وضع له. وزعم المعري في "اللامع" له أنه إذا كان لا تدرك صفته، ولا تعلم حقيقته يجعل كالشيء المجهول فينطلق عليه "ما". وحمل على ذلك "سبحان ما سبح الرعد بحمده" أي: سبحان الذي سبح الرعد بحمده، وقد تقدم تأويل هذا. والذي صححه أصحابنا أن "ما" لا تقع على آحاد أولي العلم إلا في موضعين: أحدهما: الاستثبات عمن يفعل إذا لم تفهم الاسم؛ لأنك في الحقيقة لم تستثبت عن عاقل؛ ألا ترى أنه إذا قال: جاءني زيد، فلم تفهم الاسم، فاستثبته، وقلت: جاء مه؟ ففي الحقيقة لم تستثبت عن زيد لأنك لم تعلم أزيدًا قال أم غير ذلك، وإنما استثبت عن الفاعل من حيث هو فاعل. والآخر: الاستفهام بها عن صفات من يعقل؛ ألا ترى أنك تقول: ما زيد؟ فيقول لك المسئول: كاتب أو عالم، فهي وإن كانت في الظاهر واقعة على كاتب أو غير ذلك من صفات زيد، و"كاتب" اسم واقع على من يعقل، فليست في الحقيقة واقعة على عاقل؛ لأنك إنما سألت بها عن صفة من يعقل، والصفة ليست من جنس العقلاء؛ ألا ترى أنك إذا قلت: ما زيدٌ؟

стр. 793

فإنما تريد: ما صفة زيد؟ وقول المجيب "كاتب" جواب على المعنى؛ لأنه لو أجاب على اللفظ لقال: صفته كتب، إلا أن كاتبًا يغني عن ذلك، ويقوم مقامه. وقوله وله مع من يعقل أي: ولما لا يعقل مع من يعقل/، مثاله ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ ومَا فِي الأَرْضِ مِن دَابَّةٍ﴾. وقوله ولصفات من يعقل هذه عبارة الفارسي، زعم أنها تقع على صفات من يعقل، نحو ﴿والسَّمَاءِ ومَا بَنَاهَا﴾ أي: والسماء وبانيها. ومثل المصنف بقوله ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾. وعبر أصحابنا عن هذا المعنى بأن "ما" تقع على أنواع من يعقل، ومثلوا بقوله (ما طاب لكم)، ويريدون الطيب. وقوله وللمبهم أمره هذا مذهب السهيلي الذي تقدم ذكره والرد عليه. قال المصنف في الشرح: "مثل أن ترى شبحًا تقدر إنسانيته وعدم إنسانيته، فتقول: أخبرني ما هناك؟ وكذا لو علمت إنسانيته ولم تدر أذكر هو أم أنثى، ومنه ﴿إنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ ". وقوله وأفردت نكرة يعني أنها خلت من صلة وصفة وتضمن شرط أو

стр. 794

استفهام، وذلك في التعجب، نحو: ما أحسن زيدًا! على مذهب س، وفي نعم وبئس، نحو قول العرب "غسلته غسلًا نعمًا"، على مذهب غير س، وسيأتي الكلام على ذلك في التعجب، وفي باب نعم. وقوله وقد تساويها من عند أبي علي يعني في كونها أفردت نكرة، هذا مما انفرد به أبو علي، وحجته قول الشاعر: وكيف أرهب أمرًا، أو أراع به وقد زكأت إلى بشر بن مروان؟ ونعم مزكأ من ضاقت مذاهبه ونعم من هو في سر وإعلان فـ"من" عنده في موضع نصب، وفاعل "نعم" ضمير مفسر بـ"من" كما فسر بـ"ما" في ﴿فَنِعِمَّا﴾، و"هو" مبتدأ، خبره الجملة التي قبله، و"في سر وإعلان" متعلق بـ"نعم". قال المصنف في الشرح: "والصحيح غير ما ذهب إليه أبو علي". وقوله وقد تقع "الذي" مصدرية حكي هذا عن يونس، وتأول عليه ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ﴾ أي: ذلك تبشير الله عباده. وعلى قول يونس قد

стр. 795

يحمل قوله ﴿وخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ أي: كخوضهم. وما ذهب إليه يونس ليس بشيء لأنه إثبات للاشتراك بين الاسم والحرف بغير دليل، وقد ثبتت اسمية "الذي" بكونها فاعلة ومفعولة ومجرورة ومبتدأة وتثنى وتجمع وتؤنث ويعود عليها الضمير، فلا نعدل عن هذا الحكم المقطوع به لشيء لا يقوم عليه دليل، بل ولا شبهه، والأحسن في الآية أن يكون التقدير: ذلك الذي يبشره الله عباده، وأصله: يبشر به، فلما صار منصوبًا حذف إذ مجوز الحذف فيه موجود. وقوله وموصوفة بمعرفة أو شبهها في امتناع لحاق أل مثاله: مررت بالذي أخيك، ومررت بالذي مثلك، وقد تقدم الكلام على هذه المسألة حين الكلام على الصلة في أول الموصولات. وهذا الذي ذكره المصنف من جواز ذلك ليس مذهب البصريين، لا يجيزون شيئًا من ذلك، وإنما أجازه الكوفيون، وتقدم ذكر ما استدلوا به والرد عليهم. قال أبو علي: "وقد/ أجاز البغداديون أن تكون "الذي" موصوفة لا موصولة كما في من وما". وقال المصنف في الشرح: "حاصل كلام أبي علي أن "الذي" موصولة وموصوفة مستغنية بالصفة عن الصلة، ومصدرية محكوم بحرفيتها، وهو مذهب الفراء، وهو صحيح، وبه أقول، وأجاز

стр. 796

الفراء في (تمامًا على الذي أحسن) أن تكون "الذي" مصدرًا، والتقدير: تمامًا على إحسانه، أي: إحسان موسى. وأن تكون موصوفة بـ"أحسن" على أن "أحسن" أفعل تفضيل، فال: "لأن العرب تقول: مررت بالذي خير منك، ولا تقول: مررت بالذي قائم؛ لأن "خيرًا منك" كالمعرفة إذ لم تدخل فيه الألف واللام. وكذلك يقولون: مررت بالذي أخيك، وبالذي مثلك، إذا جعلوا صفة "الذي" معرفة أو نكرة لا تدخله الألف واللام جعلوها تابعة للذي، أنشد الكسائي: إن الزبيري الذي مثل الجلم ومثله ما أنشد الأصمعي: حتى إذا كانا هما اللذين مثل الجديلين المحملجين وحكي الفراء عن بعض العرب: أبوك بالجارية الذي يكفل، وبالجارية ما يكفل، والمعنى: أبوك بالجارية كفالته. وهذا صريح في ورود "الذي" مصدرية. ومنه قول ابن رواحة: فثبت الله ما آتاك من حسن في المرسلين، ونصرًا كالذي نصروا أي: ونصرًا كنصرهم. ومثله قول جرير:

стр. 797

يا أم عمرو جزاكِ الله مغفرة ردي على فؤادي كالذي كانا وقول ابن أبي ربيعة: لو أنهم صبروا عنا فنعرفه منهم إذًا لصبرنا كالذي صبروا وقول جرير: دعاني أبو سعد، وأهدى نصيحة إلي، ومما أن تغر النصائح لأجزر لحمي كلب نبهان كالذي دعا القاسطي حتفه، وهو نازح" انتهي كلامه ولا حجة في شيء مما ذكر على أن تكون "الذي" مصدرية، ولا أنها تتبع بمعرفة أو نكرة لا تقبل "أل" دون صلة؛ لأن الكوفيين يقولون: قالت العرب كذا، ويكون ذلك على قياس ما فهموا هم عن العرب، ولما اعتقدوا في قوله: إن الزبيري الذي مثل الجلم أن "مثل" تابع لـ"الذي"، وأنه لا صلة له، بنوا عليه أن العرب تقول: مررت بالذي خير منك، ومررت بالذي مثلك، وبالذي أخيك، وكل هذا قياس منهم على فهمهم في هذا الرجز وشبهه، وقد تقدم من تأويل البصريين/ لمثل هذا أنه مما حذفت منه الصلة، وأبقى معمولها، والمعنى: أن الزبيري الذي صار مثل الجلم. وكذلك:

стр. 798

حتى إذا كانا هما اللذين مثل الجديلين .......... التقدير: عادا مثل الجديلين. وأما ما استشهدوا به على أن "الذي" تكون مصدرية فلا حجة في شيء منه. أما قول بعض العرب "أبوك بالجارية الذي يكفل" فـ"الذي" على حاله موصول، وبالجارية: متعلق بمحذوف، يدل عليه "الذي يكفل"، التقدير: أبوك كفيل بالجارية الذي يكفل، أو على إضمار "أعني"، كما يقدره بعض أصحابنا في كثير من المجرور، وإن كان "أعني" لا يتعدى في أصل الوضع بالباء. وأما "أبوك بالجارية ما يكفل" فـ"ما" مصدرية، و"بالجارية" متعلق بمصدر محذوف، التقدير: أبوك كفالته بالجارية كفالته، كقول الشاعر: وبعض الحلم عند الجهـ ـل للذلة إذعان قدروه: إذعان للذلة إذعان. وأما "كالذي نصروا" فيحتمل وجهين: أحدهما أن يكون أصله: كالذين نصروا، فحذف النون، والتقدير: كنصر الذين نصروا. أو يكون "الذي" صفة لمصدر محذوف، والعائد عليه محذوف من نصروا، والتقدير: كالنصر الذي نصروه. وأما قوله: ........................ ردي علي فؤادي كالذي كانا فتأويله: كالفؤاد الذي كانا، والشيء يشبه بنفسه باعتبار حالين، تقول:

стр. 799

زيد الآن كهو أمس، والمعنى: إن قلبي كان سليمًا فيما مضى من الزمان، والآن قد شفه الغرام، فرديه إلى الحالة التي كانت سبقت له. وأما قوله: ................ كالذي دعا القاسطي حتفه ....... فإن عندهم في معنى: كما دعا القاسطي حتفه، فـ"القاسطي" مفعول بـ"دعا"، و"حتفه" فاعل بـ"دعا"، ولا عائد على الذي. وتأويله عندي على أنه قوله "كالذي دعا القاسطي" في موضع نعت لمصدر محذوف، و"الذي" صفة للدعاء، التقدير: دعاني أبو سعد دعاء مثل الدعاء الذي دعا القاسطي، ففي "دعا" ضمير يعود على "الذي"، وجعل الدعاء داعيًا على حد قولهم: شعر شاعر، وارتفاع "حتفه" على أنه خبر مبتدأ محذوف، وهو جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: ما الذي دعاه؟ قال: هو حتفه، أي: الداعي هو الحتف. ويحتمل أن يكون ارتفاعه على أن يكون بدلًا من الضمير المستكن في "دعا" العائد على "الذي". وتأويل هذه النوادر أولى من إثبات قاعدة كلية بشيء محتمل مخالف لما استقر في اللسان العربي.

стр. 800

-[ص: فصل وتقع أي شرطية، واستفهامية، وصفة لنكرة مذكورة غالبًا، وحالًا لمعرفة، ويلزمها في هذين الوجهين الإضافة لفظًا ومعنىً إلى ما يماثل الموصوف لفظًا ومعنىً، أو معنى لا لفظًا.]- ش: مثال الشرطية قول الشاعر: أي حين تلم بي تلق ما شئـ ـت من الخير، فاتخذني خليلًا والاستفهامية ﴿فَأَيُّ الفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ﴾. وقوله وصفة لنكرة مذكورة/ مثال ذلك: مررت برجلٍ أي رجل، وبفارسٍ أي فارس، وقال الشاعر: دعوت أمرًا أي أمري، فأجابني وكنت وإياه ملاذًا وموئلًا ولا تكون إلا نكرة: فإن أضيفت إلى مشتق من صفة يمكن المدح بها كانت للمدح بالوصف الذي اشتق منه الاسم الذي أضيفت إليه، فإذا قلت: مررت بفارس أي فارس، فقد أثنيت على الأول بالفروسية خاصة. وإن أضيفت إلى غير مشتق من صفة يمكن المدح بها فهي للثناء على الأول بكل صفة يمكن أن يثنى عليه بها، فإذا قلت: مررت برجل أي رجل، فقد أثنيت على الرجل ثناءً عامًا في كل ما يُمْدَح به الرجل.

стр. 801

وإنما كانت صفةً للنكرة، ولم تُوصف بها المعرفة، لأنها لو أُضيفت إلى معرفة كانت بعضًا مما تُضاف إليهن وذلك لا يُتصور في الصفة إذ الصفة أبدًا إنما هي الموصوف لا بعضه، و "أيٌ" وإن لم تكن مشتقة فهي في حكم المشتق. قال أصحابنا: وإنما أُعطيت معنى الاشتقاق لأنها في الأصل استفهام، فإذا قلت: مررت برجلٍ أي رجلٍ، فكأنك قلت: مررت برجلٍ لنباهته وكماله يُتطلع إلى السؤال عنه والعجب من أحواله، فيقال: أي الرجال هو؟ هذا أصله، ولذلك أعطيت "أيٌ" معنى الكمال، وأزيل عنها الاستفهام ليعمل فيها ما قبلها، وبقي فيها إبهام الاستفهام ليفيد معنى المبالغة في الصفة. وقال بعض أصحابنا: "ولا يعنون بقولهم "صفة" أنها جاريةٌ أبدًا على ما قبلها، بل يُعني بذلك أنها تُستعمل على معنى الوصف، وإلا فقد تُستعمل غير تابعة، نحو قوله: فأومأت إيماءً خفيًا لحبترٍ ولله عينا حبترٍ أيما فتى كأنه قال: أيما فتى هو، أي: هو الممدوح بكل ما مدح به الفتيان" انتهى. وقوله غالبًا يعني أن الموصوف النكرة قبل "أيً" يكون مذكورًا غالبًا، واحترز بذلك من حذفه في قول الفرزدق: إذا حارب الحجاج أي منافقٍ علاه بسيف كلما هز يقطع

стр. 802

أراد: منافقًا أي منافقٍ. وهذا عند أصحابنا في غاية الندور، قالوا: "فارقت "أي" سائر الصفات في أنه لا يجوز حذف الموصوف وإقامتها مقامه، لا تقول: مررت بأي رجلٍ، وذلك لأن المقصود بالوصف بـ "أي" إنما هو التعظيم والتأكيد، والحذف يُناقص ذلك". وقوله وحالًا لمعرفة أنشد المصنف في الشرح: ............................... فلله عينا حبترٍ أيما فتى بالنصب، جعله حالًا. وتقدم أن أصحابنا انشدوه بالرفع على أنه مبتدأ أو خبر مبتدأ، وقدوره: أيُ فتى هو. ولم يذكر أصحابنا كون "أي" تقع حالًا،/ وإنما ذكروا لها خمسة أقسام: موصولة، وشرطية، واستفهامية، وصفة لنكرة، ومنادى، وسيأتي حكمها في باب النداء، إن شاء الله. وقوله ويلزمها في هذين الوجهين أي: في وجه استعمالها صفة، واستعمالها حالًا. وقوله الإضافة لفظًا ومعنىً لأنها إذا كانت موصلة أو شرطية أو استفهامية لا يلزم إضافتها لفظًا. وقوله إلى ما يُماثل الموصوف لفظًا ومعنىً فلا يجوز أن تقول: مررت برجلٍ أي عالمٍ، ولا: بعالمٍ أي رجلٍ، بل تقول: مررت برجلٍ أي رجلٍ، وبعالمٍ أي عالمٍ.

стр. 803

وقوله أو معنىً لا لفظًا مثاله: دعوت امرًأ أي فتى. هكذا مثله المصنف في الشرح. وينبغي أن يُحتاط في جواز هذا، ويتوقف حتى يُسمع من كلام العرب، وإلا منع؛ لأن الأصل فيها أن لا يُوصف بها، فلا يُتوسع في القياس فيها. -[ص: وقد يُستغني في الشرط والاستفهام بمعنى الإضافة إن عُلم المضاف غليه، و "أي" بمنزلة "كل" مع النكرة، وبمنزلة "بعضٍ" مع المعرفة.]- ش: استغناؤها في الشرط مثاله قوله تعالى ﴿أَيّاً مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، ومثاله في الاستفهام ما ورد في الحديث: "من أبرُ يا رسول الله؟ قال: أمك. قال: ثم أيٌ؟ قال: أمك". وقوله و "أيٌ" فيهما - يعني في الشرط والاستفهام - بمنزلة "كلً" في النكرة، وبمنزلة "بعضٍ" في المعرفة. مثالها في الشرط مضافةً إلى نكرة: أي رجل تضرب أضربه، وأي رجلين تضرب أضربهما، وأي رجال تضرب أضربهم، فيعود الضمير مطابقًا لما تضاف إليه "أيٌ". ومثالها مضافةً إلى معرفة: أي الرجل تضرب أضربه، وأي الرجلين تضرب أضربه، وأي الرجال تضرب أضربه. ومثالها في الاستفهام مضافةً إلى نكرة: أي رجلٍ أخوك؟ وأي رجلين أخواك؟ وأي رجال إخوتك؟ فيُطابق الخبر ما تضاف إليه "أيٌ". ومثالها مضافة إلى معرفة: أي الرجلين أحسن؟ وأي الرجلين أخوك؟

стр. 804

وأي الرجال أخوك أو أخوك؟ وتقول: أي الثلاثة أخواك أو أخوك؟ ولا تقع الشرطية والاستفهامية إلا صدر كلام، فلا يعمل فيها عاملٌ متقدم عليها إلا الخافض بشرط أن يكون متعلقًا بالفعل الذي يليها، إلا في الاستفهام في الاستثبات، فإنه قد يتقدم عليها، فإذا قال قائل: ضربت رجلًا، قلت إذا استثبت: أيا ضربت؟ وضربت أيا؟ -[ص: ولا تقع نكرةً موصوفةً، خلافًا للأخفش، وقد يُحذف ثالثها في الاستفهام، وتُضاف فيه إلى النكرة بلا شرط، وإلى المعرفة بشرط إفهام تثنيةٍ، أو جمعٍ، أو قصد أجزاءٍ، أو تكريرها عطفًا بالواو.]- ش: أجاز الأخفش: مررت بأي كريمٍ، فجعل أيا نكرةً موصوفة، ولم يُسمع من العرب، وإنما أجازه قياسًا على "من" و "ما" من قول العرب: "رغبت فيما خيرٍ مما/ عندي"، و: كفى بنا فضلًا على من غيرنا ................................ ويضعف القياس على ذلك، بل في قولهم "مررت بما معجبٍ لك" إن "ما" نكرة بمعنى شيء موصوفة بـ "مُعجب" نظرٌ، لأنه يجوز أن تكون "ما" زائدة بين حرف الجر والمجرور، والتقدير: مررت بمُعجبٍ لك، وكثيرًا ما زيدت "ما" بين حرف الجر والمجرور، فإن سُمع من كلامهم: رأيت ما مُعجبًا لك، وسرني ما معجبٌ لك، وكثر ذلك في كلامهم، ثبت أن "ما" نكرة موصوفة، على أنه لو سُمع قليلًا انبغى تأويله على زيادة "ما" كما زادوها في قوله:

стр. 805

................. ضرج ما أنف خاطبٍ بدم وفي قوله "رويد ما الشعر"، وقد تقدم الاستدلال على كون "ما" نكرةً موصوفة بقوله: ربما تكره النفوس من الأمـ ـر ..................... وليس بقاطع؛ إذ يحتمل أن تكون "ما" مُهيئة، و "من الأمر" في موضع المفعول بـ "تكره"، أي: شيئًا من الأمر، ويكون العائد في "له" عائدًا على ذلك المفعول المحذوف، وإذا دخل الدليل الاحتمال سقط به الاستدلال. وقد تكرر للمصنف ذكر مذهب الأخفش في "أي" أنها تكون نكرة موصوفة، فإنه ذكرها هنا، وفي الشرح حين تكلم على "ما" وأنها تكون نكرة موصوفة. ومثال حذف ثالث "أي" في الاستفهام قول الشاعر: تنظرت نصرًا والسماكين أيهما علي من الغيث استهلت مواطره وقوله وتضاف فيه - أي: في الاستفهام - إلى النكرة بلا شرط أي: لا تُشترط في إضافتها إلى النكرة شرط. وقوله بشرط إفهام تثنيةٍ نحو: أي الرجلين أفضل؟ وأيهما أفضل؟ أو جمع: أي الرجال أفضل؟ وأيهم أفضل؟ أو قصد أجزاء: أي زيدٍ أحسن؟

стр. 806

أي الرجل أحسن؟ ولذلك تبدل منه، فتقول: أوجهه أم عينه؟ فالجواب لهذا الاستفهام إنما يكون بذكر شيءٍ من أجزاء زيد أو الرجل. وقوله أو تكريرها عطفًا بالواو مثاله قول الشاعر: أيي وأي ابن الحصين وعثعثٍ إذا ما التقينا كان بالحلف أغدرا وقول الآخر: فأيي ما وأيك كان شرًا فسيق إلى المقامة لا يراها وقول الآخر: فلئن لقيتك خاليين لتعلمن أيي وأيك فارس الأحزاب ونقص المصنف أن تكون "أيٌ" مضافة إلى المفرد المعرفة جنسًا أو معطوفًا عليه غيره بالواو، مثاله: أي الدينار دينارك؟ وأي البعير بعيرك؟ ومثال المعطوف: أي زيدٍ وعمروٍ وجعفرٍ قام؟ ويمكن اندراج ذلك تحت قوله "أو جمعٍ" لأن/ اسم الجنس هنا يراد به الجمع، ولأن "أي زيدٍ وعمرٍ وجعفرٍ" هو في المعنى: أي هؤلاء قام؟ لكن المصنف مثل قوله "أو جمعٍ" بقوله: أي الرجال أفضل؟ وأيهم أكرم؟ فدل على أنه لا شعور له بالمسألتين اللتين ذكرناهما، ونص أصحابنا عليهما. ولا يجوز أن يُعطف على "أي" الاستفهامية غير اسم استفهام، فإذا

стр. 807

قلت: أي القوم جاءك وزيدٌ؟ عطفت زيدًا على الضمير في جاء، ولا يجوز أن تعطفه على "أي". ولو قلت: أي القوم وزيدٌ جاء؟ لم يجز إلا إذا جعلت زيدًا معطوفًا على الضمير في جاء، وقدمته عليه، على حد قول الشاعر: وأنت غريمٌ لا أظن قضاءه ولا العنزي القارظ الدهر جائيا يريد: لا أظن قضاءه جائيًا هو ولا العنزي القارظ. وإنما لم يجز ذلك لأنك تكون قد عطفت مخبرًا عنه على مستفهمٍ عنه، وذلك لا يجوز، لو قلت: أزيدٌ وعمروٌ منطلقان؟ وأنت تسأل عن انطلاق زيد، وتخبر عن انطلاق عمرو، لم يجز. -[ص: من الموصولات الحرفية "أن" الناصبة مضارعًان وتوصل بفعلٍ متصرفٍ مطلقًا، ومن "أن"، وتوصل بمعموليها. ومنها "كي"، وتوصل بمضارع مقرونٍ بلام التعليل لفظًا أو تقديرًا. ومنها "ما"، وتُوصل بفعلٍ متصرفٍ غير أمرٍ، وتختص بنيابتها عن ظرف زمان، موصولة في الغالب بفعلٍ ماضي اللفظ مثبت أو منفي بـ "الم".]- ش: احترز بقوله "الناصبة مضارعًا" من "أن" المخففة من "أن" الثقيلة، فإنها حكمها حكم المثقلة، ومن "أن" الزائدة، ومن "أن" التفسيرية، ولهذه الأقسام مواضع تُذكر فيها. وإنما ذكر هنا ما تُوصل به "أن" الناصبة للمضارع، فكما ذُكرت الموصلات الاسمية وصلاتها، كذلك ذكرت الحرفيات وصلاتها. وهذه الحروف الموصولات ينسبك منها مع صلاتها مصدر.

стр. 808

وقوله بفعلٍ متصرفٍ احترزٌ من الجامد. وقوله مطلقًا يعني سواءٌ أكان ماضيًا، نحو: أعجبني أن قام زيدٌ، أم مضارعًا، نحو أريد أن تقوم، أم أمرًا، نحو: أرسلت إليه بأن أفعل، فلو كان الماضي غير متصرف كـ "عسى"، أو المضارع غير متصرف كـ "يهيط"، أو الأمر غير متصرف كـ "تعلم" بمعنى اعلم على رأي الأعلم، لم يكن شيء من ذلك صلة لـ "أن" هذه، فأما قوله ﴿وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ﴾ ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ﴾ فـ "أن" هي المخففة من الثقيلة لا الناصبة للمضارع. وجميع ما استدلوا به على أن "أن" هذه توصل بفعل الأمر محتمل أن تكون التفسيرية. ويُقوي ذلك أن ذلك تقدمه شرط التفسيرية، وهو أن تكون الجملة التي قبل "أن" فيها معنى القول، نحو قوله تعالى ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا﴾، وأشرت إليه أن قم، وكتبت إليه أن قم. وقال/ بعض أصحابنا: "وتدخل على الأمر قليلًا، حكي س: كتبت إليه بأن قم" انتهى. وبهذا استدل على أنها المصدرية لا التفسيرية. ووجه الاستدلال أنه دخل عليها حرف الجر، والتفسيرية لا يدخل عليها حرف الجر. ولا يقوي عندي وصل "أن" بفعل الأمر لوجهين: أحدهما: أنه إذا سبكت من "أن" وفعل الأمر مصدرًا فات معنى الأمر

стр. 809

المطلوب والمدلول عليه بالصيغة، ففرق بين: كتبت إليه بالقيام، وكتبت إليه أن أقم. والثاني: أنه لا يوجد من لسان العرب: يعجبني أن قم، ولا: أحببت أن قم، ولا: عجبت من أن قم، فكون ذلك مفقودًا في لسانهم دليل على أنها لا توصل بفعل الأمر، ولو وصلت بفعل الأمر لوجد ذلك في لسانهم، كما وجد ذلك في وصلها بالماضي والمضارع، تقول: أعجبني أن قام زيدٌ، وأحببت أن قام، وعجبت من أن قام، ويعجبني أن يقوم زيدٌ، وأحب أن يقوم زيدٌ، وعجبت من أن يقوم زيدٌ. وأما ما حكي س من قولهم "كتبت إليه بان قم" فالباء زائدة مثلها في: ................... ................ لا يقرأن بالسور وزعم بعض النحويين أنها تُضمر بعد همزة الاستفهام في التسوية، ويكون ينسبك منها مع الفعل مصدر، فإذا قلت: سواءٌ علي أقمت أم قعدت، فأصله عنده: أأن قمت أم أن قعدت، فالفعل بعدها بتقدير المصدر. والصحيح أنه لا إضمار بعد الهمزة ولا يعد أم؛ لأنه لم يُلفظ بذلك في موضوع من المواضع، وإنما اكتفوا هنا بالمعنى دون الإضمار، ولا يُقاس عليه لأنه موضعٌ خرج فيه اللفظ عن أصله، فخرجت همزة الاستفهام والفعل عن أصلهما، وصار سبكًا معنويًا إلى المصدر، كما يُسبك إلى اسم الفاعل في قولك: ما أبالي منك أقمت أم قعدت؛ أي: قائمًا ولا قاعدًا.

стр. 810

وإنما لم تكن همزة الاستفهام مما ينسبك معها الفعل إلى المصدر لأن ما ينسبك معه يكون معمولًا لما قبله لفظًا، ولا يكون ذلك في الهمزة وإن كانت قد تكون مع ما دخلت عليه في موضوع معمولٍ في المعنى. وذهب بعض النحويين إلى أنها تضمر "أن" بعد ظروف الزمان في نحو: يوم يقوم زيدٌ، أي: يوم أن يقوم، لكنهم استغنوا عنها بأن أنابوها عنها لأن لظروف الزمان خصوصية بالأفعال، فلم يحتاجوا معها إلى إضمار سابك. والصحيح أنه لا إضمار فيه لأنه لم يُلفظ به قط، وإنما هو من الإضافة للدليل لفظًا، وهم يريدون المدلول، كم صغروا الفعل وهم يريدون المدلول من المصدر في باب التعجب، وكما يعدون ما يتعدى بحرف الجر نفسه. وقوله ومنها "أن" وتوصل بمعموليها مثاله: أعجبني أن زيدًا قائمٌ، وأحببت أن زيدًا قائمٌ، وعجبت من أن زيدًا قائمٌ، تقول: عجبت من انطلاقك، لا دليل فيه على/ وقوعه أو تحققه، فإذا قلت: عجبت من أنك منطلقٌ، دل على الوقوع والتحقق. قاله في البسيط. وقوله ومنها "كي"، وتوصل بمضارع مقرونٍ بلام التعليل لفظًا مثاله: جئت لكي أراك. أو تقديرًا مثاله: جئت كي أراك. فإذا قُرنت باللام لفظًا تعينت المصدرية، وإذا لم تُقرن بها احتملت، وقد تكلمنا على ذلك في نواصب المضارع مُستوفي هناك. ولا تخلو "كي" من التعليل، فهي لا تتصرف تصرف "أن"، لا تكون مبتدأة ولا مفعولة ولا مضافًا إليها ولا مجرورةً باللام ظاهرةً أو مقدرةً معها. وقوله ومنها "ما"، وتوصل بفعلٍ متصرفٍ غير أمر. احترز بـ "متصرف"
следующие страницы →