Полный текст (3 950 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
فإنك والكتاب إلي علي كدابغة, وقد حلم الأديم
وسيأتي ذكر هذه المسألة في "باب إن" إن شاء الله.
وقوله وقد يغني مضاف إلي آخر المسألة. قال المصنف في الشرح: "قد يقصد اشتراك المضاف والمضاف إليه في خير, فيجيء الخبر مثني كقول بعض العرب "راكب البعير طليحان", والأصل: راكب البعير والبعير طليحان, فحذف المعطوف لوضوح المعني" انتهي.
وهذه المسألة أجازها الكسائي وهشام, فلو قدمت, فقلت "طليحان صاحب الناقة" أبطلاها إذ لم يقم سابق دليل علي تثنية الخبر, والمرفوع المخبر معنه واحد.
قال ابن الأنباري: "وإنما جاز الأول لأن التقدير في التقديم: الناقة والصاحب, فثني الخبر بالدليل السابق, وهو الاثنان المذكوران, واستحال / "طليحان صاحب الناقة" لتثنية الفعل ورفعه من غير سبق دليل يوجب التثنية, ولا تأخر اثنان مرفوعان يكون مبناه عليهما, وما يصح البناء علي مدلول عليه إلا بمقارنة الدليل وسبقه إياه" انتهي.
وقال صاحب البديع: فأما قولهم "راكب الناقة طليحان" فتقديره: أحد طليحين, فحذف المضاف, وأقيم المضاف إليه مقامه. ويجوز أن يكون قد حذف المعطوف للعلم به, تقديره: راكب الناقة والناقة طليحان, ومثله
стр. 982
قول الشاعر:
أقول له كالنصح بيني وبينه هل أنت بنا في الحج مرتحلان
وقد جوز بعضهم: غلام زيد ضربتهما, فيعيد الضمير إليهما.
-[ص: والأصل تعريف المبتدأ وتنكير الخبر, وقد يعرفان. وينكران بشرط الفائدة, وحصولها في الغالب عند تنكير المبتدأ بأن يكون: وصفا, أو موصوفا بظاهر أو مقدر, أو عاملا, أو معطوفا, أو معطوفا عليه, أو مقصودا به العموم أو الإبهام, أو تالي استفهام أو نفي أو لولا أو واو الحال أو فاء الجزاء أو ظرف مختص أو لاحق به, أو بأن يكون دعاء, أو جوابا, أو واجب التصدير, أو مقدرا إيجابه بعد نفي. والمعرفة خبر النكرة عند س في نحو: كم مالك؟ واقصد رجلا خير منه أبوه.]-
ش: إنما كان الأصل تعريف المبتدأ لأن المبتدأ مسند إليه, والإسناد إلي المجهول لا يفيد المخاطب إلا بقرينة لفظية أو معنوية تقربه من المعرفة. وإنما كان الأصل تنكير الخبر لأن نسبته من المبتدأ نسبة الفعل من الفاعل, والفعل يلزمه التنكير, فرجح تنكير الخبر علي تعريفه, قاله المصنف, قال: "أو لكونه إذا كان معرفا مسبوقا بمعرفة توهم كونهما موصوفا وصفة, فمجيئه نكرة يرفع ذلك التوهم". ومثال تعريفهما: ﴿اللهُ رَبُّنَا﴾ و ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ﴾.
وقوله وقد يعرفان مثاله: زيد القائم, وفائدته أقل من فائدة الإخبار بالنكرة؛ لأنك إنما تستفيد منه النسبة إلي المبتدأ لا ثبوته, لأنك تعلمه,
стр. 983
ويشترط فيه أن لا يكون معلوم النسبة لأنه لا فائدة فيه إلا أن يدخله معني تعظيم, نحو: أنا أنا, ونحوه.
وقد خير بعض النحويين في جعل أيهما شئت المبتدأ أو الخبر. وقال بعضهم: هو بحسب المخاطب, فإن علم منه أنه في علمه أحد الأمرين, أو سأل عن أحدهما بقوله: من القائم؟ فقلت في جوابه: القائم زيد, فلا اختيار هنا؛ لأن الثاني كالمجهول, وأما لو أحضر الأمرين, فقال: هل أخوك زيد؟ فحينئذ تكون بالخيار. وأما من خير فلأنه لا فرق بين كونه في ذكره الأمران أو أحدهما إذا كان عالما بذلك في الجملة.
وفي الإفصاح: قال بعض المتأخرين: محل الفائدة - وهو الذي كان غير معلوم عند المخاطب - / هو الخبر, والمعلوم عنده هو الاسم, يعني في "باب كان". قال: وكذلك جعلوه في المبتدأ والخبر, وألزم بعضهم تقديم الخبر علي هذا لئلا يلبس.
وقال بعضهم: إذا كان أحد الاسمين أعم من الآخر فالعموم هو الخبر, نحو: زيد صديقي, إذا كان له أصدقاء غيره, ولا يجوز علي هذا: صديقي زيد, كما لا يجوز: الحيوان زيد, ولا: الكاتب عمرو, ولا: كاتب الأمير عمرو, إذا كان له كتاب, وتقول: عمرو كاتب الأمير. إذا لم يكن له كاتب ساواه. وقال بعضهم: هذا علي معني الحصر.
والذي عليه المتقدمون قول أبي علي: إنك تجعل ما شئت منهما الاسم والآخر الخبر, يعني في "باب كان وأخواتها" وكذا في المبتدأ والخبر.
стр. 984
وقد قال أبو بكر بن الصائغ في قول الشاعر:
أردت قصيرات الحجال, ولم أرد قصار الخطا, شر النساء البحاتر
إن "البحاتر" هو المبتدأ, و "شر النساء" الخبر لأنه أعم منه؛ لأن القصر من العيوب, والقصائر بعض معيبات النساء.
وسلم له ابن السيد هذا علي أنه الوجه والأصل, وأجاز أن يكون مبتدأ لأن الأول هو الثاني, وإذا علمنا من أحد الشيئين أنه الآخر علم من الآخر أنه الأول, فوقعت الفائدة. واحتج بقول زهير:
وإما أن تقولوا: قد أبينا فشر مواطن الحسب الإباء
قال: فدخول الفاء يدل علي أنه مبتدأ لأنها لا تدخل علي الخبر.
قال ابن هشام: "وهذا خطأ فاحش لأن الجواب إنما يكون في صدر الكلام, فإن تقدم الخبر كان صدرا, ودخلت عليه الفاء, كقولك: أما زيد ففي الدار, و: إن كان زيد في السجن ففي الدار عمرو. والحجة في قوله تعالي ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَآبِّ عِندَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ﴾ " انتهي, وفي بعضه لي قليل توضيح.
стр. 985
وقوله وينكران من النكرات ما يلزم حالا واحدة, نحو: عريب وكتيع وأحد الذي همزته أصل, تقول: ما أحد مثلك, ونحوه؛ لأنه عام, ولا يقع إلا في النفي, وسيأتي خلاف المبرد فيه. ومنه ما لا يلزم طريقة واحدة.
وقوله وحصولها - أي: وحصول الفائدة - في الغالب قال المصنف: "تنبيه علي أن الفائدة قد يندر حصولها في الإخبار عن نكرة خالية من جميع ما ذكر, كقول من خرقت له العادة برؤية شجرة ساجدة أو بسماع حصاة مسبحة: شجرة سجدت, وحصاة سبحت" انتهي.
والمصنف لم يستوف المسوغات لجواز الابتداء بالنكرة, وسنذكر ما أغلفه منها, ونبين أن في هذا مسوغا منها: فالوصف قول العرب " ضعيف عاذ بقرملة", أي: إنسان ضعيف أو حيوان ضعيف التجأ إلي ضعيف والقرملة: شجرة ضعيفة.
والموصوف بظاهر "شوهاء ولود خير/ من حسناء عقيم". وهذا يسميه بعضهم خلفا من موصوف, أي: امرأة شوهاء.
وبمقدر قولهم: "السمن منوان بدرهم", أي: منوان منه بدرهم, وصف "منوان" بالمجرور المقدر, ومنوان: مبتدأ, بدرهم: خبره, والجملة خبر عن قولهم "السمن". وجعل المصنف من هذا قوله ﴿وَطَآئِفَةٌ قَدْ
стр. 986
أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ﴾ أي: من غيركم, وهم المنافقون, وقول الشاعر:
إني لأكثر مما سمتني عجبا يد تشج, وأخري منك تأسوني
أي: يد منك.
ولا يتعين ما ذكر لأنه موضع تفصيل, فيجوز أن يكون المسوغ هو التفضيل.
وأنشد المصنف أيضا من ذلك:
وما برح الواشون حتي ارتموا بنا وحتي قلوب عن قلوب صوادف
أي: قلوب منا عن قلوب منهم.
والعامل: "أمر بمعروف صدقة, ونهي عن منكر صدقة". قال المصنف: (ويدخل في هذا المضاف إلي نكرة, نحو "خمس صلوات كتبهن الله علي العباد").
والمعطوف: زيد ورجل قائمان, فـ "رجل" نكرة جاز الابتداء بها لعطفها علي معرفة.
والمعطوف عليه قوله تعالي ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ﴾ علي أن يكون التقدير: طاعة وقول معروف أمثل, فساغ الابتداء بقوله (طاعة) لأنه عطف
стр. 987
عليه ما فيه مسوغ لجواز الابتداء به, وهو (معروف) الذ هو وصف لقوله (وقول) , وقال الشاعر:
غراب وظبي أعضب القرن ناديا بصرم, وصردان العشي تصيح
فابتدأ بـ "غراب" - وهو نكرة - لعطف "وظبي" عليه, وفيه مسوغ, وهو وصفه بـ "أعضب القرن". وظاهر كلام المصنف في الشرح أن مطلق العطف مسوغ لجواز الابتداء بالنكرة, وجعل من ذلك قولهم "شهر ثري, وشهر تري, وشهر مرعي" وقول الشاعر:
فيوم علينا, ويوم لنا ويوم نساء, ويوم نسر
وهذا عند غيره ليس مسوغ الابتداء فيه بالنكرة ما ذكره المصنف من العطف, وإنما مسوغ ذلك التفضيل, وقد ذكره أصحابنا في المسوغات, وأغفله المصنف.
стр. 988
وجعل المصنف مما ابتدئ فيه بالنكرة لأجل العطف قول الشاعر:
عندي اصطبار وشكوى من معذبتي فهل بأعجب من هذا امرؤ سمعا
ولا يتعين ما ذكره المصنف لأنه قد تقدم هنا علي النكرة ظرف, وهو مسوغ لجواز الابتداء بالنكرة, وقد ذكر هذا المسوغ المصنف, وسيأتي في التمثيل.
والمقصود به العموم قول ابن عباس "تمرة خير من جرادة", وقول العرب "خبأة خير / من يفعة سوء".
والإبهام مثله المصنف بقولهم: ما أحسن زيدا! وأصحابنا يقولون: جاز الابتداء بـ "ما" لأن فيها معني التعجب. وجعلوا من ذلك قول العرب: عجب لزيد. ولم يذكر المصنف هذا المسوغ, استغني عنه بالإبهام.
وتالي الاستفهام: أرجل في الدار؟ والنفي: ما رجل في الدار.
و"لولا" قول الشاعر:
لولا اصطبار لأودي كل ذي مقة حين استقلت مطاياهن للظعن
стр. 989
وواو الحال قول الشاعر:
سرينا, ونجم قد أضاء, فمذ بدا محياك أخفي ضوؤه كل شارق
وقال البعيث:
أغر إذا ما شد عقدا لذمة حماها, وطير في الدماء كروع
وأنشد المصنف في الشرح:
عرضنا, فسلمنا, فسلم كارها علينا, وتبريح من الوجد خانقه
ولا يتعين أن يكون الابتداء هنا بالنكرة لأجل واو الحال؛ لأن "من الوجد" إما أن يكون متعلقا بتبريح, أو يكون في موضع الصفة, وكل منهما مسوغ, أما إذا كان متعلقا بتبريح فيكون المسوغ كون المبتدأ عاملا, وأما إن كان في موضع الصفة فيكون المسوغ كونه موصوفا بظاهر, وقد ذكر المصنف هذين المسوغين.
وفاء الجزاء قول العرب: "إن ذهب عير فعير في الرباط".
وظرف مختص: أمامك رجل, فلو كان غير مختص لم يجز, نحو: أماما رجل. واللاحق به هو الجار والمجرور. قيل: وإنما جاز هذا لأن المخبر عنه في الحقيقة هو أمامك, المعني: أمامك معمور برجل. وشرط السهيلي أن يكون المجرور معرفة.
стр. 990
ومثلُهما في ذلك ما ذكره المصنف من الجملة المشتملة علي فائدة, نحو: قصدك غلامه رجل. ولا أعلم أحدا أجري هذه الجملة مجري الظرف والمجرور إلا هذا المصنف.
والدعاء: ويل لزيد, ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ , و "أمت في الحجر لا فيك", و "خير بين يديك".
والجواب: درهم, في جواب: ما عندك؟ أي: درهم عندي. قال المصنف: "ولا يجوز أن يكون التقدير "عندي درهم" إلا علي ضعف؛ لأن الجواب ينبغي أن يسلك به سبيل السؤال, والمقدم في السؤال هو المبتدأ, فكان هو المقدم في الجواب, ولأن الأصل تأخير الخبر, فترك في مثل: عندي درهم؛ لأن التأخير يوهم الوصيفة, وذلك مأمون فيما هو جواب, فلم يعدل عن الأصل بلا سبب" انتهي. وغير مطابقة الجواب للسؤال في الإعراب لا نقول إن ذلك هو / ضعيف, بل هو جائز, وإن كان الأرجح المطابقة؛ ألا تراهم جوزوا الوجهين في باب الاشتعال في الجملة الاشتغالية التي تكون جوابا, وإن كان الطباق في الإعراب أولي عندهم, لكن الوجه الآخر ليس بضعيف.
وواجب التصدير: من في الدار؟ وكم عبدا لك؟
ومقدر إيجابه بعد نفي "شر أهر ذا ناب" و "مأرب دعاك إلينا لا
стр. 991
حفاوة" بمعنى: ما أهر ذا ناب إلا شر, وما دعاك إلينا إلا مأرب, ومثله قول الشاعر:
قدر أحللك ذا المجاز, وقد أري وأبي لك ذو المجاز بدار
وقال الآخر:
قضاء رمي الأشقى بسهم شقائه وأغري سبيل الحر كل سعيد
أي: ما أحللك ذا المجاز إلا قدر, وما رمي الأشقى إلا قضاء. أنشد المصنف البيتين علي هذا المعني.
قال بعض أصحابنا: "لا يقال "شيء ما جاء بك" إلا لمن جاء في وقت ما جرت العادة بأن يجيء في مثله إلا لأمر مهم. وكذلك "شر أهر ذا ناب", لا يقال إلا في وقت لا يهر الكلب فيه إلا لشر, وجرت العادة لذلك, وإلا فالكلب يهر لغير الشر كثيرا.
وقال س: "إنما جاز أن يبتدأ به لأنه في معني: ما جاء بك إلا شيء".
وقال ابن الطراوة: إنما جاز لأنه مفاجأة, فلا يحتاج إلي التعريف, وإنما التعريف والتنكير أمر يختص به المخاطب. وهذا ليس بشيء, فإن قولك "شيء ما جاء بك" لا يقال إلا لمن تستقبل بالخبر كما بينا, ولو زعم ذلك في "شر أهر ذا ناب" أمكن لأنه يمكن أن يستقبل به أحد, لكن لا على
стр. 992
اللزوم, فنهايته أن زاد في شروط الابتداء بالنكرة أن تكون مفاجأة. وكذلك جعل المثل "ليس عبد بأخ لك" علي المفاجأة. ونحن نقول أن يكون سببه النفي" انتهي. وقد انتهت المسوغات التي ذكرها المصنف, وهي ثمانية عشر.
وزادوا: أن تكون موضع تفصيل, نحو قوله:
فأقبلت زحفا علي الركبتين فثوب نسيت, وثوب أجر
وأن يكون اسم شرط, نحو: من يقم أقم معه. وهذا داخل تحت قول المصنف "أو واجب التصدير".
وأن يكون قارب المعرفة, نحو: أفضل من زيد عندنا. وهذا داخل تحت قول المصنف "أو عاملا" لأن "من" تتعلق بأفعل التفضيل.
وأن يكون مصغرا, نحو: رجيل عندنا. وهذا يمكن أن يدخل تحت قول المصنف "أو موصوفا" لأن التصغير وصف في المعني, فكأنك قلت: رجل صغير الجرم عندنا.
وأن يكون "كم" الخبرية, نحو: كم رجل جاءني. وهذا يندرج تحت قوله "واجب التصدير".
وأن يكون فيه معني التعجب/ , نحو: عجب لزيد. وعلي هذا يتخرج ما تقدم ذكره من قول المصنف "شجرة سجدت" وشبهه؛ لأن الناطق بذلك تعجب من هذا الخارق العظيم.
وأن يكون محصورا بأداة الحصر, نحو: ما في الدار إلا رجلٌ, وإنما
стр. 993
في الدار رجلٌ. وهذا في معني ما تقدم عليه حرف النفي, أو تقدم عليه الظرف, وكلاهما مسوغ للابتداء.
وزاد الأخفش في مسوغات الابتداء بالنكرة أن تكون في معني الفعل, نحو: قائم زيد. وتقدم مذهبه في ذلك. وما استدل به أيضا من قوله تعالي ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا﴾ في قراءة من رفع (دانية) لا حجة فيه لاحتمال أن يكون خبرا مقدما.
وزاد الأستاذ أبو الحسن بن عصفور في المسوغات أن تكون النكرة لا تراد لعينها, نحو: رجل خير من امرأة, يريد واحدا من هذا الجنس, أي واحد كان خير من كل واحدة من هذا الجنس, قال: "إلا أن معناه يؤول إلي العموم, إلا أنه يخالف العموم في أنه يدل علي كل واحد علي جهة البدل, أعني أنه لا يتناول الجميع دفعة واحدة" انتهي.
وهذا الذي ذكره الأستاذ أبو الحسن يندرج تحت قول المصنف "ومقصودا به العموم"؛ لأن العموم علي قسمين, عموم شمول, نحو: كل يموت, وعموم بدل, نحو: "تمرة خير من جرادة".
ولا يجوز أن يبتدأ بالنكرة إلا وفيها مسوغ من هذه المسوغات التي ذكرنا, فأمَّا قوله:
стр. 994
مرسعة بين أرساغه به عسم يبتغي أرنبا
فزعم بعضهم أنه جاز الابتداء بالنكرة هنا لأنه فعل ذلك ضرورة.
ورد هذا بأنه ليس من أحكام الضرائر أن يجوز بسببها الكلام الذي لا يفيد.
وخرجه بعض أصحابنا علي أنها نكرة لا تراد بعينها؛ لأنه لا يراد مرسعة دون مرسعة, بخلاف قولك: رجل قائم, فإن رجلا لا يقع هنا إلا علي الذي وقع منه القيام.
ولم يشترط س في الابتداء بالنكرة إلا أن يكون في الإخبار عنها فائدة, لكن النحويين تتبعوا مواضعها. ولا يدخل علي س جواز ما أجمع النحويون علي أنه ليس من لسان العرب, وهو: رجل في الدار, لاعتقاد أن فائدته وفائدة "في الدار رجل" واحدة؛ لأن امتناع "رجل في الدار" إنما هو لعروض اللبس الحاصل بتأخر "في الدار" أهو صفة أم خبر, وأنه ينبغي حمله علي الصفة لاحتياج النكرة إليها لشدة إبهامها, وذلك بخلافه إذا تقدم. ولا يرد عليه نحو "زيد القائم" فيمنع لأنه يؤدي إلي اللبس لاحتمال أن
стр. 995
يكون صفة؛ لأن النكرة أحوج إلي النعت من المعرفة, فلذلك كان اللبس إلى النكرة أسرع منه إلي المعرفة.
وقال بعضهم: الابتداء بالفعل فيه إنباء بأمر وقع في زمان, فيتشوف الذهن عند سماعه إلي محل الفعل, فإذا أتيت بما أتيت حصل غرض / السائل. وكذلك إذا قدمت المجرور, بخلاف تقديم النكرة.
وقيل: المجرور نائب عن عامل في الخبر بحيث لا يذكر معه, وإذا ناب عن عامل صار بمنزلة تقديم الفعل, والفعل يكون فاعله نكرة, ولم يكن ذلك في "قائم زيد" لأن "قائم" لم ينب عن عامل كالمجرور.
وقوله في نحو: كم مالك؟ إنما حكم س علي "كم" بالابتداء مع أن ما بعدها معرفة لأن أكثر ما يقع بعد أسماء الاستفهام النكرة والجمل والظرف, فيتعين إذ ذاك أن يكون اسم الاستفهام مبتدأ, نحو: من قائم؟ ومن قام؟ ومن عندك؟ فحكم عليها بالابتداء وعلي المعرفة بالخبر ليجري علي حال واحدة, فيكون الأقل حمل علي الأكثر, قال معناه المصنف.
وقال غيره: "ما أنت وزيد؟ " "ما" عند س مبتدأ, و "أنت" الخبر, نص علي هذا, وغيره يعكس, ويقول: قدم الخبر لأجل الاستفهام. وما ذكر س أولي لأن معني الاستفهام كالتعريف, يحسن الابتداء بالنكرة, وإذا تقدم علي معرفة صارا كالمعرفتين, نحو: زيد أخوك, والمقدم منهما هو المبتدأ.
وكذا قال في "كم أرضك"؟ إن "كم" مبتدأ, و "أرضك" الخبر.
стр. 996
وغيره رأى أن المستفهم به هو المجهول, والمستفهم عنه معلوم للمخاطب, فلا يخبر به, وهو في الجواب خبر, فكذلك ينبغي أن يكون في السؤال. وس يري أن الأول لما كان الثاني معني وقعت الاستفادة بمجموعهما. قال المصنف: "والكلام علي أفعل التفضيل كالكلام علي أسماء الاستفهام" انتهي.
ونقول: إن قولك: اقصد رجلا خير منه أبوه, كان القياس أن يكون "خيرا" منصوبا ليكون صفة للنكرة قبله, لكن منع من ذلك أن أفعل التفضيل لا يرفع الظاهر فصيحا إلا في مسألة "ما رأيت رجلا أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد", ولو جعلت مكان "أفضل" وصفا غير أفعل التفضيل لرفع الظاهر, فكنت تقول: اقصد رجلا محسنا لك أبوه, لكان كونه منصوبا صفة أحسن من كونه مرفوعا, فلما كان محل "أفضل" محل ما يرفع به ما بعده ترك مرفوعا بالابتداء, ليرتفع به "أبوه", وجعل "أبوه" خبرا حتى لا يخلو أفعل التفضيل من العمل فيه؛ إذ كان قياسه لو كان منصوبا علي الوصف أن يعمل فيه هذا مع كونه فيه مسوغان لجواز الابتداء بالنكرة: أحدهما كونه عاملا يتعلق به المجرور. والثاني قربه من المعرفة حيث لا يقبل "أل".
-[ص: والأصل تأخير الخبر, ويجوز تقديمه إن لم يوهم ابتدائية الخبر أو فاعلية المبتدأ, أو يقرن بالفاء أو بإلا لفظا أو معني في الاختيار, أو يكن لمقرون بلام الابتداء, أو لضمير الشأن, أو شبهه, أو الأداة استفهام أو شرط أو مضاف/ إلي إحداهما, ويجوز نحو: في داره زيد, إجماعا, وكذا: في داره قيام زيد, وفي دارها عبد هند, عند الأخفش.]-
ش: إيهام ابتدائية الخبر بأن يكونا معرفتين أو نكرتين, فأيهما تقدم هو المبتدأ لأنه لا يتميز المبتدأ من الخبر إلا بأن يتقدم, فإذا قلت: زيد أخوك, وأفضل منك أفضل مني, فـ "زيد" و "أفضل منك" هو المبتدأ. فلو كان ثَمَّ
стр. 997
قرينة تميز الخبر من المبتدأ جاز التقديم للخبر علي المبتدأ, كما قال حسان:
قبيلة ألام الأحياء أكرمها وأغدر الناس بالجيران وافيها
وقال آخر:
وأغناهما أرضاهما بنصيبه وكل له رزق من الله واجب
أي: أكرمها ألأم الأحياء, وأرضاهما بنصيبه أغناهما. قال:
بنونا بنو أبنائنا, وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد
أي: بنو أبنائنا بنونا, فـ "بنونا" خبر شبه به المبتدأ, وعلي هذا يجوز في: زيد زهير شعرا, وعمرو عنترة شجاعة, وأبو يوسف أبو حنيفة فقها, تقديم زهير وعنترة وأبي حنيفة وإن كانت أخبارا مشبها بها المبتدآت لوضوح المعني بأن الأعلى لا يشبه بالأدنى عند قصد الحقيقة. وكذلك قول الشاعر:
جانيك من يجني عليك, وقد تعدي الصحاح مبارك الجزب
فـ "من يجني" هو المبتدأ, و "جانيك" الخبر, أي: كاسبك الذي تعود
стр. 998
جنايته عليك. هذا كله تفسير المصنف في الشرح لقوله " إن لم يوهم ابتدائية الخبر".
وسواء أكانا معرفتين أم نكرتين أم كان المبتدأ مشبها بالخبر, فمتى دل المعني علي تمييز المبتدأ من الخبر في هذه الأشياء جاز أن يتقدم الخبر علي المبتدأ, ومتى لا يتميز وجب تقديم المبتدأ وتأخير الخبر.
وأطلق أكثر أصحابنا القول بوجوب تأخير الخبر إذا كانا معرفتين أو نكرتين, أو كان الخبر مشبها به المبتدأ من غير لحظ لما يدل علي التمييز مما لا يدل. ولا يعني بكونهما ومعرفتين تساويهما في رتبة التعريف, ولا يعني أيضا بكونهما نكرتين تساويهما في رتبة المسوغ لكل واحد منهما في جواز الابتداء بالنكرة, بل مطلق التعريف ومطلق المسوغ, فإذا قلت: زيد أخوك, فالمتكلم قدر أن المخاطب يعرف زيدا, ويجهل نسبة الأخوة, فلو عكست انعكست النسبة إذ يكون المخاطب عالما بأن له أخا, وجهل كونه زيدا, فلذلك لم يجز تقديمه إلا إن كان ثم ما يميز المبتدأ من الخبر.
وهذه المسألة فيها خلاف: فمن النحويين من أجاز ذلك, ولم يلتفت إلي هذا الانعكاس, / ويقول الفائدة تحصل للمخاطب سواء أقدمت الخبر أم أخرته. ومنهم من منع لهذا الذي ذكرناه.
وهذه المسألة جري الكلام فيها بين رجلين كبيرين من علماء بلادنا الأندلس, وهما الأستاذ أبو محمد بن السيد, وأبو بكر بن الصائغ, وأصل
стр. 999
ذلك اختلاف النحاة بمدينة سرقسطة في قول الشاعر:
وأنت التي حببت كل قصيرة إلي, ولم تشعر بذاك القصائر
عنيت قصيرات الحجال, ولم أرد قصار الخطا, شر النساء البحاتر
فقال بعضهم: "شر النساء" خبر مقدم, و "البحاتر" مبتدأ, ولا يجوز غيره لأن الشاعر أراد أن يحكم علي البحاتر أنهن شر النساء. وقال بعضهم: لا يجوز ذلك لئلا ينقلب المبتدأ خبرا والخبر مبتدأ. فدارت بين الرجلين مكالمة ونزاع وتعصب, حتى أملي في ذلك ابن السيد, وأجاز أن يكون خبرا مقدما, وأجاز أن يكون مبتدأ. ويوقف علي ترجيح ذلك من كلامه, وقد حكي هو الخلاف في ذلك, فقال: لم يجز ذلك عند جماعة من النحويين.
وقوله أو فاعلية المبتدأ وذلك بأن يخبر عنه بفعل مستكن فيه ضميره, نحو: زيد قام, فلا يجوز تقديم قام لأنه لو تقدم أوهم أن زيدا فاعل. فلو أمن اللبس ببروز الفاعل في حال التثنية والجمع, فقلت: الزيدان قاما, والزيدون قاموا, والهندات قمن, ففي جواز التقديم خلاف:
منهم من منع ذلك إجراء لضمير التثنية والجمع مجري الضمير المفرد لأنهما فرعه, فيجري الباب مجري واحدا, ويقول: إذا ورد مثل "قاما أخواك" فله تأويلان:
أحدهما: أن الألف علامة تثنية كالتاء في قامت زينب, وهي لغة "أكلوني البراغيث".
والثاني: أن تكون الألف فاعلا, وما بعدها بدل منها.
ومنهم من أجاز ذلك لأنه موضع قد أمن فيه اللبس. وإياه اختار
стр. 1000
المصنف في الشرح, وقال: "لا يمنع من ذلك احتمال كونه علي لغة "أكلوني البراغيث"؛ لأن تقديم الخبر أكثر من تلك اللغة, والحمل علي الأكثر راجح".
فلو كان الضمير منفصلا أو رفع سببيا جاز التقديم, نحو: ما قام إلا هو زيد, وقام أخوه زيد. فإن رفع الفعل ظاهرا غير السببي قبح, نحو: ضرب أبو بكر زيد, أي: زيد ضربه أبو بكر. ووجه قبحه أنك صدرت الموضع بما لا يصح أن لكون له, فتبني الكلام علي الفعل. وقال يعقوب: قرئ ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ علي معني: السموات والأرض وسعها كرسيه.
وقوله أو يقرن بالفاء مثاله: الذي يأتيني فله درهم. وعلته أنه إنما دخلت الفاء في الخبر تشبيها للمبتدأ باسم / الشرط, ولخبره بجواب الشرط, فكما لا يجوز أن يتقدم جواب الشرط, كذلك لا يجوز أن يتقدم هذا الخبر المشبه به.
وقوله أو بإلا لفظا مثاله ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾.
وقوله أو معني مثاله ﴿إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ﴾.
وقوله في الاختيار إشارة إلي أنه قد جاء في الشعر مقدما وقد قرن بـ "إلا", قال الشاعر:
стр. 1001
فيا رب هل إلا بك النصر ... عليهم وهل إلا عليك المعول
وقوله أو يكن لمقرون بلام الابتداء مثاله: لزيد قائم, فلا يجوز: قائم لزيد. وسبب ذلك أن اقتران المبتدأ باللام يؤكد الاهتمام بأول الجملة, والتقدم عليه مناف لذلك فامتنع فأما قوله:
خال لأنت ومن جرير خاله ينل العلاء ويكثر الأخوال
فتخريجه إما على زيادة اللام في الخبر كقوله:
أم الحليس لعجوز شهر به ترضى من اللحم بعظم الرقبة
وإما على إضمار مبتدأ أي: خالي لهو أنت والزيادة أولى من اعتقاد كونها للتأكيد وحذف المبتدأ لأن مصحوبها مؤكد بها, فينا فيه الحذف ومن زيادتها في الخبر قول كثير عزة:
أصاب الردى من كان يهوى لك الردى ... وجن اللواتي قلن: عزة جنت
فهن لأولى بالجنون وبالردى ... والسيئات ما حيين وحيت
وزيدت مع المبتدأ في قول الخنساء:
وبنفسي لهموم ... فهي حرى أسفه
стр. 1002
وقوله أو ضمير الشأن مثاله: هو زيد منطلق فلو تأخر "هو" لم يدر أهو ضمير الشأن أم لا, ولاحتمل أن يكون تأكيداً للضمير في " منطلق".
وقوله أو شبهه مثاله: كلامي زيد منطلق يمتنع تقديم الخبر لأن تقديم قولك"زيد منطلق" يعلم منه السامع أنه كلامك فإذا قلت بعد ذلك"كلامي" لم يفده هذا شيئاً, وكأنك قلت: كلامي كلامي, ولا فائدة في ذلك.
وقوله أو لأداة استفهام مثاله: أيهم أفضل؟ أو شرط: من يقم أقم معه.
وقوله أو مضافاً إلى احدهما مثاله: غلام أيهم أفضل؟ وغلام من يقم أقم معه. فهذه المواضع التي ذكر المصنف أنه يجب فيها تأخير خبر المبتدأ.
وزاد بعض أصحابنا أن يكون خبراً لـ"كم" نحو قولك: كم غلام عندي: أو لمضاف إليها نحو: وزير كم ملك زارني. أو لـ"ما" التعجبية/ نحو: ما أحسن زيدا! أو لمبتدأ مستعمل مقدماً عليه في مثل نحو " الكلاب على البقر" و"أمت في الحجر لا فيك" و" عبد صريخه أمه".
أو يكون خبراً لضمير متكلم, أو مخاطب موصولاً يجوز تثنيته وجمعه أو نكرة والصلة والصفة قد عاد الضمير فيهما مطابقاً للمبتدأ في التكلم أو الخطاب مثاله: أنت الذي تضرب وأنا الذي أضرب وأنت رجل تضرب زيداً وأنا رجل أضرب فلا يجوز تقديم الخبر في شيء من
стр. 1003
هذه المثل، خلافاً للكسائي فإنه يجيز التقديم.
أو خبراً لمبتدأ فيه معنى الدعاء: معرفة, نحو ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ والويل لزيد و ﴿لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ والخيبة لزيد. فأما: لله الحمد وقول الشاعر:
له الويل إن أمسى ولا أم هاشم ... قريب ولا البسباسة بنة يشكرا
فإنما خرج مخرج الخبر الثابت الذي لا يرجى ولا يطلب. أو نكرة نحو: ويح لزيد وويل له ولبيك وخير بين يديك وسلام عليك وويس لك, وويله لك وعوله, وخير لك وشر لك وفدى لك أبي وأمي وحمى لك أمي ووفاء لك أمي من هذا عند س. أو جملة لا تحتمل الصدق لا الكذب نحو: زيد اضربه, وزيد هلا ضربته.
قال بعض أصحابنا: وكذلك: ما زيد بقائم يجب فيه تقديم "زيد" على اللغتين فلا يجوز: ما بقائم زيد. ويعني بـ"اللغتين" لغة تميم ولغة الحجاز وسيأتي ذكر الخلاف في هذا إن شاء الله.
وزاد الجزولي أن يكون الخبر محذوفاً والمبتدأ معرفة , ومثلوه بقولهم: لولا زيد لأكرمتك فالنية بالخير المحذوف التأخير.
ولا ينبغي أن يجعل قوله" والمبتدأ معرفة" قيداً في المبتدأ بل أخرج مخرج الغالب, ألا ترى أنه يجوز أن يأتي المبتدأ نكرة بعد"لولا" وإنما قُدِّر
стр. 1004
مؤخراً لأنه خرج عن الأصل بالحذف فلا يجمع عليه مع ذلك خروجه عن الأصل بنية التقديم, وقد تقد الخلاف في الرافع للاسم بعد"لولا"
وزاد في "الإفصاح " قولهم: ضربي زيداً قائماً والمبتدأ بعد"أما" نحو: أما زيد فعالم لأن الفاء لا تلي "أما".
وقوله ويجوز نحو"في داره زيد" إجماعاً إنما جاز ذلك لأنه منوي به التأخير, وفيه ضمير يفسره ما بعده لفظاً والنية به التقديم فهو شبيه بقولهم: ضرب غلامه زيد.
وما ذكره المصنف من جواز هذه المسألة إجماعاً ليس كما ذكر بل فيها خلاف عن الأخفش نقل عنه أبو جعفر الصفار أنه إذا ارتفع "زيد" بالظرف منعها. وإنما منعها لأنه إذا رفع الظرف الاسم بعده كان واقعاً في محله لأنه عامل, فيلزم من ذلك أن يتقدم/ الضمير على مفسره, وذلك لا يجوز.
وأجاز ذلك البصريون لأن زيداً مرفوع بالابتداء لا بالظرف, وذلك عندهم على التقديم والتأخير. وكذلك أجاز هذه المسألة الكوفية.
فقيل لهم: كيف أجزتموها وليس المعنى التأخير؟
قالوا: حمل على المعنى لأن المعنى: استقر زيد في داره وحل في داره أو نزل في داره فهي مع الظرف بمنزلتها مع المفعول.
قيل: أو ليس قد صار الظرف رفعاً وحل محل الفعل الذي لا يجوز تأخيره؟.
стр. 1005
قالوا: بلى, ولكنه بمنزلة ذلك الذي كان يتقدم ويجوز تأخيره يعنون المفعول والقياس على قولهم أن لا يجوز.
وقوله وكذا "في داره قيام زيد" و"في دارها عند هند" عند الأخفش.
قال المصنف في الشرح:"أجاز الأخفش تقديم خبر مشتمل على ضمير عائد على ما أضيف إليه المبتدأ وسوى في ذلك بين الصالح للحذف وإقامة المضاف إليه مقامه, نحو: في داره قيام زيد, وبين ما لا يصلح لذلك, ونحو: في دارها عبد هند. وبقوله أقول لأن المضاف والمضاف إليه كشيء واحد, فإذا كان المضاف مقدر التقدم بوجه ما كان المضاف إليه مقداراً معه, إلا أن تقديم ضمير ما يصلح أن يقام مقام المضاف أسهل, ومنه قول العرب " في أكفانه درج الميت" وقول الشاعر:
بمسعاته هلك الفتى أو نجاته فنفسك صن عن غيها تك ناجيا"
انتهى كلامه.
وما ذكر المصنف من أن الأخفش أجاز المسألتين هو قول البصريين, وذكره جواز ذلك منسوباً إلى الأخفش يوهم أن غيره من البصريين يخالفه, وليس كذلك.
ومنع الكوفيون المسألتين فلا يجيزون: في داره قيامُ زيد, ولا:
стр. 1006
على بابها عبد هند وكذلك أيضا لا يجيزون: مفاعله الدال على الخير.
ويجيزه البصريون , وإنما أجاز البصريون ذلك لأنهم يرفعون زيداً والدال بالابتداء.
وحكي أبو جعفر الصفار عن الأخفش المنع إن رفعت بالظرف. فكان ينبغي للمصنف في هذه المسألة أن يفصل القول عن الأخفش , فيقول: إن رفع بالظرف لم يجز, أو بالابتداء جاز.
ولو كان الخبر مضافاً إلى ضمير يعود على مضاف إليه المبتدأ نحو: غلامه محبوب زيد, أو جملة مصدره بمضاف إلى ضميره نحو: أبوه ضربه عمرو, فنقل ابن كيسان أن ذلك لا يجوز من قول النحويين أجمعين, فلو زدت اسماً فقلت: أبوه ضربه عمرو زيد, والفعل لعمرو والهاء في "أبوه" لزيد جاز ذلك في قول البصريين على التقديم والتأخير, لأن من كلامهم: أبوه صائم زيد.
-[ص: ويجب تقديم الخبر إن كان أداة استفهام أو مضافاً إليها أو مصححاً تقديمه الابتداء بنكرة أو دالاً بالتقديم على ما لا يفهم بالتأخير أو مسنداً دون أما إلى "أن" وصلتها أو إلى مقرون بالا لفظً أو معنى أو إلى ملتبس بضمير ما التبس بالخبر.]-
ش: مثاله أداة استفهام: أين زيد؟ واحترز بقوله "إن كان - أي الخبر- أداة استفهام" من أن يكون جزءا في الخبر نحو: زيد هل ضربته؟ فإنه لا يجب تقديم الخبر هنا.
مثاله مضاف للأداة: صبح أي يوم السفر؟
ومثال المصحح: في الدار رجل, وخلفك امرأة. وقال المصنف "ونحو: قصدك غلامه رجل, لولا الكاف من "قصدك" لم يفد الإخبار
стр. 1007
بالجملة كما أنه لولا اختصاص الظرف والمجرور لم يفد الإخبار بهما"
وذهب الكوفيون إلى أن قولك: أمامك رجل, وفي الدار رجل ارتفع الاسم فيهما على الفاعلية. وكذلك لو كان معرفة نحو: أمامك زيد, وفي الدار عمرو, لأنه في معنى: حل أمامك رجل, وحل في الدار رجل, فحذف الفعل واكتفي بالظرف والجار فتقدمه كتقدم الفعل ولو تقدم الفعل لوجب أن يكون فاعلاً فكذلك هذا.
ورد هذا المذهب بجواز دخول النواسخ عليه, فلو لم يكن الأصل الابتداء الخبر لم يجز دخول النواسخ. واتفق أكثر القائلين على أن الظرف أو الجار إن كان معتمداً عمل لقوته.
وزعم بعضهم أنه يرتفع بالابتداء سواء اعتمد أم لا يعتمد. وسيأتي الكلام في ذلك.
ومثال الدال بالتقديم قولهم: الله درك! وشبهه من الجمل التعجبية فأن تعجبها لا يفهم إلا بتقديم الخبر وتأخير المبتدأ. قال المصنف في الشرح: "وكذا نحو ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ﴾ من الجمل الاستفهامية المقصود بها التسوية فإن الخبر فيها لازم التقدم, وذلك لأن المعنى: سواء عليهم الإنذار وعدمه فلو قدم (أَأَنذَرْتَهُمْ) لتوهم السامع أن المتكلم مستفهم حقيقة وذلك مأمون بتقديم الخبر, فكان ملتزما" انتهى كلامه.
وما ذكره المصنف من أن (سواء) هو خبر مقدم واجب التقديم هو
стр. 1008
قول جماعة, وذهب بعضهم إلى أنه مبتدأ والحبر جملة وقد ذكرنا هذين القولين فيما تقدم.
وذهب بعضهم إلى أن (سواء) مبتدأ والجملة فاعل, والتقدير: استوي عندي أقمت أم قعدت فيكون ذلك مثل تخريجهم "نولك أن تفعل" على أن "نولك" مبتدأ و"أن تفعل" فاعل به لأنه في معنى: ينبغي لك أن تفعل.
وللسهلي في هذه المسألة مذهب غريب قال ما نصه:" ومما لا يجوز تقديمه باتفاق: سواء علي أقمت أم قعدت فـ"سواء" مبتدأ, والجملة خبر. و"سواء" ليس بمبتدأ في المعنى, إذ لو كان مبتدأ لكان في الجملة عائد فالجملة/ إذا ليست خبراً على الحقيقة لأن المعنى: سواء على القيام والقعود فالقيام مبتدأ معنى ولا يكون في المبتدأ ضمير يعود على الخبر البتة, فكذلك في هذه الجملة الواقعة موقع المبتدأ الذي هو "إنذار" هذا تفسير مذهب أبي علي ومن قال بقوله,
ولا يصح ذلك لأنك تقول: سيان زيد وعمرو, ولا تقول: سيان أقمت أم قعدت ولا: سواء أقمت أم قعدت حتى تقول: على أو عليهم لأنك لا تريد استواء الشيئين في صفة هي لهما, كما إذا قلت: سواء زيد وعمرو إذا سويت بينهما في حسن أو قبح أو نحوهما وإنما المساواة في عدم المبالاة فمعنى ذلك: لا أبالي أكان هذا أم هذا فقد عاد معنى المساواة إلى فعل القلب, وهو عدم الالتفات والمبالاة وإذا عدم الالتفات بالقلب إلى الشيء عدم العلم به فصار معنى "سواء علي": لا أبالي ولا ألتفت وصارت الجملة الاستفهامية في موضوع المفعول بـ"لا أبالي" كما تكون في موضع
стр. 1009
المفعول إذا قلت: لا أدري, وصار الفعل نحو الضمير المخفوض في علي وعليهم, ولولا قوله "علي" و"عليهم" ما جازت المسألة, وإنما أتى بـ"على" دون غيرها لأن المعنى: هين عليهم أي: لا يبالون, فالضمير في "عليهم" هو الفاعل في "يبالون" فلابد منه في هذه المسألة كما لا بد منه في ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم﴾ فقوله (ليسجننه) و (أَأَنذَرْتَهُمْ) كلام لا يكون في موضع رفع أبدا, إنما يكون في موضع نصب بعد فعل القلب, وذلك أن معنى بدا: ظهر وهو هنا ظهور للقلب لا للعين ولا بد له من فاعل وفاعله هو الاسم المجرور باللام من قوله (لهم) قال: المعنى إلى العلم ورؤية القلب فكأنه قال: ثم رأوا ليسجننه فالفاعل في (رأوا) هو المجرور باللام, كما أن الفاعل في "لا يبالون" هو المجرور بـ"علي" إذا قلت: سواء عليهم وقد قال س في قولهم " له صوت صوت حمار": بنصب الثاني إن"صوت حمار" مفعول وإن الفاعل هو المجرور باللام من قولك "له" وإنه الضمير الذي في يصوت أو يبدي صوت حمار, فكذلك الفاعل هو المخفوض بـ"على" وباللام من قوله (سواء عليهم) و (بدالهم) والجملة المستفهم عنها أو المؤكدة باللام هي المفعول بالمعنى الذي بيناه فـ"سواء" على هذا مبتدأ في الفظ دون المعنى ولذلك لم يكن له خبر في الحقيقة كما كان في قولهم" حسبك ينم الناس" معناه: اكفف فخالف باطن الكلام ظاهره, فلم يكن له خير كما أن قولك "اكفف" لا يخبر عنه وكذلك أقائم زيد؟ " قائم: مبتدأ في اللفظ وزيد: فاعل به ولا خبر لـ"قائم" لأن معنى الكلام: أيقوم زيد؟ وكل مبتدأ معناه/ معنى الفعل فخبره متروك مراعاة للمعنى الذي تضمنه الكلام ولهذا نظائر في أبواب كثيرة من العربية " انتهى كلامه.
стр. 1010
وتلخص من هذا كله أن الجملة بعد (سواء) إما مبتدأ و (سواء) الخبر وإما خبر, و (سواء) المبتدأ وإما فاعل بـ (سواء) و (سواء) مبتدأ وإما مفعول و (سواء) مبتدأ.
وقوله أو مسنداً دون "أما" إلى "أن" وصلتها مثال ذلك: معلوم أنك عاقل قال تعالى ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾.
وهذا الذي ذكره من وجوب تقديم الخبر على "أن" ومعمولها إذا لم تلها "أما" فيه خلاف:
ذهب س والجمهور إلى المنع.
وأجاز تقديم "أن" الأخفش والفراء وأبو حاتم فتقول: أنك عاقل صحيح.
واعتلوا للمنع بخوف الالتباس بالمكسورة أو الالتباس بـ"أن" التي بمعنى "لعل" أو التعرض لدخول "إن" فيستثقل اجتماعهما.
واستدل من أجاز بالقياس على "أن" نحو قوله ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
فإن وليتها أما جاز التقديم بلا خلاف قال الشاعر:
دأبي اصطبار , وأما أنني جزع ... يوم النوى فلوجد كاد يبريني
وقوله أو إلى مقرون بإلا لفظاً: ما في الدار إلا زيد أو معنى: إنما في الدار زيد.
وقوله أو إلى ملتبس بضمير ما التبس بالخبر مثاله: في الدار ساكنها
стр. 1011
وخلف دارك من يشتريها, ومعرض عند هند أخوها وقول الشاعر:
أهابك إجلالاً وما بك قدرة علي ولكن ملء عين حبيبها
وقدم الخبر في هذه لأنه لو تأخر لعاد الضمير إلى متأخر لفظاً ورتبة. فهذه المواضع التي ذكر المصنف أنه يجب فيها تقديم خبر المبتدأ.
وزاد بعض أصحابنا أن يكون الخبر"كم" الخبرية نحو: كم درهم مالك. أو يكون مضافا إليها نحو: صاحب كم غلام أنت, أو يكون قد استعمل متقدماً في مثل نحو قولهم "في كل واد بنو سعد". أو تكون الفاء دخلت على المبتدأ نحو: أما في الدار فزيد.
وزاد بعض أصحابنا: إذا تقدم الخبر ودخله الوصل, نحو: والله لفي الدار أخوك وإن تقم ففي الناس من ينكر قيامك وإن قدمت بعد الوصل جاز.
وزاد آخر أن يكون الخبر اسم إشارة ظرفاً نحو: ثم زيد وهنا جعفر وقال: فهذا يتقدم على المبتدأ ولا يجوز تأخيره أصلا لأن فيها الإشارة, فقدمت كما تقدم "هذا" على "زيد" في الإخبار ألا ترى أنك تقول: هذا زيد ولا تقول: زيد هذا ولما رآه الفراء مبدوءا به جعله أعرف من العلم, وذلك أن تقدمه إنما كان لأجل الإشارة وقد ثبتت الإشارة مقدمة
стр. 1012
في: ههنا زيد/ وثم عمرو فكذلك: هذا زيد. انتهى.
ولما ذكر المصنف ما يجب فيه تأخير الحبر, وما يجب فيه تقديمه, واستدركنا عليه ما ذكره أصحابنا دل ذلك على أن ما سوى ما ذكر يجوز فيه التقديم والتأخير سواء أكان الخبر اسماً رافعاً ضمير المبتدأ أم رافعاً سببيه, أو ناصباً ضميره أو سببيه نحو: قائم زيد وقائم أبوه زيد وقام أبوه زيد, وضربته زيد, وضرب أخاها زيد هند, وهذا مذهب البصريين.
وذهب الكوفيون إلى منع تقديم الخبر في هذه المسائل كلها ونسب ذلك إلى الخليل.
والصحيح ما ذهب إليه البصريون, حكي س عن العرب:" مشنوء من يشنؤك وتميمي أنا وخز صفتك وأرجل عبد الله" وقال الشاعر:
إلى ملك ما أمه من محارب ... أبوه, ولا كانت كليب تصاهره
وقال الآخر:
قد ثكلت أمه من كنت واحدة وصار منتشباً في برثن الأسد
وقال:
فتى ما ابن الأغر إذا شتونا وحب الزاد في شهري قماح
стр. 1013
التقدير: من يشنؤك مشنوء, وأنا تميمي وصفتك خز وأعبد الله رجل؟ وأبوه ما أمه من محارب ومن كنت واحدة قد ثكلت أمه وابن الأعز فتى إذا شتونا.
ونقل بعض أصحابنا عن ألكسائي والفراء أنهما يجيزان التقديم إذا لم يكن الضمير مرفوعاً نحو: ضربته زيد, ويمنعان ذلك مع المرفوع نحو: قائم زيد.
والصحيح عن الكوفيين المنع مفرداً كان الخبر أو الجملة وفرقوا بيم: قائم زيد, وضربته زيد فمنعوا, وبين: في داره زيد فأجازوا. قالوا: لأن هذا الضمير غير معتمد عليه, ألا ترى أن المقصود: في الدار زيد, وحصل هذا الضمير بالعرض كما أنهم أجازوا: ضرب غلامه زيد لأن المقود: ضرب الغلام واتفق أن كان المضروب غلامه. وهم محجوجون بالسماع السابق ذكره.
وذهب أبو الحسين بن الطراوة إلى مذهب غريب في تقديم الخبر بناه على مذهب له في الواجب والجائز والممتنع فالواجب عنده: رجل وقائم ونحوهما مما يجب أن يكون في الوجود ولا ينفك الوجود عنه. والممتنع: لا قائم ولا رجل إذ يمتنع الوجود أن يكون لا رجل فيه ولا قائم. والجائز مثل زيد وعمرو, لأنه جائز أن يكون وجائز أن لا يكون. قال: فكلام مركب من واجبين ولا يجوز, نحو: رجل قائم, لأنه لا فائدة فيه, وكلام مركب من ممتنعين أيضا لا يجوز مثل: لا رجل لا قائم لأنه /كذب ولا فائدة فيه, كلام مركب من واجب وجائز صحيح نحو: زيد قائم وكلام مركب من ممتنع وجائز لا يجوز ولا من واجب وممتنع, نحو: زيد لا قائم ورجل لا قائم لأنه كذب إذ معناه: لا قائم في
стр. 1014
الوجود وكلام مركب من جائزين لا يجوز نحو: زيد أخوك لأنه معلوم لكن بتأخيره صار واجباً فصح الإخبار به لأنه مجهول في حق المخاطب, فالجائز يصير بتأخيره واجباً. وإذا ثبت هذه كله أنبني عليه أن لا يجوز: قائم زيد, لأن زيدا صار بتأخيره واجباً فصار الكلام مركباً من واجبين فصار بمنزلة: قائم رجل. فلا يجوز عنده تقدم الخبر إذ كان واجباً.
وتأول المثل التي أوردها س, فقال:" مشنوء من يشنؤك" دعاء كأنه قيل: شنئ من يشنؤك فكأنك ابتدأن بفعل. ورد هذا التأويل بأنه دعوى, ولو كان على معنى الدعاء لنقله س.
وقال: "تميمي أنا" هو جواب لمن قال: ماأنت؟ فقال: تميمي على معنى: أنا تميمي وحذف المبتدأ ثم أتى بـ"أنا" توكيدا. ورد بأن قوله "إنه جواب" دعوى, ولم يقله أحد ولا يجوز حذف المؤكد للتناقض.
وقال:" خز صفتك " على معنى: من خز صفتك فابتدأت بمجرور. وكذا عمل في: هذا درهم ضرب الأمير أي: من ضرب الأمير فهو صفة للنكرة وخرجه الخليل على إضمار "هو" أي: هو ضرب الأمير , ورد بأنه يلزمه: هذا راقود الخل, لأنه في معنى: من الخل والعرب لا تقول لا ذلك.
وقال: "أرجل عبد الله؟ " عبد الله: فاعل وكأنك قلت: أكامل عبد الله؟ قال: والدليل على هذا أنك لم ترد أن تسأل عن كونه رجلاً لأن ذلك معلوم. ورد ذلك فهو يخالف "أكامل" في العمل غايته أن يعمل في الحال في نحو: أنت الرجل علماً أما أن يعمل رفعاً فلا لضعفه.
وأما قوله"إن الجائز بتأخيره يصير واجباً" فرد عليه بأنه لا يصير الجائز بالتأخير واجباً, ومعناه مقدما وموخراً واحد أي: هو مخبر عنه قدمته أم أخرته كما لا يصير الفاعل بتأخيره عن المفعول مفعولاً ولا المفعول بتقديمه فاعلاً.
стр. 1015
-[ص: وتقديم المفسر إن أمكن مصحح خلافاً للكوفيين إلا هشاماً ووافق ألكسائي في جواز نحو: زيدا أجله محرز لا في نحو: زيداً أجله أحرز.]-
ش: قال المصنف في الشرح:" إذا التبس المبتدأ بضمير اسم ملتبس الخبر, وأمكن تقديم صاحب الضمير صحت المسألة عند البصريين وهشام الكوفي نحو: زيداً أجله نحرز, وزيداً أجله أحرز, ووافق ألكسائي في مسألة اسم الفاعل لا في مسألة الفعل" انتهى كلامه.
وقال غيره:" وتقول:/ زيداً أبوه ضرب أو يضرب جائزة من قول البصريين وهشام وخطأ من قول ألكسائي الفراء. والحجة لهما أن تقدير "زيد" أن يكون بعد الفعل فيصير التقدير: أبوه ضرب زيدا فيتقدم المكني على الظاهر فإن قلت: زيداً أبوه ضارب أجازها البصريون والكسائي, وأحالها الفراء" انتهى.
قال المصنف:" وعضد أبو علي قول ألكسائي بأن قال: المبتدأ وخبره المفرد بمنزلة الفعل والفاعل, فكما لا يمتنع: زيداً أحرز أجله, لا يمتنع: زيداً أجله محرز, لأنه لم يفصل بين المنصوب وناصبه أجنبي, بخلاف: زيداً أجله أحرز فإن الأجل- وإن كان الفعل خبره- فالإخبار بالفعل على خلاف الأصل لأن الفعل وفاعله أصلهما أن يستقل بهما كلام فعد المبتدأ فبلهما أجنبياً بخلاف وقوعه قبل اسم الفاعل فإن اتصال المبتدأ به على الأصل لأنه مفرد.
قال المصنف:" وقول أبي علي"إن الفعل وفاعله أصلهما أن يستقلَّ
стр. 1016
بهما كلام, فعد المبتدأ قبلهما أجنبياً" تحيل جدلي لا ثبوت له عند التحقيق لأن الجملة لا توقع موقع المفرد إلا لتؤدي معناه وتقوم مقامه, فلا يعد ما هي له خبر أجنبيا, كما لا يعد أجنبيا ما المفرد له خبر.
وقد يفرق بين الصورتين بأن اسم الفاعل لا يجب تأخيره فلا يمتنع تقديم معموله بخلاف الفعل فإن تأخيره إذا وقع خبر مبتدأ واجب فلا يجوز تقديم معموله لأن تقديم المعمول يؤذن بتقديم العامل.
والصحيح ما ذهب إليه البصريون من التسوية في الجواز بين: زيدا أجله محرز وزيداً أجله أحرز بل الآخر أولى بالجواز لأن العامل فيه فعل, عامل المثال الأول اسم فاعل فمن يمنع الأول دون الآخر فقد رجح فرعاً على أصل, ومن منعهما فقد ضيق رحيبا وبعد قريباً ومن حجج البصريين قول الشاعر:
خيراً المبتغية حاز وأن لم ... يقض فالسعي في الرشاد رشاد
فهذا مثله: زيداً أجله أحرز" انتهى كلام المصنف.
وفي البسط: إذا كان في الفاعل ضمير يعود على المفعول, وقدمتهما فقلت: زيداً أجله أحرز, وزيداً غلامه ضرب فأكثر النحويين المتقدمين يحيلها وجوزها هشام والمتأخرون منهم لأن المفعول لما تقدم عاد عليه الضمير , فكأنك قلت: أجل زيد أحرز زيداً, وإذا كان يجوز عود الضمير على ما لم يتقدم كقوله تعالى ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن
стр. 1017
دَابَّةٍ﴾ , و ﴿بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ﴾ فأولى هنا, وليس المفعول كالفاعل في التقدم فإن الفاعل إذا تقدم خرج عن الفعل بخلاف المفعول فلذلك بقي مفعولاً
تم بحمد الله تعالى وتوفيقه
الجزء الثالث من كتاب" التذييل والتكميل"
بتقسيم محققه ويليه- إن شاء الله تعالى-
الجزء الرابع, وأوله:
"ص: فصل: الخبر مفرد وجملة, والمفرد مشتق وغيره"
стр. 1018
التذييل والتكميل
في شرح
كتاب التسهيل
ألفه
أبو حيان الأندلسي
حققه الأستاذ
الدكتور حسن هنداوي
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية- فرع القصيم
الجزء الرابع
دار القلم
دمشق
стр. 1019
-[ص: فصل
الخبر مفرد/ وجملة، والمفرد مشتق وغيره، وكلاهما مغاير للمبتدأ لفظًا متحد به معنى، ومتحد به لفظًا دال على الشهرة وعدم التغير، ومغاير له مطلقًا دال على التساوي حقيقة، أو مجازًا، أو قائم مقام مضاف، أو مشعر بلزوم حال تلحق العين بالمعنى، والمعنى بالعين مجازًا.
ولا يتحمل غير المشتق ضميرًا ما لم يؤول بمشتق، خلافًا للكسائي، ويتحمله المشتق خبرًا أو نعتًا أو حالًا ما لم يرفع ظاهرًا أو محلًا، ويستكن الضمير إن جرى متحمله على صاحب معناه، وإلا برز، وقد يستكن إن أمن اللبس، وفاقا للكوفيين.]-
ش: قسم المصنف خبر المبتدأ إلى قسمين: مفرد وجملة، وذكر أن المفرد ما تسلطت عوامل الأسماء على لفظه عاريًا من إضافة وشبهها، أو متلبسًا بأحدهما، نحو: زيد ومنطلق، وعمرو صاحبك، وبشر قائم أبوه، وذكر أن قولك: "قائم أبوه" من هذا الكلام ليس بجملة عند المحققين، وذكر أن الجملة ما [تضمن جزأين ليس] لعوامل الأسماء تسلط على لفظهما أو لفظ أحدهما، نحو: زيد أبوه عمرو، وبشر حضر أخوه. وهذا التقسيم عليه جمهور النحويين.
وذهب أبو بكر بن السراج إلى أن الإخبار بالظرف أو المجرور
стр. 1020
قسم برأسه، ليس من قبيل المفرد ولا من قبيل الجملة. ذكر ذلك عنه أبو علي الفارسي في الشيرازيات والعسكريات، وزعم أنه مذهب حسن، فإذا قلت: زيد في الدار، أو زيد أمامك، فهو تركيب برأسه، وليس من تركيب الاسم مع الاسم، ولا من تركيب الاسم مع الفعل.
واستدل على ذلك بأن العرب عاملتهما معاملة غير المفرد وغير الجملة، بدليل قولهم: إن في الدار زيدًا، ولو قلت: إن استقر في الدار زيدًا، أو إن مستقر في الدار زيد، لم يجز ذلك، فلو كان الظرف أو المجرور بمنزلة مستقر أو استقر لم يجز تقديمه على اسم إن، كما لا يجوز تقديمهما، وقد جاز ذلك، فدل على أنهما ليسا بمنزلتهما.
قال بعض أصحابنا: "والصحيح أن تركيب الاسم والظرف أو المجرور لا بد له أن يكون في الأصل راجعًا إلى تركيب الاسم مع الاسم؛ أو الاسم مع الفعل، وإنما وجه جعله نوعًا ثالثًا مخالفة حكمه بعد الحذف لحكمه قبل الحذف فيما ذكرناه، ومخالفة الحكم لا يلزم عنها مخالفة التركيب؛ ألا ترى أنك إن راعيت المحذوف وقدرته كان الاسم المبتدأ مركبًا مع ذلك العامل المحذوف على حسب ما تقدره من اسم أو فعل؛ وإن لم تراع المحذوف لقيام الظرف والمجرور مقامه وجب أن يكون الرعي للظرف والمجرور القائمين مقام المحذوف، والظرف اسم، فليزم أن يكون المبتدأ والظرف من قبيل تركيب الاسم مع الاسم والحرف.
следующие страницы →